~~
جلس على مقعده الوثير خلف مكتبه، يطرق بسبابته عدة طرقات على سطح المكتب المصنوع من أجود أنواع الخشب ..
عاد بذاكرته للخلف، عندما هلت حياه بطلتها الأسيرة في مكتبه أمس ..
من ذاك الوقت وهو يفكر في حديثها، استطاعت تلك الصغيرة الماكرة ان تقلب موازينه رأس على عقب، و تأتي بأيمن أفكاره لليسار ..!
~~ سابقا ~~
دلفت لحجرة المكتب الخاصة ب" أحمد "..
لم تجلس، فقط ظلت واقفة ترمقه بنظراتها الجادة الحادة ..
" اقعدي يا حياه واقفة ايه.! "
تسائل أحمد بملل و عدم اكتراث ، لتجيب حياه بصوت جهوري يميل للإرتفاع و الهدوء في آن واحد ..
" انا مش جية اقعد ،، انا جية اسأل سؤال واحد..! "
أحمد بفتور -: و مالو،، اتفضلي.!
تنهدت حياه ثوان،، ثم رفعت إحدى حاجبيها قائلة بجمود
" كريم .. يبقى مش إبنك صح.؟! "
إتسعت مقلتا أحمد مصدوم مما تفوهت به حياه للتو، و سريعا هتف بإستنكار
" مش إبني.؟! انتي مجنونة يا حياه و لا شاربة حاجة.؟! "
صاحت حياه منفعلة -: انا لا مجنونة ولا شاربة حاجة بس متقنعنيش ان في أب يعمل في ابنه كدة.!
أولا طول حياته انت عمرك ما حاولت تتقرب منه و تشوف مشاكله و تعوضه عن غياب امه، ثانيا اتحكت في حياته و دخلته كلية مكنش عايزها اصلا كأنها حياتك انت.!
ثالثا اتهمته و كنت هتقتله من غير ما تسمع حرف منه ولا تسيبه يبرر موقفه حتى.!
رابعا و الأهم الي لازم تفهمه كويس ان إبنك الي حتة منك إتشل ..!! عارف يعني اتشل.؟ يعني بقى عاجز مش قادر يتحرك و انت مكلفتش خاطرك تطمن حتى عليه.؟! بالعكس انت دوست عليه اكتر و عزلته من وظيفته انت عجزته اكتر..!!
هب أحمد واقفا بغضب، معتكزا على المكتب
" ابني مدمن مخدرات.!! عارفة يعني كنت حاطت امل عليه و نفسي أشوفه راجل ملو هدومه و في الآخر اكتشف انه مدمن.؟!
انا قسيت عليه كتير آه، بس بهدف إنه يعتمد على نفسه و ميتسندش على حد، بهدف اني مش باقيله العمر كله ..
بهدف ان مش كل شخص يسيبه يقعد يبكي عليه.!! "
قاطعته حياه -: واهو جه معاك بنتيجة عكسية..!! انحاز لطريق كان هيخليه ينساك و ينسى اسمه كمان.!!
و على فكرة كريم اتعالج من زمان، و ده الي كان بيحاول يقولهولك بس انت مسبتلهوش فرصة ..
وقت ما اتعالج كان فرحان طاير في السما، كان حاسس انه بني آدم تاني و مستعد يبدأ حياه جديدة ، و انت في لحظة تهور نهيت روح الأمل الي كانت جواه .!
طيب حتى لو لسا مدمن شلله مأثرش فيك.؟ محركش مشاعرك انك تروح و تطمن عليه.؟!
أحمد بجمود -: لازم قلبه يجمد قولتلك، لازم يعيش الأزمات دي لوحده علشان يتعلم.!
حياه -: طيب، بس عايزة افكرك ان داين تدان .. أنت بعدت عنه و قسيت عليه في حياته كلها، و هو مش هيفهم كدة هو بس مدرك إنك اتخليت عنه فأكتر وقت محتاجلك فيه، بكرة تكبر و تعجز و لا هيهمك لا فلوس و لا شغل، هيبقى أقصى امانيك تبقى وسط إبنك و عيلته و طبعا بعد الي عملته معاه هو مش هيتقبلك نهائي..
-- سلام يا اونكل و ابقى افتكر كلامي كويس..!!
~~ الآن ~~
زفر بضيق وهو يفكر جديا في تلك المسألة، لن يغفل كريم ابدا عن هذا.!
لن يسامحه على تركه ذاك ..
~~~~
كالعادة، جلست تربت على و جنته الخشنة قبل ان يخلد الي النوم، نبتت ذقنه قليلا أصبحت تشوكها.!
