رواية عرافة المافيا الجزء الخامس 5 بقلم Watt Mila عرافة المافيارواية عرافة المافيا الحلقة الخامسة كانت طاولة العشاء الطويلة في قصر “كلاوس” تعكس هيبة المكان وجموده. جلس السيد “كلاوس” في رأس الطاولة بوقارٍ تام، وعلى يمينه جلست زوجته “إليزابيث”، بينما جلست ابنتهما الصغرى “ليانا” في الجانب المقابل. كان “لوكا” يجلس في المقعد الجانبي، يراقب المشهد بملل. التفت “لوكا” نحو رئيس الخدم وقال بلهجة آمرة:
“رئيس الخدم، أحضر السمك المشوي فوراً، لا أريد تأخيراً إضافياً”. لم يكد الخدم ينسحب حتى انفتح الباب بقوة، واقتحمت “فاليريا” القاعة بخطوات متبخترة، وعيناها تشعان غضباً مكتوماً خلف ابتسامة متكلفة. وقفت في منتصف القاعة ، ثم وجهت نظراتها الحادة نحو “ليانا” وقالت بصوت عالٍ ومتعالٍ: “ليانا، انهضي فوراً. الخدم لا يعرفون كيف يخدمونني، اذهبي وأحضري لي بقية الأطباق، وبسرعة ، فأنا لا أنتظر أحداً”.
جلست “فاليريا” في المقعد الشاغر بجانب “لوكا”، وبدأت تتحدث بنبرة رقيقة ومستفزة: “لوكا، أخي العزيز، لماذا تبدو منزعجاً؟ أنا فقط أردت الانضمام إليكم، ألم تشتق لي؟ شعر “لوكا” باشمئزازٍ لا يوصف. قبض على كأسه بقوة وأجابها بصوتٍ منخفض: “القصر كان بخير حتى دخلتِ، فاليريا. وفري هذا التمثيل لغيري، فأنا أعرف جيداً ما يدور خلف تلك الابتسامة”. ضحكت “فاليريا” بخفة وقالت:
“مسكين يا لوكا، دائماً تظن أنك ترى ما لا يراه الآخرون. لكن لا تقلق، سأعتاد على مزاجك السيئ، فمن الآن فصاعداً سأعيش معكم في هذا القصر، ولن أرحل أبداً”. ساد صمت مفاجئ. أنزلت “إليزابيث” شوكتها ببطء ونظرت إلى ابنتها بقلق، بينما سألها السيد “كلاوس” بصوت هادئ ومتحفز: “هل أخذتِ إذناً مني بذلك يا فاليريا؟ نظرت “فاليريا”
إلى والدها ببرود وقالت: “الأمر لا يحتاج لإذن يا أبي، فأنا ‘عرافة المافيا’ التي تعرف خبايا هذه العائلة أكثر من أي شخص آخر. وجودي هنا ضرورة لحمايتكم، أليس كذلك؟ التفتت نحو “لوكا” مرة أخرى، وغمزت له بخبث : “أليس كذلك يا أخي؟ أنت تعلم أنني أرى كل شيء، وأعرف كيف أدير الأمور بشكل أفضل منك ومن والدك”. تنهد “لوكا” بعمق ونظر لوالده: “هل ستسمح لها بالبقاء والتحدث بهذا الأسلوب؟ إنها تظن أن القصر ملكها”. رد السيد “كلاوس”
بصوت حاد: “فاليريا، حدودكِ واضحة. ابقي في القصر إن أردتِ، لكن احترمي من هم أمامك”. أمسكت “فاليريا” كأسها وقالت بابتسامة متكبرة: “الاحترام يُكتسب، يا أبي، وأنا سأجعل الجميع يحترمون وجودي هنا بطريقتي الخاصة”. نظرت “ليانا” إلى “لوكا” بخوف، فهمس “لوكا” لنفسه: “هذه الليلة ستكون أطول ليلة في حياتي”.
صعد لوكا الدرج بخطوات متسارعة، كان يشعر وكأن جدران القصر تضيق عليه. دخل غرفته وأوصد الباب، ولم يكتفِ بذلك بل أدار المفتاح مرتين. نزع سترته، ثم قميصه، وترك عضلاته المنهكة تتنفس في جو الغرفة الخانق. تنهد بعمق، وحدث نفسه بصوت مسموع: “يجب أن أهدأ. إذا فقدت أعصابي أمامها، فقد خسرت. هذا بالضبط ما تريده، أن تراني محطماً”.
