الفصل 1 | من 3 فصل

رواية زوجة برتبة مربية الفصل الأول 1 - بقلم منى

المشاهدات
12
كلمة
910
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

في ذلك الزقاق الضيق الذي لا تكاد تصله أشعة الشمس إلا مسترقة السمع عبر الفراغات المتروكة بين البنايات المتهالكة، كانت “حياة” تقف أمام مرآتها الصغيرة المشروخة المعلقة على حائط غرفتها. أصلحت طرف حجابها القطني البسيط، وتأملت وجهها الشاحب الذي رسمت عليه سنوات الكدح المبكر ملامح تفوق سنواتها الثلاث والعشرين. عيناها السوداوان الكحيلتان تحملان بريقاً يقاوم الانكسار، رغم أن كل شيء حولها كان يدعو للاستسلام.
استنشقت هواء الغرفة المعبأ برائحة الرطوبة وأدوية والدتها، ثم التفتت حين سمعت أنيناً خافتاً ينبعث من الفراش الخشبي القابع في زاوية الغرفة. تحركت بخطوات وئيدة، حريصة على ألا تصدر لوحات الأرضية الخشبية المتهالكة أي صوت قد يزعج نوم والدتها المريض.
انحنت حياة فوق رأس أمها، وطبعت قبلة حانية على جبينها الذي غطته غضون الزمن والمرض. تلمست يدها العروق النافرة في يد والدتها وقالت بصوت هامش أقرب إلى الابتهال:
ربنا يشفيكي يا أمي.. ويقدرني أرجعلك النهاردة بالفلوس اللي تكفي علاجك وزيادة.”
لم تكن حياة تملك رفاهية البكاء أو الشكوى؛ فمنذ أن غيب الموت والدها قبل سنوات، أصبحت هي السند الوحيد لهذه المرأة العجوز. تنقلت بين مهن كثيرة، طرقت أبواباً شتى، واحتملت نظرات الشفقة تارة ونظرات الطمع تارة أخرى، حتى استقرت بها الحال كعاملة في بيوت “الأكابر”، أولئك الذين يعيشون في القصور والفلل الفارهة خلف الأسوار العالية، حيث الأرض هناك لا تشبه أرض حارتها الشعبية.
خرجت حياة من البيت، لتستقبلها جلبة الحارة؛ باعة جائلون يصرخون على بضائعهم، أطفال يركضون بملابس رثة، ونساء يجلسن على عتبات البيوت يتبادلن الأحاديث. حاولت حياة الإسراع بخطواتها، مطأطئة رأسها كعادتها لتتجنب نظرات الجيران وهمساتهم التي لطالما كانت كالسياط على روحها، وإن كانت اليوم تحاول جاهدة إغلاق أذنيها عن كل ما قيل ويقال.
يا حياة! يا بت يا حياة.. استني هنا!”
التفتت حياة لتجد صديقتها المقربة “سلمى” تركض نحوها، وهي تحاول جاهدة موازنة حقيبتها الكبيرة على كتفها. سلمى لم تكن مجرد صديقة، بل كانت الصندوق الأسود لحياة، والفتاة الوحيدة في هذا الشارع التي تفهم معنى الخوف المتأصل في صدرها.
التقطت سلمى أنفاسها وقالت معاتبة:
لمتابعة باقي الفصول دون انتظار ، وقراءة الروايات الحصرية بدون إعلانات مزعجة وبخط مريح جداً .. حملوا الآن تطبيقنا الرسمي [ hekayat ] مجاناً ادخل على متجر Google Play واكتب hekayat ونزل التطبيق واستمتع بافضل الروايات
ماشي زي الصاروخ.. مش قادرة تستني دقيقة واحدة نمشي فيها سوا؟”
ابتسمت حياة ابتسامة باهتة وقالت:
يا سلمى انتي عارفة المواعيد في الفيلا الجديدة.. الست منال هانم دقيقة جداً، ولو اتأخرت خمس دقائق ممكن تخصم من اليومية، وأنا مش حمل مليم واحد يضيع.”
سارت الفتاتان جنباً إلى جنب نحو موقف الحافلات. نظرت سلمى إلى وجه حياة وقالت بنبرة مشوبة بالقلق:
حياة.. انتي نمتي كام ساعة امبارح؟ وشك مخطوف، والسمار تحت عينيكي زاد. ريحي نفسك شوية يا بنتي، الشغل في البيوت مش هينتهي، وصحتك دي هي اللي باقيالك.”
تنهدت حياة بعمق، ونظرت إلى الأفق البعيد حيث تتداخل خطوط الدخان مع خيوط الفجر:
الراحة دي للناس اللي عندها ظهر يا سلمى. أنا ضهري عريان، وأمي علاجها كل شهر بيكلف الشئ الفلاني. لولا شغلانة فيلا الست منال دي، مكناش عرفنا نجيب علبة الدواء الأسبوع اللي فات. الست طيبة وبتقدر التعب، بس الشغل هناك يهد الحيل.. الفيلا واسعة وكل ركن فيها محتاج عين وعناية.”
ربتت سلمى على كتفها بحنان:
ربنا كريم يا حياة، ومبيسيبش حد غلبان. المهم، طمنيني.. خلصتي اقساط الجمعية كلها ولا لسة
اه الحمد لله فاضل اخر قسط .”
وصلت الحافلة، فاستقلتها الفتاتان وسط الزحام الخانق. غاصت حياة في أفكارها ومونولوجها الداخلي. كانت تسأل نفسها دائماً: لماذا كتبت عليها هذه العيشة؟ لماذا يتعين على فتاة في مثل عمرها أن تحمل هموم الجبال، بينما الفتيات في سنها يخططن لمستقبلهن ويبحثن عن الأزياء والجامعات؟ لكنها سرعان ما كانت تستغفر ربها، طاردة هذه الأفكار التشكيكية، معتبرة أن رضا أمها ودعاءها في جوف الليل هو رأسمالها الحقيقي في هذه الحياة.
لمتابعة باقي الفصول دون انتظار ، وقراءة الروايات الحصرية بدون إعلانات مزعجة وبخط مريح جداً .. حملوا الآن تطبيقنا الرسمي [ hekayat ] مجاناً ادخل على متجر Google Play واكتب hekayat ونزل التطبيق واستمتع بافضل الروايات
بعد رحلة مريرة في وسائل المواصلات، وصلت حياة إلى الحي الراقي. شتان بين صخب حارتها وهدوء هذا المكان. هنا الشوارع نظيفة، والأشجار تصطف على الجانبين كحراس مخلصين، والفلل تبدو وكأنها لوحات فنية. وقفت أمام البوابة الحديدية الضخمة لفيلا “الست منال”، ضغطت على الجرس، لتفتح لها الشغالة الأخرى وتدخل حياة إلى عالم غير عالمها.
بدأت حياة عملها بهمة ونشاط. كانت تتحرك كالفراشة بين الردهات الواسعة، تنظف التحف الكريستالية، وتمسح الأرضيات الرخامية اللامعة التي كانت تعكس وجهها المتعب. ورغم مشقة العمل البدني، إلا أن ما كان يؤرقها حقاً هو الطقس النفسي الثقيل داخل هذه الفيلا.
الست منال، تلك السيدة الأرستقراطية الوقورة، كانت تجلس دائماً في شرفتها الواسعة، ممسكة بمسبحتها، وعيناها تحملان حزناً دفيناً لا تداويه أموال الدنيا. حياة كانت تلاحظ ذلك؛ فالأغنياء أيضاً يبكون، ولهم هموم قد تفوق هموم الفقر. لم تكن حياة تدري في تلك اللحظات أن الأقدار تحاك في الخفاء، وأن خطوط حياتها البسيطة على وشك أن تتشابك مع خطوط هذه العائلة الغنية بطريقة لم تكن لتخطر لها على بال حتى في أكثر أحلامها جموحاً.
انتهى اليوم الشاق، وتوجهت حياة إلى غرفة الست منال لتأخذ أجرها ا. نظرت إليها السيدة المسنة بنظرة مغايرة هذه المرة، نظرة فاحصة تفوق المعتاد، وكأنها تزن أمانة هذه الفتاة ونقاء سريرتها. اعطتها الفلوس وزادت عليها مكافأة صغيرة، وقالت بنبرة ذات مغزى:
انتي بنت أصل يا حياة.. ونظيفة، ومش بتاعة لف ودوران. الزمن ده قليل فيه اللي زيك.”
شكرتها حياة بحياء وخرجت، والفلوس في يدها تمثل قبلة الحياة لوالدتها المريضة. عادت إلى حارتها، والتعب ينهش جسدها، لكن راحتها النفسية كانت في جيبها. لم تكن تعلم أن هذه المديح من الست منال لم يكن عابراً، بل كان الحجر الأساس لفكرة بدأت تنضج في رأس السيدة العجوز لإنقاذ حفيدتها “ريما”.. فكرة ستغير اسم حياة من مجرد عاملة بسيطة، إلى “مدام مراد بيه”

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...