رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الخامس والاربعون
في صباح يوم جديد كانت رنيم تجلس فوق فراشها في وضع منكسر لم تعهده على نفسها من قبل ضمت ساقيها إلى صدرها وأحاطتهما بذراعيها، بينما أسندت رأسها فوق ركبتيها، تاركة العنان لدموعها التي لم تجف منذ الليلة الماضية، كانت خائفة.. خائفة إلى حد جعل أنفاسها ثقيلة وقلبها عاجزا عن إيجاد أي مخرج. لم تكن تعرف ماذا تفعل، فتنفيذ ما طلبه منها زين أشبه بالمستحيل، لكن فكرة أن يصيب شاهين مكروه بسببها كانت أكثر رعبا من أي شيء آخر.
انتفض جسدها بقوة عندما اخترق سكون الغرفة صوت طرقات خفيفة على الباب، أعقبها صوت
شاهين الغاضب
مش ناوية تفتحي يا رنيم بقى ؟"
رفعت رأسها سريعا ونظرت نحو الباب بتوتر واضح نهضت ببطء واتجهت إليه، لكنها توقفت فجأة عندما تذكرت الجرح المختبئ عند عنقها، ذلك الأثر الذي تركته سكين زين الباردة. استدارت على الفور نحو خزانة ملابسها، وأخرجت إسكارها سريعا لفته حول عنقها بإحكام.
تحاول إخفاء خوفها قبل أن تخفي الجرح نفسه.
بعد لحظات فتحت الباب، ونظرت إليه بعيتين متعبتین و همست:
"ص صباح الخير."
و ارتباکها یکاد يرى بالعين المجردة. لذلك سألها بهدوء حذر:
تأملها شاهين طويلا، كانت ملامحها شاحبة أكثر من المعتاد، وعيناها منتفختان من البكاء،
"ممكن أفهم أنتي فيه أيه من إمبارح ؟ قافلة الباب عليكي ورافضه تفتحي، وواضح أنك كنتي بتعيطي طول الليل، مخبيه أيه عليا يا رنيم؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت أن نظراته تخترق دفاعاتها الهشة تحركت سريعا من أمامه حتى لا يلتقط المزيد من ارتباكها، ثم قالت:
م مافيش یا شاهین، لا كنت تعبانه شوية، و ومش حابه أتكلم مع حد، و وبعدين | أنا حرة، مش مجبرة أعرفك عني كل حاجة."
رفع إحدى حاجبيه للأعلى، ونظر إليها بنظرة ممتزجة بالشك والضيق قبل أن يقول بتهكم: "والله! وده أسمه أيه إن شاء الله ؟ ده أحنا لسه كنا حلوين امبارح الصبح مع بعض، متحاوليش تكدبي عليا يا رنيم وقوليلي حصل أيه وأنا مش هنا شقلب حالك بالشكل ده؟"
زفرت بضيق وهي تشعر أن الأرض تضيق بها أكثر فأكثر، ثم قالت بنفاد صبر:
یووه بقى يا شاهين متبقاش خنيق كده قلتلك مافيش حاجه حصلت، اعتبرهم شوية
هرمونات عادي يعني بتحصل "
أوما برأسه بعدم اقتناع، ثم اقترب منها بخطوات هادئة حتى أصبح خلفها مباشرة، أحاطها
بذراعيه من الخلف وهمس بالقرب من أذنها:
" وأنا تحت أمر هرمونات الملكة رنيم، أطلبي وأنا أنفذ علشان أعدل مزاج روح قلبي "
أغمضت عينيها فوزا، وشعرت بضعف يجتاح قدميها قربه منها كان دائما كفيلا بإرباكها، أما الآن
فكان يزيد من شعورها بالذنب والخوف.
خرج صوتها مرتعشا وهي تهمس:
ش شاهين | أبعد لو سمحت."
مال برأسه تلقائيا نحو عنقها، لكنه اصطدم بالقماش الملفوف حوله عقد حاجبيه باستغراب ومد
يده لينزع الإسكارف، لكنها أمسكت يده بسرعة وقالت بتوتر واضح
"... لا سيبة"
توقف مكانه للحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال بهمس دافئ
"اللي تأمري بي يا من عيوني "
أبعد يده كما طلبت، ثم رفعها نحو وجهها وأدارها إليه برفق، لتلتقي عيناهما من جديد.
تكلم بصوت صادق يحمل كل ما يشعر به:
"مش عايزك تتعصبي ولا تكوني مضايقه طول ما أنا معاكي يا رنيم، اعتبريني، كل حاجه بالنسبه ليكي، صاحبك واخوكي وحبيبك وابنك وأبوكي، ووقت ما تحتاجي شخصيه من دول
هتلاقيني بقوم بدورهم على أكمل وجه"
ارتجف قلبها بقوة، وشعرت أن كلماته تمزق ما تبقى من مقاومتها لو كان بعلم فقط ماذا تخفي عنه ... نظرت إليه بحزن بالغ وقالت بصوت مختنق
بلاش تعمل كده أرجوك أنت بتزود عذابي بطريقتك دي."
مرر يده على خدها بحنان وابتسم ابتسامة عاشقة وقال:
بس أنا مش عايز أزود عذابك، أنا عايز أزود حبي في قلبك"
امتلات عيناها بالدموع من جديد، وقالت بصوت متكسر:
انت مش عارف حاجة يا شاهين، كفاية ارجوك "
قطب حاجبيه بحيرة وسألها:
"فاهم أيه ؟ أنا عايز أعرف أنتي مخبيه أيه عني يا رنيم؟"
هزت رأسها نفيا بسرعة وقالت:
مش مخبيه حاجة يا شاهين، أنت عارف أني مستحيل هوافق عليك، سبق وقلتلك بناتك أولى
بيك "
وكأن كلماتها ألقت الزيت فوق نار مشتعلة.
ابتعد عنها شاهين بضيق ومرر يده بين خصلات شعره بعصبية قبل أن يقول من بين أسنانه:
تااني يا رنيم؟ أنا تعبت وزهقت من الكلام في الموضوع ده أنتي كنتي خلاص في المستشفى
هتوافقي لولا اتصال التليفون، أيه غير رأيك تاني ؟ أنا بحبك يا رنيم، ومهما رفضي مش هتكوني
غير ليا."
استدارت عنه وهي تعصر أصابعها ببعضها من شدة التوتر، ثم قالت بصوت متردد:
ممكن اطلب منك طلب يا شاهين؟"
نظر إليها باستغراب، لكنه أوماً موافقا:
اه طبقا اؤمري."
أغمضت عينيها للحظة وكأنها تجمع شجاعتها المبعثرة، ثم قالت:
"ممكن تسيبني اليومين دول لوحدي ؟ ي يعني بلاش وجودك معايا في الشقه الفترة الجايه ؟ عايزة أكون براحتي وافكر بهدوء، واخد قرارتي من غير أي ضغوط "
انعقد حاجباه أكثر وهو يسألها بعدم فهم:
وانا وجودي معاكي هنا، ضغط عليكي في أيه؟"
أجابت بتلعثم حاولت إخفاءه:
ساد الصمت بينهما لعدة ثوان بدت أطول من عمر كامل.
في كثير يا شاهين، وجودك جنبي بيوترني وبيخليني مشوشة ومش قادرة أركز ولا أخد قرار."