اقترب من ركن الملاكمة في زاوية الغرفة. بدأ يوجه اللكمات للكيس الجلدي. كل لكمة كانت تمثل شخصاً أو موقفاً، لكن الغالبية العظمى منها كانت لفاليريا. *لماذا عادت الآن؟ * تساءل في سره. *هل تعتقد أنها ستدخل حياتي وتعبث بها كما تشاء؟ في تلك الأثناء، في الممر الخارجي، كانت فاليريا تقف بخطوات صامتة تماماً. اقتربت من الباب، ووضعت أذنها ببطء شديد على الخشب البارد. كانت تسمع أنفاسه الثقيلة، وصوت احتكاك قفازات الملاكمة بالكيس.
ابتسمت لنفسها وهي تفكر: *ما زلت بنفس الغباء يا لوكا. الغضب يعميك، يجعلك تنسى أن كل ما تفعله هنا مراقب.* فجأة، توقف لوكا عن التدريب. شعر بوخزة في رقبته، ذلك الشعور الغريزي الذي يخبرك أن أحداً يراقبك. مشى على أطراف أصابعه، ثم سحب مقبض الباب بقوة وفتحه. لم تكن فاليريا متفاجئة، كانت تقف بهدوئها المعتاد، ويداها خلف ظهرها. قال لوكا، وصوته يخرج مخنوقاً بسبب مجهود التدريب: “هل يعجبك المنظر؟ هل هذا ما تفعلينه في أوقات فراغك؟
مراقبة الناس من الأبواب؟ أمالت فاليريا رأسها قليلاً، وتنهدت بملل مصطنع: “أوه، لوكا. لماذا تظن دائماً أنني أراقبك؟ ربما كنت ذاهبة لطلب الماء، وصادف أنني توقفت لأستريح. ألا يحق لي ذلك؟ اقترب لوكا منها خطوة، وقال بحدة: “اخرجي فوراً. القصر قد يتحملكِ، لكنني لن أتحمل وقوفك عند بابي”. لم تتحرك، بل نظرت إليه
ببرود وقالت بنبرة مفاجئة: “أعلم أنك تعاني يا لوكا. ليست مشكلة في العضلات ولا في الملاكمة.. أعلم أنك تعاني من مشكلة مع الحب. تجد صعوبة في الثقة، وتخشى أن يكسر أحد هذا الجدار الذي بنيته حول قلبك”. توقف لوكا عن التنفس لثانية، ثم ضحك بسخرية مريرة: “الحب؟ أنتِ تتحدثين عن الحب؟ هذا مضحك جداً. لا أحد يستطيع تغيير منطقي يا فاليريا، أنا أتحكم في مشاعري كما أتحكم في لكماتي”.
خطت فاليريا خطوة نحو الداخل، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، مما جعل لوكا يتراجع قليلاً. نظرت إليه وقالت بصوت منخفض ومحكم: “المنطق شيء، والواقع شيء آخر. أنا أقدم لك صفقة: سأحضر لك فتاة تجعلك تحبها رغماً عنك، فتاة ستذيب هذا الجليد الذي يغلف قلبك حتى لو قاومت بكل قوتك. ستجد نفسك تقع في حبها، ستفقد السيطرة على كل شيء، ستصبح عواطفك هي من تقودك لا عقلك. فماذا سيكون المقابل إذا نجحت في جعل هذا ‘الوحش’ يقع في الحب؟
تصلب لوكا في مكانه، وابتسامة السخرية تلاشت من وجهه تدريجياً. شعر بضربات قلبه تتسارع، ليس غضباً، بل فضولاً قاتلاً. قال بصوت خافت: “تقولين أنكِ ستجعلينني أحب؟ رغماً عني؟ أنتِ واثقة جداً من قدراتكِ في التلاعب بالبشر”. ردت بابتسامة خبيثة، وهي تقترب أكثر: “لست واثقة، أنا متأكدة. أنا أعرف نقاط ضعفك التي لا تعرفها أنت حتى. فكر في الأمر.. العيش بدون حب هو موت بطيء، أليس كذلك؟
ألم يسبق أن تمنيت أن تشعر بشيء حقيقي، بعيداً عن صراعات المافيا والدم؟ صمت لوكا. نظراته التي كانت مليئة بالعداء تحولت إلى نظرات حيرة وتفكير. بدا وكأن عرضها هو السم الذي كان ينتظر أن يشربه.
لم ينتظر لوكا ثانية واحدة. بمجرد أن أغلق الباب خلفها، انتزع معطفه وخرج من غرفته كالإعصار. الممر كان مظلماً، ووقع خطواته على الأرضية الرخامية كان يتردد كصوت رصاص. لم يهتم لأي شيء، كان يريد فقط الخروج من هذه الجدران التي أصبحت خانقة برائحة عطرها وسموم كلماتها. في الممر، كانت ليانا تقف مرتبكة، وكأنها كانت تنتظر خروجه. حين رأته يندفع بهذا الشكل، تراجعت خطوة للوراء مذعورة وقالت بصوت خافت: “لوكا! ماذا حدث؟ وجهك..”.
