الفصل 9 | من 10 فصل

الفصل التاسع

المشاهدات
6
كلمة
1,712
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

رواية عرافة المافيا الجزء التاسع 9 بقلم Watt Mila عرافة المافيارواية عرافة المافيا الحلقة التاسعة كان الطريق إلى قمة الصخرة العملاقة وعراً،فالرياح تزداد قوة مع كل خطوة و عندما وصلا إلى الحافة، أطلقت أزراميلدا يديها لتداعب الرياح فكانت تتحرك برشاقة كأنها جزء من هذا المكان و كأن الريح تعرفها وتلف حولها ثم أمسك أرماند ذراعها بقلق وقال: “احذري، الأرض هنا زلقة والرياح شديدة.. لا أريدك أن تسقطي.”

التفتت إليه بهدوء، ثم نظرت إلى الأفق وقالت بصوت مسموع وسط الريح: “أرماند، أنا لم أخشَ السقوط يوماً بقدر ما خشيت ممن قد يدفعني نحو الهاوية.” ساد صمت قصير، ثم أشارت بيديها نحو الحافة: “تعال، اجلس هنا.” جلس أرماند بجانبها، وما إن وقعت عيناه على المشهد حتى حبس أنفاسه. كانت الشمس تبدأ بالغروب، وتنعكس أشعتها على قمم الجبال المكسوة بالضباب، مخلفة منظراً بانورامياً مذهلاً لم يره في حياته من قبل. ظل ينظر للأسفل في ذهول، ثم

التفت إليها وقال بابتسامة: “إذن يا أيتها الغجرية، حظيتِ بكل هذا الجمال في منزلك ونحن لا ندري؟ نظرت إليه بملامح جادة وأجابت: “ومن قال لك إنني فعلت؟ عقد أرماند حاجبيه باستغراب، فأكملت هي وهي تحدق في الفراغ: “صحيح أنني تربيتُ هنا بين هذه الجبال، لكن السيدة أرتاكيا التي رأيتها في الأسفل.. ليست أمي. إنها فقط المرأة التي ربتني.”

اندهش أرماند من كلامها، وبدا في عينيه فضول كبير لسماع المزيد، بينما بقيت هي تراقب الجبال وكأنها تحكي له جزءاً من سرها الذي طالما كتمته داخلها ثم نظرت أزراميلدا إلى الأفق وقالت بنبرة خالية من العاطفة: “حين كنت في الخامسة، لم أر والدي قط فـ أمي كانت تراقبني كل صباح بعينين مليئتين بالحقد ثم تضربني بيدها وتبكي ثم ترفع وجهها للسماء وتدعو عليّ.. وكأن وجودي هو ذنبها الأكبر حقا كنت اظنها مجنونة لكنها لم تكن كذلك ابدا ”

التفت أرماند إليها، ارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة، وقال بصوت منخفض: “يبدو أنكِ كنتِ تملكين شيئاً يثير رعبهم منذ نعومة أظافركِ.. الغموض له ثمن، أليس كذلك؟ صمتت أزراميلدا لثوانٍ، ثم تابعت بلا اكتراث: “كان لي أخان. الأكبر كان يحاول حمايتي.. أما الآخر، الذي يكبرني بسنتين فقط، فقد كان يضربني بقسوة ليرضيها” أمال أرماند رأسه قليلاً، ولمعت عيناه بنظرة فضول غير مريحة: “بفارق سنتين؟

كان طفلا. ومع ذلك اختار أن يكون جلادكِ بدلاً من سندكِ.” واصلت هي حديثها وهي تحدق في الفراغ: “كان آخر لقاء مع أخي الذي يكبرني، نهايته شيء أسوأ.. فقد حاول خنقي بيديه الصغيرتين.” أخرج أرماند سيجارة وأشعلها ببطء، ثم نفث الدخان في الهواء قبل أن يقول بنبرة جافة: “خنقكِ؟ مثير.. الغريب ليس أنه حاول ذلك، الغريب أنكِ تصفين الأمر وكأنكِ تحكين مشهداً من مسرحية عابرة.” أنهت أزراميلدا كلامها بجفاء:

“ومنذ ذلك اليوم، عرفت أنني لا أملك عائلة.. بل أعداء يشاركونني البيت.” نظر إليها أرماند مطولاً، مسح على ذقنه ببطء، ثم أردف بابتسامة تفتقر للدفء: “الأعداء داخل البيت هم الأكثر صدقاً.. هذا يفسر الكثير عن هذا البرود الذي أراه في عينيكِ الآن.” ساد صمتٌ ثقيل بينهما، بينما استمرت الرياح في العصف، جاعلةً المكان يبدو أكثر وحشة. نهضت ازراميلدا فجاة. نفضت ثيابها من الغبار بحركات حادة، وكأنها تنفض عن روحها ما قالته للتو. نظرت

الى البعيد وقالت بجمود: “لم انته بعد.” نهض ارماند ببطء، وقف خلفها مباشرة، وقال بنبرة واثقة: “عرفت سبب قوتك. انت لا تسافرين من اجل المتعة، انت تبحثين عنهم.” اومأت براسها وهي لا تزال تحدق في الفراغ، ثم قالت بصوت جاف: “ليس عنهم. لا اريد رؤية امي او ذاك الذي حاول قتلي. انا ابحث عن ابي، اريد ان اساله لماذا تركني؟ ولماذا لم يكلمني يوما؟ وابحث عن اخي الاكبر، اريد ان اعرف اين هو الان وكيف حاله.”

ابتسم ارماند ابتسامة باهتة لا تصل الى عينيه، ثم علق ببرود: “اذن انت لا تبحثين عن اجابات، انت تبحثين عن مواجهة. وهذا النوع من البحث دائما ما ينتهي بطريقة غير متوقعة.” بدأ الاثنان رحلة الهبوط من قمة الصخرة. كان الطريق منحدرًا وزلقًا بسبب الضباب الذي بدأ يغزو المكان. في لحظة غفلة، تعثرت قدم أزراميلدا على حافة صخرة بارزة، وبدأت تفقد توازنها، مائلة بجسدها نحو الفراغ.

مد أرماند يده بسرعة ليمسك بها، لكن أزراميلدا لم تنتظر مساعدته. بحركة بهلوانية سريعة وخفيفة، التفتت في الهواء، وارتكزت على كفيها، ثم استعادت توازنها ووقفت بثبات في لحظة خاطفة، وكأنها قطة برية لم يمسها سوء. توقف أرماند في مكانه، يده لا تزال معلقة في الهواء، ونظراته تلاحقها بذهول ممزوج بالإعجاب. قال بنبرة مشوبة بالريبة:

“لم أكن أعلم أنكِ تجيدين الرقص مع حافة الهاوية بهذا الشكل. حركاتكِ ليست عفوية.. هل كنتِ تتدربين على النجاة وحدكِ منذ كنتِ صغيرة؟ نظرت إليه أزراميلدا، ونفضت الغبار عن يديها ببرود، وأجابت وهي تتابع طريقها: “في الجبل، إما أن تتعلم كيف تتحكم في جسدك أو تسقط. أنا اخترت البقاء، وهذا يتطلب أكثر من مجرد الحظ.” ابتسم أرماند، وتابع المشي خلفها بخطوات هادئة، وقال:

“النجاة مهارة، لكنها أحياناً تكون لعنة لأنها تجعلكِ هدفاً لمن يريدون التخلص من ‘الناجين’.” عندما وصلا إلى سفح الجبل، لم يكن هناك أحد بانتظارهم. بدأت أزراميلدا بالتحرك نحو الطريق، وفجأة انبعث صوت من الظلال: “من الغباء تسلق قمم لا تمنحك سوى رياح باردة، بينما كان بإمكانك البقاء في الداخل.”