وأخيرا قال بصوت مختنق يخفي خلفه الكثير من الغضب والألم:
ظل ينظر إليها طويلا، يحاول فهم ذلك التغيير المفاجئ الذي طرأ عليها، لكنه لم يجد إجابة.
ماشي يا رنيم هنفذلك اللي أنتي عايزاه لحد بس ما أعرف أيه حصل غيرك في يوم وليله وأعملي حسابك، فكري براحتك، زي ما انتي عايزة، بس قرارك النهائي الموافقة، علشان أنا مش هسمحلك بقرار تاني غيره، فاااهمه؟"
ارتفع صوته في كلمته الأخيرة حتى انتفض جسدها بالكامل واتسعت عيناها بخوف لم يستطع تفسيره.
اكتفت بهزة خافتة من رأسها دون أن تنطق بكلمة واحدة، بينما كانت أفكارها تدور في دوامة مرعبة حول الخطوة القادمة.. والقرار الذي ستضطر لإعلانه قريبا، القرار الذي تعلم جيدا أنه
سیدمر شاهين ويجعله يفقد صوابه تماما.
وبينما كانت غارقة في أفكارها، دوى صوت الباب وهو يغلق بعنف.
لقد غادر شاهين الشقة أخيرا، دون أن يضيف كلمة أخرى، واتجه إلى شقته المقابلة وقلبه يغلي غضبا وحيرة، بينما بقيت رنيم وحدها وسط خوفها ودموعها تشعر أن كل شيء من حولها ينهار ببطء، وأن الأيام القادمة تحمل لها ما هو أصعب بكثير مما تستطيع احتماله.
وصلت سمية إلى فيلا غريب وملامح وجهها متجهمة على غير عادتها، بينما كانت تيران الغضب تشتعل داخل صدرها منذ أن رأت حال ابنتها. لم تعد تحتمل رؤية جواهر وهي تذبل يوما بعد
يوم السعادة انسحبت من روحها وتركت مكانها للحزن والانكسار.
استقبلتها ترنيم بابتسامتها الدافئة المعتادة، وتقدمت منها تعانقها بمحبة قائلة:
تعالي يا روح أختك أدخلي."
لكن سمية لم تبادلها العناق كما كانت تفعل دائما ظلت ذراعاها ساكنتين إلى جوار جسدها، ولم تنطق بحرف واحد. كان الجمود الذي ارتسم على ملامحها كافيا ليجعل ترنيم تشعر أن هناك أمرا
جللا يحدث.
ابتعدت عنها قليلا ونظرت إليها باستغراب وقلق وقالت:
"مالك يا سمية؟"
رفعت سمية عينيها إليها، وكان الغضب واضحًا فيهما بشكل لم تستطع إخفاءه، ثم قالت بصوت
محتقن :
"أبنك فين يا ترنيم ؟"
انعقد حاجبا ترنيم بدهشة وهي تجيب:
فوق في أوضه، هو حصل حاجه ولا أيه؟"
لكن سمية لم تمنحها فرصة لسماع الإجابة.
استدارت مباشرة واتجهت نحو الدرج بخطوات سريعة ومتوترة صعدت إلى الطابق العلوي
بينما كانت ترنيم تنظر إليها بحيرة قبل أن تلحق بها على الفور.
وصلت سمية إلى غرفة جواد، ودفعت الباب دون استئذان
انتقض جواد من مكانه فور رؤيتها، واتسعت عيناه بدهشة وهو يقترب منها قائلا:
خالتوا سميه ! جواهر فيها حاجه ؟"
كانت أول فكرة خطرت إلى عقله أن مكروها أصاب جواهر، وإلا لما جاءت والدتها بهذه الحالة. لكن سمية نظرت إليه بضيق شديد وقالت من بين أسنانها:
"أنت بتعمل كده ليه في جواهر يا جواد عايز توصل بنتي لايه بالظبط، أنا لو أعرف أن الجوازة دي هتعمل كده فيها ؟ كنت رفضك لما جيت طلبتها مني أنا بسببك بنتي بقت شبه الوردة
الدبلانه، بسببك دموعها على خدها ليل ونهار، أنطق يا جواد عملت فيها كده؟"
في تلك اللحظة وصلت ترنيم إلى الغرفة، وتوقفت عند الباب تستمع إلى كلمات سمية المليئة بوجع الأم وخوفها على ابنتها. ثم نظرت إلى جواد بلوم واضح، تنتظر منه تفسيرا لما يحدث.
أما جواد فظل صامنا.
استمع لكل كلمة خرجت من فم سمية دون أن يقاطعها، بينما كانت ملامحه تزداد قسوة شيئا فشيئا، وحين انتهت أخيرا، سحب نفسا عميقا وأخرجه ببطء محاولا السيطرة على انفعاله ثم قال:
يعني أنا بقيت وحش أوي كده؟ خلاص نسيتي حبي لبنتك ؟ وعلشان شوية زعل بقيت وحش وخليتها شبه الوردة الدبلانه ؟ طيب مسألتيش أنا ليه عملت معاها كده؟ محاولتيش تعرفي أنا ليه اتغيرت معاها دلوقتي ؟"
لم ينجح هدوؤه في تهدئة سمية، بل ازدادت غضبا وهي تقول بصوت مرتفع:
مهما كان ده ميوصلكش تعمل كده فيها، بنتي بتموت بالبطيئ بسببك، وأنت هنا ولا على بالك.
ما دام مش فارقة معاك طلقها."
شعر وكأن الكلمات أصابت قلبه مباشرة.
أغلق عينيه للحظة محاولاً احتواء ما يشعر به، ثم قال بصوت مكتوم
يا خالتوا أسمعي وأفهمي الأول وبعد كده أبقي أحكمي "
عقدت ذراعيها أمام صدرها وظلت تنظر إليه بصمت، تمنحه فرصة أخيرة للكلام.
زفر بضيق وأخذ نفسا عميقا قبل أن يبدأ الحديث:
"بنتك مبقتش بتسمع الكلام، شايفه أننا ما دام أنجوزنا، يبقى تعمل اللي هي عايزاه، نبتها بدل
المرة مليون مرة بس ولا كاني بقولها حاجة عديت موضوع تهديد اللي اسمه وحيد ليها، عديت
موضوع شاهين اللي خبته عليا، عديت حاجات كثير ومازالت بعدي بس هي عملت ايه؟ يتسوء
فيها، لما قلت ليها متروحيش عند رنيم المستشفى جات قصاد الكل وكسرت كلمتي وراحت خلت منظري هلهوله، ماليش كلمة عليها، الأول كنا بنتخانق كثير بس كنت براجع نفسي وأقول بلاش تضغط عليها هي دلوقتي ليها أمها وأبوها مسؤولة منهم، لكن دلوقتي هي مراتي لازم تحترمني، لازم تفهم اني راجل ليا كلمة عليها، ولما أقول لاء، يبقى لازم تنفذها، أنا بحب جواهر بعشقها كمان ومش حابب اللي علاقتنا وصلت لي بس برضه حابب تفهم الصح من الغلط قبل ما يتقفل علينا باب واحد"
كادت سمية ترد عليه، لكن ترنيم سبقتها هذه المرة.
