الفصل 2 | من 4 فصل

رواية العارينا الفصل الثاني 2 - بقلم ميلي ميس

المشاهدات
11
كلمة
1,638
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

وفجأة…
اتحرك مقبض الباب ببطء، وطلع صرير خفيف كسر السكون المرعب اللي مالي الأوضة.
اتجمدت شمس مكانها، وحبست نفسها وهي شايفة الباب بيتفتح بالراحة، والضلمة بترسم ظل طويل على الأرض.
في الأول افتكرت إن سليم رجع.
لكن لأ…
دي كانت سارة.
دخلت سارة بهدوء وقفلت الباب وراها، وعينيها بتلمع بنظرة خلت قلب شمس يقبض.
قربت من السرير، ووقفت فوق راسها وهي متكتفة، وبعدين مالت عليها شوية وقالت بصوت واطي مليان سم:
— الزغاريط اللي بره دي مش عشانك يا بنت النداف… دي بداية أيام سودة ليكي. فاكرة نفسك عروسة؟ سليم ما بيشوفكيش غير سبب في كل اللي حصل لعيلته. وأنا جاية أقولك إن اللي شوفتيه لحد دلوقتي ولا حاجة… القصر ده هيبقى سجنك.
بلعت شمس ريقها بصعوبة.
كانت مرعوبة، لكن لسه جواها جزء صغير رافض ينكسر.
رفعت عينيها لسارة وقالت بصوت مهزوز:
— أنا مظلومة… ماليش دعوة بدم ولا تار. أنا أصلًا ماكنتش عايزة أجي هنا.
ضحكت سارة ضحكة كلها شماتة وقالت:
— مظلومة ولا مش مظلومة… ده مش هيفرق مع حد. المهم إنك هنا دلوقتي، ولسه ما شفتيش حاجة.
لفت سارة ومشيت، وقفلت الباب وراها.
وسابت شمس لوحدها.
أول ما خرجت، انهارت شمس على السرير من تاني.
لكن المرة دي ما كانتش خايفة من سليم بس…
كانت خايفة من القصر كله.
من حيطانه.
من ناسه.
ومن الأيام اللي جاية.
على الناحية التانية من البلد…
في قصر النداف.
كانت ياقوت قاعدة في أوضتها الواسعة، ولسه مش مستوعبة اللي حصل.
كلام باسم فضل يرن في ودانها.
وكان عامل جواها إحساس غريب، كأنه طفى جزء كبير من الخوف اللي كانت شايله من أول ما دخلت القصر.
بصت حواليها.
الأوضة كانت مترتبة بشكل يليق بست بيت كبيرة.
كل حاجة فيها مريحة وهادية.
مفيش القسوة اللي كانوا بيحكولها عنها.
قامت بهدوء، وفكت طرحة الفرح الثقيلة من على راسها، وقفت عند الشباك.
كان نور الفجر بدأ يظهر في السما.
والبلد كلها لسه غرقانة في هدوء الصبح.
همست لنفسها بحيرة:
— إزاي؟ ده باسم النداف اللي كانوا بيقولوا عليه قاسي وما يعرفش الرحمة؟ إزاي طمني وحمّاني وهو عارف إن أبويا كان من الناس اللي وافقوا على قتل أبوه؟
فضل السؤال يتكرر في دماغها.
وكل مرة كانت الإجابة تبعد أكتر.
في نفس الوقت…
كان باسم قاعد في المندرة الصغيرة تحت.
قدامه فنجان قهوة برد من كتر ما هو سرحان.
ساند راسه بين إيديه، والتعب باين على ملامحه.
دخل عليه عوض، صاحبه ودراعه اليمين.
وقف قدامه وقال بقلق:
— يا كبير، الناس كلها بتتكلم. الكل مستني يعرف هتعمل إيه مع بنت الراوي. التار لسه جديد، والبلد كلها عيونها عليك.
رفع باسم راسه.
