تحميل رواية «الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
_تقدري ببساطة تخرجي من هنا وتروحي لكبير الدهاشنة فهد بيه أبوكي المحترم وتقوليله بنتك المصون غلطت مع ابن أكبر عدو ليك وحامل منه يمكن يلاقيلك حل وأهو يفكه من مشاكل الصعيد وناسها ويركز مع عياله شوية.. انسدل الدمع على وجنتها فرددت بصوتٍ شاحب كحالها: _أنت بتقول ايه يا "أيان"، أنت عارف بابا ممكن يعمل فيا ايه لو عرف حاجة زي كده!.. ابتسامة باهتة رسمت على وجهه، فأدار مقعد مكتبه الاسود بتلذذٍ عجيب وهو يجيبها: _عارف وهو ده اللي أنا عايزه أكسره هو ابنه وأحط مناخيره في الارض.. كبتت" روجينا"شهقاتها وهي ت...
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الحادي عشر 11 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2...(#صراع_السلطة_والكبرياء...)...
#الفصل_الحادي_عشر..
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة بسمة محمود.. بشكرك على ريفيوهاتك الجميلة وبامنى أكون عند حسن ظنك دائماً💙).
صرخاتها احتبست خلف لائحة يديه التي يضغط بها على شفتيها، حدقتيها استوعبت من يقف أمامها فهدأت حدتها تدريجياً، وجدته يغلق باب غرفته ثم انتصب بوقفته مقابلها ليردد بشرارةٍ اكتسحت معالمه:
_مش هتخرجي من هنا غير لما أعرف مالك بالظبط.. فاهمه؟
وأزاح يديه عن شفتيها على مهلٍ، فالتقطت "رؤى" أنفاسها الثقيلة بصوتٍ مسموع، ودمعاتها اسُتحضرت بتلك اللحظة، فأجلت صوتها المتقطع:
_وهتفرق في أيه..
وتركته وكادت بفتح الباب لتغادر، فجذبها لتقف أمامه بعنوةٍ لتنفلت كلماته الحادة من بين اصطكاك أسنانه:
_كلامنا مخلصش.
رفعت عينيها البائسة تجاهه، ثم قالت بإنكسار:
_خلص من زمان يا "بدر" ، وختامه في كلمتين اتنين إن ربنا انتقملك مني فمش هتحتاج إنك تنتقم من تاني.
تمزق قلبه من كلماتها التي تحمل ألم استطاع إن يلمسه بصوتها، ومع ذاك بدى صلباً لا تهزه ما تقول، فقال بتريثٍ:
_معرفتش اللي حصلك برضه!.. متهربيش من إجابتي.
ومنحها نظرة متفحصة قبل ان يضيف ساخراً:
_أيه لقيتي الشخص اللي يستحق عذريتك ومطلعش اد المسؤولية!
أغلقت عينيها بقوةٍ تحتمل كلماتها التي ذبحت فؤادها قبل أن تنهال منها، فتمزقت أوردتها من فرط كبتها للدموع التي قررت البوح له عما يشعل هذا الجسد الضعيف، دموعها الصادقة طرقت أبواب قلبه بكل ما تحمله بقوةٍ، لتنهزم من أمامه، شفتيها المتحجرة تخلت عن بعضها لتخبره بوجعٍ:
_في فرق لما تحب شخص وتبقى عايزه باردتك وفرق تاني لما تكون مجبور وعاجز حتى إنك تصرخ وتستنجد بحد يخلصك من كلاب استباحت لحمك وعرضك حتى بعد ما أخدوا اللي عايزينه أنت برضه عاجز إنك تصرخ وتتكلم عن اللي حصلك لاني بالنهاية كانت دي طريقة تفكيري اللي المفروض بتتماشى مع البلد اللي اتربيت فيها.
تحررت يديه المتمسكة بها، وانفرجت شفتيه بصدمةٍ وهو يتابع ما تقوله بعدم استيعاب، رفعت "رؤى" يديها لتزيح دموعها التي الهبت وجهها الأبيض، لتضيف بحزنٍ:
_الغريبة إنهم بيفكروا أن الموضوع ده عادي لكن انا بعد اللي حصلي محستش بده...
وبدأت بشرح ما خاضته، قائلة:
_حسيت إني انتهيت ومبقاش ليا كيان، فقدت نفسي اللي ملقتهاش لحد دلوقتي يا "بدر"..
وسقطت أرضاً أسفل قدميه تبكي بانهيارٍ، لتشير بأصبعيها تجاه صدرها وهي تستكمل بصوتها الموجع:
_حتى قلبي قتلته الف مرة لما ضيعتك من ايدي...
وبابتسامةٍ جاهدت لرسمها استرسلت:
_بس أنا أستاهل كل ده، ده عقاب ربنا ليا عن الاستهتار اللي كنت فيه، عقاب عن الصح اللي كنت ببقى عرفاه وبحلله بحكم البلد اللي عيشت فيها،عقاب عن حاجات كتيرة أوي وأولهم اللي عملته مع الإنسان الوحيد اللي حبيته وحبني بدون ما يستنى مني مقابل أو شيء.
واخفت وجهها بيديها معاً وهي تصرخ بصوتٍ مزق جسدها كالأبر التي تخترقه:
_أيوه أنا أستاهل كل ده.
أيا قلب أين قسوة قلبك التي رجوته بالتحلي بها؟! .. إذاً ما الذي حدث لك الآن واليوم هو انتصارك العظيم ممن أستباح أوجاعك وسرق النوم من أعينك؟! ... ما الذي حدث الآن؟ .. لماذا يزداد الألم أكثر من ذي قبل؟، تراجع" بدر" للخلف خطوة ومن ثم استدار ليخفي تلك الدمعة اللعينة من مرمي بصرها، فكلما أجبر قدميه عن الابتعاد أستوقفته دمعاتها وصراخها المتقطع، تباً لذاك الحب الذي يستضعفه رغم قوة بنيته، استدار بوجهه تجاهها وهو يقاوم رغبته بالابتعاد والرحيل، وبين الاقتراب أسقط عقله بتلك الحرب الدامية، وانحنى!.. أجل انحنى لأجلها... انحنى وقد الزمه عقله بضرورةٍ الوقوف ورفع رأسه بكبرياءٍ لم يختاره ذاك العاشق الذي تمرد قلبه بما يخبئه لها من حبٍ، الا يكفيها ما نالته من قسوة العقاب الأثم؟!
توقفت عن البكاء بصدمةٍ حينما شعرت بأصابعه تبعد خصلات شعرها الأصفر عن وجهها، فرفعت رأسها المستند على ذراعيها لتجده أمامها، يطالعه بنظرات تلمع بدموع الألم الذي رأته بارزاً في نظراته، عادت أصابعه لتلامس وجهها،فأبعد الدموع عنه وكأنه يرفض رؤيتها بتلك الحالة التي تصيبه في مقتل رويداً رويداً، وزعت نظراتها بين عينيه ويديه التي تمسح دموعها ومن ثم منحته نظرة تحمل سؤال ورجاء خافت بأن يضمها لصدره فربما يترمم الجرح النازف بداخلها، تخشى ان تتعلق به فيتركها خائبة الامل ويبعدها عنه مجدداً، منحها ما هو الأجمل بالموافقة حينما جذبها لداخل حصنه المنيع، يحتضنها بداخله، فتسللت نبضات قلبه المختبئة خلف صدره إلى أذنيها التي تستند على صدره القاسي، فارتعش جسدها من لوعة عشقها له، وكأنها احتضنتها الفرحة لتعيق بينها وبين الحزن والألم بسد منيع، ما كان سراً يؤلمها الاحتفاظ به بمفردها ها أصبح أحداً يشاركها به ويربت على ظهرها بحنانٍ ليخبرها بأنه لا بأس، مر الأمر... يربت عليها ويخبرها بأنها على ما يرام الآن، انفطرت دموعها وشهقاتها الخافتة فاهتز جسدها من فرط البكاء بين احضانها، كأنها تشاركه ما مرت به من أوجاعٍ وهو يستقبل ما تلقيه بصدرٍ رحب، وكلما شعر بترنح جسدها شدد من احتضانه، ليخرج صوته الرخيم:
_يارتني كنت جانبك مكنتش هسمح لمخلوق يمس شعرة منك .
تعلقت بقميصه الأبيض الذي احتفظ بدمعاتها وهي تردد بصوتٍ هامس:
_أنا السبب يا "بدر".. انا اللي عملت كده في نفسي... آآ.... آنا السبب..
وانهت كلماتها ليترنح رأسها الثقيل للخلف، ففزع حينما رأها فقدت الوعي، لطم وجنتها بهدوءٍ وهو يناديها:
_" رؤى"!
الصمت والسكون تغلب عليها فجعلها كالجثة التي فارقت الحياة، انكمشت ملامحه بذعرٍ فانحنى ليضع يديه من أسفلها ليحملها سريعاً لفراشه ومن ثم أسرع للسراحة ليجذب عطره الخاص ومن ثم نثر منه على لائحة يديه ليقربها من انفها وهو يؤمرها بحدةٍ:
_فووقي يا "رؤى"، إفتحي عيونك.
هزت رأسها للجهة الأخرى وكأنها تشعر بالتقزز من رائحة هذا البرفنيوم الذي يساعدها على افاقة وعيها في حين أنها اختارت الهروب من مواجهته، وكلما استدار بوجهها للجهة الاخرى اسرع بيديه خلفها حتى فتحت عينيها الثقيلة لتقابل نظراتها المتلهفة للإطمئنان عليها، فحاولت الاستناد بلائحة يدها على الفراش لتستقيم بجلستها، فكادت بأن يختل توازنها ليساندها" بدر" حتى جلست بالطريقة التي أرحتها، فجذب كأس المياه المسكوب ثم قدمه لها قائلاً بثباتٍ عجيب:
_اشربي.
تناولته منه ثم ارتشفت بضع قطرات وأعادته اليها فوضعه على الكومود، ثم تطلع لها قبل ان يردد بغضبٍ متخفي بصوته الهادئ:
_هو مين؟ ... أنا أعرفه؟
جزت على شفتيها السفلية بأسنانها حينما تذكرت هذا الأرعن ثم قالت بدموعٍ سبقتها بالحديث:
_معرفش كل اللي أعرفه إنه اسمه "مروان" ومن مصر كان بيدرس عندنا، هو صديق "مارثا" صاحبتي وهي اللي عرفتني عليه وكنا بنتقابل كلنا في مكان عام..
ومسحت دموعها وهي تسترسل:
_هو كان بيحاول يتقرب مني وانا اديته الفرصة بس مكنتش متوقعة إنه يعمل فيا كده..
وبكت بحرقةٍ حينما تذكرت هذا اليوم المشؤم، فقال بحزنٍ:
_ليه عملتي في نفسك كده يا "رؤى"؟
نهضت عن الفراش لتقف مقابله وهي تطلع له بصدمة من سؤاله الذي يفترض به معرفة الاجابة، فخرج صوتها متقطع كحالها:
_كنت بحاول أنساك ومعرفتش.
ومسحت دمعاتها وهي تبتسم بإلمٍ:
_لو كان في امل بسيط إني أرجع واعتذرلك وأحاول أرجع علاقتنا زي الاول فالأمل ده انتهى بعد اللي حصلي يا" بدر"..
واخفضت عينيها أرضاً ثم اسرعت بالخروج من أمامه، فأغلقت الباب من خلفها لتعود لغرفتها محطمة القلب وإن كان فؤادها قد داوه حضنه الدافئ..
***********
اسندت جسدها العلوي على سور الشرفة، ويدها تعبث بخصلات شعرها القصير بعض الشيء بابتسامةٍ حالمة به، حديثه القليل ومظهره الرجولي أفتك بها، تلاشت تلك الابتسامة حينما لمحت عينيها الدبلة التي ترتديها بأصبع يدها، فاستوقفتها اللحظة لتعاتبها بأنها تعتبر على ذمة رجل أخر، أنبت "روجينا" نفسها ألف مرة على السماح لنفسها بالتفكير لغيره، فهمست بصوتٍ مختنق بالدموع:
_أيه اللي أنا بعمله ده واحد وأتقذني من الموت وشكرته خلاص الموضوع انتهى، ليه شاغلة نفسي بالتفكير فيه كل ده.
وأبعدت تلك الخصلة المتمردة على عينيها بغضبٍ فشعرت بأنها مشتتة وبحاجة لأن تهتدي لضالتها، لذا أسرعت لهاتفها فجذبته لتضغط على زر الاتصال الخاص به، ورفعته بلهفةٍ لسماع صوته عل قلبها يهتدي على من ينبغي عليها حبه عوضاً عن هذا الغريب الذي اقتحم اساورها العالية..
انزعج من نومه على صوت هاتفه، فقربه إليه ليتسلل الضيق لمعالمه حينما رأى اسمها، فتح "أحمد" الهاتف وهو يجيبها بجفاءٍ:
_خير، أيه اللي فكرك بيا؟
اتاه ردها الحاد:
_وأنت اللي بتسأل يعني!
قال بابتسامةٍ ساخرة:
_مش لما أعرف خطيبتي فين أبقى أسأل، انتي مش واخدة بالك من تصرفاتك يا "روجينا" ولا أيه؟!
_تصرفاتي!!، أنا عملت أيه عشان تكلمني باسلوبك ده؟!
سحب الغطاء عن جسده ثم نهض ليجلس على المقعد القريب منه وهو يجيبها بتعصبٍ شديد:
_انتي مش شايفة نفسك غلط لما تسافري كده من غير ما تعرفيني وأدرى من "بدر" انك مسافرة اسكندرية!
قالت باستغرابٍ:
_وأخد اذنك ليه ما أنا استأذنت من أخويا ووافق، انت عايز تتحكم فيا من دلوقتي يا "أحمد"..
طعنته كلماتها، فقال:
_لا لسه ممتلكتش الحق اللي يخليني اتحكم فيكي ولكن على الاقل أعرف انتي راحة فين وبتعملي أيه، عموماً استمتعي برحلتك ونتكلم لما ترجعي يا بنت عمي.
واغلق الهاتف وهو يحاول ابتلاع كلماتها الحادة، يشعر بأنه لم يعد يملك المقدرة على استكمال تلك العلاقة المخادعة، ولكنه مجبور على ذلك فكيف سيفعل ذلك بابنة عمه بعد خطوبة دامت لاكثر من ثلاثة أعوام، أفاق"أحمد" من شروده المطول على صوت رنين باب الشقة، فنهض ليفتح الباب فتفاجئ بها تقف من أمامه باسدال الصلاة الذي يزيدها جمالاً وحشمة، أشارت له "حور" بضيقٍ:
_أنت فين يا "احمد" الاكل برد وانا برن عليك الجرس من الصبح مش بترد!
أجابها بابتسامة عابثة:
_راحت عليا نومة في الوقت الغلط، اوعي تكونوا مكملتوش حسابي.
أجابته سريعاً:
_لا طبعاً أنا شلتلك اكلك.
وأشارت له على باب الشقة قائلة:
_يالا تعالى..
اتبعها بعدما أغلق الباب، فولج من بعدها ليردد بمرحٍ وهو يتأمل السفرة:
_ده الحبايب كلهم هنا أهو..
التهم "عبد الرحمن" قطعة الدجاج من أمامه وهو يجيبه بمزحٍ:
_حد يفوت أكلة من إيد "حور"!
جاهد لرسم ابتسامة مخادعة ليخفي بها غيرته الغامضة، فوزعت انظاره لماسة التي تجلس جوار" يحيى" يطعمها بيديه ويا للعجب تتناول طعامها بقبولٍ تام له، فإقترب "أحمد" منهما وهو يشير ليحيى بعدم فهم، فابتسم وهو يجيبه بكلماتٍ مبهمة لماشة؛ ولكن تفهمها أحمد ومن حوله:
_"حور" صممت مننزلش الا لما نتغدى، بس أحنا هناكل كل الاكل ده وننزل الملاهي زي ما اتفقنا صح يا "ماسة"؟
أجابته بحماسٍ وفرحة:
_ ومش هنأخد"طارق" الوحش معانا، صح يا "يحيى"؟
تعالت ضحكات الجميع، ليجيبها"يحيى" وهو يمسح حبات الارز على جانبي شفتيها:
_صح يا روح "يحيى"، يلا خلصي أكلك بسرعة قبل ما ينزل ويشوفنا.
التهمت قطعة الدجاج بيديه بسرعةٍ وهي تشير له بانصياعٍ، فاتسعت ابتسامة" أحمد" الذي أومأ برأسه ليحيى وهو يخبره:
_الحمد لله إنها تخطت المرحلة دي.
بادله الابتسامة ثم انشغل بها، فنادته "حور" مجدداً:
_انت لسه واقف يا "احمد" اقعد.
جلس على المقعد التي أشارت اليه، ثم جذب أحد الأطباق وكاد بأن يضع قطعة من الدجاج وقطعة من المعكرونة، فأسرعت اليه "حور" لتجذب الطبق من أمامه ثم وضعت الطاجن الذي يغطيه السلوفان قائلة بسخريةٍ:
_انت نسيت الاتفاق ولا ايه؟
حرر السلوفان وهو يردد بعدم تصديق:
_أيه ده لحقتي تعملي ورق العنب بالسرعة دي..
وضعت "تالين" السلطة من يدها على الطاولة وهي تجيبه بدلاً عنها:
_هي راضية تقعد من ساعتها ولا حتى تخليني أساعدها، دي من ساعة ما رجعت من الامتحان وهي مطلعتش من المطبخ..
قال "عبد الرحمن" وهو يلوك طعامه بتلذذٍ:
_لا بس بصراحة تسلم ايدها الأكل مالوش حل.
ابتسمت بفرحةٍ:
_الف هنا.
ثم اتنقلت نظراتها المتلهفة اليه، لسماع رأيه هو الأخر، فغمس "احمد" الشوكة في أحدى لفات ورق العنب الشهي وتذوقها ومن ثم رفع وجهه مقابلها ليشير برأسه بابتسامة عذباء، سعدت للغاية بما أخبرتها بها عينيه، فانتبهت "حور" لمراقبة "تالين" لها، فشعرت وكأنها ترتكب ذنب أو جرماً ما، فالهت ذاتها بتناول الطعام ومن ثم أسرعت بلم الاطباق حينما انتهوا جميعاً من تناوله، فأستأذن "يحيى" بالإنصراف، واصطحب "ماسة" لسيارته، أما "عبد الرحمن" فجلس جوار "أحمد" بالصالون بانتظار الشاي الذي وعدتهم "تالين" بإعداده..
*********
بالمطبخ..
تهربت "حور" من نظرات "تالين" المحاصرة لها، فاشغلت ذاتها بتنظيف الأطباق، وتركتها تحضر الشاي، وضعت "تالين" ملعقة من السكر في كل كوب وانتظرت الشاي حتى ينضج، فقالت "حور" بلهفةٍ:
_"احمد" بيحب الشاي يكون فيه معلقتين سكر مش واحدة..
تخلت "تالين" عن صمتها، قائلة بشكٍ:
_أنتي مركزة مع كل حاجة بيحبها أحمد بطريقة مش معقولة يا حور!
تلاشت ابتسامتها وتطلعت لها بارتباكٍ شديد، فقالت بتلعثمٍ واضح:
_لا بس عملته الشاي مع بدر ويحيى اكتر من مرة فأكيد عارفة كل واحد منهم بيشرب بكام معلقة سكر!
رفعت يدها على كتفيها بحنانٍ، ثم قالت بابتسامةٍ هادئة:
_يا حبيبتي أنا مقصدش حاجة، لاني عارفة إن مستحيل يكون في بينكم حاجة خصوصاً إن احمد مرتبط بروجينا من سنين وفرحهم بعد شهرين، أنا بس بحذرك عشان تخدي بالك ممكن "روجينا" تفهم اهتمامك ده غلط وأنتي نيتك صافية ومش بدماغك حاجة.
شعرت بأن هناك سوط حاد يجلدها بقوةٍ، فتماسكت وهي تجيبها ببسمةٍ تتعلق بها بتشبث:
_عارفة، وأنتي على فكرة بتتكلمي صح.
ثم أشارت لها كمحاولة للتهرب من ذاك الألم الطاعن لروحها قبل أن يلمس قلبها العاشق:
_الحقي الشاي غلي.
واغلقت "حور" النيران ثم حملت البراد وسكبت منه بالأكواب، لتصفن بكلماتها من جديدٍ، حتى انها لم تنتبه للكوب الذي إمتلأ لأخره بالشاي الساخن، فصرخت بها تالين، فمن غفلتها تركت البراد لتمسك الكوب فسقط على قدميها ليهتز جسدها بقوةٍ من شدة الألم فأهتز الكوب الذي تحمله ليتساقط على يدها، فتعالت صرخاتها المتوجعة، ومن خلفها "تالين" التي تحاول ابعاد الاسدال عن قدميها حتى لا يلتصق بجلدها المحروق، هرول "عبد الرحمن" للداخل و"احمد" الذي تساءل بفزعٍ:
_في أيه؟
اجابته "تالين" ببكاءٍ:
_البراد حرق أيدها ورجليها.
دون عقل أو تفكير فيما سيظنه من حوله، هرع إليها ليجد الجروح بالغة للغاية، لم يتردد لحظة واحدة وحملها ليدلف بها للحمام المجاور للمطبخ، فوضع الماء على يدها ومن ثم جذب الدش المتنقل ليسقطه على قدميها، فتعلقت بجاكيت بذلته الأسود وهي تبكي بألمٍ، لم يتحمل رؤيتها هكذا فقال:
_لازم نروح المستشفى، الحرق مش عادي.
قالت بصوتٍ مرتعش:
_لا بلاش مستشفى بالله عليك.. أنا خايفة.
أجابها "عبد الرحمن" من خلفها بحزمٍ:
_مينفعش يا "حور" ده حرق مش لعب عيال..
وأشار لاحمد بجديةٍ:
_هاتها يا "أحمد" عما أجيب العربية تحت العمارة.
أومأ برأسه وحملها بخفةٍ من جديد فأسرعت "تالين" لتفتح الباب اليه، ثم صرخت به قائلة بدموع:
_استنى يا "احمد" لما اغير هدومي وأجي معاكم.
اشار لها وهو يتخطى الدرج:
_خليكي هنا وانا هبقى اطمنك بالتليفون.
واستكمل خطاه السريع للاسفل، فوضعها بالمقعد برفقٍ وحذر، ثم صعد جوار "عبد الرحمن" وعينيه لم تتركها لحظة واحدة..
*********
كلما يزحف القطار من بلدتها يتمزق قلبها ارباً وكأنها تقترب من حتفها، أغلقت "تسنيم" عينيها المتورمة من أثر عدم النوم وهي تحاول التقاط انفاسها على مهلٍ، تخشى رؤية خالها البغيض مجدداً، تمقت صلة القرابة التي تحتمها على قبوله بالاجبار، مازالت تلك الرجفة القاسية تكتسح جسدها حينما تتذكره فكيف إذا رأته؟!
عادت تلك الذكرى لتهيم عليها من جديد تذكرت حينما ولجت لغرفة والدتها وقالت تلك الفتاة البالغة من العمر خمسة عشر عاماً:
_ماما كنت عايزة أقولك على حاجة ومش عارفة أقولك ازاي؟
انتبهت الأم لصغيرتها، فكفت عن ترتيب الفراش ثم وقفت مقابلها لتبدأ بتخمنياتها:
_قولي يا "تسنيم" في أيه... اوعي تكوني وقعتي فلوس الدرس زي الشهر اللي فات انتي عارفة ان ابوكي مبعتلناش فلوس الشهر ده!
أشارت بإصبعها الصغير:
_لا يا ماما مش كده.
قالت الاخيرة:
_امال في أيه؟
أجابتها بخوفٍ من ردة فعلها:
_خالو يا ماما بيبصلي بصات وحشة اوي، وكل ما يشوفني يحضني ويمشي ايده على جسمي بطريقة وحشة.
التهبت عين الأم، لتلكزها بذراعيها بقوةٍ وبتعصبٍ شديد قالت:
_اخرسي قطع لسانك عيلة منحطة ومشوفتيش تربية، خالك ده هو اللي مربيكي وبيعتبرك زي بنته، عيب تتكلمي عنه كده، بيحضنك زيك زي مريم بنته..
ودفعتها على الفراش وهي تصرخ بها بشراسةٍ:
_ بطلي هبل واوعي تقولي الكلام ده لابوكي لما يتصل تولعي النار بينهم، خالك ده هو اللي فتحلنا بيته لما ابوكي سافر ومتخلاش عننا عيب عليكي تتكلمي عنه كده.
وتركتها وغادرت الغرفة لتنهمر الدموع على وجنت الصغيرة، والآن تنتقل الدموع على وجنة تلك الشابة البالغة من العمر الثانية والعشرون عاماً، انقبض قلب "تسنيم" حينما توقف القطار، فهبطت واتجهت لمنزلها ومع كل خطوة تخطوها يرتحف قلبها خوفاً من رؤياه، وحينما وصلت للمنزل حمدت الله كثيراً حينما اخبرتها زوجة خالها بأنه بالخارج وسيعود بعد قليل، فاستأذنت من والدتها بالذهاب لوالدها لتساعده بعمل الحقول بعدما علمت بأنه ذهب منذ ساعة ولم يعد، أبدلت ثيابها لجلباب رجالي أسود ثم احكمت الشال الابيض لتخفي ملامحها واتجهت سريعاً للحقول، لا تعلم بأن من منحها تفكير معاكس عن طبيعة الرجال ستلقاه الآن وربما يكون المسكن لذاك الوجع الغائر!.
**********
بمنزل كبير الدهاشنة.
انتهى "آسر" من تبديل ثيابه، ثم أغلق الخزانة ليصفف شعره بعنايةٍ، انتبه لانعكاس صورة والدته بالمرآة، فاستدار وهو يردد بابتسامة مشرقة:
_ست الكل اللي وحشاني.
وضعت "راوية" القدح الذي يحمل البخور على الكومود، ومن ثم اقتربت منه لتخبره بضيقٍ مصطنع:
_ست الكل أيه بقا، انت من ساعة ما جيت وأنت مقضيها بالاسطبل ودلوقتي غيرت هدومك ونازل مفيش وقت ليا أصلاً..
ترك ما بيديه وهرع اليها، لينحنى على ركبتيه ومن ثم طبع قبلة على كف يدها وهو يردد بمكرٍ:
_أنا لو علسا والله ما عايز اتنقل من جنبك بس هعمل أيه جوزك اللي ساعة ما بيشوف خلقتي بيمشورني هنا وهناك وعلى يدك أهو ملحقتش اريح شوية باعتني الغيط اتطمن الامور ماشية ازاي..
نجح بتبديل ضيقها لعطف وتودد حينما قالت بحنوٍ:
_معلش يا روح قلبي هو برضه مش بيثق في حد غير فيك، وبعدين أنت ابنه الوحيد هيعتمد على مين غيرك؟
ابتسم وهو يحتضنها:
_وانا متقبل ده وأخدمه بعيوني، بس لازم ست الكل تديني عذر ولا أيه؟
تعالت ضحكات "راوية" لتحتضنه وهي تردد بعدم استيعاب:
_انت مكار وخبيث..
أجابها بغمزةٍ من عينيه الساحرة:
_بس بحبك ولا أيه..
_بتعمل أيه عنديك يا واد أنت، أني مش بعتك الغيط تشوف مصالحنا واجف عندك تتمرع وتحب في أمك من غير ما تستحي.
سلطت الاعين على من يقف أمام باب الغرفة يشير لهما بعصاه الانبوسية بضيقٍ شديد، ابتعد "آسر" عنها وهو يهمس بخبثٍ:
_نسيت أن الحاج بيغير فكريني او حذريني أقفل الباب مثلاً!
تعالت ضحكات "راوية" حتى أحمر وجهها، فنهضت عن المقعد ثم اقتربت من "فهد" قائلة بحنقٍ:
_وبعدين معاك يا "فهد" انت مش هتبطل طريقة كلامك دي.
تجاهل حديثها، ثم لكز بعصاه صدر آسر ليخبره بغيظٍ:
_هم بقولك، روح شوف حالنا.
كبت ضحكاته بصعوبةٍ ورفع يديه يخبره:
_تحت أمرك يا كبيرنا... اعتبرني مشيت..
وتخطاه ليهبط على الدرج الضخم الذي يتوسط الثرايا فلحقت به "راوية" لتناديه ومن ثم حذرته بتذكر تعليماتها:
_الأبيض خد بالك.
تطلع لقميصه ومن ثم رفع صوته لتستمع له:
_متقلقيش حفظت القواعد الابيض أحطه في عنيا من جوه عشان غسيله بيهري القلب من بره.
تعالت ضحكاتها حينما قلد لهجتها، فاستدارت لتغادر فوجدت "فهد" يقف من أمامها بنظراتٍ لا توحي بالخير، اقتربت منه وتفحصت الطريق قبل ان عدل من جلبابه الكحلي ومن ثم ارتفعت يدها لعمته البيضاء فعدلتها، وأنحنت بجسدها تحتضنه وهي تردد بهمسٍ:
_انت اللي في القلب والروح.
ابتسم "فهد" وضمها اليه ليجيبها بصوتٍ منخفض:
_واثق من ده بس برضه متزديش في محبتك لابنك وبنتك اعدلي بينا، اتفقنا؟
ازدادت ضحكاتها وهي تجيبه بصعوبةٍ بالحديث:
_نفسي حد من الصعيد يسمع كبيرهم ويشوفوه وهو غيرن من ولاده!
وتركته وهبطت للاسفل لتشير له:
_هنزل أشوف ورانا أيه أحسن ما الحاجة "هنية" تعلقني جنب "نادين".
التصقت بها نظراته وكأنها تحرس عشقه الوفي الذي طال لسنواتٍ ومازال يستمر حتى أن تودعه الروح وتفارق جسده، فاكمل طريقه هو الاخر للمندارة الخارجية.
**********
تلقت"حور" عناية طبية، فتم تضميد جرح قدميها ويدها، فوضع الطبيب المحاليل الطبية بذراعها السليم ثم أخبر "عبد الرحمن" و"أحمد"بأنها ستتمكن من المغادرة فور انتهاء المحلول، فولج "أحمد" للداخل، ثم جلس على المقعد القريب منها، وقال باهتمامٍ:
_طمنيني يا "حور" عاملة أيه دلوقتي؟
ابتسمت وهي تجيبه بامتنانٍ:
_الحمد لله، الوجع خف بالمرهم اللي الدكتور حطه.
اومأ برأسه وهو يردد برضا:
_الحمد لله.
سألته بانزعاج:
_هنمشي أمته بقا، بقالنا هنا ساعتين.
قال بهدوءٍ:
_لما المحلول يخلص هنمشي، متقلقيش.
هزت رأسها ومن ثم تعلقت أعينها بباب الغرفة الذي فتحه "عبد الرحمن" فولج الاخير ليخبرها بابتسامةٍ مرحة:
_أيه يا حور حسدناكي ولا أيه؟
ابتسمت وهي تخبره:
_حد بيهرب من اللي مكتوبله يا "عبد الرحمن"، الحمد لله على كل شيء.
_الحمد لله، المهم انك تاخدي بالك من نفسك بعد كده.. أنا هنزل أجيب عصير وأجي.
وتركهما وغادر، فشعر"أحمد" بانزعاج "حور" من حجابها، لم يفهم ببدء الأمر ما يزعجها فانتبه بأنها تحاول اخفاء خصلات شعرها الظاهرة من أسفل حجابها الغير منظم، فتحاول بيدها الملفوفة بالشاش ان تخفيه واليد الاخرى المحلول مدثوث بعروقها، انتقلت نظراتها للحائل الزجاجي فوجدت الطبيب على وشك الدلوف، كسر احمد حاجز صمته ونهض ليقترب منها ومن ثم أخفى خصلات شعرها الحريري الذي استطاع أن يلامسه بيديه، فاخفاه خلف الحجاب وهو يردد:
_خليني أساعدك.