تقدمت خطوة للأمام، وقد بدأ الغضب يظهر بوضوح على ملامحها، ثم قالت:
" وهي فين من ده كله؟ فين شخصيتها اللي أنت عايز تمحيها ؟ مش معنى أنك مش موافق على حاجه يبقى هي مجبرة ترفضها علشان تسمع كلامك الأول المفروض تتناقشوا في الموضوع وتسمع وجهة نظرها وتقول وجهة نظرك وتوصلوا لحل يرضيكم أنتوا الاتنين، مش يرضيك أنت بس يا جواد، أنت مش أخد بنات الناس علشان تعيش دور سي السيد عليها وتفرض سيطرتك عليها، أنا شايفه أنها مكانتش غلطانه في المستشفى ولا غلطانه اصلا قبل كده، انت اللي غلطان وعايز ضرب الجزمه كمان البنت بتحبك، وبتتمنالك الرضا ترضى بلاش نفسى عليها وتكرهها
فيك يا أبني علشان لو خسرتها هتفضل عمرك كله ندمان عليها."
هبطت كلمات ترنيم على سمية كالماء البارد، فهذا جزء من غضبها وهي تستمع إليها تنصف
جواهر وتدافع عنها.
أما جواد فقد اشتدت ملامحه قسوة، وضغط على أسنانه بقوة قبل أن يقول بغضب:
"آه ما أنتي لازم تنصفيها، علشان عملت زبك وكسرت كلمتي زبي ما أنتي كسرتي كلمة بابا في المستشفى، بس لا يا ماما أنا وهي غيرك أنتي وبابا، أنا اه يحب أكون سي السيد وده ولا عيب ولا حرام، كل واحد حر في حياته، وأشكل مراتي زي ما أنا عايز، مش زي ما انتوا عايزين لم تحتمل ترنيم كلماته.
ارتفعت يدها في لحظة غضب وصفعته بقوة على خده، فدوى صوت الصفعة داخل الغرفة قبل
أن تقول بحدة:
"اخرس قطع لسانك، إياك تتكلم بقلة أدب معايا یا جواد مش علشان شديت طولك شويه تنسى اني أمك وتبطل تحترمني، وبالنسبه لجواهر أنا اللي يقولك أنك متستحقهاش، وهخلصها منك
وهخليها تعيش حياتها مع الراجل اللي يستحقها ويحبها بجد"
الصفعة نفسها لم تؤلمه .. لكن الكلمات فعلت خصوصا الجزء الأخير.
مجرد تخيل جواهر مع رجل آخر كان كفيلا بإشعال كل ذرة غضب داخله.
فرفع رأسه فجأة وصاح بغضب هائل:
طيب خلي حد يقرب منها وأنا هقتله يا ماما، جواهر بتاعتي ومش هتكون غير ليا فاااهمين "
ما إن أنهى كلماته حتى استدار بعنف ولكم زجاج خزانة ملابسه بقبضته.
تحطم الزجاج تحت يده وتناثرت الشظايا على الأرض بينما اندفعت الدماء من كفه بغزارة.
ثم أطلق صرخة غاضبة جعلت ترنيم تنتفض في مكانها.
ركضت نحوه غریزیا کی تطمئن على يده، لكنه تراجع وهو يقول بغضب:
"متقرييش واطلعوا بره
شعرت ترنيم بالندم على ما قالته قبل قليل، فنظرت اليه يحزن وقالت:
جواد عصبيتك دي هي السبب في كل حاجه."
لكن رد فعله جاء أعنف مما توقعت.
إذ صرح بغضب أكبر:
"اطلعوا بررره.
نظرت ترنيم إلى سمية بعجز، ثم تحركنا نحو الباب.
لكن قبل أن تغادرا تماما، أوقفهما صوته الغاضب وهو يقول:
ثلاثه بالله العلي العظيم لو شفت راجل مقرب منها لكون قتله وداخل فيه السجن، جواهر
مراتي، ومش هطلقها فاهمين "
تبادلت المرأتان النظرات قبل أن تومنا برأسيهما بصمت.
ثم خرجتا سريقا قبل أن ينفجر غضبه أكثر فهما تعرفان جيدا أن جواد حين يصل إلى هذه الحالة يصبح قادرا على تحطيم كل شيء حوله.
وبمجرد أن أغلق الباب خلفهما، نظر جواد إلى أثرهما بعينين مشتعلتين.
جلس على حافة السرير يلتقط أنفاسه بصعوبة، بينما كانت الدماء ما تزال تنساب من يده دون
توقف، لكنه لم يشعر بالمها. فالألم الحقيقي كان في مكان آخر تماما.
جلس شاهين داخل غرفته يشعر بغضب وحيرة تلتهمان رأسه بلا رحمة. لم يكن قادرا على فهم ما حدث لرنيم حتى تتبدل بهذه الصورة المفاجئة، فمنذ صباح الأمس كانت قريبة منه كما اعتادها، تدلله بطريقتها العفوية، وتنظر إليه بعينين تقيضان بعشق صادق لا تخطئه العين، أما الآن فقد أصبحت تتجنبه بصورة واضحة، تطلب منه أن يبتعد عنها ويتركها بمفردها، وتتهرب من وجوده، شيئا ما انقلب داخلها بين ليلة وضحاها.
زفر بضيق وهو يمرر يده بين خصلات شعره بعصبية، ثم نهض من فوق السرير واتجه نحو
الشرفة. أخرج سيجارة وأشعلها، قبل أن ينفت دخانها في الهواء ببطء، بينما ظلت عيناه معلقتين بالفراغ أمامه دون هدف حقيقي كان يتابع تصاعد الدخان إلى الأعلى حتى يتلاشى
شيئا فشيئا، وكأنه يرى حيرته تتبدد معه دون أن يجد لها تفسيرا.
وبعد لحظات التفت بنظره نحو شرفة رنيم منتظرا ظهورها، كان يأمل أن يراها ولو لثوان
معدودة، لعل عينيها تمنحانه إجابة أو إشارة تطمئنه إلى أن كل ما يحدث مجرد سوء فهم عابر لكنها لم تظهر. ظل يراقب المكان يصمت حتى هبط بصره إلى الأسفل مصادفة، لتستقر عيناه
على شيء ملقى بالقرب من سور الشرفة.
عقد حاجبيه باستغراب وتحرك نحوه يبطء، ثم انحنى والتقطه من الأرض كانت سكينا صغيرة يعلو نصلها أثر واضح لدماء جافة، اعتدل بجسده وأخذ يقلبها بين يديه أكثر من مرة، يحاول استيعاب وجودها في هذا المكان، لكن الأمر بدا غامضا ومثيرا للريبة بصورة جعلت عدم
الارتياح يتسلل إلى داخله.
سکین داخل شرفته و عليها آثار دماء؟
كيف وصلت إلى هنا؟ ولمن تعود؟
ظل يتأملها لثوان طويلة دون أن يصل إلى أي تفسير منطقي، ثم عاد إلى الداخل ووضعها داخل درج مكتبه الخشبي وأغلقه بإحكام، قبل أن يرمق الدرج بنظرة طويلة، عقله يسجل تلك
الملاحظة ليعود إليها لاحقا.
في تلك اللحظة سمع طرقات خفيفة على الباب، فالتفت نحوه وتحرك بخطوات هادئة، ثم فتحه ليجد ميا أمامه.
