تحميل رواية «الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
_تقدري ببساطة تخرجي من هنا وتروحي لكبير الدهاشنة فهد بيه أبوكي المحترم وتقوليله بنتك المصون غلطت مع ابن أكبر عدو ليك وحامل منه يمكن يلاقيلك حل وأهو يفكه من مشاكل الصعيد وناسها ويركز مع عياله شوية.. انسدل الدمع على وجنتها فرددت بصوتٍ شاحب كحالها: _أنت بتقول ايه يا "أيان"، أنت عارف بابا ممكن يعمل فيا ايه لو عرف حاجة زي كده!.. ابتسامة باهتة رسمت على وجهه، فأدار مقعد مكتبه الاسود بتلذذٍ عجيب وهو يجيبها: _عارف وهو ده اللي أنا عايزه أكسره هو ابنه وأحط مناخيره في الارض.. كبتت" روجينا"شهقاتها وهي ت...
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2... (#صراع_السلطة_والكبرياء..)...
#الفصل_العشرين.....
(إهداء الفصل للجميلة "ميارا كوكي"، شكراً جزيلاً على دعمك المتواصل، وأتمنى من الله أن أكون دائماً عند حسن الظن... 💙)
صدمتها بمن يقف أمامها كان تفسيرها غريباً، فلأول مرة منذ زمناً يلحقهما لمصر، وبالرغم من انقباض قلبها الا أنها ابتسمت مرددةٍ:
_بابي!
التفت "بدر" تجاه الباب، فنهض عن مقعده مسرعاً ليقابله بترحابٍ:
_حمدلله على السلامة يا خالي، مش كنت تعرفنا كنا نستقبلك في المطار..
صمته المطول كان مخيف لبناته وخاصة "تالين" التي تراقب نظرات أبيها الغاضبة متسلطة على شقيقتها الصغرى، بدت الامور غير مفهومة لها وخاصة بوجوده، فقبل أن تسافر لمصر أرادته أن يصطحبهما بشدةٍ، ولكنه أعتذر منها وأخبرها بأنه لديه الكثير من العمل الذي لم ينجز بعد، إذاً ماذا حدث؟
خرجت "نادين" من المطبخ، حاملة أكواب الشاي الساخنة فتهللت تعابيرها حينما وجدت ابن عمها يقف أمامها بعد غياب دام عشر سنوات بأمريكا، فوضعت الصينية عن يدها ثم اقتربت منه قائلة بفرحةٍ:
_"خالد"، ايه المفاجأة الحلوة دي، اوعى تقول أن ريماس معاك!
تعجب الجميع من صمته وتجاهله لترحاب الجميع به، وفجأة تحركت يديه لتهوى على وجه "رؤى" بصفعةٍ قوية أطاحت بها أرضاً من شدتها، تاركة الجميع في حيرةٍ مما يحدث، وخاصة حينما انحنى ليلوي خصلات شعرها بين يديه وهو يصيح بانفعالٍ شديد:
_أخر حاجة كنت اتوقعها ان انتي اللي تجيبي رأسي الأرض، أنا اللي عمري ما حد جرأ بس انه يرفع عينه في عيني..
أسرع أحمد تجاه ليردد بصدمةٍ:
_طب ممكن حضرتك تهدأ بس عشان نعرف في ايه..
أما بدر لم ينتظر ذاك الهدوء الذي سيفتك بمن أحبها، لذا أسرع بالتدخل ليحيل بينه وبينها، ومن ثم فصل خصلات شعرها عن يديه، قائلاً بتعصبٍ:
_سبها يا خالي، هي عملت ايه لكل اللي انت بتعمله ده..
انقطع الحديث بينهما حينما خرج "سليم" من الشقة المقابلة لهم وهو يردد بذهولٍ:
_في أيه، صوتكم عالي كدليه؟
فتقوس حاجبيه بدهشةٍ:
_"خالد"، انت ادليت مصر متى!
وتحولت نظراته لابنه الذي يحاول تخليص رؤى عن ابيها، فردد باستغرابٍ:
_في أيه؟
جلس خالد على اقرب مقعد ويديه تحتضن رأسه بانكسارٍ:
_بنتي فضحتني فضيحة ملهاش اول من أخر يا سليم..
صعق لما استمع اليه ولكنه تساءل بثبات:
_فضيحة ايه اللي بتتحدت عنها دي!
ارتعشت أصابعها المتشبثة بملابسه، وهي تردد بصوتٍ يكاد يكون مسموع:
_أنا معملتش حاجه!
رفع عينيه تجاهها بنظرةٍ قاسية ومن ثم اخرج هاتفه، ليعبث بازراره قليلاً ثم سلطه بوجهها قائلاً:
_اتفرجي وشوفي، وعايزك تتخيلي الفيديو ده على كام موقع اباحي، وفكري برضه لما مامتك تشوف الفيديو ده هيجرالها ايه؟
الجميع في حالة من الصمت يدمجها صدمة قاتلة لما تفوه به، أما هي فبمحرد رؤياها لذاك الفيديو الذي تخطت مشاهداته النصف مليون مشاهدة، انقبض قلبها قبضة الموت، وانحبست رئتيها خلف حاجز قوي منعها من التتفس، فوزعت نظراتها بين الفيديو وبدر الذي تتشبث بقميص الرومادي، فهو الوحيد من استطاع رؤية الفيديو لقربه منها، تطلعت له بانكسارٍ استطاع ان يلمسه بنظراتٍ القهر التي غلبتها، اخر ما توقعته ان ما حدث بينها وبين ذاك اللعين صوره على مقطع فيديو كان بمثابةٍ خنجر طعنه بمنتصف قلبها الجريح، ربما تمكن هو من رؤية حالتها التي تصدق على قولها حينما اخبرته انها لم تكن في حالتها الطبيعية بل مغيبة عن الوعي، ولكن ما الحاجة لأن يصدقها ويشاهدها بذاك الوقت ملايين من المجردة قلوبهما من الرحمة، شعرت وكأن العيون تفتت لحمها المخبأ خلف فستانها الطويل، فاستغلت انشغالهما بالحديث وتوجهت للمطبخ القريب منها، جذب "سليم" الهاتف من ابنه ثم القى نظرة واحدة تمكن بها اختصار ما حدث، ليغلقه سريعاً ثم وجه حديثه لخالد:
_بتك واضح زي الشمس انها مش في واعيها، الكلب ده اللي لازمن يتحاسب..
لمعت عينيه بالدموع وهو يردد بسخريةٍ:
_ده كان رده على نفس الكلام اللي قولتهوله قبل كده، ومصدقتوش لما قالي هردلك اللي عملته ده بس اخر حاجه توقعتها انه يردهالي في بنتي يا سليم.
جلس جواره ثم قال:
_لا فهمني اكده انت تقصد أيه، ومتقلقش هنجيبه وهنربيه حتى لو كان في بطن امه..
أجابه بحزنٍ:
_الانسان الزبالة اللي انت شوفته في الفيديو ده، وصلنا في السفارة اكتر من شكوة عنه، وكلها أوسخ من اللي قبلها، روحتله واديته اكتر من انذار بس معملش بيه فمكنش قدامي غير اني اخد اجراء قانوني ضده، وبعدها قالي بالحرف زي ما قولتلك كده، ودلوقتي بس عرفت هو كان يقصد ايه..
ثارت حدقتيه حقداً تجاه هذا اللعين، فردد بدر بصوتٍ خشن:
_الحيوان ده لازم يدفع تمن اللي عمله، عشان يعرف ان الله حق..
أيد أحمد ما قال:
_ومش بس كده لازم يتصور في وضع مهين عشان ميجرأش ينزل الفيديو اللي معاه ده تاني..
كاد سليم ان يقترح ما لديه، ولكن سرعان ما تبدد ما برأسه حينما استمع لصرخات حور:
_يا بابـــــــــــا، يا بــــــــدر.. الحقوني..
ركضوا جميعاً تجاه مصدر الصوت القادم من المطبخ، فوجدوا "رؤى" تقرب السكين من قلبها وعلى وشك أن تغرسه بصدرها، صاحت تالين ببكاءٍ حارق:
_أوعي تعملي كده يا رؤى، انتي مالكيش ذنب في اللي حصل..
لم تسمح لأي صوت يؤثر بقرارها النهائي، فكادت بأن تغرس السكين متجاهلة ما استمعت اليه، بتلك اللحظة لم يبالي "بدر" بأن يكشف ما خبئه بقلبه لأعوامٍ، كل ما أهمه انقاذها من موتٍ سيستهدف قلبه هو قبل أن يصل لها، لذا اندفع بجسده تجاهها ثم مد يديه في تجاه السكين ليهمس بأنفاسٍ متقطعة:
_"رؤى" أنا عارف ان اللي حصل ده انتي ملكيش ذنب فيه، أنا عندي ثقة كبيرة فيكي، عشان خاطري ارمي السكينة..
صوته اتنشلها من هلاك أعصابها المدمر، فرفعت عينيها الباكية تجاهه ثم قالت ببكاءٍ:
_أنا لو ندمت في حياتي كلها فندمت اني بعدت عنك يا بدر، دمرت حياتي بايدي وتسامحك معايا بيقتلني أكتر..
لمعت دمعة حنت لها بعينيه، وهو يجيبها:
_سامحتك لانك ندمتي على اللي عملتيه ومكنش بمزاجك، بلاش تظلمي نفسك لتاني مرة وارمي السكينة... عشان خاطري..
كانت مفاجأة صادمة لأغلب من يقف بالخلف وخاصة "سليم" و "خالد"، فكانت تلك المرة الاولى التي ينكشف سر حبهما علناً، استغل"بدر" شرود عينيها به، وقيد يديها معاً بقوة يديه المفتولة ومن ثم أشار لأحمد بحزمٍ:
_شيل منها السكينة يا أحمد..
على الفور تحرك أحمد ليحاول جذب السكين المحتبس بين لائحة يديها التي يشدد بدر من انغلاقها حتى لا تؤذي نفسها، حاول أحمد جذب السكين عن يدها وبالفعل نجح بعدما جرح يديه هو في محاولاتٍ صد حركات جسدها المندفعة ولكنه نجح بالاخير، استسلمت رؤى لذاك الظلام القاتل الذي يبلعها فمنحته نظرة مطولة ومن ثم ارتخى جسدها بين يديه، فحملها وخرج بها للاريكة بالخارج، فما ان وضعها حتى هم ابيه بالاقتراب منه وهو يتساءل بصرامةٍ:
_ايه اللي سمعناه ده!
انتصب بدر بوقفته وهو يجيبه دون خوف:
_الحقيقة، أنا ورؤى بنحب بعض ومتفقين على الجواز...
امتلأت أعين الجميع باسئلة لا حصر لها، فقطع شكوكهما حينما استطرد:
_واللي حصلها ده انا عارفه هي حكتلي كل حاجة..
وبعزمٍ قاتل اضاف:
_وأنا اللي هرجعلها حقها لحد عندها، والكلب ده محدش هيقطع رقبته غيري..
بدت نادين غير راضية على قرار ابنها، ولكن كما تعلمت الصمت هو السائد للنساء بحضرة حديث الرجال الصارم، لم يعارض سليم قرار ابنه حينما رأى حبها بارز بعينيه، ربما لانه يعلم بأن ابنه عنيداً للغاية لذا دع القرار له وحده، أما أحمد فانسحب لشقة الشباب ليجد ما يضمد به جرح يديه الغائر، فما أن ولج للداخل حتى وجد طرقات خافتة على باب الشقة المفتوح، فترك ما يفعله وخرج ليجد حور تقف مقابله باكية، فدنا منها وهو يتساءل باسترابةٍ:
_حصل حاجة تانية ولا ايه؟
أشارت له بالنفي ثم أخرجت حقيبة الاسعافات الاولية من خلفها وهي تردد بلهفةٍ:
_أنت نزفت جامد، لازم نطهر الجرح..
ضيق عينيه تجاهها بذهولٍ، فتصارع الاحداث التي مروا بها منذ قليل جعلت الجميع في حالة من التشوش فلم يلاحظ أحداً ما تعرض له من اصابة الا هي، تجاهلت حور شروده واقتربت بخطوات غير منتظمة منه لتجذب يديه المجروحه ثم ضمدت جرحه بحرصٍ من الا تلامسه فتزيد من وجعه، أما هو فكان شارد للغاية بتصرفها الذي ابدى اهتماماً به، وقدومها اليه رغم تضرر قدميها من شدة الحريق، ذاك ما جعله حائراً فيما يحدث معهما!
**********"
لم تنتظر هبوط المصعد من الطابق الاخير إليها، دفعها شوقها لرؤياه لصعود الدرج بسرعةٍ ادهشتها هي شخصياً، فما أن وصلت للشقة حتى دقت جرس الباب مرات عديدة، فتح "أيان" باب شقته ليجدها تلهث بأنفاسٍ مسموعة للغاية، فسألها ساخراً:
_الاسانسير عطل!
ابتسمت وهي تجيبه بصوتٍ متقطع:
_لا بس باله رخم..
ضحك وهو يشير لها:
_هتقدري تدخلي ولا آآ..
رفعت جفنيها بدهشةٍ:
_ولا أيه!
أجابها على سؤالها حينما حملها بين ذراعبه، ليدفع الباب بقدميه، رفعت روجينا يديها حول عنقه تلقائياً، فتقابلت عينيها برومادية عينيه التي الهبت مشاعر حبها الخفي تجاهه، تراجعت براسها القريب منه للخلف وهي تهمس بحرجٍ:
_بتعمل أيه!
رسم بسمة جانبية ماكرة:
_بساعدك!
تسارعت نبضات قلبها فباتت مسموعة بشكلٍ واضح، صعد بها أيان الدرج للاعلى، فتسائلت بترددٍ:
_أنت رايح على فين؟
أجابها وعينيه متعلقة بالنظر لشفتيها:
_أوضتي.... في حاجة حابب انك تشوفيها..
على الرغم من توترها الا أن الفضول زارها لرؤية ما يتحدث عنه، وصل بها أمام غرفته المغلقة، فتركها لتقف على قدميها، ثم استند بجسده على الحائط القريب منه، ليربع يديه أمام صدره بسكونٍ، وزعت روجينا نظراتها بينه وبين الباب الملغق بعدم فهم فغمز بعينيه تجاه مقبض الباب، ادراته روجينا ببطءٍ ومن ثم ولجت للداخل لتقف محلها بانبهارٍ، حينما وجدت صفوف مزينة من كؤؤس الشمع الملونة تزين الغرفة، ويغطيها بعض من ورقات الزهرات الحمراء، وعلى الفراش قلب من بتلات الزهور البيضاء بها علبة قطيفية حمراء اللون ولجوارها فستان أبيض قصير، متطرز بشفون يزين فتحة الصدر، اقتربت من الفراش لتجذبه وهي تتأمله باعجابٍ شديد، ثم رفعت عينيها تجاه من يقف خارج الغرفة يستند على الحائط ويتأملها بنظراتٍ غامضة ختمت بكلماته المقتصرة:
_البسيه..
وجذب باب الغرفة ليغلقه، فمنحها مساحة خاصة بها، احتضنت روجينا الفستان ثم جلست على الفراش وهي تردد باحراجٍ شديد:
_هلبس ده ازاي، ده قصير اوي!!
خبأت رأسها بالفستان وهي تهمس لذاتها:
_أكيد بيستناني بره!
زفرت على مهلٍ وهي تخبر ذاتها:
_اهدي يا روجين، ده جوزك!
ثم حملت الفستان وولجت لحمام الغرفة لتبدل ثيابها لذاك الفستان الانيق، ثم تركت العنان لشعرها الطويل يتدلى من خلفها بانسيابيةٍ، تسلل لمسمعها صوت ابموسيقى الهادئة النابع من الغرفةٍ، فافرغت ما داخلها من هواءٍ عالق يعيق تنفسها، فتحت باب الحمام ثم خرجت لتقف مقابله، نظراته الرجولية المتعمقة بمفاتنها جعلتها تحني رأسها للأسفل خجلاً، يدها تفرك بعضها البعض بتوترٍ ملحوظ، صوت خطواته المقتربة منها جعلت رأسها يتراقص ربكة من اقترابه، وقف مقابلها ليسد عليها الخلاء فلم يعد. هناك مفر من المواجهة بينهما، استرقت النظر اليها وسرعان ما تعود نظراتها لوجهتها، فاستمعت لصوته الرخيم يطربها:
_الجمال ده ناقصه حاجة.
تطلعت له باهتمامٍ وهي تبحث عن مغزى حديثه، فوجدته يدنو من الفراش ثم عاد حاملاً العلبة ومن ثم فتحها ليخرج منها العقد الالماسي، ليضعه حول رقبتها، ارتجف جسدها حينما تلامست أصابع يديه رقبتها الناعمة، فأطبق اغلاق قفل العقد باحكامٍ ثم عاد ليقف مقابلها، ومنحها نظرة متفحصة ختمها بكلماته الفتاكة:
_مفتكرش إن في عيون بالجمال ده.
وزعت نظراتها بينه وبين الفراغ بشرودٍ، فمد يديه لها، لم تجد مفر للهروب فسلمته يدها ليقودها بخطاه المنتظمة، ومن ثم حركها على أنغام الموسيقى الهادئة، استكانت بين يديه واستندت برأسها على كتفيه تاركة زمام امورها له، شعرت بدواره بها بأنها بعالم منعزل عن الأرض، عالم لم تختبره من قبل، لا تعلم ايعمه الضوء ام الظلام ولكنها بالتأكيد سعيدة بوجوده لجوارها، اتنشلها من عالمها الساكن، المترقب لغرامه المتوق، لعالمه هو الذي باتت الافعال تنطق هي بكلمات الحب، عشقها وعشقته بتلك اللحظات التي سلمته فيها ختم عذريتها، لتبقى له زوجة قولاً وفعلاً، وبداخلها حقيقة واحدة ساطعة كضوء الشمس أنها اختارت من احببته واختاره قلبها بمشاعرها ودون ارضاخ منها... ولكن ترى هل يستحق ما فعلته لاجله؟
**********.
رأت ذاتها ترتدي فستاناً أزرق طويل، وحجاباً أبيض اللون انار وجهها الرقيق، ومن ثم تختبئ خلف مقعد مطعم باللون الذهبي وتنتظر عودة احداهما، فما ان ولج المنتظر للغرفة حتى أخرجت ما تحمله بيدها لتغرقه بالصابون الملون وصوت ضحكاتها يغمر المكان باكمله ليتبعها صوتها المرح:
_عيد ميلاد سعيد بالصابون يا يحيى..
احتدت نظراته فركض خلفها بتوعدٍ، هرولت ماسة وضحكاتها تعلو كصوت الطائر الحر السعيد، لف يديه حول خصرها ليرفعها عن الارض ومن ثم القى بها على الفراش وهو يعاتبها بغضبٍ:
_كده تعملي فيا أنا كده!
تعالت ضحكاتها وهي تجيبه:
_مش عيد ميلادك الله، وبعدين انا عملت كده عشان افاجئك مش انت اتفاجئت!
جز على اسنانه وهو يهم بالاقتراب منها بمكرٍ:
_لا اتفاجئت وهفاجئك معايا برضه..
لم تفهم كلماته الا حينما جذب غسول الحلاقة الخاص به ليغرق وجهها بالكامل، صرخت به وهي تردد:
_لا يا يحيى، هتبوظلي فستاني حرام...
عادت للركض مجدداً والاخير من خلفها والضحك يتشارك على وجه كلاً منهما..
خرج "يحيى" من حمام غرفته يجفف شعره المبتل، فانعقدت معالمه حينما وجد ماسة غافلة بنومها العميق والابتسامة مرسومة على وجهها بشكلٍ ملحوظ، تعجب لما يحدث معها، فاقترب منها وهو يهزها برفقٍ:
_"ماسة"، حبيبتي..
فتحت عينيها بتكاسلٍ، ومن ثم انقلبت نظراتها للضيق فور رؤياه، فتساءل بقلقٍ:
_في ايه؟
قالت بطفولية:
_ماسة زعلانه منك..
ابتسم على طريقتها المحببة لقلبه، ومن ثم القى المنشفة لجواره ليسألها باهتمام:
_والبرنسس ماسة زعلانه مني ليه..
قالت بضيق:
_عشان انت غرقت فستانها الارزق كله وخليته مش نضيف، كل ده عشان بتقولك كل سنة وانت طيب..
تلاشت ضحكة يحيى تديجياً، فشرد لدقائق عبثت بهما ماسة بدميتها، لتشعر بذراعيه يهزها بقوةٍ وهو يردد بلهفةٍ:
_انتي فاكرة اليوم ده صح يا ماسة!
فاكرة يوم عيد ميلادي لما لبستي الفستان الازرق واتخانقنا مع بعض..
ارتعبت من طريقته الغريبة بالحديث، فبدى ساكناً قليلاً، وهو يحاول التمسك بثباته، ولكن امله ازداد بتلك اللحظة، رؤيتها لاحداثٍ سابقة من حياتهما معاً منحته بصيص من الامل لعودتها.... عودة ماسته الغالية!
**********
ولجت لغرفته المعتمة ومن ثم حررت ستائرها وهي تصيح به بصوتٍ عالي:
_آســر، كل ده نوووم قوم ورانا حاجات كتير النهاردة..
فتح نصف عين ليجد والدته من امامه، فقال بنومٍ:
_يا حاجه نفسيتي مرهقة ومحتاجة نوم عميق، انا بحس لما بنزل من القاهرة اني نازل في عنبر تبع الجيش والعريف بيصحيني ٦بالدقيقة... ارحميني انا زي ابنك برضه..
جذبت الغطاء أرضاً وهي تشير له بتحذيرٍ:
_عارف لو مقومتش يا آسر هجبلك الحكومة اللي بجد.. انت شكلك كده قعدتك في القاهرة نسيتك قوانين مامتك..
نهض عن الفراش بملامح منزعجة، وراح يردد في سئمٍ:
_حفظهم زي اسمي، الابيض ميتوسخش عشان تنضيفه صعب، اصحى من اول ندهة عشان زورك ميتبحش، معليش صوتي عشان بتخافي من فرق الطول بينا وبالتالي الهيبة ممكن تضيع، كل اللي بتطبخيه شيء عظيم ومينفعش اطلع فيه عيب بوجود الوالد اللي مهيصدق وهيعوم على عومي... مرضية كده يا ست الكل..
ابتسمت في فخر:
_لا انا كده تمام... بس برضه هتقوم وهتلبس عشان هننزل نجيب هدايا وشوية حاجات لزوم بليل..
رفع حاجبيه بعدم فهم:
_ليه ايه هيحصل بليل..
اجابته وهي ترتب الفراش:
_حريم البيت هيروحوا معاك عند تسنيم وكل واحده هتجبلها هدية واولهم انا يا حبيبي، دي هتبقى مرات الغالي ابني الحيلة...
اقترب منها وهو يخبرها ساخراً:
_ربنا يستر بعد البوقين دول انا خايف بس من نظرياتك المختلفة دي لتجيبني ورا، ومش بعيد العروسة تفكرني شخصية سوسو اللي ماشية ورا امها..
انكمشت تعابيرها غضبا، فاشار لها بمرح:
_اسمعي مني الناس دول ميعجبهمش غير الراجل الشديد اللي واخدها عافية..
ابتسمت وهي تجيبه بجدية نلك المرة:
_وهي هتلاقي زيك فين، ابني سيد الرجالة كلهم ولو لفت الدنيا كلها متجبش دفرك...
ابتسم هو الاخر ثم قبل جبنيها ليردد بجدية هو الاخر:
_ربنا يخليكي لينا يا ست الكل وميحرمناش منك..
عادت لصراخها المرح:
_سيبك بقا من العواطف دي وبسرعه على الحمام ورانا مشواير كتييير..
هرول تجاه حمامه الخاص وهو يخبرها:
_عشر دقايق واكون جاهز...
رفعت صوتها وهي تشير له:
_وانا هنزل احضرلك لقمة خفيفة كده عما نرجع يكونوا جهزوا الغدا.
لم يعلق على ما قالت وولج ليستعد للقاء بها مجدداً وقلبه يسبقه بكل خطوة كأنه يود ترميم شوقه المنجرف للقاء عينيها ولكن ترى ما الذي سيفعله خالها البغيض ليفسد تلك الخطبة؟!.
.......... يتبع.......... #الدهاشنة٢.... #بقلمي_ملكة_الابداع_اية_محمد_رفعت..
بتمنى توصلوا الفصل لالفين لايك تقديراً لمحهود المتابعين بصمت 🤭♥
*******__________*******"
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2...(#صراع_السلطة_والكبرياء...)
#الفصل_الحادي_والعشرون...
(اهداء خاص للقارئة المميزة حبيبة النقيطي، شكراً جزيلاً على تفاعلك ودعمك الدائم.... قراءة ممتعة💙)
انقضى ليل "تسنيم" دون رغبة منها بالنوم، فكيف ستحظى به وآسرها يشغل تفكيرها الهائم، مازالت لم تستوعب بأنه تقدم لخطبتها، حديثه المرح مازال يلاحقها، فكلما يأتي على بالها تبتسم دون توقف، فحبست ذاتها بغرفتها حتى لا يراها أحد بتلك الحالة الجنونية، ساعات مطولة قضتها على الفراش تتقلب من جانبٍ للأخر، فانتبهت لرنين هاتفها جذبت "تسنيم" الهاتف ثم رفعته لآذنيها فاستمعت لصوت حور حزين:
_أنا اسفة اني مردتش على مكالمتك امبارح، والله انشغلت مع رؤى طول الليل...
أجابتها باهتمامٍ:
_سيبك، المهم طمنيني في أيه، صوتك غريب
=أبداً، رؤى تعبت امبارح شوية، فكنت جنبها أنا وتالين طول الليل
_طب هي دلوقتي أحسن؟
=ايوه... المهم قوليلي عملتي ايه في العريس المنيل ده..
_اسكتي مش هتصدقي اللي حصل، عارفة العريس ده طلع مين؟
=مين؟
_بشمهندس آسر....
وبفرحةٍ كبيرة قصت "تسنيم" لرفيقتها ما حدث بالأمس... سعادتها برؤياه... حديثهما المتبادل فيما بينهما وأخر ما شغل ذهنها أن خالها الملعون يسترق السمع اليها، فزادت ابتسامته اللعينة حينما علم بمعرفتها السابقة به...
***********
ساعة كاملة مرت منذ فقدانها للوعي، ومازال يجلس لجوارها معارضاً لنظرات أبيه الحادة التي تأمره بالعودة لشقة الشباب، فيكفي جلوسه هو وأبيها لجوارها، تفهم "خالد" سبب انزعاج "سليم" من وجود "بدر"، فهو الادارى بطباعه الشرقية جيداً، ولكنه لا ينكر فرحته برؤية حب ابنته يكسو قلب رجلاً مثله، ليته كان اختيارها منذ البداية، لما وصلت لتلك المرحلة القاسية، نهض خالد عن مقعده ثم أشار لسليم قائلاً:
_تعالى يا سليم عايزك..
أومأ له برأسه، فاتبعه للشرقة الخارجية، ليمنح خالد بدر نظرة فهم مغزاها وخاصة بإبعاد ابيه عنه، فما أن تأكد بابتعادهما حتى أسرع ليجلس على المقعد القريب منها، فمسك يدها وهو يهمس لها بصوتٍ منخفض:
_رؤى.....
فور سماعها لصوته انهمرت الدمعات من حدقتيها، لتغرق وجهها الشاحب، فقرب أطراف اصابعه منها ليزيحها عنها، ثم قال بحزنٍ:
_لو فكرتي في الانتحار تاني هعاقبك وعقوبتي المرادي مش هتبقي تجاهلك لا هتبقى اصعب من الاول...
فتحت عينيها على مهلٍ، لتتطلع له بانكسارٍ، وبصوتٍ شحبت احباله، قالت:
_أنا عايزاك تجبلي حقي يا "بدر" ، عايزة انتقم منه وأقتله بأيدي...
مرر يديه على خصلات شعرها برفقٍ:
_هيحصل.. ومش بعيد يا رؤى... اطمني يا حبيبتي أنا جانبك ومش هسيبك، بس عايزك لحد ما ده يحصل تكوني قوية ومفيش حاجه تهزك..
أغلقت عينيها بقهرٍ، وتعابيرها تقص ما تجهل التعبير به:
_مش قادرة ارفع عيني في عين بابا ولا حد منكم، انا اتفضحت يا بدر!
التاع قلبه ألماً ومع ذلك سيطر على انفعالاته بحرافيةٍ:
_لو حقك مرجعش أبقى مستاهلكيش يا رؤى..
قاطعت "تالين" جلستهما، حينما دنت منها لتتساءل بفرحةٍ:
_رؤى فاقت؟
اتسعت ابتسامتها حينما وجدتها استردت وعيها، فجلست جوارها من الناحية الأخرى، لتعاتبها ببكاءٍ:
_كده تخضيني عليكي!..
استندت بجذعيها لتستقيم في جلستها، لتندث بأحضان شقيقتها بانهيارٍ، وجدت من يطيب جرحها بحنانٍ، فمد حبيبها يديه لها واحتضنتها شقيقتها، فما الذي ستحتاج اليه بعد الآن.... العون أحياناً من الأقرباء يدفعك للمضي قدماً دون الحاجة لسماع أقوال زائفة من أناسٍ لا يعرفون الكثير عنك، فسرعان ما سينقلبون ضدك، ربما من كلمةٍ نقلت اليهم، وربما من صورة أو مقطع فيديو كهذا، ولكن بالنهايةٍ سيظل القريب هو من يعرفك أكثر منهما، فبالتأكيدٍ لن تغره مثل تلك الشائعات القاتلة!
*********
حينما يبتعد الطفل عن أمه لوقتٍ طويل يشعر بالاضطراب حينما يراها مجدداً، فيخلق بداخله الف سؤال لا اجابة له، لماذا تركتني وابتعدت عني؟ ألم تعد تحبني مثل سابق عهدها لذا ابتعدت عني؟ هل ارتكبت خطأ لذا تخلت عني؟.... الف هاجس يهاجمه فيصبح أسير للفكرة التي ستنتصر بداخله بالاخير، هكذا كان حال "ماسة" التي تشعر بالاستياءٍ لابتعاد "ريم" عنها لما يقرب العام والنصف، تركتها لتتابع مع طبيبها الخاص وودت لو تمكنت من السفر اليها ولكن هناك مسؤوليات منعته كما منعت "رواية" من قبل، فاستكفت كلا منهما بمتابعه الاتصالات الهاتفية بهن للاطمئنان عليهم، ولكن قليل من الحنان والحب كفيل باستعادة ذكرياتها اللطيفة معها، لذا كان من السهل على "ماسة" تقبلها، فتناولت الطعام الذي قدمته لها ريم بهدوءٍ، وما ان انتهت منه حتى مسحت لها فمها بأصابعها وهي تردد بابتسامةٍ:
_الف هنا يا روح قلبي..
ابتسمت لها "ماسة" هي الاخرى، ثم قالت بطفوليةٍ:
_هتأكلي منه "حور"؟
ضحكت على صفاء قلبها الذي مازالت تتصف به، فحتى بعد تدهور حالها الا انها مازالت تكن معزة خاصة لصديقتها القديمة، فاحتضنتها وهي تجيبها:
_أول ما تاچي وأني هعملها الحلو كله..
اتسعت ابتسامتها، ثم قالت:
_ماشي... أنا هطلع ليحيى بقا..
أشارت لها بحنانٍ:
_اطلعي يا نور عيني، بس خلي بالك من السلم..
ضيقت عينيها بعدم فهم:
_ليه؟
ارتبكت من اجابتها، ولكن سرعان ما قالت بابتسامةٍ هادئة:
_عشان ما توقعيش وتتعوري، السلم اهنه واعر أوي.
هزت رأسها، ومن ثم صعدت للطابق الأول باحثة عنه في الغرفة التي قضوا ليلهم بها، ولكنها لم تجده فخرجت للبحث عنه بالخارج، سكنت عينيها الحائرة حينما لمحته يدنو من الدرج الجانبي، فأسرعت خلفه، لتتبعه للأعلى دون أن يشعر بها...
وصل "يحيى" للطابق الثاني من الثرايا، الذي أعده "فهد" للشباب بعد زواجهم، فغرفة كل شاب منهما تقبع بالطابق السفلي كغرفة "آسر" وغرفة "يحيى" التي قضى ليله بها أمس، أما الطابق العلوي فيحوي جناح خاص لكل شاب منهما بعد الزواج، ضرب قلبه عاصفة غزت قلبه فألمته حينما وقف أمام باب جناحه الخاص، وضع يديه على مقبض الباب وبداخله تردد كبير بفتحه، يتذكر أجمل أيام قضاها بصحبتها بذاك الجناح الذي شهد على عشقهما العتيق، تثاقلت انفاسه رويداً رويداً، وكأنه غير مستعد لمواجهةٍ قد تحطمه في وقتٍ تحتاج اليه معشوقته به، لذا أبعد يديه عن الجناح واستدار للعودة سريعاً، فتفاجئ بها تقف من خلفه، انفرجت شفتيه بصدمةٍ حينما رأها تقترب منه لتتساءل باستغرابٍ:
_"يحيى" بتعمل أيه هنا؟
أجابها على الفور وهو يجذبها بعيداً عن الأبواب المرصدة حتى بات بالقرب من الجناح الخاص بأحمد:
_مفيش يا حبيبتي، يلا ننزل..
اتبعته حتى كادوا بالاقتراب من الدرج ومن ثم تركت يديه وبداخلها احساس قوي بأنها صعدت هنا من قبلٍ، فأسرع تجاهها وهو يسألها بقلقٍ:
_مالك يا "ماسة"، في حاجة واجعاكي؟
لم تجيبه واستدارت للخلف حتى سُلطت نظراتها على ذاك الباب الذي جذبها بالتطلع اليه، وبالرغم من كثرة الابواب من حولها الا أن قدميها ساقتها نحوه، لتحرر بابه بيديها ومن ثم ولجت للداخل ويحيى يتابع ما يحدث بدهشةٍ، فأسرع من خلفها، ليجدها تقف أمام الحائط الذي يحمل صورتها بالفستان الأبيض جواره، انعرج حاجبيها بدهشةٍ، فرددت بتوترٍ:
_"ماسة" عندها فستان ابيض!
وقف لجوارها بخوفٍ وهو يسترجع ارشادات الطبيب المعالج له، ومن أهمها الا تعرج لذكريات قد توقعها بمنطقة محظورة من عدم تذكرها، فقبض على معصمها وهو يخبرها بخوفٍ:
_يالا ننزل يا ماسة..
وسحبها خلفه، فتركت يديه ثم ولجت لغرفة نومهما المجاورة لليفنج، فلم ترى عينيها سوى ذاك السرير الصغير المجاور للفراش، فاتجهت نحوه كالمغيبة، ففور ان لمسته يدها حتى رأت أمامها مرآة معاكسة لصورتها وهي ترتدي قميص قصيراً ابيض اللون وتمسد على بطنها المنتفخة وهي تردد بفرحةٍ:
_قريب هتشرف الدنيا يا "تيم"... وهتشوف بابا يحيى بيحبك اد ايه؟
رفعت يدها عن السرير ثم تراجعت للخلف بذعرٍ، فأمسك بها يحيى وهو يسألها برعبٍ:
_مالك؟
وزعت نظراتها بينه وبين من رأتها فوجدتها اختفت تماماً، لعقت شفتيها بارتباكٍ فانحنت بجسدها تجاهه وهي تردد بصوتٍ مرتعش:
_خرجني من هنا... أنا خايفة....
فور سماعه ما قالت، انحنى ليحملها بين ذراعيه ثم هبط بها لغرفته، فوضعها على الفراش ثم جذب كوب المياه ليسقيها، فما ان ارتشفته حتى احتضنته وهي تبكي بخوفٍ، فقال بلهفةٍ:
_فيكي ايه يا حبيبتي، أتصل بالدكتور..
هزت رأسها بالنفي، فضمها لصدره لدقائق استكانت بها، فعاد ليسألها بمهارةٍ اكتسبها بالتعامل معها:
_ماسة.... ايه رأيك ننزل نشوف الحصان الابيض اللي كان عجبك..
ابتعدت عنه وهي تشير له برأسها بحماسٍ:
_يلا..
دنا منها للغاية وهو يسألها بمكرٍ:
_هننزل بس بشرط..
قوست شفتيها وهي تردف بضيقٍ:
_ايه هو!
قال بلهفةٍ فشل بالسيطرة عليها:
_تقوليلي ايه اللي شوفتيه فوق وخلاكي خايفة كده..
اطبقت بشفتيها بخوفٍ وهي تجيبه:
_شوفت ماسة واقفة فوق وبتقولي ان "تيم" هيجي...
عدم ترتيبها بقول ما تذكرته لم يعنيه، ولكن تردد اسم ابنه الراحل جعل الحزن يبتلعه فبات كالآسير الذي لا يعي بمن حوله، نعم اتفقوا سوياً بأن يمنحوه اسم تيم، فكم كان يحترق شوقاً للحظة وصوله، فتبدد ذاك الألم فور حادثها الذي دمرهما سوياً وثالثهما طفله الذي ولد ميتاً، وبعدها خسرها هي الأخرى، خذلت دمعته عينيه، فانهمرت لتصبح ملموسة على وجهه، ليفق بعد غفلته القصيرة على رجفة يدها الناعمة المتعلقة به، ليجدها تناديه ببكاءٍ:
_"يحيى"!
أزاح دمعته سريعاً وهو يجيبها بابتسامة جاهد لرسمها:
_ايوه حبيبتي...
سألته بتأثرٍ:
_انت بتعيط ليه ماسة قالت حاجة زعلتلك..
ابتسم وهو يضمها لصدره:
_أبداً، أنا بس عيني بتوجعني..
ثم نهض عن الفراش ليشير لها:
_يلا ننزل..