انتهى مما يفعله وعينيه هائمة بعينيها، فلعق شفتيه وهو يتراجع لمقعده بارتباكٍ، حتى هي خفق قلبها بسرعةٍ جعلتها تستشعر بأنها ركضت لالف ميل دون أن تلتقط انفاسها، انتبهت لحالتها الغريبة حينما قال الطبيب:.
_المحلول خلص، تقدروا تروحوا بس الاهم انها تواظب على العلاج والمرهم اللي كتبتوا.
صافحه احمد وهو يخبرها بابتسامة عملية:
_الف شكر يا دكتور.
ومن ثم قدم يديه لها ثم قال:
_يلا يا "حور".
وزعت نظراتها بينه وبين يديه ومن ثم قدمتله يدها بحرجٍ شديد، فهي غير قادرة على الإتكاء على قدميها بالفعل هي بحاجة للمساعدة، هبطت عن الفراش ببطءٍ فحينما استندت على قدميها صرخت ألم، فرفعها أحمد سريعاً عن الأرض ثم قال:
_الدكتور قالك متحمليش عليها.
وجدها تقرب يدها السليمة من رقبته بارتباكٍ، وكأنها لا تريد وضعها فتحرك بها ليجدها تلف يدها حول رقبته، هبط بها للاسفل وعينيه لا ترى سواها، وحينما وصل للاسفل لم بجد السيارة باستقباله كما كان متوقع، فردد بضيقٍ:
_راح فين ده؟
ثم قال:
_" حور" موبيلي في جيب الجاكت حاولي تسحبيه.
احمر وجهها خجلاً وهي تقرب يدها من جيب جاكيته، فجذبته ومن ثم رفعته له، فاخبرها الرقم السري لتفتحه، اندهشت معالمها حينما رأته يضع صورة تجمعه بروجينا منذ الصغر لا تعلم لما شعرت بالحزن بتلك اللحظة ولكنها تناست عمداً ما رأته واجرت اتصالاً بعبد الرحمن كما طلب منها، فخرج من المشفى ليحضر السيارة ولذاك الوقت أبى أحمد أن يتركها تقف على الارض لحينما يأتي عبد الرحمن بل ظل يحملها حتى وضعها بالسيارة وعاد بها للمنزل.
***********
وقف "يحيى" يتابعها بضحكة أنارت وجهه المنطفئ، وهي تتأرجح على ذاك الحصان الذي يدور يساراً ويميناً، وتتناول غزل البنات الذي تحمله بين يدها، ابتسامته تتسع أكثر فأكثر كلما ضحكت هي، وفجأة انكمشت ملامحه حينما وجدها تضع يدها على رأسها وكأنها ستفقد وعيها، فأسرع اليها ليساعدها على الهبوط من الارجيحة وهو يتساءل بخوفٍ:
_مالك يا حبيبتي؟
كادت "ماسة" بأن تجيبه ولكن التقيأ اوقفها عن الحديث، افرغت ما بجوفها ومازال يحيى يتمسك بها لينبع بداخله خوفاً لا مثيل له من الشكوك التي هاجمته بتلك اللحظة حيال أمر حملها!!
**********
مر بسيارته على حقل العم "فضل"، فرقصت ملامح وجهه فرحاً حينما رآها، حتى وإن كانت تتنكر بما ترتديه؛ يعرفها قلبه جيداً، ركن" آسر"سيارته على قربٍ منهما ومن ثم هبط، فقال وعينيه تتابع من تحاول قطف الحشائش من الأرض:
_أزيك يا عم "فضل"، عامل أيه؟
انتبه العجوز اليه، فقال بفرحةٍ:
_بشمنهدس" آسر".. منور البلد كلتها.
ابتسم وهو يجيبه:
_منورة بأهلها يا راجل يا طيب، طمني رجلك بقت كويسة ولا أيه؟
قال بحمد:
_أهو أحسن من الاول الحمد لله..
_تستاهل الحمد.
واستدار برأسه تجاهها ثم قال بثباتٍ:
_ازيك يا ريس؟
تهجمت معالمها وإن كانت سرت باحتفاظه بسرها أمام والدها، فأشارت برأسها، فأقترب آسر منها ثم جذب منها السيف الغليظ الذي يستعمله الفلاح لجني الحشائش، ثم قال وهو يشير لها بعينيه:
_عنك يا ريس..
رفع عم فضل صوته البعيد عنهما:
_ميصحش يا بشمهندس ده أحنا اللي نخدمك برموش عنينا..
أشمر عن ساعديه وانحنى يجني الحشائش وهو يجيبه:
_عيب يا عم فضل، انا مش ابنك ولا أيه؟
لم يجد العم فضل الكلمات المناسبة التي قد تشكره على كرمه السخي، عمل "آسر" بنشاطٍ وكانت تسنيم تحاول مساعدته بأن تجمع ما يجنيه وتضعه على العربة، فانحنى للخلف ليراقب العم قبل ان يهمس لها:
_هو عم فضل ميعرفش انك بتشتغلي معايا ولا ايه؟
اجابته وهي تراقب والدها هي الاخرى:
_لا، بابا ميعرفش اني بشتغل أرجوك يا بشمهندس آسر متقولوش حاجة..
رفع حاجبه وهو يردد بذهولٍ:
_أقول أيه بس هو أنا أعرفك يا ريس؟!
ابتسمت "تسنيم" وهي توزع نظراتها بينه وبين والدها، فغمز لها "آسر" وهو يستكمل عمله، انتهى من عمله سريعاً ليضع أخر حزمة من الحشائش على العربة، فاقتربت منه بالحزمة التي تحملها، فالتقطتها آسر منها، تعجب للغاية حينما شعر برجفة جسدها وقتما تلامست يديه بيدها دون قصد منه ولكنه لم يشغل تفكيره فوضع الحزمة من يديه على العربة فوجدها تهمس له بحذرٍ:
_مش عارفة أشكرك ازاي بجد تعبتك معايا.
تفحص بنظراته عم فضل المشغول بتجهيز الفرس، ثم همس لها:
_لا ده دين وهترديه.
جحظت عينيها في ذهولٍ ، فاسترسل موضحاً وهو يشير على قميصه:
_القميص اتوسخ ولو الحاجة شافتني هتقتلني وتقتل عم "فضل" الراجل الطيب ده، وطبعاً ده ميخلصكيش فكده كده انتي هتيجي بالملفات العصر هخبي القميص وتعيدي تجدديه قبل ما الحاجة تشم خبر، موافقة يا بنت الحلال؟
كبتت ضحكاتها بصعوبةٍ خشية من أن يستمع والدها لها، ثم قالت بصعوبةٍ:
_لا ميخلصنيش... حاضر.
منحها ابتسامة صافية قبل ان يشير لعم فضل بيديه قائلاً:
_لو عوزت حاجة ابقى كلمني يا عم فضل..
قال بوجهاً بشوش:
_منحرمش منك يا ابني.
والتفت تجاهها ثم غمز نفس غمزته المعتادة وهو يقول:
_مش عايز حاجة يا ريس..
كبتت ضحكاتها وهي تشير له بالنفي، فغادر لسيارته ثم صعد للمقعد ليتحرك بسيارته وعينيه متعلقة بالمرآة التي تختم صورتها من خلفه، وكلما تقدم بالسيارة استودع انعكاسها الذي يتباعد رويداً رويداً حتى اختفى وكان لإختفائه ألم موجع لقلبه ومشاعره!
.......... يتبع..........
#صراع_السلطة_والكبرياء....
#بقلمي_ملكة_الإبداع..
#آية_محمد_رفعت.
**************_________***************"
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الثاني عشر 12 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2..(#صراع_السلطة_والكبرياء..)
#الفصل_الثاني_عشر..
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة "ميادة مطاوع" كل سنة وأنتي طيبة يا جميلة ويارب سنين كتيرة أنتي قريبة فيهم للرحمن ♥..)..
عادت لمنزلها هائمة بهذا الآسر الذي استولى على عصابةٍ تفكيرها، وتربع بداخل قلبها، فتارة ترتسم على شفتيها ابتسامة تداعبها بخلسةٍ وتارة أخرى تنفض تفكيرها وتحاول الهاء عينيها بتأمل الخضرة مبدعة الجمال المنثورة على الجانبين أثناء تحرك العربة بين الحقول والمزارع بطريق عودتها للمنزل، وليتها تمكنت من السيطرة فمازالت كلماته المرحة تضحكها بين الحين والآخر، حتى أصبحت تتساءل عن كناية شخصيته الغامضة بالنسبة إليها؟!.
هل هو هذا الشخص الحازم المتفاني في عمله؟... أم هو ذاك الشخص الذي يمتلك قلبٍ أبيض وروح من ذهب تتبع تلك الإبتسامة التي لا تفارقه أينما كان؟.. بالطبع هو مختلف كلياً عما قد تظن به أنها تعلمه..
أفاقت "تسنيم" من غفلتها الشاردة بالآسر الوسيم على صوت توقف العربة، فإنخفضت عنها ثم عاونت والدها على اخلاء العربة من الحشائش ومن ثم صعدت للأعلى لتغتسل ومن ثم تذهب لثرايا "فزاع الدهشان" لتنجز عملها، توقفت قدميها عن متابعة الصعود، حينما نادتها والدتها التي تقطن بالدور الأسفل الخاص بالطهي وإستقبال الضيوف عوضاً عن الأعلى الخاص بغرف النوم، وتابعت بندائها وهي تضيف بحنقٍ:
_كده يا بت تطلعي من غير ما تسلمي على خالك!
ارتعشت اطرافها وهي تواجه ما هو أسوء من الموت، بالاستدارة للخلف لرؤية ملامحه التي قد تسوء حالتها الغير مستقرة، ومع ذلك ضغطت على شفتيها السفلية واستدارت وهي تردد بابتسامةٍ مصطنعة:
_أهلاً يا خالو... نورت.
لوى فمه الغليظ وهو يعدل أطراف شاربه الكبير، مشيراً بإصبعيه لشقيقته بحزنٍ مصطنع:
_شايفة بنتك مش مستعنية تيجي تسلم على خالها، لا بصراحة عرفتي تربي..
التهبت عين وولدتها بغضبٍ لا وصف له، فصاحت بها بعصبية شديدة:
_ما تنزلي يا بت هنا وتسلمي على خالك، أيه المياعة دي..
انقبض قلبها وهي تستمع لكلمات والدتها القاسية، فإن كانت لا تعلم ما الذي تواجهه ابنتها او ربما لم يستعب عقلها الطبيعي ما أخبرتها به سابقاً فهي بنهايةٍ الامر تمتلك الف عذر، ومع كل خطوة خطتها "تسنيم" تجاهه وكأنها تجني الشوك بين يدها فتدلى ليلامس بطن قدميها حتى انتهى بها الحال امامه، فمدت يدها المرتجفة من امامه وهي تبتسم بوجعٍ:
_ازيك يا خالي..
احتضنها بصورةٍ مفاجئة ومن ثم مرر يدها على ظهرها وكأنه يحتضنها بشوقٍ، وبأنفاسٍ كريهة ردد:
_وحشتيني يا بنت الغالية..
ابتعدت عنه "تسنيم" وهي ترتجف دون توقف، فمنحها نظرة دانيئة جابت كل أنحاء جسدها وهو يردد بشهوانيةٍ مريضة:
_كبرتي وبقيتي عروسة وعايزة الجواز اهو.
تعالت ضحكات والدتها وهي تجيبه بحنان:
_أيوه امال ايه وهنلاقي مين أحسن من خالها اللي يسلمها لجوزها وبيت عدالها..
انتقلت نظرات "تسنيم" الغاضبة تجاهها ومن ثم قالت بصوتٍ يحبس الدموع:
_ويسلمني هو ليه وأبويا عايش.. ربنا يديه طولة العمر ويباركلنا فيه.
ولم تترك المجال لسماع اللازع منهما، فصعدت للأعلى سريعاً وما أن ولجت لغرفتها حتى أغلقتها بالمفتاح لتسقط من خلفه باكية، منكسرة، محطمة الفؤاد... عادت تلك الحالة الشنيعة تهاجمها من جديد، فينخر البرد عظامها وكأنها في فصل الشتاء وليس الخريف، دقائق مضت عليها قاسية وهي تحاول بها استجماع شجعاتها للسيطرة عما يحاربها ولكن ماذا بيدها وهو أقوى منها ومن طاقتها الضيئلة بالمحاربة؟!.
********
توقفت سيارة "يحيى" أمام العمارة، فهبط ومن ثم فتح باب السيارة، ليجذبها برفقٍ، حملت "ماسة" الألعاب بفرحةٍ ثم لحقت به فما أن ولج بها للداخل، حتى وجد "إلهام" بانتظاره كما أخبرها هاتفياً، أشار لها "يحيى" قائلاً:
_خدي "ماسة" وخليها ترتاح وأنا هطمن على "حور" وهجي وراكم.
أومأت الأخيرة برأسها ثم جذبتها للأعلى، فقصد "يحيى" الشقة الخاصة بالفتيات، طرق عدة مرات، ففتح "عبد الرحمن" الباب، ثم قال:
_لحقت... ادخل.
ولج وهو يتمتم بغيظٍ:
_يعني هعرف اللي حصل ومش هرجع!
اتبعه، ثم أشار له على غرفة الضيافة، فوجد "أحمد" بالداخل هو الأخير، فقال:
_طمنوني "حور" عاملة أيه دلوقتي؟
رد عليه "أحمد" بحزنٍ:
_أحسن... بترتاح جوا في أوضتها فسبناها على راحتها وخصوصاً لأن الجرح في رجليها.
تفهم "يحيى" الوضع، فتغاضى عن فكرته بالدخول للإطمئنان عليها، فتساءل باهتمامٍ:
_هي جوه لوحدها، مفيش حد معاها؟
أجابه "عبد الرحمن" بهيام مع نطق حروف إسمها:
_"تالين" جوه معاها.
أومأ "يحيى" برأسه ثم عاد الصمت ليختزل معالمه من جديدٍ، والأخير يراقبه بتمعنٍ ولدقائق طالت لتكسر بسؤاله:
_أنت كويس؟ ، حصل حاجه ولا أيه؟
اتجهت نظرات "أحمد" تجاهه ليستكشف الأمر فور سماع عبد الرحمن، ابتلع "يحيى" ريقه بارتباكٍ من أن تسوء العلاقة بينه وبين أحمد مجدداً بعد سماع الشكوك التي تراوده وبالأخير يظل مجرد شك، فمن الممكن أن يكون أصابها دور برد عادي لذا كان حريصاً حينما أجابه:
_مفيش، الواحد حزين بس على "حور" طول عمرها جدعة وبتخدمنا من غير ما نطلب منها ده.
أجابه "عبد الرحمن" بتأييدٍ:
_ومن سمعك كلنا زعلانين عشانها بس الحمد لله الدكتور طمنا وقالنا الجرح مش عميق يعني أسبوع أو إتنين وهتبقى زي الفل.
هز رأسه وهو يردد:
_ إن شاء الله.
********"
الخروج من هذا المنزل الذي أصبح يسكنه هذا البغيض بات من أسمى أمنياتها، ولحسن حظها بأنها لم تخفي عن والدتها أمر عملها بمصنع عائلة "الدهاشنة" فبات أمر خروجها من المنزل أمراً عادياً، وأخيراً بعد طريقها الطويل وصلت أمام البوابة الضخمة التي تحمل لقبهم باعتزاز وكأنه شيئاً ثمين، لعقت شفتيها بلعابها بارتباكٍ، ومن ثم فتحت البوابة لتدلف للداخل، غمرها الاسترخاء وهي تتأمل المساحات الخضراء التي تحد هذا المنزل الضخم، الذي على الرغم من ثراء أهله الا أنه مازال من الطراز القديم، وكأن أهله يسعدون بقدم طرازه كتذكار بأعمدة عائلة "الدهاشنة" وأصولها التي تمتد للجد الأكبر ليليه الابن ومن ثم "فزاع الدهشان" وصولاً لفهد ولاحقاً بالآسر..
راق لها تمسكهم بالطراز القديم كثيراً، فقد رسمت صورة معاكسة لما ستجده بالداخل، ظنت بأنها ستجد فلة أو قصراً يميل لطراز البندر، انتبهت "تسنيم" لذاتها الشاردة، فاستكملت طريقها للأعلى، حتى طرقت الجرس العالق على الحائط الجانبي وانتظرت قليلاً حتى فتحت أحدى الخادمات حيث كانت كبيرة بالعمر ويبدو عليها الوقار، فتساءلت باستغرابٍ لرؤية تلك الفتاة للمرة الأولى، فعلى الرغم من الصداقة القوية التي تجمعها بحور الا أنها لم تفكر بزيارتها يوماً بمنزلها:
_أجدر أساعدك في حاجه يابتي؟
أجلت صوتها قائلة بارتباكٍ:
_أنا من قسم المحاسبة الخاص بالمصانع وعندي معاد مع بشمهندس "آسر"..
أومأت الخادمة برأسها عدة مرات، وهي تجيب بتذكرٍ لما قاله:
_آيوه ايوه يا الف مرحب بيكي يا حبيتي، اتفضلي عما أدي البشمهندس خبر.
اتبعتها على استحياء فأشارت لها على غرفة بالأسفل، ففطنت بأنها غرفة المكتب، لم تتردد كثيراً وفتحت بابها ثم ولجت للداخل، لتختار الجلوس على المقعد المقابل للباب الذي تركته مفتوحاً على مصراعيه، انتبهت"تسنيم" لامرأة فاتنة الجمال، على ما يبدو بالعقد الرابع من عمرها، تدلف من الباب الخارجي من المنزل وعلى ما يبدو عليها الإرهاق الشديد مما تحمله من أكياس ثقيلة، فرفعت صوتها تنادي:
_"نعمة" أنتي فين، تعالي خدي مني..
لم تجيبها الخادمة فكانت بالأعلى تنادي "آسر" لم تتردد "تسنيم" في مساعدة أحداً عاجز يحتاج لها، فأسرعت تجاهها لتحمل الأكياس التي كادت بالتساقط أرضاً، رفعت "رواية" رأسها لتشكر من عاونها فانكمشت معالمها بذهولٍ من تلك الفتاة الجميلة، ابتسمت "تسنيم" من تعجبها الشديد ثم قالت:
_أنا "تسنيم" بنت عم "فضل" وبشتغل في قسم المحاسبة اللي تبع بشمهندس "آسر".
ارتسمت بسمة رقيقة على وجه"راوية" فقالت بترحابٍ:
_يا أهلاً وسهلاً بيكِ يا حبيبتي..
ثم وضعت الأكياس التي تحملها على الأريكة، لتجذب الأغراض من يدها قائلة بحرجٍ:
_طب والله فيكِ الخير، عنك دول تقال أنا خلاص شلت الأكياس من إيدي.
تراجعت بجسدها للخلف وهي تجيبها بتصميمٍ:
_لا مش تقيلة خالص، قوليلي بس أحطهم فين وأنا مع حضرتك.
اتسعت ابتسامتها، فأشارت بيدها على الرواق البعيد عنهما:
_طيب مدام مصممة المطبخ من هنا وأنا وراكي أهو.
منحتها ابتسامة صغيرة ثم اتجهت بالاتجاه الذي أشارت لها عليه، فحملت "رواية" باقي الأغراض ثم لحقت بها بالطرقة الطويلة، حتى وصلوا سوياً للمطبخ، فوضعت الأغراض من يدها على الطاولة لتصيح بضيقٍ شديد لمن تقفن أمامها:
_أيه يا جماعة بنادي من الصبح أنتوا نايمين على ودانكم ولا أيه؟
نهضت "ريم" عن الأرض، لتجفف يدها من بقايا صلصة الأرز المحشي الذي تعده بذاتها، ثم أسرعت لتحمل الاغراض من يدهما وهي تبرر لها بلهفةٍ:
_والله يا حبيبتي ما سمعتك، معلشي.
استدارت "نادين" تجاهها بيدها المتسخة بالصابون، لتخبرها بسخريةٍ:
_ورحمة الرغوة الطاهرة دي مسمعناكي يا غالية..
تعالت الضحكات فيما بينهما، حتى "تسنيم" ابتسمت هي الاخرى وهي تتايع حوارهما بمحبةٍ، سُلطت انظار "نادين" تجاهها، فتساءلت بدهشةٍ:
_مين المزة الجامدة دي؟
وضعت "تسنيم" الأكياس من يدها بحرجٍ من تعريفها عن كناياتها لأكثر من مرتين، فعرفتهم بها "رواية" بالنيابة عنها، تبادلت "نادين" السلام الحارق معها، أما "ريم" فقالت بابتسامةٍ هادئة:
_كان ودي أسلم عليكي يا حببتي بس زي مانتي شايفة اكده ملبوخة بالمحشي والوكل لازمن يبقى جاهز قبل المغرب..
بتذكر أضافت "رواية":
_يا خبر هو انتوا لسه مخلصتوش؟
أجابتها"نواره" وهي تدنو من المطبخ:
_أنا أهو خلصت المعمر والفراخ شويتها برة بالفرن..
قالت "ريم":
_لا انا لسالي شوية، بس في أمل الحلتين اللي على النار قربوا يستوا..
اضافت" نواره":
_طب اني هجهز العصاير قبل ما الضيوف يوصلوا..
اقتربت "تسنيم" من ريم ومن ثم انحنت لتجلس مقابلها ثم شرعت بمساعدتها، فقالت الاخيرة باعتراضٍ:
_بتعملي ايه يا بتي ميصحش.
ردت عليها بابتسامة لطيفة:
_حضرتك زي والدتي ولو اتحطت بالموقف ده اكيد هساعدها وبعدين انا بستنى البشمهندس لما بنزل هسيبك تكملي وهخرج.
ابتسمت ريم باعجابٍ شديد:
_شكلك بنت أصول يا بنتي والله.
قالت "رواية" بثناء:
_ومش هتبقى بنت اصول ليه وهي بنت عم "فضل" الراجل الطيب اللي العيبة مبطلعش منه.
ثم أضافت قائلة وهي تهم بالخروج:
_ هطلع أغير هدومي وأجي أساعدكم.
وبالفعل اتجهت للأعلى، فرددت"نادين" بتعبٍ:
_ربنا هيتوب علينا أمته بقا من الاكل اللي يكفي 100فرد ده، كل يوم ناس داخلة وناس طالعة..
اجابتها "نواره" بعتاب:
_ربنا يجعل بيت الكبير عامر بالخير دايماً، تعب الوقفة والطبيخ بيروح لما الناس تاكل وتنبسط.
تابعت "تسنيم" الحوار المتبادل فيما بينهما باعجابٍ شديد، فشعرت بألفة عجيبة وهي تستمع لحديثهما، شعرت بالدفء والحنان والحب الذي ينتقل فيما بينهما، شعرت لوهلة وإنها تجلس بين أفراد عائلتها، الابتسامة لم تفارق وجهها..
هبط "آسر" للأسفل، فإتجه لغرفة مكتبه، فانكمشت ملامح وجهه حينما لم يجد سوى حقيبتها، فاستدار ليتساءل باستغرابٍ:
_هي فين يا "نعمة"؟
قالت وهي تتفحص الغرفة بدهشةٍ:
_كانت هنا يا بشمهندس والله.
خرج من الغرفة باحثاً عنها، فاستمع لصوت الضحكات المرتفع القادم من الرواق، سلكه" آسر"حتى وصل للمطبخ، فوجدها تجلس جوار "ريم" تعاونها باعداد الطعام والابتسامة ترتسم على وجهها برقةٍ سلبت زمام تركيزه، فتسلل لمسمعه صوت "نادين" المتساءل:
_بتعمل أيه هنا يا آسورة.
انتبهوا جميعاً اليه، فانتصب بوقفته ثم قال بجديةٍ يحاول الإتسام بها:
_هنقضي الشغل في المطبخ ولا أيه؟ ، لو كده تمام أنا معنديش مشكلة بس معتقدش الكرنب وورق العنب هينجز الأوراق اللي مستانية توقيع دي!
ضحكت "ريم" ثم قالت:
_والله حبناها اوي، ما شاء الله عسولة وبنت ناس.
منحتها "تسنيم" ابتسامة ممتنة، ثم نهضت لتغسل يدها جيداً ومن ثم وقفت مقابل هذا الهائم الذي تناسي كونه يحجب الباب بجسده، عبث أصابعها بفستانها الأسود الطويل بتوترٍ، التمسه من نظرات عينيها، فانتبه لوقفته ليتنحى جانباً مشيراً لها بالمرور، أسرعت بتخطيه لتتجه للخارج، فسلكت منعطف خاطئ من فرط ارتباكها، التقطت اذنيها صوته الرخيم الذي أسيل أغورها، وهو يناديها:
_"تسنيم".
وقفت محلها ثم استدارت لتقابله بوجهها الأحمر من فرط خجلها، فأشار بيديه على الباب الذي تكاد على تخطيه، عقدت حاجبيها بعدم فهم، فقال بابتسامةٍ صغيرة:
_من هنا.
تطلعت لما يشير اليه، فازداد ارتباكها وتوترها أضعافاً، اتبعته لغرفة مكتبه فما أن ولجوا سوياً حتى أغلق الباب من خلفهما، فتوقفت عن الخطى ثم قالت بخوفٍ شعر به "آسر" بوضوحٍ:
_حضرتك قفلت الباب ليه، سيبه مفتوح أفضل.
لثاني مرة يرى الخوف يدمس عينيها لسببٍ ظنه عادياً بالنسبة لفتاة وشاب يجمعهما غرفة واحدة، ومع ذلك فتح الباب على مصرعيه مجدداً وهو يردد بهدوءٍ:
_أنا بس كنت حابب اننا نركز لأن هنا ناس داخلة وناس طالعه..
أومأت برأسها بتفهمٍ، فأشار لها بالجلوس، جلست وهي تراقبه بدهشةٍ حينما رفض الجلوس على المقعد الأساسي لمكتبه وفضل الجلوس أمامها، حاولت أن تشغل ذاتها بفتح الحقيبة وهي تعدل حجابها بارتباكٍ، أخرجت الملفات جميعاً فكادت بعضها بالسقوط أرضاً، فنهض سريعاً لينتشلها منها مردداً بهمسٍ:
_حاسبي.
قربه منها جعل جسدها يرتجف بصورةٍ غير طبيعية، فجذبت الملفات التي يساندها بيديه ليشعر بتلك الرجفة الغريبة، فوضعتهما فوق الطاولة الصغيرة التي تفصلها عنه، عاد "آسر" للجلوس محله وهو يتطلع لها باستغرابٍ، قدمت له أول ملف، فشغل ذاته بقراءته قبل أن يوقعه، وأحياناً كان يراجع على الحسابات من أمامه..
طرقت "نعمة" على الباب، ثم تقدمت منهما لتضع صينية العصير على سطح المكتب وقبل أن تغادر أغلقت الباب من خلفها كما اعتادت الدخول لأي غرفة من غرف المنزل، انقبض قلب "تسنيم" بشكلٍ مبالغ به، فوزعت نظراتها بين الباب تارة والعصير الموضوع من أمامها تارة أخرى، كان يراقبها من أسفل الملف الموضوع من أمامه، فنهض ليشير له بتهذبٍ:
_أيه رأيك نقعد برة في الحديقة جنب الاسطبل وبالمرة أعرفك على "همام" و"مهجة".
كانت تعلم بأنه اقترح ذلك للخوف الذي يستحوذ عليها وراق لها موقفه الرجولي كثيراً، فأعادت الملفات للحقيبة مجدداً، بينما حمل "آسر" العصير ليرافقها للخارج، فسألته باستغرابٍ:
_مين "همام" و"مهجة"دول؟
ابتسم وهو يردد:
_لما نوصل هقولك.
أشارت له برأسها بهدوءٍ ثم اتبعته للخارج، فوقفت على مسافة بعيدة عنه، تراقبه وهو يضع الطاولة المستديرة جوار الاسطبل ويعاونه أحد العمالين بالثرايا، فوضع الكراسي ثم أشار لها بالاقتراب، اقتربت منه ووضعت الحقيبة عليها فأشار بيديه على الفرس الاصيل من جواره، لتتبعه لهجة فخر واعتزاز:
_ده يا ستي "همام" واللي جنبه دي "مهجة"..
تعلقت انظارها بهما فأحبتهما كثيراً، مررت يدها على جسد الفرس الأبيض وهي تتساءل بترددٍ:
_شكلك بتحب الخيل.
قال بشغفٍ:
_جداً، وبالأخص"همام".
وقال كلماته وهو يمرر يديه على جسده، ثم تابع بقول:
_مامته ماتت وهي بتولده وكان ضعيف جداً بس أنا كنت جنبه ومسبتوش غير لما بقا زي ما أنتي شايفة.
ربما لم تستمع لنص حديثه، فكانت شاردة به وهو يتحدث إليها، تمنت لو بقي العمر بأكمله يتحدث وهي تستمع إليه هكذا، باتت لا تعلم ما الذي يصيب قلبها بوجوده، بالرغم من نفورها من صنف الرجال جميعاً، ثمة شيئاً بداخلها يخبرها بأنه ليس مثلهما، بل منفرد وإختلافه تكتشفه يوماً عن يوم، صفقها صوته الذي ارتفع حينما ردد:
_" تسنيـــــــــم"
تمتمت بشرودٍ:
_هاا..
ابتسم ساخراً:
_ها أيه بناديكي من بدري.. تعالي يلا نخلص الملفات اللي حمضت دي.
ابتسمت واتبعته لتجلس مقابله فشرعوا بالعمل سوياً..
**********
انتشل يديه من بين يدها وهو يردد بتعصبٍ شديد:
_خبر أيه يا "رواية" ساحبة بقرة وراكي وأيه كل الرسايل اللي على التليفون دي!
كبتت ضحكاتها وهي تشير له بالصمت قائلة بحماسٍ:
_ما انت مش هتطلع معايا غير كده والموضوع مهم ومستعجل.
تطلع للشرفة ثم قال ساخراً:
_والموضوع المهم هيتقال إهنه!
هزت رأسها بدلالٍ ومن ثم أشارت بيدها على الحدائق وبالأخص المكان المجاور للاسطبل، فتطلع "فهد" تجاه ما تشير، فوجد ابنه يجلس جوار فتاة ما ويتابع عدد من الأوراق الموضوعة من أمامه، فقال بعدم فهم:
_أبص على أيه، ولدك وبيشتغل أيه اللي يشد في كده؟!
لوت شفتيها بتذمرٍ:
_بالذمة بصتك دي قدرت تحلل الموقف، أنت طول عمرك مش مدي لنفسك فرصة تتمعن وتتفحص الامور.
ابتسم وهو يداعبها بالحديث المرن:
_طب قوليلي انتي شايفة أيه؟
هام هو بها وهامت هي بما تراه على متن مترات منها:
_شايفة نظرات اعجاب في عين ابنك، وإن يكن مش حب بس على الاقل البنت مناسبة ليه يا "فهد" لما تتكلم معاها هترتحلها جداً.
ترك التطلع بها ثم تساءل بجدية:
_هو انتي تعرفيها؟
كبتت ابتسامته من التحليل القاتم التي ستستمع له عقب ما ستتفوه به، فقالت:
_آه.
منحها نظرة شك فقالت بتوضيحٍ:
_لسه متعرفة عليها من شوية، بت زي العسل يا فهد جمال وأدب ده كفايا انها بنت عم "فضل".