ارتسمت ابتسامة حانية على وجهه وأفسح لها الطريق قائلا:
"أدخلي يا حبيبتي "
دخلت الصغيرة إلى الغرفة، فأغلق شاهين الباب خلفها، ثم وضع يده فوق كتفها واتجه معها نحو السرير. جلسا معا قبل أن ينظر إليها بحب ويقول:
حبيبت بابي صاحبة بدري ليه ؟"
حرکت كتفيها بضيق وقالت :
مش عارفه انام، كل شوية إيما تصرخ وهي خايفه وترجع تمام ثاني "
اختفت ابتسامته تدريجيا، وعقد ما بين حاجبيه باستغراب وهو يسألها:
" وهي بتعمل كده على طول؟ ولا هو النهاردة بس؟"
تكلمت سريعا ووضحت له قائلة:
من يوم ما اتخطفت يا بابي وهي خايفه كده على طول، تفضل تصرخ وتعيط كثير وتقوم مفزوعه من نومها."
أغمض شاهين عينيه بضيق وهو يشعر بغضب مكتوم يشتعل داخله كلما تذكر ما مرت به طفلته ثم زفر ببطء وأوما برأسه قائلا:
معلش يا حبيبتي، أستحملي أختك شويه اللي هي شافته وهي مخطوفه مكانش قليل عليها." اومات برأسها بتفهم ثم قالت بحزن:
"أنا مش مضايقه منها خالص يا بابي، أنا بس زعلانه عليها ومن خوفها، المهم أنا روحت خبط
على باب رنيم مفتحتش ليا هي مش جوه ولا أيه؟"
رفع رأسه إليها سريعا ونظر لها باستغراب وقال:
"لا انا لسه سايبها كانت جوة هتكون راحت فين ؟"
حركت كتفيها بطفوليه وقالت:
مش عارفه انا فضلت أخبط على الباب، وارن الجرس عليها، مش بترد"
تلاشت بقايا هدوله عند سماع كلماتها. فعدم رد رنيم لم يعد أمرا عاديا بالنسبة له، خاصة بعد تصرفاتها الغريبة منذ الأمس. مد يده سريعا نحو هاتفه والتقطه، ثم نظر إلى ابنته وقال:
"ماشي يا حبيبتي روحي أوضك دلوقتي حاولي تنامي شوية لسه بدري "
أومأت برأسها ونهضت من مكانها، ثم اتجهت نحو الباب وخرجت منه وأغلقته خلفها بهدوء. ظل شاهين يتابع أثرها للحظات قبل أن يخفض بصره إلى شاشة الهاتف. أخذ يبحث بين
الأسماء حتى استقر نظره على اسم رنيم فضغط على زر الاتصال ووضع الهاتف على أذنه
منتظرا أن تجيب، لكنها لم ترد عليه.
اشتدت ملامحه قليلا، فأعاد الاتصال مرة أخرى وهو يحاول إقناع نفسه بأنها ربما لم تسمع الهاتف، إلا أن المحاولة الثانية لم تكن أفضل من الأولى، إذ استمر الصمت على الجانب الآخر
دون أي استجابة منها.
ضغط على أسنانه بعصبية، وشعر بأن القلق بدأ يتسلل إلى داخله رغما عنه. خفض الهاتف عن أذنه ونظر إلى الشاشة للحظات، ثم ألقاه فوق السرير بغضب واضح، قبل أن يرفع رأسه وينظر أمامه بنظرة متوعدة لرنيم، وقد ازداد يقينه بأن هناك شيئا تخفيه عنه مهما حاولت الإنكار أو الهروب.
كانت تجلس داخل احدى الكافيهات وهي تشعر بأنفاسها تضيق شيئا فشينا، بينما يداها الباردتان
تحتضنان حقيبة يدها بقوة. لم تستطع إبعاد عينيها عن الهاتف الذي ما زال يضيء داخل الحقيبة باسم شاهين شعرت بالدم يتدفق بعنف داخل عروقها من شدة التوتر، فقيضت على
الهاتف للحظة داخل الحقيبة ثم أعادته سريعا.
رفعت رأسها أخيرا ونظرت إلى عمر الجالس أمامها بضيق واضح، ثم قالت:
ممكن أفهم أنت صممت تتقابل في وقت زي ده ليه ؟"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة أثارت أعصابها أكثر، ثم قال بنبرته الرجولية الواثقة:
حابب تتعرف على بعض أكثر، وتتفق على الخطوة الجاية في حياتنا ونشوف هننزل نشتري الشبكة امتى ؟ "
أغمضت عينيها للحظة وهي تحاول السيطرة على غضبها المتصاعد، قبل أن تفتحهما من جديد وتقول بنفاد صبر:
نتعرف على بعض ليييه؟ ومافيش اتفاق على حاجة ولا فيه شبكة، أنا مش موافقة عليك أصلاً"
في مواجهة مع امرأة ترفضه بكل ما تملك، ثم قال:
تراجع بجسده إلى الخلف وأسند ظهره على المقعد براحة مستفزة، وكأنه يجلس في لقاء ودي لا
بس أخوكي بلغك بالكلام ده أمبارح ولازم توافقي وتنفذي اللي قالوا ليكي بالحرف الواحد، يا اما كده انتي عارفه هو هيعمل ايه ؟
اشتعل الغضب داخلها أكثر وضغطت على أسنانها بقوة وهي تقول:
انتوا عايزين مني أيه؟ أنا مش عايزاك، هو الجواز بالعافيه ؟"
في لحظة واحدة تبدلت ملامحه مال بجسده للأمام وأسند ذراعه على الطاولة، ثم أمسك يدها بقوة جعلتها تنتفض في مكانها. كانت نظراته حادة ومخيفة على نحو لم تتوقعه، وعندما تحدث
جاء صوته منخفضا لكنه كان أكثر رعبا من أي صراخ
"أه بالعافيه، لأن الذوق منفعش معاكي اتقدملك بدل المرة كذا مرة، وفي كل مرة رد حسام جوز عمتك عليا، برفضك من غير حتى ما تشوفيني ولا تعرفيني، كنت كل مره عندي أمل أننا حتى نتقابل وتديني فرصه واحده اعرفك بيا پس رده واحد أنك رافضه فكرت الجواز دلوقتي، ليه ؟ هو فيه ايه احسن مني ؟ ليه ادتيلوا هو فرصة وحبتيه، وانا لا؟، بس ما دام مجتيش بالذوق يبقى تيجي بالغصب، وبالعافيه، أنا اللي روحت لاخوكي السجن، وعرض عليه أني اهربه في مقابل أني أتجوزك يا أما يخلص على حبيب القلب شاهين، وانتي دلوقتي معندكيش حرية
الاختيار يا رنيم انا وانتي هنتجوز"
شعرت الأرض تميد تحت قدميها. كانت تنظر إليه بصدمة حقيقية، غير مصدقة ما تسمعه، الأول مرة تدرك حجم الجنون الذي تتعامل معه، ولأول مرة تشعر أن الكابوس الذي تعيشه أصبح أكثر ظلاما مما تخيلت.
حركت راسها بالرفض سريعا، بينما ارتجف صوتها وهي تقول:
انت اكيد مجنون مش طبيعي هو الحب بالعافيه؟ أنا معرفكش قبل كده، وزبك زي غيرك كنت برفضهم من غير حتى ما أشوفهم كنت مأجلة الخطوة دي لوقتها، ولما قابلته كنت رافضه برضه الفكرة، بس غصب عنى حبيته مش بايديا صدقني ارجوك أصرف نظر عن اللي طلبته مني ده. ودور على واحده غيري واحده تحبك وتسعدك، إنما أنا مش هقدر أعمل ده."