نهضت هي الاخرى ثم مسكت يديه لتلحق به للخارج، فتوقف يحيى حينما اوشك على هبوط الدرج ليسأل من يقترب منه بمرحٍ:
_على فين يا عريس؟
ضحك "آسر" ساخراً:
_اوام كده خلتوني عريس... يا عم اهدى عليا انت والغجر التانين انا لسه على باب الله..
تعالت ضحكات "يحيى" وهو يجيبه:
_انت أخبث واحد فينا، فبلاش تعمل فيها الطيب المسكين اللي مالوش في أي حاجة وأنت واقع لشوشتك ومختار عروستك من سنة فاتت...
راق له مدحه المستهزأ به، فغمز له بمكرٍ:
_منك بنتعلم...
رد مستنكراً:
_لا متلزقهاش فيا انت متعلم من الكبير من قبل ما تشرف الدنيا..
_وماله الكبير يا ابن "جاسم"!
ارتعب كلاً منهما حينما استمعوا صوت فهد القريب منهما، فأشار له آسر على عنقه التي ستصبح ضحية لسانه المتطرف، استدار يحيى للخلف ثم قال بابتسامة هادئة:
_كبيرنا وكبير الدهاشنة كلها.... ده أنا بقوله يتعلم من حضرتك، وياخدك مثل أعلى...
ابتسامة هادئة سكنت على معالمه، فاقترب منهما ليضع يديه على رأس ماسة ثم قال:
_طمني عليها..
كسى وجهه معالم الحزن المخبأة خلف ابتسامته:
_بخير الحمد لله... ماشين على العلاج اللي الدكتور كتبه لينا..
التفت ناحيته ثم قال بحنانٍ:
_متيأسش يا ولدي، أنت طول عمرك صبور وبتتحمل..
رد عليه بعزيمةٍ:
_لو هفضل العمر كده مش هيأس بس تبقى كويسة..
تطلع له آسر بحزنٍ، فكم أشفق على حاله كثيراً، نعم كان الامر بالبداية صعب للغاية، حينما رفضته ماسة واختارت يحيى بدالاً عنه ولكنه حينما هدأ اعجب بشجاعتها التي انهت تلك القصة قبل أن تبدأ، فماذا كان سيحدث له حينما ترفضه زوجته لاجل رجلاً أخر؟
ربما كانت ستصبح الامور أكثر صعوبة، ولكنها ان كانت صعبة بذاك الوقت فهي أفضل الف مرة مما سيحدث بعد ذلك، وها قد عوضه الله بمن دقت اجراس قلبه الاربعة لتمتلكه قلباً وقالباً...
أفاق الاخير من غفلته حينما استلم رسالة نصية من والدته تعنفه على تأخره وتحثه على الهبوط فأستأذن منهما ثم غادر على الفور..
**********
العالم منفصل من حوله، ليس به سواه وسوى جرح يديه المصاب الذي يتأمل تلك الضمادة التي تركتها تذكاراً له، كره "أحمد" ذاته ألف مرة، وهو يراها حائرة في اختيار وجهتها، ما يشعر به تجاهها هو بالنهايةٍ ذنباً فاضح لا يقوي على تحمله، يخشى أن يعيد خطأ شقيقته، فحينها ستنتزع تلك العائلة نهائياً، وخاصة بأن شقيقته فعلتها مع "إسر" من قبل، فكيف سيعيد تلك الخطيئة مع "روجينا" مجدداً، فسيقال ابناء "عمر" لم يستطيع تربيتهم بالطريقة الصحيحة، فالفتاة كسرت قلب ابن عمها والفتى كسر قلب شقيقته، لا لن يسمح بذلك أبداً الا يكفي عمه "فهد" ما تعرض له ابنه، هل سيجعله يختبر ذاك الألم بابنته الوحيدة، لن تسمح له رجولته بذاك، بل عليه تقبل روجينا باخطائها مهما كلف الأمر، فبالنهاية هي صديقته المقربة، ولكن حتى تلك لم تعد كذلك، لم يعد يشعر بأنها تعتبره حتى صديقها، قطعت كل الروابط التي تجمعهما لتجعله حزيناً لا يقدر على اتخاذ القرار الصائب، انتبه "أحمد" على صوت باب الشقة، فخرج من غرفته ليجد "بدر" من أمامه، فأسرع إليه ليسأله بهدوءٍ:
_وصلتوا لحل؟
ارتمى بجسده الثقيل على الأريكة، ثم قال:
_مفيش حل هيداوي اللي اتعرضت له رؤى يا احمد.... يمكن لما أقتل الكلب ده بأيدي ارتاح..
جلس جواره ثم ربت بيديه على فخذيه:
_هيحصل.... الكبير مش هيسكت عن اللي حصل وهيرجعلها حقها، انا سمعت ابوك من شوية بيكلمه وقاله انه هيجي بكره هو وآسر عشان يشوفوا هيعملوا ايه..
تمرد غضباً:
_محدش هيقتله غيري...
اومأ برأسه بتفهمٍ لحالته:
_اهدى بس واللي انت عايزه هنعملوهولك..
هز رأسه بيأسٍ، فتعالت طرقات باب الشقة بقوةٍ أعلنت عن عصبية من بالخارج، فأشار له باستغرابٍ:
_شوف مين اللي بيخبط كده!
نهض "أحمد" ليفتح الباب، فاندفعت "نادين" للداخل، لتقف مقابل ابنها وهي تردد بعصبيةٍ بالغة:
_أنت ازاي تاخد القرار ده من غير ما تفكر فيه وتعرف رأينا انا وابوك ولا خلاص بقيت راجل وبتأخد قراراتك من دماغك..
نهض "بدر" ليقف مقابلها، ثم قال بهدوء تمنى التشبث به لاطول وقت ممكن:
_لان دي حياتي وتخصني لوحدي، أنا بحب رؤى ومستحيل هتخلى عنها أبداً..
اجابته باستهزاءٍ:
_وكان فين الحب ده من سنين، انت بتضحك على روحك ولا عليا يا بدر؟
جز على أسنانه وهو يجيبها:
_في حاجات بنكتمها جوانا ومش بالضرورة حد يكون عارفها.
رددت في صدمةٍ:
_أنا حد يا بدر... انا أمك مفيش حد هيحبك ولا هيخاف عليك ادي...
ثم استكملت بغضبٍ:
_واللي حصل ده هتصلحه حالا، هتدخل وتتأسف لخالك وتقوله يدور على اللي عمل في بنته كده ويتجوزها..
صاح بعصبيةٍ:
_قولتلك ده قراراي انا ومحدش هيتدخل فيه!
خرج "سليم" من غرفة "آسر" التي اختارها للاسترخاء بها قليلاً، ليتفاجئ بما يحدث بين ابنه وزوجته، فصاح بصوتٍ كالرعد:
_الشنب اللي خط على وشك نساك كيف تحترم امك!
التقطت نظراته ابيه الذي يقف من خلفها، فوضع عينيه ارضاً وهو يردد بندمٍ:
_أسف يا بابا بس اللي هي بتقوله مستحيل هعمله انا مش عيل عشان اتراجع في قرار اخدته..
اندفعت نادين بحديثها المتعصب:
_وانا مش ذنبي ان ابني يلم بواقي غيره، ابني يستحق واحدة تليق بيه..
صاح سليم بغضبٍ قاتل:
_نــــــــادين... اقفلي خشمك والا وربي الكعبة ما هتلومي غير نفسك..
ثم أشار لاحمد بحزمٍ:
_خد واد عمك وانزلوا اتمشوا تحت يا "احمد"..
هز رأسه باحترامٍ له:
_زي ما تحب يا عمي..
وجذب"بدر" برفقٍ، فاتبعه للاسفل ومن ثم شيعها بنظرةٍ اخيرة قبل أن يغلق الباب ويلحق بأحمد، بينما اقترب "سليم" منها ليجذبها لتقابله بشراسةٍ:
_أنتي جرى لمخك ايه، اتخبلتي اياك!
انهمرت دموعها وهي تجيبه ببكاءٍ:
_انا عايزة افرح بعيالي يا "سليم"، أنا مش عايزاه يتجوز بالطريقة دي ده ابني الوحيد ومن حقي افرح بيه وباللي اختارها!
ارتخى غضبه فور رؤية دموعها، وسماع ما قالت، فضمها لصدره وهو يهدأها ومن ثم قال بسكينةٍ:
_اللي بتعمليه ده مش صح، هيخليكي تخسريه لم يحس انك بتعارضيه وبتعارضي حبه يا نادين.
ابتعدت عنه لتخبره بعندٍ:
_مبيحبهاش هي صعبت عليه وعايز يستر عليها..
أشار لها بالنفي ثم قال:
_ياريت كانت دي الحقيقة مكنتش هسكت، بس اني شوفت بعنيه اد ايه بيحبها، حتى البت تمسكها بيه بينلي انهم بيحبوا بعض صوح..
عادت لتبكي على صدره من جديدٍ، فمسد على ظهرها بحنانٍ وهو يستطرد:
_اني ما توقعتش انك تعملي كده يا نادين، خالد مهما كان اخوكي قبل ما يكون واد عمك، يعني بنته كيف "روجينا" و"حور" ترضي ليها الفضيحة؟
هزت رأسها بالنفي ومازال بكائها يهز جسدها عنفاً، فاردف بحنان:
_جايز ده الخير لولدك وليها، بلاش انتي كمان تيجي عليها، انتي طول عمرك طيبة وقلبك ابيض ايه اللي حصلك بس..
ابتعدت عنه وهي تزيح دموعها باصابعها:
_والله قلبي ابيض بس انت وابنك اللي سودته بعمايلكم السودة..
ضحك حتى برزت اسنانه، ليقربها اليه تلك المرة وهي يردد بعشقٍ:
_مهما عملتي لسانك زي مهو كيف المبرد..
تعالت ضحكاتها التي نجح في ابدال حزنها لابتسامة رسمت على وجهها المجعد قليلاً، ليجعلها من معارضة لهذا الزواج لمأيدة وبشدةٍ، فتركته واتجهت لغرفة "رؤى" حتى تكون جوارها في تلك المحنة...
**********
جلس "بدر" جوار "أحمد" على النيل المقابل للعمارة الخاصة بهما، فاحترم أحمد رغبة ابن عمه بعدم الحديث بذاك الوقت، فاكتفى بالجلوس لجواره وعدم تركه بمفرده، انكمشت تعابير "أحمد" الهادئة حينما رأى "روجينا" تهبط من احد السيارات، فردد بصوتٍ سمعه بدر:
_"روجينا"!!
التفت "بدر" تجاه ما يتأمل اليه "أحمد"، فالتهبت عينيه هو الاخر حينما رأها تهبط من سيارة شاب لم تكن ملامحه بارزة لبعده عنهما، فما أن غادرت السيارة حتى ولجت للعمارة فلحق بها "أحمد" راكضاً، ليوقفها قبل ان تدلف للمصعد، حينما ناداها بغضبٍ:
_روجيـــــــنا..
استدارت خلفها برهبةٍ، وجسدها يرتجف خوفاً من أن يكون رأها، وخاصة حينما واجهت عينيه الغاضبة، اقترب أحمد منها ثم غرز يديه بمعصمها ليسألها بعصبيةٍ شديدة:
_مين اللي كنتي راكبة معاه ده؟
هربت الكلمات عن شفتيها وخاصة حينما رأت "بدر" يلحق به هو الأخر، ليصيح بها هو الاخير:
_ما تنطقي بدل ما وقسما بالله ارن لعمي يجي يشوف مين اللي انتي كنتي معاه ده!
فور ذكر بدر لابيها، اهتز جسدها رعباً، فقالت ببكاءٍ وهي تتطلع لاحمد الذي تستميله عاطفياً لرقة قلبه:
_والله دي اول مرة أعملها، ده زميلي في الجامعة لاقاني واقفة وانا وصاحبتي ومش لاقيين مواصلات فعرض علينا انه يوصلنا وهي نزلت قبلي بشوية ... والله يا أحمد انسان محترم وفي حاله..
احتدت نبرة "بدر" باندفاعٍ:
_ما اتصلتيش بأحمد ولا بيا ليه! .. مفيش حد يتجرأ يعمل الحركة دي من البنات غيرك انا مش عارف انتي جنسك أيه، شكلك من عيشتك هنا نسيتي عاداتنا وتقاليدنا، عمي أو آسر يعرفهولك بقا..
وأخرج هاتفه حتى يتحدث مع أحداً منهما، فبكت وهي تتوسل لأحمد:
_والله ما هعمل كده تاني، لو ملقتش موصلات هتصل بحد فيكم...
استثارت عاطفته، فجذب الهاتف من يد ابن عمه ثم قال بحدةٍ:
_خلاص يا "بدر"، موقف وعدى ومش هتكرره..
منحه"بدر" نظرة قاتلة، قبل ان يتمتم بضيقٍ وهو يصعد للأعلى:
_طول ما انت طيب معاها كده هتركبك وبكره تندم..
وتركه وصعد للاعلى بغضبٍ، فاشعلت كلماته غضبه، ليتطلع تجاهها ثم صاح:
_تصرفاتك دي بتقلل مني قبل ما بتقلل منك.... مش عارف انا هستحمل اللي بتعمليه ده لحد امته، بس لو فقدت الصبر اللي عندي متتوقعيش مني غير الاصعب من آسر يا روجينا..
وتركها وصعد هو الأخر فالتقطت انفاسها بصعوبةٍ، وعدم تصديق بأن ما حدث قد مر أخيراً لا تعلم بأن الاصعب على الابواب وقادم ليدمرها!
**********
أخرج هاتفه بمللٍ من ساعاتٍ التسوق الطويلة بصحبة والدته وجدته و"نواره"، فجلس بسيارته يعبث بهاتفه، فأخرج رقمها المدون بلائحة أسماء موظفيه بإرتباكٍ، فعلى الرغم من احتفاظه برقمها منذ اليوم الاول الذي بدأت العمل به الا انه لم يعتاد حديث النساء بالهاتف حتى وإن كان لأمراً خاص بالعمل، ولكنها الآن بمثابةٍ خطيبته، ومن الواجب المتبع ان يستأذنهما بشأن زيارة عائلته لهم، لذا حرر زر الإتصال وانتظر حتى استمع لصوتها:
_الو!
أغلق عينيه بابتسامةٍ مهلكة، يعلم بأنها لا تعلم بأنه المتصل، كونها لا تحمل رقمه، ولكن بتلك اللحظة شعرت به! .... لا تعلم كيف ولكن نطق لسانها بدلاً عنها:
_"آسر"!
فتح عينيه بدهشةٍ، فقد ضرب جسده أحاسيس مختلفة حينما تفوهت هي باسمه لثاني مرة ولكن تلك المرة بصوتٍ مسموع، تحرر صوته الرخيم من مرقده:
_أيوه أنا يا تسنيم..
واستطرد بارتباكٍ:
_كنت حابب أعرفك ان والدتي ومرتات عمي هيجيولك النهاردة بليل إن شاء الله..
أجابته بتوترٍ ملموس:
_طبعاً يشرفونا..
ثم قالت بترددٍ:
_طب وأنت؟
ابتسم وهو يستشعر بارتباكها بتلك اللحظة، ليجيبها بعد فترة من الصمت الخبيث:
_لو عايزاني أجي، هتلقيني عندك قبلهم..
أحمر وجهها خجلاً وانقطع صوتها عن رده، فضحك وهو يخبرها بمكرٍ:
_هعتبر السكوت علامة الرضا وهجي.. بس عشان خاطري بلاش قهوة تاني لحسن جو المكتب ده مش نافع معايا خالص المفروض اننا خطيب وخطيبته وجو الرومانسيات وكده، فهماني؟
ضحكت بصوتٍ طرب قلبه الولهان، فاتبعها قولها المؤكد:
_حاضر...
ثم تابعت بحرجٍ لمتابعة الحديث معه:
_لازم اقفل... سلام..
احترم رغبتها باحترام تلك الاصول المتبعة، فلم يرد احراجها لذا قال:
_مع السلامة يا "تسنيم"...
وأغلق الهاتف على الفور والابتسامة مازالت مرسومة على وجهه..
**********
بحث عنه حتى وجده يجلس بغرفته، فجلس لجواره وهو يحك رقبته بترددٍ بالحديث، فكسره أخيراً حينما قال:
_أنا آسف يا أحمد... قولتلك كلام مينفعش اقوله.
أشار له "أحمد" بالجلوس، فجلس مقابله ليبدأ أحمد بالحديث:
_مزعلتش منك يا "بدر"، بس أنت المفروض عارف بنات عيلتنا على ايه؟
رد عليه بثباتٍ:
_مفيش الكلام ده يا أحمد أي بنت لو لقت الدنيا سايبة قدامها هتقع في الغلط حتى لو كانت بنت امام جامع..
استدار بجسده تجاهه، ثم قال:
_قصدك أيه؟
أجابه بهدوءٍ:
_أقصد ان مفيش شد على روجينا وده مش كويس لا ليها ولا ليك فيما بعد..انا خايف تقع في غلط اكبر من انه يتغفر بسبب تساهلكم ده..
ابتسم ساخراً:
_وتفتكر رؤى موقعتش في الغلط اللي ميتغفرش ده..
تحكم بأعصابه جيداً قبل أن يجيبه بهدوء مخادع:
_أنا مش بدافع عن اللي هي عملته ولا بقول انها صح ١٠٠في المية ولكن اللي حصلها ده يمكن نتيجة التساهل ودلع الاب اللي خلاها تفتكر نفسها انها من أمريكا، وسهل تبقى واحدة منهم وللاسف انا معنديش لسه السلطة اللي تخليني اعرفها الصح من الغلط، يمكن أملك الحق ده لما تبقى في بيتي، لكن روجينا يا احمد احنا اهلها واحنا المفروض اللي نعلمها الصح من الغلط لانها من صلبنا وفي وشنا احنا..
استطاع بمقارنته البسيطة ان يضعه في الصورة، فقال بتقبلٍ:
_عندك حق.. أنا مش عارف أيه اللي غيرها بالشكل ده.. وكل ما بحاول اقرب منها بتبعد.. بس هحاول مرة تانية..
ربت بيديه على قدميه بابتسامة هادئة، ثم قال:
_طب يلا عشان نلحق العصر جماعة..
نهض أحمد ليشير اليه بعدما تطلع لساعته:
_يلا..
*********
تعالت صيحاتها المرحة حينما صعدت خلفه على ظهر الفرس، فتشبثت به "ماسة" وهي تردد بفرحةٍ:
_خليه يجري يا يحيى زي حصان "طارق"..
تعالت ضحكات طارق المتعجرفة:
_أبيه"يحيى" مببعرفش يركب خيل زيي..
منحه "يحيى" نظرة محذرة، فكبت ضحكاته بخوفٍ، بينما ذمت "ماسة" شفتيها وهي تشير له بضيقٍ:
_هسيبك وأنزل اركب لوحدي لو مكسبتش طارق الوحش ده يا يحيى..
ابتسم وهو يهمس لها بصوته الحنون:
_عشان اكسبه لازم ماسة تنزل، لاني خايف تقع من على الخيل وتنجرح..
استطاع بلباقته أن يقنعها فأشارت له بان ينزلها قائلة:
_هنزل واكسبه..
وبالفعل هبطت "ماسة" فازدادت سرعة "يحيى"، ليتغلب سريعاً على"طارق" الذي امتعنت معالمه حينما رأى اخيه يكسبه للمرة التي فشل بعدها، وما زاده غيظاً، لسان ماسة باشارة مرحة له بانه الخاسر..
*********
عاد آسر للثرايا اخيراً بعد ان انتهى من رحلة التسوق النسائية الشاقة، فتمدد على الاريكةٍ ثم وضع رأسه على قدم جدته ليشير لها بابتسامته الجذابة:
_تدليك لفروة الراس بعد المشوار الطحن ده يا هدهد، لحسن مرات ابنك طلعت عنيا النهاردة..
لكزته برفقٍ:
_على قلبك زي العسل يا بكاش، مدام الحاجة تخص الحبايب...
دنا منها بمكرٍ:
_مهو ده اللي سكتني عليهم، بالك انتي لو حاجة تانية كنت خلعت..
تعالت ضحكاتها على حفيدها الماكر، فمسدت بيدها على خصلات شعره بزيت الزيتون، ليغلق عينيه باسترخاء، انقطع حينما استمع لصوت رسائل هاتفه، فنهض عن مجلسه ثم جذبه عن الطاولة، ليفتح محتوى الرسائل المرسلة، قرأ تلك الرسالة المطولة، لتنقلب معالم سعادته لدهشةٍ عظيمة مما قرأه، فانقبض قلب هنية وهي ترى ملامحه الغاضبة التي تعد غير مبشرة بالمرة، خاصة غضب آسر المهلك، فتساءلت بخوف:
_في أيه يا ولدي؟
ابعد عنه الهاتف وهو يهم بالخروج:
_مفيش يا ستي دي مشكلة بسيطة في الشغل..
وما ان خرج حتى اعاد طلب الرقم عدة مرات بغضبٍ جامح، فما ان وجده مغلقاً حتى ردد بصوتٍ كالجحيم:
_وقسماً بالله لاوريك يا ابن ال*****...
........ يتبع................
#الدهاشنة2... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت....
******_____________**"""""********
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2.....(#صراع_السلطة_والكبرياء...)
#الفصل_الثاني_والعشرون..
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة "روفان وليد"، شكراً لدعمك الدائم لي وبتمنى لكِ قراءة ممتعة مع أحداث الفصل... 💙)
وقفت تتطلع لنفسها بالمرآة بنظرةٍ ساهمة في صورتها المعكوسة، فظلت تبحث عما يناسبها لأكثر من ساعة كاملة حتى انتهت أخيراً، فانتقت فستان أسود يتوسطه حزام من القماش الأبيض، وطرحة بيضاء أنارت وجهها الرقيق، وبالرغم من شرودها المطول الا أن ابتسامتها لم تفارقها كلما تذكرت كلماته، انتهت فترتها القصيرة بالتفكير به حينما ولجت زوجة خالها لتخبرها بمشاكسةٍ:
_حبيب القلب وصل تحت هو وأهله..
تخيلها بقربه منها جعل قلبها يخفق بجنونٍ، وكأنه في سباق عنيف للقاء به، حاولت"تسنيم" التقاط نفسها على مهلٍ حتى يهدأ اضطراب صدرها الذي يخفي قلبها المتراقص، فهبطت للأسفل على مهلٍ حتى وصلت لباب الغرفة، فإلتقطت نفساً مطولاً قبل أن تهم باستكمالٍ طريقها، ولجت للداخل وعينيها أول من تبحث عنه، حتى اهتدت اليه، خاطفة نظرة منحت قلبها قليل من الصبرٍ والإطمئنان، استكملت طريقها للداخل حتى وقفت أمام "رواية" التي نهضت لتحتضنها وهي تخبرها بسعادةٍ:
_الف مليون مبروك يا حبيبتي..
وبهمسٍ منخفض لم يسمعه أحداً سواها قالت:
_أنا كنت متأكدة إنك المناسبة ليه والحمد الله شكي كان في محله..
تغلب على وجهها خجل جعلها ترمش بجفنيها بارتباكٍ، فرسمت ابتسامة مشرقة على وجهها، وقبل أن تتحرك من محلها دنت منها "ريم" و"نواره" ليتبادلن تهنئتها بالخطبة، ومن ثم تقدمت كلاً منهن بالهدايا القيمة، وكادت بالجلوس لجوارهن لولا انها سمعت صوت والدها القائل:
_مش هتسلمي على العريس والكبير!
تطلعت للخلف باستغرابٍ، فلم يكن بمقدورها رؤية "فهد" حينما ولجت، فأسرعت اليه لتبادله السلام وهي تردد بحرجٍ:
_مخدتش بالي من حضرتك والله..
ربت على كفة يدها برفقٍ:
_ولا يهمك يا بتي.
ثم تابع بمزحٍ:
_بس مؤكد انك خدتي بالك من العريس، سلمي عليه أهو كلتها يومين ويبقى جوزك..
انعقد حاجبيها بعدم فهم لما قاله، فأوضح لها العم "فضل" حينما قال:
_الكبير جيه بنفسه اهنه، عشان هنكتب كتب كتابكم مع "بدر" ابن عمه بمصر كمان يومين...
خفق قلبها سريعاً، وخاصة حينما تابعت "رواية":
_احنا ان شاء الله هننزل مصر من الصبح ومعانا طبعاً"تسنيم" ووالدتها ومرات خالها عشان نجهز العفش والذي منه ده بعد اذنك يا عم فضل طبعاً...
أجابها على الفور:
_بنتكم وبقت مسؤوليتكم من دلوقتي يا هانم..
ردت عليه بابتسامةٍ صغيرة:
_ربنا يديم الود والمحبة بينا يارب..
تطلعت "ريم" تجاه "آسر" الشارد بها، ثم لكزته برفقٍ وهو تشير له ساخرة:
_مش هتلبسها الشبكة ولا أيه يا عريس شكلك اكده مانتش معانا..
أخرج "آسر" العلبة القطيفة الحمراء من الحقيبة الصغيرة الموضوعة لجواره ثم نهض ليقترب منها، مشيراً لها بأن ترفع يديها، سهمت نظراتها به قليلاً، وقوفه لجوارها جعلها تلتمس طوله وجسده الممتد من الأعلى بالعضلات، دنت منهما "رواية" لتساعد ابنها بفتح العلبة، ثم قدمت له الدبلة أولاً، فقربها منها منتظراً أن تمد يدها اليه، ولكنها كانت شاردة للغاية، ابتسم "آسر" لها ثم قال بصوتٍ منخفض:
_"تسنيم" إيدك..
ضيقيت عينيها بذهولٍ:
_هــا!
ضحك بصوتٍ وهو يشير بعينيه على يدها، فتطلعت تلقائياً لما يشير اليه، فوجدته يحمل الدبلة بين يديه وينتظرها أن ترفع يدها، توترت معالمها لحماقتها، فرفعت يدها تجاهه سريعاً ليضع الدبلة بين يدها، ومن ثم قدمت له "رواية" أربع من الغوايش الثقيلة ليضعهما بيدها، ومن ثم وضعت رواية السلسال الكبير حول رقبتها، لتحتضنها بفرحةٍ ومازالت عينيها بذاك اللقاء العابر الذي طال فيما بينهما، وكأن العالم معزول من حولهما، افاقت من شرودها الذي لم تتذكر عدده على صوت فهد الذي وضع علبة سوداء بين يدها قبل ان يقول:
_الف مبروك يا بنتي..
اجابته بامتنان:
_الله يبارك في حضرتك..
أصرت عليها رواية ان تفتح هدية فهد فتفاجئت بطقم من الألماس الصافي، عبارة عن عقد ثمين للغاية وأسورة وخاتم في غاية الجمال، تلقائياً رفعت عينيها تجاهه قائلة بصدمةٍ:
_بس ده كتير اوي يا عمي..
رد عليها بابتسامةٍ هادئة:
_مفيش حاجة كتيرة عليكي، انتي بقيتي زي بنتي...
ثم أشار بيديه للنساء:
_هنستأذن احنا بقا يا عم فضل، وبكره ان شاء الله هنعدي ناخد تسنيم والجماعة وأنت ابقى الحقنا على هناك..
هم بالنهوض وهو يخبره باستياءٍ:
_ما لسه بدري يا كبير، السهرة طويلة..
أجابه قائلاً:
_لا معلش أنته خابر زين باللي ورايا، وان كان على السهرة هياخدها العريس مع عروسته..
نهضت والدتها لتلحقهما بالخروج وهي تردد:
_على دماغنا والله.. "آسر" بقى كيف ولدي اللي مجبتوش..
ربتت رواية على كتفها بحنانٍ:
_تسلمي يا غالية..
غادر "فهد" بصحبتهن، ففرغت الغرفة بهما، ترك "آسر" مقعده ليجلس على المقعد المجاور لها، ليتابعها بنظرةٍ مهتمة لحقها قوله:
_اللون ده جميل أوي عليكي..
احمرت وجنتها، وباستحياءٍ قالت:
_وأنت كمان..
ابتسم وهو يلقي نظرة متفحصة على قميصه الأسود، فرفع حاجبيه بمرحٍ:
_قولي بقا أن أنتي قلدتيني ولبستي نفس اللون..
أخفت بيدها ضحكتها ثم قالت:
_وليه متقولش ان انت اللي قلدتني!، أنا لبسة من أربع ساعات فاتوا على فكرة..
انعقد لسانها فقرصته بخجلٍ حينما باحت بذاتها عن تلهفها للقاء به، فأخفضت عينيها أرضاً باستحياءٍ، تحرر صوته الرخيم بعد لحظة من الصمتٍ:
_أنا كنت بعد الدقايق عشان أشوفك يا تسنيم..
ثم تابع بقول:
_في حاجات كتير نفسي أحكيلك عنها بس مع أول فرصة هنقعد ونتكلم براحتنا، عشان تعرفيني أكتر..
أومأت برأسها له بخفةٍ، ثم قالت بارتباكٍ ملحوظ:
_وأنا كمان، عايزة اتكلم معاك في حاجة مهمة..
اعتدل "آسر" بجلسته وهو يتساءل باهتمامٍ:
_حاجة أيه دي يا تسنيم اتكلمي.
اطبقت على أصابعها بقوةٍ، علها تتماسك قليلاً، فراقبها بحرصٍ، وآذنيه تنصت لما ستقول باهتمامٍ، يشعر بأنه على وشك التأكد من شكوكه التي روادته منذ استلام تلك الرسالة الوضيعة، ولكنه ليس بالأحمق الذي يصدق شيئاً سيء هكذا بحق الفتاة التي أغرم بها وبأخلاقها، لذا شك على الفور بأن هناك من يحبها ويود الارتباط بها لذا حينما علم بأمر خطبتها ود أن يوقعه في فخٍ من صنعه، وبات كشف أمر هذا المجهول يشغله بحداً كبير، لذا ظن بأنها ستخبره به..
عبثت بحجابها كمحاولةٍ منها للفرار من نظراته المهتمة بها، فتوتر قولها:
_مش دلوقتي، في الوقت المناسب..
لم يريد أن يضغط عليها بالحديث، وخاصة حينما حملت كوب العصير وقدمتها له بابتسامةٍ أفتكت به:
_اتفضل..
تناوله منها وبدأ بارتشافه، وهو يبحث عن طريقة تحثها عن الحديث بذاك الامر دون أن تستاء من ذلك، لذا قال بخبثٍ:
_أكيد "حور" قالتلك ان أنا و"ماسة"كنا هنرتبط ومحصلش نصيب..
مجرد الحديث عن فتاة أخرى أمامها أحزنها، ولكنها تماسكت وأجابته بصدقٍ:
_أيوه فعلاً كانت قالتلي حاجة زي دي..
هز رأسه بهدوءٍ وهو يردف:
_كنت بحبها من وأنا صغير وهي كمان كانت متعلقة بيا ويمكن ده اللي خلاني أفهم الامور بشكل غلط وأفتكر انها بتبادلني نفس الشعور..
وضعت كوب العصير عن يدها، ثم سألته بلهفةٍ:
_أكيد اتوجعت!
ابتسم لرغبتها الصريحة بمعرفة ما يحمله قلبه بتلك اللحظة، فأجابها بذكاءٍ استخدمه باجابته الصريحة:
_لو قولتلك لا هبقى بكدب عليكي، وده مش طبعي يا تسنيم...
والتقط نفساً مطولاً قبل أن يستطرد:
_ايوه اتوجعت وأخدت فترة عشان أقدر استوعب ان اللي حصل ده كان خير ليا..
وبدأ بشرح الامور من وجهة نظره الخاصة:
_يعني اني عرفت الحقيقة في التوقيت ده أفضل الف مرة من لما أتجوزها واتفاجئ انها بتحب شخص تاني بعد الجواز..والشخص ده يبقى أخويا ومن أقرب اصدقائي..
سعدت لقوله الصريح، فأيدته قائلة:
_معاك حق وجع أهون من وجع تاني أكبر..
تنحنح "آسر" قبل أن يضيف سؤاله الماكر بغمزةٍ عينيه البنية:
_طب وأنت يا ريس مكنش ليك سكة في الحب ولا أيه؟
ابتسمت على طريقته بطرح السؤال، ولكن سرعان ما اجابته بجديةٍ تامة:
_لا عمري ما أعجبت بحد عشان أوصل لمرحلة الحب..
ثم أضافت قائلة:
_يمكن لأني ملقتش الانسان اللي كنت بحلم بيه، لأن في الأخر المواصفات دي بتبقى في فارس الاحلام اللي عمر ما أي بنت هتلاقيه في الحقيقة لاننا بني آدمين، والبني آدم مليان عيوب..
اقترب بوجهه منها وعينيه تستهدفها لا محالة:
_لا هتلاقيه يا "تسنيم"، وقدامك..
وتابع بهمسه الساهم لرغباتها دون جهداً منه:
_يمكن فيا عيوب بس صدقيني عمري ما هسمح للعيوب دي أنها تطولك او تأثر عليكي..
غرقت الكلمات فلم تعد تحمل ما ينفعها بتلك اللحظة، آسرها وآسر قلبها بات قريباً منها بدرجةٍ لم تتوقعها يوماً، مازالت تتذكر ذاك اليوم الذي قابلته به، وبالرغم من أن موقفه يتمثل بالشهامةٍ والرجولة الا أنها لم تستريح له ببداية الامر، وها هو يتملك مشاعرها وأحاسيسها وفوقهما قلبها العذري، تمنت لو تمكن بحبه من كسر ظلاماً سئمت من العيشٍ به، ودت لو انتشالها من أوجاع ذكرياتها البائسة، تطلعت له بنظرةٍ لمعت بدمعة الخذلان والانكسار، فمنحها نظرة شغف وحب طوفها كالرداء الثقيل في بردٍ قارص، انقطعت تلك اللحظات الثمينة حينما ولجت والدتها بصحبة خالها الذي وصل من الخارج للتو، فما أن رأته حتى احتدت حدقتيها بازدراءٍ، وخاصة حينما جلس مقابلهما ليبدأ بالحديث بصوته الكريه :
_أمك قالتلي انكم هتكتبوا الكتاب بعد يومين، متسربعين على أيه القيامة هتقوم!
طريقته بالحديث أثارت غضبها، فقالت والدتها بالنيابة عنها:
_ومنستعجلش ليه عريسها بيحبها ومستعجل..
نُقلت نظراته تجاه" آسر" الذي يتابع ما يقول ببرودٍ وصمت لحق به، فقال "عباس" باستياءٍ رغم حديثه الماكر:
_مقولناش حاجة بس برضك الصبر حلو، ولا هو كان يعرفها قبل كده وبيكلموا بعض...
انفرجت شفتيها في صدمة، فاستطرد بخبثٍ:
_أصل بنات اليومين دول ما مقضينها تعارف على الانترنت وبعد كده بيتجوزوا...
كادت شقيقته أن تعنفه على ما قال، ولكن سبقها آسر حينما قال:
_أديك قولتلها بنات اليومين دول اللي تسنيم عمرها ما هتكون واحدة منهم...
واسترسل حديثه بنظرة حادةٍ وحديث يفوقه مكر ودهاء:
_الناس طباع ومش شرط الطبع يكون مرتبط بسن صغير وعلى الموضة ولا سن كبير ومن أيام سيدي وسيدك، زي ما في ناس يا خال استغفر الله العظيم بتعيب في عرضها والشيطان لعب في عقولهم لدرجة انهم بيلفقوا كلام زور وفي دماغهم إنهم شياطين وهتأثر على واحد عقله يوزنهم ويوزن ألعايبهم ونهايتهم بتبقى معروفة ... الناس فعلاً مبقتش بتحب الخير لغيرها.
رسالته كانت واضحة لمن تبدل وجهه لألف لون، حتى أن المياه التي يرتشفها توقفت في فمه من صدمةٍ الحديث تلذي بدى غريباً نوعاً ما لتسنيم ووالدتها، ابتلع "عباس" ريقه بصعوبةٍ وهو يجاهد بالحديث المتقطع:
_عندك حق.. ربنا يهدي.
ارتشف آسر عصيره وهو يجيبه بتلذذٍ عجيب:
_هيهدي مهو لو ربنا مهدهمش بيبعت أمثالنا زيي أنا وأنت كده نربيهم ونعلمهم الأصول.. ولا أيه؟
لعق شفتيه الجافة بخوفٍ شديد، ليجيبه بتوترٍ:
_آآه... آآ.... عندك حق..
ونهض عن مقعده ليشير لشقيقته بتخبطٍ:
_أنا هطلع اريح جتتي شوية عما تحضريلي العشا يا "فاطمه"..
أومأت برأسها وهي تهم بالنهوض:
_عنيا ياخويا..
وخرجت خلفه على الفور، فما أن خرجوا سوياً حتى تساءلت"تسنيم" بدهشةٍ:
_أنت كنت تقصد أيه بكلامك ده؟
منحها ابتسامة جذابة وهو يجيبها:
_لا أبداً مفيش أنا كنت بدردش مع الخال شوية..
ضحكت على طريقته المستهزأة بالحديث، وإن كان يغمرها الفرح لرؤيته يتصبب عرقاً خوفاً من آسر، راق لها الامر كثيراً وباتت على يقين بأنه سيكون حمى وسند لها كما ظنت، نهض "آسر" عن مقعده ثم عدل قميصه وهو يشير لها بحزنٍ:
_الوقت إتاخر لازم أرجع البيت، أشوفك بكره بإذن الله..
نهضت هي الاخرى ثم قالت:
_ان شاء الله...
ولحقت به للاسفل، حتى وصلت لباب المنزل فاستدار اليها ليودعها بمشاكسةٍ:
_مش عارف من غيرك كنت هعرف باب الخروج ازاي..
ضحكت بصوتٍ مسموع، ثم قالت:
_أي خدمة..
غمز لها بعشقٍ:
_خدماتك مردودة لوقتاً لاحق..
ابتسمت فاستطرد بمكرٍ:
_ولحد ما بكره يجي ما تقدميلي خدمة كمان وتقوليلي حبتيني في اليومين دول ولا لسه في طريق طويل وحواراته أطول ونفسي هيتقطع!