اتنقلت نظرات" فهد" تجاههم ثم قال بعد صمت وتفكير:
_أنا معنديش مانع بس ابنك جاهز للخطوة دي؟... يمكن ميكنش بيفكر بيها بالشكل ده من الاساس..
ابتسمت بفرحةٍ حينما تابع الحديث معها بلهجتها، فيزداد عشقها له أضعافاً حتى ولو أصبحت على عتبة الموت، انتبهت من غفلتها وهي تخبره:
_متقلقش هتكلم معاه وهعرف اللي في قلبه بالظبط.
منحها ابتسامة مهلكة، ومن ثم طبع قبلة صغيرة على جبينها ليهمس بحبٍ:
_طيب يا حبيبتي اتكلمي معاه ولو كده هدخله انا ونشوف هنعمل أيه!.
أومأت برأسها بفرحةٍ لمسها "فهد" الذي ابتعد ليتجه للمندارة، فتابعها وهي تتطلع لآسر بفرحة وتمنى، فابتسم رغماً عنه وهو يهمس بصوتٍ لا يسمعه سواه هو:
_يارب يفرحك دايماً يا نور جلبي.
**********
انتهت "تسنيم" من عملها، فنهضت ثم جمعت الملفات بحقيبتها، قائلة بابتسامةٍ صغيرة:
_كده كل الورق تمام، عن أذن حضرتك.
وكادت بتخطيه، فأسرعت "رواية" بالاقتراب منها ثم قالت بحزمٍ:
_على فين ان شاء الله؟ ... أنتي مش هتخطي خطوة بره البيت ده من غير ما تتغدي معانا.
كادت بأن تعترض سريعاً، فوجهت "رواية" حديثها لابنها قائلة بغضبٍ:
_من أمته وضيوفنا بيمشوا من غير الواجب يا "آسر"..
رفع كتفيه وهو يردد بقلة حيلة:
_معاها معتقدش، منك ليها أوكي.
لم تستعب ما قاله، ولكنها لم تبالي بل جذبتها للداخل عنوة، فقالت تسنيم:
_والله ما هقدر أنا أكلت قبل ما أجي.
قالت بصرامةٍ:
_مفيش حد بيدخل هنا وبيخرج كده، وبعدين يا ستي لمتنا هتفتح نفسك مش كده ولا أيه يا آسر.
رغم تعجبه لمعاملة والدته المميزة لها الا انه قال:
_صح... اللمة بتجوع إساليني أنا.
وجدت ذاتها تنخضع اليها، فلحقت بهما للداخل على استحياءٍ فلا مجال للهروب من عند وضع طرفيه أمام فرد من الدهاشنة.
******
شعرت بإختناق صدرها، فلم تعد تجد ما يخفف عنها، أو يجرف تفكيرها بعيداً عن هذا الرجل الغامض الذي ظهر لها من العدم، فتمكن مما فشل معشوق طفولنها من فعله، لم تعد تعلم ما الذي يتوجب عليها فعله، فلم تعد تملك التحكم بعقلها الذي يفكر به كل دقيقة، وكلما حاولت تشتت ذهنها بالتفكير بخطيبها تعود للتفكير به من جديدٍ، جلست"روجينا" على الرمال المترسلة على مياه البحر، تتأمل الأمواج الثائرة من أمامها وكأنها تحاربها او تذكرها بأن ما تفكر به لن يحدث أبداً، وكأن هناك مصباح لتحقيق الأمنيات، او ربما حورية تتدلل بين صفحات البحر فاستمعت لدموع تلك الفتاة البائسة، الحائرة، فمنحتها تحقيق لامنيتها، وها قد أتي صوته الرجولي العميق من خلفها يردد:
_مش قولنا نبعد عن اليخوت والبحر، ناوية تنخطفي تاني ولا أيه؟
فتحت عينيها على مصرعيها ثم التفتت للخلف لتجده يقف مقابلها بطالته التي لم تفشل يوماً بالسيطرة عليها، نهضت عن الرمال وهي تردد بابتسامةٍ مشتتة:
_انت!
وضع "أيان" يديه بجيوب بنطاله القصير، ومن ثم اقترب وهو يردد:
_أيوه أنا..
ثم منحها نظرة أربكتها قبل أن يستطرد:
_اتعودي انك هتشوفيني كل ما هتتهوري وتركبي يخت غلط او تفكري تقربي من المياة.
ابتسمت على دعبته اللطيفة وإن كانت تحمل معنى مبطن بقلقه عليها، ربما يشعرها بأنها تعني له، انتبهت لذاتها الهائمة به كالبلهاء، فلعقت شفتيها بارتباكٍ، ساد الصمت ليقطعه "أيان" حينما قال بخبثٍ:
_شكلك مش مرتاحة لوجودي، أشوفك بعدين.
وكاد بالمغادرة، فركضت لتجتاز طريقه وهي تردد بلهفةٍ:
_لا بالعكس أنا فرحت إنك هنا.
توقف عن المضي قدماً ثم تطلع لها فوجدها تغلق عينيها باحراجٍ شديد ومن ثم سمحت لذاتها بالجلوس أرضاً، ثم أخذت تردد بتشتت:
_أنا مش عارفة مالي بجد، من ساعة ما شوفتك وأنا متلخبطة..
والتقطت نفس طويل قبل أن تتابع بضيقٍ:
_بحاول أخرجك من دماغي مش عارفة، ومستغربة لاني مشفتكش غير كام مرة.
ورفعت عينيها اللامعة بالدموع تجاهه وهي تشير بأصبعها تجاهه:
_أنا مخطوبة وهتجوز كمان شهرين والمفروض اني بحب خطيبي، طب ليه بفكر فيك دايماً.
ابتسم "أيان" وهو يتابعها بمكرٍ وعدم تصديق لنجاحه السريع بخطته التي لم تكلفه عناءٍ، انخفض لمستواها ثم عاونها على الوقوف، ليمنحها نظرة واثقة، كسرها بعد دقيقة من الصمت حينما قال:
_هتصدقيني لو قولتلك اني لما شوفتك حسيت بشيء غريب.
ورفع شفتيه بعدم اكتثار:
_يعني واحدة بتتعرض لاعتداء وساعدتها، واتعرضت للموت قدام عيوني وجايز لو نزلت المية وراها بوقت زي ده مكنتش أطلع حي وبالرغم من كده خاطرت بحياتي وانا معرفش ايه اللي ممكن يربطني بيها.
ثم ابتسم بمكرٍ:
_بس ده ميمنعش انك طلعتي جميلة.
ابتسمت "روجينا" ثم قالت:
_أنا مش فاهمه انت عايز تقول ايه؟
اعتلت معالمه الجدية وهو يردد بثباتٍ مخيف:
_اللي قصده بكلامي أن القدر بيلعب لعبته احياناً، أوقات بنقابل أشخاص وبيختلط علينا الاعجاب بالحب، وأحياناً بينفرض علينا كره أشخاص من قبل حتى ما بنشوفهم، يمكن لو اتقابلوا في ظروف تانية غير دي كان ممكن يكون في أمل ان الحياة ما بينهم تبقى طبيعية..
شتتها كلماته الغامضة، فودعها بابتسامة خبيثة وهو يشير لها بيديه:
_الجو برد، أشوفك بعدين.
وتركها ملبكة فيما قاله وغادر والابتسامة تتسع وجهه المنتصر!
********
تناولت الطعام في جو من الالفة، وسط نساء الدهاشنة، ارتحت للحديث برفقة "رواية" وريم، وأحبت "نادين" بمرحها الذي يصنع البهجة، ودت لو جلست معهن العمر بأكمله، الى أن حان وقت الرحيل، هبطت "تسنيم" من الأعلى لتغادر فانخطف لونها وتشنجت قدميها عن المضي قدماً حينما رأت أمامها صورة معلقة تحمل أخر شخص توقعت رؤياه!!
تلك الفتاة الهزيلة تحمل بقلبها ضغينة من الاسرار والمتاهات التي جعلتها أسيرة مقيدة، وهاجسها كره الرجال حد الموت، فلم تواجه بشاعة رجل واحد بل نخر القدر عظامها لتكون الشاهدة الوحيدة على وقعة ستهز أرجاء منزل كبير الدهاشنة فماذا اذا اصبحت منهما؟ والسؤال المهم هل ستتمكن بالبوح بالسر المرتبط بصاحب تلك الصورة، لم تكن الاجابات الكافية لمثل تلك الاسئلة اللعينة فسقطت أرضاً بباحة منزل الكبير "فزاع الدهشان" فاقدة للوعي ولتلك الحقيقة البشعة!!...
#الدهاشنة2....#ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
بــــــــــــــــوووم بـوووووووم، انتوا فاكرين ان تسنيم محطوطة كده بدور اي كلام نوووو، لسه التقيل جاي ورا، بس زي ما بقولكم في كل رواية محتاجين صبر في حل كل لغز هيظهر، الفصل ده كان لازم فيه شرح تفصيلي للمشاهد اللي ظهرت فاتكلمت بالتفاصيل عنها، كمان مش عايزاكم تنسوا ان رواياتي الورقية موجودة في معرض مسقط الدولي مع دار ابداع للترجمة والنشر وكمان في معرض السويس ومعرض حلوان، هنتظر صور جميلة منكم..... بحبكم في الله 😍😍..
#Aya.... ♥
**************____________***********
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الثالث عشر 13 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2.....(#صراع_السلطة_والكبرياء...)
#الفصل_الثالث_عشر..
(إهداء الفصل للجميلة "سلمى خالد"، كل سنة وأنتِ طيبة يا روح قلبي، كل سنة وأنتي قريبة فيها من الله عز وجل 💙..)
لأول مرة يشعر بالتشتت هكذا، تائه هو بصحراءٍ قاحلة لا يأويها مطر ولا قطرة مياه، يصفع بها ذاته ويعنفها ما بين عتاب ورحمة بما تعرضت له تلك الفتاة، بات قلبه رحيماً بها بعدما كان ناقماً عليها، لا يعلم كم ظل حبيس غرفته منذ أخر لقاء جمعه بها، فبمعرفته الحقيقة تلاقى ضربة عصفت برأسه وقلبه، فتح"بدر" عينيه على مهلٍ وهو يتأمل الحائط الصغير المجاور لباب غرفته، فعاد المشهد ليتجسد أمامه للمرة الثلاثون، عاد ليرى دموعها ويتذكر صراخها وبكائها، لم يحتمل ذاك الالم الغادر الذي يتغلب عليه دون أي شفقة منه على حاله، نهض عن فراشه ومن ثم جذب قميصه ليرتديه على عجلةٍ، ليتجه لغرفتها، ضم يديه معاً ليقربهما من الباب بترددٍ، فالوقت وإن لم يكن متأخر كثيراً ولكنه لا يصح لها الطرق على بابها ليلاً، تراجع عما يهاجمه وكاد بالعودة لغرفته، فتوقف محله بذهولٍ حينما وجد "روجينا" أمامه، انخطف لونها وبات جسدها كالثليج حينما رأته ومع ذلك حافظت على ثباتها، وتقدمت للغرفة، وقف مقابلها وهو يتساءل بحدةٍ:
_كنتِ فين لحد دلوقتي؟
ابتلعت ريقها بتوترٍ قبل أن تجيبه:
_كنت آآ...
قطعت كلماتها حينما فُتح باب غرفتها، لتظهر "رؤى" من أمامهم ثم اقتحمت حديثهما قائلة بخبثٍ:
_ها يا "روجينا" اتطمنتي عليها؟
تطلعت لها بعدم فهم، فاستكملت الاخرى حديثها مشددة على كلماتها الاخيرة:
_"تقى" بقت كويسة ولا لسه تعبانه؟
استوعبت "روجينا" ما تحاول "رؤى" فعله، فقالت باستيعابٍ:
_آه.. الحمد لله بقت أحسن، اخدت ادويتها ونامت..
أومأت برأسها وهي تشير لها:
_طب الحمد لله، ادخلي يالا.
اتبعتها للداخل و"بدر"يشيعها بنظرةٍ تناست حوارهما وتعمقت ببقبق عينيها الحزين، ود لو ظل عمراً بأكمله يتأملها، ود لو حصل على فرصة الحديث معها على انفرادٍ، يكفي أن يكن على علم بأنه سيحظى بفرصٍ ليصلح خطأ القدر القاسي!
************
فتحت جفنها الثقيل بصعوبةٍ، بعدما شعرت برائحة برفنيوم قوي يعيد ادراكها الحسي، فتحت "تسنيم" عينيها على مهلٍ وهي تحارب ذاك الألم القاتل الذي يحارب رأسها، أخر ما تتذكره رؤياها لصورة تضم رجلين احداهما يخصه ذكريات سيئة تحتفظ بها لنفسها هي، ظنت للحظة أن الماضي يعود للخلف ادارجاً فعاد هذا الرجل ليتجسد من أمامها، شعرت به يقترب ويقترب، فنهضت مرتعبة مما رأته، تلهث من فرط أنفاسها المتقطعة، وجدت من يحتضنها وصوتها الحنون يردد:
_اسم الله عليكي يا بنتي..
ابتعدت عنها وهي تتفحص وجهها بخوفٍ، فهدأت حينما وجدت "رواية" جوارها ومن الجهة الأخرى "ريم" و"نادين"، استقامت بجلستها بحرجٍ مما أصابها، فقالت وهي تهم بارتداء حذائها:
_انا آسفة قلقتكم عليا، أنا مش عارفة أيه اللي حصلي يمكن من السفر وضغط اليوم..
وقفت "ريم" قبالتها ثم قالت بعتابٍ:
_بتتأسفي على أيه يابتي، ده بيتك وانتي زي بناتنا بالظبط، ارتاحي ولما تبقي كويسة ابقى قومي.
ردت عليها بابتسامةٍ صغيرة:
_عارفة والله بس انا لازم ارجع البيت لحسن ماما زمانها قلقانه عليا أوي.
قالت "رواية" بتفهم:
_خلاص يا حبيبتي احنا مش هنضغط عليكي بس على الاقل عم "صابر" يوصلك ونعمة تبقى معاكي عشان نطمن اكتر..
اتسعت ابتسامة "تسنيم" وهي تتأمل تلك المرأة الحنونة، فأجلت صوتها قائلة:
_كنت حاسة إن والدتي جنبي طول الوقت، ولما فتحت عيوني ولقيتك مستغربتش انتي بجد طيبة وأنا حبيتك أوي..
احتضنتها "رواية" وهي تردد بفرحةٍ:
_وأنا والله يا حبيبتي ارتاحتلك جداً.
منحتها ابتسامة صافية، قبل أن تتبع "نعمة" التي سترافقها للمنزل، وقبل أن تغادر الغرفة استدارت لتمنحهم نظرة ممتنة قبل أن تضيف:
_شكراً ليكم على اليوم الجميل ده، عمره بجد ما هيتعوض بالنسبالي.
يكفي الابتسامات الصادقة التي رأتها على وجوههم، فأمسكت يد نعمة لتستند عليها، مروا من الرواق الطويل، ومن ثم اقتربوا من الدرج، وبالأخص المحل الذي فقدت به وعيها، جاهدت "تسنيم" برفع رأسها تجاه تلك الصورة مجدداً، ولكنها لم تستطيع، فاهتز جسدها بعنفٍ شعرت به نعمة فقالت بقلقٍ:
_أنتي كويسة يا حبيبتي، لو لسه تعبانه أدخلي ريحي.
قالت وعينيها مازالت مسلطة على الصورة:
_لا أنا كويسة.
ثم تساءلت بثباتٍ جاهدت للتحلي به:
_هو مين اللي في الصورة ده؟
ليتها كانت تحوي شخصاً واحد لما وضعت بتلك الحيرة التي وضعتها به نعمة حينما قالت:
_ده "وهدان" بيه أبو كبيرنا الله يرحمه ، واللي حداه يبقى ابن عمه "مهران" بيه.
ودت لو سألتها أياً منهما والد "فهد الدهشان" ولكنها خشيت أن يفضح أمر اهتمامها بمعرفة أدق التفاصيل الخاصة بهما، فاتبعتها للأسفل وعقلها وذهنها متعلق بتلك الصورة البشعة التي لن تنساها مهما مرت الأعوام، انتبهت من غفلتها على السيارة السوداء المصفوفة أمام البوابة الخارجية، فاتبعت "نعمة" ثم كادت بالصعود ولكنها توقفت حينما استمعت لصوت تطرب آذنيها لسماعه، فبات المحبب والمقرب إليها، حينما نادها قائلاً:
_"تسنيم".. أنتي كويسة؟
استدارت للخلف فوجدته يقف مقابلها، الخوف والإهتمام يسود حدقتي عينيه، ود لو تمكن من البقاء بالغرفة لحين إستعادتها للوعي، ولكن هنا العادات والتقاليد تضع الف حاجز أخلاقي لا يتعداه كبيراً ولا صغيراً، النظرات كانت تتحدث لبعضها البعض رغم دهشة السائق والخادمة من صمتهما، فقررت "تسنيم" قطعه حينما قالت بارتباكٍ:
_الحمد لله بقيت أحسن..
ثم قالت بحرجٍ:
_آسفة اني قلقتكم عليا.
قال بلهفةٍ:
_المهم انك بقيتي بخير، ممكن نطلب الدكتورة لو لسه حاسة نفسك تعبانة.
نفت اقتراحه بلطفٍ:
_لا مالوش داعي انا فعلاً بقيت كويسة.
ثم تحملت على يد نعمة قائلة بإبتسامةٍ صغيرة:
_عن إذن حضرتك..
وصعدت للسيارة وعينيها مازالت تودعه بنظرات تخطفها بين الحين والآخر، غادرت السيارة وبقى هو من خلفها يتأملها حتى اختفت من أمامه، فاستدار ليعود للمنزل فتفاجئ بأبيه يقف بالشرفة العلوية للمنزل ويراقبه بنظراتٍ خبيثة، اتبعتها اشارة له بالصعود بالحال..
*********
كالتائه هو لم يعد يعلم ماذا يريد قلبه؟ ، شغل تفكيره قلقه الزائد عليها، نعم هي بالنهاية ابنة عمه ولكنه يشعر بأن ما بداخله ليس مجرد خوف طبيعي، هناك أمراً يتجاهله عمداً، ربما يخشى التفكير به، فكيف سيفعلها وهي لا تحل له!
من المفترض به أن يفكر بمن ستكون قسمتها به، ولكنه في كل مرة يجد نفسه يفكر بها هي.. "حور" اسمها يتردد بأعماق قلبه وكأنه يعرفها جيداً، ليت قلبه يستوعب بأنه ليس من المنطقي الوقوع في حب فتاة أخرى غير خطيبته، خرج "أحمد" لشرفته عل الهواء النقي يزيل همومه، فردد بصوتٍ مهموم:
_لا مستحيل أكون بحبها!
********
صعد "آسر" للأعلى، ثم طرق باب الغرفة فولج حينما استمع إذن الدخول، أغلق الباب من خلفه واقترب من "فهد" ثم قال:
_خير يا كبيرنا.
تطلع له بنظرةٍ ثاقبة،طوفته من رأسه حتى أخمص قدميه، والاخر يترقب سماع ما سيقول، فطوى صوته الرخيم صفحات الصمت حينما قال:
_تعالى اهنه وأقف جدامي.
انصاع له "آسر" وإقترب حتى أصبح قبالته، يتمعن له باهتمامٍ أحاط به فور رؤية جديته الصارمة، درس "فهد" عين ابنه جيداً قبل أن يطرح سؤاله الذي حصد على اجابته من قبل أن يخبره به، فقال:
_قولي بقا أيه حكايتك مع الموظفة دي.
بلل شفتيه بلعابه وهو يجيبه:
_حكاية أيه يابوي!
ابتسامة صغيرة ظهرت على جانبي شفتيه قبل أن يردد:
_فاكر أبوك اهبل إياك!
رد سريعاً:
_العفو... أنا بس مش عارف أيه اللي وصل لحضرتك.
طالت بتأمله وملامحه ثابتة دون ان تفشي شيئاً، ففاجئه حينما رفع يديه على كتفيه ليخبره بحنانٍ:
_أني مبنصبلكش محكمة يا ولدي، الموضوع وما فيه إني عايز أفرح بيك أني وأمك، وبصريح العبارة اكده البت عاجبه أمك وشكلها كده عجباك أنت كمان.
ابتسم وهو يجيبه بمكرٍ:
_من نحية عجباني فهي عجباني، يعني حلوة ومحترمة وبنت ناس...لكن الموضوع موصلش للحب والكلام ده،يمكن اعجاب بالبداية لاني على اقتناع تام أن الحب بيجي من العشرة بين الزوجين زيك كده أنت ووالدتي.
أنصت "فهد" لتحليله بنظرةٍ فخر كونه نجح في زرع بعض السمات الطيبة بابنه الوحيد ومن ثم قال بصرامةٍ:
_السبوع الجاي هنروح نطلبها من أبوها.
رفع حاجبيه باستنكارٍ:
_بالسرعة دي!.
خلع العمة التي تضيق برأسه بعد يوماً جاد، ثم قال بحزمٍ دون أن يتطلع له:
_روح نام عشان ورانا مشاغل كتير بكره.
علم بأنه تلاقى الكلمة الاخيرة فلم يعد يملك الحق للحديث بذاك الامر، فابتسم بفرحةٍ لذاك النبأ العظيم..
**********
اشتاق كلاً منهن لتلك الجلسة السرية التي تعد حدث هام للحديث عما مضى من حياتهن وصحبتهن التي دامت لأكثر من ثلاثون عاماً، فقالت "نادين" بمرحٍ:
_أنا مش خايفة من اني اكبر بالسن، الخوف لما تلاقي العيال داخلة عليكي ويقولولك عايزين نتجوز وهب دب تلاقي عيل سقيل بيقولك تيتا كده يبقى كبرنا رسمي نصبي فهمي.
تعالت ضحكات "رواية" و"ريم" على تفكيرها الأحمق، فقالت "ريم":
_مفيش فايدة فيكي والله عمرك ما هتتغيري، أني مش عارفة ربنا صبر"سليم" عليكي المدة دي كلتها ازاي..
لم تفهم مغزى كلماتها الا حينما استرسلت "نواره" ما بدأته "ريم":
_أه والله معكي حق، أني قولت سليم اكيد هيعملها وهيتجوز عليها بس باينه واقع لشوشته.
لكزتها بغضبٍ فتعالت الضحكات فيما بينهما، فقالت بسخريةٍ:
_يقدر يعملها كنت قتلته..
وبغرورٍ مرح قالت:
_انتي متعرفيش يا صعيدية منك ليها القاهروية تقدر تعمل ايه واديكم شوفتوا اللي حصل مع فهد ورواية زمان، وازاي اتراجع على اخر لحظة وكسر كلام كبار البلد كلها عشان"رواية".
فور تذكر هذا الحادث المسجل بتاريخ الدهاشنة، تطلعوا جميعاً بابتسامة حالمة لرواية التي بادلتهن الابتسامة حينما تذكرت ذاك اليوم الذي لا ينسى، اضافت" ريم" بجدية:
_الحمد لله ان فهد فاق، ولولا برضه ان عمي مهران اتجوز البنت مكنش الموضوع هيتحل بين العيلتين ولا كان اتضح ان اللي قتل عمي "وهدان" الله يرحمه يبقى من المغازيه مش من عيلة البنت دي.
رددت نواره بحزنٍ:
_ربنا جبر بخاطرها واهي عايشه معاه الوقتي مرتاحة ومعاها واد وبت،اللي شافته كان صعب جوزها الاولني يموت بعد الفرح بشهور وجوازتها التانيه تتفشكل وتتجوز راجل كبير اد ابوها..
ردت عليها ريم:
_مهي لو مكنتش اتجوزته يا نواره كان اهل البلد مبطلوش في سيرتها واللي استغربته ان فهد مفكرش بالنقطة دي.
ثم تطلعت لرواية وابتسمت وهي تستطرد:
_مهمهوش غير حبيبة الجلب.
اصطبغ وجه "رواية" بحمرة الخجل، من حديثهما الذي يعيد ذكريات حبها من جديد، فخشيت ان يفضحها خجلها فيجعلها كالمرهقة من أمامهم، لذا استأذنت وتوجهت لجناحها فما أن ولجت للداخل حتى خرجت لشرفتها، واختارت الجلوس على أقرب اريكة لترفرف بذكريات الماضي الحالم...
##
_أنا مش مجبرة أفضل هنا أنت سامع ولا لا!
قالت كلماتها المتعصبة وهي تضع ثيابها بحقيبة السفر الكبيرة، ثم عادت لتجذب متعلقاتها الشخصية، فأتى من خلفها ليلقي بالحقيبة أرضا وهو يصيح بعصبيةٍ تامة:
_يوووه احنا اتكلمنا بالموضوع ده كام مرة يا رواية حاولي تفهمي وتقدري الوضع اللي انا فيه ؟
ابتسامة منكسرة ارتمست على وجهها المتورم من أثر البكاء، اتبعها صوت موجوع:
_أنا فعلاً مش فاهمه ولا عايزة أفهم، اخرج من هنا يا فهد، انزل لعروستك وسيبني لحالي.
جذبها من مرفقها ثم قربها اليه وهو يردد بصدمةٍ:
_حالك!!... أنا حالك، راح فين حبك ليا؟ ، كنتي دايماً بتقوليلي انك هتفضلي جنبي وعمرك ما هتتخلي عني ودلوقتي عايزة تسيبني يا رواية؟
انهمرت الدموع التي احتجزتها اطول وقت تمكنت منه، فرفعت عينيها تجاهه ثم قالت بوجعٍ شق صدره:
_طول عمري وانا جنبك ومعاك يا فهد، بس المرادي لا، مش هقدر أكون جنبك وأنت بتسن السكينة وبتدبحني بدم بارد، آسفة مش هقدر أساندك وانت بتدوس على قلبي وبتكسر كل حاجة حلوة اتولدت جوايا ليك..
قرب يديه ليحتضن وجهها، فأزاح دمعاتها بيديه معاً، فتحررت أحباله الصوتية الغليظة:
_أنا بكسر قلبي قبل ما بكسرك يا رواية، صدقيني أنا مجبور أعمل كده، الست دي انا كنت السبب في موت جوزها وانتي عارفة الناس هنا مبترحمش.
صرخت به بصوتٍ متقطع:
_ومفيش عوض ليها غير انك تتجوزها!
اغلق عينيه بقوةٍ يجاهد بها بالتحلي بثباته ومن ثم قال بصلابةٍ:
_الكلام معتش له لازمة يا رواية الفرح النهاردة والمأذون تحت!
انسدلت دمعاتها دون توقف مع سماع اخر كلماته، فتمسكت بيديه التي تحتضن يدها ثم رددت ببكاءٍ:
_لسه في فرصة يا فهد، أنا مقدرش أعيش من غيرك ولا أتخيلك مع واحدة غيري، انا عارفة انك بتحبني بس انت لازم تثبتلي ده، تعالى ناخد آسر وروجينا ونمشي من هنا..
سحب يديه المحتضنة لوجهها وهو يطالعها بصدمةٍ:
_أهرب يعني!!..انتي متخيلة اللي بتقوليه يا رواية، شايفاني عيل بيغلط ويهرب من غلطه! .... عايزاني اصغر جدي وكبار العيلة؟
اطبقت على معصمها بغلٍ، ففاض بها الصمت لتصرخ بصوتها المذبوح:
_لا انزل واتجوز وافرح بس خليك متأكد ان بمجرد ما توقع على القسيمة هتكون بكده خسرتني انا وعيالك يا فهد..
وجذبت الحقيبة الملقاة ارضاً ومن ثم اعادت وضع الملابس امام عينيه ثم غادرت لغرفة ابنائها، فما ان ولجت للداخل حتى سمحت لذاتها بالانهيار حينما استمعت لخطوات قدميه التي تهبط الدرج، ففتحت ذراعيها لمن يراقبها بخوفٍ، فهرع الصغار الى حضنها، لتهمس روجينا بطفوليةٍ:
_بتعيطي ليه يا ماما، بابا زعلك صح؟
ابعدتها عنها بحنانٍ ثم عبثت بخصلات شعرها الحريري وهي تردد بانكسار:
_لا يا روحي انا زعلانه لان بابا مشغول ومش هيعرف يسافر معانا.
ضيق آسر عينيه بضيقٍ:
_وهو احنا لازم نسافر يا ماما؟
انفلتت دمعاتها فاحتضنت الصغير وهي تردد بوجعٍ يعصف بصدرها:
_ايوه يا حبيبي.
ثم مسحت دمعاتها وابعدتهما عنها، لتشير لهما بابتسامة مصطنعة:
_يلا عشان منتاخرش.
وحملت الصغيرة ثم تمسكت بيديه ليغادر المنزل سوياً، وكلاً من به لا يملك الجرأة لإيقافها، خرجت للحديقة الامامية واتبعت طريقها نحو الخروج بقلبٍ متصلب يأبي الابتعاد عن معشوقه حتى وإن عاش بعيداً ولكن تحت سقف منزل واحد، توقفت عن المضي قدماً حينما وجدت ذاتها تمر من أمام المخيم الذي يضم المأذون والرجال، فوجدته يجلس على الطاولة من جواره، تعلقت أعينها به مطولاً وكأنها تبحث بتلك الأعين عن الإنسان الذي عشقته بجنون، تعلم بأن تلك المنطقة باتت محظورة بذاك الزفاف لانها تخص الرجال فقط، ولكن لا طريق للخروج سواه، تعلقت اعين الجميع بها وعلى ما بدى لهما بانها تغادر زوجها في ليلة زفافه اعتراضاً عليه، كانت خطوة جريئة لم تمتلكها البعض في مثل ذاك المجتمع الذي يجبر النساء على العيش لأجل تربية الابناء، فأغلبهن يرضى بالذل والمهانة لاجل الصغار وبعضهن يقبلن بالزوجة الثانية في سبيل الحفاظ على الزواج الغير متكامل من الاساس!
أطبقت "رواية" أصابعها على يد آسر ومن ثم استكملت طريقها للخارج، وكأن بخطاها الذي يبتعد عنه رويداً رويداً كان كالسوط الذي جلد روحه قبل ان يوقظ قلبه الذي يئن لاجل كل قطرة تسقط من عينيها، ترك القلم الذي كاد بأن يدمر به حياته ليسقط من يديه، ومن ثم ابعد الطاولة لينهض بكل عزم وهو يردد بصوتٍ وصل لمسمعها رغم ابتعادها عنه:
_الجوازة دي مستحيل هتم واللي يحصل يحصل.
تصنمت محلها، فحاولت انعاش رئتيها بالهواء ثم قرصت ذاتها وكأنها تحاول إن تثبت لذاتها بانها لا تتوهم، فاستدارت لتجده يقف وسط الرجال وهو يستكمل حديثه بشجاعة:
_انا ممكن اكون السبب في اللي هي فيه بس انا مقصدتش اقتل جوزها، وكمان ميرضيش ربنا اني عشان ارجعلها حياتها اقوم اخرب بيتي بايدي!
واستكمل بصرامةٍ:
_انا ممكت اعوضها بالفلوس او أي حاجة بعيد عن اني اتجوزها وادمر عيلتي، ده اخر كلام عندي.
اغلقت عينيها بقوةٍ وهي تستمع اخر كلماته، فابتسمت براحةٍ بعد عناء حاولت به أن توصله لتلك المرحلة وها قد تخطاها، لم تجد اي شيء تفعله بذاك الوقت الا الاقتراب منه مثلما كان يقترب منها، فاحتضنته دون أن تعبئ بعدد الرجال من حولها، احتضنته وشهقات بكائها مزقت القلوب من حولها، لم تعد قادرة على الصمود أكثر من ذلك، فالحرب التي خاصتها فتكت بقلبها وطاقتها، فهمست جوار اذنيه ببكاءٍ يحمل نبرة توسل من الاعين التي تتربص بها :
_خدني من هنا يا "فهد".