توقفت أزراميلدا والتفتت لتجد جوليان واقفاً ببدلته الرسمية، وشعره الأسود يلامس كتفيه وعيناه الخضراوان تراقبانها. كان قد عاد لتوه من الخارج. أرماند ابتسم لنفسه وفكر: “آه، إذن هذا هو ابن عمها المتعجرف. حيد إذن.. يبدو أن الأجواء ستصبح مثيرة.” اقترب جوليان متجاهلاً أرماند وقال بنبرة قلقة: “كنت أعلم أنك ستصعدين إلى هناك. هل فقدت عقلك؟ الجو يتغير بسرعة في الأعلى.” رد أرماند وهو يقترب:

“الجبال ممتعة لمن يعرف كيف يتسلق، أليس كذلك يا جوليان؟ نظر إليه جوليان من الأعلى إلى الأسفل وقال بسخرية: “يبدو أن حذاءك الغالي سيحتاج إلى تنظيف عميق بعد هذه النزهة. لا أعتقد أنه مصمم للوحل.” أرماند لم يبتسم هذه المرة ورد ببرود: الحذاء مجرد جلد، يا ابن العم. المهم هو من يقف بثبات على الأرض، وليس من يختبئ في الظلال ببدلة أنيقة.” سخر جوليان وهو يلتفت لأزراميلدا:

“يبدو أنك تجمعين في طريقك أشياء لا فائدة منها. هذا الرجل يظن نفسه في عرض أزياء.” ردت أزراميلدا وهي تتجاوزهما ببرود: “على الأقل هو لا يقف هنا ببدلة رسمية بانتظار عودتي، يا جوليان.” حين حاولت ازراميلدا تجاوزه، تحرك جوليان بسرعة وسد طريقها، ثم مد يده ليمسك خصرها بقوة ليجبرها على التوقف. بمجرد أن شعرت بلمسته، ضربت يده بعنف وقالت بحدة: “ارفع يدك عني.”

تراجع جوليان خطوة للخلف، وعيناه الخضراوان تشتعلان بغضب مكتوم. نظر إلى يده التي ضربتها ثم عاد ونظر إلى عينيها وقال بتهكم: “افعلي ما شئتِ. لكن تذكري، القمة التي تصعدين إليها لن تحميكِ من السقوط حين يغدر بكِ هذا الغريب.” نظرت إليه ازراميلدا باحتقار، ثم تجاهلته تماماً ومشت بجانبه ورأسها مرفوع بكل كبرياء، دون أن تلتفت خلفها.

أرماند الذي كان يراقب المشهد، اقترب من جوليان بخطوات واثقة. وبينما كان يمر بجانبه، مالت رأسه قليلاً مقلداً نبرة جوليان الساخرة وقال بصوت مسموع: “القمة التي تصعدين إليها.. الغدر بكِ.. يا لك من درامي! ثم صدم كتفه بكتف جوليان بقوة متعمدة وهو يكمل طريقه خلفها. توقف جوليان في مكانه، قبض على يديه حتى برزت عروقهما، بينما ابتعد أرماند وهو يطلق ضحكة خافتة مستفزة دون أن ينظر إلى الوراء

دخلت أزراميلدا الخيمة الكبيرة، حيث كانت رائحة الشواء والبخور تملأ المكان. في الداخل، كانت المائدة ممتدة على سجاد يدوي فاخر، واجتمع حولها إخوتها الاثنا عشر بملابسهم البدوية المطرزة، يجلسون صفاً واحداً كأنهم ينتظرون إشارة. كانت الأسماء تتردد في الخيمة بوضوح: “أزريل، أزرين، أزرا، أزراد، أزروم، أزريد، أزريا، أزريش، أزرون، أزرك، أزريل، أزراي.”

نظرت أزراميلدا إلى وجوههم المتشابهة، ثم اتجهت لمكانها. كان الصمت ثقيلاً، ولا يُسمع سوى صوت الحطب وهو يشتعل في الموقد. تحدث أزريل، الأخ الأكبر، دون أن يرفع عينيه عن طبقه: “تأخرتِ كثيراً. الطعام كاد يبرد.” جلست أزراميلدا بهدوء وقالت: “الطريق كان طويلاً. لا أعتقد أن وجبة عشاء تستحق كل هذا العناء.” ساد صمت مفاجئ، وتبادل الإخوة نظرات سريعة. كان أزرين يجلس بجانبها، يراقب حركاتها بضيق، ثم همس لها:

“الأب يسأل عن كل شيء يا أزراميلدا. خاصة هذا الغريب الذي كان معك عند السفح. من يكون؟ رفعت أزراميلدا رأسها ونظرت إلى والدتها التي كانت تجلس في صدر الخيمة تراقبها بصمت، ثم قالت ببرود: “إنه مجرد شخص صادفته في طريقي. لا داعي لكل هذا الاهتمام.” رد أزرين بنبرة حادة: “الاهتمام ليس اختيارياً هنا. الأب لن يعجبه أن يدخل غريب إلى مخيمنا، خاصة إذا كان يتبجح بملابسه الغريبة.” أنهت أزراميلدا شرب الماء، وضعت الكأس بقوة على المائدة،

وقالت: “ليأتِ الأب ويسألني بنفسه إذن. أنا لست هنا لأقدم تقارير عن حياتي.” توقف الجميع عن الأكل، ونظروا إليها في ترقب، بينما واصلت هي تناول طعامها وكأن شيئاً لم يكن.