تعالت ضحكاتها، فحاولت ان تبدو ثابتة وهي تشير اليه:
_مع السلامة يا بشمهندس..
لوى فمه باستياءٍ:
_لا كده وضحت... بس لعلمك بقا أنا عندي صبر و خلقي طويل واعجبك اوي..
همست على استحياءٍ:
_هنشوف..
ابتسم هو الأخر قبل ان يودعها بجديةٍ:
_تصبحي على خير..
بخجلٍ اجابته:
_وأنت من أهله..
غادر تلك المرة تاركاً ابتسامتها تنير وجهها مثلما يفعل كل مرة، فصعدت لغرفتها لترتمي على الفراش هائمة بكلماته المعسولة، أيعقل أن يجمع الرجل بين الجدية والمزح والشهامة والرجولة!
جمعهم الآسر فباتت صفاته قريبة من فارس أحلامها، ولعل قربها منه بالايام المقبلة يجعلها تكتشف ما خفى عنها من صفات مازالت لم تكتشفها بعد!
*********
صُدمت "روجينا" حينما استمعت من "حور" ما حدث مع "رؤى"، وعرض ذاك الفيديو المخزي أمام الجميع، فقالت بحزنٍ:.
_منه لله، كسرها بطريقة بشعة..
أيدتها" حور" قائلة:
_انتي مشوفتيش حالتها كانت عاملة ازاي... بس الحمد لله ان" بدر" اتدخل وحل الموضوع..
قالت "روجينا" بابتسامةٍ حالمة:
_عشان بيحبها يا حور هيعمل اي حاجة، أنتي متعرفيش الحب بيحقق المعجزات..
ضحكت وهي تشير لها بخبثٍ:
_يا عم يا عم، أحمد محرك المشاعر ومخليكي رومانسية بزيادة اليومين دول... شكله كده جابلك هدية او خرجك خروجة من إيهم...
تهجمت ملامحها فور ذكرها لاسمه، فقالت بارتباكٍ ملحوظ:
_لا والله ابداً، أنا بس بحكيلك عن اللي ورا موقف بدر وتصرفه..
أومأت حور برأسها بتفهمٍ، ثم قالت:
_طب مش ناوية تنزلي البلد عشان تباركي لآسر!
ردت عليها وهي تستكمل مذاكرتها على الحاسوب:
_لا.. ماما كلمتني وقالت انهم هيجوا بكره ان شاء الله، عشان كتب الكتاب والعفش..
بحماسٍ قالت:
_بجد.. طب كويس دي تسنيم وحشتني اوي..
كمتها بالوسادة وهي تمازحها قائلة:
_ايوه يا ستي وقعتي الواد في حب صاحبتك الانتيم، بس اكيد مش هتقعديلها العمر كله مسيرك هتتجوزي وهتمشي من البيت..
اعادت اليها الوسادة بضيقٍ:
_مهو ده اللي مزعلني، بس انتي هتكوني بدالي يا بت وهتصحبي تسنيم صح؟
اجابتها ساخرة:
_أكيد... مهي مرات اخويا يا هبلة... نامي وسيبني اركز بقا في الاختبار ده..
اغلقت عينيها بمرحٍ:
_ادينا هنام لما نشوف اخرتك ايه..
**********
تناولت "ماسة" الفطير الساخن بالعسل الصافي بشهيةٍ مفتوحة، والاخر يراقبها ببسمةٍ عاشقة لأدق تفاصيلها، فعرضت الشاشة من أمامه لتدفعه لتذكر ما مضى
##
_بطلي أكل أنا حاسس انك اللي خستيه في سنة هترجعيهم في الكام شهر دول!
عنفته بنظراتها القاتمة، ومن ثم قالت بشراسةٍ:
_أنت بتعايرني يا يحيى اني كنت تخنانة شويتين!.... وبعدين أنا بأكل عشان مين مش عشان ابنك!
انفجر ضاحكاً ثم قال:
_حبيبتي أنا خايف عليكي من الاكتئاب اللي هترجعي تعيشي فيه من تاني ولا ناسية زيادة وزنك كان مخليكي عاملة ازاي!
تركت المانجو من يدها، لترسم دور الحزن البائس:
_خلاص هبطل اكل ولما هروح اكشف في معادي الدكتور لو كلمني على وزني او وزن الواد هسحلك من قفاك..
اتسعت ضحكته، فحمل الطبق ثم قدمه لها قائلاً:
_حقك عليا أنا مشفتش باربعة جنية تربية، كلي زي ما تحبي أنا معنديش اي اعتراض عليكي لا وانتي تخينة ولا رفيعة..
جذبت المانجو لتقطمها بتلذذٍ:
_أيوه كده اتعدل..
أفاق "يحيى" من ذكراه المحببة لقلبه، على صوت تقيئ "ماسة"، أسرع تجاه حمام الغرفة فوجدها تسعل بقوةٍ، حاوطها بذراعيه ثم جذبها لصنوبر المياه، فعاونها على الاغتسال، وحملها للفراش، تمسكت به" ماسة"وهي تردد بدموعٍ طفولية:
_"ماسة"مش عملت شقاوة يا "يحيى" لسه تعبانه ليه!
ابتسم وهو يجيبها:
_هتبقي كويسة لما تاخدي الادوية..
وناولها الادوية المختصة بحالتها، فتناولتها على مضضٍ، ثم عادت لتستلقى على الفراش مجدداً، وهو لجوارها يمسد على ظهرها بحنانٍ حتى غفلت تماماً، فخرج للشرفة ينتعش بالهواء الطلق، ليتفاجئ بآسر يجلس بالحديقة، فأشار اليه فحثه "آسر" على الهبوط، وبالفعل هبط "يحيى" ثم جلس على الأريكة الخشبية المجاورة اليه، فسأله باستغرابٍ:
_أيه اللي مقعدك كده؟
رد عليه بابتسامة حالمة:
_مش جايلي نوم..
ضحك الاخير، فشاكسه قائلاً:
_من اولها، لا إجمد كده انت لسه قدامك مراحل!
اتكأ بذراعيه حتى استقام بجلسته:
_أنا جامد وكل حاجه بس الحب يضعف الحجر..
رفع حاجبيه ساخراً:
_يا راجل!
هز رأسه، فقال بتذكرٍ:
_قولي صحيح أيه المشاكل اللي في الشغل.. جدتك صدعاني من الصبح فاتصلت ببدر وقالي الامور تمام!
تطلع حوله قبل أن يجيبه بغضبٍ سيطر عليه:
_واحد حب يوجب معايا عشان أسيب الباب اللي انا داخله، فاكرني أهبل وهصدق الحوار العبيط اللي اتعمل في تلاتين مسلسل هندي قبل كده..
سأله بجديةٍ:
_ومين ده، معرفتوش!
أجابه بابتسامةٍ ماكرة:
_خالها الجحش ده اللي ورا الموضوع.
تعجب للغاية مما استمع اليه، فسأله باستغرابٍ:
_وهو خالها هيستفاد أيه لما الموضوع يتفشكل؟
اسند ظهره لجسد الاريكة وهو يجيبه بغموضٍ:
_مهو ده اللي هعرفه وقريب اوي!
*********
بزغت الشمس كقبلة في ثغر الصباح، وكأنها تستعد لهذا اليوم الموعود باللقاء الذي سيجمعها به، فقادتها لهفتها لشرفتها، تنتظر قدومه وخاصة بعد أن كلمتها "رواية" على هاتفها المحمول لتخبرها بانهم على وشك الوصول اليها، ارتسم على وجهها ابتسامة نطقت بالبهجةٍ حينما وجدت سيارتين تقترب من المنزل، أحداهما يقودها سائق "فهد" الخاص والاخرى يقودها "آسر"، فصفها أمام المنزل، أسرعت تجاهها زوجة خالها لتشير لها بحماسٍ:
_يالا يا تسنيم،" آسر" جيه..
لحقت بها للاسفل فوجدته يقف مع أبيها أمام المنزل، خطفت أنظاره بفستانها الأخضر الذي يشبه لون عينيها فبرز جمالهما..
دنت منها "رواية" لتسلم عليها ومن ثم قالت:
_يلا اركبي انتي ووالدتك ومرات خالك مع "آسر"..
سألتها باستغرابٍ:
_طب وانتي!
أشارت لها بابتسامةٍ ساحرة:
_لا أنا هركب مع جوزي زي ما جيت..
تدخل آسر بحديثهما الخاص، حينما قال بمشاكسةٍ:
_هي تقدر تركب مع حد غيره، كان ولع فيا قبليها، صح يا حاجة؟
لكزته بغضبٍ:
_اطلع انت بس منها واحنا هنبقى زي السمنة على العسل..
رفع يديه باستسلام:
_بعيد من يوم يومي..
ثم فتح باب السيارة الخلفي ليشير لتسنيم:
_اتفضلي...عشان تعرفي اني جنتل بس..
منحته ابتسامة خجلة قبل ان تصعد بالخلف لجوار زوجة خالها، أما والدتها فجلست لجواره بالأمام، لتنطلق السيارتين للقاهرة..
*********
تمسكت بيدها وهي تحاول هبوط الدرج، فعنفتها"روجينا" بضيقٍ:
_يا بنتي اسمعي الكلام وخليكي لما تبقي كويسة، الجامعة مش هتطير يعني..
أجابتها "حور" وهي تتمسك بيدها جيداً:
_هفضل لحد أمته نايمة يا روجين، أكيد هيجي اليوم اللي هنزل فيه، ثم أني زهقت من القعدة والله..
تشبثت بها وهي تصيح بها:
_حسبي ..
عاونتها حتى هبطت للطابق الأسفل، فاستندت على درابزين الدرج بوجعٍ فأشارت لها بتعبٍ:
_طب استني شوية طيب..
وقفت لجوارها تعبث بهاتفها، فانتبهت للصوت القادم من خلفهما:
_رايحة على فين وانتي بالحالة دي يا حور!
استدروا للخلف فوجدوا أحمد يهبط الدرج مقترباً منهن، حتى وقف مقابل حور المرتبكة من اهتمامه بها أمام خطيبته التي لم تلاحظ الامر برمته، فأجابته بارتباكٍ:
_هنزل الجامعة أشوف اللي فاتني..
هز رأسه وهو يشير اليهم:
_هوصلكم في طريقي.. اركبوا..
انقلبت معالمها فبات بأن هناك من يعارض مخطط يومها، فقالت بتردد:
_لا مفيش داعي يا احمد، انا وحور هنركب تاكسي.
تجاهل الحديث معها، فقال وهو يتجه لسيارته كأنه لم يستمع لشيء:
_مستنيكم بره..
وتركهما ثم صعد لسيارته، فصعدوا بالخلف، فلم تترك روجينا هاتفها ولو لدقائق، كانت منشغلة بحديثها مع أيان...
********
توقفت سيارة "آسر" بمنتصف الطريق لأخذ استراحة قصيرة، فاستأذن منهما ثم هبط ليتوجه لأحد المطاعم لشراء ما يلزم الغداء، وبعض المشروبات المنعشة لطريقٍ شاق، فوقف ينتظر طلبه حتى ينتهي الطباخ من اعداده، فعبث بهاتفه قليلاً وهو يتجه للخروج، وفجأة اصطدم بأحدهما، فرفع يديه تجاهه وهو يردد بحرجٍ:
_آسف مآآ....
بترت كلماته حينما وجده يقف أمامه ببرودٍ وعينيه تطالعه بعداءٍ شديد، تهجمت معالم آسر للغضب القاتل، فجذب هاتفه الموضوع ارضاً ثم توجه للمغادرة ولكنه توقف حينما استمع لكلماته:
_شايفك مستعجل يا عريس... ولا خايف الكبير يشوفك واقف مع مين!
الجحيم بذاته سيطر على عينيه ليهيئ له عرش مخيم، أبيضت يديه من فرط ضغطه عليها، ليستدير اليه وبجراءةٍ كبيرة أجابه:
_الخوف ده تسيبه ليك وللمغازيه اللي شنبهم بيتهز لما يلمحوا حد من عيلتنا..
ابتسم "أيان" ساخراً ثم دنا ليصبح قريباً منه:
_ممكن زمان كان كده، لكن دلوقتي بقى ليهم كبير..
ضحك آسر بصوتٍ مسموع ثم تطلع لجواره قبل أن يقترب لينحني برأسه على أذن أيان هامساً:
_كبيرهم عيل صغير في اللفة، بيلعب بنار هتحرقه في الأخر...
بنفس الابتسامة الشيطانية قال:
_زي ما حرقت جدك وهدان كده، بس اللي مستغربه انك مخدتش بتارك لحد دلوقتي..
ثم استرسل بصوت منخفض:
_صورتك اللي كونتها عنك بدأت تتهز، شجاعتك وشهامتك المعروفين عن ابن الكبير بقوا في الأرض، يمكن الجبن بقا طبعك الحالي ولا ايه؟
استجمع شياطين العوالم بأكمله بتلك اللحظة، لتجعل حدقتيه تنذر بشر عظيم قد يحدث بذلك المكان، فخرج صوته مخيف كحاله:
_ الجبان هو اللي بيضرب في الدهر يابن المغازي، الرجولة انك تضرب عدوك وعينك في عينه زي اللي هيحصل دلوقتي..
ولف يديه حول عنقه بقوةٍ كادت بأن نخنقه، ثم تركه مرة واحدة يسعل عدة مرات في محاولة لالتقاط انفاسه، فانحنى آسر ليكون مقابله، عينيه تبصران تجاهه بشجاعةٍ اتبعها قوله المحذر:
_أنت أعقل من إنك تفتح على نفسك ابواب جهنم بايدك.. بلاش تختبر صبري عشان هتكون انت ضحيته بالنهاية..
وانتصب بوقفته ليغادر المطعم بأكمله، فتفاجئ بضربة قوية استهدفت ذراعيه الأيسر والذي كان قيد لرقبة أيان منذ قليل، استدار آسر للخلف سريعاً ليتفادى ضربته القادمة، ومن ثم هوى على فكيه بلكمة قوية قيدها بها ثم قال باستحقارٍ:
_مش قولتلك الجبان اللي بيواجه عدوه من دهره زيك وزي عيلتك بالظبط، حذرتك ومفيش فايدة، قابل بقا.
ولكمه لكمة أخرى ثم جذب المقعد الرخامي ليرفعه بقوةٍ وقبل أن يهوى به على رأسه أتاه نداء صارم اتاه من الخلف وهو يردد بصرامةٍ:
_آســـــــــــــــــر..
استدار بالمقعد الذي يحمله للخلف ليجد أبيه يقف من أمامه وعينيه ترمقه بنظرةٍ لا تنذر بالخير.........
...... يتبع...........
#الدهاشنة.... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
انتوا عارفين ان الفصل كان اتمسح وكتبته تاني حمسوني بقا باكبر عدد ممكن من اللايكات والتعليقات، لاني محبطة وعهد الله 😢💔....
********__________*********
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2....(#صراع_السلطة_والكبرياء..)...
#الفصل_الثالث_والعشرون...
(اهداء الفصل للقارئة الجميلة "علا بن حمزة"، بتمنى لكِ قضاء رحلة ممتعة مع ملحمة عائلة الدهاشنة والمغازية...)
صوته الصارم قيد حركة ابنه الذي لم يعتاد سوى على طاعته، نظراته بمثابةٍ إنذار له بالا يرتكب ما يمليه عليه عقله، لم يعتاد على مخالفة أمر حازم نبع من والده، لذا تراجع للخلف ثم وضع المقعد محله بهدوءٍ، كسر"فهد" تصلب حركته وتقدم بخطواتٍ منتظمة وبطيئة تليق بوقاره المحفوظ حتى بات أمامهما، إتكأ "أيان" بمعصمه على الأرضيةٍ ثم نهض ليقف أمام أكثر إنسان يبغضه على وجه الكرة الأرضية، تقابلت نظراتهم كصراعٍ قوي غير متكائف الأوزنة، استطاع به "فهد" أن يرى حقداً مدفون بحدقتي هذا الشاب الذي يعد من عمر ابنه، فحرر كلماته التي خرجت باتزانٍ وعقلانية لا تليق سوى به:
_اسمع يا ابن المغازي، أني بعدت والدي عنيك المرادي بس المرة الجاية متلومش غير نفسك، بعد عنينا إحنا كيف النار اللي بيقرب منيها بيتحرق وأنت دوقت نارنا قبل اكده..
اقترب "أيان" منه حتى بات مقابله لا يفصلهما شيئاً، لم يبالي بدمائه المتصببة على عينيه، بل اهتم بقوله المنتقم:
_قولتهالك قبل كده يا فهد وهرجع اقولهالك تاني، مش هرتاح غير لما ادمرك أنت وعيلتك كلها..
أثار غضب "آسر"، فأسرع ليفصل بينه وبين أبيه كالحاجز البشري، ومن ثم رفع معصمه ليضعه على رقبته، ليخبره وعينيه تتحداه في نظراتٍ سافرة:
_لو راجل بجد والرجولة ناحقة عليك وريني اخرك..
كاد بأن يحرر ذاته منه، ولكنه تفاجئ بامرأة تراقب ما يحدث بينهما ببكاء شديد، ومن ثم قالت بخوفٍ:
_" آسر" ابني..
ما ان استمع لصوت والدته حتى أخفض يديه عنه، واستدار تجاهها، يعلم جيداً كيف يشكل التار حالة من الرهبة إليها، أسرعت "رواية" تجاهه لتندث بأحضانه وصوتها يخفق بضعفٍ:
_ابني...
انقبض قلب "فهد" وبات ناقماً على من تسبب ببكائها، فتدخل على الفور حينما واجه "أيان" قائلاً:
_أعلى ما في خيلك اركبه..
منحه ابتسامة غامضة، قبل أن يعدل من جاكيته الغير منظم، فتطلع تجاه "آسر" بنظرةٍ أخيرة قبل أن يغادر المطعم، وفور مغادرته اتجه "فهد" تجاه صاحب المطعم الذي أتى سريعاً ليرى حالة الشغب الحادثة بمطعمه، فقال بثباتٍ:
_أني بعتذر على سوء التفاهم اللي حصل، ومش عايزك تقلق أني هتكفل بكل الخساير اللي حصلت بالمكان...
لخص الرجل مظاهره الآنيق وطريقته اللبقة بالحديث بكونه رجلاً من كبار عائلات الصعيد،فيكفيه اعترافه بالخطأ وتحمل نتائجه، لذا بصدرٍ رحب قال:
_ولا يهم حضرتك المهم ان الامور اتحلت.
أخرج "فهد"من جيب جلبابه الأسود،دفتر شيكاته ثم دون مبلغ ضخماً،وقدمه للرجل:
_الحمد لله اتحلت...
وتركه واتجه تجاه زوجته وابنه، فسُلطت نظراته عليه ليشير له بغموضٍ:
_خد الوكل وروح لنسايبك،ميصحش تسيبهم اكده..
بدى حائراً من تصرف أبيه،وكأن شيئاً لم يكن بالنسبة اليه،ولكنه بالنهاية لديه كل الحق، فحمل الحقائب ثم اتجه لسيارته،تاركاً والدته في مواجهة أبيه...
بالخارج..
كانت زوجة خالها تشعر بالحر الشديد، لذا فتحت نافذة السيارة، فانتبهت لمن لا يغفل عنه أحداً، فجذبت ذراع شقيقة زوجها وهي تتساءل بذهولٍ:
_مش ده"أيان المغازي"؟
تطلعت" فاطمه"و"تسنيم" للخارج، فانعقدت ملامحهما بذهولٍ،فقالت "فاطمة"بقلقٍ:
_بيعمل أيه هنا....يا خبر ليكونوا اتخانقوا جوه عشان اكده الكبير نزل هو ومرته على جوه..
انتباتها عاصفة من القلق، غزت جسدها لتشعر بربكةٍ تضرب أسوارها لنجرد تخيل السوء به، ففتحت باب السيارة وهو تهم بالنهوض قائلة:
_هنزل أشوف في أيه وهجي.
وصعدت الدرج القصير المودي لباب المطعم المتحرك القصير،دفعته بيدها فلامست أحداهما دون رؤيا منها، مرت هي الأخرى فوجدت يدها تستند على صدره وبالأخص موضع قلبه،ارتعشت أصابعها حينما شعرت بنبضات قلبه أسفل أصابعها، وعينيها لا تفارق لقاء عينيه التائهة بخضرة عينيها.
ثوانٍ....دقائق...لا يعلم كم من الوقت بات متصنماً كالأبله أمامها، يشعر وكأن لمسة يدها تلك تخفف عنه حدة ما تعرض له منذ قليل من مشاحنةٍ قاسية، شعر وكأن بملمس يدها شفاء يجاهله،كأنها تنفذ لقلبه دون وسيط، التقطت عينيها بقعة الدماء على يديه فعادت لأرض واقعها مفزوعة مما رأته،فتمسكت بيديه وهي تسأله بلهفةٍ:
_أنت بتنزف!
تطلعت إليه حينما وجدته مازال شارداً،فصاحت بإسمه بخوفٍ:
_"آســـــــــــر"..
أغلق عينيه بابتسامةٍ منحته وسامة خاصة به، سماع إسمه دون ألقاب تسبقه أسعده كثيراً، فتطلع لها مطولاً بنظراتٍ مستمتعة برؤية قلقها الساكن بعينيها قبل أن يسكن تعابيرها، صمته جعلها تخمن بوجعه الشديد أو ربما تعرض لشيءٍ سيء، فتدفقت دموعها على وجنتها وكأنها بذلك سكبت عليه المياه الباردة التي أعادته لواقعه، فردد بتلهفٍ:
_تسنيم!
ثم أسرع باطمئنانها:
_أنا كويس... ده مجرد خدش بسيط.
رمقته بنظرةٍ معاتبة لصمته الذي جلدها، وجعلها تخمن تخمينات أسوء من بعضها لما حدث معها، لكزته بقوةٍ على صدره ثم استدارت لتعود للسيارة فتوقفت عن الحركة حينما جذبها من معصمها لتقف مقابله من جديدٍ، أخفضت وجهها للأرض لتتهرب منه،فما حدث مخجل للغاية..ملامستها صدره ويديه...نظراتها البلهاء تجاهه..بكائها خوفاً عليه، عشقها دفع مشاعرها لتصبح كالكتاب المفتوح أمامه، ودت لو امتلكت جرءة مشابهة لتلك حتى تتطلع اليه مجدداً، علها تلامس ذاك الدفء من نظراته، وجدته يقترب منها قليلاً ليهمس بصوته الرجولي الرخيم:
_بتخبي اللي شايفه في عيونك مني ليه يا تسنيم؟
تطلعت اليه باستغرابٍ لما يقصده بعينيها، فتساءلت:
_أيه اللي في عنيا؟
رسم بسمة ساحرة على طرفي شفتيه وهو يجيبها:
_لهفة وحب وخوف... أحاسيس كتيرة وصلتني من نظراتك ولمستك أيدك.
ارتبكت للغاية، فبللت شفتيها بارتباكٍ، وكمحاولة للتهرب منه عدلت طرف حجابها الطويل على كتفيها، ثم قالت:
_هروح أشوف ماما ومرات خالي..
قاطعهما النادل الذي خرج اليهما حاملاً عدة حقائب، ليشير لآسر قائلاً:
_الاوردر جاهز يا فندم..
قال وهو يدنو منه ليحمل عنه أكياس الطعام والمشروبات:
_طب ساعديني طيب ده أنا مجروح وبنزف!
كبتت ضحكاتها وهي ترى غمزته المشاكسة، وبالرغم من ذلك الا أنها اقتربت منه لتحمل عنه بعض الأكياس، ثم قالت ساخرة:
_أحسن كده ولا أشيل باقي الاكياس..
رفع كتفيه بغرورٍ:
_عيب عليكي ده احنا رجالة صعايدة وبنفهم في الواجب..
ضحكت بصوتٍ أثلج صدره، فأشار لها بتتبعه، هبط الدرج ولجوارها كان يهبط عدد من الشباب بعدما انتهوا من تناول طعامهما، فأسرع "آسر" ليفصل بينها وبينهما، لوهلة كفت عن استكمال الدرج وتأملته باسمة، شعرت بأنها أصبحت تمتلك حامي لا يقصر أبداً بحمايتها حتى في أتفه المواقف، وصل للسيارة، فاندهشت حينما وجدت والدتها تجلس بالخلف جوار زوجة خالها، وبضحكة خبيثة قالت:
_خليكي انتي قدام يا تسنيم، لحسن انا مرتحتش في القعدة قدام..
تلقائياً انتقلت نظراتها اليه، فوجدته يبتسم لها بمكرٍ، ومن ثم ناولهما الطعام قبل أن يصعد للسيارة، فتحرك بهما سريعاً لاستكمال الطريق، فتسائلت فاطمة بدهشةٍ:
_امال فين الكبير والست "رواية"..
اجابها بابتسامة جعلها طبيعية حتى لا ينشغل بالهما كثيراً:
_شوية وهيحصلونا..
اومأت برأسها، ثم تطلعت تجاه ابنتها لتشير اليها قائلة:
_افتحي الاكل لعريسك يا بنتي زمانه جاع..
ببسمةٍ ماكرة قال:
_حاسة بيا يا حماتي..
ثم تطلع تجاه تسنيم ليشير لها بعينيه على جرح يديه، وبمكرٍ همس بصوتٍ منخفض:
_مجروح وكده..
منحته نظرة مغتاظة قبل أن تحرر غطاء كرتون البيتزا، ومن ثم التقطت احدى القطع لتضعه على المقعد الصغير الفاصل بينهما، رفعها آسر لفمه وهو يغلق عينيه بتلذذٍ اتبعه قوله المشاكس:
_هتعود أكل من ايدك على طول... البيتزا دي طول عمري بطلبها من نفس المطعم ده بس عمرها ما كانت بالحلاوة دي..
ابتسمت بخجلٍ ثم الهت ذاتها بالنظر من باب السيارة، فتتبعتها عينيه ولم تترك لها حرية البعد حتى وان كانت قريبة وعلى بعدٍ منه!
*********
بالداخل
ما أن تأكدت من رحيل آسر حتى أسرعت "رواية" بخطاها حتى أصبحت مقابل زوجها، فمسحت دمعاتها العالقة بأهدابها قائلة بتلعثمٍ:
_ابني بره كل ده يا "فهد"، أنا قولتلك قبل كده خرجه من اللعبة دي..
أغلق عينيه يجاهد صداع رأسه الذي سيطرق بابه بعد قليل مما سيحدث الآن، فقال بهدوءٍ زائف:
_أنا بعده عن أي حاجة يا رواية وأنتي عارفة كده كويس، كان ممكن أعيد الغلطة اللي عملتها قبل كده وأنا بأخد تار أبويا وتبقى بحور دم بس انا اتراجعت وحسبتها بالعقل، تاري ممكن أخده من غير نقطة دم ممكن تأذي ابني بعد كده، وده اللي بعمله بس للاسف الولد ده مش ناوي يجبها لبر..ولازم يتحطله حد وفي أقرب وقت...
انهمرت دمعاتها الساخنة على وجهها، فأصابته في مقتل، فأمسك يدها ثم همس لها بحنانٍ:
_حبيبتي خليكي واثقة فيا أنا مستحيل اسيب الكلب ده يأذي ابننا، حتى لو التمن كان روحي..
رفعت وجهها تجاهه، ثم رفعت كفة يدها الأخرى لتتمسك بيديه، وببكاء تمهل بحديثها المرتجف قالت:
_ليه حاطط في حساباتك انه ممكن يأذي آسر، فكر كمان في روجينا، لازم نحميهم الاتنين منه يا"فهد"..
رفع يدها اليه ليطبع قبلة رقيقة، قبل أن يجيبها بابتسامةٍ صافية:
_ولادي الاتنين وانتي في عنيا وجوه قلبي يا"رواية"، وأي كلب من دول هيقربلكم لازم يعدي على جثتي الاول..
وضعت يدها على فمه بغضبٍ:
_أيه اللي بتقوله ده بعد الشر عليك..
استغل الفرصة مرة أخرى فطبع قبلة أخرى، ثم غمز لها وهو يردد بصوتٍ منخفض:
_طيب مش يالا بقا، لحسن كده هيبة الصعيدي هتروح سابع دولة لو لقوني بتكلم زيهم وأحسن منهم كده ولا أيه؟
نجح في رسم الابتسامة على وجهها، فعدلت من حقيبتها على كتفيها ثم مسحت وجهها جيداً، لتتحرك تجاه باب الخروج:
_يالا...
حرك يديه ليعدل من جلبابه ووشاحه الاسود الضخم المتدلي من خلفه، ليلحق بها بالخارج، فاستقبله السائق بفتح باب السيارة......
*********
أعدت "نادين" الكثير من أصناف الطعام الشهي على الغداء بمساعدة "حور" و"تالين"، فاليوم ستجتمع افراد العائلة بعد غياب، انتهت "نادين" من سكب أكواب العصائر ثم استدارت تجاه ابنتها التي تعد السلطات بأنواعها، قائلة:
_روحي يا حور أسالي اخوكي وقوليله قربوا يوصلوا ولا أيه؟
جففت يدها ثم ارتدت حجابها المنسدل حول رقبتها، متجهة للشقة المقابلة لهم، طرقت عدة مرات، وبالرغم من أن الباب كان نصف مفتوح لم ترغب في الولوج قبل أن تطرق مرات متعددة، وحينما لم تنتظر رداً ولجت للداخل وهي تنادي بتوترٍ:
_"بدر".... بدر..
لم يأتيها رده، فاتجهت لغرفته ثم حاولت فتح بابها ولكنه كان موصود من الداخل، تعجبت للغاية من اغلاقه للباب بالمفتاح، فاتجهت لغرفة أحمد بقلقٍ من أن يكون أخيها بسوءٍ، وجدت باب غرفته مفتوح على مصرعيه، لتراه أمامها يؤدي صلاته بخشوعٍ تام، وصوت في الترتيلٍ سحرها لدرجةٍ جعلتها تجلس على مقربةٍ منه لتسمع صوته الخاشع في تلاوة القرآن الكريم، وبعد أن انتهى من صلاته نهض يثني سجادته وهو يتطلع اليها بابتسامةٍ مرحة:
_إنسيه لما بينام بيبقى شبه المقتول بالظبط.. لو عايزاه في حاجة مهمة وكده ممكن أجازف واعديله من البلكونة ورزقي ورزقك على الله..
شرودها بها لم يجعلها تستمع لما قاله، فخرجت كلماتها تلقائياً دون حساب منها:
_صوتك جميل أوي يا أحمد ما شاء الله، أول مرة اعرف انك صوتك حلو في قراية القرآن.
ابتسم على مدحها الرقيق، ثم قال:
_مش أوي كده، احنا على قدنا..
ضحكت وهي تجيبه:
_متخفش انا مش حسادة بس برضه صوتك حلو..
ضحك هو الأخير ثم قال:
_ماشي يا ستي متشكرين.... المهم هنأكل ايه النهاردة لحسن انا واقع!
قالت بحماسٍ سبقها بالحديث فلم يضع لها حداً:
_عملتلك طاجن ورق عنب بالكوارع انما ايه عجب..
تطلع لها بفرحةٍ:
_ايه ده بجد!
هزت رأسها، فوضع سجادة الصلاة على الاريكة القريبة منه ثم قال مازحاً:
_أنا خسيت النص من بعد ما تعبتي، محدش بيفتكرني بأي صابع كفتة تايه حتى...
تعالت ضحكاتها على مزحته، فانتفضت بوقفتها وهي تردد بتذكرٍ:
_يا خبر دي ماما هتولع فيا، كانت قايلالي اخلي بدر يشوفوهم بقوا فين وانا بحاول من ساعتها اصحيه مش عارفة.
أخرج هاتفه من جيب بنطاله وهو يردف بابتسامة عذباء:
_اهدي بس كده ولا هتقتلك ولا هيحصل حاجة... هجبلك أرارهم وحالاً..
ابتسمت وهي تردد بامتنانٍ:
_تسلم يا أحمد..
منحها نظرة هادئة قبل أن يحرر زر الاتصال، ليأتيه صوت آسر، فقال الاخير:
_فينك يا ديزل! .. كل ده في الطريق!
أتاه صوت الساكن بغيمة عشقه المجاور له:
_لا خلاص يا أحمد دقايق وداخلين عليكم ان شاء الله
=توصل بالسلامة أنت واللي معاك... أنا هستناك تحت..
_تمام يابو حميد... سلام
وأغلق الهاتف ثم أشار لها قائلاً:
_على وصول يا حور..
همت بالخروج قائلة بابتسامة رقيقة:
_الحق اكمل السلطة قبل ما يوصلوا..
ابتسم وهو يجذب مفاتيحه ثم قال:
_وأنا هنزل استناهم تحت..
وأغلق باب الشقة ثم هبط للاسفل وعينيه تراقبها وهي تدنو من باب الشقة المجاورة، حتى اختفت تماماً من أمامه، فاستكمل طريقه للاسفل بابتسامةٍ مرسومة على وجهه رغماً عنه..
*********
بغرفة "روجينا"
زفرت بتأففٍ حينما حاولت الاتصال به للمرة التي تعدت الخمسة عشر مرة ولم ياتيها رده، بات القلق يستحوذ عليها بشكلٍ كبير، فأرسلت اليه رسالة مسجلة والحزن والقلق كفيل بجعل صوتها مرتعش كالرعد الذي يضرب القمر فيجعله يرتعد خوفاً:
_أيان أنت فين من الصبح بكلمك مش بترد عليا، أنت زعلان مني في حاجة.. يمكن أكون عملت حاجة تزعلك وأنا مخدتش بالي.. أرجوك رد عليا أنا قلقانه عليك.. آآ.. أنت وحشتني أوي، مشفتكش امبارح ولا النهاردة.. أرجوك حاول تطمني عليك.. أنا حاسة اني هيجرالي حاجة من كتر تفكيري بيك.
*******
على الجانب الأخر..
فتح هاتفه ومن ثم فتح الريكورد المسجل وعينيه منصوبة على الطريق بنظراتٍ خالية من الحياة، مازال يتذكر مواجهته بألد عدو له، كان يقف أمامه ويتحدث إليه وتركه دون أن ينتهي منه، لكم مقود السيارة بغضبٍ كفيل بجعل السيارة تنقلب في حادث مذري تجاه عصبيته الدامية، ولكن لولا مهاراته بالقيادة لانقلبت به بالفعل، استمع "أيان" لصوتها الباكي فشعر بوهلة بتخبطٍ بمشاعره، ما بين الفرحة والغرور بأنه سيقتص منهما قريباً، وما بين التوتر والارتباك من شعوره بشيءٍ حاد يخترق قلبه لسماع صوتها الباكي، ثمة شيئاً غريباً يلامس قلبه حينما يستمع لصوتها، والأغرب من ذلك مشاعره التي تتحرك حينما تكون معه وبين يديه، ظنها بالبداية غريزته الذكورية هي من تحركه تجاهها ولكن بات الأمر الآن غير مفهوماً بالنسبة اليه، فأغلق الهاتف في تحدٍ لذاته بأنه لم يتغير، بل هو مثلما كان عليه، حتى انه لن يهتم برسالتها مثلما كان يفعل سابقاً، فبات طريقه للصعيد بمثابةٍ حرب غير منصفة له ما بين الاتصال بها والثبات باتزانه الرزين!
********
وصلت سيارة "آسر" أولاً، ليجد أحمد وعمه "سليم" باستقبالهم، حتى "حور" اسرعت للاسفل، لتضم رفيقتها بشوقٍ وترحاب تشاركت به نادين التي رحبت بزوجة خالها ووالدتها، واستقبلتهما أفضل استقبال، ومن بعدهما لحقت بهما سيارة "فهد"، فهبط منها ليسرع احمد باحتضانه، ربت على ظهره بحنانٍ وهو يردد:
_اتوحشتني يا ولدي... كيف أحوالك!
أجابه بابتسامةٍ متسعة:
_بخير يا عمي..
ثم اشار له بالصعود:
_اتفضل..
صعدوا جميعاً للأعلى فجلسوا بالردهة المطولة، لتستقبلهما"تالين" بالمشروبات الباردة، ومن ثم اسرعت تجاه عمتها لتحتضنها بشوقٍ:
_وحشتيني أوووي يا عمتو، كان نفسي اشوفك..
احتضنتها الاخيرة بقوةٍ ثم قالت:
_حبيبة قلبي وانتي كمان والله وحشتيني انتي ورؤى..
وتساءلت باستغرابٍ:
_هي فين؟
قالت ويدها تشير على غرفتها:
_جوه هي وبابا..
انعقد حاجبها بذهولٍ:
_هو خالد نزل من السفر!
هزت برأسها بنعم، فتساءلت بدهشةٍ:
_أمته ده وازاي ميقوليش!
تطلع لها فهد بإشارة فهمتها رغم عدم استيعابها ما يحدث، التقطت اذنيها صوت صغيرتها المنطلق بفرحةٍ:
_حمدلله على سلامتك يا بابا..
ابتسم "فهد" وهو يتطلع لها، فترك العصا عن يديه ثم أشار لها بأن تسرع لاحضانه، وبالفعل هرولت ليحتضنها باشتياقٍ تتبعه قوله المعاتب:
_كده متساليش عن أبوكي طول الفترة اللي فاتت دي، حتى الاجازات اللي بتاخديها مبقتيش تنزلي فيهم البلد، شكل عيشتك هنا عجبتك يا روجين..
ابتعدت عن احضانه وهي تجيبه بدلالٍ:
_حضرتك عارف اني بكره الجو في الصعيد، هنا بكون مرتاحة أكتر..
ربت على رأسها بحنان:
_وأنا مبحملش غير اللي يريحك يا روح قلبي المهم تكوني مبسوطة..
ابتسمت بفرحةٍ وهي تستند على صدره:
_حبيبي يا بابا ربنا ما يحرمني منك يارب..