لم يتردد ثانية واحدة، فحملها وصعد بها لمنزلها مرة اخرى ومن خلفه اتبعه آسر وروجينا، وعلمت بعد ذلك بأن عمه" مهران" تزوج بتلك الفتاة وقد انتهت العداوة التي كادت بأن تتعمق بين العائلتين لتصبح أكثر حدة بينهما وبين المغازية لسببٍ لا يعلمه الكثير!
********
وأخيراً حظيت ببعض الراحة بعدما أنهت والدتها تحقيقاتها حول تأخرها بثرايا "الدهاشنة"، هي الآن بمفردها تسترجع تلك الذكرى المؤلمة التي باتت متعلقة بطفولتها، أغلقت"تسنيم" جفن عينيها بقوةٍ وهي تردد بصوتٍ شاحب من بين شهقات بكائها الحارق:
_معقول الشيطان ده يبقى جد "آسر"!..
##
منذ طفولتها اعتادت الذهاب مع والدها إلى الحقول، كانت ترافقه أينما ذهب، ارتباطها به جعلها تشعر بالآمان الذي فقدته، كانت تلك الصغيرة تعتاد على مداعبة والدها الدائمة لها وأخرهما لعبة الاختباء التي كانت وسيلتهما للترفيه، فتلك المرة أرادت"تسنيم" أن لا يتغلب عليها والدها ويجدها بسهولة مثلما يفعل كل مرة، فركضت بعيداً عن الحقول بمسافةٍ كبيرة، ثم اختارت مكان قريب من تلك البحيرة البعيدة عن الحقول، فاختبأت خلف أحد فروع الأشجار الضخمة ثم كبتت أنفاسها بيدها لتضمن الا يصل أييها اليها، وأخذت تراقب الطريق بلهفةٍ وحماس، فزع جسد الصغيرة حينما استمعت لصوت صرخات مكبوتة ومن ثم ضوضاء مخيفة تأتي من الإتجاه المعاكس لها، فاستدارت تجاه ذلك الحقل القريب من تلك البحيرة تتفحص باهتمامٍ مصدر هذا الصوت الغريب، جحظت عين الصغيرة في صدمةٍ حقيقية حينما وجدت امرأة ملقاة أرضاً، ويدها وقدميها مقيدان بحبلٍ غليظ للغاية، ومن خلفها رجل ملامحه محفوظة بذاكرتها لتلك اللحظة، كان يحاول تقيد فمها بقطعة من القماشٍ، وبالفعل تمكن من ذلك، رأته تسنيم يجذبها من خصلات شعرها الأسود كسواد الليل الحالك ثم اخذ يتحدث اليها بغضبٍ بدى على معالم وجهه المقبضة، استغاثت تلك السيدة به بأن يدعها وشأنها، فانتفض جسد تسنيم حينما رأته يجرد تلك المرأة من ثيابها ومن ثم اعتدى عليها بوحشية تامة.
طفلة لا يتعدى عمرها الحادية عشر، تتعرض لمحاولات اعتداء من خالها والآن ترى بعينيها اغتصاب وحشي لإمرأة عاجزة لا حول لها ولا قوة، وكأن العالم القاسي يشعرها بأن تلك المعاملة هي المعتادة بين النساء، ارتجف جسدها الصغير بعنفٍ ويدها تشدد من كبت صرخاتها وبكائها خشية من أن تصدر أي صوتاً قد يعرضها لنفس مصير تلك المرأة الغامضة، نصف ساعة مرت عليها كالنيران التي تنهش قلبها الصغير قبل أن تتمكن من جسدها، رأت ذاك الشيطان بعدما فرغ من أمر تلك المرأة يعقد حجابها الذي دنسه حول رقبتها ثم ازداد من ضغطه عليها حتى استكانت حركتها فأصبحت هادئة لا تعافر ولا تتوسل للنجاة، ليته اكتفى بذلك، بل جرها بقسوةٍ ليلقي بها بتلك البحيرة، ثم مضى بطريقه وكأن شيئاً لم يكن!
تاركاً من خلفه أعين تلك الصغيرة التي اختتم الحادث ذكرياتها فجعلها تعيش اسوء طفولة، بل اصطحبها لتظل تعذب حتى الآن..
عادت من ذكرياتها بدموعٍ تلمع بحدقتيها الخضراء، وكأن بتذكارها لما حدث بتلك الليلة دفعها لعيشها من جديد، لا تعرف من تلك المرأة ولكن من المؤكد بأن أهلها حالهما لا يقل عن حالها، فالجميع ضحايا لذلك الشيطان الذي خيل لها بأنه "وهدان الدهشان"!
***********
الجميع يصرخ ويبكي بشكلٍ جعل هذا الصغير الذي لا يتعدى الخامسة عشر مفزوع يحارب فكرة الخروج لمشاهدة ما يحدث بالخارج، وبعد دقائق من المحاربة انتصر فضوله فخرج يتسلل ليتأمل ما يحدث بالخارج، تصلبت معالمه وجحظت عينيه المتورمة من أثر البكاء اشتياقاً لوالدته المتغيبة منذ الصباح ليجدها الآن ملقاة أرضاً جثة هامدة، ملابسها متمزقة تظهر جسدها بشكلٍ مقبض، حجابها الذي خرجت به بالصباح معقود حول عنقها، والمياه تتساقط منها بغزارة بعدما انتشل احد المزراعين جثمانها من البحيرة....
نهض من نومه مفزوعاً، العرق يتصبب من جسده بغزارة وكأنه كان بسباق حاد، ترك الفراش وهم الاقتراب من البراد الصغير الموضوع لجواره، جذب الزجاجة الباردة ومن ثم تجرع نصفها والقى نصفها الاخر على وجهه، ثم القاها ارضاً وهو يردد بصوت كفحيح الأفاعي السامة:
_نهايتك ونهاية الدهاشنة كلها قربت يا"فهد"، هانت وشرفك هيبقى تحت رجلي...... تحت رجل" أيان المغازي"........
............. يتبع............
#الدهاشنة٢... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت.........
بوووووم 💣 طبعاً الكل قال ايان يبقى ابن الست اللي فهد كان هيتجوزها، انا النهاردة قطعت الشك باليقين ولراجل طلع لا يقربلها لا من قريب ولا من بعيد اني آسف 😂💔، اعملكم ايه قولتلكم جمدوا قلبكم ولسه بقولكم اصبروا الاحداث اللي جاية دمار شامل وحقيقة العداء لسه برضه هتوضح اكتر بس هاااا اهي وضحت شوية عشان تعرفوا اني بحبكم بس 🤭🤭.... تصبحوا على خير اجري انا بقا 😁...
*******______********
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الرابع عشر 14 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2... (#صراع_السلطة_والكبرياء...)
#الفصل_الرابع_عشر...
(إهداء الفصل للقارئة المميزة إسراء أسامة، من أقرب القارئات لقلبي، أدعو الله أن يرسم البسمة على وجهك دائماً 💙..)
غاب الظلام عن هذا الليل الذي طالت أحداثه، وسطعت شمس يوماً جديد يصطحب أشعتها بين يديه لتشرق بضيائها المعتاد، فنسخت من خيوطها نقطة التقاء مع أمواج البحر الزرقاء في منظر تقشعر له الأبدان، فراقبها من يتمدد على المقعد المسطح من أمامه بأعينٍ قاتمة خالية من الحياة، يصعب ذاك المنظر النابض بالنشاط والحيوية أن يمس عتمة قلبه بشيءٍ، وكأنه كان ينتظر الصباح ليتمكن من الاتصال بها، فجذب هاتفه ومن ثم مرر اتصالاً هاتفياً يجمعه بها، دقيقة وأتاه صوتها المتوتر حينما قالت باستغرابٍ:
_"أيان"!
بسمة مغترة تسللت على شفتيه الغليظة، ومن ثم تمرد صوته المحتبس ليجيبها بخبثٍ:
_مستغربتش إنك محتفظة برقمي على موبيلك.
غاب عنه صوتها وكأنه لمس حالة الإرتباك التي ابتلعتها، فصمت هو الأخير لقليل من الوقت وعاد ليسترسل قائلاً:
_أنا على البلاچ.. هستانكي.
وأغلق الهاتف دون أن يستمع لردها على إقتراحه المقدم، ثم اقترب ليقف أمام المياه واضعاً كلتا يديه بجيوب سرواله القصير، ليتأمل المياه الساكنة بنظراتٍ شاردة تسرد له بعض الكلمات التي كانت تختصه بها خالته حتى لا ينسى الماضي.
«وهدان الدهشان هو اللي إغتصب أمك وقتلها...»
«تارنا منتهاش بموته تارنا مع عيلة الدهاشنة كلتها لازمن يدوقوا الذل والعار اللي هما كان السبب فيه، دهرهم لازمن ينكسر العمر كله ..»..
_"أيان"!
نادته "روجينا" أكثر من مرةٍ وهو ساكن لا يجيبها، فاقتربت منه ثم قربت يدها من ذراعيه بترددٍ لتناديه بارتباكٍ:
_"أيان".
سلطت نظراته عليها لدقيقة كاملة، استطاع بها رؤية ذاك الإرتباك النابض بين حدقتها، كان من الممتع له أن يرى حبها الأهوج يرفرف كرأية الاستسلام بعينيها، خرج عن صمته المطول بتأملها حينما قال وعينيه تتعمق بالتطلع لعينيها:
_النهاردة أخر يوم في رحلتك وأكيد مش هنقدر نشوف بعض تاني.
تلألأت الدموع بعينيها، فاستكمل بنظرةٍ جريئة تغلغلت لأعماقها:
_ممكن يكون اللي حصل معاكِ غريب بس بالنسبالي لا، الحب مش بالعشرة ولا بفترة تعارف، الحب نظرة وبعدها دقة قلب مضطربة بتهمس لصاحبها إن في شيء غريب بيجمعه بالشخص ده أو هيجمعه بيه..
ورفع يديه ليضعها على خديها وهي تتابعه بصدمةٍ وعدم استيعاب:
_اللي انتي حسيتي بيه نحيتي ده حب يا روجينا، بس للأسف مش ممكن يستمر لأن العلاقة دي مستحيل تكمل.
وتركها ثم ابتعد عنها، متخذ وجهة الرحيل، فركضت خلفه وهي تتساءل بعدم فهم:
_ليه مش ممكن يكمل، أنا ممكن أسيب خطيبي..
توقف عن المضي قدماً ثم استدار ليمنحها ابتسامة ساخرة، اتبعها قوله الصادم:
_اللي بينا صعب بالدرجة اللي تخلي مستحيل حد يقبل بالعلاقة اللي ممكن تجمعنا.
رفعت حاجبيها وهي تتساءل بدهشةٍ:
_أنت تقصد أيه؟
أطال التطلع لها، ثم شدد على كل كلمة تخرج على لسانه:
_أنا إسمي "أيان المغازي" يا روجينا، يعني من عيلة المغازية إن مكنتش أساسها وعمودها..
قالت بتشتتٍ:
_وفيها أيه؟
كان متفاجئ بعدم معرفتها بما يخص عائلته، ولكن هذا لن يخمد نيران ثورته المشتعلة، عليه أن يخطو تلك الخطوة التي رسمها بخطته ليضمن نجاح ما يود فعله، فقال بغموضٍ:
_إسألي حد من عيلتك أيه اللي بين "الدهاشنة" و"المغازية".
وتركها وغادر ولكن تلك المرة لم يستدير للخلف، شعرت بأن هناك أمراً كارثي يضم العائلتين، فانهمرت الدمعات على وجنتها، جلست "روجينا" على أقرب مقعد قريب منها وهي تحاول استيعاب تلك الصدمات التي تتعرض لها، من سيصدق ما تمر به؟
اي عاقل هذا الذي قد يؤمن بما تعتقده هي، أتت الى هنا برحلة ترفهية لتلتقي بهذا الشخص الغامض، الذي استولى على قلبها منذ أول لقاء في حين أنها مضت أعوام بجوار "أحمد" صديق طفولتها ومن المفترض بأنه سيصبح زوجها لذا كان عليها ان تحبه هو بدل عن هذا الذي مر بحياتها كظهور ضيوف الشرف بعمل مكتمل أبطاله، ولكنها تجد ذاتها منجذبة اليه بشكلٍ لم تجد له تفسيراً أو تجده منطقي!
*********
شعرت بيديه اللعينة تلامس جسدها بتماديٍ، كادت بالصراخ ولكن فمها مقيد بإحكامٍ، فتحت "تسنيم" عينيها بفزعٍ وهي تجذب الغطاء على جسدها ومن ثم طوفت بنظراتها المرتعبة الغرفة، بحثت بكل إنشن بها فما أن تأكدت بأنها مجرد أوهام تهاجمها التقطت انفاسها الثقيلة بصورةٍ مسموعة، فلم تستطيع بتلك اللحظة أن توقف دموعها التي هبطت كشلال جف من فرط أحزانه، فجذبت هاتفها لتبحث عن رقم رفيقتها وما ان استمعت لصوتها حتى رددت ببكاءٍ:
_"حور"..أنا مش قادرة أفضل هنا معاه في بيت واحد.
أجابتها رفيقتها بحزنٍ:
_متضغطيش على نفسك يا "تسنيم"، إتحججي بالمذكرة والامتحانات وانزلي القاهرة في أقرب وقت.
بدى لها بأن صوتها متغير على غير عادتها، فتساءلت بقلقٍ:
_ماله صوتك، أنتي فيكي أيه؟
ابتسمت وهي تعلم بأنها ستكشف أمرها مهما حاولت ان تصطنع صوتها المصطنع، فقالت:
_مفيش والله يا حبيبتي، أنا بس غصب عني وقعت الشاي السخن عليا بس الحمد لله مفيش غير رجلي وايدي اللي اتحرقت وحرق بسيط وهيروح مع الادوية ان شاء الله..
هلع قلبها لسماع ما قالته، فصرخت بها بعتابٍ:
_كل ده حصل معاكي ومتقوليليش!
=يا تسنيم الموضوع بسيط وبعدين كفايا الضغط النفسي اللي انتي فيه.
_أنا مش عايزة اسمع مبرر ممكن يعصبني اكتر، أنا هسافرلك النهاردة بإذن الله..
وأغلقت الهاتف سريعاً ومن ثم نهضت، لتجذب حقيبتها ثم اعدتها، ولجت والدتها بتلك اللحظة لتخبرها بصوتها المرتفع:
_يا تسنيم بنادي عليكي من الصبح يا بنتي، يالا الفطار جاهز.
انعقد حاجبيها بذهولٍ حينما رأته تعد حقيبتها، فقالت باستغرابٍ:
_أنتي بتعملي أيه؟!
حملت بعض الثياب ثم وضعتها بالحقيبة وهي تجيبها:
_لازم انزل القاهرة حالا.
اقتربت منها ثم قالت بصدمةٍ:
_انتي لحقتي! ، وبعدين لسه على امتحاناتك اسبوع بحاله!
قالت والدموع تسبقها:
_" حور" الشاي وقع عليها وحرق ايدها ورجلها لازم انزل عشان اطمن عليها..
لطمت على صدرها بفزعٍ:
_يا خبر، لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم...
ثم استرسلت بسؤالها المتلهف:
_ طب طمنيني يا بنتي هي عاملة ايه الوقتي.
قالت وهي تغلق حقيبتها الصغيرة:
_معرفش يا ماما لما هروح هبقى أطمنك بالتليفون.
أجابتها بتفهمٍ:
_ماشي يا حبيبتي، ومتقلقيش عليها ان شاء الله هتبقى كويسة.
تعلم جيداً ماذا تعنى حور بالنسبة لابنتها، الصداقة التي استمرت لثمانية عشر عاماً تجعل من حولها يكن لهما احتراماً وتفهم لمشاعر الخوف والقلق لكلاً منهن، ارتدت "تسنيم" ثيابها ثم جلست على المقعد وهي تتحدث لذاتها بتوترٍ:
_طب المفروض دلوقتي أعرف بشمنهدس آسر أني نازلة القاهرة ولا أعمل أيه؟!..
ثم عادت لتردد:
_مهو أكيد لازم يعرف عشان يتابع شغله بنفسه أو جايز يكون عايز يبعت معايا حاجة لمصطفى السكرتير، اعمل ايه بس يا ربي!
لم تجد حل يخرجها من تفكيرها العميق سوى الذهاب إليه لتخبره بأمر رحيلها، ولتكن صادقة مع نفسها كان هناك شيئاً بداخلها يشجعها على قرار الذهاب لتتمكن من رؤيته، فبرؤياه تشعر بأمان تفتقده حتى وهي وسط عائلتها والأغرب بأنها باتت تؤمن بذلك!
********
كان من الصعب أن تظل معه بغرفته كسابق، وهو يعلم ذلك جيداً ولم يشعر بالضجر لذلك، يكفي انها تقبلت وجوده لجوارها من جديد، وبالرغم من ذلك شدد "يحيى" بتعليماته على "الهام" بمراقبة "ماسة" جيداً، فما يساور شكوكه جعله يفارق النوم طوال الليل حتى الصباح، خرج "يحيى" من غرفته ثم طرق على غرفتها ففتحت الخادمة، لتواجه صوته المضطرب:
_"ماسة"كويسة؟
إن تكن تشعر بالغرابة لإهتمامه الزائد بحالتها ولكنها أجابته باحترامٍ:
_كويسة، بحضرلها الحمام وخارجة.
أومأ برأسه بتفهمٍ، ثم عاد ليجلس بالخارج ينتظرها، دقائق محدودة واستمع لدقات قدميها السريعة تقترب منه، فسلطت نظراته تجاه تلك الفاتنة التي تقترب منه بفستانها الأزرق الطويل، وخصلات شعرها التي تتدلى من خلفها بإنسيابٍ، للحظة ظنها زوجته التي فقدها منذ أعوام ولكن حينما هزت رأسها وهي تحدثه بطفولة جعلته يعد لأرض واقعه سريعاً:
_هنخرج تاني يا "يحيى"؟
ابتسم وهو يمسك يدها ليخطو بها تجاه الطاولة التي تضم طعام الفطور والعصائر الطبيعية، ثم جاوبها ويديه تلامس تلك الخصلة المتمردة على عينيها:
_لا يا روح قلب يحيى، أنا لازم انزل المصنع النهاردة لكن بكره إن شاء الله هنخرج.
أدلت شفتيها السفلية بحزنٍ، ومن ثم رددت باستياءٍ:
_وعد؟
قال بتأكيدٍ:
_وعد يا روحي، يالا بقا إفطري عشان تاخدي أدويتك.
هزت رأسها باستسلام ومن ثم التقطت الخبز لتغمسه بالعسل الابيض كما تعشقه، لتتذوقه بابتسامةٍ هادئة، جعلت الراحة تتسلل لأعماقه فذهبت شكوكه للجحيم، وبات الامر منطقي بالنسبة اليه فإن ما حدث لها من دوار وتقيء كان عائد للأرجيحة التي صعدت لمتنها.
********
رائحة الشاي الساخن عبقت المنزل لتناشد ذاك الصباح النشيط، وخاصة على الطاولة العتيقة المطولة، جلست العائلة تتناول الطعام بجوٍ من السكينة والهدوء، حرصت"رواية" على اعداد كوب القهوة لزوجها ومن ثم جلست على مقربةٍ منه لتستكمل طعامها، فسألها "عمر" وهو يبحث بين الوجوه باستغرابٍ:
_أمال فين "آسر"؟
ردت عليه بضيقٍ شديد:
_بالاسطبل، مش بيتحرك من هناك خالص يا"عمر" ومفيش فايدة من الكلام معاه.
تدخل "فهد" بالحديث قائلاً:
_همليه يقعد مكان مهو حابب ده مضيقك في أيه؟
استدارت تجاهه ثم قالت بعدم تصديق لسؤاله الذي بدى لها غريباً:
_مضايقني طبعاً، مهو أغلب وقته بعيد عني حتى لما يجي هنا مستكتر يقعد معايا.
ابتسم "سليم" وهو يخبرها:
_كلتها أيام وكلهم هتلاقيهم اهنه يا مرت أخوي.
همست بحنين:
_يارب يعدوا بسرعة نفسي أشوف "روجينا" وحشتني اوي..
قطع الحديث المتبادل بينهما صوت "نادين" الباكي، وهي تهم بالهبوط للاسفل مسرعة حتى كادت أن تتعثر، وصوتها يرتفع بندائه:
_"سليـــــــم".
انقبض قلبه وهو يراها بتلك الحالة التي بدت صدمة للجميع الذي اعتاد رؤية الابتسامة لا تفارق وجهها، نهض "سليم" عن الطاولة ثم أسرع بالاقتراب منها متسائلا بلهفةٍ:
_في أيه يا نادين؟
قالت والدموع تلاحق صوتها المذبذب:
_انا لازم انزل القاهرة حالا، الشاي وقع على ايد حور وحرقها..
أمسك بيدها وهو يهدء من روعها قائلاً:
_يحيى طمني وقالي اصابة بسيطة متقلقيش نفسك.
هزت رأسها بالرفض وهي تردد بإصرار:
_انا لازم اشوفها واطمن عليها بنفسي مش هستنى لأخر الاسبوع لما تيجي..
ربتت "ريم" على ظهرها وهي تخبرها بحزنٍ:
_طب اهدي بس يا نادين، لو كانت حاجة كبيرة لا سمح الله كان زمان أحمد أو بدر اتصل وقالنا، هتلاقي الموضوع بسيط.
هزت رأسها بانفعالٍ، فنهض "فهد" عن الطاولة ثم قال بثباتٍ:
_خد مرتك وانزل مصر يا "سليم"، مش هترتاح غير لما تطمن عليها..
أومأ برأسه ثم دفعها برفقٍ لتمضي معه للأعلى ليستعد كلاً منهما للسفر، فاقتربت" رواية" منه ثم قالت:
_هنزل معاهم يا "فهد" عشان اطمن على روجينا ورؤى وريناد..
أجابها بصوتٍ منخفض بعض الشيء:
_روجينا ورؤى بسكندرية تبع جامعتها..
عقدت حاجبيها باستغرابٍ:
_وأنا معرفش ليه!
حدجها بنظرةٍ مطولة أنهاها ساخراً:
_والله أسألي بنتك..
وتركها وصعد للأعلى والأخرى تقف محلها يكاد الحزن يقتلها، مازالت تعاقبها بالابتعاد عنها، فحينما تراسلها لا تجيبها أبداً، تخفت رواية عن الاعين حتى لا يرى أحداً دمعاتها، ولكنها لم تشعر بنواره التي تلاحقها، حتى أصبحوا منفردين بالغرفة، فقالت بحزنٍ:
_مالك يا "رواية" انتي كمان؟
وكأنها كانت بحاجة للحديث، فقالت بانكسارٍ:
_مش عارفة بنتي لسه بتعاقبني على أيه يا "نواره" ، هو أيه واجب الأم غير أنها تشوف المناسب لمصلحة بنتها، ومصلحتها كانت بجوازها من أحمد.
حينما تحدثت رواية عن ذاك الموضوع السري المرتبط بينهما، أغلقت نواره الباب سريعاً حتى لا يستمع اليهما احداً ومن ثم جلست جوارها على الاريكةٍ الخشبية، فربتت على فخذيها وهي تردد بحكمةٍ:
_مغلطتيش يخيتي اللي عملتيه عين العقل، لو كان أبوها درى باللي هتقوله كانت هتبقى حريقة، وبعدين اني مستغربة ايه اللي غيرها اكده، ما طول عمرهم بيحبوا بعض وعلى طول سوا فجأة اكده تقول مش عايزاه!
هزت رأسها باستياء هي الاخرى وهي تخبرها:
_حقيقي مش عارفة انا بقالي ٨شهور بحاول أخليها تقتنع والغريبة كل ما الفرح بيقرب معاده بتصمم اكتر.
تساءلت نواره باهتمامٍ:
_طب محاولتيش تسأليها عن السبب اللي مخليها عايزة تسيبه.
ردت على الفور:
_سألتها ولو كنت لقيت منها سبب مقنع كنت هتكلم مع فهد وهوقف الجوازة دي، بس اللي قالته سبب تافه انها عايزة تتجوز واحد من القاهرة لانها بتكره العيشة في الصعيد.
ضيقت عينيها بغضبٍ:
_ماله الصعيد أهلها وناسها..
منحتها نظرة بائسة قبل أن تردد:
_هو أنا بأخد رأيك في اللي قالته يا نواره!..
اشفقت على حالتها، فربتت بيدها على ظهرها وهي تردف بحنان:
_متزعليش يا رواية، يمكن عيشتها وسط اهل البندر خلتها تتعود عليهم، و أن كانت حابة القعدة هناك نخلي احمد ياخدها معاه هناك زي ما يحيى ولدي عمل.
ثبتت تفكيرها بأكمله على تلك النقطة فوجدت ذاتها تائهة ضائعة، لا تعلم إن كانت نقطة البقاء بالصعيد او القاهرة هو ما يهم ابنتها فعلاً أم انها مجرد حجة تتحجج بها لتبتعد عنه، وخاصة بأن أحمد وباقي الشباب ينتقلون بين القاهرة والصعيد، فبات الأمر محيراً بالنسبة لها وكأنها عادت لنفس النقطة من جديد..
*********
وصلت "تسنيم" أمام البوابة الخارجية ومن ثم ولجت للداخل، مرت من جوار الثرايا، فكادت بأن تصعد على الدرج لتنتبه للصوت الرجولي الخشن القادم من الخلف، مردداً:
_يا أهلاً بيكِ يا بنتي، نورتي الدنيا كلتها.
استدارت للخلف ببطءٍ، فوجدت "فهد" يجلس على أريكة خشبية موضوعة وسط الحشائش الخضراء ومن جواره عدة أرئك يتوسطها طاولة صغيرة دائرية الشكل، موضوع عليها عدد من المشروبات الساخنة، اقتربت منه على استحياء ثم قالت بخجل:
_منور بكبيره وأهل بيته.
بدت له لابقة باختيار كلماتها ونال هذا إعجابه كثيراً، فقطع نظراته الثابتة كالسهم الذي يعلم الطريق لمستقره حينما قال باتزانٍ:
_عايزة ولدي؟
اربكتها كلمته كثيراً وإن كانت منطقية بعض الشيء لعملها المرتبط به، ولكن رغماً عنها توردت وجنتها، فأومأت برأسها وهي تتابع بارتباكٍ:
_أيوه لازم أبلغه حاجة ضروري.
شبح ابتسامة ارتسمت على طرفي شفتيه، فدارت عينيه على "نعمة" التي تحمل المياه وتقترب لتضعها على الطاولة، كان من الممكن ان يجعلها تستدعي "آسر" ولكن تعمق تفكيره وضعه بمنطقة حيادية، فقال بمكرٍ مختبئ خلف ثبات نبرته:
_بالاسطبل، انتي مش غريبة البيت بيتك..
وأشار لها على الإتجاه الصحيح للاسطبل، بللت شفتيها بلعابها وهي توزع نظراتها بين الاتجاه المشار اليه وبينه، ومن ثم رسمت ابتسامة صغيرة قبل ان تردد بحرجٍ:
_عن إذن حضرتك.
قال وهو يتابعها تبتعد بخبثٍ يشمل لهجته:
_إذنك معاكِ يا بنتي.
ابتعدت عنه رويداً رويداً وهي تبحث بعينيها حائرة بتلك المساحات الشاسعة، فحينما ذهبت معه للاسطبل سلكوا باب جانبي من مكتبه فما هي الا مسافة صغيرة حتى وصلوا إليه، وهي الآن تخطو بين مساحات كبيرة للغاية لا تعرف طريق قد يودي بها اليه، استمعت لصوت صهيل خيل قادم من الاتجاه الذي تسلكه فتأكدت بأن وجهتها صحيحة، فوجدت من أمامها مساحة شاسعة تحفها سرداب من الخشب ليصنع مساحة خاصة للخيل، رفعت صوتها وهي تتفحص المكان باحثة عنه:
_بشمهندس "آسر".
لم يأتيها رده وكيف سيستمع لها وهو بمكانٍ ضخم كهذا، لم تجد تسنيم حلول بديلة الا ولوجها للداخل، ففتحت الباب القصير المنحدر على جنبي السرداب ومن ثم ولجت تقدم قدماً وتؤخر الأخرى بخوفٍ من منظر الخيول المريب بالنسبة إليها أو لأي فتاة قد يرهبها رؤية قط أو فأر فماذا اذا وجدت ذاتها محاصرة بعدد من الخيل الاصيل، ربما لو رأت خيل واحد لا بأس فهي بالطبع تتعامل معه من على بعدٍ تاركة باقي المهام لوالدها، توقفت عن الخطى حينما لمحت فرس صغير على ما يبدو بأنه حديث الولادة، لونه أبيض كبياض الثلج وجبهته ينقرها اللون البني، أعجبت بيها للغاية، فلم تستطيع الا تقترب منها وتلامس جلدها الناعم، فتحت تسنيم الباب الصغير الذي يفصل الفرس الصغير عن باقي الاسطبل ومن ثم مررت يدها على جلده بابتسامةٍ حنونه، راق لها هذا الفرس كثيراً وخاصة بأنه مسالم، ارتعب قلبها فجأة حينما استمعت لصهيل قوي غاضب يأتي من خلفها، ففور ان استدارت وجدت الخيل الذي يلقبه آسر ب" همام" يرفع قدميه تجاهها غضباً، تراجعت للخلف بخوفٍ وهي تحاول أن تتفاداه ولكنه كان يتبعها، ومازال يرفع قدميه عن الارض بحركاتٍ مندفعة عنيفة، رفعت يديها معاً لتحمي وجهها وهي تصرخ بفزعٍ وحينما استمعت لصوته رفعتهما لتجده يقف أمامه ويتمسك بقدميه ومن ثم دفعه للخلف وهو يصيح بها بانفعالٍ:
_همام اهدى!
تراجع الفرس للخلف قليلاً وكأنه شعر بالأمان على ابنه الصغير لوجود فارسه، فعاد ليقف جوار فرسته الجامحة "مهجة" وهو بتأمل صغيره عن بعدٍ، أسرع "آسر" تجاه "تسنيم" ومن ثم عاونها على الوقوف وهو يتساءل بلهفةٍ:
_انتي كويسة؟
أومأت برأسها عدة مرات وعينيها تتابع "همام" بخوفٍ، والأخر يتابعها بنظراتٍ حائرة لا يعرف كيف أتت الى هنا ولكنه سعيد لرؤياها مجدداً، انتبهت تسنيم لنظرات آسر لها وليديه التي مازالت تتمسك بها خشية من أن تسقط من جديدٍ، فتراجعت للخلف وهي تعدل حقيبتها الصغيرة بخجلٍ، ومن ثم قالت بتوترٍ:
_انا آسفة جداً مكنتش اعرف انه هيضايق كده، آآ... آنا كنت جاية عشان اقول لحضرتك اني لازم انزل القاهرة فلو حابب تبعت حاجة تبع الشغل معايا، او على الاقل تبقى عارف بسفري فآآ... وأنا داخلة شوفت "فهد" بيه وهو اللي دلني على الاسطبل وانا بدور على حضرتك شوفت الحصان الجميل ده فبعتذر على اللي حصل..