وفي عينيه ظهر نفس البريق الحاد اللي كان بيظهر وقت الشدة.
وقال بهدوء حاسم:
— النداف ما بياخدوش تارهم من الستات يا عوض.
سكت لحظة وكمل:
— البنت في حمايتي. واللي عنده كلام يقوله يقوله. طول ما أنا كبير العيلة، كلمتي هي اللي هتمشي.
هز عوض راسه باحترام.
أما باسم فقام من مكانه وقال:
— جهز الرجالة من بدري. الشغل مستنيش حد. لا تار ولا جواز هيوقفوا رزق الناس.
خرج عوض ينفذ أوامره.
أما باسم ففضل واقف لوحده.
باصص من الشباك ناحية السما اللي بدأ نورها يزيد.
وفي قلبه حرب محدش شايفها…
حرب بين واجب كبير العيلة…
وبين العدل اللي رافض يفرط فيه مهما كان الثمن.
نزلت شمس درجات السلم الرخامي الواسع في قصر الراوي، ورجليها بالعافية شايلينها. العباية السودة الشيفون كانت واسعة عليها كأنها تايهة جواها، وشعرها الأسود الطويل مستخبي تحت شال أسود عامل زي غيمة حزن فوق راسها. كانت سامعة دقات قلبها وهي بتخبط في ضلوعها مع كل خطوة بتقربها من الساحة الكبيرة.
الساحة كانت واسعة، والحراس واقفين حواليها بسلاحهم. وفي صدر المكان كان قاعد الجد، ماسك عصايته الأبنوس بين إيديه. وعلى يمينه جابر، وعينيه مليانة قسوة. بعيد شوية كانت أم سليم واقفة، بتبص لشمس بنظرة مكسورة ومليانة غضب مكتوم. ووراهم سارة، سندة ضهرها على الحيطة وعلى شفايفها ابتسامة شماتة باردة.
وقف سليم في النص، ولما وقعت عينه على شمس وهي نازلة، قال بصوت حاد زي السوط:
— تعالي هنا يا بنت النداف… تعالي واعرفي ناسك وعيلتك الجديدة.
شمس قربت بخطوات مترددة، الخوف مالي قلبها، لكن راسها كانت مرفوعة بعناد. الجد رفع عينه عليها، ونظرته الثابتة ثبتتها مكانها. خبط بعصايته في الأرض وقال بصوت هز الساحة كلها:
— دخولك وسطينا معناه إن رقاب أخوكي ورجالة عيلتك بقت في أمان. لكن ما تفكريش لحظة إن دم ولدنا حسام اتنسى. ومن النهارده مفيش قعدة في الجناح اللي فوق طول النهار. مكانك وسط الخدم… غسيل وطبخ وخدمة لستات البيت. وإياكي رجلك تعدي باب القصر، وإلا دمك هيبقى هدر.
دمعة نزلت من عين شمس غصب عنها، لكنها مسحتها بسرعة وقالت بصوت مخنوق لكنه ثابت:
— حكمك على راسي يا كبير، وأنا عارفة الأصول. والخدمة عمرها ما كانت عيب. بس افتكروا إن ربنا ما بيرضاش بالظلم… وأنا مليش ذنب في دم حد.
اتنحنح جابر وقال بخشونة:
— لسانك ما يطولش يا بت. هنا تقولي حاضر ونعم، وتوطّي راسك في الأرض. يا سليم، خد مراتك وربّيها من أول وجديد، وخليها تعرف إن القصر ده له أصحاب وسادة.
سليم قرب منها، وقبض على كتفها بعنف ولفها ناحية مطبخ القصر الخارجي، وقال من بين سنانه:
— قدامك الشغل. وإياكي أشوف وشك مرفوع قدامي… أصل أنا اللي هكسرهولك.
كانت سارة بتتفرج على المشهد وعينيها مليانة انتصار، وفي قلبها يقين إن اللي شافته شمس النهارده ما هوش غير البداية… وإن الجحيم الحقيقي لسه ما بدأش.