ضمها اليها ببسمةٍ صغيرة، تلاشت حينما وجد الدموع تلألأ بعين زوجته، فأبعد ابنته عنه ثم قال ويديه تحتضن رأسها:
_مش هتسلمي يا ماما ولا أيه؟
انقلبت تعابيرها للضيق، وبالرغم من ذلك حاولت ان تبدو ثابتة حتى بقولها:
_لا هسلم.
ونهضت لتقترب منها ثم قالت بجمودٍ:
_ازيك يا ماما عاملة ايه..
نهضت رواية عن مقعدها وان كانت لم تقدم ابنتها على احتضانها فاقدمت هي، ضمتها لصدرها بوجعٍ وشوق يتلحمان بمعركةٍ قاسية، ثم همست لها بدموعٍ:
_كده يا روجين، أهون عليكي تسيبني كل ده من غير ما حتي ترفعي عليا سماعة التليفون، حتى مكالماتي مش بتردي عليها غير كل فين وفين طيب ليه يا بنتي!
ابتعدت عنها ثم قالت بابتسامة زائفة:
_معلشي يا ماما انتي عارفة اني من فترة كنت بمتحن وانشغلت بالمذاكرة حقك عليا..
ربتت على كتفيها بحبٍ:
_ولا يهمك يا حبيبتي المهم انك تبقي بخير دايماً.
حاولت رسم ابتسامة اخرى والدموع تكبتها داخل عينيها، فمن سيصدق ان "رواية" كانت الاقرب دوماً لروجينا ولكن الآن باتت الامور معقدة بفضل اصدقاء السوء وعلى رأسهم "تقى" التي سمحت لهما "روجينا" بالتدخل بحياتها، فسيطروا عليها سيطرة كاملة ليقتلوا بها كل زرع طيب زرعته رواية بداخلها، فباتت مهيئة لاستقبال ذاك الشيطان الذي ارسل لها اتباعه بالبداية ليمهدوا له طريق للدخول، وها هو الآن يستحوذ عليها قلبٍ وقالباً..
انتبهت "روجينا" من غفلتها على يد آسر التي تحيط كتفيها، ليشاكسها بمزحٍ:
_مستانية الأذن عشان تسلمي عليا ولا مستانية الكبير اللي يجي ويسلم على الصغير..
قالت بابتسامة مشرقة:
_لا وانت الصادق بفضيلك دور خصوصي عشان أسلم وأبارك وأعين..
جذبها لاحضانه ثم استدار بها للخلف، ليهمس جوار اذنيها وعينيه على تسنيم الجالسة جوار حوار وتالين تتبادل الحديث معهم بانشغال:
_عيني براحتك... هاا..
ضحكت وهي تهمس له بالصعيدي:
_عينت قبل سابق ياخوي، مهي تبقى صاحبة حور الروح بالروح بس برضك الاحتياط واجب ولازمن نعينوا تاني وتالت ورابع ولا أنت رأيك أيه!
هوى على جبهتها بضربةٍ خفيفة وهو يستفزها بالحديث:
_من رأيي انك تقعدي جنب خطيبك وتقيمه هو أفضل..
انقلبت معالمها فور دفعه لها برفقٍ لتجلس على مسافةٍ من أحمد، فارتبكت للغاية وانتفض جسدها بتوترٍ غير محبب، وبالرغم من حلقة المزح بينه وبين اخيها الا انها لم تفكر الا باختيار مكان اخر تجلس به بعيداً عنه..
انضم لهما "خالد" بعدما خرج من غرفة ابنته، فاسرعت اليه رواية لتحتضنه بدموعٍ وشوق، ثم قالت بعتاب:
_كده يا خالد تنزل من السفر واختك أخر من يعلم..
أجابها بصوتٍ مشحون بالهموم الموجوعة:
_غصب عني والله يا رواية، مكنتش فايق لاي حاجه خالص.
تساءلت بقلقٍ:
_ليه حصل أيه؟
تفحص اوجه الجميع ثم قال:
_لما نبقى لوحدينا هحكيلك..
ثم تركها وتبادل السلام الحار مع فهد الذي ما أن رأى اشارة منتظرة من وجه "بدر" الذي ولج من الخارج لتو، حتى همس لخالد قائلاً:
_اللي قولتلك عليه حصل..
ابتعد عنه وهو يتطلع له بصدمةٍ من سرعته في تلبية ما قاله، فاسرع بالحديث الغاضب:
_خدني ليه عايز اشفي غليلي..
أمسك يديه وهو يحثه على الجلوس قائلاً:
_أعقل، أنا ما صدقت اعقل بدر، هناخد حقنا منه بس بالعقل..
ثم رفع عينيه تجاه بدر ليشير اليه بهدوءٍ، فتابعهما خالد بعدم فهم، وخاصة حينما ولج بدر لغرفة ابنته، فنقل نظراته لسليم الذي قال بحزمٍ:
_بعد ما الضيوف ياخدوا واجبهم هنروح للمصنع وتشفي غليلك منه..
هز رأسه بتفهمٍ، ثم قال:
_طيب وبنتي..
أجابه فهد بغموض:
_هي اللي هتختار بنفسها حياتها..
تساءل بعدم فهم:
_ازاي!
قال بايجازٍ:
_سيبها لبدر هو عارف هيعمل ايه بالظبط..
ثم أشار لهما قائلاً:
_يلا الأكل اتحط..
ونهضوا جميعاً ليجتمعوا على المائدة الضخمة الاي اعدتها حور ونادين لاستقبالهم بما لذ وطاب..
*******
بغرفة "رؤى"..
طرق بابها قبل أن يدلف للداخل، فسكن الحزن تعابير وجهه باجتيازٍ حينما وجدها ساكنة على فراشها، كأنها تستسلم للموت الذي بات الاقرب اليها وأسمى امنياتها، شرودها وبكائها الدائم جعلها بدوامة بعيدةٍ حتى انها لم تشعر بمن يقف أمامها، انحنى حتى جثى على ركبتيه أمام فراشها، ثم نادها بصوته العذب:
_" رؤى"..
رفعت عينيها تجاهه، فكانت حجتها لزهق تلك الدمعات العالقة، لم يتردد في مسح ما يؤلمها فازاح دمعاتها بعيداً عنها، ثم عاونها على الاستقامة بالجلوس على الفراش، ليسألها بنبرة ختمت بوجع سكن كلماته كالشبح:
_ليه عاملة في نفسك كده... مطلعتيش ليه تقعدي معانا بره؟
بابتسامة باهتة يتبعها دمعة خائنة قالت:
_أطلع فين يا بدر، أنا مش قادرة ارفع عيني في عين حد..
وببكاءٍ مرير قالت:
_أنا خلاص اتكسرت وكبريائي كمان انكسر معايا..
جز على شفتيه يحتمل وجع قلبه الباكي عليها، فرفع كفة يديه يطوف به وجهها، ثم أجبرها باصابعه بأن تتطلع اليه، ليردد بهيامٍ تزين بالعشق:
_ما عاش ولا كان اللي يكسرك وأنا عايش وعلى وش الدنيا، ياريت الوجع اللي جواكي ده يتنقل كله فيا وأرجع أشوف ابتسامتك وشغفك بالحياة تاني يا "رؤى".... بعدك عني مكنش عقاب أد ما حزنك ده أقسى عقاب ليا...
ثم زفر عدة مرات وهو يحاول التحكم بذاته، وبالفعل تمكن، فنهض ليجذبها عنوة لتقف أمامه وتنصت اليه حينما قال بصلابةٍ اكتسبها فجأة:
_بس خلاص جيه الوقت اللي أشيل كل اللي جواكي ده وبأيدك يا رؤى..
لم تفهم مغزى حديثه جيداً، فقالت بدهشةٍ:
_تقصد أيه؟
أمسك يدها واجبرها على ان تلحقه للخارج وهو يردد بثقةٍ:
_هتعرفي دلوقتي...
وخرج بها للاسفل مستغلاً انشغال الجميع بغرفة الضيافة، ومن ثم صعد بها لسيارته التي تحركت تجاه المخازن الخاصة بتوريد المصنع، توقفت سيارته أمامها فهبط ثم أشار لها قائلاً:
_انزلي..
طوفت المكان بنظرة خوف، ثم قالت:
_ليه!
لف اليها، ثم فتح بابها ليشير لها بالهبوط، فتتبعته بالاسفل، ومن ثم اتبعته فسلك شارع رفيع يفصل المصنع عن ذاك المخزن، فوجدت رجلين باجساد كالدبابات المدرعة يقفون أمام باب حديدي يفتح من الاعلى، وفور رؤياهما لبدر قال احداهما:
_الامانة مشرفة جوه من بدري يا بشمهندس، لو تحب نخلصوا منها احنا أي خدمة..
أشار له بحزمٍ:
_لا محدش يتعامل معاه بدون أذن مني...
ثم قال بصرامةٍ:
_افتح الباب..
دوي صوت الباب جعلها تتمسك به بخوفٍ، فما ان ولجت للداخل حتى سألته برعبٍ:
_أنت جايبني هنا ليه يا بدر!
وجدت نظراته قاتمة مخيفة، تتجه خلفها بثباتٍ قاتل، فاستدارت للخلف لتتفاجئ بأخر شخص تتوقع رؤياه، وجدته مقيد ووجهه بنزف دماءٍ لا مثيل لها، فقالت بصدمةٍ:
_أنت!
............ يتبع.............
#الدهاشنة٢....... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
أحبائي في #المغرب الحبيب ❤
رواياتي متوفرة حاليًا في #معرض_الرباط_الدولي_للكتاب جناح #إبداع رقم C36 في صالة C في #معرض_الرباط_الدولي_للكتاب_2022
بداية من 3 حتى 12 يونيو في فضاء السويسي بشارع الإمام مالك أمام فندق سوفيتيل ...
للتواصل مع الدار في معرض الرباط واتساب الرقم 00201004022774 أو هاتف رقم 0600126538
********___________********
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2...(#صراع_السلطة_والكبرياء..)
#الفصل_الرابع_والعشرون...
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة "آية بلقايد" من المغرب الحبيب، شكراً جزيلاً على دعمك المتواصل لي وبتمنى أن ينال القادم من أعمالي إعجابك... 💙)
حيرة... ارتباكٍ... حسرة.. غضب...خوف... كل تلك المشاعر اجتاحتها مرة واحدة حينما رأت أمامها مغتصبها ، الذي نزع بيديه أحلامها رغماً عنها، كان لقاءٍ غير مستحب لها، فتراجعت للخلف بخوفٍ، ازداد حينما لامس جسدها شيئاً صلب خلفها، استدارت لترى ماذا هناك؟ ، فوجدت "بدر" يقف خلفها كالدرع المنيع، تلقائياً اتجهت عينيها تجاه الباب الذي يغلق من الخارج، فهرعت تجاهه وهي تصيح بانفعالٍ جنوني:
_لا إفتحوا الباب...
أسرع "بدر" تجاهها ثم جذبها إليه وهو يخبرها بهدوءٍ:
_إهدي، أنا جانبك..
وكأنها لم تستمع إليه من فرط خوفها، فعادت لتهمس بتوترٍ:
_أنا عايزة أخرج من هنا..
شدد من ضغطه على يدها، وكأنه يبث لها الأمان:
_وحقك! .. مش هتعاقبي البني آدم القذر ده..
هزت رأسها بالنفي وهي تردد بهستريةٍ:
_لا مش قادرة اشوف وشه..
عند هذا الحد انطلقت ضحكات ذاك السفيه ساخراً من سماعه لحوارهما المتبادل، فقال باستهزاءٍ:
_كيف ستنتقم وما حدث بيننا كان يروق لها... أليس كذلك "رؤى"؟
اشتعلت مقلتيها غضباً، فأسرعت تجاهه وهي تصرخ به بعصبيةٍ:
_كداب وحيوان..
ضحك وهو يجيبها ساخراً:
_بربك يا فتاة، لقد منحتك ما فشل به حبيبك السابق الا أستحق بعض الإحترام!
لعب على سرها الذي أئتمنته عليه منذ بداية علاقتهما، وزعت"رؤى" نظراتها المحتقنة بينه وبين "بدر"، فوجدته يتطلع تجاهه بنظرةٍ ملأها الشر والغضب ليجعله مخيفاً بكل ما تحمله معنى الكلمة، فتحرك ليقف مقابله دقائق إستقبلهما بسكونٍ عجيب كما يقال ما سكون ما قبل العاصفة الرعدية، وفجأة انهال على فكيه بلكمةٍ جعلت الدماء ترتد بشراشةٍ على وجهه، ومن ثم ركله أسفل بطنه ليتأوه ألماً، فمسك شعره بين يديه ليجبره على التطلع إليه، يرى بذاته قبره المفترش بالجحيم بعينيه، وليستمع صوته المقبض:
_قعدتك هناك نسيتك شهامة وجدعنة العرب اللي انت للاسف منهم، بس عشان أبقى كريم معاك وواجب الضيافة المعتبر يوصلك هترجملك...
وإنخفض لمستواه وهو يثقل من نطق كلماته القاسية:
_كنت أتمنى أن ألقنك درساً لن تتمكن حينها من التطلع لأي فتاة، ولكني إخترت لك الأفضل..
وختم قوله ببسمةٍ شيطانية:
_ سأرسلك برحلةٍ سريعة لجهنم..
إبتلع ريقه بصعوبةٍ بالغة، حينما استمع لما تفوه به"بدر"، وإزداد خوفه حينما وجده يخرج من جيب جاكيته السلاح ليسلطه على رأسه، وكاد بأن يحرر رصاصته ولكنه توقف فور سماع صوت" آسر" الصارخ به بعدما ولج للداخل بصحبة أبيه وخاله:
_بـــــــــــــــــدر!
تحررت يديه عن الضغط المستمر على الزناد ثم استدار ليكون في مقابله، فأسرع تجاهه آسر، ثم التقط منه السلاح ليضعه على الخشب المسطوح بجانب احد الحوائط، ليستدير بجسده تجاهه وهو يعنفه بشدةٍ:
_قولتلك الف مرة حاول تتحكم في أعصابك!
تنحى "بدر" جانباً إحتراماً لعمه الذي اقترب ليصبح مقابل هذا الخسيس، فرفع عصاه ليلكزه بصدره بقوةٍ وصوته يزلزل الأرجاء:
_وقعت مع ناس مبيرحموش وخصوصاً اللي بيجي جنب حريمهم..
سال لعابه من فرط الخوف لهيبة هذا الرجل الذي بدى له من ملابسه بأنه من الصعيد، حاول "خالد" تخطي فهد لينال من هذا الوغد، ولكنه تراجع حينما منحه "فهد" نظرة تحذير واضحة، ثم رفع صوته تجاه من تقف وتراقب ما يحدث من على بعد مسافة آمنة لها:
_تعالي يا بتي..
استحضرت ذاتها المغيبة ثم إقتربت مسافة طويلة لتصبح جوار "فهد"، فلف يديه حول كتفيها ثم قال:
_مش عايز حد إهنه... اخرجوا كلتكم بره..
تعجب"خالد" من طلبه ولكنه على علم بأن الكبير يمتلك من الذكاء والحكمة ما يحيل ذاك الامر بطرفة عين، لذا خرجوا جميعاً للخارج وتبقت "رؤى" بمفردها معه هو وذاك الأرعن، بدت نظراتها مهتمة لسماع ما يود "فهد" قوله، وبالفعل ما هي الا دقائق من الصمت معدودة حتى بدأ بالحديث الصارم:
_اسمعي يا بتي، أنا خابر زين ان اللي حصل ده كان غصب عنك، بس اللي أني مش قادر استوعبه لحد دلوقت علاقتك بإنسان قذر زي ده، فجيه في بالي انك كنتي بتحبيه عشان اكده استغل الفرصة انه يعمل عملته، واني مش حابب انك تكوني مصغوطة في اختيارك لولدي...
قوست عينيها بنظرةٍ حائرة، تحاول فهم مغزى حديثه الغامض، فبسط "فهد" حديثه بلهجتها:
_قصدي من كلامي ده كله إنك لو بتحبي الكلب ده فأحنا نقدر نربيه كويس ونخليه يتجوزك على سنة الله ورسوله عشان متحسيش أن "بدر" ابني فرض نفسه عليكي، إنما بقا لو بتحبي بدر فهنا الكلام هيفرق...
ردت على الفور دون حتي أن تتمهل للتفكير:.
_أنا محبتش في حياتي غير بدر..
ارتسمت ابتسامة ماكرة على وجهه، فقد حصل على ما يريده، كان يخشى أن تتزوج بابن اخيه لتتخطى ما حدث لها، وحينها ستشعر بأنها انجبرت على ذلك، وربما ستسوء الامور فيما بينهما بعد الزواج، أما الآن فبات على ثقة تامة باقتناعها بالزواج الذي سيتم بعد الغد، سمح "فهد" لهما بالدخول بعدما حصل على ما يريد، فجلس على المقعد المتهالك القريب من باب الخروج، ثم أشار بعينيه لآسر، الذي اقترب منه هو ورجاله، فأمرهم قائلاً:
_فكوه...
انصعوا لأمره، وحلوا وثاقه فثار "بدر" غاضباً:
_هتسبوه بالبساطة دي يا عمي!
منحه "فهد" نظرة تعمقت بمعانيها، وأسماها أن ينتظر ويرى بذاته ما سيفعله "آسر"، فراقبهما باهتمامٍ، ليجد آسر يخرج من حقيبته جهاز الحاسوب الخاص به ثم وضعه على الطاولة التي وضعت أمام المقعد الذي جلس عليه لتو، فأجبره على فتح حساباته من ذاك الحاسوب ومن ثم حذف جميع الفيديوهات التي وضعها بيديه، وما أن انتهى مما يفعله حتى قال بخوفٍ لبدر الذي يحدجه بنظراتٍ قاتمة:
_فعلت ما أمرتني به والآن دعني وشأني.... أمر رجالك بحل وثاقي وأعدك بأنك لن ترى وجهي مجدداً..
راق لها رؤيته يتوسل لمحبوبها، فانتقلت نظراتها تجاهه، وجدته يمنحها رسالة غامضة عن طريقة اشارات عينيه ويديه، انعقد حاجبها بصدمةٍ فور تخمينها لما يريد، وخاصة حينما استدارت تجاه كا يشير، صفنت قليلاً بطلب بدر الشبه مستحيل لها، ولكن بنهاية الامر ذاك النذل يستحق ذلك وأكثر، لذا وضعت أمام عينيها ذكريات هذا اليوم البائس عنوة حتى تشجع ذاتها المرتجفة مما يلح عليها عقلها بفعله، رأت ما جعلها تبكي بصمتٍ وتستمع لآنين قلبها الخافت، استباح جسدها واستباح اسرارها التي ائتمنته عليها كصديق ظنته كذلك، ولكنها الان على علم كامل بأن ليس هناك علاقة تجمع بين رجلاً وامرأة، حتى وان كانت صداقه مثلما يدعي الغرب مثلما ارادت ان تصبح منهما، انهت طريقها القصير حتى وصلت لغايتها فحملت السلاح بأصابع مرتحفة واستدارت تجاهه، حاولت رقع السلاح ولكنها شعرت وكأنه ثقيل للغاية!
استمدت قوتها من نظرات "بدر" المحمسة لها مستغلاً انشغال "آسر" و"خالد" بتفحص حسابه على الحاسوب، بينما "فهد" يملي اوامره على رجاله بالتحفظ على هذا الوضيع لحين البت في أمره، فحكم بدر عليه من تلقاء ذاته وأمر محبوبته بالتنفيذ لتحرر طلقات السلاح الذي انطلق ليستقر بصدر ذلك الوضيع الذي استحقها، صوت الرصاص جعل الجميع في حالةٍ من الصدمة خاصة حينما وجدوها من قامت بذلك، فقد خمنوا أن بدر المتهور فعلها، صُدم "خالد" وهو يرى ابنته البريئة تتحول لقاتلة شرسة تدافع عن ذاتها، تعجب كيف امتلكت تلك القوة فجأة وهي رقيقة ضعيفة، فأتاه الجواب لحيرته حينما وجدها تتطلع لبدر بنظرة تتساءل عما فعلته، فأبشرها باسماً بأنها فعلت الصواب، اقترب "آسر" منه ليتفحص نبضه، ثم نهض ليشير لابيه المتساءل قائلاً:
_مات...
صاح "خالد" بتعصبٍ:
_ليه عملتي كده يا "رؤى"؟ كنا هناخد حقك بس بطريقة تانية، أنتي عارفة انتي عملتي في نفسك أيه ضيعتي حقك كده وهتتحبسي...
كرجل قانون لا يفكر الا بما يرضيه وجد ابنته مخطئة، فمحى"بدر" ذاك الخطئ حينما اقترب منها ليحمل عنها السلاح، متعمداً غرس اصابعه حول الزناد لتصبح بصماته هي من تحتضنه، راقبه آسر بابتسامةٍ هادئة وقد علم توابع خطته الذكية، فمن الذي سيحاسب رجلاً نال لشرف زوجته وهناك الف دليل لفعلة ذاك الدنيء، لذا استدار تجاه خاله الذى بدى الامر يتضح له هو الاخر،فقال بثباتٍ وهو يربت على كتفيه:
_أظن فهمت كده هتتصرف ازاي يا خالي!
ابتسم وهو يردد:
_فهمت..
نهض "فهد" عن مقعده وهو يخفي ابتسامته الماكرة حينما تصنع عدم رؤيته مفاوضات بدر ورؤى لقتله، فكيف كان سيسمح لذاك المغتصب بالفرار، ومن نهش لحمه هي احدى بناته، لكز بعصاه الارض بضربة كانت بمثابة اشارة لرجاله الذين اسرعوا لحمل جثمانه، ومن ثم قال وهو يهم بالخروج:
_وجودنا اهنه مبقاش له عازة...
**********
لأول مرة يشعر بالملل من زيارته للصعيد، كان ينتظر زيارته تلك بفارغ الصبر لعشقه أدق التفاصيل المتعلقة بجمال الطبيعة ولقاء عمه وأسرته، وخاصة جدته، هو الآن يشعر بوحدة قاتلة لا يسدها لقاء صديق أو قريب، ربما لانه اشتاق لرؤياها!
مل "عبد الرحمن" من الجلوس بالخارج، فنهض عن الأريكة ثم كاد بالولوج للثرايا الى أن استوقفه "يحيى" حينما سأله باستغرابٍ:
_أيه يا ابني مالك كده؟
أجابه في سئم:
_حاسس اني مش مرتاح هنا يا "يحيى"..
ذهب تفكيره بعيداً عما يلمح به رفيقه، فسأله بلهفةٍ:
_ليه حد ضايقك في حاجة؟
أخفض قدميه عن الدرج، ثم وقف مقابله ليرد عليه بحزنٍ:
_بالعكس محدش بيعمل غير اللي يبسطني، بس أنا اللي مش عارف مالي، حاسس كده ان في حاجة ناقصاني.
علم ما أصابه وخاصة بعد نطقه تلك الكلمات الفاضحة، تعالت ضحكاته الرجولية وجذبه اليه ليحيطه بذراعيه ثم قال ساخراً:
_أمممم.. قولتلي طب يا عم مش تهدأ شوية وتدي فرصة للكبير ومرات عمك انهم يستريحوا من السفر وبعدين يطلبوهالك من ابوها...
لوى فمه بتهكمٍ:
_يا هنا عما ابوها يفكر ويرد عليهم... مهو لو هما قدامه كان استعجل بالرد لكن شغلة التليفونات دي مش بتأكل عيش..
غمز له بمشاكسةٍ:
_أمال بتأكل ايه يا عبده.. عموماً متزعلش ربك حس بيك وبعتلك الراجل لحد عندك..
لكزه بغضبٍ:
_فايق للهزار وأنا خلقي في مناخيري...
ضحك على كلماته الاخيرة، ثم حاول الثبات بقوله الجدي:
_أنا بتكلم جد على فكرة، والد" تالين" هنا في مصر...
تفاجئ بما استمع اليه، فهمس "يحيى" مستهزءاً:
_متخلف ده ولا أيه!
ثم قال بصوتٍ مرتفع:
_يا ابني مش الكبير قايل قدامك وانت قاعد انت عقلك بيروح على فين؟..
اتكأ بجسده على درابزين الدرج الذهبي وهو يهمس بعشقٍ:
_عقلي وقلبي معاها.. مش عارف عملتلي عمل دي ولا أيه؟
ضحك يحيى بصوتٍ مسموع، ليضربه على رأسه بمرحٍ:
_الأجانب ملهمش في الاعمال وشغل التلات ورقات بتاعنا ده... فوق وإرجع لهيبتك كده بدل ما عمك يرجعهالك بالتي أحسن...
وجذبه من تلباب قميصه وهو يستطرد:
_هـــــــــا... هتفوق ولا نخليه يفوقك؟
صاح بخوفٍ:
_فوقت فوقت.
تركه وهو يشير له بتعجرفٍ:
_تعجبني وأنت بتوزن الامور صح يا عبده..
وتركه وصعد للأعلى، فأبتسم الاخير وهام بذاكرها، فانتفض بجلسته فجأة حينما لمح الساعة الموضوعة بمنتصف الحائط العملاق من أمامه، فصاح بانفعالٍ:
_الدوا....ازاي نسيت معاده..
وهرع للاعلى راكضاً حتى ولج لغرفة والدته،فوقف محله مشدوهاً حينما رأى "نواره" و"ريم"تساندان والدته،وجدته "هنية" تناولها الدواء بذاتها، لمعت دمعة نبعت بحدقتيه البنية، حينما رأى ذاك المشهد الذي طعن الحزن بقلبه وعينيه، فظل يراقبهما بصمتٍ وعدم قدرة على الحديث.
انتهت هنية مما تفعله فأشارت لها قائلة:
_بالشفا يا حبيبتي... نامي وارتاحي..
وضعتها "ريم" بفراشها مجدداً، ثم نهضت لتلحق بنواره فتفاجئوا بعبد الرحمن يقف أمامهما باكياً، فحرر صمته صوته المختنق بعباراته:
_بعد كل اللي عملته فيكم!
لمعت عين "ريم" ذات القلب الأبيض بالدموع، فاقتربت منه لتتمسح بيدها على كتفيه، وبابتسامةٍ رقيقة قالت:
_دي مهما كانت تبقى مرات أخوي وأمك... الدفر عمره ما يطلع من اللحم يا ولدي..
منحها ابتسامة صافية، بينما احتضنته نواره وهي تشير له بحنانٍ:
_بتعتبرنا أغراب اياك...
ثم مسحت دمعاتها وهي تحذره بضيقٍ:
_اوعاك تقول الكلام الماسخ ده تاني.. سامعني!
هز رأسه ببسمةٍ زرعت من نبع الوجع الذي يحيطه، فأشارت لهما هنية بالخروج، ثم قالت بصوتٍ واهن:
_تعالى يا ولدي اقعد جنبي..
دنا منها "عبد الرحمن"، ثم جلس لجوارهة لينصت لحديثها:
_أنت واحد منينا يا ولدي ومعزتك كيف آسر وولاد عمك بالظبط، أنت ملكش ذنب في اللي عملته امك وابوك زمان..
وبدموعٍ تلألأت بعينيها استكملت:
_تعرف لما أبوك مات جلبي اتوجع ، فؤاد كان له معزة خاصة عندي يمكن لانه الصغير، ولما عرفت انه كان متجوز ومخلف من غير علمي زعلت بس لما حسبتها زين لقيت ان اللي حصل من رحمة ربنا بيا لاجل ما يسبلي حتة منه تفكرني بيه..
وقالت وهي توزع نظراتها بينه وبين مروج الباكية دون صوت:
_يعني أنت بالنسبالي ولدي وحفيدي وكل حاجة في الدنيا..
احتضنها"عبد الرحمن" بحبٍ واحترام يزداد لتلك العائلة الذي يفخر كونه فرد منها...
**********
ولج "يحيى" لغرفته فتفاجئ بعمر بالداخل، يجلس جوار ابنته التي تحتضن عروستها الصغيرة بين يدها، بعد أن غلبها النوم فور سماعها للقصة التي قصها عليها أبيها، مسد "عمر" على رأسها بحنانٍ وابتسامة كاذبة ترسم على شفتيه، رغم دمعته الخائبة التي تهبط في صمتٍ على حالها، وفور شعوره بوجود "يحيى"، لف وجهه للاتجاه الأخر ليزيح دموعها بيديه، ثم تطلع له بابتسامةٍ هادئة:
_أخيراً جيت.."ماسة" كانت بتستناك..
دنا من الفراش، ثم جلس لجوارها وهو يجيبه بتأثرٍ على حاله:
_كنت بتمم على المصانع في قنا..
أومأ برأسه، فقال وهو يحاول التهرب من التطلع اليه:
_كويس انك روحت... يالا هسيبك تريح شوية تصبح على خير.
ونهض عمر ليتجه للخروج سريعاً قبل ان تخور قواه أمامه، أراد "يحيى" أن يلحق به ولكنه شعر بحاجته لأن يظل بمفرده بتلك الحالة، فنهض عن محله ثم دنا حتى أصبح قريباً منها، فتمدد لجوارها ثم جذبها برفقٍ لأحضانه، فطوفها بذراعيه وهو يهمس لها بعذابٍ يقتحم عالمه الوردي:
_عندي ثقة كبيرة في ربنا انك هترجع زي الأول وأحسن يا روحي...
ودفن رأسه بين خصلات شعرها التي يعطره زيت جوز الهند الذي يعشق رائحته، ليستسلم بعدها لنومٍ عميق..
********
توقفت السيارة بداخل ثرايا "المغازية"، فأسرع السائق ليفتح بابها قبل أن تنهال عليه بعتابٍ لن ينتهي، وربما ينتهي عمله ويحرم من فضل تلك العائلة الثرية، واهم ما يُوجب اتباعه ان يخفض نظراته طوال الوقت وخاصة ان اصطحبها لمشوارٍ، هبطت"فاتن" من السيارة بملامحٍ متخشبة، فعقدت الحجاب حول بعضه بعشوائيةٍ، ثم ضبطت جلبابها الأسود الفضفاض لتصعد الدرج متجهة للداخل بخطواتٍ شبه بطيئة، فما أن أصبحت بالداخل حتى أسرعت اليها الخادمة قائلة بحماسٍ وكأنها تنقل اليها خبراً تشتاق لسماعه منذ سنوات:
_البيه رجع وفي أوضته يا هانم..
تساءلت بعدم فهم:
_بيه مين... تقصدي "أيان" ولدي!
هزت رأسها عدة مرات وهي تردف قائلة:
_وصل من بدري ومن وقتها منزلش من اوضته..
حررت حجابها ثم أشارت لها بفرحةٍ:
_طب جهزي الوكل عما أطلع أشوفه..
هرولت للمطبخ وهي تجيبها:
_عنيا يا ست هانم..
اختفت من أمامها بينما هرولت الاخرى للاعلى بفضولٍ لمعرفة ما حدث بينه وبين ابنة الدهاشنة المبجلة، فما أن وصلت للطابق الأعلى حتى وقفت تلتقط أنفاسها الثقيلة بعدما صعدت الدرج بسرعةٍ لا تليق بعمرها، فطرقت على الباب عدة مرات، عدم سماعها لإذنه بالدخول دعها تخمن كونه يستريح قليلاً بعد سفره من القاهرة الى هنا، ففتحت الباب بحرصٍ ان لا تصدر أي صوتاً قد يقلق منامه، انعقد حاجبيها بذهولٍ حينما وجدت الفراش فارغ، فأضاءت الاضواء لتنير الغرفة القاتمة، فجحظت عينيها فزعاً حينما رأته يجلس على المقعد الهزاز، والدماء تتصبب من رأسه كالشلال، فأغرقت قميصه بدمائه التي أصارت رعبها، ونظرات عينيه الساكنة ببرودٍ قاتل كانت الاخطر لها كبداية للتفكير الكارثي الذي قد يوضح لها اقتراحات كل اقتراح ابشع مما يليه، أسرعت اليه "فاتن" لتهزه بقلقٍ:
_"أيان" ولدي... أيه اللي عمل فيك اكده، أنت عملت حادثة ولا ايه اللي حصل!!
لم يجيبها على أسئلتها المتلهفة، بل استكأن بعرينه بصمتٍ، انقبض قلبها فتفحصت جرح رأسه بلهفةٍ، ثم أسرعت بتضميده ومازال هو يجلس محله بثباتٍ مخيف، وفجأة انطلق هاتفه يخبره بأن هناك رسالة هامة استلمها للتو، فتح الرسالة وخالته مازالت تقف خلفه تضمد رأسه جيداً، فتطلعت لشاشة الهاتف لتجد صورة آسر الدهشان مرسلة لشخص مجهول والرسالة المستلمة منه تنص على..
«علم وينفذ يا باشا، هنربيه ونعرفه مقامه وهنبعتلك فيديو مصور وهو بيتروق عليه..»
شهقت فزعاً فتركت ما بيدها ثم صاحت باندفاعٍ:
_انت اتخنقت مع ابن فهد؟
نظرته تجاهها كانت اجابة كافية لها، فصاحت به:
_اتقطعت ايده... أني مش عارفة انت هتفضل ساكت اكده لحد متى، خد بتارنا وبرد نارنا منيهم افضح بتهم النهاردة قبل بكره..
ربما الابتسامة شيء اعتيادي لاي شخص، ولكن ويحك ان تبسم الشيطان، حينها تفزع القلوب وتتخبئ بداخل الصدر خشية مما قد يحدثه، خاصة بأن وجعه ليس ملموساً، يستهدف المشاعر فيصبح الوجع في صميم القلب!
إتبع ابتسامته تلك رداً صريح منه حينما قال:
_متستعجليش بوجعهم يا خالتي، الضربة اللي توجع هتوجع لما تكون في مقتل.... الصبر كل حاجة في وقتها بتبقى أفضل الف مرة من التسرع..
جذبت المقعد القريب منه ثم جلست تساله باهتمامٍ:
_كيف وأنت ناوي على الحرب من دلوقت؟
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_الحرب لسه مبدأتش، أنا اللي هبدأها ووقت ما احب..
أشارت على الهاتف وهي تردد بدهشةٍ:
_الحرب هتبتدي لما هتقتل ولد الدهشان، تفتكر "فهد" هيقعد ويتفرج عليك وأنت بتقتل ولده اكده!
بنفس الابتسامة اجابها:
_مين قال اني هقتله، انا عايزه عايش للحظة اللي هكسر فيها ابوه قدام الكل، عايز اشوف نظرات الغرور والثقة دي هتتحول لأيه وقتها...
انعقدت حاجبيها وهي تردد بدهشةٍ:
_والله ماني عارفة أنت بتفكر ازاي ولا ناوي على ايه!
اسند رأسه على المقعد، وهو يردف بتسليةٍ:
_استني وهتشوفي..
******
التزمت غرفتها منذ لحظة عودتها، تركت المياه تبلل جسدها بملابسها علها تغسل تلك اللحظة المؤثرة، كلما تتذكر ما فعلته ترتجف رعباً، كيف استطاعت قتله بتلك البساطة، ربما حاجتها للانتقام دفعتها لذلك، احتضنت "رؤى" ذاتها وبكت بتأثرٍ، بكاء زلزل قلبها الممزق، فاتاها صوت منادياً..... صوت يطلبها للاقتراب... صوت حثها بأن الله قريباً منها... اذا ارادت لقائه تهم لرؤياه، فمن المؤكد هو من يعلم ما بداخلها من قبل ان تنطق به، نهضت عن الأرض ثم أغلقت مياه الدوش وجففت جسدها، وخرجت تبحث في خزاناتها عما تتمكن من ارتدائه لتصلي، وبالفعل وجدت فستان بأكمامٍ، محتشم واسكارف كانت تتزين يه وتضعه على رقبتها، ارتدته وحاولت ان تصلي ولكن لم تستطيع، بكت بانهيارٍ حينما تذكرت بأنها طوال سنواتها لم تحاول مرة واحدة الاقتراب من ربها او حاولت تعلم الصلاة، مرت أكثر من ساعة بعدما أذنت العشاء ولم تستطيع ايجاد حل لمأساتها، أتى على بالها بتلك اللحظة "حور"، لطالما كانت تراها تصلي وتسجد بخشوعٍ لربها، خرجت من غرفتها على الفور وذهبت لغرفتها، فتركت بابها وحينما استمعت لأذنها بالدخول، ولجت للداخل... وفي ذاك الوقت كانت حور تجلس برفقة تسنيم التي شاركتها غرفتها، فتعجبت كلاً منهن حينما وجدوها تقف امامهن بتلك الثياب، فمنذ ان رأتها تسنيم وهي تراها تلبس ملابس متحررة هي وشقيقتها، رددت حور بتعجبٍ:
_رؤى!
اقتربت منها بحرجٍ وهي تقدم قدماً وتؤخر الاخرى حتى باتت مقابلها فقالت بدموعٍ مزقت قلوبهن معاً:
_مش عارفة أصلي يا" حور"، ممكن تساعديني..
انهمرت دمعات "حور" بتأثرٍ لحالتها، فاحتضنتها وهي تردد بدموعٍ:
_طبعاً يا حبيبتي هعلمك كل حاجة تخص الدين..
ابتسامة مشرقة اينعت من وسط دموعها، وخاصة حينما اقتربت منها "تسنيم" لتربت على ظهرها وهي تحمسها قائلة:
_أنا صحيح مش عارفة كتير، بس هساعدك لو تحبي..
هزت رأسها كالغريق الذي يتعلق بقشة النجاة، فولجت مع تسنيم للمرحاض مرة أخرى، لتعلمها كيف تتوضأ لتستعد للقاء الله عز وجل، وخرجت معاها لتجد حور بانتظارها لتصلي بها وتعلمها اول خطوات الصلاة، شعرت براحة غريبة تحيط بها لأول مرة، كأنا هناك هالة مضيئة احاطت بها لتضيء قلبها المعتم، قشعرة غريبة تمسكت بها مع كل كلمة ترددها خلف "حور"، وحينما لامست رأسها الارض استكأنت واخرجت ما يضيق صدرها من هم ووجع، وفور انتهائها من الصلاة، جلست لجوار تسنيم التي لم تمل أبداً من اسئلتها الفضولية تجاه الحجاب، فأول سؤالها كان:
_ليه بيقولوا ان الحجاب بيقصف الشعر وبيبوظه..