لكن كلماتها لم تجد أي أثر داخله، ظل ينظر إليها بهدوء بارد أثار الرعب في قلبها أكثر من غضبه. ثم قال:
تحبي بقى تعمل شبكة وكتب كتاب؟ ولا تعمل شبكة وكتب كتاب والفرح على طول ؟"
اتسعت عيناها بذهول حقيقي. لم تستوعب كيف تجاهل كل ما قالته بهذه البساطة. كانت تحاول إقناعه بالتراجع عن هذه المهزلة، بينما هو يتحدث عن الشبكة والفرح وكأن موافقتها أصبحت أمرا محسوما.
تنفست بحدة وقالت بنفاد صبر:
" يا أستاذ عمر شبكة ايه ؟ وفرح أيه؟ بقول لحضرتك، أنا مش موافقة عليك، مش هقدر أعمل كده والله "
لم يرد عليها هذه المرة، بل النقط هاتفه وأجرى اتصالا سريعا، ثم قال بعد أن جاءه الرد:
عامل ايه يا أبو نسب؟ يقولك ايه يا غالي ؟ أختك رافضه تتجوزني ايه رأيك؟"
وقبل أن تستوعب ما يفعل، فتح مكبر الصوت ووضع الهاتف فوق الطاولة.
تجمد الدم داخل عروقها فور سماع صوت زين
صوت تعرفه جيدا.. صوت أصبح مرتبطا بالخوف والتهديد والكوابيس.
قال زين بتهديد صريح
يبقى نحرق قلبها على حبيب القلب، أنا كده كده مش طايقة، وبكده مش هيبقى قدامها حد غيرك ومتوافق عليك ورجليها فوق رقبتها."
في تلك اللحظة انهارت آخر ذرة قوة كانت تتمسك بها انهمرت دموعها رغماً عنها وهي تقول بصوت مرتجف
"بترجاك متعملش کده یا زین شاهین ملوش ذنب باللي بيحصل ده أنا اللي رافضه الجواز حتى
من شاهين نفسه، يعني الفكرة نفسها مرفوضه صدقني "
لكنها لم تجد أي رحمة في صوته، بل جاءها محملا بكل ما يحمله قلبه من حقد وكراهية:
"أنا مش بخيرك يا روح أمك انتي هتتجوزي عمر وهتبعدي عن اللي اسمه شاهين، ورجلك فوق رقبتك، أنا مش يهدد على فكرة يعني متسهتريش بكلامي "
شعرت برعشة قوية تجتاح جسدها بالكامل، كانت تعرف أنه قادر على تنفيذ تهديداته، وتعرف أكثر أنه لن يتردد لحظة إذا قرر إيذاء شاهين.
في المقابل ارتسمت على وجه عمر ابتسامة انتصار واضحة، ثم قال: تمام يا غالي لو فيه أي حاجة هكلمك، سلام "
أغلق الخط ووضع الهاتف فوق الطاولة بهدوء، ثم عاد ينظر إليها، قبل أن يقول بنيرة مستفزة:
ها ؟ قولتي بقى هنعمل أيه الخطوة الجايه ؟"
رفعت عينيها إليه ببطء، كانت الدموع تملأهما، لكن ما كان يطفى عليهما أكثر هو الكره. كره حقيقي لم تشعر به تجاه أحد من قبل كره الرجل يحاول امتلاكها بالقوة، ولآخر يساومها على حياة من تحب.
حرکت رأسها بالرفض بصمت ولم تنطق بكلمة واحدة.
أما عمر، فقد تعالت ضحكاته وهو يرجع ظهره إلى الخلف في راحة تامة، وظل ينظر إليها وكأنه استمتع برؤية انكسارها أكثر من استمتاعه بأي انتصار آخر.
عند جواهر.....
استيقظت جواهر من نومها على صوت رنين هاتفها الذي شق سكون الصباح، تحركت يدها فوق الفراش بعشوائية وهي ما تزال مغمضة العينين، تتحسس مكان الهاتف إلى أن عثرت عليه
أخيرا التقطته سريعا وأجابت دون أن تنظر إلى الشاشة، وصوت النعاس ما زال يثقل كلماتها: "ألو عايزة ايه يا رنيم على الصبح كده؟"
لكن بدلا من صوت رنيم جاءها صوت جواد الغاضب كصفعة مفاجئة أيقظتها بالكامل. فانتفضت من مكانها وهي تسمعه يقول:
أجهزي حالاً أنا جاي اخدك "
فتحت فمها لترد عليه، إلا أنه أغلق الخط في وجهها دون أن يمنحها فرصة واحدة للكلام. أبعدت الهاتف عن أذنها ونظرت إلى الشاشة باستغراب، وقد العقدت الحيرة داخلها، لم تفهم
سبب غضبه ولا ما الذي حدث ليستيقظ بهذا القدر من التوتر.
زفرت بضيق ونهضت من فراشها، ثم اتجهت إلى المرحاض. وقفت طويلا تحت المياه الدافئة تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إلى صدرها منذ سمعت صوته، لكن محاولاتها باءت بالفشل، خرجت بعد ذلك وارتدت ملابسها ومشطت شعرها بهدوء، وفي تلك اللحظة أعلن هاتفها
عن اتصال جديد.
نظرت إلى الشاشة فوجدت اسم جواد يتصدرها.
أطلقت زفرة أخرى أثقل من سابقتها، ثم اتجهت نحو النافذة، وما إن أبعدت الستار حتى رأته يقف بسيارته أسفل المنزل.
وضعت الهاتف داخل حقيبة يدها دون أن تجيب، ثم خرجت من غرفتها واتجهت نحو غرفة والدتها. طرقت الباب بخفة وفتحته، لكنها لم تجدها بالداخل أغلقت الباب مرة أخرى وهبطت
إلى الأسفل تبحث عنها، إلا أنها اكتشفت أنها خرجت من المنزل.
لم تجد أمامها سوى التوجه إلى الخارج.
وما إن وصلت إلى السيارة حتى التفت إليها جواد وقال بصوت غاضب
"أركبي العربيه أخلصي "
نظرت إليه بضيق قبل أن تفتح الباب وتصعد إلى المقعد المجاور له، ثم أغلقته بعنف يعكس غضبها المكبوت.
وبمجرد أن جلست انطلقت السيارة بسرعة جنونية.
انعقد حاجباها باستغراب، لكنها لم تعلق، كانت تعرف جواد جيدا، تحفظ تقلباته كما تحفظ تفاصيل وجهه. وكانت تدرك أن غضبه الآن بلغ مرحلة لا يصل إليها إلا نادرا، وأن سؤالا واحدا في الوقت الخطأ قد يشعل الموقف أكثر مما هو مشتعل بالفعل.
لهذا التزمت الصمت.
أدارت وجهها نحو النافذة تراقب الطريق المار أمامها بدت هادئة من الخارج، لكن داخلها كان عالقا كاملا من الفوضى، خوف، ووجع، وارتباك، وأسئلة لا تجد لها إجابة. خليط مرهق صنع ضجيجا هائلا داخل صدرها حتى كادت تختنق به.
وبعد عدة دقائق توقفت السيارة أمام أحد الفنادق.
ترجل جواد بسرعة، ثم دار حول السيارة وفتح بابها. أمسك ذراعها بقوة وأجبرها على النزول. شهقت متألمة وهي تقول:
" أنت بتعمل ايه يا جواد؟ وواخدني ورايح على فين؟"
لكنه لم يجبها.
وقف أمام الموظفة وقال بلهجة مباشرة:
ظل ممسكا بذراعها وهو يسحبها خلفه إلى الداخل حتى وصلا إلى مكتب الاستقبال.