إبتسمت بحب و حنو وهى تتذكر سابقا عندما كانا يتهنئين بحياه رومانسية ..
~~ سابقا ~~
جلس " كريم " أمامها على السطح الرخامي للمرحاض، الذي يتصل بآخره مرآه عملاقة ..
و حياه تقف على مقربة شديدة منه ممكسة بيدها " شفرة الحلاقة " لتتخلص من شعر ذقنه القصير الفوضوي ..
تصنع التآوه البسيط عندما جرحت وجنته جرح بسيط ..
" اوبس معلش فلتت من إيدي.! بسيطة بسيطة هحطلك عليها بلاستر "
قالتها حياه بإرتباك بسيط وهى تحضر الأدوات الطبية البسيطة تمثلت في الملصق الطبي .. وضعته مكان الجرح الصغير وواصلت حلاقة باقي الذقن ..
" تووءء بقى ما تفتحي يا حياه هتشوهيلي وشيي..!! "
هتف بها لائما عليها ..
حياه بصوت مرتبك أكثر -: اووف أيدي رعشت تاني .! معلش بسيطة بردو بسيطة.!
كريم -: طيب خلي بالك بقى علشان مش هروح القسم وانا متعلم عليا كدة..!!
مرت دقائق اخرى،،
" ايي لا بقى كدة كتير .! انتي لو مستقصضاني مش هتعملي كدة..!! "
صاح بها منفعلا أكثر وهو يهب واقفا ..
حركت رأسها عدة مرات نافية -: مش مستقصضاك والله بس مش عارفة مالي النهاردة.! بص بسيطة خالص اهى هات احطلك عليها بلاستر.!
كريم -: بسيطة ايه بقى وشي اتهرى بلاستر اروح القسم للمجرمين ازاي انا دلوقتي اقولهم المدام كانت بتحلقلي.!
ضحكت حياه على وجهه، مساحات كبيرة منه تغلفت بالملصق الطبي..
حياه وهى تحاول كبت ضحكاتها -:
طب خلاص تعالى و هخلي بالي والله.!
كريم -: وربنا ابدا روحي اكشفي نظر الأول بعدين كلميني.!
حياه -: لا يا بابا انا نظري سليم بس إيدي الي كانت بترعش معرفش ملها.!
كريم -: مفيش مشكلة روحي اكشفي انف و أذن.!
رحل كريم عن المرحاض تاركا حياه تنظر للأعلى تفكر بدهشة -: انف و أذن.؟!! ده رجع يدمن تاني ده ولا ايه.؟!
بعد قليل،،
وقف كريم أمام لوح المرآه الطويل، يتأمل بزمجرة وجهه ..
يهمس وهو يجز على أسنانه بحنق -: منك لله يا بعيدة حسبى الله ونعمة الوكيل.!
سمعته حياه الجالسة على الفراش بملل .. " سمعتك على فكرة و بعدين ما قولنا مكنش قصدي الله .! "
وبخته بأسلوب منحط يميل لل"شرشحة. !😂 "
وهى تضع كفها أسفل ذقنها ..
لم يعبأ بها، بل نظر مرة أخرى للمرآه قائلا بحسرة
-: كنت طول عمري اسمع ان دقن الراجل شرفه و أستغرب من التعظيم الجامد ده،، دلوقتي عرفت انه هروبا من أيديكم يا جبابرة.!!
~~ الآن ~~
ضحكت بخفة، ثم طبعت قبلة صغيرة أعلى جبينه عندما تأكدت انه خلد النوم، وتوجهت هى الأخرى لفراشها الصغير لتتوجه للنوم ..
~~~~
~~~~
تململ في الفراش بملل، فتح جفونه بهدوء ليقابل قمرا عيناها اللؤلؤان ..
تنهد عميقا وهو يجلس محدقا به ..
تفوه بصوت ناعس
" لسا منمتيش.؟! "
اومأت برأسها نفيا ترمقه بنظرات الحب و اللوم معا ..
" منمتيش ليه بقى.؟! "
إقتربت حياه منه كثيرا تمسح على شعره .. " بفكر فيك.! "
سمحت لنفسها الاقتراب و استنشاق أنفاسه الحارة دوما ..
همست بحزن قرب شفتاه -: لسا مش ناوي تقولها.؟!
اشاح بوجهه بعيدا و قد فهم ما ترمي إليه، سأل بصوته الخشن -: اقولك ايه.؟!
حياه -: كريم انت مبتحبنيش.؟! انت مش عايزني في حياتك.؟!
زفر كريم بضيق -: انتي عارفة الإجابة كويس، معرفش انتي ليه مكبرة الموضوع اوي كدة.!