تطلعت تسنيم لحور ثم ابتسمت كلا منهن، فحررت تسنيم حجابها لينسدل شعرها الطويل الناعم على كتفيها، ثم قالت بابتسامةٍ رقيقة:
_فين ده أنا مش شايفة كده..
نقلت" رؤى"نظراتها بين حور وتسنيم بانبهارٍ، فعادت تسنيم لتستكمل حديثها بحوار مشهور سبق ذكره من قبل حينما سألتها قائلة:
_فين موبيلك يا رؤى..
أجابتها قائلة:
_في اوضتي ليه؟
جذبت حور هاتفها لتضعه بين يد تسنيم قائلة بمكر:
_بس انا موبيلي موجود... اتفضلي..
تفحصته تسنيم بنظرة جعلتها حائرة للغاية، ثم اختصت رؤى بسؤالها:
_الله الفون ده جميل بس ليه يا حور مبوظاه بالجراب ده، مخلي شكله وحش وباهت..
اقترحت رؤى اجابة:
_اكيد لازم تحفظه بجراب لانه غالي وممكن يبوظ منها او يتوسخ...
اتسعت ابتسامتها ثم قالت:
_عشان كده ربنا بيحمينا من العين، وبيحفظنا بالحجاب واللبس الواسع ده، عشان احنا غالين ومينفعش الرايح والجاي يتفرج علينا..
استطاعت بمثلها البسيط المعروف ان تسهل عليها، فاتسع صدرها وظلت جوال ليلها تستمع لحور تارة ولتسنيم تارة اخرى حتى باتت على يقين بقرارها بأنه صائب..
********
أشرقت شمس اليوم التالي، فتسلل "أحمد" لغرفة "آسر" بحرصٍ، حتى ولج للداخل، فوقف حائراً للغاية حينما وجد جسدين يلتف كلاً منهما بغطاء منفرد، فوقف يردد بحيرة:
_مين فيهم آسر ومين فيهم بدر.. يوووه انا هعمل ايه الوقتي في عمي اللي عايز ابنه ده..
حسم احمد قراره، وخرج لسليم، فسأله باهتمام:
_فين بدر!
قال في ملل:
_معرفش، اخاف اصحى آسر يقوم يقتلني... الله يكرمك يا عمي ادخل انت صحيه وتبقى عملت فيا الخير كله..
حدجه بنظرة صارمة اتبعه قوله الحازم:
_خبر أيه يا احمد.. هنقف نهزر على الصبح ونسيب مشاغلنا، ادخل صحيه وقوله يحصلني على تحت...
وكاد بالهبوط فأسرع احمد خلفه ثم قال بتوتر:
_مهو حضرتك متعرفش ان بدر ابنك بيموت وهو نايم، يعني مبيصحيش بالساهل، اسر بقا نومه خفيف لو كحيت هيصحى وهينفخني يرضيك اتنفخ يا عمي!
احتدت نظرات سليم فلكزه بعصاه بحدة:
_معندناش حد بيخاف كيف الحرمة، تحب اصحيلك الكبير يتفرج على الخلفة اللي تفرح الجلب..
لوى فمه وهو يجيبه بتهكمٍ:
_خلاص متصحيش حد هدخل وامري الى اللي لا بيغفل ولا بينام وشاهد وعارف الحق فين..
وجذب العصا من يد عمه قائلاً بسخرية:
_لفيلي العصايا دي لما نشوف اخرتها ايه عاد..
وتركه ودنا من الغرفة ثم التقط نفساً مطولاً وهو يردد بهمسٍ استمع له سليم جيداً:
_حسبنا الله ونعم الوكيل في كل ظالم حاقد..
وولج للداخل فابتسم سليم وهبط للاسفل قائلاً:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم... صبرنا على الخلفة دي..
*******
ولج أحمد للداخل، فاحتضن العصا ثم جلس على الأريكة يفكر ويحسم الامر، أي منهما بدر والاخر آسر، اتأخذ أكثر مت نصف ساعة، فدق هاتفه للمرة الثانية وهو يعقد حسبته حول الطول والعرض، ومقارنة طالت ولم تنتهي، أجاب على هاتفه على مضضٍ:
_أيوه يا عمي نازل رن رن في ايه!
أجابه سليم بغضب:
_قين بدر يا ابني الله يكرمك اني مش نقصك على الصبحية...
اجابه بغضب:
_هو انت مديني فرصة اركز عشان اعرف مين فيهم الزفت ابنك، اصبر بس الله يكرمك وسبني اركز..
=تركز في ايه انت بتهبب ايه بالظبط!
_اقفل بس وهتلاقي كل خير ان شاء الله...
واغلق احمد الهاتف ثم نهض عن الاريكة واتجه للفراش قائلاً:
_توكلنا على الله.
ولكز بعصاه من يقبع بجوار الحائط وهو يردد بعصبية:
_بـــــــــــــــــدر أنت يالا أبوك مستنيك تحت بيقولك عايزك في موضوع مهم وانفرادي.. هتقوم ولا اتوصى بيك..
لم يأتيه الرد، فرفع عصااه ليلكمه ضربة قاسية، انكمشت تعابير احمد المبهجة حينما رُفع الغطاء، ليكشف عن هوية صاحب المكان الحائطي، فردد بصوتٍ مرتعش:
_آسـر!!
حدجه بنظرة نارية، فتراجع للخلف وهو يشير له قائلاً:
_ماليش دعوة والله عمك سليم اللي قرفني من النجمة وعايز ابنه وانا هنا من بدري محتار بينكم..
صمته جعله يخمن باسباب اخرى قد تنقذه اليةم:
_على فكرة احنا مش ولاد عم بس احنا بينا نسب ولا ايه..
ترك آسر الفراش ثم اتبعه حتى حاصره بين الحائط، فلكمه بقوةٍ وهو يهدر به بغضب:
_في حد يصحي حد كده يا متخلف..
تأوه وهو يردد بالم:
_مهو بدر مش حد... ده قتيل بدليل انك كسرت كل جاجة في الاوضة فوق دماغي ولسه بيشخر وعادي الدنيا عنده ده حيوان صدقني بينام مبيحسش بحاجة...
لم تكن حجته مقنعة لاسر الذي عاد ليلكمه من جديدٍ، وهو يصيح بشراسةٍ:
_اعمل فيك ايه، انا منمتش طول الليل بسبب الزفت اللي بالع تكيف ده، وتيجي انت وتكمل عليا..
ابتسم احمد قائلاً:
_كنت سبله الأوضة وتعالى نام جنبي انا الجنب اللي بنام عليه بصحى تاني يوم عليه..
اتاهم رد بدر وعينيه مغلقة:
_ابويا اللي واخد اوضتي اطردوه هو وسبوني انا اعيش..
اتجهت نظراتهم معاً تجاهه، فاستكمل بدر حلمه الواقعي:
_كل اللي ييجي بيطردني بره اوضتي وبيجبوني هنا في اوضة الزفت، مبعرفش اخد راحتي على السرير..
تعالت ضحكات احمد وهو يردف ساخراً:
_متقلقش ده احنا هنريحك على الاخر..
وهجم كلاً منهما عليه، فتأوه بدر بألم شديد، لينقلب الثلاثة أرضاً، فتح عينيه بنومٍ ليجدهما امامه، فصاح بفزعٍ:
_أيــــــــــــه.... يا ساتر يارب في ايه؟
لكمه احمد بسخرية:
_احنا الملايكة وانت في جهنم الحمرا هتقوم ولا نطعنك بقوس قزح.. ولا اقولك استنى..
واشار لآسر قائلاً:
_خلص عليه يا آسر الواد ده ابن حلال ويستاهل..
اتجهت نظراته لآسر المحتقن وجهه، لتنتهي بصراخه المفزع:
_بـــــــــــــــره... اللي هشوفه هنا هعلقه في النجفة..
أسرع أحمد للخارج بينما جذب بدر الغطاء ليستكمل نومه على الارض وكأن شيئاً لم يكن، فركله آسر بقوة جعلت جسده يرتد بعيداً عن الغطاء فنهض سريعاً ليلحق بابن عمه للخارج، بينما تمدد على الفراش وهو يردد بغضب:
_رجعنا للقرف تاني...
*********
بشقة الفتيات..
شددت "رواية" على "رؤى" و"تسنيم "، بأن تستعدن للخروج بصحبة بدر وآسر لاختيار فستان بسيط لحفل عقد القران التي ستتم بالغد، فقدمت" حور" لرؤى فستان وحجاب حتى تستعد للخروج بصحبتهم، اما تسنيم فوقفت امام المرآة شاردة، يخفق قلبها بوجوده فكيف ان خرجت بصحبته بمفردهما لا تعلم بأن سيحدث ما يجعلها تقترب منه الف خطوة، وحينها ستعلم بأنه من يستحق عذرية قلبها وعشقها، والفضل يعود لما سيفعله رجال أيان!!!!.......
............... يتبع...................
#الدهاشنة2... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
**********____________*********
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2....(#صراع_السلطة_والكبرياء...)
#الفصل_الخامس_والعشرون...
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة "حياة المهدي"، الاهداء بمناسبة عيد ميلادها، كل سنة وأنتِ طيبة وبخير وسعادة يا روح قلبي، كل سنة وأنتي محققة فيها كل أحلامك وطموحاتك، وأهمها انك على طول جنبي وبتدعميني... 💙)
دقات قلبها تتسارع وهي تجلس بالرواق تنتظره، تترقب لحظة رؤياه، تلك اللحظة الذي سيخفق بها قلبه بأحاسيسٍ تروق لها، لحظة تسلل دفء عينيه إليها، وعلى الرغم من تشتت نظراتها تجاه"حور" و"رواية"التي تتحدث إليها، الا أنها كانت تختطف نظرات سريعة لباب الشقة، تنتظر بشغفٍ أن يظهر أمامها، وربما كان قلبه يستمع لندائها، فظهر "آسر" من أمامها، ليرضي ندائها الروحي، وكأنه يعلم بأنها تشتاق لرؤياه مثلما يشتاق هو لها، ابتسامة صغيرة رسمت على وجهها رغماً عنها فور رؤياه، فما أن منحها تلك البسمة الصافية، حتى سحبت نظراتها تجاه حور سريعاً بخجلٍ، نادته "رواية" قائلة:
_تعالى يا "آسر"،إتاخرت كده ليه؟
ولج للداخل، ليجيبها وعينيه مسلطة عليها:
_معلشي يا حاجة راحت عليا نومة، بس وحياتك لتتعوض من بكره الصبح هتلاقيني صاحي من النجمة ده لو جاني نوم من الاساس..
ابتسمت رواية على توجيهه للحديث لتسنيم ثم تساءلت باستغرابٍ:
_طيب فين"بدر"، مش عايزين نتأخر أكتر من كده؟
دنا منهما، ثم أخرج هاتفه يطلب رقمه،فأرسل اليه برسالةٍ وتلاقى أخرى، ليغلقه وهو يخبرها:
_جاي أهو..
أومأت برأسها بهدوءٍ ، ثم قالت وهي تهم بالنهوض:
_طيب هقوم أعملك حاجة تشربها..
وتركتهما وتوجهت للمطبخ لتعد لهما شيئاً بارد، فاستغل"آسر" رحيلها، ثم جلس على مقربةٍ منها، ليهمس لها بصوته الرخيم:
_صباح الجمال والورد وكل شيء جميل في الدنيا..
رفعت عينيها تجاهه، ثم أجابته بابتسامةٍ صغيرة:
_صباح النور..
ابتسامتها أضاءت عتمة ليله، فبددت النوم الذي يطبق عليه حتى الصباح، تأملها بهيامٍ طال لدقائقٍ مطولة، دق الجرس فنهضت حور لتفتح الباب فوجدت أخيها يقف بالخارج، ثم قال لها:
_أنا هنزل أسخن العربية، قولي لآسر يحصلني على تحت..
هزت رأسها بخفةٍ وولجت للداخل لتخبر آسر بما أخبرها به أخيها، فهبط هو أولاً ثم لحقت به بصحبة "رؤى"..
*********
بالأسفل...
توقف بالسيارة أمام مدخل العمارة ثم خرج ينتظرهما فإستند على جسدها يراقب المدخل في إنتظار هبوطهم، هبط" آسر"أولاً فانضم إليه، ليسأله بقلقٍ:
_مالك! ... شكلك مش على بعضك كده!
لوى شفتيه وهو يجيبه بتهكمٍ:
_هيكون مالي يعني، حضرتك مقطع عليا في كل أوضة ادخل أنام فيها، معرفش أنام فين تاني على السطوح!
ضحك "آسر" بصوتٍ مسموع، ثم قال:
_كده الجيران هيتأذوا منك ومن صوتك وأنت نايم..
منحه نظرة شرسة، فغمز له آسر ساخراً:
_عايزك تجمد للي جاي..
لم يفهم ما يقصده بالتحديدٍ الا حينما رفع رأسه تجاه مدخل العمارة، فاستدار "بدر" بفضولٍ ليرى ماذا يقصد، فاستقام في وقفته وانفرجت شفتيه في صدمةٍ غريبة، ولسانه يردد تلقائياً:
_مش معقول!!
سيطرت عليها حالة من الدهشةٍ، وهو يرآها تقترب منه بفستانها المحتشم وحجابها الذي أضاء وجهها، ومنحه بريقٍ مميز، لوهلةٍ ظن بأنه يتخيلها في تلك الصورة التي رغب رؤياها بها من قبل، ولكن كلما اقتربت بخطاها منه كسرت حواجز ظنونه بأنها ليست خيال بل واقع ملموس، حتى باتت مقابله، تقف أمامه وجهاً لوجه..
ابتسمت "تسنيم" وهي ترى حالة بدر المثيرة للاهتمام، فحرصت على مراقبة ردود أفعاله، بالرغم من أنها تحركت تجاه آسر الذي استقبلها بفتحه لباب السيارة، فخطفت النظرات تجاه الخارج من نافذة السيارة لترى ماذا سيحدث بعد وقفتهما، فكلاً منهما تخشب أمام الآخر، حتى "رؤى" أحبت نظراته إليها بتلك الملابس التي منحتها شعور لا يقدر بثمنٍ، الى أن استمعت لصوته الذي عبر حواجز الصمت:
_زي ما إتمنيتك تكوني يا "رؤى"..
بسمتها الرقيقة فازت بما تبقى بدقاته الخافتة، وخاصة حينما قالت:
_وليه مخترتش البنت اللي بتتمنى تكون في الصورة اللي أنت عايزاها!
دنا منها قليلاً حتى لا يستمع الى ما سيقوله أحداً:
_حاولت بس قلبي إختارك أنتي ورضي بكل حاجة فيكِ...
أغلقت عينيها تأثراً بكلماته، فاسترسل قائلاً:
_أحلامنا مش دايماً بتتعارض مع واقعنا... وأنت حققتيه..
سكنت أمام عينيه المهلكة، فتمنت لو ودت العمر بأكمله هكذا أمامه! ، حتى هو تعمق بنظراته تجاهها وكأنه يمنحها عشق هامساً بما تعنيه هي له..
أطل" آسر" برأسه من نافذة السيارة ثم قال بسخريةٍ:
_لو فوقت من حلمك الجميل ده ممكن نتحرك بدل ما الكبير يبص من فوق يلاقينا لسه هنا ووقتها هتفوق من غير أي مجهود..
انفجرت "رؤى" و"تسنيم"ضاحكاً، بينما تحرك بدر باستياءٍ لمقعد القيادة، ليتجه بهما لأحدى المحلات الراقية..
**********
جذبت هاتفها تتفحصه للمرة التي تخطت الثلاثون، ولم تمل بعد، مازالت تترقب اتصالاً هاتفياً منه، أو حتى رسالة يطمنها به عليه، فمرت ثلاثة أيام حتى الآن ولم تستطيع أن تتواصل معه حتى تلك اللحظة، انهمرت دمعاتها بانكسارٍ وكل ما يجوب خاطرها في تلك اللحظة ما يحدث مع أغلب الفتيات، حينما تسلمه الفتاة عرضها يتخلى عنها الشاب سريعاً، وبالرغم من أن ما تفكر به هو حلاً منطقي لبعده القاسي ومعاملته الغير مبررة بالمرةٍ الا أنها كانت تضع له ألف عذرٍ!
خدعها حبها الأعمى وأباد عقلها فبات مغيباً، تعلقت أعين"روجينا" بشاشةٍ هاتفها بنظراتٍ أمل وكأنها تتوسل الا يخيب ظنها به، أسرعت بإبعاده عنها ثم أزاحت دموعها سريعاً حينما شعرت بتحرر مقبض باب غرفتها، لتطل من خلفه "رواية"، فاقتربت لتضع صينية العصير من يدها على الكومود الزهري الصغير، ثم دنت لتجلس جوارها على الفراش، فرسمت ابتسامة مشرقة تخفى به ارتباكها في اختيار ما ستبدأ في قوله، فقالت بتوترٍ:
_حبيبتي أنا عارفة إن من أخر خناقة كانت بينا وأنتي لسه واخدة على خاطرك مني، بس صدقيني أنا بعمل كل ده عشان خايفة عليكي وعلى مصلحتك..
ابتسامة شبه ساخرة ارتسمت على محياها، فرفعت رأسها للاعلى تحاول استرجاع تلك الدمعات الواشكة على الهبوط، ثم قالت:
_أنتي أي حاجة بتسعدني بترفضيها يا ماما، كل حاجة بتعترضي عليها، لبسي، شكلي، أصحابي، حتى لما حاولت أفسخ الخطوبة وأبعد عن أحمد رفضتي ووقفتي ضدي!
وحدجتها بنظرةٍ قاسية قبل أن تستطرد:
_الأمهات بيحاولوا يسعدوا اولادهم بأي طريقة وأنتي مش بتعملي غير اللي يوجعني ويزعلني..
انهمرت دمعات"رواية" حينما استمعت لكلماتها القاسية، فحررت صوتها المحتبس خلف وجعها المكنون لتجيبها بقهرٍ:
_الأم هي حماية بنتها يا "روجينا"، وأنا واجب عليا حمايتك يا بنتي..
صرخت بها بتعصبٍ شديد:
_تحميني من أيه!!
ردت عليها ببكاءٍ:
_من نفسك، ومن شيطانك... من كل حاجة ممكن تسببلك أذى، زي اعتراضي على صداقتك من اللي اسمها تقى دي، من اول ما اتعرفتي عليها وانتي اتغيرتي ١٨٠درجة، لبسك، شكلك، لفة حجابك، حتى طريقة كلامك وأسلوبك، من واجبي اني احذرك وأحاول ابعدك عنها بس مش بالغصب يا بنتي والدليل على كلامي انك لسه لحد الان مصاحبها...
والتقطت نفساً مطول يعينها على استكمال ما تود قوله:
_ولو انتي شايفة نصيحتي ليكي في موضوع فسخ الخطوبة ده تعدي على خصوصياتك فأنا مش هتداخل تاني، تقدري تتكلمي مع بابا في الموضوع بس صدقيني بعد كده هتندمي.
هدأت حدة نظراتها قليلاً حينما استمعت لما قالت، فصفنت قليلاً فيما تسببت به"تقى" بحقها، وبالأخص بما حدث برحلة الإسكندرية، حينما ارسلت لها برسالة بأن تحضر لذاك اليخت فكاد ذاك الحقير بتدنيس شرفها لولا تدخل "أيان"، وحينما واجهتها بما فعلته انكرت ذلك، نعم كل ما تقوله هو الصواب والمحزن في الأمر بأنها تعلم ذلك ولكنها مازالت تكابر وتتمرد بعنادها، أفاقت من شرودها الصغير ذلك على لمسة يد"رواية" الحنونة حينما وضعت يدها على ظهرها ثم قالت :
_مفيش أم بتكره بنتها يا بنتي، الأم بتبقى عايزة تشوف بنتها احسن واحدة في الدنيا، والأهم انها تحافظ على نفسها، وأنا كمان كنت خايفة عليكي، طريقة لبسك يا روجينا ممكن توحي لحد إنك بنت مش كويسة حتى لو كنتي محترمة وفي حالك، لبس البنت هو مرايتها يا حبيبتي... بس أنا اوعدك اني مش هفرض رأيي عليكي تاني..
وتركتها ورحلت، فألقت ذاتها على الفراش تبكي بتأثرٍ حينما استمعت لما قالته "رواية" ، فشعرت وكأن حياتها بنيت على معتقدات خاطئة ستودي بها للمهالك حتماً...
***********
انقسم كلاً منهما ليتمكنوا من العثور عما يريد، فولج "بدر" و"رؤى"لأحدى المحلات، فمر بمنتصف المحل وعينيه تفتش عما سيليق بفاتنة قلبه، إختار "بدر" أحد الفساتين البيضاء بسيط التصميم ، فجذبه ليستدير به تجاهها وهو يشير لها بيديه:
_أيه رأيك في ده؟
لم ترى ما يحمله بيديه، فكانت صافنة به هو، حتى أنها قالت دون ان تلقى نظرة حتى:
_جميل..
أشار لها على الغرف الصغيرة الخاصة بالبروڤا ثم قال:
_إلبسيه وخليني أشوفه عليكي..
تناولته "رؤى" منه ثم اتبعت إشارة يديه المشير على الغرفة، فدخلت ومازالت نظراتها تأبى تركه، أغلقت أصابعها باب الغرفة رغماً عنها، فاستندت بجسدها على الباب وهي تحجب دموعها الغامضة، فبددت كل ما يهاجمها بتلك اللحظة ثم ارتدت ما قدمه لها بصدرٍ رحب، ولم تهتم حتى لتلقي نظرة على نفسها بالمرآة وكأنه هو مرآتها، فتحت "رؤى" الباب ثم خرجت لتقف من أمامه، عينيها الرقيقة لا تتطلع الا لعينيه، تستكشف الى أي مدى نال إعجابه، مرر "بدر" نظراته عليها حتى التقت بها، فابتسم وهو يردد:
_أيه الجمال ده كله!
منحته ابتسامة عذباء، ثم أخفضت عينيها لتتطلع لما ترتديه، فقالت بإعجابٍ:
_ذوقك حلو..
رفع حاجبيه بدهشةٍ:
_أنتي لسه بتشوفيه ولا أيه؟
اجابته بثقةٍ:
_اي حاجة من اختيارك هتكون جميلة يا بدر..
خفق قلبه بشراهةٍ، فمرر يديه على الفساتين المعلقة وهو يهتدي بخطواته ببطءٍ، حتى أصبح مقابلها، فهمس جوار اذنيها وهو يراقب الطريق من حوله:
_وأنتي أحلى إختياراتي..
شعرت بتلك اللحظة بأن جسدها يرتجف وهو يهاجم ذاك الدوار المفاجئ، فقالت وهي هائمة به:
_أنت ليه بتعمل معايا كل ده!
ضيق عينيه وهو يتساءل باستغرابٍ:
_هو أيه اللي عملته!
في تلك اللحظة تدفق الدمع بعينيها ليشهد على ما ستقول، فرفعت طرف فستانها حتى تتمكن من الاقتراب منه، ثم تمسكت بيديه فوزع نظراته بين يدها الممدودة على يديه وبين نظراتها المتعلقة به، وخاصة حينما قالت:
_متخلاتش عني بالرغم من كل اللي عملته.. ومش بس كده أنت دعمتني وادتني القوة أني اقف واخد حقي بأيدي...
ثم رفعت أصابعها لتزيح العالق باهدابها، وهى تستطرد:
_أنا لو مكنتش عملت كده بايدي مكنتش هرتاح، ويمكن مكنتش هقدر أكمل حياتي...
وبالرغم من دموعها، ارتسمت بسمة خافتة دفعتها لقول:
_حبك عزز قوتي وعزيمتي يا بدر... أنا آآ بأحبك.....
وكأن نسمة هواء باردة ارتطمت بجسده الحار، فمنحته شعوراً لا يوصف، ود لو تمكن من دفنها بين أضلاعه بتلك اللحظة، فدنا منها ثم تأمل كل آنشن بوجهها وهو يهمس لها:
_نأجل الكلام الجميل ده لبكره، ولا أيه رأيك؟
ضحكت فسلبته قلبه وعواطفه، فدفعها برفقٍ وهو يخبرها بانزعاجٍ:
_طب يلا بقى نروح لحسن وقوفنا بالمكان ده خطر عليا وعليكي..
ازدادت ضحكاً وهي تركض للغرفة لتستبدل ملابسها مجدداً، أما هو فتابعها بابتسامةٍ عاشقة لأصغر تفاصيلها..
**********
أحياناً يبدو المرء مرتبكاً حينما يشعر بأن نظرات أحداهما تلاحقه، هكذا كان حالها، حائرة، مترددة، مرتبكة، لا تعلم أي جهة تتطلع إليها، تخشى أن يمسك بها، الا يكفيها قلبها المضطرب لقربها منه، الا يكفيها عواطفها التي تدفعها نحوه، حاولت "تسنيم" التركيز مع العاملة التي تعرض عليها عدد من الفساتين البيضاء بسيطة التطراز المحددة لعقد القرآن، استند "آسر" بجسده على الحائط القريب منه، بينما تتابعتها نظراته، فابتسم حينما لاحظ تهربها منه، فاهتز هاتفه برنينٍ مزعج، فابتعد عنها قليلاً حتى يتمكن من الحديث مع "يحيى" ، أما هي فاستغلت الفرصة واخرجت هاتفها لتطلب حور، لا تعلم بأنه لن يتأخر بتركها، فقط أخبره بأنه سيعاود الاتصال به فور عودته، وحينما عاد استمع اليها تخبر حور بتوترٍ:
_ياريتك جيتي معايا أنا هموت من الاحراج ومش عارفة انقي أي حاجة...
وصمتت قليلاً لتستمع لردها، ثم اجابتها بعصبية:
_أنتي متعرفيش غير الهزار يا حور، بقولك مكسوفة منه ومش عارفة أختار حاجة...
_افتحلك الكاميرا ازاي وآسر واقف سا متخلفة!!!
_طيب طيب هنقي أي حاجة بس فستان الفرح لازم تكوني معايا سامعة؟
وأغلقت الهاتف ثم أعادته بحقيبتها سريعاً، وحينما استدارت شهقت فزعاً عندما رأته يقف أمامها، فأشارت له بارتباكٍ:
_دي "حور" كانت بتطمن عليا..
أومأ برأسه بابتسامةٍ جذابة، ثم اقترب منها فتراجعت للخلف بصورةٍ تلقائية، فاحنى جسده تجاهها مما زاد من ربكتها المسيطرة عليها، ابتلعت "تسنيم" ريقها بصعوبةٍ حينما جذب آسر الفستان الذي تستند عليه، فكانت حركة ماكرة منه، يتصنع اقترابه منها في حين إنه يجذب أحد الفساتين، وفور ابتعاده عنها عاد تنفسها لمجراه الطبيعي، وتطلعت لما إختاره آسر فرددت بإنبهارٍ:
_الله... جميل أوي..
منحها ابتسامةٍ هادئة ليتبعها قوله الماكر:
_وهي كمان بتقول كده.
تساءلت باستغرابٍ:
'مين دي؟
تفاجآت بهاتفه الذي أخرجه من جيب قميصه، فوجدت "حور" متصلة بمكالمة فيديو، قدم الهاتف اليها، فجذبته منه لتقول الاخرى بإعجابٍ شديد:
_تحفة يا تسنيم، بجد آسر ذوقه روعة... قيسيه بسرعه وابعتيلي صورة...
أغلقت الهاتف ورفعت عينيها تجاهه بابتسامةٍ ساحرة، ثم قالت:
_أنت سمعتنا وإحنا بنتكلم..
التقط منها الهاتف ثم أعاده لجيب سرواله، مجيباً عليها بصوته الرخيم:
_طبعاً بدون قصد مني، بس في النهاية اختارنا حاجة عجبت الكل ولا أيه؟
اتسعت ابتسامتها، فمنحها نظرة شملت عشق ضمها بحنانٍ، فاحتضنت الهاتف ثم قالت له بخجلٍ ملحوظ:
_هقيسه وأجي..
هز رأسه بخفةٍ، ثم وقف ينتظرها بشوقٍ، فما كانت سوى دقائق معدودة حتى طلت عليه بفستانها المنفوش قليلاً من الأسفل، ليغطيه بطانة من الدنتيل الأبيض، شعر وكأنه كالأبله، لا يعلم كيف يختار كلماته المعبرة عن إعجابه بها، فكل ما يرده بتلك اللحظة أن يظل يتأملها لأخر عمره، صمته المطبق أثار فضولها تجاه رأيه، فقالت بترددٍ:
_حلو عليا؟
بابتسامةٍ ساحرة قالت:
_مش حلو.. ده يجنن عليكي..
تلون وجهها سريعاً فور سماعها لما قالت، فحملته بين يدها، ثم أسرعت للداخل وهي تخبره بتوترٍ:
_هغير عشان منتأخرش..
وتركته وولجت للغرفة سريعاً، فما أن تخفت عن أنظاره حتى حضنت وجهها بيديها معاً لتخفي ابتسامتها الرقيقة ووجهها الذي بات كحبات الكرز الاحمر، فأبدلت فستانها سريعاً لترتدي ما كانت ترتدبه من قبل، ثم خرجت لتنضم اليه من جديد، فتساءلت بارتباكٍ:
_هنروح؟
تعمق بالتطلع اليها وهو يجيبها بخبثٍ:
_لحقتي تزهقي مني بالسرعة دي!
أخفت عينيها حرجاً منه:
_لا أبداً... أنا بس بسأل..
ارتباكها، تخبطها، ترددها، كل تلك الاحاسيس تروق له، تساعده في تكوين صورة ملموسة عنها، اختار البقاء بمسافةٍ قريبة منها ثم قال:
_هنتغدى في الكافيه اللي تحت وبعدين هنمشي من المول ده لو مش هيضايقك..
أخفت ارتباكها بسؤالها التالي:
_طب و"رؤى"..
أجابها وهو يحثها على الهبوط للاسفل:
_كلمني وقال إنه هيحصلنا على الكافيه..
أومأت برأسها وهي تتجه معه للطابق السفلي، فراقبت خطاه الذي يقترب من الدرج الكهربائي بخوفٍ شديد، حالها كحال أغلب الفتيات التي تعاني من فوبيا غريبة الأطوار، فذاك الدرج أسوء كوابيسها، تعجب "آسر" حينما وجدها تقف محلها، فقال بدهشةٍ:
_واقفة عندك ليه... يالا!
لعقت شفتيها بتشتتٍ ثم لحقت لتدنو منه، تقدم قدماً وتؤخر الاخرى حتى وقفت جواره فما ان تحرك بها حتى تمسكت به وهي تصرخ بخوفٍ، لتصيح بانفعالٍ:
_لاااا، أنا عايزة أنزل مبحبش أستعمل السلم ده... نـــــــــزلني..
ضحك "آسر" على حالتها، لم يتخيل أبداً خوفها الغير مبرر من الدرج، فقال من وسط ضحكاته الرجولية:
_إحنا فعلاً نازلين يا حبيبتي!
كلمته الاخيرة شتت ذهنها عما يحدث معها، فجذبت عينيها عن تطلع الدرج ثم تطلعت لعينيه الساكنة لفؤادها، فتطلعت لذراعيها المتمسكة بقميصه وعادت لتتأمل عينيه مجدداً، الى أن شعرت بسكينة حركة جسمها فوجدت ذاتها تخطت الدرج، انتبابه غموض لما يحدث لها حينما تترك حدقتيها تحتضن حدقتيه، تشعر بتلك اللحظة بأنها باتت مغيبة عما يحدث حولها، ربما شعورها بدقات قلبه من أسفل يدها ما جعلها تسترد وعيها، فإبتعدت عنه سريعاً وهي تخفي وجهها باستحياءٍ، فاتبعته حتى أصبحت بالمقهى، فأشار لها "آسر" على الطاولة القريبة منها قائلاً :
_اقعدي هنا عما أطلب الاكل وأجي..
أومأت برأسها بهدوءٍ ثم جلست تراسل حور لحين عودته...
*********
قارن من يقف أمامه بالصورة المحتفظ بها باستديو هاتفه، ليشير لمن يقف جواره بأنه نفس الشخص، فقال بنبرةٍ سوقية:
_بينه هو اللي عليه العين..
امتد بصر ذاك الرجل الذي يمتلك وجه مشوهاً بأكمله بعدة غرز من السكين:
_أه... طب وده هندخله ازاي ده؟
أشار ذو البشرة السوداء على من تجلس أمامها ثم قال بغمزة تحمل الشر بطياتها:
_دي هتبقى دخلته.
فهم مغزى حديثه، فابتسم بخبثٍ وهو يشير اليه بمدته:
_واجب يا معلمي..
وأخرج هاتفه ليسجل رسالة صوتية لرب عمله فقال:
_العصفور وقع وهنشله ريشه يا باشا... مش هنتوصى..
********
استمع "أيان" للرسالة الصوتية، وهو يقود سيارته المتجهة للقاهرة، فلم يعد لديه سوى نصف ساعة ويصل لشقته، عاد هاتفه في تلك اللحظة ليعلن له عن وصول رسالة جديدة، ففتحها ليجد "روجينا" تراسله للمرة التي تخطت الثلاثون، فاحتدت نظرات عينيه المسلطة على الطريق، والغموض ينبع بداخلها بخفيان، فجذب هاتفه ثم كتب لها
«ساعة وقابليني في الشقة»..
رسالة مختصرة منه كانت كافيلة بعودة الحياة إليها، غموضه وصرامته تزيد من تعلقها به، لا تعلم بأن الهلاك قادم وسيبدأ بما تحمله برحمها!!
*********
بدأ بتنفيذ مخططه الدنيء، فبدأ بالاقتراب منها، ثم جذب أحد المقاعد ليجلس عليها وهو يردد بنظرات وقحة:
_الجميل قاعد لوحده ليه؟
هلعت "تسنيم" حينما وجدت أحداهما يجلس جوارها، فقالت بخوفٍ:
_من فضلك التربيزة ملانة تقدر تشوفلك واحدة تانية..
انقبض قلبها حينما وجدت رجلاً أخر يجذب المقعد المجاور لها من الجهة الاخرى، ثم قال وعينيه تستباح التطلع لجسدها:
_مالك يا وحش قايم علينا كده، ما تهدي دنيتك كده وإحنا نشوفلنا معاك سكة..
احتبس الهواء داخل رئتيها، وخاصة حينما تطاول عليها بلمساته الجريئة، فلم تجد سوى اللجوء لأمانها، فرفعت صوتها بصراخٍ عاصف:
_آســــــــــــــــــر!
انتهى النادل من تحضير طلباته، فحمل "آسر" الصينية ثم كاد بالعودة للطاولة، ولكن سماع صوت صراخها، جعله يتخلى عما يحمله ليسرع إليها، فسيطر الغضب على معالمه حينما وجد من يضايقها في حضرته ووجوده الذي لم يشكل فارقاً لهم، فلم يتحرك أحداً من جوارها وكأنهم يتعمدون إثارة غضبه الذي بات هلاكٍ لهما.
جذب "آسر" المقعد الخشبي الموضوع لجواره ثم دفعه على وجه أحداهما، وركل من يجلس جوارها لتبدأ ملحمة شرسة جمعتهما به، فطاح بأحداهما أرضاً ثم ناوله عدد من اللكمات المتفرقة على أنحاء جسده ليتأوه ألماً، وكاد بإستكمال ضربه المبرح لولا تدخل الاخر فأحكم يديه حول رقبة "آسر" في محاولةٍ لخنقه، ولكنه استدار للخلف سريعاً ليفك قبضة يديه، ثم ناوله لكمة استهدفت أضلاعه فأصدرت صوت انحطام عظامه، ليصرخ بوجعٍ كالنساء، وبالرغم من ذلك لم يهتز لآسر جفن بل عاد ليستكمل ضربه من جديدٍ، وحينما فقد الوعي نهض ليبحث عن الأخر ولكنه لم يجده، فظن بأنه فر هارباً خوفاً مما سيحدث إليه، فتحرك تجاهها ثم أمسك يدها وهو يتساءل باهتمامٍ:
_إنتي كويسة؟.... حد عملك حاجة..
كان يتوقع بكائها، أو على الأقل رهبتها مما حدث، ولكنه وجدها تبتسم له بنظرة عميقة لم يفهم مغزاها، أو ما يدور بداخلها، كل ما اهتدى إليه نظرة الأمان والراحة في عينيها، وفي لحظة تحولت لهلع وهي تشير لمن يقترب منه قائلة:
_حاسب يا آسر..
انحنى سريعاً، فتفادى ضربة المقعد التي كادت باستهداف رأسه، فاستخدم قدميه ليعركل وقفته، ومن ثم انتصب بوقفته ليكيل اليه ضربة قضت على معافرته الرخيصة، ولم يتوقف هو عليها بل ظل يكيل له اللكمات المتفرقة القاسية..
******
بحث عنه "بدر" في المقهى، فصعق حينما يرأه يضرب أحداهما، فأسرع تجاهه ليحيل بينهما وهو يصيح بحيرةٍ:
_في أيه يا آسر، عملك أيه!
تجاهله واستكمل ضربه المبرح له، فدفعه للخلف وهو يخبره بانفعالٍ:
_كفاياااا...
ثم ركل "بدر" الرجل الممدد أرضاً مشيراً له بتقزز:
_قوم يالا من هنا..
انصاع إليه وكأنه وجد النجاة لحياته البائسة، فهرع من أمامهما ليلحق بصحبة السوء أما "بدر" فتساءل باستغرابٍ:
_أيه اللي حصل، ضايقك بالكلام ولا أيه!
أشار برأسه تجاه "تسنيم" التي تحتضنها "رؤى"، فخمن ما حدث، فقال بغضبٍ:
_ابن ال***...
ثم قال:
_أخد اللي فيه النصيب..