"عايز غرفة أنا ومراتي "
تمام يا فندم ممكن البطاقة الشخصيه بتاعة حضرتك وعقد الجواز"
نظرت الموظفة إليه بهدوء مهني وقالت:
اوماً برأسه وأخرج الأوراق المطلوبة وسلمها لها، بينما كانت جواهر تقف بجواره تنظر إليه
بصدمة حقيقية، غير قادرة على استيعاب ما يحدث.
أنهى الإجراءات سريقا، ثم أخذ بطاقة الغرفة وأمسك ذراعها مجددا وصعد بها إلى الأعلى.
كان يسير بخطوات سريعة وحاسمة، وصل إلى الغرفة، وضع البطاقة في مكانها فانفتح الباب.
فدفع جواهر إلى الداخل ثم دخل خلفها وأغلق الباب بإحكام.
وقفت جواهر في مكانها تنظر إليه بتوتر واضح كان هناك شيء مخيف في عينيه، شيء لم تره
من قبل بهذا الشكل.
لكنها حاولت التمسك بما تبقى لها من قوة أمامه، وقالت:
"خلاص خلصت؟ عملت كل اللي انت عايزه؟ ممكن أفهم أنت جاييني هنا ليه؟"
اقترب منها ببطء شديد.
ومع كل خطوة كان الخوف يزداد داخلها أكثر حتى وصل إليها وتكلم من بين أسنانه:
"عايزة تطلقي علشان تتجوزي راجل ثاني يا جواهر؟
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية وقالت بغضب:
"أيه الجنان اللي أنت بتقوله ده يا جواد، أنا أه عايزه أطلق منك بس مش علشان اتجوز ثاني أصلاً ما فيش راجل غيرك يملى عينيا، ولا عمرى اسمى هيتكتب على أسم راجل ثاني غيرك يا جواد"
بمجرد انتهاء كلماتها أحاط خصرها بذراعيه بقوة حتى التصقت به، ثم قال بصوت هامس "أنتي متقدريش تعملي كده أصلا علشان لو فكرتي تعملي كده مجرد تفكير بس، هشرب من
دمك يا جواهر."
دفعته بعيدا عنها بعصبية وقالت:
"لا يا جواد، أقدر أعمل كده عادي بس أنا اللي مش عايزه كده مش خوف منك، بس عيوني
مستحيل تبص لراجل غيرك قلبي مكتوب على أسمك أنت جسمي وكل حاجه فيا ملك ليك.
ويحرم عليا أي راجل غيرك يا جواد بس أننا نكمل مع بعض ده مستحيل"
مرزیده داخل شعره بعنف واضح وقال بنقاد صبر:
" أنتي عايزه تجنينني؟ يعني أيه بحبك ومش عايزة غيرك؟ وترجعي تقولي مستحيل تكمل مع بعض ؟ "
اتحركت نحو السرير وجلست عليه ببطء، ثم رفعت عينيها إليه.
كان الحزن يملأ ملامحها بالكامل.
حزن امرأة ما زالت تعشق الرجل نفسه، لكنها لم تعد تعرف كيف تعيش معه، ثم قالت:
"علشان أنا محبتش جواد اللي ظهر بعد كتب الكتاب، أنا حبيت جواد الثاني، اللي كبرنا سوا
وكان بيحبني بجد اللي كنت أجري على حضنه علشان اتحامى فيه من الدنيا كلها، أما دلوقتي
أنت مين ؟ انت بقيت واحد معرفهوش واحد غضبه هو اللي بيتحكم فيه في أي وقت واحد مبقاش يحبني زي الأول، أنت بقيت أكثر حد يخاف منه بعد ما كان حضنك هو اماني، عرفت
بقى ليه مستحيل تكمل مع بعض ؟"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة لا تحمل أي فرحة، وقال بصوت غاضب
"اللي بيعجبني فيكي، أنك عايشه على طول دور الضحيه، يعني شايفه الغلط كله على غييرك ومش قادرة تشوفي غلطك انتي طيب يا ستي أنا اللي وحش وأنا اللي اتغيرت وأنا إبن جزمه كمان بس وحياة أمك طلاق ما مطلق، ولو سمعت الكلمة دي منك ولا من أمك تاني لكون
مطريق الدنيا كلها فوق دماغكم فاهمة. "
نظرت إليه بعدم فهم وقالت:
"أمي وأيه دخل ماما في الموضوع يا جواد؟"
ضغط على أسنانه بقوة وقال:
"قال يعني البت مش عارفه؟ أنا متأكد مليون في الميه، أنك أنتي اللي بعتيها، علشان عارفه أني
مستحيل اغلط فيها."
وقفت فجأة وقالت بغضب شديد
"أنا مش فاهمه حاجه، ماما عملت أيه ؟ ولا قالتلك أيه؟ أقسم بالله أنا ما طلبت منها حاجة"
أغمض عينيه بضيق، ثم قال بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
"أعملي حسابك، الفرح هيكون الاسبوع الجاي "
اتسعت عيناها بصدمة واقتربت منه قائلة:
"أنت أيه اللي بتقوله ده؟ أنت اتجننت ؟"
امسك ذراعها بعنف وضغط عليه بقوة وهو يقول:
اه اتجننت يا جواهر، واللي قلته هيتنفذ بدل ما أقسم بالله ادخل عليكي دلوقتي، ومن غير أي
فرح، أنتي مراتي واعمل فيكي اللي أنا عايزة محدش ليه عندي حاجة."
شعرت وكأن الكلمات طعنت قلبها مباشرة .. رفعت يديها إلى أذنيها تحاول الهروب من صوته ومن وجعها معا، ثم قالت من بين شهقاتها :
بس بقى كفايه، أنت ليه مصر تكرهني فيك؟ ما فيش فرح هيتم يا جواد و هطلقني غصب عنك "
في لحظة واحدة جذبها إليه وأحاطها بذراعه بقوة، ثم همس بجوار أذنها:
بلاش تستفزيني قلتلك، أنا ماسك أعصابي بالعافيه، وماسك نفسي عنك بصعوبه"
ارتجف جسدها من قربه، وضربته على صدره بقبضتيها وهي تبكي:
"أنا بكرهك يا جواد بكرهك."
لكن المفارقة المؤلمة أنها ما إن قالتها حتى انهارت تماما..
وضعت رأسها فوق صدره و تمسكت به بقوة، وظلت تبكي بحرقة.
وكأنها تكره الرجل الذي أصبح عليه، وتتشبث في الوقت نفسه بالرجل الذي أحبته يوما.
أغمض جواد عينيه بوجع لأول مرة بدا عاجزا بهذا الشكل.
كان قلبه يدفعه إلى احتضانها والاعتذار لها وإعادة كل شيء كما كان، بينما عقله يصرخ داخله
مذكرا إياه بما فعلته في المستشفى، وبكل مرة شعر فيها أنها وضعت غيره فوقه. ظل ممزقا بين
الاثنين، وفي النهاية انتصر غضبه.
ابعدها عنه بعنف وتركها واقفة مكانها، ثم اتجه إلى الشرفة وخرج إليها، وقف هناك يستنشق
الهواء بقوة ويحاول النقاط أنفاسه المتسارعة، كان يهرب من وجودها قبل أن يضعف أكثر.
أما جواهر فبقيت واقفة في مكانها تنظر إلى أثره بصدمة.
كانت تشعر أن المسافة بينهما أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
رجل تحبه بكل ما فيها .. ويكسر قلبها بكل ما فيه.