حديثها المرتبك كان غير مرتب، يعكس ما تشعر به من حرجٍ وتوتر، نعم فهم من مغزى حديثها مهمة أبيه الماكرة ولكنه احب ذلك كثيراً، تحرر لسانه ناطقاً باتزانٍ:
_محصلش اي حاجة لكل ده، ممكن تهدي بس وتاخدي نفسك وبعدين نكمل كلامنا.
رسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، فرأته يخرج من السرداب الصغير، فقالت بفزعٍ:
_حضرتك رايح فين؟
ابتسم على خوفها البادي على وجهها قبل ان يتبع صوتها، فأشار لها:
_هجيب كرسين وأجي متقلقيش همام مش ممكن يهاجمك تاني، كده عرف انك تخصيني.
وتركها وغادر وقلبها يخفق باضطراب من أخر جملته، وإن كانت أسرتها قبل أن تأسر قلبها وروحها، صفنت به وهو يقترب منها حامل المقعدين ومن ثم وضعهما جوار الخيل الصغير لتتمكن هي من رؤياه بعدما صرحت بإعجابها به، أشار لها بالجلوس، فجلست على استحياء ومن ثم حرر لجام الصغير ليدفعه برفقٍ ليقترب منها، فوزعت نظراتها بينه وبين همام بخوفٍ، فتعالت ضحكاته الرجولية وهو يتابع بقوله الشبه حازم:
_قولتلك متخافيش!
رفعت يدها ومازالت نظراتها تحوم بين همام ومهجة، فوجدتهما هدئين متقبلين لوجودها برفقة "آسر"، فمررت يدها على جسد الصغير بفرحةٍ غمرتها، ومن ثم قالت بإعجابٍ شديد:
_ما شاء الله جميل اوي.
تعمق بالتطلع لها قبل أن يخرج صوته الرخيم:
_إختاريله أسم بقا.
نظرة مرتبكة تقابلت مع نظراته الفاتنة بجمالها، فازدرت ريقها وهي تجيبه بارتباكٍ:
_مش عارفة بصراحة.
قال ومازالت نظراته متعلقة بها:
_حاولي.
سحبت نظراتها المتعلقة به ومن ثم تأملت الصغير وهي تردد بابتسامة صغيرة:
_ممكن برق..
ابتسم وهو يردد:
_مش هيكون اسمه غير كده.
اصطبغ وجهها بلون حبات الكرز، وهي تتطلع له بتوترٍ، فنهضت وهي تعدل حقيبتها ثم قالت:
_همشي بقا عشان معاد القطر.
تساءل باستغراب:
_مش المفروض انك هتسافري بعد يومين؟
اجابته وعينيها منشغلة بتأمل حقيبتها كمحاولة من التهرب من لقاء عينيه:
_أيوه، بس لازم أسافر عشان أطمن على حور.
أومأ برأسه بتفهمٍ ثم قال:
_طب استني لحظة، هجيب من والدي الملف اللي كان بيوقعه عشان توصليه لبشمهندس يحيى.
هزت رأسها بهدوءٍ ثم وقفت تنتظر عودته جوار ذاك الفرس الصغير الذي سيشهد على قصة عشق ستهز أرجاء الصعيد، قصة ستتحدى عادات وتقاليد الرجل الشرقي ذو العرق الصعيدي، وربما لتوضح للعالم بأن الصعايدة ليس كما يقال عنهم بل هم أصل النُبل والرجولة!
********
وصل "يحيى" للمصنع ومن ثم اتجه لغرفة مكتبه، وحينما دلف للداخل انكمشت معالمه بعدم تصديق لما يرأه او ربما عقله لم يستطيع تفسير من انها تتملك كل تلك الجرءة لتقف أمامه من جديد بعد ما ارتكبته من ذنبٍ فاضح لا غفران له!
*********
عاد "آسر" حاملاً الملف المنشود ثم قدمه لها، فحملته وتوجهت للخروج بعدما ودعته بابتسامةٍ صغيرة، تحمل مغزى يخترق قلبه من دون سابق انذار، تشتت أفكاره التي تخطر له بتلك اللحظة، فلحق بها وقبل أن تصل للبوابة الخارجية اوقفها منادياً:
_"تسنيم".
استدارت لتقابله وهي تتساءل بدهشةٍ:
_نسيت حاجة يا بشمهندس؟.
مرر يديه على رقبته وكأنما يحجب تلك الكلمات التي تكاد على التحرر ولكنه فشل بذلك، فقال:
_خلي بالك من نفسك.
بقت تتطلع له للحظات لا تعلم بماذا ستجيبه؟ ، وذاك فكر اخر هاجمها أيحل له قول ذلك لها لانه رب عملها او لا يحل له؟ ، لطالما كانت جافة بالتعامل مع صنف الرجال جميعاً حتى مع اساتذة الجامعة وغيرهما، ولكنه حالة خاصة وفريدة بالنسبة لها، حالة لا تجد لها تفسيراً منطقي له او لما يحدث لها، بللت شفتيها الجافة بلعابها وهي تجيبه بتوترٍ:
_حاضر، عن إذن حضرتك.
وتركته وغادرت بقلبٍ يكاد يتوقف من فرط الارتباك، فتوقفت مرة اخرى حينما وجدت نادين تقترب منها، فسألتها بلهفةٍ:
_انتي كنتي عارفة باللي حصل مع حور ومقولتليش؟
قالت بحزنٍ وهي تتأمل تلك السيارة التي تقترب منهن:
_لا والله يا طنط انا لسه عارفة من شوية وهسافرلها حالا.
انسدلت دموعها بتأثرٍ، فربتت تسنيم بحنانٍ على كتفيها:
_متخافيش ان شاء الله هتبقى كويسة، انا راحلها وهبقى اطمن حضرتك بالموبيل.
ردت عليها مسرعةٍ:
_انا كمان راحلها.
ثم استرسلت حديثها وهي تشير على السيارة التي توقفت أمامهما:
_تعالي معانا في العربية بدل ما طريقنا واحد.
قالت بحرجٍ:
_لا مفيش داعي أنا هسافر بالقطر كمان ساعة بإذن الله، وكمان شنطتي لسه بالبيت.
بإصرارٍ قالت:
_وتركبي قطر ليه واحنا نازلين القاهرة ورايحين نفس المشوار، ثم ان دي مش حجة هنخلي عادل السواق يطلع على بيتك الاول نجيب شنطتك ونمشي، اركبي يالا.
أخبرتها بابتسامةٍ صغيرة:
_حاضر..
وبالفعل صعدت تسنيم للخلف جوار نادين، وبقى سليم بالامام جوار السائق الذي تحرك بهما على الفور، وآسر كما هو يودعها بنظراتها امام تلك البوابة الضخمة التي تفصله عن الداخل وحينما استدار عائداً تفاجئ بمن يقف أمامه يحدجه بنظراتٍ قاتمة، وعصاه الانبوسية تحتك بالارض بقسوةٍ وكأنه يود بها أن تمنحه عقوبة يعلمها جيداً فابتسم وهو يقترب منه بخبثٍ!
***********
بأحد منازل كبار الصعيد، وبالاخص بمنزل تابع لكبار "الدهاشنة"، دلف ذاك الخادم المتنكر بعمامته البيضاء التي تخفي ملامحه، وهو يتلفت من خلفه بخوفٍ من أن يرأه أحداً، ويا ويلته إن رأه أحداً من المغازية بالتحديد، فبالتأكيد سينقطع رأسه حينما ستشهد خيانته لثرايا"أيان المغازي"، فما ان رأه حارس البيت حتى سمح له بالمرور كالمعتاد لزيارته المتخفية، ومن ثم اتبع الخادمة التي ادخلته مكتب رب هذا المنزل، لتضع له الشهي من المؤكلات والمشروبات كما شدد عليها سيدها، فأكل بنهمٍ وهو يراقب باب المكتب، فما أن ولج صاحب المنزل حتى نهض عن مقعده وهو يردد باحترامٍ وخوف بآنٍ واحد:
_" مهران" بيه!... آآ... أني جبتلك معلومات المرادي تستحق الحلاوة، والمرادي الضربة هتكون لفهد نفسه!..
................. يتبع................
#الدهاشنة٢... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت.......
***********____________*********
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الخامس عشر 15 - بقلم آية محمد رفعت
صتعطش الروح يعيقها لوعة الفراق المفروض على جسد بات محرماً بالقرب من أمانه، فيحجب دمعاته ليلاً ومن ثم يتقرب بدعائه خلسة بأن يمنحه قوة التحمل أو ربما بالخلاص!!...
#صراع_السلطة_والكبرياء (#الدهاشنة٢)... #آية_محمد_رفعت.... #قريبـــاً.
صراع أيان المغازي وآسر يبان للبعض انه صراع بين الخير والشر لكن في الحقيقة الاتنين ابطال واتولد جواهم مفاهيم كتير غلط ويمكن الصدمة للبعض انهم هيكونوا حلف وايد واحدة لكشف اكبر لعبة اتلعبت على العيلتين، صحيح الطريق طويل وروجينا هتكون الضحية بس العبرة زي ما بتقولوا بالنهاية، جهزوا نفسكم عشان هنرجع نستكمل احداث ملحمة #الدهاشنة٢..... ها مين مستنى؟
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل السادس عشر 16 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنه2...(#صراع_السلطة_والكبرياء...)..
#الفصل_الخامس_عشر...
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة من الأردن الحبيب" أم عثمان أبو العز"، بتمنى دائماً تكوني بأفضل حال، وكل عام وأنتِ بخيرٍ....)..
انسحب طابع الهدوء الذي يكسو عينيه ليحل محله عاصفة غائرة من غضبٍ فتك بحدقتيه السوداء، فتحررت أحباله الصوتية لتنم عن صوتٍ لا يقل غضبٍ عن جحيم عينيه:
_ليكِ عين تيجي هنا!!
تجاهلت "يمنى" عصبيته الزائدة ثم قالت ببرود:
_يحيى أنا مرتكبتش ذنب أنا حبيتك!
ازدحمت شحنة الغيظ بداخله لما تمتلكه من عدم استيعاب لما فعلته، فخطى ليبدو قريباً منها ومن ثم ردد باستحقارٍ:
_مش مستغرب البجاحة اللي عندك، مهو المسلسل التركي اللي عملتيه سبق ودخل عليا مرة بس مش هيدخل عليا تاني..
ازاحت الحقيبة العالقة بذراعيها ثم اقتربت المسافة المتبقية لتشير له باستياءٍ:
_حبي ليك مش مسلسل يا يحيى، وبعدين انا مش عارفة انت ليه رافضني بالشكل ده وانت متجوز واحدة مجنونة لا هتقدر تفهمك ولا تفهم احتياجاتك..
ثم رفعت يدها تداعب أزرر قميصه الأبيض ظناً منها انها تغريه:
_ثم اني مطلبتش منك تطلقها، لو اتجوزنا جوازنا هيكون في السر..
شهقت فزعاً حينما انهالت يديه بصفعةٍ قوية على وجهها، ومن ثم لف خصلات شعرها حول معصمه، صارخاً بعصبيةٍ بالغة:
_واضح ان الذوق مش بيمشي مع امثالك، أنا بقى هوريكي الرد المناسب..
بالبداية لم تفهم ما يقصده بكلماته المبهمة الا حينما فتح باب المكتب ليلقي بها بالخارج أمام الموظفين جميعاً، فعلت لهجته وهو يحذرها بصوت مسموع للجميع:
_المكان ده لو دخلتيه تاني هكسرلك رجلك، أنا مش عارف أنا ازاي مكشفتش وساختك دي طول الفترة اللي فاتت بس معلش ملحوقة.
وأشار بيديه لرجال أمن المصنع مردداً بحزمٍ:
_أرموا الزبالة دي بره..
انصاعوا اليه فجذبوها للخارج عنوة، وسط صرخاتها وهمساتها الحاقدة، لم تتوقع ردة فعله الصارمة تلك، فلم تحتمل اهانته لها وسط حشد هائل من الموظفين، فخرجت تتوعد له ولمن فازت بقلبه تلك السنوات حتى تأثيرها لم يدعه وشأنه حينما باتت مختلة!.
************
وقف "آسر" جواره يتابع حركة الأشجار من حوله بهدوءٍ شديد، فطال صمتهما الى أن قطعه "فهد" حينما قال:
_إوعاك يا ولدي تكون بتدور على طريقة تنسى بيها حبك القديم فتكون دي ملجأك صدقني هتظلم نفسك قبل ما تظلمها.
لاحت على شفتيه ابتسامة ساخرة، فأجاب والده بثباتٍ:
_أنا محبتش قبل كده..
تطلع اليه بنظرةٍ قاتمة، فاستطرد موضحاً:
_حضرتك أكتر واحد فهمني، وعارف أني نسيت "ماسة" في اليوم اللي اتجوزت فيه يحيى ومبقتش اقدر أشوفها غير زي "روجينا" و"حور".
أشرق وجهه بابتسامةٍ صغيرة، فرفع يديه على كتفيه وهو يخبره بفخرٍ:
_عارف يا ولدي، بس حبيت أتاكد بنفسي قبل ما ندخل بيوت الناس.
ثم تابع بقوله الصارم المصطنع:
_أني بساعدك من بعيد لبعيد عشان تعرف غلوتك عندي بس.
اتسعت ابتسامة"آسر" حينما صرح الكبير بذاته عن قصده الصريح بارسال "تسنيم" للاسطبل حتى يضمن انفراده بها لدقائق معدودة، كاد بأن يشكره على ما فعل ولكنه تفاجئ بمن تقترب منهما حاملة لأكواب العصير،وتسترق السمع اليهما، وحينما فشلت بسماع شيء، زمجرت بغيظ:
_سكتوا ليه ما تكملوا كلامكم ولا بتتكلموا في حاجه مش عايزني اسمعها!
تطلع آسر لوالده بمكرٍ ومن ثم قال بلهجته الصعيدية:
_مخبرش تقصدي أيه ياما، بس أبوي خابر، عن اذنكم ..
وغادر سريعاً من أمامهما، فوقفت "رواية" مقابله لتعيد سؤالها من جديد:
_ابنك هرب ومفضلش غيرك، قولي بتتكلموا عن أيه يا فهد؟
استقام بوقفته وهو يتناول الكوب من يدها ليرتشفه بتلذذٍ، قائلاً بتسليةٍ:
_في أسرار بين الأب وإبنه لازمن تفضل بينتهم ومتخرجش أبداً..
منحته نظرة مغتاظة وهي تمتم بغضب:
_كده يا "فهد"، طب هات بقا مفيش عصير..
ووضعت الكوب على الصينية مجدداً ثم كادت بالمغادرة، فجذبه منها ثم قال من وسط ضحكاته الرجولية:
_مفيش فايدة فيكِ ولا في عنادك.
كادت بسحب الكوب مرة أخرى، فرفعه عالياً ثم أشار بعينيه الماكرة:
_هقولك بس مش اهنه..
واتجه بها لغرفتهما بابتسامةٍ نصر لنجاح جزء من مخططه بسحبها بعيداً ليقضوا وقتاً سوياً بعيداً عن صخب المنزل الذي لا ينتهي..
************
طال طريق العودة من الاسكندرية للقاهرة، ومازالت كلماته تلاحقها كالوحش الذي يستنزف فريسته، عصفت رأسها بسؤاله الغامض، فبحثت عن اجابة ترضى فضولها حول المتعلق بالعائلتين، كادت بأن تسأل "بدر" الغافل على نافذة الباص البارد ولكنها خشيت ان يعلم بأمرها وربما ان ضغط عليها سيعلم بعلاقتها الخفية بأيان، اهتدت "روجينا" لاجابة متوقعة بأن ربما يجمعهما ثأر مثلما يسود بين أغلب عائلات الصعيد ولكن عليها التأكد وبداخلها تتمنى أن يكون الامر هين حتى لا تفترق عن ذاك الغامض الذي سلبها قلبها قبل عقلها...
أما هناك على الجانب الأخر القريب عنها، كانت نظراتها تتعلق بمعالم وجهه القاسي، تستغل غفلته القصيرة لتشبع عينيها بالتطلع اليه، تعافر تلك الدمعات الخائنة التي تود فضحها، فالا يكفيها ما تشعر به من حرجٍ بعدما فصحت لبدر بما حدث معها بأميركا، نعم كانت قد اقسمت بأن هذا السر سيدفن معها ولكنها مازالت حتى تلك اللحظة تعاني وجع تلك الذكرى المفجعة التي قد تعد هينة وفخر لفتاة تعيش بأحضان امريكا المتطورة بعاداتها التي تشبه العهر، ولكن لفتاة مثل "رؤى" تنكر اصولها العربية يكون ذاك الوجع متسلسل حتى الرمق الاخير من روحها البائسة!...
توقف الاتوبيس اخيراً أمام العمارة، لتنادي أحدى المشرفات على "روجينا" لتخبرها بأنها وصلت لوجهتها، فهبطت هي ورؤى للاسفل ومن خلفهما "بدر" الذي حمل الحقائب على كتفيه ومن ثم اتبعهما، كادوا بالصعود للاعلى ولكن استوقفهم صوت مألوف إليهما، فاستداروا تجاه الجهة الاخرى من الطريق فوجدوا "نادين" تلوح لهما من نافذة السيارة التي تقترب من مدخل العمارة ليهبط منها أبيه ووالدته وتسنيم، أسرع "بدر" اليه ليندث بأحضانه بشوقٍ:
_أبوي..
لف "سليم" ذراعيه حول ابنه بابتسامة حنونة ثم ردد بفرحة:
_اتوحشتني اوي يا ولدي، طمني عليك وعلى اختك..
ابتعد عنه وهو يجيبه بابتسامة هادئة:
_الحمد لله بخير، انتوا اللي عاملين ايه؟
أجابه سريعاً:
_كلنا بخير..
دفعته نادين برفقٍ، لتحتضن ابنها، ومن ثم ابتعدت عنه لتردد بحزنٍ:
_مالك كده يا ابني خسيت النص وحالك عدم كده... انت مش بتاكل ولا ايه؟
تعالت ضحكاته لسماعه كلماتها المعتادة، فقال بمرحٍ:
_ازاي بقا، ده الشيف حور نازلة علينا بالطواجن ليل نهار!
انكمشت تعابيرها حزناً:
_قلبي واكلني عليها... يلا نطلع نطمن عليها الاول.
أومأ برأسه لها فاستدارت لتشير لمن خلفها قائلة:
_يلا نطلع احنا يا تسنيم وهما هيجبوا الشنط وهيجوا ورانا..
هبطت من السيارة وهي تخبرها على استحياءٍ:
_انا هسيب شنطتي تحت لما اطلع اطمن على حور الاول وبعد كده هركب تاكسي واروح السكن..
وقف "سليم" مقابلها لتشير لها بصرامة:
_سكن أيه اللي هتروحيه، انتي هتقغدي اهنه مع الحريم..
كادت بمقاطعته، فرفع حاجبيه بحزمٍ انهى به النقاش المحتد فيما بينهما:
_الكلام اللي بقوله مفيش بعديه نقاش، انتي اهنه في ضيافتنا..
قالت بخجلٍ:
_انا والله ما قصدي اكسر كلام حضرتك بس انا مش عايزة أسببلكم ازعاج..
لفت "نادين" يدها حولها، ثم قالت:
_سيبك من الكلام اللي هيزعلنا ده، انتي مش عايزة تكوني جنب حور ولا ايه؟
قالت بكل تأكيد:
_طبعاً.
حستها على اتابعها للاعلى قائلة:
_طيب يلا..
************
بشقة الفتيات..
بعض الآلام الظاهرة على تعابيرٍ الوجه هينة أمام وجع القلب الذي يئن بصمتٍ، يئن بسكونٍ خشية من أن يستمع إليه أحداً، فربما أن علم أحداً ما يوجعه لإنقلب الأمر لعتابٍ قاسي، هكذا كان ينزف قلب "حور" في صمتٍ تام، قرب "أحمد" منها بتلك اللحظة العصيبة جعلها تتمنى وجوده لجوارها دائماً، تتمناه حبيباً وزوجاً، ولكن ذاك الحلم ليس تمتلك حتى الحق به، انتبهت من غفلتها القصيرة على صوتٍ قرع باب غرفتها، فلم تكن سوى "تالين" تحمل الطعام إليها، وبعض المشروبات الساخنة، ولجت والابتسامة مرسومة على وجهها، لتقدم لها الكوب قائلة:
_ طمنيني أخبارك أيه النهاردة؟ ..
أجابتها بصوتٍ واهن:
_الحمد لله بخير..
ثم تناولت الكوب منها، لتردف بضيقٍ:
_أنا حاسة أني عاملة جراحة خطيرة وانتي بتقومي بالواجب معايا، مش كده يا بنتي هزيد ٢٠كيلو!
لوت فمها بتهكمٍ:
_يعني لا كده عاجب ولا كده عاجب، انتي مينفعكيش الدلع على فكرة.
ابتسمت وهي تجيبها:
_انا عايزة اقوم أعمل أي حاجه لنفسي المهم أقف على رجلي..
قطع حديثهما رنين الباب، فأشارت لها تالين ساخرة:
_هفتح الباب وأجي نكمل حوارنا.
وتركتها وتوجهت للخارج..
***********
دث المفتاح بباب شقته ثم ولج ليجلس على اقرب مقعد ويديه تحك مقدمة رأسه بألمٍ شديد، انتبه "يحيى" لسماع خطوات تقترب منه، ليجد "إلهام" المربية أمامه تخبره باهتمامٍ شديد:
_بشمهندس يحيى كان في حاجه عايزة ابلغها لحضرتك.
أزاح يديه عن رأسه ثم قال بمللٍ:
_حاجة أيه!
أجابته على الفور:
_مدام "ماسة" من بعد ما حضرتك نزلت الصبح وهي بترجع و تعبانه ..
تطلع لها بصدمةٍ، فقال بصعوبةٍ وهو يحاول ابتلاع ريقه:
_طب هي فين؟
أجابته بهدوءٍ:
_اديتها مسكن ونايمة...
صمت قليلاً وكأنه يصارع ما يهاجمه من أفكار سودوية قد يكون نهايتها غير محسومة بالمرة، ثم قال:
_لبسيها عشان هننزل للدكتور.
أشارت له بانصياعٍ ثم تخفت من أمام عينيه لتتركه بدوامته المميتة..
*********
ما أن خلت الغرفة من أبيها ووالدتها بعدما اتطمئنوا عليها حتى همست لرفيقتها بلهفةٍ:
_خالك مسافرش برضه..
بمجرد ذكرها له، جعل جسد "تسنيم" يهتز بعنفٍ وكأنه عاد ليلامسها من جديد، فازدردت ريقها بصعوبةٍ بالغة ثم قالت:
_لا بس انا مكنتش هقعد معاه في بيت واحد تاني..
ربتت حور بتفهم على ذراعيها:
_أحسن، عشان متديش لنفسك فرصة تفتكري اللي فات..
انهمرت دمعة خائنة على وجهها، فازاحتها سريعاً ثم قالت بصوتٍ مختتق:
_مين قالك اني نسيته يا حور، أنا مبعرفش انام وكل ما بفتكر اللي كان بيعمله فيا ببقى عايزة اقتله بايدي..
شاركتها البكاء الصامت ثم قالت بتأثرٍ:
_حسبي الله ونعم الوكيل فيه، ربنا ينتقم منه ويشوفه في بناته عشان يحس بوجعك..
استوقفتها بضيقٍ:
_لا بناته ملهمش ذنب..
انقطع الحديث بينهما حينما ولجت "رؤى" للداخل لتطمىن عليها، فجلست لجوارها تتساءل عن حالها بينما انغمست تسنيم بارتشاف كأسها الموجع من جديد..
*********
سحبتها "روجينا" داخل غرفتها ثم اغلقت الباب، فقالت "نادين" بحيرةٍ:
_أيه المهم اللي مخليني سبت الطبيخ وجيت معاكي اوضتك يا ست روجين؟
رسمت ابتسامة مصطنعة وهي تجيبها بارتباك:
_وحشاني يا نودي الله، وبعدين انتي جاية من اخر الدنيا عشان تقفي تطبخي!
ابتسمت وهي تجيبها:
_مش بطبخ بعمل اكل خفيف كده للعشا عشان حور تاخد ادويتها..
هزت رأسها ثم قالت:
_اقعدي انتي بس معاها وانا هرتب الشنط وهطلع انا وتالين هنظبط الدنيا..
احتضنتها وهي تردد بمرح:
_طول عمرك جدعة يا بت..
بادلتها الابتسامة وهي تتدعي التهائها بترتيب ما بحقيبتها بداخل الخزانة، فقالت بمكرٍ:
_قوليلي يا نودي، هو انتي تعرفي حد في بلادنا من المغازية؟
ضيقت عينيها باستغرابٍ:
_بتسألي ليه؟
ابعدت خصلات شعرها خلف اذنيها ثم قالت بتوتر:
_لا مفيش اصلي مصاحبة بنت من عيلة المغازية بس لما عرفت انا بنت مين بعدت عني فاستغربت يعني!..
احتدت نبرتها وهي تحذرها:
_وانتي كمان ابعدي عنها هي مش أحسن منك...
تسائلت بخبث:
_ليه ابعد عنها؟ ، مهو أنا مش فاهمه تصرفها ده سببه ايه؟
اجابتها نادين بهدوء:
_بصي يا بنتي انا معرفش الحكاية بالتفصيل بس اللي أعرفه أن اللي بين الدهاشنة والمغازية سيل دم، وهما اللي قتلوا جدك "وهدان" الله يرحمه وحرقوا ارضينا وممتلكاتنا..
فزعت لما استمعت اليها، فتسائلت بصدمة:
_قتلوه!! ، طب كل ده ليه؟
قالت بضيقٍ شديد:
_بيقولوا انهم اتبلوا على جدك واتهموه إنه اتعدى على مرات كبير المغازية وقتلها..
انقطع مجرى تنفسها لسماع العائق بين العائلتين، فقالت بارتباك'
_طب ليه محاولوش يعرفوا الحقيقة!
قالت باندفاع شدبد:
_لانهم مش عايزين يصدقوا غير كده، حجة يقضوا بيها علينا عشان البلد ميكنلهاش كبير غير واحد بس وطبعاً يكون منهم هما..
صفنت بكلماتها التي قبضت روحها وزهقت قلبها المئن، فبعد سماع تلك الحقائق البشعة ليس هناك أمل ولو ضئيل بتقبل أحداً ما تكنه بداخلها لفرد من افراد المغازية وخاصة حينما تعلم بكنايته!!
***********
طرق على باب الغرفة مرتين متتاليتن ومن ثم حينما استمع لاذن الدخول، ولج أحمد للداخل، فاحنى رأسه أرضاً حينما وجد "تسنبم" بالداخل، فاقترب من الفراش ليتساءل وأعينه لا تفارق الأرض:
_عاملة ايه النهاردة يا حور أحسن؟
استمعت لصوته بأنفاسٍ تختلج لسماع المزيد، وبصوتٍ ثقيل قالت:
_الحمد لله يا أحمد، تسلم على سؤالك..
رفع عينيه مقابلها ليضع الحقيبة الصغيرة من يديه على الكومود الصغير ثم قال:
_انا جبت المرهم اللي مكناش لقينه واحد صاحبي جبهولي شحن من برة..
تسللت الفرحة لوجهها، فاهتمامه بها يروق لها كثيراً، فحررت أحبالها المتوقفة لسماعه قائلة:
_مش عارفة اشكرك على اللي عملته معايا ازاي!
منح لعينيه نظرة أخرى وهو يجيبها:
_مفيش تعب ولا حاجة، المهم ربنا يقومك بالسلامة..
ثم تطلع تجاه تسنيم ليستطرد:
_عن اذنكم.
أومات براسها بهزة بسيطة ومن ثم عادت لتراقب حور التي تتأمل رحيله باعين متلهفة تترجى بقائه في صمت، فما ان تطلعت لرفيقتها حتى قالت الاخيرة بشكٍ:
_لا انا لازم اعرف حكايتك أيه بالظبط؟
*********
الظلام يخيم على الغرفة التي ملأها السكون، ومن بين ذاك العاصف والهائم صوت حركة خفيفة تسودها، فما كان سوى صوت دوار المقعد الذي يدور بحركةٍ ثابتة مخيفة، ليتوقف عن الحركة حينما استمع لصوت الهاتف المترقب، فتسللت الضحكة الخبيثة على وجه سيده الذي يعتلي جسد المقعد الاسود، وخاصة حينما لمع الهاتف باسمها، ليهمس من خلفه بفحيحه المخيف:
_بتسبقيني دايماً بخطوة!!...
.......... يتبع............... #الدهاشنة٢... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت...
**********__________***********
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل السابع عشر 17 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2.....(#صراع_السلطة_والكبرياء...)...
#الفصل_السادس_عشر..
(إهداء الفصل للقارئة المميزة جهاد محمود، من أجمل القراء ربي يسعد قلبك ويفرحك، وكل عام وأنتِ بألف صحة وسعادة...)
رنين الهاتف صنع له موسيقى خاصة تطرب خطته الذي صنفها عبقرية لسرعة تحقيق رغباته دون عناء، تجاهل "أيان" أول مكالمة صادرة من هاتفه قصداً ثم جذب هاتفه حينما دق للمرة الثانية، رفعه لآذنيه ببطءٍ شديد ليستمع لصوتها الذي بات مألوف اليه، فردد بلهجته الثابتة:
_اكتشفتي اللي بين العيلتين بسرعة كبيرة أنا نفسي متوقعتهاش..
أتاه صوتها المتردد بالحديث:
_أيوه كان عندي فضول أعرف..
=ولقيتي أيه!
_اللي عرفته وترني وخلاني متلخبطة، بس أنا واثقة ان مهما حصل بينهم فأكيد في سوء تفاهم.
ابتسامة اعتلاها الشر بوسامٍ مخيف ارتسمت على شفتيه التي لفظت:
_مفيش سوء تفاهم يا روجينا جدك قتل أمي وأنا قتله بإيدي!
صدمت مما استمعت اليه، فباتت كلماتها غير مرتبة:
_اللي ماتت مامتك!
بفحيح الشر الخبيث نطق:
_يعني استغربتي اني ابنها ومستغربتيش اني قتلت جدك!
بقلبٍ مفطور بح نبرتها قالت:
_لاني ميهمنيش حاجه غيرك أنت يا أيان، أنا مستغربة انت عملت فيا أيه، ازاي قدرت أحبك بالسهولة دي بالرغم اني مع أحمد من سنين وعمري ما مشاعري اتحركت نحيته!
ازدادت ابتسامته، ومن ثم لف مقعده بعجرفةٍ اتبعت قوله الصريح:
_تقدري تقولي اني عندي سحري الخاص ولا ايه!
استمع صوت ضحكاتها، فقال قبل أن يغلق الهاتف:
_بكره هشوفك..
وأغلق الهاتف دون أن يخبرها بأي مكان سيلتقي بها او أي ساعة، تركها بحيرة أخرى تدفعها بالتفكير به كل ثانية وكأنها أحدى سمات شخصه الغامض ان يدفعها بالتفكير المجبر به!..
**********
توقفت سيارته أمام أحدى العيادات الخاصة بالنسا بعد تفكير عميق بتغير وجهته ليتابع مع الطبيب المعالج لحالة "ماسة"،ولكنه اقتنع بالاخير ان عليه قطع شكوكه باليقين أولاً قبل الذهاب إليه، هبط" يحيى" أولاً ثم فتح باب السيارة مشيراً لها بحنان:
_انزلي يا حبيبتي..
حملت "ماسة" الحلوى التي تحملها على قدميها ثم هبطت تستكشف المكان الذي أتى بها اليه، فذمت شفتيها باستياءٍ:
_فين الحديقة أنت قولتلي هتوديني!