على الناحية التانية، في قصر النداف، كان الصبح مختلف تمامًا.
صحيت ياقوت على خبط خفيف على الباب. قامت بسرعة، عدلت هدومها وفتحت، متوقعة تشوف وشوش مكشرة أو حد جاي ياخدها للشغل.
لكنها اتفاجئت بهنادي، كبيرة الخدم، داخلة عليها وهي شايلة صينية فطار كبيرة مليانة أكل يفتح النفس، وعلى وشها ابتسامة طيبة.
قالت:
— صباح الخير يا هانم. الكبير باسم أمر إن الفطار يطلع لحضرتك هنا. وقال ما تنزليش غير لما ترتاحي وتاخدي على المكان.
بصتلها ياقوت بدهشة، وبعدين بصت للصينية وسألتها:
— باسم هو اللي قال كده بنفسه؟
هزت هنادي راسها وقالت بابتسامة:
— أيوه يا هانم. سيدنا باسم راجل ابن أصول، وما يعرفش القسوة على الستات. ووصّانا عليكي بنفسه قبل ما ينزل الغيط والشركات.
خرجت هنادي، وسابت ياقوت واقفة مكانها والدموع مالية عينيها. لكن المرة دي ما كانتش دموع خوف.
كانت دموع حيرة وامتنان.
تنهدت وهي بتكلم نفسها:
— يا ترى إيه اللي بيحصل؟ أهلي قالولي إن عيلة النداف دياب، لكن باسم طلع أرحم وأجدع من رجالة عيلتها.
وفي نفس اللحظة اللي كانت ياقوت سرحانة فيها وبتفكر في شمس، اتفتحت البوابة الكبيرة لقصر النداف بعنف.
دخل عوض، دراع باسم اليمين، وهو بيجري ونفسه مقطوع وعينيه مليانة توتر. ومن بره كان صوت خناقة وزعيق عالي واصل لحد جوه القصر.
باسم كان لسه خارج من مكتبه، فبص لعوض وسأله بحدة:
— إيه اللي بيحصل بره؟
بلع عوض ريقه وقال:
— رجالة جابر الراوي واقفين قدام البوابة يا كبير، وجايبين عربيات غلة وأكل. بيقولوا دي مؤونة الخدامة اللي بعتوها لبنتهم عشان ما تاكلش من أكل النداف. والرجالة بره مولعة، وكل واحد حاطط إيده على سلاحه، والدم ممكن يسيل في أي لحظة.
في ثانية اتحولت ملامح باسم.
عينيه احمرت من الغضب، وعروق رقبته برزت. عدل عبايته وسحب مسدسه من فوق المكتب وقال بصوت هز القصر كله:
— يبقى جابر الراوي قرر يلعب بالنار!
وهمّ يخرج.
لكن فجأة نزلت ياقوت من على السلم بسرعة ووقفت قدامه.
كانت مرعوبة.
جسمها كله بيترعش، ومدت إيديها قدامه كأنها بتحاول توقف عاصفة.
الدموع نزلت من عينيها وقالت بصوت متكسر:
— عشان خاطري يا باسم بيه… بلاش دم. اسمعني الأول. أبويا ماكانش قصده يهينك، هو بس قلقان عليّا. سامح الموقف وعديه المرة دي، وما تخليش السلاح هو اللي يتكلم.
باسم بص لإيديها المرتعشة اللي ماسكة طرف عبايته.
وبص للخوف اللي مالي عينيها.
وساعتها حس إن غضبه بدأ يهدى شوية.
أخذ نفس طويل، ونزل المسدس من إيده بهدوء.
وبعدين قال وهو باصص لها مباشرة:
— أكل النداف ما يعيبش حد يا بنت الراوي. واللي يدخل بيتنا عمره ما يجوع. لكن اللي عملته عيلتك دي إهانة ليا قدام رجالي وقدام البلد كلها… وكبير النداف ما يتقلش من قدره.