لم تعد تعرف كيف تجتمع هاتان الحقيقتان في شخص واحد.
وبمجرد أن اختفى داخل الشرفة، انهارت فوق السرير وأغرقت وجهها في الوسادة، بينما
استمرت دموعها في الانهمار بلا توقف تبكي حبا لم يمت وعلاقة تتهاوى أمام عينيها يوما بعد
يوم.
غادرت سمية الفيلا وهي ما تزال تحمل داخلها خليطا من الغضب والقلق على ابنتها، بينما ظلت
كلمات جواد تتردد في أذنها دون توقف.
أما ترنيم فصعدت إلى غرفتها بخطوات متثاقلة. كانت تشعر يضغط كبير فوق صدرها، فالأمور
التعقد يوما بعد يوم، وجواد بعناده وغضبه يسير بعلاقته مع جواهر إلى طريق لا تحب أن
تتخيله
دفعت باب الغرفة يهدوه ودلفت إلى الداخل، لتجد غريب ما يزال مستغرقا في النوم. وقفت
وهي تقول بصوت مختنق
للحظات تنظر إليه بضيق، ثم تقدمت وجلست على حافة السرير بجواره، وربتت على كتفه برفق
غريب اصحی یا غریب"
تحرك إلى الجهة الأخرى من الفراش دون أن يجيبها.
زفرت بضيق ونقد صبرها سريعا، فقالت بنيرة غاضبة:
ممكن ترد عليا علشان انا عايزه اتكلم معاك في موضوع ضروري "
أتاها صوته النعاس وهو يقول:
اشتعل الغضب داخلها أكثر قصفعته على كتفه العاري وهي تقول:
"مش وقته یا ترنيم."
"لا وقته یا غریب ده مستقبل ابننا ولازم تتكلم فيه."
في لحظة واحدة اعتدل جالسا ونظر إليها بنظرة حادة جعلت الرعشة تسري في جسدها، ثم قال
بغضب:
"انتي بتمدي ايدك عليا ؟"
ابتلعت ريقها سريعا وهزت رأسها نفيا وقالت:
"لا والله مقصدش | أنا كنت بصحيك بس "
ظل ينظر إليها لثوان طويلة قبل أن ينهض واقفا من مكانه، ثم قال بوجه متجهم:
"ماله البغل ده؟"
نهضت هي الأخرى بسرعة ووقفت أمامه مباشرة وقالت:
معذب البت معاه ومطلع عينيها من يوم ما كنا في المستشفى، وسميه زعلانه على حال بنتها.
ولما جات تتكلم معاه خفت احسن ابنك بغبائة يتعصب عليها ولا يقول كلمه تزعلها روحت أنا
مدخله قبلها و وعصبني بكلامه روحت ضربته بالقلم، ومن ساعتها خرج متعصب ومعرفش راحفين"
اتسعت عيناه قليلا قبل أن يقول بغضب:
"لا والله ! ضريتي إبنك اللي أطول منك بالقلم قصاد حماته؟ لا شاطره"
بدأت تدعك يديها ببعضهما بتوتر وقالت:
" اعمل ايه بس يا غريب، إبنك صعب أوي، وخايفه حياته تتخرب من قبل ما تبدأ ويخسر البت. هما الاتنين بيحبوا بعض ومن وهما أطفال صغيرين، ولما كبروا وخلاص بقوا لبعض يحصل کده؟"
تكلم من بين أسنانه بنفاد صبر:
تقومي تضربي بالقلم انتي اتجننتي على الآخر يا ترنيم المشكله ان ابنك دماغه مجنونه وطقه زيك بيتصرف بغبائك"
رفعت أحد حاجبيها وقالت بتهكم:
مش ملاحظ أنك بتغلط فيا؟"
تحرك من أمامها وهو يقول:
"أحمدي ربنا أني بغلط بس، واحد غيري كان زمانه قتلك، على اللي بتعملي فيا."
عقدت حاجبيها بعدم فهم، ثم أسرعت خلفه وأمسكت ذراعه قائلة بضيق:
تقصد أيه بكلامك ده ؟"
استدار إليها فجأة، ثم أحاط خصرها بذراعه وسحبها إليه، وقال من بين أسنانه:
شايف ايدك بقت تطول على الكل هنا !"
رفعت رأسها إليه، وظلت تنظر داخل عينيه للحظات، قبل أن تضع رأسها فوق صدره وتقول
بصوت اختنق بالمشاعر:
وحشتني اوي يا غريب أول مرة تقسى عليا الفترة دي كلها."
أغمض عينيه بضيق وهو يستنشق رائحتها التي اشتاق إليها حد الجنون، كان يحاول أن يتمسك
بغضبه منها، لكنه كان يضعف في كل مرة تقترب منه بهذا الشكل.
شدها إلى حضنه بقوة واكتفى بالصمت.
رفعت رأسها مرة أخرى ونظرت إليه بعينين امتلانا بالرجاء، ثم قالت بنيرة جعلت كل دفاعاته تنهار
" أنا أسفه يا غريب، بحبك والله."
هبطت عيناه إلى شفتيها، وتعالت أنفاسه بصورة واضحة شعر أن كل غضبه يتلاشى أمامها
شيئا فشيئا، فمال برأسه إليها وقبلها باشتياق كبير.
ابتسمت بسعادة حقيقية وتمسكت به بقوة، وقد عادت أخيرا إلى المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالأمان.
واتجه بها نحو السرير. لكنها اتسعت عيناها بصدمة وقالت بسرعة
وبعد لحظات ابتعد عنها قليلا ليمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها، ثم انحنى وحملها بين ذراعيه
عليه علشان خاطری یا غریبه
مش هينفع دلوقتي يا غريب حياة أبنك بتخرب، وأنت عايز كده يعني، خلينا نطمن الأول
أغمض عينيه بقوة وقال بأنفاس لاهثة:
بطلي تنطقي أسمي بالطريقة دي علشان أنا على تكه."
ابتسمت رغم توترها وأحاطت عنقه بذراعيها، ثم وضعت رأسها فوق صدره وقالت يحب
"أنا فرحانه أوي أنك سامحتني يا غريب، بحبك أوي والله العظيم، المهم دلوقتي حاول توصل
لابنك جواد قبل ما يخرب الدنيا بجنانه ده"
تنهد وهو يقبل رأسها بحنان ثم أنزلها برفق على السرير وقال بنفاد صبر:
"أنا تعبت من أفعال ابنك البغل ده مش عارف هيبطل جنانه ده امتی؟"
ابتسمت له وقبلت يده بحب قائلة:
"ربنا يخليك لينا، أحدا من غيرك ولا حاجة"
ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيه، وجلس بجوارها ممسكا بيدها بين كفيه وكأنها أثمن ما
يملك، ثم قال بصوت هادئ مليء بالمشاعر:
ترنيم انتي عارفه أنا بعشقك قد ايه، ومن اللحظة الأولى اللي دخلتي فيها حياتي وأنا مش شايف غيرك علشان كده مش عايز از علك علشان مش يكون مبسوط وأنا قاسي عليكي بالشكل ده، لأنك أنتي اللي بتجبريني أعمل كده أرجوكي بلاش توصليني، أعمل حاجه هتندم عليها أحنا الاثنين في الآخر."