لم يلتفت إليها، لم يمنحها حتى نظرة واحدة. أجاب بصوت متشنج وهو يسرع في خطاه: “ابتعدي عن طريقي يا ليانا. لا أريد الحديث مع أحد الآن”. اندفع نحو السلم، نزل درجاته بسرعة جنونية، وكان كل ما يشغل باله هو الوصول إلى الهواء البارد في الخارج. دفع باب القصر الأمامي بقوة وخرج إلى الفناء الخلفي، حيث كان ليل المدينة هادئاً وبارداً يلفح وجهه. وقف هناك، وسط الظلام، يتنفس بصعوبة. نظر إلى يديه؛ كانت ترتجفان قليلاً.
همس لنفسه بغضب مكتوم: “هل تظن حقاً أنني سأكون دمية في يدها؟ هل تظن أنني سأسمح لها بأن تملي عليّ من أحب.. ومن أقتل؟ كانت فاليريا قد زرعت في عقله سمّاً لا يزول. كلما حاول طرد الفكرة، عادت إليه أقوى. تخيل سيناريو حياته القادم: فتاة ستدخل حياته، سيضعف أمامها، سيحبها، ثم.. سيتعين عليه أن ينهي حياتها بيده ليثبت أنه “الكلاوس” الحقيقي.
أخرج سيجارة من جيبه وأشعلها بيده المرتجفة، محاولاً تهدئة أعصابه. كان يعلم أنها تراقب من نافذة ما في القصر، ربما تبتسم الآن وهي ترى اضطرابه. صرخ بصوت خافت في الهواء: “لن يحدث. لن أدع هذا الهراء يمسني”. لكن في أعماقه، كان صوتاً خبيثاً يهمس له: “أنت لا تهرب منها، أنت تهرب من حقيقة أنك تريد أن تعرف من هي تلك الفتاة”.
وقف لوكا في الفناء، دخان سيجارته يختلط بضباب الليل. لم يكد يستجمع أفكاره حتى سمع وقع خطوات ثقيلة ومألوفة تقترب من خلفه. تجمد في مكانه، عرف تلك الخطوات جيداً؛ إنها خطوات والده التي تفرض الهيبة في كل ركن من أركان القصر. “أنت تضيع وقتك في التفكير، يا كلاوس.” دوت الكلمة كأنها صفعة على وجهه. استدار لوكا ببطء، وعيناه تشتعلان غضباً مكتوماً. زفر الدخان بحدة وقال بصوت يملؤه الرفض: “أرجوك، يا أبي.. كم مرة قلت لك؟
لا تنادني بهذا الاسم. أنا لا أحبه، ولا أريد أن أكون نسخة مكررة منك.” لم يتأثر السيد كلاوس بكلمات ابنه. وقف شامخاً، يده اليمنى تعبث بخاتم عائلته الذهبي، ونظر إليه بنظرات باردة لا تعرف اللين. قال بلهجة جافة وصارمة: “الاسم ليس اختياراً، إنه قدرك. أنت تحمل دماء هذه العائلة، وما ترفضه اليوم ستضطر للتعايش معه غداً.” ألقى لوكا سيجارته على الأرض وسحقها بقدمه بعنف. “أنا لست أداة في يدك أو يد فاليريا، لست مهتماً بألاعيبكم.”
ضحك السيد كلاوس ضحكة قصيرة خالية من أي مرح، ثم اقترب منه وقال بنبرة آمرة: “الألاعيب انتهت. هناك شحنة كبيرة تنتظر في المدينة الساحلية البعيدة، شحنة مخدرات يجب تأمين وصولها وتوزيعها في السوق السوداء. الخونة بدأوا يتحركون، وأحتاج لشخص لا يخطئ في مثل هذه المهام.” تغيرت ملامح لوكا، وأدرك أن الأمر ليس مجرد مهمة، بل هو اختبار لولائه. سأل بصوت خافت: “تريدني أن أذهب إلى هناك؟ أنت تعلم أن تلك المنطقة هي جحيم بحد ذاته.”
وضع السيد كلاوس يده على كتف لوكا بقوة مؤلمة، وقال بنبرة لا تقبل النقاش: “ستغادر غداً عند الفجر. ستتولى المهمة، وستثبت لي أنك لا تزال ابن هذا القصر، لا شاباً تائهاً يبحث عن مشاعر لا وجود لها في عالمنا.”
استدار والده عائداً نحو القصر، تاركاً لوكا في وسط الفناء. نظر لوكا إلى ظهره وهو يبتعد، وشعر بثقل المهمة يتركز في صدره. لم تكن مجرد رحلة عمل، بل كانت هروباً مفروضاً من صراعه مع فاليريا، ولكنها في الوقت نفسه قد تكون بداية الطريق الذي حذرته منه. همس لنفسه بمرارة: “مخدرات.. شحنات.. قتل.. هل هذا هو كل ما ينتظرني؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!