شرد آسر قليلاً ثم قال بعد تفكير:
_اللي حصل هنا ده مقصود يا"بدر"..
ضيق عينيه بذهولٍ:
_ليه؟... أيه اللي خلاك تقول كده؟
أجابه بغموضٍ:
_هتشوف...
وأخرج هاتفه ثم طلب أحد الأرقام الغير مسجلة، فصدم"بدر" حينما استمع لابغض صوتٍ يمقته، صوت "أيان المغازي"، ففور سماعه تطلع لاسر بصدمة من اتصاله الغريب ولكنه تفاجئ به يردد ساخراً:
_واجب الضيافة مش بيترد يابن المغازي، إحنا أهل كرم ونعرف نوجب مع ضيوفنا مرة واتنين وعشرة، وواجب الضيافة طال رجالتك...
وأغلق الهاتف بوجهه، فابتسم بدر بعدما فهم مغزى حديثه فقال بمكرٍ:
_أنت خطير على فكرة..
عدل من قميصه الغير مرتب ثم قال بثقةٍ:
_قول حاجة معرفهاش عن نفسي..
ثم قال بشرارةٍ لهبت عينيه:
_هو اللي بدأ يستحمل بقا..
ثم أشار له قائلاً:
_يلا هنتأخر كده..
*********
ألقى بهاتفه أرضاً والغضب يبدد معالمه البشرية ليجعله أشد خطورة، فألقى كوب المياه الذي قدمه اليه الخادم منذ قليل بعدما وصل لشقته، ليصيح بشراسةٍ:
_هوريك يا حيوان.... هقتلك وبإيدي...
وشدد على خصلات شعره بغلٍ كاد أن يقتلعه من جذوره، فالوحش المقيد بداخله بات حراً طليق، وما زاد غضبه قدومها بموعدٍ غير مناسب، ود في تلك اللحظة التي أخبره بها الخادم بوجودها بالأسفل لو جذب سكيناً ليقضي عليها وحينها ستخمد تلك النيران التي كادت بابتلاعه، ولكن ما حدث جعله مذهول من ذاته وعقله المغيب، فما أن رأته"روجينا" حتى أسرعت اليه لتحتضنه ويدها متعلقة بقميصه الذي كاد أن يتمزق من فرط تشبثها به، وكأنه كان ميت بالنسبة لها وعاد للحياة مجدداً، شعر "أيان" وكأن جسده تحت تأثير مخدر قوي، يود لو حرك يديه أو قدميه، ولكنه لم يستطيع بالمرة، حتى أنه اندهش من تشتت عقله بالتفكير بما حدث منذ قليل، فسيطرت عليه رغبة واحدة فقط، تستميله تجاهها، رفعت "روجينا" عينيها الباكية تجاهه ثم قالت ببكاء:
_أنا كنت هموت من القلق عليك!
وزع نظراته بين عينيها الباكية ويدها المتعلقة بملابسه، فحارب رغبته بمسح دمعاتها، ولكنه فشل السيطرة على أصابعه التي أزاحت دمعاتها برفقٍ، ورغم أنه لم يبرر لأحداً قط ما يفعله الا أنه قال ببرودٍ حاول اللجوء إليه:
_كنت في الصعيد..
عاتبته بلهفةٍ:
_طب مكنتس بترد ليه على مكالماتي، أنت متعرفش أنا كنت عاملة ازاي يا أيان، كنت فاكرة إنك آآ.....
لم تستطيع حتى التفوه بذاك الظن القريب من حقيقته للغاية، ولكنه علم ما كانت ستقدم على قوله، جرد ذاته من التفكير بالامر وقربها اليه، ثم همس له بنظرةٍ ذات مغزى:
_وحشتيني...
*********
بالصعيد..
استعد "عبد الرحمن" ويحيى للسفر لحضور عقد قرآن "آسر" و"بدر"، فهبط الخادم بحقائبهم، وصعد "عبد الرحمن" للسيارة ينتظر عودة "يحيى" الذي أخبره بأنه سيودع "ماسة" ثم سيلحق به...
******
بحث عنها "يحيى" كثيراً ولكنه لم يجدها، فانقبض قلبه برعبٍ وركض في انحاء الثرايا وهو يناديها بصوتٍ مرتفع:
_مـــــــاســـــة..
لم يترك غرفة الا وفتحها على مصراعيها، حتى الخادمة بحثت في كل مكان قد تجدها به، كاد الحال يصل به للجنون، مجرد تخيله بالسوء لها وللجنين جعله مشتت بتفكيره المؤلم، مرر يديه على شعره بقوةٍ وهو يتفحص الغرف من أمامه بحيرةٍ، فسلطت نظراته على أخر غرفة توقع أن يجدها بها، ولكن لم يكن الوقت مناسب ليتساءل اذا كانت بالداخل ام لا، لذا فتح الباب ليدلف للغرفة سريعاً، فصدم حينما وجدها تجلس أرضاً ومن حولها عدد من الصور والألبومات، وما جعل قلبه يطعن بسوطٍ يؤلمه حينما أشارت على صورة جمعتها بصديق طفولته، ثم نطقت بفضولٍ:
_آســر فين!
.............. يتبع................
#الدهاشنة..... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت....
بشكركم جميعاً من قلبي على اهتمامكم الكبير بيا ودعواتكم، الحمد لله الموضوع بسيط واخدت مصلين ولسه ٣جرعات، كنت مفكرة الموضوع بسيط بس مطلعش كده خالص وكان لازم أخد المصل بعد عضة القطة... يالا ربنا يسامحها 🤭..... المهم اني بشكركم لتاني مرة لصدركم الرحب وعايزة اقولكم ان في الوقت ده في معرض بالسعودية ورواياتي الورقية كلها في #معرض_المدينة_المنورة_للكتاب_2022 في #المدينةالمنورة بالمملكة العربية السعودية، بفضل الله أعمالي الورقية الحديثة والسابقة متوفرة في جناحنا إبداع رقم C32
للتواصل في المدينة المنورة واتساب الرقم ☎️00201004022774
أو هاتف رقم📞
0582075621
مكان المعرض: مقام خلف مركز الملك سلمان الدولي للمؤتمرات بالمدينة المنورة، ومستمر حتى 26 يونيو
في انتظاركم يوميًا من العاشرة صباحًا وحتى الحادية عشر مساءً ..
دمتم في محبة من الرحمن... هنتظر رأيكم بالفصل 💙
******___________*******
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة٢...(#صراع_السلطة_والكبرياء...)
#الفصل_السادس_والعشرون..
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة "ليلى جمعة"، القمر بزيادة اللي مش بتفوت ليا حفل توقيع الا لما تكون موجودة، من قلبي بشكرك على دعمك وتشجعيك ليا الدائم سواء إلكترونياً أو ورقياً... 💙)
ما أصعب هذا الشعور القاتل الذي أصابه في تلك اللحظة!، لوهلةٍ شعر بالكره والضغينة تجاهه... تجاه صديقه المقرب، ولكن ليس بيديه حيلة فيما يهاجم جسده وقلبه الجريح، فبالنهاية هو رجلاً قبل أن يكون زوجها، وكلمة رجل يا سادة مشتقة من الغيرة، فإن لم يغار على أهل بيته لم يستحقها، بعد عناء أطال معه لدقائق إستطاع"يحيى" أخيراً السيطرة على إنفعالاته، ثم رسم بسمة صغيرة مصطنعة وهو يسألها بهدوءٍ:
_ماله "آسر" يا "ماسة"؟
قالت بدموعٍ سبقتها بالحديث، وإصبعها يشير على الصور التي تجمعهما سوياً:
_" آسر" كان بيلعب مع "ماسة" على طول، ومكنش بيخلي حد يضربها أو يضايقها، أنا عايزاه يرجع..
اشتعلت مقلتيه بغضبٍ حاول السيطرة عليه، ولكنه فشل فخرج صوته حاد:
_يرجع إزاي يعني وأنتي مالك بيه!
خافت من نبرة صوته العالية ومع ذلك دبدبت بقدميها في الأرضٍ بطفولية وهي تبكي بصياحٍ منفعل:
_أنا عايزة آسر.... هو فين أنا عايزااااه..
كلما نطقت إسمه أمامه، كظم غيظه ولكنه يطرحه أرضاً لينتصر عليه، فلم يعد يحتمل سماع اسمه يردد على شفتيها، بالرغم من الحب والاحترام الذي يكنه إليه ولكنه بالنهاية لن يحتمل الكلام المسموع وخاصة إن كان على لسان زوجته!
نفث عن غضبه حينما جذبها من معصمها بالقوةٍ، ليخرجها أولاً من غرفة "آسر" ثم أغلق بابها ليصرخ بها بتعصبٍ شديد تشهده لأول مرة:
_أخر مرة أسمعك بتقولي الكلام ده والا هقطعلك لسانك فاهمـــــــــة؟
ارتعبت "ماسة" فبكت بخوفٍ، واستدارت تبحث عن ملجئ لحمايتها، فكان من المنصف لها حينما رأت "ريم" و"عمر"يسارعان للطابق الأعلى فور سماعهما صوت صراخه، فاقتربت ريم منه أولاً وهي تتساءل بقلقٍ:
_في أيه يا ابني؟
اختبأت "ماسة" بأحضانها وجسدها الهزيل يرتجف بشراهةٍ، فطبطبت عليها بحنان وهي تتطلع لعمر الذي اقترب منه متسائلاً بذهولٍ:
_أيه اللي حصل؟
تحولت نظرات "يحيى" تجاهه ثم قال بجفاءٍ قبل أن يختفي من أمامهما:
_أفضل إنك تسألها يا خالي..
وتركه وغادر من أمام عينيهما، فأخرجتها "ريم" من أحضانها، لتسألها بلهفةٍ:
_في أيه يا حبيبتي!
قالت بكلماتٍ غير منتظمة:
_"يحيى" وحش، زعق لماسة.... يحيى وحش....
ثم استكملت ببكاءٍ:
_أنا عايزة آسر هو فين؟.... آسر بيحب ماسة ومش بيزعقلها.
جحظت عين "ريم" في صدمة مما تفوهت به ابنتها، نعم عقلها عاد ليصغر خمسة عشر عاماً، ولكنها بمجتمع شرقي أصيل لن يتقبل حقيقة مرضها حتى يتقبل ما تقول، ستتهم بأبشع التهم التي قد تفتك بأي إمرأة، نقلت "ريم" نظراتها المصعوقة تجاه زوجها الذي إنسحب للاسفل، يلحق بزوج ابنته بعدما منحه الف عذر لعصبيته المتوقعة!
*********
بالأسفل...
جلس "يحيى" أرضاً، مستنداً بظهره على أحد الأشجار، يحاول بكافةٍ الطرق أن يخمد النيران التي التهمت قلبه، ولكنه كلما تذكر كلماتها عاد ليشعل فتيل الغضب من جديدٍ، فأغلق عينيه وسلم رأسه على أحد فروع الشجرة، محاولاً أن يشرد في لحظات الماضي المحمل بقصة حبهما ولكنه لم يستطيع حينما استمع لصوت أخيه الصغير يخرجه من دوامته حينما قال:
_أبيه "يحيى"، بدور عليك من الصبح عشان نتسابق على الخيل..
فتح عينيه على مهلٍ، وهو يجيبه دون طاقة:
_مش دلوقتي يا"طارق" بعدين..
لم يتقبل الصغير حديثه فقال بتصميمٍ:
_لا دلوقتي، أنا مصدقت أن ماما تخرج من البيت لأنها بتزعقلي لما أركب خيل..
خرج عن طور صمته وسكينته، فصاح به بحدةٍ:
_أنت مبتفهمش، قولتلك بعدين!
تجمعت الدموع بعين الصغير، وكاد بأن يبكي، فشعر بيدٍ تربت على كتفيه، فما أن استدار حتى وجد "عمر" يقف من خلفه، ليربت على ظهره بحنانٍ قبل أن يخبره:
_معلش يا حبيبي "يحيى" تعبان شوية لما يبقى كويس هيتسابق معاك وهيعلمك كل حاجة.
تقبل "طارق" ما قاله خاله، فغادر من أمامهما على الفور، أما "عمر" ففور مغادرته جلس جوار "يحيى" بصمتٍ طال لأكثر من نصف ساعة، ليقطعه يحيى حينما قال بارتباكٍ:
_أنا عارف إن حضرتك زعلان مني، بس صدقني غصب عني الموضوع صعب.
ابتسم "عمر"، فلم يود أن يبدأ هو بالحديث، تركه يبدأ هو عله يخرج ما بداخله، ليجيبه بثباتٍ:
_أنا مش زعلان منك يا يحيى، أنا راجل وفاهم كويس الا أنت حاسس بيه يا ابني..
ثم ربت بيديه على ساقه قبل أن يستعطفه:
_بس أنت المفروض تكون عرفت وفهمت حالة"ماسة" ، أنت كنت بتدافع عنها وجنبها فجأة تتقلب ضداها وتبقى عدواني فأكيد بالنسبالها هيبقى الموضوع صعب..
سيطر الحزن على معالمه، فاخرج "عمر" هاتفه ثم قربه من يحيى الذي تابع ما يفعله بفضولٍ، ففتح عمر المحادثة التي جمعته بالطبيب المختص بحالة "ماسة" ليرى رسالتين صوتية مرسلة اليه منذ دقيقتين بعدما أرسل له "عمر" رسالة مكتوبة بما حدث منذ قليل مع ابنته بالتفصيل، فحرر عمر زر أول تسجيل ليسمع يحيى صوت الطبيب وهو يقول
«اللي حصل مع ماسة ده طبيعي يا أستاذ عمر، لأن زي ما حضرتك قولت رجعت تعيش في البيت اللي قضت طفولتها فيه، يعني وارد انها بتستعيد كل ذكرياتها اللي متعلقة بطفولتها، ودي إشارة ممتازة جداً ، إن في أمل كبير إنها تستعيد ذكرياتها كاملة وتتخطى الحاجز النفسي اللي هي بتمر بيه، وأكيد ان في ذكريات بتربطبها بمكانٍ معين هتهاجمها، بمعنى إنها لما تدخل أوضة عاشت فيها قبل كده من الوارد انها تشوف بعض المشاهد اللي عاشتها، زي اللي حصل ليها لما دخلت اوضة ابن عمها ده...»
بدأت معالمه تترسخ قليلاً لتذكره ما حدث لها حينما ولجت لجناحهما الخاص، وخاصة حينما فتح "عمر" التسجيل الأخير:
«حالة ماسة صعبة مش سهلة يا استاذ عمر، ولو مكنش في معاملة خاصة ليها صدقني الحالة هتتكنس وهتخسر على الايجابيات والتطورات اللي وصلتلها، أنا عارف أن الموضوع صعب وخاصة انها تفتكر علاقة كانت سابقة ليها، بس ده الخيط اللي هتقدر بيه تفتكر اللي فاتها كله،عشان كده لازم الشخص ده يكون جنبها الفترة الجاية»
فور انتهاء التسجيل أغلق "عمر" الهاتف ثم تطلع ليحيى بقلة حيلة، فقال يحيى بضيقٍ شديد:
_يعني أيه!!
رد عليه "عمر" بحزنٍ:
_والله يا ابني مانا عارف...
نهض "يحيى" عن الأرض ثم ابتسم وهو يجيبه ساخراً:
_المفروض دلوقتي اني أخدها وأروح لآسر واقوله من فضلك خليك جنب مراتي!!!!... لا والمضحك كمان أن خطيبته اللي هتبقى مراته بكره هتسمح بده!!
وقف عمر هو الاخر ثم قال بلهجةٍ تحمل وجع عالم بأكمله:
_عندك حل تاني!
جز على أسنانه حتى كاد بكسرهما، فلكم جزع الشجرة بغضب أفتك بيديه التي نزفت الدماء، فاسرع عمر تجاهه ليمنعه من اعادة ما فعله وهو يصيح به بانفعالٍ:
_ده حل للي أنت فيه يعني!
تطلع تجاهه ثم قال بانكسارٍ:
_أهو أهون من الوجع اللي جوايا..
وتركه وغادر للأعلى، أما عمر فاتصل بفهد يقص عليه ما حدث...
**********
ازدادت ظلمة الليل ومازالت غافلة ، أما هو فكان يجلس على المقعد المقابل للفراش، يرتشف عصيره ببرودٍ، ليتأملها بنظرةٍ غامضة، يشرد بها تارة ويشرد بمخططه المحفز تارة أخرى، وجدها تتحرك بنومتها وتحرك ذراعيها يميناً ويساراً بتكاسل، حتى فتحت عينيها فوجدته يجلس جوارها، جحظت "روجينا" عينيها في صدمةٍ حقيقية، وهي تبحث عن هاتفها وتردد بخوفٍ:
_أنا لسه هنا!
وصرخت بهلعٍ وهي تتفحص ساعة هاتفها:
_ يا نهار أسود الساعة ١٠!
ونهضت سريعاً عن الفراش وعاتبته بعنفٍ وهي تبحث عن ملابسها:
_ازاي مش تصحيني يا "أيان"...الوقت إتاخر اوي بابا وآسر هنا مش في الصعيد هيبهدلوني دلوقتي..
ظلت نظراته الباردة تلاحقها، ليجيبها بثباتٍ:
_محبتش أزعجك... وبعدين الحل بسيط أوي قوليلهم كنت مع جوزي وأكيد محدش هيفتح بوقه بكلمة.
ارتدت حجابها سريعاً، وهي تجيبه بحدةٍ:
_ده وقت هزار ده...ربنا يستر وميكنش حد فيهم رجع البيت..
وهرولت لحقيبتها وكتبها تحملهما بإهمالٍ ثم قالت:
_أنا همشي دلوقتي..
تابعها برومادية عينيه ثم قال:
_تحبي أوصلك؟
أشارت له بالنفي وهي ترتدي حذائها:
_لا بلاش الله يكرمك مش ناقصة مشاكل مع" أحمد" زي المرة اللي فاتت..
أطبق بيديه على كوب العصير، فتهشم بين يديه، فشهقت فزعاً وهي ترى الدماء تنزف من يديه، فأسرعت تجاهه ثم قالت بلهفةٍ:
_أيه اللي عملته ده!
لف معصمه حول يدها التي تحاول رؤية يديه به، ثم قال بغضبٍ مميت:
_قولتلك الف مرة متتردديش إسمه قدامي تاني..
وهوى على وجهها بصفعةٍ قوية أسقطتها أرضاً أسفل قدميه، رفعت "روجينا" يدها لتتحسس خدها المتورم بصدمةٍ، فقالت ببكاءٍ:
_أنت بترفع إيدك عليا!
حدجها بنظرةٍ قاسية قبل أن ينحني ليجذبها تقف أمامه من جديد، ليحذرها بشراسةٍ:
_ومش بس كده هقطع لسانك لو جبتي سيرة الحيوان ده تاني، ولو سمحتيله يقربلك هقتلك وهشرب من دمك، سامعـــــــة!
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبةٍ بالغة، فقالت بألمٍ:
_سيب ايدي..
وجذبت يدها منه ثم إنحنت تلملم أغراضها ببكاءٍ شديد، ونهضت عن الأرض لتغادر فوقف أمامها مجدداً، رفعت عينيها تجاه ما يعيق طريقها بخوفٍ، فما أن رفع يديه حتى ألقت كتبها وحقيبتها لتحمي وجهها منه، وجسدها يرتجف خوفاً، أبعد أيان يدها التي تحمي وجهها ثم قال بصرامةٍ:
_بصيلي..
إنصاعت لما قال، ورفعت وجهها تجاهه، فقال ببطءٍ علها تستوعب كلماته:
_أنا مش هتسأسفلك والجو ده، لاني حذرتك مرة واتنين ومفيش تحذير تالت ليكي يا "روجينا" ياريت تكوني فهمتي كلامي...
لعقت شفتيها بخوفٍ شديد، وخاصة حينما ضيق عينيه بضيقٍ:
_مش سامع ردك!
تحرر لسانها المعقود لتجيبه بهمسٍ:
_حاضر..
قرب وجهه منها ثم قال من بين اصطكاك اسنانه:
_حاضر أيه؟
ارتعبت منه فقالت ببكاء:
_مش هتكلم عنه تاني..
ارتسمت بسمة رضا ونصر بما استمع اليه، فإنحنى ليجذب أغراضها الملقاة ثم وضعها بيدها وهو يشير إليها:
_كده تعجبيني... في أوبر تحت مستنياكِ... يالا عشان متتأخريش.
عملت منه الكتب وحقيبتها، ثم هرولت للأسفل بخطواتٍ سريعة..
********
بغرفة "يحيى"
القى بثقل جسده على الفراش، ليصفن بسقف الغرفة، ما يحدث له ليس بقليلٍ، بل هو مساوامة منصفة بين رجولته وقلبه، طال شروده ومازالت الحرب مشتعلة لا نصر بها ولا هزيمة، عقله وقلبه يحاربان باستماتةٍ، فخرج من تلك الحرب الدامية على صوت صرير مزعج يأتي ناحية الخزانة، فإشرأب بعنقه ليرى ماذا هناك؟
فوجدها تختبئ خلف الشماعة القصيرة التي يعلق عليها بعض الملابس، إبتسم رغماً عنه وهو يرآها تختبئ خلف شيئاً لا يخفي منها شيء، الا وجهها، جسدها ظاهر من حوله، فقال بابتسامته الجذابة:
_تعالي يا "ماسة"..
أدلت بوجهها من حلفه وهي تساءله بخوفٍ:
_خايفة...
أشار لصدره باستغرابٍ:
_مني أنا!
أومأت برأسها عدة مرات كإجابة صريحة على سؤاله، فسألها بابتسامةٍ ثابتة:
_ليه بس... أنا مش هعملك حاجة..
وضعت إصبعها على فمها تفكر بمصدقيةٍ حديثه، وحينما احترت بإجابة صريحة، قالت:
_يعني أنت مش هتقطعلي لساني زي ما قولت..
اتسعت إبتسامته وهو يرد عليها:
_لا يا روحي مش هعملك حاجة... تعالي..
ابتسمت حينما استمعت لما قال، ثم أسرعت بخطواتها تجاهه، فجعلها تجلس جواره، ثم مرر يديه على وجهها الملائكي وهو يردد:
_أنا عمري ما أعمل حاجة ممكن تأذيكي في يوم من الأيام، أنا عايش حياتي كلها مستني اللحظة اللي ترجعي فيها زي الأول، ده الأمل الوحيد اللي مخليني صابر ومستحمل فوق طاقتي..
ضيقت عينيها بعدم فهم لكلماته، ولكنها فهمت كلمة واحدة فقالت بحزنٍ:
_هو أنا لسه تعبانه يا" يحيى"؟
أطبق على شفتيه بقوةٍ، يحتمل الوجع الذي تسلل إليه بسؤالها هذا، فقرب رأسها ليضعها على صدره، ثم ضمها إليها وهو يردد بألمٍ:
_هتبقي كويسة يا روح قلب "يحيى"، هترجعي زي الأول وأحسن مهما كان التمن..
كلماته صرحت بانتصار قلبه بتلك الحرب الشرسة، ربما وجودها بذاك التوقيت كان بمثابةٍ داعم لقراره، فجذب هاتفه ثم ارسل برسالة لعمر بأن يرتب امور سفر"ماسة" معه بالغد...
*********
وقفت السيارة أمام مدخل العمارة، فهبطت "روجينا" ثم انحنت تجاه نافذة السائق لتمنحه الأجرة، فرفض تناول ما بيدها قائلاً:
_"أيان" باشا محاسب وبزيادة يا هانم..
وغادر بالسيارة من أمامها، فتأملت رحيله بنظرةٍ شاردة بزوجها الغامض هذا، ولكن لم يسعفها وقتها باعادة تدبير امورها المتعلقة به، بل هرولت للاعلى سريعاً قبل أن يتمكن أحداً من رؤيتها، فما ان وصلت للشقة حتى طرقت على الباب وعينيها تتفحص الباب المقابل لها، تخشى أن يفتح الباب أحداً من الشباب، ولكن صدمتها الحقيقة حينما وجدت "آسر" من يفتح باب الشقة، ليتطلع لها بنظرةٍ مخيفة اتبعها سؤاله الحازم:
_كنتي فين لحد دلوقتي؟
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ شديدة ثم قالت:
_بعد ما طلعت من الكورس روحنا أنا وبنات أصحابي إتعشينا في مطعم بره..
ثم تابعت بقولها:
_أنا عارفة اني اتاخرت بس والله يا آسر صمموا اني أكل معاهم... حقك عليا.
احتدت نظراته، فأشار لها بالدخول أولاً، فما أن ولجت حتى استمعت لصوت والدتها والجميع بالداخل يجلسون بالصالون بصحبة والدة تسنيم وزوجة خالها، فراقب الجميع ما يحدث وخاصة حينما صاح بها منفعلاً:
_بس أنا منبه عليكي إنك تكوني هنا على ٨ بالكتير، مش عارف ليه دايماً بتكسري كلامي... أنتي مش هترجعي الا لما أعمل حاجة بعيدة عن طباعي..
صراخه جعل "راوية" تهرع اليهما، فتساءلت بذهولٍ:
_في أيه يا آسر بتزعق كده ليه؟
أشار لها بتعصبٍ:
_نبهتها ٩٠مرة مترجعش البيت متأخر بس هي ولا على بالها قاعدة مع صحابتها وبيتعشوا ولا هممها حاجة..
ضمتها رواية لصدرها وكأنها تحاول حمايتها من غضب ابنها، ثم قالت بتبريرٍ:
_معلش يا حبيبي، اديها بتهوي نفسها مع صحابتها..
اتنقلت نظراته تجاهها ثم رد عليها بهدوءٍ:
_يعني يا ماما صحابتها وحشنها اوي مهي طول النهار معاهم بالجامعة، ولو افترضنا انها عايزة تقعد معاهم في نهار للكلام ده مش بليل..
استعطفته قائلة:
_خلاص يا حبيبي مش هتعمل كده تاني، اهدى عشان خاطري الناس جوه مش عايزين حد يحس بينا..
هدأ من روعه ثم أشار لها بتحذيرٍ شرس:
_المرادي عشان ماما بس صدقيني لو كررتيها مرة تانية متلمويش الا نفسك..
هزت رأسها عدة مرات، فاصطحبتها رواية للداخل سريعاً...بينما ظل هو محله يراقبها بنظرةٍ غامضة..
*********
ما الذي أصابه؟ هل جن أم تخلى عنه عقله! لماذا يشعر بالغيرة الحارقة حينما تذكر إسم خطيبها أمامه مع إنه ابن عمها بنهاية الأمر؟ لماذا شعر بعدم رضا حينما رفع يديه عليها!
ألقى "أيان" المزهرية الموضوعة على الكومود المجاور له بعصبيةٍ بالغة، وهو يحاول إيجاد أجوابة مقنعة لأسئلته الغريبة، وحينما لم يجد وضع أمامه حديث خالته العالق بذهنه عما حدث لوالدته على يد هذا النذل، لذا عادت شعلة الإنتقام لتشعل نار من جديدٍ، ليردد بفحيحٍ صوته المختنق:
_قريب أوي هجيب رأسك تحت رجلي أنت وابنك يا "فهد"..
********
بغرفة"حور"
لم تغادر الابتسامة وجه "تسنيم" منذ عودتها، لأول مرة تشعر بطاقةٍ غريبة لمواجهة مخاويفها، نعم باتت على يقين بأن آسر هو سر قوتها الغريبة تلك، تأكدت بأنها على استعداد مواجهة الماضي والحاضر والمستقبل... نعم لأجله هو ستفعل كل شيء... ستتمسك به حتى أخر أنفاسها.. تريده قلباً وقالباً....
تذكرها لمواقفه النبيلة معها باتت تلاحقها حتى صباح اليوم التالي، نعم كان هذا الصباح مميز للغاية بالنسبةٍ إليها، اليوم سيعقد قرآنها لتصبح زوجته على سنة الله ورسوله الكريم (عليه أفضل الصلاة والسلام)، اليوم سيوضع إسمها جوار إسمه، ظلت بحالة الشرود تلك حتى انتهت "حور" من وضع بعض اللمسات التجملية على وجهها، فتطلعت لنفسها بنظرةٍ إعجاب وهي ترى نفسها بذلك الفستان الذي إختاره لها بنفسه.
فتحت والدتها باب الغرفة لتخبرها بحماسٍ:
_بابا وخالك وصلوا يا "تسنيم"..
رسمت ابتسامه تخفي بها توترها لمعرفتها بأنه هنا، ولنكن على صدق لما تكن حالة خوفها يشابه ما كانت تشعر به من قبل، الآن تشعر ببعض الارتياح لوجود" آسر" جوارها، حتى ولو لم يكن معها بنفس الغرفة، يكفي بأنه بنفس المنزل الذي يحويها أحد غرفه، خرجت "تسنيم" لتجد "تالين" و"حور"و"أحمد" يزنون الرواق وباقي الشقة استعدداداً لتلك المناسبة، حتى "روجينا" شغلت بعض المهرجنات الشعبية وهي تغمز لها قائلة:
_الف مبروك يا مرات اخوي..
ابتسمت على كلماتها الاخيرة ثم تحركت تجاه "رؤى" التي تشير إليها من خلف باب غرفتها لتجدها لا تعلم كيف تعقد حجابها الأبيض، فعاونتها بأرتدائه، وظلوا سوياً بالداخل لحين وصول المأذون لعقد القرآن..
********
في ذلك الوقت وصلت السيارات من الصعيد وكان "فهد" و"سليم" باستقبالهما، فما ان هبط عمر حتى أسرع ليقف أمام فهد، الذي ربت بيديه على كتفيه وهو يخبره:
_هتتحل يا واد عمي.
منحه ابتسامة صغيرة، ثم تحولت عينين على "إسر" الذي هبط للتو، لينضم إليهما، ففور أن رأته "ماسة" حتى شددت على يد "يحيى" وهي تشير إليه تجاهه:
_آسر أهو..
منحه "فهد" نظرة عرف مغزاها، فمنذ امس وهو يشدد عليه بمساعدة "يحيى" ولكن مع مرعاة التحفظ التام بينه وبين "ماسة"، حتى لا يستفز ابن عمته فإن كانت" ماسة" ليست بعقلها فهو رجلاً ويعي الصواب من الخطأ، لذا اقترب منها "آسر" ثم قال بابتسامةٍ هادئة:
_ازيك يا ماسة عاملة أيه؟
ضحكت بطفولية وهي تجيبه:
_حلوة... فين الباربي اللي قولتلي عليها، مش هتأخدني تجبهالي!.
رفع "آسر" نظراته تجاه "يحيى" ثم عاد ليتطلع إليها والجميع يراقب رد فعله، فقال بمكرٍ:
_ أنا للأسف النهاردة مشغول أوي... ولازم نلاقي حل سريع عشان ماسة متزعلش صح؟
ذمت شفتيها وهي تجيبه بحزنٍ:
_صح...
تابع بخبثٍ:
_ كده يبقى مفيش غير حل واحد..
قالت بلهفةٍ:
_أيه!
أشار بعينيه قائلاً:
_"يحيى" فاضي ومفيش وراه حاجة، أيه رأيك تروحي معاه وتجيبي الباربي وترجعوا بسرعة؟
اتسعت ابتسامتها ثم جذبت يد يحيى لتشير له بحماس:
_يلا يا يحيى بسرعة قبل ما المحل يقفل.
قال وهو يهم بالخطى خلفها:
_طيب حاضر، اهدي بس..
وعاونها على الصعود للسيارة ثم عاد ليقف أمام آسر، ليرفع يديه تجاهه بابتسامةٍ صافية:
_مبروك يا عريس .
تطلع ليديه بضيقٍ، فسحبها يحيى واحتضنها، ابتسم آسر ثم همس له جوار آذنيه:
_الكورة هرجعها لملعبك تاني..
فهم مغزى حديثه، فودعه بابتسامةٍ تنم عن ثقته الكبيرة به، ليغادر لسيارته مجدداً، وفور رحيلهما بالسيارة، اقترب منه "عمر" ليضم يديه لصدره ثم قال بدموعٍ لحقته:
_شهم طول عمرك يا ابني..
اجابه بحزنٍ على حاله:
_هتبقى كويسة والله يا عمي، بس أنت خليك قوي..
منحه ابتسامة صافية:
_عندي ثقة كبيرة في ربنا...
ضمه "فهد" ثم أشار له بحزمٍ يحوي المرح بين نبراته:
_هنقضيها احضان إياك.. ورانا يوم طويل يلا..
ضحك وهو يحمل حقيبته ثم صعدوا جميعاً للأعلى..
*******
انتهت "تالين" من لصق أخر بلون على سقف الردهة، فإشارت لها "حور" على البقعة الفارغة قائلة:
_حطي واحدة هنا كمان يا تالي..
قالت وهي تتأملها:
_بس دي بعيدة يا حور مش عارفة هطولها ولا أيه؟..
وحاولت الوصول لأخر حافة المنضدة المعدنية لتضع البلون الاخير، فانفلتت ساقيها عنه ثم تهاوت أرضاً في نفس اللحظة التي ولج بها "عبد الرحمن" بحقائب "ريم" للداخل، فتلقائياً ألقى ما بيديه ليلتقطها قبل أن تستقر أرضاً، فتحت عينيها الشبه مغلقة لتتأمل لماذا لم تشعر بألم احتكاكها بالأرض، فتورد وجهها حينما وجدته يتمسك بها، تطلعت إليه بتوترٍ ثم هبطت عن ذراعيه وهي تشير له بالبلون الذي بيدها:
_انا أسفة والله ما أقصد، دي حور كانت عايزاني أعلق البلونة هنا وانا آآآ...
انقطع حديثها حينما وجدته يتأملها بشرودٍ، فربما لم يستمع لكلماتها من الاساس، ولكنها تفاجئت به يجيبها:
_ولا يهمك... المهم إنك متأذتيش..
قالت على استحياءٍ:
_لا أنا كويسة... شكراً على مساعدتك..
وتركته وهرولت سريعاً للمطبخ و"حور" تتابعها بضحك لم يتركها الا حينما جذب "أحمد" البلون ليفرقعه برأسها وهو يصيح لها بمرحْ:
_فين اللزق!!! هقع من على السلم المريب ده وانتي في دنيا تانية، بتبصي على أيه؟
حكت رأسها وهي تردد بألم:
_آآه مش كده يا عم.. ما تقول ناوليني اللزق الله..
رفع حاجبيه بسخطٍ:
_انتي عارفة انا ناديت عليكي كام مرة..
القت "حور" اللصق والمقص أرضاً ثم جذبت "روجينا" التي تختار المهرجان المناسب لتشير له قائلة:
_أما انت بجح بصحيح خلاص خلي خطيبتك تقوم بطلباتك بقا..
وتركته وولجت للمطبخ لتعاونهما، أما هو فتابعها بنظرة ساهمة بها، ليشعر بضيق صدره في تلك اللحظات التي ساعدته بها "روجينا"، وكأنها سحبت الهواء المنعش برحيلها!
*******
انقضت الساعات سريعاً حتى أتت تلك اللحظة الحاسمة حينما جلست كل فتاة مقابل حبيبها، وبعد خطبة مطولة من المأذون وضع العقد أمام آسر ثم أشار له على المكان الصحيح للتوقيع، فمنحها نظرة تعمقت بجمال عينيها قبل ان يضع إسمه على الورقة، ثم مررها لها فختمت اسمها جوار اسمه بنفس الورقة، لتعود للتعلق بنظرة عينيه الدفئة، وكل هذا يحدث أمام نظرات ذاك اللعين الذي يتابع ما يحدث بتأففٍ شديد وكأنه يستكتر الزواج لإبنة أخته..
أما"رؤى" فما أن وضع المأذون العقد أمامها بعدما وقعه "بدر"، حتى سلطت نظراتها الباكية عليه، وكأنها تتردد بتوقيعها، فبداخلها تشعر بأنه يستحق امرأة أفضل منها، على الاقل ليست ملطخة، وما زادها ألماً حينما تابع المأذون بكلماته لخالد الذي ردد بقبول ابنته البكر الرشيد، توقفت عند تلك الكلمة وكأنها طعنت بألف خنجر، تعجب الجميع من بكائها وانتظرها الطويل بعدم توقيع العقد، حتى أن البعض بات يتساءل عما بها تلك العروس الباكية، ففهد قد حرص على عدم كشف سرها لأي أحد من أفراد العائلة، حتى من اكتشف الأمر القاه ببئر صعب أن يبوح بمكنوناته، مسد" خالد" على ظهر ابنته ثم قال:
_امضي يا حبيبتي..
رفعت عينيها الباكية تجاه "بدر"، الذي قرأ بوضوحٍ ما تشعر به بتلك اللحظة، فنهض عن مقعده تحت أنظار الجميع ليقترب منها، ثم جلس جوارها ليمسك يدها، وبأبهامه حركهما حركات دائرية برقةٍ حول يدها وهو يشير لها بحبٍ:
_وقعي يا ست البنات..
طيب جرحها ودواه بحرافيةٍ، وكأنه بتلك الكلمات المبهمة منحها تقديراً لها عما تعني بالنسبة له، فابتسمت من وسط دمعاتها لتسحب نظراتها عنه لتلك الورقة فوضعت اسمها جوار، ليعلن المأذون بأن الزواج قد تم على أكمل وجه، فما أن انتهى من ذلك حتى ضمها بدر أمامهما دون خشية من أحداً...
فما أن حدث ذلك حتى تطلعت"تسنيم" لمن يجلس جوارها بخوفٍ، فإبتسم وهو يهمس لها بمكرٍ:
_لا أنا عاقل..
ابتسمت بسعادة بددت حينما استكمل همسه:
_قدام الناس بس، لكن لما نكون وحدينا الله أعلم بقا..
لكزته بصدره بغيظٍ، فتعالت ضحكاته الرجولية، مما زاد حقن من يتابعهما..
قطع تلك اللحظات صوت "عبد الرحمن" المرتفع حينما أشار ليحيى وأحمد قائلاً:.