بعدها لف ناحية عوض وقال بحزم:
— اطلع بره وقول لرجالة جابر الراوي يرجعوا بكل اللي جابوه. وقول لهم كمان إننا باعتين معاهم حمولة أكبر من خير النداف. وقول لهم إن بنتهم هنا عايشة مكرمة ومش محتاجة حاجة من حد.
وسكت لحظة قبل ما يكمل بنبرة مخيفة:
— ولو حد فكر يرفع سلاحه… رجالتنا يعرفوا يردوا كويس.
هز عوض راسه وقال:
— أمرك يا كبير.
وجري ينفذ الأمر.
أما ياقوت فكانت واقفة مكانها، مش مصدقة اللي شافته.
كان يقدر يشعل حرب.
لكنه اختار يحافظ على كرامته وكرامتها من غير ما يريق نقطة دم.
باسم قرب منها خطوة وقال بصوت أهدى:
— دموعك دي ما أشوفهاش تاني. اطلعي أوضتك، وسيبي كلام الرجالة للرجالة.
وسابها ومشي.
أما هي ففضلت واقفة مكانها وقلبها بيدق بطريقة غريبة.
لأول مرة…
الخوف اللي جواها بدأ يتحول لإعجاب.
في نفس الوقت…
في المطبخ الخارجي لقصر الراوي.
كانت شمس واقفة منهكة.
إيديها واجعاها، وضهرها مكسور من التعب.
هدومها اتبهدلت من الشغل، وشكلها يقطع القلب.
كانت شايلة طشت غسيل تقيل بالعافية، لما دخلت سارة فجأة وهي شايلة جردل مية.
وراحت مرشقاه على الأرض قدام شمس.
وقالت بابتسامة شماتة:
— يلا يا بنت النداف، امسحي الأرض كويس. سليم بيه جاي حالاً، وما بيحبش يشوف حتة تراب في مكانه. وبعدها روحي حضري فطار الرجالة.
شمس بصتلها بعينين محمرين من كتر الدموع اللي حابساها.
لكن قبل ما ترد…
اتفتح الباب.
ودخل سليم.
كعادته، الغضب سابقه.
بص لشمس، وبعدين قرب منها وقال بصوت غليظ:
— أخوكي رد الغلة والأكل اللي بعتهم عمي جابر. وكمان بعت حمولة من عنده زيادة… كأنه بيتصدق علينا!
قبض على دراعها بعنف.
وقال من بين أسنانه:
— أخوكي بيلعب بالنار يا شمس… وكل إهانة عملها ليا بره، هطلعها فيكي هنا.
وجرها وراه وسط الساحة.
وشمس بتتألم وبتحاول تفلت منه.
أما سارة فكانت واقفة تتفرج من بعيد وسعيدة بالمشهد.
وصل سليم قدام الجد وجابر.
وزق شمس وقعتها على الأرض.
وقال بغضب:
— من النهارده البنت دي مالهاش أكل من مطبخ القصر. تاكل أي حاجة تتبقى من الخدم، وتنام في أوضة المخزن تحت السلم. يمكن أخوها يعرف مقامه بعد كده.
رغم وجعها…
رفعت شمس راسها.
وبصت لسليم بعينين مليانين تحدي.
وقالت بصوت عالي سمعه كل اللي في الساحة:
— اعمل اللي أنت عايزه يا سليم الراوي. اظلم وافترى براحتك. لكن عمرك ما هتكسر عيلة النداف. وباسم أخويا راجل بألف راجل… واللي بتعمله ده ما يقللش غير منك أنت.
ساد الصمت.
الجميع اتصدم من جرأتها.
أما سليم…
فاتحول وشه في لحظة لوش وحش جريح.
رفع إيده بغضب شديد…
ونزل بيها ناحية وشها بكل قوته…
وفجأة…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...