أغلق باب السيارة ثم جذب يدها ليجيبها ببسمةٍ رسمها بالكد:
_انا عمري وعدتك بحاجه ومنفذتهاش.
هزت رأسها بالنفي، فاستطرد قائلاً:
_هنروح مشوار صغير وبعد كده هنروح، اتفقنا؟
ابتسمت لتشرق ظلام قلبه، فخرج صوتها رقيق ناعم:
_اتفقنا.
ابتسامته الهادئة خبئت خوفه العظيم مما سيجتازه بعد قليل، صعد بها للأعلى، فدون إسمها بدفتر الممرضة الخاص، ثم عاونها على الجلوس على الأريكة لجواره، تجاهل نظرات النساء لزوجته التي تبدو من الخارج كطفلة صغيرة غواها أحد الرجال الطالحين، لم يتجاهل نظراتهن قط بل العالم الذي توقف من حوله بأكمله ليستيقظ على صوت الممرضة التي تشير له لتلفت انتباهه:
_مدام "ماسة"، اتفضلي ..
انتصب بوقفته ثم جذبها وهو يردد بابتسامةٍ صغيرة:
_يلا يا حبيبتي..
اتابعته للداخل وعينيها تطوف بالمكان بتعجبٍ حتى حينما ولجت للداخل وفحصتها الطبيبة، اتبعت تعليماتها على وعد منه بإنه سيأخذها للحديقة فور الانتهاء مما تفعله، وبالفعل بعد فحص دقيق اتضح شكوك الطبيبة، فجلست على مقعدها ثم خلعت نظاراتها الطبية لتلقي حديث غير مهندم بطريقةٍ مقززة تحمل شكوك تجاهه:
_البنت حامل، ولو حضرتك فاكر انك جيت هنا عشان تحل الموضوع ده فتبقى غلطان انت في مكان محترم..
شكوكها ربما بمحلها فماسة تبدو كالطفلة الصغيرة وخاصة حينما خسرت من نصف وزنها تقريباً، والحلوى التي تتناولها وطريقتها بالحديث أضافت لها طفولة بعد بلوغها، فظنت تلك الطبيبة ومن بالخارج بأنه يستغل مرض تلك الفتاة، وبالطبع الحديث المسيء التي القته على مسمعه لم يكن من السهل على رجل شرقي، صعيدي تقبله بمنتهى البساطة، لذا ثارت حدقتيه في زقاقٍ مروع، فنهض عن مقعده قائلاً بحدةٍ:
_اللي قاعدة قدامك دي تبقى مراتي على سنة الله ورسوله..
وألقى بملفها الذي يحمل تفصيل دقيق لحالتها بوجه الطبيبة ثم استطرد بلهجة خشنة:
_لولا انك واحدة ست انا كنت ندمتك على الكلام اللي قولتيه ده.
وجذب يدها برفقٍ:
_يالا يا ماسة..
خرج من تلك العيادة وعقله مازال حبيس لتلك الكلمة التي كسرت شكوكه، بالبداية كانت مجرد شكوك ولكنها الان واقع بائس، فكيف لطفلة أن تحمل بطفلٍ أخر؟
لا يعلم كيف قاد السيارة تجاه الحديقة، فجلس على الاريكة المقابلة للارجيحة التي اعتلتها ماسة، نظراته مسلطة عليها ولكنه شارد باتجاه أخر، فأخرج هاتفه ثم طلب أحد الأرقام ورفع الهاتف اليه ينتظر سماع صوت المتصل به، فما ان اتاه صوت"آسر" حتى قال بصوتٍ واهن:
_شكوكي كانت بمحلها يا آسر، ماسة حامل!
*********
وضع "أحمد" الأكياس الممتلئة بالمؤكلات الطازجة بالمطبخ ثم قال بابتسامةٍ هادئة:
_جبتلك كل الطلبات اللي حضرتك قولتي عليها..
تناولت منه "نادين" الأكياس وببسمة ممتنة قالت:
_تسلم يا أحمد، انت عارف "بدر" راجع من اسكندرية تعبان ومش قادر يقف..
عاتبها بقوله:
_مفيش فرق بينا، هروح أشوف عمي لو محتاج حاجه عن أذن حضرتك..
رددت في ود:
_إذنك معاك يا حبيبي..
وكاد بالخروج، فتوقف محله حينما وجدها تقترب من المطبخ بالأكواب الفارغة التي تحملها، فما أن رأته حتى امتعضت معالمها بضيقٍ شديد وكأنها لم تود رؤيته، فشعر أحمد بذاك جيداً ولكنه تجاوز احساسه الدائم نحوها ثم قال بلهجةٍ شبه ساخرة:
_حمدلله على السلامة..
أجابته روجينا ببرودٍ، رغم لمساتها لسخريته الظاهرة:
_الله يسلمك شكراً..
منحها نظرة جافة وكأنما يعاتبها على جراءتها بالرد عليه وعدم اعترافها بأنها ارتكبت خطأ حينما سافرت دون إخباره، سئم معاتباتها الدائمة التي جعلته يمل من ذاته قبل أن يمل منها، لذا أكمل طريقه بالخروج دون أن يضيف حرفاً واحداً، بينما ولجت هي للداخل لتضع الاكواب، فاستوقفتها من راقبت الوضع بينهما بصمتٍ، فتساءلت بشكٍ:
_هو في حاجه بينكم يا بنتي، أحسن أحمد باين عليه انه متضايق من حاجة!
زفرت بتأففٍ شديد ثم قالت بعصبيةٍ:
_هو دايماً كده، أنا كرهته بسبب تحكماته.
بحكمةٍ ووعي تساءلت:
_طب بس قوليلي ايه اللي حصل؟
قالت بايجازٍ شديد:
_متضايق عشان سافرت اسكندرية من غير ما اقوله، عايز يفرض عليا تحكمات من دلوقتي!
ذهلت من تفكيرها الخاطئ تجاهه، فاستجمعت هدوائها أولاً ثم قالت:
_بس هو مش غلطان يا روجين، أحمد معاه حق لانه لازم يعرف كل حاجه عنك مش كلها كام شهر وهيبقى جوزك يا بنتي!
سماعها لتلك الحقيقة الملموسة جعلها تستشيط غضباً، فتهربت من هذا الحديث الذي سيفيقها من حلمها الذي يجمعها بفارس أحلامها الغامض، وكأنها ارتشفت كأس من النبذ لا تريد الافاقة منه، فاستأذنت منها قائلة:
_ورايا محاضرات كتير بكرة، تصبحي على خير.
وتركتها وغادرت لغرفتها سريعاً والاخرى تراقبها بنظراتٍ ساهمه تحاول بها التسلل لرأسها علها تفهم ما أصابها..
**********
بغرفة "حور"..
كانت ممددة على الفراش المجاور لها، تستمع اليها بحرصٍ شديد، وما أن انتهت" حور" من الحديث عن مشاعرها تجاه أحمد، حتى قالت تسنيم:
_بس كل ده غلط يا "حور"، لانه في الاول والأخر مش هيكون ليكي، واديكي نطقتي بلسانك ان فرحهم متحدد يعني تفكيرك فيه مش هيسببلك غير الوجع..
انزلقت الدمعات تباعاً من عينيها تأثراً بكلماتها الموجوعة، فخرج صوتها شبه مسموع من أثر البكاء:
_كل اللي بتقوليه ده انا عارفاه يا تسنيم، بس صدقيني غصب عني.
ثم ابتلعت ريقها على مهلٍ وهي تستطرد:
_بس اوعدك اني هحاول انساه واخرجه من تفكيري..
منحتها ابتسامة صغيرة محملة بالشفقة على حالها، فشعرت بحاجتها للإنفراد بذاتها لذا أغلقت عينيها باستسلام لنومٍ يصاحبه تفكير بالآسر الذي أسر قلبها المعقود بألف عقدة ومشوش بخوفٍ يهدده..
********
خيط الشمس الذهبي انسدل ليغطي ضوئه العالم المحيط بها، فانحدرت على تلك البقاع المتطرفة بالصعيد لتمنحها مظهر رباني مبدع، ومن بينهما منزل كبير الدهاشنة القابع بمنتصف الصعيد، فألتفت الكاميرا التي تنقل ذاك المشهد المهيب لتتسلط على الاسطبل القريب منه، حيث يجلس ذاك العاشق الذي بات قلبه يهاجمه بشراسةٍ ليجعله يفق لذاك الحب الذي ولد بداخله تجاهها، فحتى حينما يفكر بها ترسم البسمة على شفتيه القاسية، نعومة لمساته لذلك الفرس الصغير جعلته يشعر وكأنه يلامس وجهها الأبيض الرقيق، فازدادت ابتسامته الجذابة حينما تذكر ما حدث بالأمس، مازال يتذكر خوفها الشديد حينما هاجمها "همام" فتعلقت به بخوفٍ، مازال يذكر أصغر التفاصيل التي تتعلق بها، حتى ذاك اللقاء القصير قبل صعودها لسيارة عمه، نهض "آسر" عن مقعده بحزمٍ اتخذه بجدية، فصعد لظهر فرسه الجامح ليتجه ناحية المزارع، ومن خلالها سلك الطريق تجاه أرض العم "فضل"، فاتسعت ابتسامته حينما وجده يجلس بمكانه المعتاد ولجواره كان يقف رجل كبير بالعمرٍ وعلى ما بدى له بأنه من أقاربه، لا يعلم بانه من سلب النوم من أعين من أحب، وربما يكون السبب فيما سيواجهه من صراعٍ قاتل..
دنا "آسر" منه ثم قال بإبتسامةٍ عذباء:
_صباح الخير يا عم فضل..
برزت أسنان ذاك العجوز المبتسم وهو يجيبه بوقارٍ:
_صباح النور يا ولدي، اتفضل..
جلس آسر جواره فأشار فضل لمن يتابع ما يحدث قائلاً باهتمامٍ:
_ده بشمهندس آسر يا عباس ابن كبير الدهاشنة فهد بيه..
هز رأسه البغيض بتحيةٍ سريعة، ليستطرد العم فضل قائلاً:
_وده عباس نسيبي.
حياه آسر بتهذبٍ:
_أهلاً بحضرتك..
ثم عاد ليتطلع اليه بإرتباكٍ، لا يعلم بماذا سيبدأ بحديثه، فحك طرف أنفه وهو يردد:
_أنا كنت عايزك في موضوع يا عم فضل.
منحه العم اهتماماً كبيراً بسؤاله:
_انت تؤمر يا ولدي..
استجمع زمامه وهو يتحدث تلقائياً دون لف أو دوران حول الحديث المتلقى:
_أنا كنت بستأذنك أني أجيب والدي والعيلة ونيجي نطلب أيد بنتك..
رمش العم فضل عدة مرات وكأنه يحاول استيعاب ما استمع اليه لتو، فقال بتشتتٍ:
_بنتي أني!، لمين؟
ابتسم آسر ثم قال:
_أيه يا راجل يا طيب، أنا مش مالي عينك ولا أيه!
انتفض قائلاً:
_ده انت سيد الرجالة وتملى عين التخين، بس أني متفاجئ بالموضوع أنت عايز تتجوز بنتي أني!، يمكن اختلط عليك الأمر يا ولدي وتقصد حد تاني..
نهض آسر عن الأريكة المتهالكة ثم عدل من قميصه وهو يجيبه بجديةٍ:
_أنا طالب ايد بنتك تسنيم يا عم فضل، ولو مرحب بينا أجيب والدي ونيجي نزور حضرتك..
حاول النهوض هو الأخر فعاونه آسر، فردد الاخير بسعادةٍ:
_تنورونا وتشرفونا في أي وقت، احنا فديك الساعة اللي نناسب فيها فهد بيه الراجل المحترم اللي كلمته تهز الصعيد كلتها.
ربت على كتفيه وهو يمدحه:
_تسلم يا عم فضل، بكره بليل بعد العشا هنكون عندك.
وودعه ثم أنصرف والأخير مازال يراقبه بعدم تصديق، أما "عباس" فكانت عينيه تثور كبركان خمد لأعوام وحان موعد انفجاره!
**********
بشقة "يحيى"
استمع لطرقات باب شقته الغريبة، ففتح بابه ليجد من يقف أمامه طارقاً بابه بعصاه الانبوسية المذهبة، فارتسمت ابتسامته على وجهه ليحتضنه وهو يردد بفرحة:
_خال "سليم"!
احتضنه سليم هو الاخير ثم قال بضيقٍ مصطنع:
_لقيت واد أختى معيزش ينزل يسلم عليا فقولت نطلعوا ونشوفوا في ايه؟
طل" بدر"و"أحمد" و"عبد الرحمن" من خلفه، فأشار لهما بترحابٍ:
_متأخذنيش يا خال والله ما أعرف أن حضرتك وصلت، اتفضلوا..
ولجوا للداخل جميعاً، فقال "بدر" بتسليةٍ:
_وأنت هتعرف منين طول ما انت حابس نفسك هنا!
ارتسم الحزن بارزاً على تعابير وجهه، فقال:
_أنا امبارح مكنتش بالبيت انا وماسة..
سأله عبد الرحمن باستغرابٍ:
_أيوه صحيح انا روحتلك المصنع بعد العصر قالولي مشى من بدري كنت فين؟
رد عليه بألمٍ صاحب نبرته:
_كنت مع ماسة عند الدكتورة..
انتفض أحمد بلهفة:
_ليه مالها فيها أيه؟
ابتلع ريقه الجاف ببطءٍ، وقد طال صمته الذي زرع الشك بقلب أحمد تجاه تكرار فعلته، فكاد بأن يسأله مجدداً ولكن سبقه عمه حينما قال:
_مالها ماسة يا ولدي، طمنا!
وزع نظراته بينه وبين أحمد قبل أن ينطق ببطءٍ:
_"ماسة" حامل يا عمي!..
........... يتبع............ #الدهاشنة2... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
********____________*********
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الثامن عشر 18 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2...(#صراع_السلطة_والكبرياء...)..
#الفصل_السابع_عشر...
(إهداء للقارئة المميزة أمل ثروت، من أعز وأغلى القراء المثقفين على قلبي، دائماً أنتظر رأيها الشغوف بكل أعمالي، كل عام وأنتِ بالف صحة وسعادة وبتمنى لكِ الخير والصالح دائماً...)
خيم السكون على الوجوه قليلاً، وكأن بعضهما يحاول استيعاب ما تفوه به "يحيى" منذ قليل، على عكس "أحمد" الذي انتفض من محله وهو يردد بصدمةٍ:
_حامل ازاي!!!
ثم اقترب ليقف مقابله ليتابع حديثه المتعصب بغيظٍ:
_ادي أخرة عمايلك السودة، تقدر تقولي ازاي طفلة هتحمل في طفل!!.... هتقدر ازاي تتحمل مسؤوليته وهي بالحالة دي، جاوبني ساكت ليه؟
تثاقل جسديه والأخر يدفعه بعنفٍ، انقطعت لحظات الصمت المتبادلة بين من يحاول استيعاب الكلمات التي لفظ بها ابن شقيقته، فرفع عينيه تجاه الحرب المندلعة بينه وبين أحمد، وازدادت بتدخل "بدر" وعبد الرحمن الذي يحاول كلاً منهما أبعاد أحمد عنه، نهض عن الأريكة ليطرق بعصاه الانبوسية الأرضية ضربتين متتاليتين وهو يصيح باندفاعٍ:
_كفياك يا "أحمد"، معملش احترام ليا ولا لحد من اللي قاعدين!
أنساه الغضب إنه يجلس بحضرة احداً من كبار العائلة، ففور سماعه لكلمات عمه الغاضبة حرر ياقة "يحيى" على الفور، ثم تراجع خطوة للخلف قائلاً بخزي:
_أنت على رأسي من فوق يا عمي، متاخذنيش بس مقدرتش اتمالك اعصابي..
نقل "سليم" نظراته تجاه يحيى ثم قال:
_اللي حصل حصل خلاص والكلام مبقاش له فايدة، جهز نفسك يا ولدي عشان من الصبح هتتدلى الصعيد مع عبد الرحمن ووالدته، ماسة محتاجة رعاية محدش هيعرف يقوم بيها غير أمها..
ثم أشار اليه وهو يهم بالخروج:
_وإحنا كلها كام يوم وهنحصلكم، تكون حور بقت زينة..
وتركهما وهبط للاسفل، فجلس "عبد الرحمن" جوار "أحمد"، ثم ربت على قدميه قائلاً في محاولة لتهدئته:
_يمكن ده الخير ليها يا أحمد..
منحه نظرة قاسية، ومن ثم نُقلت ليحيى، ليلقيه بكلماته القاسية:
_أنت السبب في كل اللي حصلها ده، اللي عملته هيدمر بيه كل اللي عملناه زي ما أنت كنت السبب في البداية بالحالة اللي بقت فيها.
أجابه يحيى بقهرٍ اصطحب نبرته المنكسرة:
_اللي حصل كان غصب عني وأنت عارف ده كويس..
رفع حاجبيه ساخراً:
_مفيش حاجه اسمها غصب عنك، أنت اتخليت عنها في أكتر وقت كانت محتاجالك فيه..
صرخ بجنونٍ، وكأنه يحاول ان ينفي تلك التهمة الشنيعة عنه:
_محصلش، أنا مقدرتش انزل مصر بعد الحادثة اللي حصلتلها لاني مكنتش هقدر أتحمل اشوفها كده، اللي حصل كان صعب عليا أكتر ما هو صعب عليها..
ابتسامة ساخرة احتلت ثغر "أحمد" ليردد باستهزاءٍ:
_واللي وصلت ليه دلوقتي كويس!
وباندفاع أكبر صاح بصوتٍ مرتفع:
_"ماسة" كانت حاسة بالوحدة، وكانت عايزاك جنبها تتطمنها وتوسيها على موت ابنها بس أنت إخترت الهروب يا يحيى، اخترت تفضل بلندن أفضل من وجودك جنبها، ومنزلتش غير بعد الحالة النفسية اللي بقت فيها لحد الآن، ولما مديت ايدك ليها وخرجتها من اللي كانت فيه رجعت ووقعتها تاني في دايرة أكبر من اللي كانت فيها، الدكتور شرحلك حالتها كويس جداً ومع ذلك قربت منها ودي النتيجة!
لمع الدمع بعينيه، فقال بصعوبة بالحديث:
_كل اللي بتقوله ده غلط يا "أحمد"، أنا مقدرتش أكون جنبها لأني كنت ضعيف، خوفت أضعفها وحالتها تسوء أكتر، واللي حصل ده صدقني أنا معرفش عملت كده ازاي، يمكن أكون ضعفت أو مكنتش في واعيي بس الأكيد إني مش فرحان بحملها ده وأنا عارف أد أيه في خطورة عليها..
لم تتلاشى تلك الابتسامة الساخطة عن ثغره، فقال بعد سماعه ما قال:
_مش هتبطل تدور على أعذار يا "يحيى"!
تدخل" بدر"أخيراً بينهما، فدفع أحمد للخلف ومن ثم صاح متعصباً:
_كفايا بقا يا "أحمد"، مش كلنا عندنا المقدرة والقوة أننا نواجه المصايب، حاول تستوعب ده، محدش فينا شكل التاني..
نهض"عبد الرحمن" هو الأخير، فدفعه تجاه باب الخروج وهو يردد بهدوءٍ:
_تعالى نكمل كلامنا تحت..
سحب يديه بقوةٍ منه:
_مش نازل، أنا مش جبان زيه عشان أهرب من المواجهة..
لكمه "يحيى" بشراسةٍ وهو يردف بتعصبٍ:
_أنت زودتها أوي!
صوت مرتعش، باكي، تسلل لمسمعهم، فجعل الغضب يبتعد عنهما كابتعاد السماء والارض، حينما وجدوا "ماسة" تختبئ خلف الحائط وتهمس ببكاءٍ وخوف:
_"يحيى"..
ترك أحمد ياقة قميص يحيى، وابتعد عنه على الفورٍ، حتى لا يخفيها أكثر من ذلك، بينما هرع إليها حماها ليجذها لأحضانه ومن ثم حثها بأن تدلف معه للداخل وهو يردف بابتسامةٍ مصطنعة:
_مفيش حاجة، متخافيش..
تعلقت به ونظراتها تحيط بأحمد بعدوانيةٍ شديدة، بينما دفعه بدر بغضب تجاه باب الشقة:
_ارتحت! ... اتفضل إنزل بقا.
انصاع اليهما ولحق بعبد الرحمن للاسفل، فأغلق بدر الباب من خلفهما ومن ثم هبطوا سوياً للاسفل..
************
عاونتها على النهوض من الفراش، ومن ثم اتبعت خطاها لخارج تلك الشرفة التي تعدها الازهار البيضاء وأوراق النعناع المزروع بعنايةٍ على حافة أسوار شرفتها، التقطت "حور" نفساً عميق، وكأنها حُرمت من حريتها لأعوامٍ وليس لساعاتٍ قليلة، في تلك اللحظة حمدت الله الف مرة على أن الحرق لم يحدث بها اصابات بالغة، وإنما استهدف جزء صغير من ذراعيها وقدميها، استدارت برأسها تجاه "تسنيم" التي تقبض على معصمها بقوةٍ، وكأنها تخبرها بأنها رباط الصداقة القوي الذي لن يقهره الأيام مهما صار، منحتها ابتسامة مشرقة وهي تخبرها:
_الجو النهاردة جميل، والأجمل إنك خرجتي من أوضتك..
ابتسمت "حور" وهي تجيبها:
_ماما و"تالين" مكبرين الموضوع وحبسني باوضتي على السرير ال٢٤ساعة، مفيش غيرك اللي حن عليا وخرجني..
رفعت كتفيها بتفاخرٍ:
_عدي الجمايل دي..
تعالت ضحكاتها وهي تشاكسها:
_بعد وبجمع لما نشوف أخرتها.
امتزجت ضحكاتهن سوياً، فقطعهما رنين هاتفها للمرة الثالثة، اشبعت نظرات فضولها حينما قالت:
_دي ماما، مش عارفة من الصبح بترنلي ليه..
قالت مسرعة:
_طب ما تردي يمكن يكون في حاجة..
أومأت برأسها وهي تحرر زر الإجابة، لتباشر بحديثها معها، ومن ثم تبدلت معالمها للغضب الشديد، ليعلو صوتها الهادئ:
_تاني يا ماما، أنا بقيت بكره زيارات أخوكي دي عشان كل مرة بيطلع بعريس أنيل من اللي قبله..
اتاها صوتها المعاتب:
_عيب يا تسنيم قولتلك الف مرة معتيش تتكلمي بالاسلوب ده عن خالك، وبعدين أنا معرفش اذا كان هو اللي جايبه ولا مين، ما انتي عارفة ابوكي مش بيتكلم مع حد بس المرادي شكله مبسوط من العريس ده..
بضيقٍ شديد قالت:
_أكيد هو اللي جايبه ومجايبه انتي عارفاها كويس..
قالت بتأففٍ:
_الكلام ده مالوش لازمة دلوقتي، الناس جاية بكره بليل يعني تسافري باقرب وقت، بلاش تخلي ابوكي شكله وحش قدام الناس، وفي الاول والاخر محدش هيجبرك على حاجه لو معجبكيش ارفضيه..
أغلقت معها الهاتف وعلامات التذمر والضيق الشديد بادية على وجهها، فلم تكن "حور" بحاجةٍ لسؤالها عما أصابها لسماعها المكالمة كاملة، فاختارت تصبيرها بكلماتٍ أسكنتها برداء السكينة، فاستعدت للسفر بالغد حتى ترى ذاك العريس المبجل!
**********
مرت ساعة كاملة ولم يعجبها أي من ثيابها بعد، تود أن تقابله اليوم في أبهى صورة تجعل عينيه لا ترى غيرها، انتهت "روجينا" أخيراً من إختيار فستان أزرق بسيط، منحها مظهر رقيق للغاية، ومن ثم ارتدت حذائها الاسود وحجابها بعنايةٍ فائقة، ومن ثم اتجهت للجامعة والحيرة تسكن خلاياها، فحتى أنها لم تبالي بحضور محاضراتها الاساسية، بل جلست بأحدى كافيهات الجامعة وعينيها تلتفت حولها بين الحين والآخر بمللٍ، فهمست لنفسها بتذمرٍ:
_مقاليش هيقابلني أمته وازاي!
_مش مهم، لأنك قدامي طول الوقت والقرار بظهوري يعود ليا أنا..
أتاتها تلك الإجابة من خلفها، التفتت بلهفةٍ، فاتسعت ابتسامتها حينما رأته يقف أمامها باناقته المعتادة، حتى طريقته بالحديث تستهدف قلبها وعقلها معاً، سحب "أيان" المقعد المقابل لها ثم جلس مقابلها بصمتٍ تعمد ان يطول، تاركها تتأمله على استحياءٍ، وتترقب سماع ما سيقول، فأشار بيديه للنادل الذي أتى ليدون طلبه الدقيق لقهوته المفضلة ومن ثم بدأ بالحديث قائلاً:
_مكنتش متوقع إنك هتعرفي كل حاجه بالصدفة دي!
بدى الارتباك سيداً عابراً على معالمها، فرددت:
_أنا مش عايزة اتكلم في اللي فات، العداوة اللي بين العيلتين أنا وانت مش سبب فيها..
رسمت ابتسامة خبيثة معتادة على وجهه، فتساءل بمكرٍ:
_أياً كان اللي بيجمع العيلتين فعلاقتنا شبه مستحيلة يا روجينا...
وبخبثٍ استطرد:
_بعترف اني أول مرة أعجب ببنت، بس المضحك في الموضوع انها تطلع مخطوبة وبنت ألد أعدائي!...
بدون تردد ازاحت الدبلة العالقة بيدها ثم فتحت حقيبة يدها، لتلاقيها بداخلها كأنها قماشة بالية، وتطلعت اليه بتمعنٍ:
_أنا عمري ما حبيت "أحمد" ولا هحبه..
ازدادت ابتسامته الساخرة:
_وهو ده الحل من وجهة نظرك!
سألته بحيرةٍ:
_مش فاهمه تقصد أيه!
قال بعد صمت مطبق:
_قصدي إن فهد بيه عمره ما هيوافق على العلاقة دي..
اعترضت حديثه، حينما قالت:
_بابا عمره ما هيجوزني بالغصب لواحد مش بحبه، اكيد لما يعرف اني بحب واحد تاني هيوافق يجوزني ليك زي ما حصل مع "ماسة"..
ضحك مستهزئاً:
_لأي حد ممكن بس مش لأيان المغازي، اللي بينا سيل دم يا روجينا إفهمي!
انسكبت الدمعات البائسة على وجهها، فبرعت تلك الابتسامه الشيطانية بالظهور على وجهه، فقال بعد تفكيراً مصطنع:
_هو مفيش غير حل واحد مستحيل توافقي عليه.
مسحت دمعاتها ثم سألته باهتمامٍ كبير:
_حل أيه ده!
منحها نظرة عميقة برومادية عينيه المخادعة، ومن ثم قال:
_نتجوز وفي السر..
انفتح فمها بصدمةٍ، فابتسم ساخراً:
_مش قولتلك مستحيل توافقي عليه.
وزعت نظراتها بينه تارة وبين الفراغ تارة اخرى، فاستغرق تفكيرها الاحمق عدة دقائق قبل ان تجيبه بحماسٍ:
_أنا موافقة..
ابتسم بحبٍ لها، فارتخى جسده على المقعد براحةٍ وعينيه يكسوها جمرة الانتقام المشتعلة!
**********
أغلق عينيه على تلك الارجيحة التي تتحرك به بمنتصف باحة المنزل، الابتسامة تزور وجهه الوسيم ولا تفارقه، فوصال ذاك العشق على وشك ان يبدأ بينهما، يا ويلته من نظرات عينيها الفاتنة التي أغرقته بين حديقة من أشجار الصنوبر واللافندر المحبب إليه، حيائها الذي تبديه كلما التقت أعينهم في لقاء عابر دون سبق انذار او موعد محدد، عشقها ذاك الآسر وعشق القوة التي تود التحلي بها رغم ضعف جسدها الأنثوي، الذي لا يقوى على مكافحة عمل الرجال ومع ذلك جاهدت فقط لتعاون والدها، لا يعلم كم من ميزة سيكتشفها بها حينما تقترب المسافات، ولكنه يشعر بحماس القرب منها، انفلتت تلك الجملة من بين دقاته:
_قريب هتبقي ملكي يا تسنيم!
*************
انهت ذاك الرابط الذي جمعها به حينما وقعت على عقد زواجها بعدو أبيها اللدود، وربما أيضاً خسرت عدة روابط تجمعها بعائلة الدهاشنة، لا تعلم بأنها فتحت أول باب سيقودها لجحيم لا مفر منه، ومالك ذاك الجحيم من وقعت اسيرته منذ اول لقاء، اغلق المحامي الدفتر من أمامهما وهو يردف بابتسامة عملية:
_الف مبروك يا "أيان" بيه..
أجابه ببرودٍ:
_تسلم..
ومن ثم أشار لها بالنهوض فلحقت به لسيارته المصفوفة بالاسفل، فصعدت لجواره وأصابعها تعبث بحقيبتها بارتباكٍ، وزع نظراته بينها تارة وبين أصابعها، فقرب يديه الخشنة ليحتوي يديها معاً بيديه، فتطلعت اليه ببسمة اربكته لوهلة من الوقوع بحبها، فتناسى تفكيره الأحمق من جهة نظره ثم قال:
_كده مفيش حد يقدر يفرقنا يا روجينا، لانك بقيتي مراتي على سنة الله ورسوله.
ارتعش جسدها حينما استمعت لانتسابها له، فعبثت بحجابها حينما كاد بالاقتراب منها، لتخبره بتشتتٍ وخجل:
_أنا لازم أرجع البيت حالا، لإني اتاخرت..
ضيق نظراته الخبيثة، ثم اعتدل بجلسته ليقود سيارته تجاه منزلها، فاستوقفها على مسافة من العمارة، فودعته بابتسامة هادئة، وكادت بالهبوط، امسك أيان بمعصمها واجبرها على الصعود مجدداً، ثم قرب رأسه منها متعمداً إثارة رغبتها تجاهه، وبانفاسٍ لفحت وجهها قال:
_هشوفك بكره؟
بلعت ريقها الجاف بصعوبةٍ وهي تشير له عدة مرات، ثم هرولت للخارج شبه راكضة ووجهها اصبح كحبات الكرز الحمراء، فما ان اختفت من امامه حتى تخشب وجهه الذي اصطنع البسمة والحب لوقتٍ لا بأس به، ومن ثم رفع هاتفه ليردد بصوتٍ اخشونت لهجته:
_اول خطوة في انتقامي اتحققت، وقريب اوي وعدي ليكي هحققه، وبنت فهد هتكون خدامة تحت رجليكي...
************
أغلقت "فاتن" الهاتف مع ابن شقيقتها الراحلة والسعادة تكسو وجهها التعيس، فوضعت الهاتف من يدها ثم وقفت لتقترب من تلك الصورة الضخمة التي تحتل حائط غرفتها باكمله، التمعت دمعاتها وهي تتأمل شقيقتها، ومن ثم ازاحتها بشراسةٍ:
_خلاص يا ناهد نامي وارتحي يخيتي، ابنك هياخد حقك من اللي أذوكي..
اخدتها عهد عليا يوم ما شوفتك غرقانه بدمك اني اللي هياخد حقك من ولد الدهشان وهيكسره هو ابنك ايان ، ربيته على القسوة وكنت بفكره باللي حصلك عشان اللحظة اللي اشوف فيها واد وهدان الدهشان مزلول واللحظة دي مبقتش بعيدة خلاص..