_الليلة دي عندنا يا شباب يلا...
لم يفهم أحداً مغزى الحديث سوى "آسر" وبدر، فتقدم "احمد" و"يحيى" لحمل الطاولات التي تحيط بكل ثنائي، ثم وضعوا فلاشة خاصة بالمهرجنات، ليتراقص "أحمد" مقابل "عبد الرحمن" الذي جذب "بدر"، أما" يحيى" فجذب "آسر"، لتنحصر الردهة برقصاتهم الرجولية، حتى أن" سليم" انضم اليهما ليمنح "آسر" عصاه فلواها بين يديه بحرافيةٍ، لم يكن المكان مرحباً بانضمام الفتيات أبداً، فجلست كلاً منهن تراقب محبوبها خلسة، حتى كونوا مكان خاص بهن بنهاية الردهة، ليشكلوا حلقة دائرية حول العروس، في حين أن الجميع يرى بعضه البعض، فلم يمنع ذاك الازدحام احتضان نظرات "آسر" لها، فكلما كانت تتطلع تجاهه كانت تجده يتطلع لها بابتسامةٍ سلبت عقلها قبل ان تفتك بقلبها، ولكن ترى هل ستظل الفرحة تحوم بها؟..
........ بتبع.............
#الدهاشنة2.... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
********_______********
رواياتي في #معرض_المدينة_المنورة_للكتاب_2022 في #المدينةالمنورة بالمملكة العربية السعودية، بفضل الله أعمالي الورقية الحديثة والسابقة متوفرة في جناحنا إبداع رقم C32
للتواصل في المدينة المنورة واتساب الرقم ☎️00201004022774
أو هاتف رقم📞
0582075621
مكان المعرض: مقام خلف مركز الملك سلمان الدولي للمؤتمرات بالمدينة المنورة، ومستمر حتى 26 يونيو
في انتظاركم يوميًا من العاشرة صباحًا وحتى الحادية عشر مساءً ..
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2...(#صراع_السلطة_والكبرياء..)
#الفصل_السابع_والعشرون...
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة برنسس منة، شكراً على دعمك المتواصل لي، وبتمنى دائماً أكون عند حسن الظن... 💙)
سطعت شمس يوماً جديد هام بالنسبة ل"رواية"، التي خرجت بصحبةٍ "تسنيم" ووالدتها منذ الصباح لشراء ما يلزمها للزواج من متعلقات خاصة ، فأنهكهما إسبوعين طويلين لشراء أثاث جناحهما الكامل، حتى انتهوا أخيراً ، وها هما اليوم يعدون الرحال للعودة للصعيد للاستعداد للزفاف المنتظر بأرجاء الصعيد بأكمله، فإستأجر "فهد" باص ضخم يتكون من طابقين.. لنقل العائلة للصعيد، فجلس كبار السن بمقدمة الباص والفتيات بالخلف، أما الشباب فاعتلوا الطابق الأعلى منه..
كانت سعادة "حور" لا توصف، لاشتياقها لموطنها وبلدها الحبيب، على عكس "روجينا" التي تشعر بالإستياءٍ لابتعادها عن زوجها الحبيب!، أما "رؤى" فهناك حالة من الحيرة والإرتباك تطوف بها، وأولهما خوفاً من أن تفشل علاقتها بمن أحبته وسكن بداخل قلبها ليملأه بعشقه، خوفاً أخر من اختلاف البيئة التي نشأ كلاً منهما فيها، وبالرغم من ذلك مازال بداخلها جانب صغير يمنحها الطمأنينة بأنه سيكون جوارها لتتأقلم على طباعهم وعاداتهم...
أما بذاك الجانب البعيد، وبالأخص جوار الشرفة، مالت برأسها لتستند عليه وأثقال العالم بأكمله ملقى على كتفيها، تخشى أن تظل حبيسة هواجسها، نعم أحبته وأحبت البقاء لجواره، ولكن الفترة القادمة سيكون قريباً منها للغاية، مجرد التفكير بالأمر جعل جسد "تسنيم" يرتجف بقوةٍ، فما بالها إذا بات الأمر حقيقة، أفاقت "تسنيم" من غفلتها على صوت "حور" المتساءل في لهفةٍ:
_مالك في أيه؟
حاولت رسم ابتسامة باهتة على شفتيها وهي تجيبها:
_مفيش حاجة، أنا بس سرحت شوية..
حدقت بها بتمعنٍ قبل أن تعود لسؤالها من جديد:
_عمرك ما عرفتي تكدبي عليا يا تسنيم، قوليلي الحقيقة..
أدمعت عينيها في تلك اللحظة، فهمست لها بصوتٍ شبه مسموع:
_خايفة يا "حور"، أنتي متعرفيش لما آسر بيحاول يمسك أيدي بيحصلي أيه! ، إنتي متخيلة إن بكره حنيتي وبعد بكره فرحي!
سكن الحزن حدقتيها، وهي ترد عليها بصوتٍ محتقن بالدموعٍ:
_بس أنا متأكدة إن الحب اللي جواكي ليه هينسكي كل اللي فات يا تسنيم..
إنهمر الدمع على وجنتها وهي تتساءل:
_ولو منستش هيبقى أيه الموقف؟
عنفتها برفقٍ:
_وليه بنفترض السوء، فكري في الشيء الكويس عشان مينفعش تفكري اللي فيه..
وضمتها لصدرها وهي تستطرد قائلة:
_ولو ده محصلش فإطمني " آسر" بيحبك وأكيد هو أكتر واحد هيفهمك وهيحاول يساعدك..
همست بتمني:
_يارب يا حور...
ابتسمت وهي تداعبها بمرحٍ:
_هيحصل يا بت المهم تفردي بوزك ده للواد يفسلع من قبل الفرح ياختي..
ضحكت رغماً عنها، فعادت الاخيرة لتسترسل بمشاكسةٍ:
_والنبي الراجل لو حس للحظة انه هيتجوز واحدة نكدية ليقول بلاها الجوازة السودة دي، اسمعي مني لتخربي على نفسك وأنتي لسه على البر..
تعالت ضحكاتها وهي تحاول جاهدةٍ السيطرة على ذاتها، وبعد لحظات نجحت في ذلك فتطلعت لها لدقيقةٍ ثم قالت بحزنٍ:
_سيبك مني وقوليلي مالك انتي كمان؟
إرتبكت "حور" للغاية، فحاولت البحث عن حجة مقنعة تهرب بها من سؤالها، ولكنها أمنت بأنها لن تصدق ما ستقوله لها، لذا قالت بإنكسارٍ:
_عرفتي إن كتب كتاب أحمد وفرحه هيكونوا في يوم واحد... بعد فرحكم باسبوعين على طول..
ومسحت بيدها دموعها التي أوشكت على فضحها ثم اكملت قائلة:
_أنا عارفة اني غلط وتفكيري فيه أصلاً هو أكبر غلط، بس والله يا تسنيم غصب عني أنا مش عارفة إزاي اتعلقت بيه بالطريقة دي... وأنا أصلاً مش من حقي أفكر فيه وهو لواحدة تانية!
ليست بحاجة للتبرير، فصديقتها تعرفها جيداً، وتعلم أخلاقها السامية، ولكن ما يحدث فعلاً رغماً عنها ودون ارادة منها، فمتى ملكنا التحكم بقلوبنا حتى تتحكم هي بقلبها!
سحبت "تسنيم" نفساً مطولاً قبل أن تخبرها:
_أنا عارفة إن اللي بيحصلده غصب عنك يا تسنيم بس أنتي على الأقل منحاوليش تفكري فيه، وحاولي بكل ارادتك تخرجيه بره حياتك عشان خروجه ميبقاش صعب عليكي فيما بعد..
وبابتسامةٍ هادئة أردفت:
_خليكي متأكدة إن ربنا هيبعتلك الأحسن منه، اللي يستحق يكون زوج ليكي وهيبقى نصيبك..
ظهرت بسمة رقيقة من وسط بحر دموعها، لتردد بحبورٍ:
_آن شاء الله...
***********
استغلت "روجينا" انشغال الجميع ثم أخرجت هاتفها، لترسل رسالة نصية لأيان، كتبتها بتوترٍ شديد:
«أيان فرحي اتحدد بعد آسر باسبوعين، مش عارفة هعمل أيه بجد أنت لازم تأخد قرار بخصوص علاقتنا..»
انتظرت ما يقرب الخمس دقائق حتى أتاتها رسالة منه:
«متخافيش يا حبيبتي أنا لا يمكن أتخلى عنك أبداً، المهم بلاش تفتحي انتي موضوعنا لحد وسبيني أنا أتصرف»
قرأت رسالته وهي تغلق هاتفها بارتباكٍ وخوف من القادم، تخشى تلك اللحظة حينما يقترب موعد زواجها، فكيف ستتزوجه وهي على ذمة رجلاّ أخر!
*********
بالأعلى...
جلس "آسر" بأخر المقاعد، ثم وضع قبعته على وجهه لتحميه من أشعة الشمس الحارقة، مستنداً بقدميه على أحد المقاعد، في محاولةٍ منه أن يغفل قليلاً فالطريق طويل، فشعر بحركةٍ لجواره، فأزاح قبعته ليجد "بدر" و"يحيى" يجلسان لجواره ويشيران بيديهم تجاه "عبد الرحمن" الذي يجلس في المقدمة بمفرده، فتساءل بصوتْ منخفض:
_ماله!
قال "يحيى" بابتسامةٍ ساخرة:
_متضايق إن خالك قاله يستنى شهرين لحد ما مراته تقدر تخلص ورقها عشان تحضر الخطوبة لانها زعلانه انها مش هتلحق فرح بنتها التانية...
هز رأسه بابتسامةٍ شبه عابثة، ليشير لهما قائلاً:
_طيب والمطلوب مني أيه؟
أجابه "بدر" بحدةٍ:
_تقوم تطيب خاطره بكلمتين ولا اي حاجة ده ابن عمك برضه..
عبث بعينيه بتكاسلٍ، وهو يجيبه بمللٍ:
_حاضر نوصل بس وهشوفه، ممكن بقا لما ده يحصل تسبوني ارتاح شوية..
أشار له يحيى بحنقٍ:
_هتنام وهتسيب الراجل مكتئب كده..
حدجهما بنظرةٍ عابثة ثم قال بغضبٍ وعينيه تحمل انذار صريح اليهما:
_انزلوا اشترلوه شوية تسالي وعصير وهو هيفرفش على الاخر، ومحدش يحاول يصحيني تاني مفهوووم؟
كبت يحيى ضحكاته وهو يردد:
_عريس ومن حقه يتدلع..
لوى "بدر" شفتيه بسخطٍ:
_هو عريس وانا أيه!
جذبه "يحيى" لينهض كلاً منهما من جواره وهو يعاتبه:
_ده وقته يعني، انزل قول للسواق يقف في اقرب استراحة لما نشوف اخرتها..
أومأ له برأسه ثم هبط ليبلغ السائق الذي إختار مكان مناسب لهما، فهبط "بدر" و"يحيى" لشراء ما يلزم الجميع، فانتبه لهما "أحمد" من الاعلى، فنادى على يحيى قائلاً:
_متنساش تجبلي بيبسي حجم كبير..
جذبه يحيى من رفوف البراد الخاص بالسوبر ماركت ثم اقترب ليشير اليه بأن يهبط للاسفل ليلتقطه لحين يذهب هو لمساعدة بدر في حمل الاغراض، فردد بتكاسلٍ:
_لسه هنزل!
ثم توجه تجاه حقيبته ليخرج منها الاداة الخاصة به للصيد، ثم أنزل اليه الصنارة ليعلق بها الكيس بما يحمله من مشروباتٍ غازية، فجذبهما أحمد للاعلى تحت نظرات "آسر" المراقبة لما يحدث، فابتسم وهو يشير اليه بمكرٍ:
_الصنارة دي تلزمني..
منحه اياهها وهو يجيبه:
_تحت أمرك يا كبيرنا..
ابتسم ساخراً على كلماته الاخيرة، ثم جذب ورقة صغيرة ليدون بها كلمات عجز "أحمد" عن رؤيتها جيداً، ثم علقها ليتجه ناحية الباص الأيمن ليحركها للاسفل على مهلاً حتى وصلت للنافذة الخاصة بها، فزعت "تسنيم" حينما وجدت خيطاً رفيع ملتصق بذراعيها، فجذبته لترى ورقة صغيرة معلقه به، فتجتها باستغرابٍ فارتسمت على وجهها ابتسامة خجولة وهي تقرأ محتوياتها:
«متفكريش إني عشان قاعد فوق أبقى بعيد عنك.... بحبك....
آسر...»
ضمت الورقة لصدرها بابتسامةٍ واسعة، ثم مدت يدها في حقيبتها تبحث عما ستدونه بظهر الورقة، فلم تجد سوى قلم الكحل الخاص بها، فجذبته لتكتب بظهرها
«حاسة بوجودك عشان كده قلبي مطمن»
وجذبت الحبل بيدها عدة مرات حتى جذبه ليقرأ المدون به فابتسم بعشقٍ يدندن كأقصوصة الغرام...لينهي هذا العذاب حينما تسلل للاسفل من الباب الخلفي، ثم أسرع ليجلس جوار حور فأشار لها باستياءٍ:
_مزهقتيش من القعدة جنبها، قومي بقا وادي فرصة لغيرك...
ضحكت بصوتٍ مسموع فانحنى آسر خلف المقعد سريعاً وهو يشير لها بحزمٍ:
_الكبير هياخد باله مننا الله يخربيتك... بشويش..
أومأت برأسها بخفةٍ وتسنيم تتابع حديثهما بارتباكٍ، فاتنقلت "حور" بالمقعد الذي يليهما لتستقر جوار "رؤى" و"تالين" فما أن رأتها، حتى تساءلت باستغرابٍ:
_سبتي تسنيم ليه..
أشارت لها بأن تتطلع للخلف، فرأت آسر يجلس جوارها، ابتسمت كلاً منهن باستحياءٍ ثم تطلعت للامام وكأنهن لم يروا شيئاً، فانتفضت كلاً منهن مجدداً حينما وجدوا "بدر" يتبع نفس سياسة "آسر"، فأشار لهما بالتقدم للمقعد الذي يليه، همست له حور بضيقٍ:
_ما ترمونا على الطريق ونخلص!
لكزها بغضبٍ:
_اتحركي وانتي ساكتة يام لسان ونص.
لوت شفتيها بسخطٍ وهي تنتقل بصحبةٍ" تالين" للمقعد الذي يتقدمه، فباتوا على قربٍ من "روجينا" التي تطلعت خلفها باستغرابٍ، فضحكت حينما رأتهم يختبئون بالمقاعد جوار زوجاتهم، فعادت لتجلس بشكلٍ مستقيم فوجدت "ماسة" تقترب منها وهي تشير بما بيدها:
_تأكلي شوكولا؟
ابتسمت على عفويتها ثم التقطت ما بيدها لتتناوله وهي تردد بتلذذٍ:
_شكراً يا ماستي..
منحتها "ماسة" ابتسامة طفولية ثم تركتها وتوجهت للخلف في محاولة للوصول لآسر، فكادت بالتعثر والسقوط على بطنها، لتجد يداً تعيق احتكاك جسدها بالارض، فما أن رفعت أعينها حتى وجدت "آسر" من يساندها، ليخبرها بلهفةٍ:
_رايحة فين يا "ماسة"، مينفعش تتحركي والباص ماشي ده خطر ليكي..
أجابته بطفوليةٍ وهي تشير على ما بيدها:
_كنت جاية اديك شوكولا.. تأخد؟
حانت منه التفاتة جانبية تجاه تسنيم فوجدها تتابع ما يحدث بينهما باهتمامٍ، فعاد ليتطلع لها وهو يرسم ابتسامة هادئة:
_أخد مخدش ليه..
وفتح يديه فوضعت له قطعتين، ثم جذبت قطعة لتقدمها لتسنيم التي التقطتها منها بابتسامة جذابة، فالتفتت لتعود لمقعدها، فأمسك آسر بيدها وهو يحذرها قائلاً:
_استني هتقعي كده تاني..
وظل متشبث بيدها حتى جلست على احد المقاعد فعاد لمقعده...
*****"
شعرت "روجينا" بدوارٍ يهاجمها فور ان تناولت قطعة الشوكولا، واحساسها بالغيثان بدى قريباً منها للغاية، تماسكت بصعوبةٍ فاحنت رأسها على المقعد المقابل لها، ويدها تضغط على بطنها بألمٍ، ظنت تلك البلهاء ان ربما ما يحدث معها لانها لم تسافر للصعيد منذ فترة طويلة،لذا تشعر بالتعب..
********
فركت أصابعها بتوترٍ تحاول اخفاءه،فلهت بقطعة الشوكولا التي بيدها بشرودٍ،شعر به "آسر"فوضع بيدها المفروضة القطعتين خاصته،فتطلعت له تسنيم باستغرابٍ،فقال بابتسامةٍ جذابة:
_مبحبهاش..
رفعت حاجبها وهي تتساءل بذهولٍ يخفي ضيقها الشديد:
_طب أخدتها منها ليه لما أنت مش بتحبها؟
اتسعت ابتسامته بالنصر لاستدرجها بالحديث عما يضيقها، فقال بعد ان التقط نفساً مطولاً:
_"ماسة" ليها وضع خاص يا "تسنيم"، هي بالنهاية بنت عمي يعني زي"روجينا" و"حور" بالظبط..
ارتخت معالمها وقالت بحزن وعينيها تراقب "ماسة" الجالسة على بعدٍ منهما:
_هو أيه اللي وصلها للحالة اللي هي فيها دي؟
شاركها الحزن وهو يرد عليها:
_الحادثة اللي اتعرضت ليها مكنتش سهلة عليها جسدياً، وكملت بموت ابنها، ده خلاها تدخل في حالة نفسية سيئة، وزي اي واحدة بتحتاج وجود أقرب شخص ليها والشخص ده هو آآ..
قطعت حديثه حينما قالت:
_"يحيى"..
ابتسم على تركيزها بما يخص ابنة عمه، ثم قال:
_بالظبط، بس للاسف يحيى في التوقيت ده كان بره مصر وخبر موت ابنه مكنش سهل عليه هو كمان فمكنش قادر يواجهها وده خلاها تتعب اكتر وتهرب من واقعها بالحالة اللي انتي شايفاها دي..
شعرت بالشفقةٍ تجاهها، فتبددت غيرتها لسراب لا وجود له بداخلها، ابتسمت بحزنٍ على التهائها بتناول الشوكولا بطفوليةٍ نبعت من اوصالها، فتخلت عما يضيقها الآن واستمعت لحديثه باهتمامٍ ولهفة لسماع المزيد عنه...
******
جلست "ماسة" بالمقعد المنفرد الذي يلحق بمقعد "ريم" و"نادين"، فاستدارت لتطمئن عليها وخاصة حينما لم تعود للجلوس جوارهما، فاطمئنت حينما وجدتها تجلس خلفهما، تناولت "ماسة" ما بيدها وعينيها مسلطة على الدرج الجانبي للباص باعجابٍ شديد فاستغلت انشغال الجميع ثم تسلقته للاعلى بلهفةٍ لاستكشاف ما بالاعلى، فرددت يفرحةٍ:
_يحيى..
التهى بالحديث بصحبة "عبد الرحمن" و"أحمد"، حتى انتبه لصوتها المنادي، فصدم حينما رآها تقف أمامه، فأسرع تجاهها وهي يعنفها:
_ازاي طلعتي هنا من غير ما حد ياخد باله، إنتي مش كنتي قاعدة مع ماما!
ارتعبت من صوته الصارخ بها، فدنا منهما "أحمد" ثم قال:
_خلاص يا يحيى هي الحمد لله كويسة أهي..
وجذبها "أحمد" وهو يشير اليها:
_تعالي اقعدي جنبي يا "ماسة"..
جذبت يدها منه ثم قالت بضيقٍ:
_" يحيى" قالي متمسكش ايد ماسة انت مبتفهمش..
ضحك "يحيى" بعدم تصديق، بينما ردد أحمد بسخريةٍ:
_بقا بخلصك منه وتقوليلي كده، خلاص ولا كأني قولتلك حاجة ياعم..
وتركهم وعاد ليجلس جوار "عبد الرحمن" بالخلف، أما "يحيى" فجذبها لتجلس جواره، لتتابع ما تراه من منظر رائع وهي تشير له بيدها بابتسامةٍ سرقت اهتمامه بها وجعلته شارداً بتفاصيل وجهها الذي يعشقه..
*****
وأخيراً مضت الساعات ووصل الباص لباحة منزل الكبير، فكانت "هنية" و"نواره" باستقبالهما، وقد أعدوا اليهما وليمة ضخمة تليق بكرم ضيافة عائلة "الدهاشنة"، حتى ان العمال المنشغل عملهم بتزين المنزل استعداداً للغد كان لهما نصيب من جانب الضيافة.....
وبعدما خيم الليل على الارجاء،استأذنت والدتها بالعودة لمنزلها لتستعد هي الاخرى لحنة ابنتها، فأصر"آسر" على توصيلهما بسيارته الخاصة، فما ان وصلوا للمنزل حتى وجدوا أبيها وخالها بانتظارها، فما أن رآها العم "فضل" حتى احتضنها قائلاً بفرحةٍ:
_اتوحشتني يا بتي..
ابتسمت تسنيم وهي تجيبه بحنان:
_وانت كمان يا بابا وحشتني اوي..
وما كادت باستكمال حديثها معه حتى وجدت من يحتضنها ويديه تشدد من ضغطه على خصرها وهو يردد بخبثٍ:
_اتوحشتني يا بنت اختي يا غالية..
انتفض جسدها بعنفٍ، فارتدت للخلف وهي تتطلع له برعبٍ بدد الأمان بداخلها، تعجب آسر لما يحدث معها فشعر وكأنها تكره خالها، ولكنه منح لها العذر بذلك فشخصه مقزز للغاية، لا يعلم بأن هناك سراً يسيطر عليها فيجعلها مذبذبة...
******
بغرفة "حور"..
كانت تتحدث لأحدى زميلاتها في الجامعة التي اتصلت للاطمئنان عليها ، فابتسمت وهي تجيبها قائلة:
_انا الحمد لله والله يا قلبي، دي حاجة بسيطة خالص..
اتاها صوت المتصلة قائلة:
_انا والله مكنت اعرف اللي حصلك انا استغربت جدا لما لقيتك مش بتيجي الجامعة، حتى نور اختي بتقول أن روجينا كمان بطلت تيجي الجامعة فقولتلها اكيد قاعدة بحور..
انعقد حاجبيها بدهشةٍ:
_روجينا!!
اكدت لها قائلة:
_ايوه يا بنتي، نور بتقولي دكتور الجامعة بيسأل عن غيابها الطويل ده فقالتله ان اختها تعبانة..
رددت بصدمةٍ:
_بس روجينا بتنزل كل يوم الجامعة!!
قالت بعدم فهم:
_بتقولي ايه مش سامعاكي!
نهضت عن الفراش ثم قالت لها:
_معلشي يا حبيبتي هتصل بيكي في وقت تاني..
واغلقت الهاتف وهي في حالة من الصدمة والحيرة..
******
بغرفة روجينا
اشتد التعب عليها، خاصة بعد ان تقيأت ما تناولته على العشاء، فتمددت على الفراش بتعبٍ شديد، انتفضت بجلستها حينما استمعت دقات باب غرفتها فرددت بصوتٍ شاحب:
_مين!
اتاها صوت مألوف عليها:
_أنا"حور" يا "روجينا" افتحي..
ارتخى جسدها بحريةٍ على الفراش وهي تردد:
_تعالي..
ولجت للداخل ثم جلست على الفراش مقابلها، تتأملها بنظراتٍ حادة وصامتة، فسألتها باهتمامٍ:
_بتبصيلي كدليه؟
انهت حور صمتها المطول حينما قالت باندفاع:
_نور أخت مرفت صاحبتي بتقول انك مبتروحيش الجامعة بقالك فترة، امال انتي بتروحي فين كل يوم يا "روجينا"..
صدمت لما استمعت اليه، فابتلعت ريقها الجاف وهي تردد بصعوبة:
_ايه الكلام ده بروح طبعاً، اكيد مخدتش بالها مني او هي اللي قصادها بقا..
بثباتٍ واتزان قالت:
_" روجينا"، الدكتور بنفسه ملاحظ غيابك....
ثم صمتت قليلاً قبل ان تسألها بحدةٍ:
_بتروحي فين يا روجينا!...
وجدتها تتطلع لها بصمتٍ،فنهضت للتتجه للخروج وهي تردد:
_تمام براحتك، أنا هنزل حالاً اقول لعمي اللي عرفته وهو بقى يعرف انتي بتروحي فين وتسيبي محاضراتك وجامعتك..
اسرعت لتمسك بيدها لتخبرها ببكاءٍ حارق:
_لا بلاش بابا يا حور انا هقولك على كل حاجة، آآآنا..... آآنا متجوزة...
.......... يتبع..........
#الدهاشنة....... #بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
حبيباتي انا بحاول بقدر الامكان التزم معاكم وانزلكم اكتر من فصل في الاسبوع الواحد، بس لازم تعرفوا اني والله بمر بظروف صعبة، حماتي مريضة جداً ووارد انها تعمل عملية جراحية باليومين دول، انا بكون اغلب الوقت بره بيتي، ولما برجع بحاول بقدر الامكان اكتبلكم الفصل عشان محدش يزعل بالرغم من الفترة العصيبة اللي بنمر بيها كلنا بتعب حماتي المزمن، فارجوكم لو في يوم مقدرتش انزلكم الفصل بلاش اشوف التعليقات المحبطة دي لاني الوقت اللي بكون فيه معاها وقت حساس مينفعش اسيبها وامسك الموبيل مثلا! ... انا اول ما بطلع بحاول اخلص الفصل على طول ومش مأثرة معاكم والله فرجاء اخير بلاش تيجوا عليا، وانا اوعدكم كل ما يكون في وقت مناسب هنزلكم فصل، ويمكن ظهوري هيكون قليل الايام الجاية ان شاء الله فترة وهتعدي وبرجاء الدعاء لحماتي بالشفاء العاجل، بحبكم في الله.. 💙
Aya...
******____________******
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2...(#صراع_السلطة_والكبرياء..)..
#الفصل_الثامن_والعشرون..
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة "أم علي" شكراً من قلبي على دعمك الدائم لي، وبتنمنى أكون دائماً عند حسن الظن... ❤)
الصدمة أحياناً تجرد الشخص من الشعور بما حوله، فيفقد عدة حواس وأهمهما السمع، هكذا كان حال "حور"، ترى شفتيها تتحرك ولكن أذنيها لا تستمع لشيئاً، فكيف تمكنت من فعل ذلك؟
والأصعب من التخيل بتلك اللحظة هو ما سيكون ردة فعل عمها حينما يعلم أمراً هكذا! كسرت أخيراً حواجز صدمتها التي تعرقل حديثها، لتجبر لسانها المتصلب على الحديث:
_إنتي بتقولي أيه! متجوزة إزاي؟
بكت بصوتٍ مسموع وهي تتمسك بيدها وتردد بتوسلٍ:
_أبوس إيدك يا"حور" إوعي تقولي لحد.. إنتي عارفة بابا و"آسر"ممكن يعملوا فيا أيه!
جذبت يدها بالقوةٍ منها ثم قالت بقسوةٍ:
_ومخوفتيش منهم ليه من البداية قبل ما تعملي كده، مفكرتيش في اللي ممكن يحصل لأهلك لو حاجة زي دي إكتشفوها، ولا "أحمد" اللي المفروض فرحه كمان أسبوعين هيكون وضعه أيه لما يعرف إن خطيبته متجوزة في السر!
وصرخت بها بإنفعالٍ:
_إنتي دمرتيه ودمرتينا كلنا، إزاي مفكرتيش في وضع عمي، الكبير اللي كلمته مسموعة ويتخاف منها، إزاي هيقدر يرفع عينه في عين الناس اللي هو حاكم بينهم!
واستطردت بنظرةٍ حملت معاني التقزز بأكملها:
_إنتي رخصتي نفسك يا "روجينا".
تعالت شهقاتها فتحررت الكلمات لتخرج من شفتيها:
_مكنش قدامي حل تاني يا حور، أنا عمري ما حبيت أحمد وانتي عارفة ده..
قاطعتها بحدةٍ:
_مبتحبهوش يبقى تفسخي الخطوبة، تقوليله الكلام ده وهو هيتقبل الموضوع لكن تكسريه وتكسرينا بالطريقة دي!!!
أجابتها بصراخٍ منفعل:
_قولت لماما وحاولت أفسخ الخطوبة بس هي مكنتش قابلة ده، لحد ما بدأت أقتنع إنه نصيبي، بس غصب عني يا حور وقعت في الحب اللي كنت فاكراه مش موجود وهو كمان بيحبني ومستعد يعمل أي حاجة عشاني.
حاولت التحكم في إنفعالاتها، فأرهنت ذاتها الخطى خلف حججها الفراغة، لتبطلها فقالت:
_ولو هو فعلاً بيحبك بجد مجاش ليه بيطلبك من عمي ويدخل البيت من بابه حتى لو كان هيواجه عوائق كتيرة بس على الأقل هيكون أخف من المصيبة دي.
بدى الإرتباك عليها، فقالت بتوترٍ:
_مهو.... آآآ... أصل.. آآ..
تعجبت من ترددها بالحديث، فقالت بضيقٍ:
_أصل أيه!
تهربت من التطلع لعينيها وهي تبوح عن كنايته:
_جوزي يبقى"أيان المغازي" يا "حور"..
جحظت عينيها في صدمةٍ يصعب وصفها ببضعةٍ كلمات، الا يكفيها صدمتها بزواجها، لم تجد سوى الزواج من عدو أبيها وعائلتها، فشلت"حور" بالضغط على نفسها بالحديث، فتركتها وكادت بمغادرة الغرفة، فأسرعت "روجينا" خلفها وهي تسألها بخوفٍ:
_رايحة فين... وليه متكلمتيش!
قالت بسخطٍ:
_هتكلم أقول أيه أنتي مخلتيش في كلام يتقال، فوق مصيبتك اللي عملتيها ملقتيش غير ابن المغازي اللي تتجوزيه، وأنتي عارفة بالعداوة اللي بينا وبينهم، بلاش دي مهمكيش انهم اللي قتلوا جدك!
أوضحت كلماتها الاخيرة وكأنها ستمحي بها العار والهوان الذي الحقته بعائلتها! :
_"أيان"مالوش ذنب باللي حصل وهو أكدلي ده..
هزت حور رأسها بصدمةٍ:
_أنا مش قادرة أصدق اللي بسمعه ده، إنتي أيه يا شيخة مخك ممسوح، مبقاش عندك عقل تفكري بيه!
وقالت قبل أن تهم بالخروج:
_أنا حقيقي بشفق عليكي وعلى اللي هيجرلك بسبب أفعالك، لأن اللي تبيع أهلها بالرخيص صعب حد يشتريها..
وتركتها وغادرت لغرفتها بعدما وضعت حاجز الصمت بينهما، وكأنها لم تعد تحتمل سماع صوتها الذي بات نقمة على مسمعها.
*******
بغرفة "يحيى".
تأوهت بألمٍ بعدما أفرغت ما تناولته، فعاونها"يحيى" على التمدد على الفراش، ثم تمدد جوارها وهو يمسح على شعرها برفقٌ، فقالت بصوتٍ واهن:
_أنا هفضل تعبانه كده على طول يا "يحيى"!
إبتسامته الجذابة لم تتركه يوماً حتى تتركه الآن، إبتسم ويديه مازالت تربت على خصلات شعرهة المنسدلة على وجهها وهو يردد بحنانٍ:
_معلشي يا روح قلبي، فترة وهتعدي وهتبقي زي الفل.
ذمت شفتيها وهي تردد بطفوليةٍ:
_مأنا بسمع الكلام وبأخد الدوا أعمل أيه تاني بس!
ضحك بصوتٍ مسموع، ثم ضمها لصدره وهو يهمس لها:
_تنامي بدري ده كمان هيفيدك..
ثم استطرد بمكرٍ:
_وخصوصاً إن بكره يوم مميز.
عقدت حاجبيها بأستغراب:
_أيه اللي هيحصل بكره!
أجابها بحماسٍ:
_بكره هيكون هنا فرح كبييير.. مش أنتي بتحبي الافراح؟
صفقت بيدها بفرحةٍ:
_بجد!.... خلاص هنام بدري عشان أصحى بدري.
ثم أغلقت عينيها وهي تخبره بحزمٍ:
_بلاش تكلمني بقا عشان عايزة أركز في النوم عشان يكافئني ويصحيني بدري..
كبت ضحكاته وهو يردد بصعوبةٍ من بينهما:
_حاضر..
ثم أغلق المصباح المجاور إليه، فضمها لصدره، وأغلق عينيه هو الأخر بإستسلامٍ..
******
الظلام الذي يغطي غرفتها هين بالنسبة لما يبتلعها بداخله، حملت يدها علامات لأظافرها التي تضغط على ذراعيها بقوةٍ، فكانت تحتضن جسدها وتهزه بإنفعالٍ ودموعها تهبط دون توقف، كلما تتذكر احتضانه لها ولمسة يديه المقززة التي لطالما مقتتها، خربشت ذراعيها باظافرها وهي تدبدب بجسدها بصراعٍ تغمدها للمرة التي لا تتذكر عددها، وكأن هذا النذل أراد أن يكسر حبها الذي أنار وجهها وجعلها تترقب لحظات وجودها لجوار من أحبت، تعمد أن يذكرها بماضٍ كان هو السبب خلف بقاياه التي مازالت تحتفظ به إلى الآن، ظلت تلك المسكينة تبكي حتى صباح اليوم التالي، ذاك الصباح الذي من المفترض لها أن يكون من أجمل ما يكون، كان ليلاً حالك لها لما فعله هذا اللعين، وجدت "تسنيم" يدها تتحرك تجاه هاتفها لتمسك به ثم ضغطت على زر الاتصال به ولم يعنيها أن الساعة الخامسة صباحاً، كل ما أردته أن تستمع لصوته علها تغفل قليلاً، أو على الأقل تزورها السكينة التي حرمت منها، انتظرت سماع صوته بلهفةٍ هاجمتها كالوحش الجائع، حتى ارتوت بحنان عشقها حينما استمعت لصوته الناعس وهو يقول:
_لسه صاحية لحد دلوقتي يا حبيبتي..
حبيبتي... كلمته تلك كالبلسم الشافي لجروحها التي تخفيها عن العالم بأكمله، أطبقت بأسنانها على شفتيها السفلية وعينيها مطبقة بقوةٍ تحتبس دمعاتها وتتحكم في كبت شهقاتها حتى لا تصل إليه، شعر "آسر" بأن هناك خطباً ما خلف صمتها هذا، فتساءل بلهفةٍ:
_"تسنيم" إنتي كويسة؟
تحرر صوتها الذي كبت بداخلها لساعاتٍ ظنت فيها بأنها فقدت النطق، فهمست بصوتٍ شاحب للغاية:
_أنا عايزة أشوفك..
رغم غرابة طلبها وبالأخص بذلك الوقت الا أنه نهض عن فراشه، ثم أسرع لخزانته ليجذب جاكيت الترنج الرياضيي، ليرتديه على بنطاله ثم خرج من غرفته ليتجه اليها غير مبالي بعادات وتقاليد الصعيد، ليس مهتماً حتى لسؤالها عن سبب طلبها لرؤيته، كل ما يفكر به بأن محبوبته تحتاج إليه وعليه الوصول إليها في الحال.
صعد "آسر" لسيارته، ثم تحرك بها حتى وصل أسفل منزلها، ومازالت معه على الهاتف، تعجبت "تسنيم" كثيراً حينما استمعت لصوته بعد فترة طويلة من الصمتٍ:
_أنا تحت البيت يا حبيبتي.
ذهلت لسرعته بتلبيةٍ طلبه الغريب، فقالت بعدم تصديق:
_بجد!
إبتسم وهو يخبرها بعذوبة صوته:
_تحبي أطلعلك ولا تنزلي إنتي!
جسدها الذي فقد القدرة على الحركةٍ، إستعاد نشاطه فركضت مسرعة لشرفتها، لتتأكد مما قال، فتفاجئت به بالأسفل يشير إليها من نافذة السيارة ويغمز لها بعينيه، رددت بالهاتف وعينيها مازالت مسلطة عليه:
_مش مصدقة إنك وصلت بالسرعة دي ونفذت طلبي الاهبل من الأساس.
مال برأسه على حافة النافذة ورأسه مرفوع لأعلى تجاهها، ثم قال:
_إنتي لو في أخر الدنيا هتلاقيني قصادك وقت ما تحتاجي وجودي جنبك يا "تسنيم".
ابتسمت بخجلٍ، وودت لو ظلت عمراً بأكمله هكذا، تتطلع إليه فقط، فماذا ستريد أكثر من ذلك، استندت بجسدها على باب الشرفة وهي تتأمله بهيامٍ، فإبتسم وهو يردد:
_مكنتش أعرف إن شعرك حلو أوي.
جحظت عينيها بصدمةٍ، فرفعت يدها تلقائياً على شعرها المتدلي على كتفيها، ربما من الحالة النفسية العصيبة التي اختبرتها أنستها جميع من حولها حتى نفسها، كادت بأن تهرول للداخل ولكنها استمعت لصوته الرخيم يناديها:
_"تسنيم".
استدارت تجاهه، تتطلع اليه وأذنيها تستمع للهاتف بإهتمامٍ، فوجدته يمنحها ابتسامة عذباء ومن بعدها كلماته البطيئة:
_إنتي مراتي.
سيطر الخجل على معالمها، ومع ذلك بقيت محلها، كأنها تحاول استكشاف القوانين الجديدة التي ستباح له يعدما حرمت على الجميع، نعم هو الآن زوجها، استقامت تسنيم بوقفتها في خوفٍ، حينما وجدت أبيها يخرج من المنزلٍ ويدنو من سيارة"آسر"، فتابعت ما يحدث بقلقٍ من أن يحرجه أبيها..