في خيمةٍ مجاورة، كانت الأجواء تختلف تماماً عن صخب المائدة؛ حيث انحصر الضوء في بقعة واحدة حول موقدٍ نحاسي، وجلس الأب في صدر المجلس، يلتف حوله كبار الرجال من القبيلة. كانت رائحة القهوة المرة تمتزج برائحة التبغ الثقيل، بينما كان الدخان يرتفع ليشكل دوائر مشوهة في سقف الخيمة العالي. لم تكن الجلسة مخصصة لشيء واحد، بل كانت مزيجاً من الثرثرة حول مواسم الرعي، وأخبار الآبار التي جفت، ومشاكل القبائل المجاورة التي لا تنتهي.

أخذ الأب رشفة من قهوته، ثم وضع الفنجان بهدوء على الأرض، ونظر إلى الرجل الذي بجانبه قائلاً بنبرة هادئة: “يقولون إن أسعار الماشية في المدينة قد تهاوت، وكأن التجار هناك قرروا أن يحددوا أقواتنا بأهوائهم.”

أومأ الرجل العجوز برأسه موافقاً: “ليتها وقفت عند الأسعار يا شيخ. لقد أصبحوا في كل زاوية. المافيا التي تنشط هناك بدأت تمد أصابعها إلى أطراف الجبال. بالأمس فقط، أوقفوا قافلة من رجالنا، زعموا أنها ‘ضرائب حماية’.. أي حماية هذه التي تفرضها يدٌ تقبض على السلاح وتصوب فوهته نحو صدورنا؟ تنهد الأب، ولم تظهر على وجهه أي علامة انفعال، بل ظل ثابتاً كالجبل الذي تسكنه عائلته:

“الحماية عند هؤلاء لا تعني الأمان، بل تعني أنهم يتركونك تعيش طالما أنك تدفع مقابل تنفسك. إنهم يغرسون جذورهم في اقتصاد المدينة، ثم يطالبوننا نحن، أهل الجبل، بأن نكون الوقود لنارهم.” انضم آخر إلى الحديث، وهو رجل ضخم البنية يلمع في عينيه قلق دفين: “الخطر ليس في المال فقط، يا شيخ. الخطر أنهم يريدون ولاءنا. يسألون عن الغرباء، وعن الطرق السرية عبر الجبال التي لا يعرفها إلا نحن. يظنون أننا سنكون أعينهم وآذانهم.”

ساد صمت عميق في الخيمة، لم يقطعه إلا صوت تشقق الخشب في الموقد. قلب الأب جمرة صغيرة بعصا خشبية، ثم نظر نحو مدخل الخيمة وكأنه يراقب شيئاً في البعيد، وقال بصوت خفيض: “الكل يريد حصة من الجبل، لكن الجبل لا يعطي شيئاً لمن لا ينتمي إليه. هؤلاء القوم يعتقدون أن المال يشتري الجغرافيا، وهم لا يعلمون أن الجغرافيا هنا تُعمد بالدم.”

انتقل الحديث إلى موضوع آخر، حيث بدأ أحدهم يسأل عن أحوال الصيد في الجهة الشمالية، وكأن الموضوع السابق لم يكن سوى غيمة عابرة في سماء النقاش. استمرت الأحاديث تدور حول أمور الحياة اليومية، لكن نظرات الأب كانت لا تزال تشير إلى وجود ثقلٍ كبير يجثم على صدره، ثقلٌ لم يكن متعلقاً بالضرائب أو بالمدينة فحسب، بل بشيءٍ آخر كان قد بدأ يلاحظه في تحركات بعض أفراد عائلته مؤخراً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...