حياه -: علشان مش عايز تقولها و تريحني، ليه مش عايز تقول انك بتحب مراتك هو عيب ولا حرام يعني.؟!
صاح كريم بغضب -: يوووووه كل شوية لازم تفتحي الموضوع ده، انا زهقت من التفاهة دي و النكد الي شغال 24 ساعة.!! انا ماشي و سايبلك البيت نكدي على الكنب و الحيطان مع نفسك.!!
تركها غير عابئ لاعتذاراتها و توسلها بأن لا يتركها .. تركها كأنه لم يسمعها من الأساس و خرج ..
عاد بعد فترة، وجد الأنوار جميعها مغلقة .. لا يوجد أثر لها بالمنزل .!
دلف لغرفته بخطى بطيئة وجدها نائمة مدثرة تحت الغطاء السميك ..
جلس جانبها بهدوء و أحاط خصرها من الخلف ..
" عارف إنك زعلانة مني بس انا تعبت من كتر زنك الي مبيخلصش، المفروض انتي تراعي اني برجع من الشغل تعبان و محتاج ارتاح بس انتي بتتعبيني بكلامك اكتر.!!
بس انا هريحك ياستي،، انا مش بحبك بس انا بموت فيكي يا حياه.! بعشق الهوا الي بتتنفسيه، إسمك حياه و تبقى حياتي فعلاا..!! "
انتظر ردها و لكن مرت الثوان ولم تفه حياه بحرف ..
كريم -: كل ده زعل.؟! ياستي خلاص بقى المسامح كريم.!
طبع قبلة على جبينها لينصدم من شدة برودة وجنتها، أدارها له لتنفغر شفتيه على وسعهما ..
عيناها المرفوعتان للأعلى، شحوب وجهها الشاحب تماما و برودة بدنها ..
هزها مرة و اثنان و ثلاثة و لكن الإجابة ساكنة .. " لم تتحرك "..!!
هزها بعنف أكبر و هو يصرخ بإسمها و يصيح، يحرك وجهها يمينا و يسارا كي تفيق و لكن دون جدوى ، رحلت زوجته من الدنيا بأكملها..!!
ضمها لأحضانه باكيا بإنهيار -: لا مش هتسيبيني لأ حييااااه..!!
~~
تجمعت حبات العرق حول انام وجهه بكثرة كأن اشعة الشمس نزلت عمودية على وجهها ..
فتح أعينه على وسعمها مرعوب من ذلك الكابوس القذر..!!
إتسعت مقلتاه برعب، حاول النهوض أكثر من مرة و لكن عجز ..
ظل يهمس بإسمها أكثر من مرة كالمجنون، لمحها مدثرة تحت الفراش زاد رعبه أكثر و أكثر ..
لم ينتظر الصراخ بإسمها بل أمسك بالمنضدة الصغير جانبه وهو يسحب نفسه للأسفل ..
" صحيح عاجز،، بس علشانك هطير لسابع سما.! "
أسقط نفسه على الأرض و حاول جاهدا ان يزحف، تساقطت العبرات من عينيه غير مستوعب فراقهاا، لم يدرك حتى الآن انه كابوس و فقط.!
ظل يبكي على الأرض صارخا بإسمها، نمت داخله فكرة الموت ..
نهضت حياه فزعة على أثر صوته ..
حياه بلهفة -: كريم.! كريم اهدى في ايه..!!!
دنت حياه لمستواه و الخوف يتملكها،
امسكها كريم الساقط على الأرض بإنهيار و ضمها لإحضانه بلهفة ..
ظل يصيح معترفا
" انا بحبك.! انا بحبك سامعاني انا مش هقدر أعيش من غيرك،، انا مش عايز غيرك انتي انا بحبك،، حياه انا بحبك.!! "
ظل يردد هذه الكلمات بهستيريا وهى بين يديه مصدومة من حالته،،
ربتت على ظهره بحنية وهى تحاول تهدئته
" ششششش،، انا جنبك متخافش .! "
هدأ بين أحضانها اخيرا،، مازال يهمس بكلماته " بحبك "..!
~~~~
حل الصباح بعد تلك الليلة المتعبة، ظلت حياه جانبه طوال الليل وهو يهمس بين كل حين و الآخر بأحبك ..
تحدثت حياه مع الطبيب بشأن كريم ..
و حبطت عندما سمعته..
" للأسف الإصابة اتطورت، انا كنت منبه الراحة التامة و ميتحركش ابدا .. واضح انه حاول يتحرك و اتعافى على نفسه فإصابته اتطورت اكتر، و حاليا لازم يعمل عملية العلاج الطبيعي مش هينفع مع حالته..!! "
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!