الشر الذي ولد بداخل ايان لا يضاهيه شر تلك المراة التي تترقب لحظة وصول ابنة كبير الدهاشنة خادمة لقصرها، عينيها تخيف من حولها من التفكير بالشر العظيم الذي تدمره لتلك العائلة، ولكن من سيدفع تذكرة تلك الانتقام الحارق!
**********
سحبها عن الفراش ومن ثم كمم فمها، حتى يعيق صرخاتها نهائياً، وباليد الاخرى ازاح ملابسها ليستبيح التطلع لجسدها دون رحمة منه، صرخت واستنجدت ولكن صوتها قد كبت ببراعةٍ وكأنه اعتاد على التحجر بداخلها، نظرات عينيها المتوسلة تستغيث بكل ذرة انسانية بداخله ولكنها لم تجد سوى الشهوة والانحطاط، اهتز جسدها بعنفٍ ونداء خفي تسلل اليها وكأنه صوت حور يوقظها، بصعوبة بالغة فتحت تسنيم عينيها الباكية، لتجد حور جوارها توقظها بكافة الطرق وهي تهمس لها ببكاءٍ:
_حلم يا حبيبتي، متخافيش محدش هياذيكي..
هلعت وتلك الصرخة تضرب اعتاق قلبها، فنهضت مفزوعة وعينيها تفتش بالغرفة لتلتمس الامان، فما أن تأكدت بكونه حلم معتاد حتى اندثت باحضان رفيقتها تبكي بحرقةٍ على لعنة عدم النوم التي اصابتها، ذاك السكين القاتل الذي اصابها في مقتل منذ طفولتها مازال يلاحقها ولكن ترى هل سيسطيع آسر قلبها أن يحرر قيودها؟...
........... يتبع........
#الدهاشنة٢... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت..
شكراً لأرائكم وحماسكم للرواية وبتمنى الاحداث القادمة تنال إعجابكم، وبانتظار رأي حضراتكم على الفصل وبتمنى نشارك رأينا ببوست منفصل على جروب ملوك ومنشن عشان اقدر اوصله... بحبكم في الله...
#Aya.... 💙
******________________******
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل التاسع عشر 19 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2....(#صراع_السلطة_والكبرياء...)..
#الفصل_الثامن_عشر...
(إهداء خاص للقارئة المميزة "ريهام محمد"، ممنونة لتعليقاتك الداعمة لي، وأتمنى أن ينال القادم إعجابك...)
إعتلت عرشها الذهبي بكل غرور، لتفتن العالم بضياء وجهها الذهبي، فمنحتهما لمحة من التفاؤل والأمل، على النقيض لساهر الليل الطويل، لم تؤثر به نور شمس اليوم التالي، فوجهه كأنما يعكس ظلام قلبه التعيس، رفع "أيان" كأسه ليرتشف منه على مهلٍ، وعينيه تتأمل حركة المارة دون اهتمامٍ من خلف ذاك الحائط الزجاجي الضخم الذي يكسو أحدى جوانب غرفته، في تلك اللحظة بالتحديد عادت كلمات من مقتطفات الماضي لتردد بمسمعه كإنذارٍ سابق له بما سيفعله لإنتقامه
«وهدان مكنش بيطيق أبوك يا ولدي، والعداوة اللي بينتهم زادت لما امك اختارت أبوك وفضلته عن وهدان، عشان اكده قتل أبوك واغتصب امك وقتلها بدم بارد»
أغلق عينيه بقوةٍ ليتحمل ذاك الخنجر المطعون بصمامٍ قلبه، ولكنه بحاجة لتذكر كلماتها كل دقيقة، حتى لا يضعف عن خوض طريق انتقامه، عادت تلك الطعنات تتسلسل من جديد
«انتقامك من الدهاشنة مش بالدم يا ولدي، لزمن تكسر كبريائهم وتجيب مناخيرهم الأرض، الانتقام الصوح هيكون بشرفهم وخصوصاً ولد وهدان فهد!»
التهبت حدقتيه فأختفت رومادية عينيه خلف حاجز قسوته القاتمة، فأخرج هاتفه ومن ثم أرسل لها برسالة نصية، وابتسامة الشر سطعت على وجهه كونه قريباً من تحقيق مخططه..
*********
بمنزل أحد كبار الدهاشنة.
وبالأخص بمنزل مهران الدهشان (ابن عم وهدان......يعني يبقى لفهد ابن عم ابوه..)
انتظره الخادم بمكتبه ساعات طويلة، انتهت حينما فتح سيد المنزل باب المكتب، ليدلف للداخل وهو يتمتم بملامح مستاءة:
_أيه اللي جابك على الصبح اكده!
انتظره الخادم حتى جلس على مقعد مكتبه البني، ومن ثم القى عليه البشارة التي ستجعله ينال مالاً وفيراً لذاك الخبر السعيد:
_جيت عشان أقولك ان ابن المغازي نفذ خطته وخلاص اتجوز بنت "فهد"..
انتفض عن مقعده، ليتساءل بلهفةٍ:
_بتتكلم صوح يا واد؟
هز رأسه بسعادةٍ:
_سمعته بودني اللي هيكلها الدود وهو بيكلم الست" فاتن" وهيقولها إنه اتجوز بنت فهد وقريب هيجبها الثريا تخدمها..
اتسعت ابتسامة الشر على وجهه، فأسرع الى خزانته الصغيرة المجاورة لمكتبه، ومن ثم أخرج منها مبلغ طائل من المال، ليلقيه على السطح المكتب وهو يشير اليه:
_خد يا واد تستاهل، ولو عرفت حاجه تانية تجي تخبرني واصل..
ثم استطرد بتحذيرٍ:
_وحسك عينك يكشفوك وتجيب سيرتي أنت عارف ساعتها هعمل فيك أيه!
ابتلع ريقه بصعوبةٍ، فسحب المال الموجود بطمعٍ، ومن ثم غادر وهو يردد:
_متقلقش يا سيدي، محدش هيعرف بحاجة..
أشار له بالمغادرة، بينما ارتمى على مقعده بفرحةٍ عارمة، لحقت نبرته السعيدة:
_والله وهيجي اليوم اللي هشوفك فيه مزلول يا "فهد"!..
************
انتهت"إلهام" من حزم أغراض "ماسة"، فحملت حقائبها للأسفل، ومن ثم صعدت مرة أخرى لإحضارها، فتوقفت حينما رأت" يحيى"يهبط للأسفل بصحبتها، وحينما توقف أمام شقة الشباب أشار لها قائلاً:
_خدي "ماسة" ركبيها، وأنا شوية وجاي.
أومأت برأسها إليه، ثم جذبت يدها وحثتها على الهبوط، فتعلقت "ماسة" به بحزنٍ ، فطبع قبلة صغيرة على جبتها وهو يهمس لها:
_نازل حالاً، مش هتأخر..
ابتسمت له، ثم تمسكت بإلهام فهبطت بها للأسفل، أما هو فإتجه ليقرع باب الشقة، مرات متتالية، حتى فتح "بدر" الباب، فقال باستغرابٍ:
_"يحيى" أنت لسه مسافرتش؟
هز رأسه نافياً ثم ولج للداخل، ومن ثم قصد غرفة "أحمد" فكاد بفتح بابها حينما استوقفه "بدر"، متسائلاً بقلقٍ:
_في حاجة ولا أيه؟
منحه نظرة غاضبة من إيقافه له، فأخفض يديه التي تعيق تحرر الباب، ففتحه يحيى ثم ولج للداخل، ففتح أحمد عينيه بنومٍ تخلى عنه حينما وجد من يقف أمامه، فجلس باستقامة على فراشه وهو يتطلع له بهدوءٍ قاتل، بينما جذب "يحيى" المقعد القريب من الكومود ليضعه مقابله، ومن ثم جلس عليه ليتطلع له باهتمامٍ اتبعه قوله:
_أنا عارف يا "أحمد" أن سبب غضبك وكرهك ليا هو حبك وخوفك على ماسة لإنك أخوها، بس صدقني مهما كان حبك ليها مش هيكون أكتر مني..
ولعق شفتيه وهو يهم بقول جملته التالية:
_أنت مش قادر تفهم إحساس العجز، إنك فجأة تكون بتتكلم مع مراتك وفجأة تسمعها بتستغيث بيك وأنت في دولة غير الدولة، مش قادر تستوعب الوجع اللي كنت فيه وانا بحاول اوصل لحد فيكم وفي نفس الوقت خايف اقفل المكالمة الوحيدة اللي بتجمعني ييها، مش قادر تقدر وجعي وانا متلخبط ومش عارف احجز وأجهز ورقي ازاي وفي نفس اللحظة اسمع خبر وفاة ابني اللي كنا بنستناه أنا وماسة بفارغ الصبر وبنحضر لاستقباله بعد عشرين يوم، مش قادر تحس بضعفي وانكساري وحالتي اللي كنت فيها...
والتقط انفاسه بصعوبةٍ قبل ان يسترسل بحزنٍ:
_فكرك اني محاولتش انزل وأكون جنبها، حاولت أكتر من مرة بس حسيت اني لو شوفتها بالحالة دي هضعف أكتر ومش هقدر أكون سند ليها ولا حتى لنفسي، كنت محتاج وقت أقدر فيه استجمع نفسي عشان أقدر أكون جنبها، بس للاسف مكنتش أعرف إن بتأخيري ده بعرضها لحالة اصعب من اللي هي فيها،يمكن اكون السبب يا أحمد بس انا لسه بحاول أرجعها لطبيعتها ومش همل من ده...
وودعه بكلمة أخيرة قبل أن ينهض ليتجه للمغادرة:
_فأرجوك متكرهنيش بالطريقة دي...
وتركه وكاد بالمغادرة، ولكنه توقف حينما استمع لصوته الذي حجر خطاه:
_مفيش أخ بيكره أخوه، ولا نسيت إنك قبل ما تكون جوز أختي فأنت أخويا..
استدار اليه، بابتسامةٍ مشرقة، اتبعها قوله المؤكد:
_لا منستش.
نهض احمد عن الفراش ثم اقترب منه وهو يطلع للأرض بخزيٍ مما فعله طوال تلك الفترة الماضية، فقال بحزنٍ:
_أنا زودتها معاك الأيام اللي فاتت، سامحني يا "يحيى".
احتضنه"يحيى" بسرورٍ وترحاب لاعتذاره، فابتسم احمد وهو يربت على ظهره بقوةٍ، بينما التمعت عين "بدر" بالدمع وهو يتأملهما بصمتٍ واهتمامٍ، قطع صوت "عبد الرحمن" ما يحدث بالغرفة حينما قال ممازحاً:
_صباحكم، أيه ده أنا جيت في وقت مش ولابد ولا أيه؟
ثم وقف جوار بدر ليتساءل بسخريةٍ:
_مش دول اللي كانوا مقطعين فروة بعض امبارح ولا أنا بيتهيلي ولا أيه!
لكزه "بدر" بغضبٍ:
_واتصالحوا يبقوا نلم نفسنا ولا أيه؟
تعالت ضحكاته الرجولية، وهو يتابع:
_واحنا نطول يا عم، ربنا يهني سعيد بسعيدة..
كف عن الضحك حينما حاوطه "يحيى" وهو يشدد من غرس أصابعه بكتفيه:
_مش يلا يا عبده ولا لسه هتكمل وصلة الضحك والتريقة بتاعتك دي!
تنحنح بجدية وخوف مصطنع:
_أنا بقول اتاخرنا أوي..
جذبه بقوةٍ:
_طب يلا يا خفيف..
غادروا سوياً للأسفل، فرفع عبد الرحمن صوته قائلاً:
_متتساش الاخبار اللي قولتلك عليها يا احمد..
أغلق يحيى الباب ومن ثم لكزه للاسفل، فوقف "بدر"جوار "أحمد" وهو يتساءل بعدم فهم:
_أخبار أيه دي!
ببسمة ساخرة أجاب:
_بسلامته وقع لشوشته مع الأجانب وعايز يشغلني عصفورة نقل الغراميات..
انكمشت تعابير وجهه بضيقٍ شديد:
_أجانب مين دول!
علم "أحمد" ما يدور بخلده، فقال بخبثٍ:
_وده يهمك في أيه يا "بدر"، مش أنت خلاص نسيتها ولا أيه!
جز على أسنانه وهو يسأله بحدةٍ:
_متردش على سؤالي بسؤال يا "أحمد"، هو يقصد مين بكلامه ده؟
أجابه بنظرةٍ شك:
_يقصد "تالين" يا "بدر" ، مش "رؤى" متقلقش..
سكنت معالمه بحرجٍ، فمرر يديه على شعره الأسود وهو يتهرب بلباقةٍ:
_أنا بقول أروح اجهز لقمة خفيفة للفطار كده، وأهو نصحي أبوي يفطر معانا..
وكاد بالمغادرة من أمامه، فجذبه أحمد من تلباب قميصه ليشاكسه بسخريةٍ:
_مش هتخلع بالسهولة دي، قبل ما تجيب اللي في معدتك، أر وقول مخبي أيه تاني عليا..
استدار برأسه للخارج ومن ثم تطلع إليه ليهمس بصوتٍ منخفض:
_يرضيك أبويا يطلع يلاقيك ماسكني ماسكة حرامي الغسيل دي؟
هز رأسه نافياً:
_لا..
ثم استكمل قائلاً:
_بس يرضيك أنت تستغفلني وتخبي عني التقدمات المحدثة في علاقتك بالأجنبية اللي كانت شبه منتهية!
هز رأسه نافياً بتلك الطريقة:
_لا...
ثم همس له مجدداً وهو يراقب باب غرفة والده:
_بليل هحكيلك..
أومأ برأسه ومن ثم حرره، فاتجه سريعاً للمطبخ أما أحمد فابتسم وهو يهمس بسخطٍ:
_الأجانب احتلت العيلة ولا أيه!
************
بغرفة "حور"..
نهضت عن الفراش أخيراً وهي تحارب ألم قدميها كلما تحركت، ومن ثم خرجت للشرفة لتجد" تسنيم" تقف بالخارج، وحينما اقتربت لتقف جوارها وجدتها تراقب "ماسة" التي تعبث بنافذة السيارة بنظراتٍ مشفقة، ابتسمت "حور" على قلب رفيقتها الحنون، ثم قالت:
_شكلك منمتيش طول الليل!
انتبهت لها "تسنيم"، فأومأت برأسها وهي تجيبها:
_مجاليش نوم..
ثم سألتها بلهفةٍ:
_هو مفيش تطورات في حالة ماسة!
انتقلت عين"حور" تجاه ما تشير اليه، فاعتادت الحديث عن كل صغيرة وكبيرة لتسنيم حتى حالة ماسة قد قصتها على مسمعها من قبل:
_لا للأسف لسه زي ما هي، الحالة اللي عندها شكلها مطولة..
بشفقةٍ وحزن قالت:
_ربنا يشفيها ويعافيها يارب..
وعادت لتسألها مجدداً بقلقٍ:
_طب ليه عربية الاسعاف اللي واقفة دي، هي حالتها متستدعاش اسعاف ولا أيه؟
أجابتها بابتسامة مشرقة:
_لا دي لنقل والدة "عبد الرحمن" ، عمي فهد قرر إنها ترجع الصعيد وتعيش معاهم..
صمتت قليلاً تستوعب تصرفه النبيل ومن ثم قالت باعجابٍ:
_الراجل ده عظيم بجد، بالرغم كل اللي حكتهولي عنها وعن اللي عملته زمان في عيلته وسمحلها عادي كده انها ترجع تعيش وسطهم!
ابتسمت وهي تخبرها:
_عمي فهد مفيش زي طيبة قلبه، واللي شبهه بالظبط هو آسر ميتخيرش عنه في الطيبة..
لمجرد سماعها لإسمه ارتعشت خفقات قلبها خلسة، وكأنها تخبرها بتصميمٍ على ارتباطها به، فحاولت قدر الإمكان السيطرة على مشاعرها التي تكاد تقفز لتترنح في الأفقٍ، استفاقت من غفلتها القصيرة حينما اقترحت "حور"، قائلة:
_مش صحيح أنتي نازلة البلد النهاردة، ما تسافري معاهم أحسنلك من بهدالة القطر..
زمت شفتيها وهي تجيبها:
_لا، القطر معاده العصر اكون فكرت كويس.
سألتها باستغرابٍ:
_فكرتي في أيه؟
جلست على الأريكة القريبة من الازهار وهي تجيبها بتوترٍ:
_بصراحة يا حور بفكر مسافرش، أنا مش هقدر أرجع أشوفه تاني وأكيد العريس ده من مجيبه وأنتي عارفة كويس إن اللي هيجيبه اكيد زيه..
جلست جوارها وهي تجيبها بهدوءٍ:
_عارفة يا قلبي، بس متنسيش إن مهما كان مين اللي متقدملك مينفعش متكونيش موجودة لإن اللي هيحصل هيكون في وش والدك..
وربتت على يدها وهي تستطرد:
_لازم تسافري عشان شكل عمي فضل، وبعد كده ابقي ارفضي براحتك محدش هيجبرك على حاجة.
أومأت برأسها باقتناعٍ، وعقلها شارد بمن أحبته وتمنته أن يكون هو من تصبح على عصمته، وحينما ينغرس عقلها بالتفكير بذاك الامر عادت لتفق منه بأنه مجرد حلم ليس له واقع أو أمل بالتحقق!
***********
استيقظت من نومها، ففردت ذراعيها بدلالٍ، والابتسامة لم تترك وجهها من الأمس، مازالت لا تصدق بأنها تزوجت فارس أحلامها، جذبت ساقيها على جسدها ثم اسندت رأسها عليها وهي تعبث بخصلات شعرها بسعادةٍ، صفنت لدقائق مطولة ثم جذبت هاتفها تعبث به فانتفضت بلهفةٍ حينما وجدت رسالة منه، فتحتها على الفور لتجد بها عنوان عمارة قريبة من جامعتها، استغربت من محتوى رسالتها، فراسلته بسؤالٍ عن ذاك العنوان، رأى "أيان" رسالتها ولم يجيبها، فتعصبت ملامحها وهي تردد بضيقٍ:
_برضه مردش، طب أنا مش فاهمه عنوان أيه ده!
هداها تفكيرها الأحمق أن تغتسل وتذهب الى العنوان أولاً خاصة أنه قريب من جامعتها، فما أن انتهت من حمامها ارتدت فستان أسود طويل، وحجاباً زهري اللون يتماشى مع حذائها وحقيبتها الزهرية، ومن ثم ودعت نادين واتجهت للمصعد، كادت بالدخول ولكنها انتبهت لباب الشقة المقابل لها يفتح، لتجد أحمد يقف مقابلها ويتطلع لها بنظراتٍ غاضبة، ابتلعت ريقها بتوترٍ ومع ذلك رسمت ابتسامة مصطنعة:
_صباح الخير يا أحمد.
حاوطتها نظراته وسكونه الغائم يغلفه، حتى كسره بعد دقائق متعمداً:
_صباح الخير.. رايحة على فين؟
أشارت بارتباكٍ على الكتب بيدها:
_رايحة الجامعة..
قرص أرنبة أنفه برفقٍ ثم قال:
_"روجينا" مش فاضل على فرحنا غير شهر وشوية لازم نقرب فيها من بعض عشان نحاول نفهم بعض أكتر..
ارتبكت للغاية حينما ذكرها بموعد زفافها، فاسترسل أحمد حديثه بحنان تحلى به حتى يكسبها:
_أنا عارف إننا مكناش متفاهمين خالص بالفترة الأخيرة، عشان كده بفكر أننا نخرج كتير الفترة دي يمكن الامور تتحسن بينا ولا أنتي رأيك أيه؟
توترت كثيراً وتوتر لسانها الناطق بتلعثمٍ:
_معاك حق...
منحها ابتسامة أطلت جنب من وسامة وجهه القمحي، وسرعان ما بددت سريعاً حينما رفعت يدها لتعدل حجابها، فأخشونت نبرته وهو يسألها:
_فين دبلتك يا "روجينا"؟
رفعت يدها تتفحص اصبعها بتوترٍ، فبللت شفتيها الجافة وهي تبحث عن حجة مناسبة، فقالت بتلعثمٍ:
_آآه.. تلاقيني نسيتها على الحوض وأنا بغسل ايدي الصبح، لما هرجع من الجامعة هشوفها...
ثم رفعت يدها وهي تتفحص الساعة:
_همشي بقا لاني اتاخرت.. سلام..
وولجت للمصعد ومازالت عينيه تتبعها بنظراتٍ غامضة، تحاوطها شكوك بائسة حول شخصها المتغير، ولكنه حاول أن يصدق ما قالت حتى لا تتسخ صفحتها الجديدة التي فتحها لها..
**********
سعادة وفخر استحوذت على قلب كبير الدهاشنة وهو يرى ابنه الوحيد يتبعه كظله منذ الصباح، فلم يسمح للسائق بالصعود لسيارة أبيه وأخبره بأنه سيقود بذاته، فاتبعه إينما ذهب حتى الحقول والمصانع المجاورة بقنا ذهب معه، شرد حدقتي عين "فهد" به قليلاً، فمال برأسه تجاهه ثم قال بابتسامةٍ عذباء:
_متخيلتش إن هيجي اليوم اللي تكبر وأعتمد فيه عليك، وتبقى راجل صوح..
التفت "آسر" تجاهه ثم قال بمرحٍ:
_الصغير بيكبر يا كبيرنا..
ضحك "فهد" ثم قال:
_بقيت مصراوي شبه امك، بس هيجي منك..
ناطحه بمشاكسة:
_مهي المصرواية دي اللي وقعت الكبير ولا أيه!
ابتسم بهيامٍ:
_وقعته بس، دي خليته دايب فيها دوب..
أوقف "آسر" السيارة ثم قال بتعصبٍ مصطنع:
_لا يا كبير ما اتفقناش على كده، نراعي إن ابنك لسه مدخلش دنيا برضه، حس بينا يحس بيك ربنا، خف شوية من المشاعر الجياشة دي، في شاب أعزب معاك في البيت بدل ما ألم خلجاتي وأطوح بأي مكان متعرفوش توصلولي فيه..
بنظرة صارمة أشار بها تجاه المقود:
_إطلع..
بخوفٍ مصطنع قاد السيارة وهو يردد في طاعةٍ:
_تؤمر يا كبير، لو عايز تهج بأي مكان سواقك وتحت أمرك لحد بعد العشا..
ضحك وهو يردد ساخراً:
_آه قول كده بقى، بتعمل الشويتين دول عشان مشوار بليل.. متقلقش مشاغلي الكتير مش هتخليني مكنش موجود في أهم يوم في حياة ولدي..
ابتسم آسر ثم ردد بجديةٍ:
_ربنا يخليك لينا يا أبوي وميحرمنيك منيك..
ربت بيديه على ساقيه بحنوٍ:
_الكبير ميبقاش كبير لو نسى أولوياته يا ولدي، وأنت وأختك وأمك أهم شيء بالنسبالي..
ثم استطرد:
_حط كلامي في دماغك لأجل اليوم اللي هتمسك فيه مطرحي..
قبل يديه وهو يردد بضيقٍ شديد:
_بعد الشر عليك، الدهاشنه ملهاش غير كبير واحد يا ابوي..
كسى وجهه سعادة عارمة، فأشار بحزمٍ مصطنع:
_ركز في طريقك يا ولدي..
استقام بجلسته ثم اتبع ارشادات والدته حول مكان المصنع المقام حديثاً، ليقود تجاه وجهته التي كان ابيه مرشداً وسيداً لها..
************
مازالت حقيبتها موضوعة جانباً، لم تصفها بعداً، ففتحتها لتخرج فستاناً لترتديه ومن ثم أغلقتها مجدداً، لتستعد للرحيل، ودعت "تسنيم" حور ثم انطلقت لتلحق بقطارها الذي اتتقل بين البلدان ببطءٍ رغبت به، ودت بتلك اللحظة أن لا يصل لوجهتها أبداً، فكلما تخلل لفكرها ما سيحدث تلك المرة تزورها صورة لآسر، برجولته وذوقه الذي جعلها تطمئن بأن مازال هناك رجال يستحقون ما نالوه من لقب، تمنت وبأمنيتها تردد وحيرة بكونها خلقت رجلاً فربما تركها خالها الأرعن بحالها..
***********
وصلت "روجينا" للعنوان المدون، وما أن تأكدت من عنوان العمارة من البواب حتى صعدت للطابق الرابع كما كُتب لها، وزعت نظراتها بحيرةٍ بين الجرس وباب الشقة، ومن ثم انصاعت لإصبعها الذي دق لمرةٍ واحدة على الجرس، ومن ثم انتظرت على بعدٍ بترقبٍ وحيرة لمنحها ذاك العنوان، فتح شاباً الباب، وهو يتطلع لها بدهشةٍ، فسحبت الكلمات على لسانها وتخلت عنها، وقبل أن تنطق بحرفٍ وجدت صوت قادم من خلفه يأمره:
_خليها تدخل يا "علي"..
تنحى جانباً على الفور، وهو يردد بطاعةٍ:
_اتفضلي يا أنسة..
إطمئن قلبها حينما وجدت"أيان" يقف أمامها، فولجت للداخل بإرتباكٍ ازداد حينما اقترب منها قائلاً بثباتٍ:
_اتاخرتي..
رفعت كتفيها بانزعاجٍ:
_وأنا هعرف منين اللي تقصده برسالتك!، طبعك غريب وغامض..
ابتسم على كلمتها الاخيرة، فقدم لها يديه وهو يردف:
_هتتعودي..
وزعت نظراتها بين عينيه ويديه الممدودة، ومن ثم وضعت يدها بين يديه، واتبعت خطاه حتى ولج بها لشرفة العمارة التي تطل على نهر النيل، انسحبت "روجينا" من يديه، ثم ركضت لحافة السور قائلة بإنبهارٍ:
_المنظر هنا يجنن..
ثم استدارت اليه، لتتساءل بفضولٍ:
_دي شقتك صح؟
اقترب منها بخطواتٍ ثابتة، ثم وقف لجوارها وهو يهز رأسه بالنفي:
_شقتنا..
انطبع وجهها بحمرةٍ الخجل، فألهت ذاتها بالتطلع للنهر ومن ثم قالت :
_جميلة أوي..
قرب يديه من وجهها، فابتلعت ريقها بارتباكٍ حينما لامس صفحة وجهها وعينيه تتطلع لملكيتها،هامساً:
_مش أجمل منك.
كاد بأن يقترب منها، فتركته واتجهت للشرفة المجاورة وهي تتساءل بتوترٍ:
_دي اوضتك؟
قال وعينيه تتابعها:
_تحبي تشوفيها..
اكدت له بإيماءة رأسها، ففتح الباب الصغير الذي يفصلهما عنها، ومن ثم أشار لها بالدلوف، دخلت هي أولاً لتتمرر عينيها ببطءٍ شديد على ممتلكات الغرفة بإعجابٍ شديد، فنالت تلك الخزانة الزيتوتية اعجابها بما تحتويه من بذلات أنيقة للغاية، مروراً بسرحته الخاصة وأحذيته، فهمست بصوتٍ منخفض:
_ذوقك حلو في كل حاجة..
ابتسم وهو يجيبها:
_اكيد عشان كده اختارتك.
التفتت له وكأنما فتح لها سبيل الحديث عما فكرت به كثيراً، فقالت بارتباكٍ:
_اشمعنا أنا يا "أيان"؟ ، وأنت عارف العداوة اللي بينك وبين بابا!
جلد وجهه الثبات والصلابة، منحها نظرات أطالها عمداً قبل أن يجيبها:
_لما حبيتك محطتش لنفسي قيود، لا فكرت أعرف عيلتك ولا أعرف انتي مرتبطة ولا لا، كل اللي همني أيه اللي قلبي حاسه تجاهك..
حاوطتها هالة مخيفة من المشاعر الجياشة تجاه حديثه المعسول، فاقترب منها ومن ثم أزاح حجابها ليفرد خصلات شعرها الغجري، فدفن رأسه بداخله وهو يشم رائحتها،فاتبعته همسة أرجفت جسدها:
_ القدر اللي جمعني بيكِ..
ومن ثم أدارها تجاهه وهو يتأمل رعشتها تلك بابتسامةٍ ماكرة، لم تمنحه هي مبتغاه فابتعدت عنه وهي تتفحص ساعتها بصدمةٍ:
_المحاضرة!
خلع ساعتها التي بدأت تضيقه، ثم قال بضيقٍ:
_وأنتي معايا متبصيش على الوقت تاني.
ثم أشار لها والخبث يترنح بين رومادية عينيه:
_متقلقيش مفيش حاجة هتحصل من غير رضاكي، فمفيش داعي للهروب ده..
أخفضت عينيها للأسفل حرجاً، فابتسم وهو يدفعها للخارج قائلاً:
_اتغدي وهوصلك مكان ما تحبي..
أومأت برأسها اليه، فجلست على المقعد المجاور له، ووضع الخادم أصناف الطعام على المائدة، فجذبت طبقاً فارغاً وشوكة وبدأت بوضع لقمات بسيطة من الطعام، ارتشف "أيان" من عصير البرتقال من أمامه وهو يسألها دون النظر اليها:
_غريب انك مش مطبعة على عادات الصعيد؟
أجابته بابتسامةٍ سحرت عينيه:
_لإني بقضي وقت في القاهرة اكتر ما بقضيه في الصعيد..
ومن ثم ادلت شفتيها بتذمرٍ:
_بصراحة انا مبحبش العيشة هناك، بحس بالملل ويمكن ده اللي كان مخليني مش متقبلة موضوع جوازي من احمد..
توقف عن مصغ طعامه ومن ثم طالعها بنظرةٍ هلعتها وخاصة حينما أخشونت لهجته:
_ما تنطقيش باسمه تاني قدامي، اللي بينكم انتهى من اللحظة اللي مضيتي فيها عقد الجواز..
لعقت شفتيها بارتباكٍ:
_أنا اسفة مقصدتش، بس خني التعبير مش أكتر..
ثم جذبت حقيبة يدها وكتبها لتستعيد للرحيل، فجذب يدها ليجلسها مرة أخرى وهو يخبرها بنبرةٍ هادئة:
_كملي أكلك...
نظراتها المرتعشة تجاهه جعلته يمرر يديه على وجهها الناعم، ليمنحها ابتسامة نطقت وسامته:
_من طباع الراجل الشرقي انه بيغير على مراته، وأنا بالنهاية راجل صعيدي ومن حقي أغير عليكي ولا أيه؟
بسمة رقيقة رسمت على وجهها، وهي تهز رأسها، ثم استكملت طبقها حتى انتهت منه، فقالت:
_شبعت الحمد لله، هنزل بقى عشان متأخرش..
جفف يديه بالمنشفة ثم نهض ليشير للخادم، الذي اتى بجاكيته، فعاونه بارتدائه، ومن ثم جذب مفاتيح سيارته ليشير لها قائلاً:
_يلا، هوصلك بسكتي..
قفز قلبها سعادة، فاتبعته للاسفل ومن ثم صعدت لسيارته التي قادها تجاه جامعتها، فأوقفها على مسافة من باب الجامعة، حملت "روجينا" الكتب ثم ودعته قائلة:
_باي.
أمسك معصمها، فباتت تلك الحركة مقربة لقلبها، تطلعت اليه وعينيها تتساءل ماذا هناك؟ ، اخرج أيان من جازانه فيزا ثم قدمها اليه قائلاً:
_خلي دي معاكي..
تطلعت لها باستغرابٍ ثم قالت:
_مش محتاجاها، بابا وآسر بيبعتولي فلوس على طول.
عادت نظراته القاتمة لتحتل عينيه، فتناولتها منه على الفور، فقال بحزمٍ:
_انتي دلوقتي مسؤولة مني انا مش منهم.