شعرت بوخزة ألم داخل قلبها، فأومات برأسها وهي تقول بصوت خافت:
"أنا أسفه "
تنهد بحب وقبل رأسها مرة أخرى ثم قال:
هقوم أنا بقى أجهز وأشوف البغل ده راح فين ولا بيعمل مصبية أيه"
ابتسمت له برقة وقالت:
ماشي وأبقى طمني متنساش "
أوماً برأسه لها، ثم نهض من مكانه واتجه نحو المرحاض وأغلق الباب خلفه.
أما ترنيم فظلت تنظر إلى الباب المغلق الثوان طويلة، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها رغم
كل ما يحيط بها من قلق تنهدت بحب وهي تشعر أن قلبها هذا قليلا بعد ذلك الصلح الذي طال انتظاره، ثم نهضت من فوق السرير وغادرت الغرفة، قبل أن تهبط إلى الأسفل وهي تفكر فيما
سيفعله غريب عندما يعثر على جواد، وفي أي مصيبة جديدة أوقع نفسه هذه المرة.
عند شاهين.....
عادت رنيم إلى المنزل وقلبها مثقل بالخوف والتوتر. كانت خطواتها بطيئة على غير عادتها، تحاول تأجيل اللحظة . التي تعلم أنها قادمة لا محالة. أخرجت المفتاح من حقيبتها بصعوبة، ثم فتحت الباب ودلفت إلى الداخل.
مدت يدها وضغطت على زر الإضاءة.
وفي اللحظة التي أضاء فيها المكان، تجمدت في موضعها.
انتفض جسدها بالكامل عندما وقع بصرها على شاهين الجالس فوق الأريكة في صمت قاتل.
كان ينتظرها.
ملامحه المتجهمة ووجهه العابس أخبراها أنه لم يكن يجلس هناك منذ دقائق، بل منذ وقت
طويل ينتظر عودتها ويغلى من الداخل.
شعرت بأن الدم هرب من وجهها دفعة واحدة، وبدأت تدعك يديها ببعضهما بتوتر واضح قبل أن
تقول بتلعثم:
ش شاهين! أنت بتعمل أ أيه هنا ؟ م مش أحنا أتفقنا أنك ، هتبعدا الفترة دي؟"
لم يجبها. نهض ببطء شديد من مكانه.
ذلك البطء وحده كان كافيا ليزيد خوفها أضعافا.
ظل يقترب منها خطوة تلو الأخرى، وعيناه مثبتتان عليها بطريقة جعلت قلبها يرتجف داخل
صدرها. أما هي فتراجعت خطوة إلى الخلف دون وعي، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
" أيه ؟ ب بتقرب ليه ؟"
وصل إليها أخيرا وأمسك ذراعها، ثم قال من بين أسنانه بهدوء أرعبها أكثر من أي صراخ
"كنتي فين؟"
خرج صوتها ضعيفا ومضطربا وهي تقول:
"م مالكش دعوة."
ارتفع أحد حاجبيه ببطء وقال:
"ها! قولتي ايه ؟ مش سامع ؟"
اغمضت عينيها للحظة كانت تجمع ما تبقى من شجاعتها، ثم قالت بصوت مرتعش
ق قلتلك م مالكش دعوة"
اشتدت أصابعه حول ذراعها دون أن يشعر، وقال بصوت غاضب
انطقي كنت فين يا رنيم؟ احسنلك "
شعرت أن أنفاسها بدأت تتعثر داخل صدرها، كانت تخشى أن يقرأ الحقيقة في عينيها قبل أن
تنطقها، لذلك قالت بسرعة:
"لا كنت مخنوقة ن نزلت أشم شوية هول"
حدق فيها طويلا، كان يعرفها أكثر مما تعرف هي نفسها أحيانا.
ويعرف أن هذه ليست إجابة حقيقية.
لكنه قرر أن يمنحها فرصة أخيرة.
فرصة أن تتحدث بإرادتها.
فقال وهو يراقب اضطراب ملامحها:
"أنتي هتقوليلي أيه اللي بيحصل من وراه ضهري، ولا لا يا رنيم ؟"
تحركت عيناها بتوتر واضح، وابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول:
م مافيش حاجه قلتلك، وياريت بقى تروح على شقتك، وتلتزم بأتفقنا وبلاش كل شويه تنط ليا
هنا خليني أعرف أفكر براحتي."
هز راسه ببطء وقال:
لا یا رنیم ده مکانش اتفقنا، اسبيك في الشقه تبقي براحتك تمام، إنما رجلك تخطي بره الباب
من غيري، ده اللي مش هسمحلك بي فاهمه ؟ "
حاولت أن تخفى ارتباكها خلف غضب مصطنع فقالت:
"أنا مش مجبرة أن اتقبل وجودك في حياتي غصب عني أنا أروح وأجي لوحدي وقت ما أحب
مش همشي بيك زي طلي كده"
اقترب منها خطوة أخرى.
اما هي فتراجعت للخلف حتى اصطدم ظهرها بالحائط.
وفي ثانية واحدة أصبح أمامها مباشرة.
قريبا إلى درجة أربكت أنفاسها وأضعفت مقاومتها.
مال نحوها وقال بصوت هامس:
"أنتي بطريقتك دي يتأكدي ليا أن فيه حاجه مداريها عليا يا رنيم أنا يقيت افهمك أكثر من
نفسي اتكلمي يا قلبي مهما كان أيه متخافيش أنا جنبك مش هسيبك."
كانت كلماته كالسكاكين.
كل كلمة تزيد شعورها بالذنب.
كل نظرة منه تجعل المهمة التي فرضها عليها زين أكثر استحالة.
ظلت تنظر إليه بعينين دامعتين للحظات، ثم انهارت فجأة.
ارتمت داخل أحضانه بقوة وتمسكت به وكأنها تنشبت بآخر ما تبقى لها من أمان في هذا العالم.
دفنت وجهها في صدره وقالت بصوت مختلق موجوع
"أنا بحبك أوي يا شاهين، أنا أسفه على كل حاجة مهما حصل أوعى تكرهني أرجوك "
تجمد للحظة من وقع كلماتها.
ثم شدها إليه بقوة أكبر، يخشى أن تضيع منه.
قبل رأسها بحنان بالغ، وأغمض عينيه وهو يحتضنها.
كانت ترتجف بين ذراعيه، وكان يشعر بذلك جيدا، شعر بخوفها، بالمها.
وبأن هناك شيئا يكسرها من الداخل.
لكنها ما زالت ترفض أن تمنحه الحقيقة.
رفع وجهها إليه يرفق بعدما وضع أصابعه أسفل ذقتها، ثم مال وقبلها بحب خالص، حب رجل لم
بعد برى حياته إلا من خلالها.
ابتعد عنها قليلا ونظر داخل عينيها وقال:
" وأنا بعشقك يا رنيم وعمري ما أزعل منك، ولا أكرهك أنتي أجمل حاجه في دنيتي، اتكلمي يا عمري قوليلي مالك وأيه اللي مخبياه عني ؟"
نظرت إليه إلى عينيه الممتلئتين بالحب والثقة.
إلى الرجل الذي يحارب الدنيا كلها لأجلها، فشعرت بقلبها يتمزق داخل صدرها.
ارتجفت شفتيها بعنف وامتلأت عيناها بالدموع أكثر كانت الكلمات عالقة في حلقها.
والحقيقة تحرقها بينما ظل شاهين ينظر إليها منتظرا.
منتظرا أن تنطق، غير مدرك أن الكلمة القادمة منها قد تكون أكثر كلمة ستدمر قلبه في حياته كلها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!