هزت رأسها عدة مرات ثم منحتها ابتسامة اخيرة قبل أن تهبط وتلوح له بيدها، فاستند برأسه على المقعد وتفكيره يقذفه تجاه ذاك الوجه الرقيق، الذي ينيره ابتسامة أهلكت قلبه المحتبس خلف صدره القاسي..
************
توقفت السيارات تباعاً أمام منزل الكبير، فهبط الفريق الطبي الذي تولى نقل "مروج" والدة عبد الرحمن للداخل، ومن ثم هبط يحيى بصحبته وبصحبة ماسة، التي تعلقت بذراعيه كالطفل الصغير الحائر، هبط "طارق" هو الاخر، ليركض للداخل بفرحةٍ عارمة، يبحث عن والدته بسعادةٍ، ليتبعه يحيى، فما أن ولجوا للداخل حتى هرعت "ريم" تجاه ابنتها وهي تردد بحنينٍ:
_"ماسة" بنتي..
تعلقت بيديه وهي تقرب جسدها منه بخوفٍ، فمرر يديه على خصلات شعرها بحنانٍ:
_متخافيش يا حبيبتي أنا جنبك أهو..
ثم قال لها بحزنٍ:
_معلش عشان بقالها فترة مشفتكيش بس.
انهارت دموعها، فاستدارت تجاه عمر تشتكي اليه مما حدث، فاقترب منها ومن ثم احتضنها وهو يهمس لها:
_شوية وهتبقى كويسة يا "ريم"..
أومأت برأسها بتقبلٍ، ثم وقفت جوارها تتأملها بشوقٍ، هبطت" هنية"للأسفل مستندة على عكازها، وما أن رأتهم حتى قالت بفرحةٍ:
_يا مرحب بالغالي ابن الغالي..
واحتضنت عبد الرحمن بدموعٍ افاضت لتقص ما تحمله من شوقٍ تجاه ابنها الراحل، هبطت "رواية" هي الأخرى لتستقبلهما بترحابٍ، فما أن رآها يحيى حتى تساءل عن "آسر" فأخبرته بأنه بالأعلى يستعد للخروج، فصعد على الفور، ليعلم منه بأنه سيتجه لزيارة منزل تسنيم لطلبها للزواج، سعد كثيراً وصمم على الحضور معه رغم عنائه من السفر..
********
ارتجت حوائط المنزل من شدة غضب العم فضل، فالموعد المحدد لاستقبال ضيوفه قد حان ومازالت ابنته لم تصل بعد، وما زاد استيائه وصول كبير الدهاشنة وعائلته، صب "عباس" الهبة النيران ليزيد من غضب الأب تجاه ابنته، فقال بخبثٍ:
_وهي هتتعلم الادب منين وانت باعتها بلاد غريبة تنام وتاكل وتشرب بعيد عنيك، والله اعلم بتعمل ايه من وراك..
تعصب عليه العم قائلاً:
_اخرس قطع لسانك، اني بنتي بمية راجل.. وأكيد عمرها ما هتكسر كلام ابوها ولا تطلعه عيل قدام الناس..
وكأنها نصفته حينما دق الجرس ومن ثم ولجت لتقف أمامهما، فقالت بارهاقٍ بادي على معالمها:
_ركبت متأخر..
ابتسم بثقةٍ إليه ثم قال ومازالت نظراته متعلقة به:
_ولا يهمك يا حببتي، يلا غيري خلجاتك وانزلي عشان الناس تحت.
أومأت برأسها ثم صعدت سريعاً للاعلى حتى لا تمنح ذاتها فرصة لقاء ذاك اللعين، صعدت للاعلى لترتدي أول ما التقطته يدها دون اهتماماً، وكأن جسدها غادره الروح، فاتبعت والدتها للأسفل، ثم حملت منها الصينينة المملؤة بالعصائر بآلية تامة، ومن ثم ولجت للداخل، لتضع ما بيدها على الطاولة، فتخلل لمسمعها صوت مألوف اليها:
_عروستنا تعبة نفسها ليه، ما الحاجات كتيرة قدامنا أهي!
رفعت عينيها تجاه صاحب الصوت فوجدت "فهد" من يتحدث، ضيقت عينيها بصدمةٍ ازدادت حينما مرت بعينيها على الجميع، لتراه يجلس أمامها،ذاك الآسر الفاتن الذي سلبها قلبها النقي العذري، لا تعلم بتلك اللحظة السيطرة على انفعالاتها فرسمت البسمة تاجاً وارتاح بالها أماناً له... لوجوده المرتبط بأمانها المفقود... وجود آسرها!!
............. يتبع..............
#الدهاشنة2.... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت...
رواياتي كلها موجودة في
#معرض_بغداد_الدولي_للكتاب_2022 في الفترة من 19 مايو حتى 28 مايو في أرض معرض بغداد الدولي في شارع المنصور أمام مول بغداد....
وتشارك أحدث إصدارات إبداع بأفضل الأسعار والخصومات بالمعرض...
للتواصل في بغداد واتساب الرقم 00201004022774
*******______________********
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل العشرون 20 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2...(#صراع_السلطة_والكبرياء..)
#الفصل_التاسع_عشر..
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة إيمان سلطان، بتمنى أحداث الفصل تنال إعجابك يا جميلة، وشكراً من القلب على دعمك المستمر... 💙)
كسفينةٍ صغيرة خاب شراعها القوي بين أمواج البحر العتية، فباتت تائهة بين زورقة المياه المتشابهة، وبعد عناء منها أخيراً وجدت شراعها وبوصلة توجه سفينتها الضائعة، فإطمئن قلبها أماناً لما سيعاونها على النجاة، ذاك الشعور نفسه سيطر على "تسنيم" حينما التقت حدقتيها بعينيه المحببة لقلبها وعاطفتها، فشعرت وكأن من حولها مجرد غبار يتلاشى من حولها، لتبقى روحها منفردة بلقاءٍ جمعها بنفسه وروحه وعقله، ذاك الآسر سيقودها للجنون حتماً، فبات عقلها متحير لما يغلفها من أماناً بوجوده هو، لا تعلم ما الذي تريده بالتحديدٍ، ولكنها ترغب بوجوده لوجوارها بأي طريقة يختارها هو، واختار هو الأفضل لها، اختارها زوجة له... حبيبة.. سُكنة لقلبه وشريكة لروحه التي ستجمعه بها، لم يقاوم "آسر" سحر تلك البسمة المرسومة على شفتيها، حتى نظاراتها أهلكته، فود لو اقترب منها ليستطيع تأملها بدقةٍ وربما يسترق السمع لما تهمس بها شفتيها، تعلقت عينيه بها لثوانٍ استطاع أن يفهم ما تلفظ به شفتيها، نعم تنطق بألف والسين والراء تلحق بهما، مهلاً مهلاً تنطق بأسمه هو:
_"آسر".....
تمنى لو رفعت صوتها الهامس عله يؤكد ظنونه بما تلفظه، عادت "تسنيم" لواقعها حينما أشار لها "فهد" قائلاً:
_اقعدي يا بنتي، واقفة ليه؟
صوته الخشن أعادها لواقعها الذي يبدأ من تلك الغرفة وأمام تلك الطاولة، تحركت "تسنيم" بجسدها للخلف حتى استقر جلوسها على المقعد القريب منه، فبذلت ما بوسعها الا تتطلع تجاه، ولكن خانتها عينيها وكأنها لا تنتمي اليها، كالمسافرة التي حنت للقاء من هاجرته، حتى آذنيها كانت منعازلة عن الجميع، تسمع همس أصوات متمتمة ولكنها لا تفهه ما يقولون، الا حينما وقف الجميع ليتركوهما بالغرفة بمفردهما، أفشت شفتيه عن ابتسامة هادئة اتباعها قوله:
_قوليلي أيه اللي "حور" مقالتهوش ليكي عني!
ارتبكت قليلاً مما قال، فأدعت انشغالها بضبط حجابها، ثم قالت بتوترٍ:
_"حور" مكنتش بتتكلم عنك كتير..
ثم رفعت عينيها تجاهه لتسترسل بصوتٍ رقيق:
_بس الفترة اللي اشتغلتها مع حضرتك تكفي اني اعرفك وأعرف اخلاقك..
ازدادت ابتسامة "آسر" فنهض عن مقعده ثم أختار المقعد المقابل لها مع حفظ مسافة آمنة لا تعرضه للحرج من أهل المنزل:
_سهلتي عليا مهمتي، وأعتقد كده مفيش وجه اختلاف بينا..
رفعت حاجبها بدهشةٍ:
_مش فاهمه!
قرص ارنفة انفه بخفةٍ وهو يخبرها بوضوحٍ:
_يعني أنتي تعرفي عني كل خير، وأنا اللي اختارتك وده لانك بالنسبالي البنت المناسبة ليا، فكده مفيش داعي ناخد وقت نفكر في بعض، الفاصل هي فترة الخطوبة عشان تقدري تعاشريني وتعرفي العيوب اللي مقدرتيش تشوفيها كسكرتيرة ولا أيه يا ريس؟
ضحكت رغماً عنها حينما تعمد ان يذكرها بكنايتها الغامضة، فقالت بصعوبةٍ بالحديث:
_كلامك مظبوط يا بشمهندس "آسر"..
مازجها قائلاً:
_هو إحنا في مقابلة شغل يا"تسنيم"،شوية وهلاقيكي داخلة عليا بفنجان قهوة محوج!..
كتمت ضحكاتها بيدها وكأنها حرمته رؤية جمال وجهها حينما تبتسم، فاعتدل بجلسته ثم تنحنح بجديةٍ مصطنعة:
_ها تحبي تعرفي أيه عني، دي فرصتك عشان بعد كده مش هجاوبك على أي حاجة هسيبك تكتشفيني بنفسك..
خفق قلبها سريعاً حينما أضافها لمجلد حياته الاساسي، تلميحاته بأنه سيكون هناك علاقة تجمعهما أربكها، فركت اصابعها بابتسامةٍ صغيرة وعينيه لا تفارق الارض حينما وجدته يتأملها بنظراتٍ تخللت بداخلها، طرقات باب الغرفة، جعلتهما يستدورا سوياً، فما كانت سوى والدتها توزع نظراتها بينهما بسعادة لذاك الرضا والتقبل النابع على وجه ابنتها، فماذا تريد أكثر من ذلك؟ ، ابنتها ستصبح فرداً هام من عائلة الدهاشنة المعروفة، وضعت الصينية عن يدها ثم خرجت على الفور، فانتقلت نظراتهم تجاه الصينية، ثم تعالت ضحكاتهما معاً، فقرب "آسر" كوب القهوة منه وهو يشير لها بمرحٍ:
_مش قولتلك!
احمر وجهها من فرط ضحكاتها، فتاه آسر بها حتى تناسى تماماً ما يحمله بيديه، فأنسكب بعضاً من القهوة على قميصه، نهضت تسنيم لتجذب المناديل الورقية المصفوفة على حافة الطاولة، ثم سحبت منها منديل لتقدمه له قائلة:
_اتفضل..
أنفض بيديه العالق بقميصه، ثم رفع يديه ليتناوله منها وعينيه منشغلة بقميصه المتسخ، فقبض بيديه على كفة يدها الصغيرة رغماً عنه، ارتجفت اصابعها بين يديه فشعر وكأنه يحمل قالب من الجيلي المتحرك، فرفع عينيه تلقائياً تجاهها ليجدها تتأمله بنظراتٍ مرتعشة، ومن ثم سحبت يدها من يديه بعنفٍ مبالغ به، تعجب آسر مما حدث اليها حينما تلامست يديهما معاً بدون قصداً منه، ولكنه لم يعلق فمن الطبيعي لفتاة لا تجمعها علاقة رسمية بشاب ان تختبر مثل ذاك التوتر والارتباك، عادت تسنيم لمقعدها وهي تجاهد بالسيطرة على جسدها المرتعش برسم ابتسامة كاذبة على شفتيها، بينما الهى آسر ذاته عمداً بتنظيف قميصه حتى يتركها تجلس باريحيةٍ، وما أن انتهى حتى وضع المناديل بالسلة القريبة منه وهو يشير لها:
_نضف؟
أشارت له بابتسامة هادئة، فجلس باستقامة وهو يتابع:
_الحوادث دي معتادة بالنسبالي بس اللي مش معتاد في وقت مهم زي ده، تفتكري الحاجة هتخليني اغسل القميص الابيض ولا هتسامحني بإعتبار اني بعيش حدث هام!
زارتها البسمة مجدداً لتنسيها ما اختبرته من شعورٍ قاتل، فودت لو ظل يتحدث وهي تستمع اليه لأخر عمرها، انتهى ذلك اللقاء القصير حينما ولج أفراد العائلة للداخل، ليهيمون بالحديث عن الحقول ومن ثم اختتم الحديث حينما قال "فهد":
_أنت طول عمرك وأنت قريب مني يا فضل ومشفناش منك العيبة، أول ما ولدي قالي على بتك قولتله يزين ما اختارت لأني خابر كيف تربيتك...
ثم استطرد بعد لحظة من الصمت:
_ خد وقتك وشوف رد بتك، واحنا في الحالتين أهل..
انتقلت نظرات العم "فضل" لابنته وكأنه يستكشف ما بها، فوجدها تهز رأسها برفقٍ بالموافقة، رغم اندهاشه بقبولها السريع به الا انه التمس لها عذراً مجاورة فرداً من الدهاشنة بأخلاقهم السامية، سحب نظراته ليتطلع لفهد ثم قال بابتسامةٍ واسعة:
_مين العاقل اللي يأخد وقت يفكر بابن الكبير، أني اللي مربيه وعارفه زين، وإن كان على بتي فردها باين من وشها..
تطلع فهد اليها فوجدها تبتسم، فقال عمر:
_يبقى خير البر عاجله، نقرا الفاتحة...
تدخل "جاسم" بالحديث حينما قال:
_وجبل ما نقرا لازمن تعرف عادات بيتنا يا عم فضل، أنت خابر اننا مبنحبش الخطوبة تطول وكل شيء جاهز يبقى مفيش داعي اننا نطول ، يحيى ولدي اتجوز في فترة قصيرة...
أكد فهد على ما قال، حينما تابع بقوله:
_احنا نقروا الفاتحة وكتب الكتاب والدخلة يبقوا بعد شهر من دلوقت على الاقل تكونوا جهزتوا ولا أنت عندك قول تاني يا فضل!
تدخل عباس بالحديث والضيق يلحق نبرة صوته المختنق:
_ولزمتها أيه السرعة دي القيامة هتقوم ، ما يتخطبوا سنة ولا تنين يعرفوا بعض زين وبعد اكده نبقوا نعمل الفرح..
بدى بغيضٍ للجميع حتى آسر لم يشعر بالارتياح تجاهه، بينما تجاهله الكبير عمداً واستدار برأسه تجاه فضل، ليتساءل بثباتٍ:
_رأيك ايه يا فضل؟
أجابه بابتسامة هادئة:
_هو في رأي بعد كلامك يا كبير، على خيرة الله..
انطلقت الزغاريد ترفرف بارجاء المنزل ليزف خبر خطبة ابنه العم فضل من ابن كبير الدهاشنة بالصعيد بأكمله، وعلى رأسهم ثرايا "المغازية" التي اشتعلت بنيران الحقد لزيارة السعادة منزلهما بدل من التعاسة ولكن بقى وعد "أيان" برشام محفز من الصبر لشرور النابتة بداخلهما، فباتوا على يقين بأن سرعان ما ستتحول السعادة لتعاسةٍ مؤجلة!
**********
يتباهى أمامها بصفائه الدافئ، فتخللت الدموع حدقتيها وهي تتأمل ذاك القمر الذي كانت تتصف به يوماً ما، فباتت بعيدة عنه كل البعد، فرأته بتلك اللحظة بصورةٍ باهتة، ربما يحمل بقعة سوداء تعيق بياضه الناصع، كبتت "رؤى" شهقات آلامها التي تلطمها بقوةٍ، فبات الصمت هو أملها الوحيد، تمسكت يدها بحافة السور وكأنها تتشبث به ومن ثم التقطت نفساً عميق أراح وجع صدرها، لفح وجهها نسمة هواء باردة، فبعثرت خصلات شعرها بعشوائية، فتمنى من يراقبها خلسة لو مرر يديه على شعرها الناعم برفقٍ، وربما ان سنحت له الفرصة سيحتضنها خلسة، شعرت "رؤى" بأنها ليست بمفردها بالشرفةٍ، فاستدارت لتجده يقف أمامها، يتأملها بتلك النظرة الساكنة، بللت شفتيها بتوترٍ ومن ثم أعادت تمشيط شعرها بيدها، وكأنه تحاول أن ترتب شكلها قليلاً، ثم استكملت طريقها للخروج من شرفة المنزل حتى تتجه لغرفتها، اعترض "بدر" طريقها، فتساءلت عينيها عما يفعله، فتحرر لسانه ناطقاً:
_كفايا هروب من الواقع يا "رؤى"، لازم تتقبلي اللي حصل عشان تقدري تكملي حياتك..
انهمرت دمعة على خدها لتستكين لحظة قبل أن تجيبه:
_أنهي واقع فيهم، إني خسرتك؟ ولا خسرت نفسي!
وكأنها لامست ما يقتل تفكيره، فاقترب بخطاه منها حتى بات قريباً، ومن ثم لحقه صوته الهامس:
_خسارتي فارقة بالنسبالك يا رؤى؟
بللت شفتيها الجافة وهي تجيبه بارتباكٍ:
_أنت الوحيد اللي فارقالي يا "بدر"..
ثم استطردت كلماتها بدموعٍ:
_أنا عارفة إني غلطت لما شوفت نفسي واحدة منهم،بس في الحقيقة انا مش زيهم ولا شبههم يا بدر..
وازاحت دموعها وهي تحاول ان تستجمع شتاتها:
_أكتر حاجة وجعاني إني فوقت بس بعد ما خسرتك وخسرت كل حاجة، وأهمهم نفسي!
أمسك يدها بين يديه، وعينيه تحاوطها بين جفنيه، فرفعت عينيها تتطلع له بدهشةٍ وخاصة حينما قال:
_معتقدش انك خسرتيني من البداية عشان تخسريني الوقتي يا "رؤى"..
انقطعت الكلمات عن مرساها، فاستكمل بحزنٍ نبع من داخله:
_يمكن أكون نسيتك في وقت من الاوقات، بس اللي مستغربه لحد دلوقتي اني مش قادر اشوفك حزينة او مكسورة بالشكل ده، ويمكن ده اللي اكدلي انك لسه عايشة جوايا..
انفرجت شفتيها وهي تتابعه بصدمةٍ، فاردف بابتسامةٍ ساحرة:
_تتجوزيني يا "رؤى"؟
فور نطقه لتلك الجملة، سحبت يدها من بين يديه ثم هزت رأسها بجنونٍ:
_لا مستحيل ده يحصل..
ضيق عينيه بذهولٍ:
_لا انتي مش بتحبيني؟
قالت ببكاءٍ يحطم القلوب:
_أنت تستاهل واحدة غيري يا بدر...
وبلسانٍ ثقيل أوضحت:
_واحدة نقية من جوا وبره..
وتركته وهرعت باكية لغرفتها، وبقى هو يترقب ابتعادها عنه بذهولٍ..
***********
ما أن رحل الجميع حتى بدأ بمحاضراته اللازعة المعتادة، فقال بكرهٍ تخبئ خلف صوته الهادئ:
_كنها ما صدقت يتقدملها، بينها اكده تعرفه قبل سابق يا "فضل"..
علمت تسنيم ان تلك محاولة جديدة من محاولاته الدانيئة لايقاظ غضب ابيها تجاهها، ولكن قبل أن تجيبه اجابه والدها بدلاً عنها:
_وحتى لو تعرفه أيه يضايقك في كده يا عباس؟
ارتبك للهجته الصارمة التي اختارها كبداية لرده الجاف، فقال الاخير بخبثٍ:
_انا بقول يعني كنا نتأخر شوية في الرد، ما أنت شوفت بعنيك لما بتك دخلت وجفت اتسمرت قدامه وكأنها ما صدقت يتقدملها، وطول مهي قاعدة منزلتش عينها من عليه، بنات جليلة الحيا..
صعقت تسنيم مما استمعت اليه، وبكت صمتاً وقهراً لسماع تهمته الباطلة، أما فضل فصاح به بانفعالٍ:
_اخرس قطع لسانك، أنا بتي متربية أحسن ربايا، ولو مكنتش اكده مكنش الكبير جيه اهنه بنفسه عشان يطلبها لولده، مش هتيجي انت على أخر الزمن وهتعرفني تربيتي!..
ثم استدار لزوجته، ليتابع بحدةٍ:
_لمي أخوكي يا "عواطف" أني عامل حساب انه في بيتي الا وكنت طردته بوز الاخس ده..
وجذب يد ابنته وهو يشير لها بتتبعه:
_تعالي يا حبيبة جلب ابوكي..
ثم صعد بها تاركاً الاخير يستشيط غضباً بالاسفل..
**********.
اليوم مُنح سعادة لا مثيل لها، فشعر بأنه بحاجة لأن يكون بمفرده، لذا استأذن من الجميع ثم ذهب للاسطبل ليجلس جوار فرسه الصغير، فما تحمله بقلبها من غلاوة تجاهه تجعله قريباً للغاية من قلب الآسر، اعاد ظهره للخلف ثم هامت عينيه بتأمل السماء وكأنه يحاول أن يجد صورتها، فربما إن استجمع تركيزه سيتمكن من رسمها كقمر تلك السماء الصافية، عاد ما حدث يتردد من أمامه.. مقابلته لها... نظراتها اليه.. حوارهما الشيق.. ابتسامتها التي اذهبت عقله.. فابتسم تلقائياً وهو بتساءل بذهولٍ للحالة التي وصل اليها:
_عملتي فيا أيه يا تسنيم؟
***********
بمنزل كبير الدهاشنة..
اجتمعت العائلة بالطابق السفلي من المنزل، لتناول أكواب الشاي الساخنة، فشاركتهم نساء المنزل بتلك الجلسة الآسرية، جذب حديث "عبد الرحمن" و"فهد"انتباه الجميع، فانصتوا جميعاً اليهما، وخاصة حينما سأله فهد باهتمامٍ:
_مفيش بت من بنات مصر زغللت عنيك اكده..
وضع كوب الشاي عن يديه، ثم اجابه متلهفاً، وكأنه ينتظر سماع سؤال عمه الدائم له:
_بصراحة في يا عمي، بس مش من بنات مصر..
رفع حاجبيه متعجباً:
_من اهنه؟
هز رأسه نافياً ثم قال:
_أبعد شوية، أمريكا..
قالت "نواره" باستغرابٍ:
_أيه وداك بعيد اكده يا ولدي..
اجابها بابتسامةٍ واسعة:
_مش بعيد ولا حاجه يا عمتي، مهي من محيط العيلة برضوه..
فهمت "رواية" مغزى حديثه، فابتسمت قائلة:
_يا ترى بقا مين فيهم؟
نهض "عبد الرحمن" عن محله، ثم أسرع ليجلس على مقربةٍ منها وهو يجيبها:
_"تالين"..
تعالت الضحكات بين الجميع على تلهفه الواضحة، فقال يحيى بمزحٍ:
_شكل كده آسر بعملته هيجرأ ناس كتير أوي، والجواز هيدخل في العيلة زي الفيرس مش كده ولا أيه يابوي..
ضحك "جاسم" ثم قال:
_وماله يا ولدي مدام بالحلال فين الغلط!
قالت "هنية" بحماسٍ:
_خلي الفرح يعشش في الدار اللي سكنها الحزن لسنين..
لمس فهد مقصدها بغيمة الحزن التي استحوذت على عائلته منذ اللحظة التي باتت على عداوة مع المغازية، فطوفها بذراعيه ثم همس لها:
_الجاي مش هيبقى غير فرح ياما..
ملست بيدها على عبائته وهي تردد بتمني:
_يارب يا ولدي...
********
انغمس "يحيى" بالحديث المشاكس مع عبد الرحمن، الى ان استماع صوت "ريم" المستغيث به، فصعد للأعلى ليجدها تجلس باكية جوار ابنتها، وتحاول أن تطعمها او حتى تتحدث اليها، فما أن رأته "ماسة" حتى هرعت اليه، لتردد بدموعٍ طفولية:
_"يحيى"كنت فين وسبتني هنا لوحدي، أنا خايفة وعايزة اروح...
احتضنها "يحيى" برفقٍ، ثم قال:
_انتي هنا في بيتك يا "ماسة" ومع مامتك..
وأشار بيديه تجاه "ريم"، فهزت رأسها بتعصبٍ شديد:
_انا عايزة ارجع بيتنا لحور وروجينا.. مش عايزة اقعد هنا..
تعامل معها بحذرٍ شديد، فمرر يديه على خصلات شعرها بهدوءٍ:
_أنا معاكي ومش هسيبك، هنا المكان جميل أوي يا قلبي، في حدايق وشجر كتير زي ما انتي بتحبي، وكمان في اسطبل خيول مش انتي بتحبي الخيل؟
أومأت برأسها عدة هزات، فأزاح دمعاتها وهو يستطرد:
_خلاص بكره الصبح هوريكي كل ده، اتفقنا..
هزت رأسها بايماءة خفيفة، فلاحظ يحيى اشارة عمر له بالخروج، بعدما جذب ريم للخارج، فرفع الغطاء عن الفراش ليشير لها قائلاً:
_الوقت اتاخر ولازم تنامي وانا شوية وهيجيلك..
اندثت أسفل الفراش وهي تهمس له بخوفٍ:
_وعد؟
ابتسم وهو يقبل جبينها:
_وعد يا روح قلبي..
وخرج خلفهما على الفور، ليغلق باب الغرفة، ومن ثم وقف في مواجهتهما، فسألته ريم بقلقٍ:
_ليه المرادي ماسة مش متقبلة وجودنا جنبها يا يحيى؟
خمن قائلاً:
_يمكن عشان بقالنا فترة طويلة مسافرناش الصعيد... وحضرتك عارفة اننا كان لازم نتابع علاجها مع دكتورها هناك..
قتل "عمر" الشك بداخله حينما قال:
_واشمعنا رجعتم دلوقتي!
بارتباكٍ شديد قال:
_لأنها في الوقت ده محتاجة لرعاية خاصة... لأنها.. آآآ.... آآآ.... حامل..
رددت "ريم" بصدمةٍ:
_حامل!!
بينما انقلبت نظرات "عمر" لضيقٍ شديد ومع ذلك أمسك زمام أموره ليشير لريم بصرامةٍ:
_روحي اوضتك..
لم تجادله بما قال وتوجهت لغرفتها على الفور بينما سأله بثباتٍ:
_ازاي ده حصل؟
تهرب من التطلع لعينيه وهو يجيبه باحراجٍ شديد:
_غصب عني يا عمي، أنا عارف اني وعدتك اني هحميها حتى من نفسي بس صدقني مآآ..
انقطعت كلماته حينما اشار له بالصمت ليسبقه بالحديث:
_متشرحش اللي حصل يا ابني، أنا عارف انه اكيد غصب عنك وبالنهاية دي مراتك مغلطتش مع حد غريب...
ثم ربت على كتفيه قائلاً :
_ادخل نام انت راجع من السفر تعبان...
وتركه واتجه لغرفته، فظل محله قليلاً ثم ولج لغرفته هو الاخر..
************
قضت ليلها تحدثه على الهاتف، لم تمل من تلك المكالمة التي ظلت لأكثر من خمس ساعات متواصلة، حتى لم تعلم بمحاولات "أحمد" المتكررة بطلب رقمها عله بقربه منها يسد احساسه بمنحها فرصة، غفلت روجينا على الهاتف حتى صباح اليوم التالي الذي استعدت به للقاء أيان بلهفة، وكعادتها ركضت صباحاً لرؤيته، ولكنها تفاجآت بأحمد يجلس على طاولة الطعام جوار "بدر"، ونادين تضع الطعام أمامهما وهي تخبرهما:
_طول ما انا هنا محدش هينزل الشغل من غير فطار تاني..
واشارت لتالين قائلة:
_ روجينا جيت أهي، نادي لرؤى وحور يلا..
أومأت برأسها بإيماءة خفيفة ثم ولجت للداخل لتويقظ كلاً منهن.
أشارت "نادين" لروجينا قائلة:
_واقفة ليه يا بنتي ما تقعدي يالا الاكل هيبرد..
قالت بربكة بادية على معالمها:
_مش جعانه يا طنط ولازم أنزل عشان البنات مستنيني..
نهض احمد عن الطاولة ثم لحق بها للخارج، فتأمل الطريق من حوله حتى يضمن خصوصياتهما، ليسألها بحدةٍ:
_طول الليل بحاول اكلمك وموبيلك مشغول، كنتي بتكلمي مين كل ده؟
أتت لها على طبق من ذهبٍ، لتتحجج بصوتها المرتفع، المتعصب:
_هكون بكلم مين يعني، أنت قصدك أيه يا أحمد؟
غامت حدقتيه غضباً، فجز على أسنانه:
_لما تكلميني صوتك ميعلاش عليا، تصرفاتك كلها مبقتش عجباني.. ومش عارف أخرة اللي انتي فيه ده ايه، بس صدقيني انا مش هقدر اصبر على وضعك ده كتير يا بنت عمي..
ثم تركها وولج للداخل مرة أخرى، فجلس على مقعده من جديدٍ، خرجت حور تستند على يد "رؤى" لتتجه معها لأقرب مقعد، لا يعلم ما الذي اصابه بتلك اللحظة بالتحديد، خفق قلبه وكأن هناك صاعق كهرباء ضربه بمقتلٍ، ذاك الشعور الغريب يجتاحه حينما تكون هي قريبة منه، رفع رأسه ليتأكد من ظنون حدسه فتعجب حينما وجدها تقترب منه، صفن بها قليلاً فالتقطت عينيها تقلص وجهها المتألم جراء خطاها الذي يؤلمها، غصة أذابت سعادة قلبه فود لو نهض ليحملها لمقعدها، أما بدر فحرص على خطف نظرات سريعة لمن تتهرب لقاء عينيه، جلست "حور" مقابله فسألها باهتمامٍ:
_عاملة ايه دلوقتي؟
ابتسمت وهي تجيبه:
_الحمد لله يا أحمد بقيت احسن كتير على المرهم اللي أنت جبته... شكراً لاهتمامك..
ابتسامتها تلك انعشت قلبه المتألم، فمنحها ابتسامة صغيرة، واستكمل طعامه، أما بدر فخاصرها بعينيه كلما هربت من لقاء عينيه، فقال بصوتٍ رخيم:
_مقولتليش رأيك يعني يا أحمد في العروسة اللي قولتلك عليها..
انكمشت معالمه بعدم فهم، ولكن نظرات ابن عمه اعلمته مخططه الجنوني، فكبت ابتسامته وهو يجيبه بنبرة اخشونت قليلاً:
_لا بجد ذوقك مية مية يا بدر، واهلها هيرحبوا بيك اوي..
رفعت رؤى عينيها تجاههما بصدمةٍ ملحوظة للجميع وبالأخص نادين التي تابعت حديثهما الماكر من خلق الستار، وجدها تحتبس دمعاتها داخل عينيها، وكأنها أعز ما تملك بتلك اللحظة ومن ثم لم تحتمل سؤال حور المهتم لمعرفة تلك العروس المحظوظ، فتركت طاولة الطعام ثم هربت لغرفتها باكية، لتجد شقيقتها تفتح باب الشقة الطارق لتجد أمامها اخر من توقعت رؤياه!
............. يتبع.............
#الدهاشنة2... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
*********__________***********