********
بالأسفل..
كان العم" فضل" يستعد للذهاب للحقل باكراً قبل أن يأتي الأقارب لمنزله للإحتفال بالعروس، فتفاجئ بسيارة "آسر" من أمامه، فإقترب منه ثم إنحنى على نافذة السيارة قائلاً بإستغرابٍ:
_"آسر"، بتعمل أيه إهنه دلوقت يا ولدي!
خرج من السيارة وهو يصافحه قائلاً ببسمةٍ هادئة:
_إنت اللي رايح فين على الصبح كده يا حج..
قال بابتسامةٍ صغيرة:
_رايح أشوف شغلي قبل ما الدنيا تظيط اهنه، أنت بقا اللي بتعمل أيه السعادي.
تطلع "آسر" تجاه شرفتها ثم قال بمكرٍ:
_إنت عارف إن المخطوبين بيحبوا ينكفوا في بعض، وده اللي حصل بينا، فقولت ميصحش يبقى الحنة النهاردة وفرحنا بكره وأسيبها زعلانة مني،وزي ما أنت شايف جبت بعضي وجيت لأجل ما أنول الرضا..
تعالت ضحكات العم فضل، فقال بصعوبة بالحديث:
_والله ما قصرت يا ولدي، بس مش هتنول حاجة طول ما انت قاعد في عربيتك اكده، لازمن تدخل وتقعدوا مع بعض كده قاعدة صفا قبل ما المعازيم والحبايب يتلموا.
وأشار له بتتابعه ثم دث مفاتحه بباب المنزل، فولج للداخل وهو يشير اليه قائلاً:
_تعالى يا ولدي، إدخل..
ظل محله بالخارج وهو يردد بحرجٍ:
_ميصحش يا عم فضل، أنا همشي وهنبقى نقعد بليل مع بعض..
انكمشت تعابيرها بغضبٍ:
_كلام ايه اللي بتقوله ده، انت بقيت جوز بنتي وواحد منينا، يعني تدخل الدار في الوقت اللي تحبه، ادخل بدل ما ورحمة الغالي ازعل منك زعل واعر.
ولج آسر للداخل قائلاً بمرحٍ:
_طب وعلى أيه، ادينا دخلنا اهو هاتلنا العروسة نصالحها بقا ونتكل على الله قبل ما حد يحس بغيابي.
منحها نظرة صارمة تتبعها قوله الحازم:
_يمين تلاته ما هتمشي غير لما نفطر سوا.
ضحك على طريقته بالحديث ثم قال بإحترامٍ:
_زي ما تحب.
وإتبعه "آسر" لغرفة الضيافة، ثم جلس ينتظرها بلهفةٍ، فما هي الا دقائق معدودة حتى وجدها أمامه، انعقد حاجبيه بتعجبٍ حينما رأى عينيها المتورمة من أثر البكاء، فرفع يديه ليتفحص ما أسفل عينيها وهو يردد بقلقٍ:
_في أيه يا حبيبتي؟ إنتي كنتي بتعيطي!
بلعت ريقها بتوترٍ من قربه منها، فتراجعت للخلف قليلاً، ثم جلست على الأريكة التي يجلس عليها وهي تجيبه بثباتٍ زائف:
_لا أنا بس زعلانه عشان هسيب بابا وماما..
رفع آسر يديه ليحتضن بها يدها، ثم قال بحنان:
_ليه هو أنا همنعك عنهم، عمر ده ما هيحصل أبداً، الوقت اللي تحبي تجيلهم فيه تعالي حتى لو هتيجي كل يوم..
رسمت ابتسامة فاترة رغم دموعها التي هبطت رغماً عنها، فسمح لنفسه تلك
المرة بمسحها وهو يردد بحبٍ:
_أنا مش عايز أشوف غير ابتسامتك تاني فاهمة؟
منحته إبتسامة صغيرة، ومازال دمعها يتلألأ بعينيها، فشعر "آسر" بحاجتها للبكاء، فاقترب منها وعينيه تراقب رد فعلها بتركيزٍ، ثم أسند جبهته على جبهتها، ليهمس جوار أذنيها بحبٍ:
_عمري ما هعمل حاجة تزعلك أبداً ولو زيارتك لوالدتك هتفرحك هسيبك تروحي كل يوم صدقيني.
رفعت عينيها تجاهه، فحاربت عواصف فريدة من نوعها، شعر آسر بأنها ترتجف بقوة، فجذب يدها ليقربها اليه، حتى ضمها لصدره، تبلد جسدها بعواصفٍ يصعب وصفها، ولكن أهمهما بأنها لم تتضرر من احتضانه لها، بل تمنت لو ظل العمر بأكمله هكذا، فكانت مشتتة للغاية تختبر مشاعر مختلفة، أذنيها تلتقط صوت نبضات قلبه التي منحتها الطمأنينة، والغريب بالأمر أنها لم تحاول حتى إبعاده بل غفلت بإحضانه تستئنس احساس الأمان الشي شعرت به، فسحبها النوم بدفء أحضانه، بعدما قضت الليل من دون نوم، استغل "آسر" قبولها لحضنه حصن لها، فرفع خصلة من خصلات شعرها المتدلي من خلف حجابها الموضوع بإهمالٍ، ثم شم عبيرها وعينيه مغلقة بقوةٍ، باتت بأحضانه بتلك اللحظة هل كان يتوقع حدوث ذلك، ظل "آسر" يحتضنها حتى مرت أكثر من أربع ساعات أعدت فيهما والدتها الطعام، وحينما ولجت للغرفة وجدت ابنتها غافلة بأحضانه، فقالت بخجلٍ:
_يلا يا حبيبي الفطار جاهز، صحي "تسنيم عشان تفطروا.
رد عليها بابتسامةٍ هادئة:
_لا سبيها تنام عشان تكون فايقة بليل..
ابتسمت وهي تردد:
_بس على الاقل تاكل لقمة.
قال ويديه تربت على وجهها:
_لما تصحى إبقي اعملي اللي يريحك..
ابتسمت وهي تراقبه من بعبدٍ خاصة بعد أن رفض تناول الطعام وفضل البقاء لجوارها حتى استيقظت من غفلتها بعد ساعات طويلة، فوجدت ذاتها مازالت غافلة ، فتساءلت بصدمة:
_يا خبر أنا نمت إزاي!
ابتسم وهو يجيبها بمكرٍ:
_السؤال ده تسأليه لنفسك، عموماً أحسن حاجة عشان تبقي فايقة بليل..
منحته ابتسامة مشرقة، ثم استأن بالانصراف بعدما اتطمئن عليها..
*****
توافد الجميع على منزل الغريس، فاليومٍ هو بداية لفرحة الغد، نصبت خيمة كبيرة أمام منزل كبير الدهاشنة وضع بها طعاماً ولحوماً استقبالاً لتلك المناسبة الهامة، فعمت الالحان ثرايا القصر بأكمله، ليشارك الشباب الفرحة، حينما نهضوا كلاهما ليتبادلون الرقص الشرقي مع العريس، وجولات متعددة باستخدام العصا، وبالأخص"بدر" و"آسر"، فكان كلاً منهما يتألق بجلباب صعيدي من اللون الأبيض وعمة وضعها "فهد" بنفسه على رؤسائهم وكأنه يعزز من مقدرهما أمام الناس..
تسللت "تالين" على سطح المنزل ثم اخذت تلتقط فيديوهات خلسة لرقص الشباب جميعاً، حتى "فهد" و"سليم" و"عمر" شاركوهما الرقص بالعصا، انتهت تالين من التصوير ثم هبطت للفتيات التي تستعد للتحرك لحنة العروس، لتشير لحور بهاتفها بخبث:
_كله تمام يا ريس، اتصوروا كلهم..
قالت بفرحة هي الاخيرة:
_كويس عشان نتفرج كلنا هناك..
وتحركوا جميعاً لمنزل "تسنيم" حيث كان يضم احتفال نسائياً صغير، فاجتمعت الفتيات بصحبة "رؤى" في غرفة "تسنيم" ليعرض من امامهما حفل الحنة الخاص بالشباب فرأت كلا منهما معشوقها وهو يتألق برادئه الذي زاد من وسامته، وبعض من مقاطع الفيديو لرقصاتهم الرجولية التي كانت اغلبها تعتمد على الرقص بالعصا لتبرز قوة بنيتهم واستعراضها امام حشد هائل من الرجال بمبارزة اعتمدت على العصا..
كانت الاجواء بالمنزلين يغمرها الفرح والسعادة نقيض قلب "روجينا" المكسور، غمرها حزناً قاتم فجلست بمفردها شاردة، حائرة بعدما تلقت اتصالاً هاتفياً من احد المعامل بالقاهرة، فقد روادتها بعض الشكوك قبل سفرها بأيامٍ لذا اردت قطعها فتوجهت لاحدى المعامل واجرت إختبار يخص الحمل وربما التهائها بامور السفر انساها الذهاب لمعرفة النتيجة، فتذكرتها حينما غلبها حالة متكررة من الغيثان الصباحي لذا اتصلت بهما هاتفياً ليأكدوا لها صدق شكوكها وانها بالفعل حامل بأسبوعين!...
تحمل الان ببطنها مصيراً مجهول، سيقيد العائلتين بدمارٍ لا حد من نهايته سوى بيد شخصاً واحد، ترى هل سيكون سبب في نجاتها أما هلاكها!...
......... يتبع..............
#الدهاشنة2.... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت..
*****______*****
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الثلاثون 30 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2....(#صراع_السلطة_والكبرياء..)
#الفصل_التاسع_والعشرون.
(إهداء خاص للقارئة الجميلة"أمنية إسماعيل"، بشكرك على دعمك الدائم لي وبتمنى أكون دائماً عند حسن الظن.. 💙)
اليوم شهد منزل الكبير واجب ضيافة طال فقراء البلد وأهلها بأكملها، فاليوم هو حفل زفاف ابنه الوحيد ووريثه من بعده، فكان الجميع يستعد لتلك المناسبة الهامة وخاصة حينما أسدل الليل بجلبابه الأسود المعتم، فأنارت الأضواء المحاطة بالمنزل لتشع نور ببهجةٍ ألوانها، فنصبت خيمة الرجال أمام المنزل، وبالداخل كانت النساء تلتف حول منصة صغيرة وضع بها مقعدين للعروستين، وعلى أول أريكة جلست الحاجة "هنية" في إستقبالهن، ولجوارها نساء منزل الكبير..
أما بالأعلى..
فكانت "تالين" مشغولة للغاية بتزين "رؤى" و"تسنيم"، حتى "حور" عاونتهم على إرتداء الفستان الأبيض، فإبتسمت وهي تتأمل لمسات "تالين" الاخيرة لصديقتها ثم قالت بإعجابٍ:
_ما شاءالله قمر يا روح قلبي.
لاحظت توترها المتخفي خلف إبتسامتها المصطنعة، فشددت على يدها وهي تهمس لها جوار أذنيها:
_إهدي يا تسنيم، إنتي النهاردة عروسة وبتتزفي للإنسان اللي بتحبيه، إرمي كل حاجة ورا دهرك وإفرحي الليلة دي مش هتتعوض تاني يا حبيبتي..
حبست دمعاتها خلف قفص وحجبته بقفلٍ سميك، تمنت من كل قلبها أن يمر هذا اليوم بسلامٍ، فألتقطت نفساً مطولاً ثم زفرته على مهلٍ، وظلت تكرر ما تفعله علها تمنح الهدوء والسكينة لجسدها المسكين.
آنتهت "تالين" من وضع اللمسات الاخيرة لشقيقتها الصغرى، فأشارت لها على المرآة قائلة:
_خلصت قومي بصي كده.
نهضت عن محلها ثم وقفت مقابل المرآة المطولة لتلقي نظرة متفحصة على زينتها وفستانها الرقيق، فلمعت عينيها بالدموعٍ، لا تعلم دموع الفرح أم حزناً لأنها بنظرها لا تستحق فستان ولا زفاف هكذا ولا تستحقه هو، ولكنها تحاول تصديق حبه المخلص لها، أفاقت من شرودها على صوت "تسنيم" التي قالت بإبتسامتها الساحرة:
_قمورة يا "رؤى" ، الميكب رقيق وتحفة.
منحتها إبتسامة مشرقة ثم قالت:
_وإنتي كمان جميلة أوي يا حبيبتي.
إكتفت برسم ابتسامة صغيرة، فإنتبهوا سوياً لدقات باب الغرفة المزعجة، ففتحت "حور" الباب نصف فتحة حرصاً على عدم رؤية العروس في تلك اللحظة، فوجدت "ماسة" تقف من أمامها، ففتحت الباب وهي تشير لها بضحكة مشرقة:
_تعالي يا "ماسة".
ولجت للداخل سريعاً، فوزعت نظراتها بينهما بتفحص ثم قالت بحزنٍ:
_أنا عايزة ألبس وأحط مكياج زيهم.
تعالت ضحكاتهن سوياً، فإقتربت منها"تالين" لتضمها إليها ثم قالت في حنانٍ:
_بس كده، أنا هلبسك أحلى فستان وهعملك مكيب محصلش.
وبالفعل أسرعت لحقائبها ثم إختارت لها فستان من اللون الأبيض، ضيق من الصدر ويتسع من الأسفل، بسيط لا يحمل الكثير من التفاصيل، فعاونتها على ارتدائه، ثم جعلتها تجلس على المقعد القريب منها، لتزينها بحرفيةٍ ثم تركت خصلات شعرها البني تنسدل من خلفها في حريةٍ، تعلقت نظراتهن بها بإعجابٍ شديد، فماسة تمتلك جمالاً مميزاً، من يرأها يتعلق بها من شدة جمالها، وخاصة بالحالة التي زادتها براءة وطفولية، تركت مقعدها وأسرعت لتقف أمام المرآة فصفقت بيدها وهي تردد بفرحةٍ:
_الله أنا بقيت شكل العروسة!
ردت عليها تسنيم بحبٍ:
_وأحلى عروسة في الدنيا كلها، ما تنزلي تقعدي مكانا وتبقي كسبتي فينا ثواب يا ماستي.
ضحكت وهي تشير إليها بمرحٍ:
_لا أنا هقعد جنب يحيى، هروح أوريله الفستان الجميل ده.
وركضت لتخرج من الغرفة، فأسرعت حور خلفها ثم جذبت يدها برفقٍ لتشدد عليها:
_إطلعي براحة يا ماسة مش قولنالك انك متجريش كده تاني عشان متتعبيش!
أومأت برأسها وهي تردد بتذكرٍ:
_ماشي مش هجري تاني..
مسدت على ظهرها بإبتسامةٍ هادئة:
_برافو يا ماسة..
غادرت من أمام أعينهم، فقالت "رؤى" بحزنٍ:
_طب ولحد أمته هتفضلوا مخبين عليها حكاية الحمل دي، بكره بطنها هتكبر وهتبتدي تسأل!
ردت عليها "حور" بقهرٍ:
_مش عارفة والله يا رؤى بس يحيى أكيد هيتصرف ومش هيسكت.
إنتهت "تالين" من إرتداء ملابسها ثم قالت:
_ها يا بنات أيه رأيكم؟
قالت رؤى بمرحٍ:
_نص نص... مش بطال يعني بالمصري.
جحظت عينيها وهي تتطلع لنفسها بالمرآة بصدمةٍ:
_كل ده ونص نص، انتي هبلة صح...
واستدارت تجاه تسنيم ثم سألتها بإهتمامٍ:
_قوليلي انتي يا تسنيم أنا بثق في رأيك..
قالت من وسط ضحكاتها:
_قمر اللهم بارك.. سيبك من البت دي.
ابتسمت "حور" ثم قالت بخبث:
_بلاش تحبطيها يا بنتي خطيبها لازم يشوفها في أحسن حال ولا ايه!
أحمرت وجنتها خجلاً، فرددت بإرتباكٍ:
_لسه مبقاش خطيبي على فكرة، وبعدين أنا بهتم بنفسي مش عشانه عشاني..
همست "رؤى" بمكرٍ:
_لا مصدقين..
حاولت تالين التهرب منهن فقالت بإستغرابٍ:
_أمال فين روجينا مختفية من الصبح؟
******
بغرفة "روجينا"..
خرجت من حمام غرفتها تحاول الإستناد على أي شيء يقابلها، فالدوار بهاجمها بعدما انتهت من التقيؤ للمرة الثالثة، فجلست على الفراش تجفف فمها ثم جذبت هاتفها لتطلبه للمرة الرابعة، فما أن أجابها حتى قالت بلهفةٍ:
_" أيان" أنت فين بحاول اوصلك من الصبح مش بترد عليا ليه!
أتاها رده الغير مهتم بمعرفة ما بها:
_قولتلك أنا مشغول اليومين دول ومش كل شوية هبررلك!
أسرعت بالحديث قبل أن يغلق الهاتف مثلما يفعل دوماً:
_ "أيان" أنا حامل وانت لازم تتصرف قبل ما أبويا أو حد من أهلي يعرفوا بالكارثة دي.
لم يأتيها رداً منه ولكنها مازالت تستمع لصوت نفسه الذي يوضح لها سماعه لها، فعادت لتخبره ببكاءٍ:
_أرجوك متتخلاش عني أنت عارف كويس أنا مين وبنت مين، مركز بابا حساس يا "أيان" لازم نتصرف بسرعة وآآ..
انقطع حديثها في صدمةٍ حينما أغلق الهاتف، دق قلبها بصعوبةٍ وكأنها تختنق رويداً رويداً، فحاولت أن تهدأ من روعها وتصدق بالإجبار بأنه عيب في الشبكةٍ لا أكثر من ذلك، فعادت لطلبه من جديدٍ، ولكنها تفاجآت بهاتفه مغلق!
*********
أغلق الهاتف ثم فككه ليخرج منه الشريحة ومن ثم كسرها بيديه ليلقيها بسلةٍ المهملات، ليرتخي بجسده على مقعده الأسود وهو يدور به بإبتسامةٍ ارتسمت بها معاني الشر جميعاً لتجعله يهاب هذا العقل المخيف، طاف بالمقعد وهو يشعر بسلام نفسي رهيب، فقال بصوتٍ هامس:
_اللعب بدأ وعلى تقيل يا "فهد"..
*******
"بغرفة يحيى"
إنتهى أخيراً من إرتداء الجلباب الرمادي، ثم وضع العمامة التي صنعها إليه والده خصيصاً لعدم تمكنه من صنعها، فوضعها على رأسه بحرصٍ من أن لا تتفكك من جديدٍ، ثم نثر البرفنيوم الخاص به ليلقي نظرة متفحصة على نفسه قبل أن يتجه ليغادر غرفته ، فما أن فتح باب غرفته حتى وجد أميرة هاربة من رواية خيالية تسحره بما إمتلكته من شباكٍ لتوقع به، وهو لم يحتمل،ربما لانه من الأساس يذوب عشقاً بها، تصنم "يحيى" محله وهو يرأها تقف من أمامه بفستانٍ أبيض ساحر، تلتف به من حوله بإبتسامةٍ سلبت ما به من عقلٍ، ظلت تدور وتدور وهي شارداً محله، حتى إصطدمت به فعاونه إرتداد جسده على العودة لواقعه، فإستمع لسؤالها المتكرر:
_أيه رأيك بالفستان يا "يحيى"؟
منحها إبتسامة عاشقة قبل أن يمدح بطالتها الساحرة:
_جميل يا روح قلب"يحيى".
ثم رفع ذقنها للاعلى ليستند بجيبنه على جبينها وهو يستطرد بهمسٍ:
_والأجمل الضحكة الجميلة اللي هتوقف قلب"يحيى" دي..
ضحكت بصوتٍ مسموع ثم جذب يديه لتشير له بالخروج:
_طب يلا ننزل الفرح بقا.
إتبعها للخارج وهو يحاول إمسكها حتى لا تتعثر، لحقته للأسفل حتى مادت بالخروج من خلفه، فأشار لها بهدوءٍ:
_لا يا حبيبتي مينفعش تيجي معايا.
ذمت شفتيها بضيقٍ:
_ليه؟
قال والابتسامة مازالت ترسم على محياه:
_عشان أنتي بنوتة مينفعش تقعدي غير مع البنات، وأنا هقعد في قعدة رجالة فهمتي؟
أومأت برأسها بعدة مرات، فجذبها يحيى بعيداً عن الدرج الخارجي خوفاً من أن يدفعها هذا الازدحام فتتأذى، إشتعلت نظرات غضباً من نظراتٍ النساء التي كادت بإلتهامه، كلاً منهن كانت تبرز مفاتنها للفوز بإعجابه، فتظن كلاً منهن بأنها لديها فرصة ذهبية بتعب زوجته الموصوف ببلدته بالجنون، إحتدت نظراته تجاهن، ثم أشار بيديه لوالدته التي أسرعت إليه، فدفع ماسة برفقٍ تجاهها وهو يشدد على كلماته:
_خلي بالك منها يا ماما عشان خاطري، متخلاهاش تروح كده ولا كده.
تفهمت "نواره" خوفه، فربتت على كتفيه الصلب وهي تخبره:
_ما تخافش يا ولدي، أني مش هسبها لحد ما ترجع.
منحها ابتسامة صافية، ثم خرج لينضم لصفوف الرجال بالخارج.
*******
"بغرفة روجينا".
مجرد التفكير بالأمر جعل رئتيها تتثاقل، وكأنها لا تشعر بالهواء يصل إليها، دموعها أفسدت مكياجها كحال قلبها المفطور، فبات كل ما يشغلها في تلك اللحظة السفر للقاهرة في أسرع وقت حتى تواجهه، لعل هناك سوء تفاهم، من أعماقها تتمنى ذلك، وما أن استمعت لطرقات باب الغرفة حتى أزاحت دمعاتها سريعاً، فحمدت الله حينما وجدت حور من تطرق بابها، فقالت الاخيرة بإستغرابٍ:
_فينك يا بنتي الناس بتسأل عليكي!
نهضت روجينا عن الفراش ثم أسرعت إليها قائلة بلهفةٍ:
_حور كويس إنك طلعتي أنا عايزاكي ضروري..
انقبض قلبها وخاصة حينما لمحت الدموع في عينيها، فقالت بقلق:
_في ايه قلقتيني!
فركت يدها بإرتباكٍ قبل ان تتحدث:
_أنا لازم أسافر القاهرة بكره الصبح وإنتي هتساعديني في ده، هتقوليلهم اني عليا امتحانات او اي حاجة.
ضيقت عينيها بصدمةٍ:
_إمتحان أيه ده اللي في السنة الدراسية، وانتي عايزة تسافري ليه وبكره صبحية أخوكي!
كانت في وضع لا تحسد عليه، ولكن كان عليها أن تثق بها وخاصة بأنها تعلم بأمر زواجها، فقالت بعد حيرةٍ:
_حور آآ... أنا... حامل.
لطمت على وجهها في صدمةٍ:
_أيـــــــه... يا نهارك أسود.. أنتي عارفة حجم المصيبة اللي إنتي فيه!!
أسرعت اليها لتشير برعبٍ:
_وطي صوتك، حد يسمعنا هتبقى كارثة.
قالت بغضبٍ:
_الكوارث جاية كلها بعدين يا روجينا، وأولها لما يتكشف جوازك العرفي، والتانية لما يتعرف مين جوزك، والتالتة اللي في بطنك ده!
إنهمر الدمع على وجنتها فتشبثت بيدها وهي تردد بتوسلٍ:
_ساعديني عشان خاطري يا حور، انا لازم انزل القاهرة الصبح قبل ما حد يأخد باله من حاجة، لازم أقابل "أيان" واتكلم معاه بسرعة.
وضعت إصبعها في يدها بتوترٍ، ثم قالت:
_خلاص حاضر هقول لمامتك إن نور أخت صاحبتي كلمتني وقالتلي لازم تسافري بكره ضروري عشان في إختبار شهري وخلاص.
منحتها ابتسامة باهتة ثم قالت:
_شكراً بجد يا حور على كل اللي بتعمليه عشاني..
طوفتها بيدها ثم قالت بحزن:
_أنا خايفة عليكي يا روجينا انتي ماشية في طريق كله نار وبتدعي انك متتحرقيش وده صعب يحصل..
ثم أشارت لها:
_يلا ننزل لحد. ياخد باله من حاجة.
أومأت برأسها بخفةٍ، ثم وضعت الحجاب على رأسها وتبعتها للأسفل.
*******
وقف كلاً من "بدر" و"آسر"خارج الغرفة، يترقب كلاً منهما لحظة خروج الكبير بعروس كلاً منهما، وبالفعل ما هي الا دقائق مبسطة حتى خرج يمسك بكلاً منهن.
استوقفه الزمن بتلك اللحظة، وكأنه يسجل لحظات خالدة بين لقائهم، كانت بالنسبة إليه كالفتنة التي يهاب أحداً الوقوع بها، ود لو أصبحت القاعة فارغة من حوله ولم يبقى سواهما، فإقترب "آسر" ليقف أمامها بجلبابه الأبيض وعمته البيضاء التي زادت من رجولته ووسامته، كانت "تسنيم" تختطف النظرات الخاطفة إليه من خلف طرحة فستانها الشفافة، فسلمه أبيه يدها، فما أن شعر بدفئها بين يديه حتى وضع أصابعه الخشنة عليها بتملكٍ، فإقترب ليضع قبلة خاطفة على جبينها وهو يهمس بصوتٍ لفح بشرتها البيضاء:
_خايف عليكي من نظراتي، فمش عارف هستحمل نظرات الناس ليكي ازاي!
منحته إبتسامة مرتبكة، ثم لحقت به للأسفل، أما "بدر" ففور رؤياه لرؤى حتى أسرع إليها، ليشير لعمه بمرحٍ:
_مراتي ومن حقي أشيلها ولا أيه يا كبير!
منحه "فهد" نظرة شملت معاني التحذير، ثم اتبعها قوله الصارم:
_في جناحك إعمل ما بدالك يا ابن "سليم".
أشار له بخوفٍ وسط ضحكات الفتيات، فإستأذنه قائلاً:
_طب أسلم ولا دي فيها مشكلة.
ضحك حتى أطلت جزء من رجولته، فأشار إليه:
_سلم وخلصني.
فور سماعه إذنه الصريح حتى إحتضنها بقوةٍ، جعلت فهد يجذبه عنها بحافة عصاه التي شبكت بجلبابه، ليجد نفسه يقابل نظراته الشرسة ليتبعها قوله المحذر:
_خد عروستك نزلها تحت مع الحريم ودقايق وتحصلني برة، سامع؟
أومأ برأسه عدة مرات ثم أسرع ليلحق بآسر المتزن عقلياً بوجود الكبير..
*******
حرص كلاً منهما على معاونة العروس للصعود على المنصة التي صنعت بباحة الثرايا الداخلية الخاصة بالنساء، ثم انسحبوا للخارج على الفور، تطبيقاً لأصولهم، فإلتفت الفتيات حول العروس، ليجذبهن ليتشاركن الرقصات النسائية فيما بينهما، فتمسكت"تالين" يد أختها وروجينا يد "تسنيم"، كانت ترقص بها بدلالٍ وفرحة زائفة تخفي من وراءها حزنها لحرمانها من إرتداء فستان أبيض كحلم بسيط لأي فتاة، والأصعب ما ستخوضه من هلاكٍ قادم وخاصة بتأكيد حملها.
******
خرج"أحمد" من غرفته يبحث عن والدته أو حتى زوجة من زوجات أعمامه، ولكنه على ما يبدو بأنه متأخراً للغاية، فالجميع بالأسفل، كاد بالعودة لغرفته ولكنه تفاجئ بحور تخرج من غرفتها وهي تعدل من ححابها، فما أن رأته حتى دنت منه وهي تردد باستغراب:
_أحمد أنت لسه هنا! دول كلهم تحت من بدري.
سحر بفستانها الاخضر المطعم باللون الملكي الذي أضاف له لمعانٍ خاص، أخفض "أحمد" عينيه أرضاً ثم رد عليها بإرتباكٍ:
_ممكن تناديلي أمي الله يكرمك يا حور؟
تساءلت بدهشةٍ:
_مرات عمي مشغولة في المطبخ يا أحمد، في حاجة ولا أيه؟
أجابها بضيقٍ شديد:
_بحاول من ساعتها أتأقلم بالجلبية دي، بس حقيقي مش قادر فقررت ألبس بدالة بس للاسف القميص مش مكوي ومبهدل خالص.
تطلعت لما يحمله بين يدها ثم جذبته منه وهي تشير له بإبتسامة رقيقة:
_بس كده، بسيطة هكويه على طول متقلقش.
أوقفها حينما قال:
_بس أنا مش عايز أعطلك.. عادي ممكن ألبسه مكسر.
قالت وهي تدنو من غرفتها:
_تعطلني أيه بس يا أحمد دي كلها دقيقة.
وتركته وولجت للداخل فمنحها إبتسامة هادئة قبل أن يعود لغرفته ليستعد للهبوط..
إنتهت "حور" من كي القميص، فقربته إليها وهي تشم رائحته بفرحةٍ تستحوذ عليها حينما تصنع له شيئاً حتى ولو بسيط، ضمت القميص لحضنها، فإنقلبت معالمها فجأة حينما شعرت بخطئها لمجرد تفكيرها به بتلك الطريقة، حتى وإن كانت تعلم بأن زواجه من روجينا أمراً شبه محال، ولكنها تحاول إحترام دينها الذي يمنعها من غض بصرها عما هو محرم، فجذبت القميص، ثم خرجت تبحث عنه بدهشةٍ، فكانت تظن بأنه سيقف ينتظر عودتها، قضمت اظافرها وهي تردد بتوترٍ:
_وبعدين بقى هعمل أيه دلوقتي!
لم يكن أمامها خيار أخر، فكان عليها طرق باب غرفته، وبالفعل أسرعت تجاه غرفته فما أن طرقت بابها حتى فتح من امامها لأنه لم يكن مغلق من الأساس، إرتجف جسدها خجلاً حينما وجدته يقف أمام المرآة يصفف شعره بعنايةٍ ويرتدي بنطال البذلة السوداء فقط، أخفضت "حور" عينيها أرضاً ورددت على استحياءٍ:
_أنا آسفة... آآ.. أنا خبطت الباب بس هو كان مفتوح.
وعلقت القميص على مقبض الباب ثم تراجعت للخلف وهي تردد بحرجٍ:
_القميص أهو.. هنزل أشوف البنات.
قال وهو يجذب الجاكت:
_شكراً يا حور معلشي دايماً تعبك معايا كده.
قالت ورأسها مازال أرضاً:
_تعبك راحة يا أحمد. عن إذنك.
وتركته وأسرعت بالهبوط للاسفل، فجذب القميص وهو يتفحصه بإعجابٍ، فارتداه وهو يهمس:
_ست بيت بصحيح.. يا بخته بيكِ صاحب النصيب بجد.
وإرتدى بذلته سريعاً ثم هبط للاسفل لينضم الى الرجال.
*******
بالخارج..
العصا كانت مبارزة قتالية راقصة للرجال بالخارج، وخاصة "يحيى" و"بدر"، تألق كلاً منهم بالرقص بالعصا، فكاد بدر بالتغلب على "يحيى"، الذي سارع بصد هجماته ليلقي عصاه أرضاً وسط صيحات رجولية تجتاز من حوله، فرفع "بدر" العصا بقدميه ثم أطاح بعصا "يحيى"، فحاذ على إعجاب الرجال، فأيد كلاً منهم الأخر، حتى "عمر" و"سليم" أضافت مشاركتهم هيبة ووقار للتجمع الغفير، فكانت الصفقات والكلمات المخفزة بينهما لا توقف حتى إنتصر "سليم" على "عمر" الذي غمز له ثم همس بمكرٍ:
_النهاردة بس عشان أنت النهاردة ابو العريس.
ضحك الاخير ثم غمز له بخبثٍ:
_مردودلك الاسبوع الجاي يا ابو العريس.
قال بإعجابٍ:
_تعجبني وانت فاهمني.
وعاد كلاً منهما للجلوس مجدداً، فأشار "خالد" لأحمد قائلاً:
_ما تقوم يا ابني تشارك معاهم.
انحنى عبد الرحمن عليه ثم قال في حماس:
_أقوم أنا معاه ولو قتلته تجوزني بنتك الاسبوع الجاي معاه؟
تعالت ضحكات خالد والرجال، فقال بصعوبةٍ في الحديث:
_يا ابني انا معرفش انت قاتل نفسك على الجواز كده ليه، قولتلك بعد شهرين عشان حماتك تحضر، يرضيك البنتين يتجوزا من غير ما تحضر فرحهم!
لوي فمه باستياءٍ:
_لا ما يرضنيش.
ثم دفع أحمد بغضب:
_قوم نرقص انت كمان مش هيبقى نكد وخراب ديار هو.
لكمه أحمد بشراسةٍ ثم قال:
_لا بقولك أيه إهدى وإختار اللي تلعب معاه بدل ما تطير في الجو يا خفيف.
إشارة "فهد" اليهما جعلتهم ينضمون للساحة، ليتراقص كلا منهما على المزمار البلدي، فحاول كلاً منهم الفوز على الاخر ولكن بات الامر مرهقاً للغاية، فتنحوا للخلف بصدمةٍ وتوتر استحوذ على الجميع حينما نهض الكبير عن مقعده الوثير، ليقف بمنتصف الباحة، ثم رفع عصاه ليشيرها تجاه "آسر" الذي ابتسم بفرحةٍ، فنهض ليقف مقابله وكأنه نسخة مستنسخة عن أبيه بنفس ذات الكبرياء والثبات القاتل، ألقى له أحمد عصاه فإنتشالها ببراعةٍ، ثم رفعها تجاه عصى أبيه لتبدأ الملحمة الشرسة بينهما والرجال في حالة من الحماسٍ لمشاركة الكبير لهما، فكان نجله يشاركه بدهائه فلم يجد الفوز عليه أمراً هين، طالت المبارزة بينهما وعازف المزمار لا يتوقف عن العزف، والجميع يترقب من الذي سينتصر كبيرهم أم الشاب الثلاثيني الذي سينوب عن أبيه وسيكن كبيرهما فيما بعد، فكان المعروف عن "آسر" شدة ذكائه، لذا إحنى عصاه بوقارٍ أمام أبيه ثم إنحنى ليقبل يديه أمام حشد غفير من كبار أعيان الصعيد، وكأنه يبلغهما رسالة صريحة بأن ليس للدهاشنة كبيراً في وجود كبيرها مادام على قيد الحياة، مسد" فهد "على رأس ولده بحنانٍ ثم رفعه ليضمه لصدره وهو يردد. بفرحةٍ وفخر به:
_مبروك يا ولدي ألف مبروك.
ابتسم "آسر" وهو يجيبه بإحترامٍ:
_الله يباركلك فيك يا كبيرنا وكبير الصعيد كلها.
أشار له "فهد" بالجلوس لجواره على مقعده المخصص وكأنه يعظم من شأنه مثلما فعله هو ببدء الأمر، فمن يقدم الاحترام لا يحصد سواه!
*****
نفذت حور خطتها، فاستدعت رواية واخبرتها بما أرسل اليها من رسالة هامة، فأسرعت الاخيرة بمنادة روجينا لتخبرها بما قالته حور وان عليها السفر للقاهرة في الحال حتى تتمكن من حضور الاختبار بالغد، فقالت روجينا بحزن مصطنع:
_ازاي بس يا ماما مش هلحق الامتحان اكيد، انا ازاي مخدتش بالي ان بكره يوم الاختبار!
ربتت على ظهرها وهي تخبرها بحنان وارادة:
_متخافيش يا حبيبتي اتفائلي خير كده وان شاء الله هتلحقي انا هروح اكلم بابا واخليه يحضرلك العربية حالا.
ثم كادت بالهبوط فقالت حور:
_انا ممكن اسافر معاها يا مرات عمي بدل ما تقعد هناك لوحدها..
تطلعت لها بامتنانٍ:
_حبيبتي يا "حور" طول عمرك بتفكري في غيرك يا قلبي، خلاص اطلعوا غيروا هدمكوا وانا هنزل اتكلم معاه.
وبالفعل أشارت "رواية" اليه لتخبره ما حدث، فأخبرها بأن تجهز نفسها لحين استعداء السائق، وامر "فهد" "أحمد" بأن يسافر معها على الفور، فلم يتردد ابداً واتجه للاعلى هو الاخر ليستعد للسفر معهن..
******
وأخيراً لحظته المترقبة حانت، بات منفرداً بها بجناحهما الخاص، هي الآن زوجة له، تحل له ويحل لها، مازال يتذكر ذلك اليوم الذي فقدها به، ذلك اليوم الذي رفع به كفه ليصفعها صفعة مداوية، هدفها ان يفيقها لعادتهم الشرقية التي أنستها غربتها إياها، وبالرغم من عشقه لها الا ان تمسكه ايمانه وعقيدته كانت أقوى من حبه لها، والآن قد نال صبره لسنواتٍ طويلة، دنا منها "بدر" ليرفع عنها الطرحة البيضاء ليجدها تمنحه نظرة يسكن فيها حبه وإحتراماً كبير له، فمنحها إبتسامة جذابة تتبعها قوله:
_خلاص بقبتي ليا قولاً وفعلاً.
ضحكت على مرحه بالحديث ثم قالت بجدية:
_عارف يا "بدر" ، انت الحاجة الوحيدة اللي اختارتها صح في حياتي كلها.
خفق قلبه لكلماتها فاحتضن وجهها ليقربها منه، يذيقها عشق بريحقه الخاص، ثم ابتعد عنها ليهمس برغبةٍ تجاهها:
_بأحبك..
همست هي الاخرى وافصحت عما تدفنه بداخلها:
_وأنا بموت فيك.
كلماتها كانت كافيلة بمنحه الآذن لاقتحام عالمها الذي تأثر بما فعله ذاك اللعين، فأمسك محبوبها يدها ليجعلها تتخطى أول عقبة بقتله والاخرى حينما أذاقها عشق جعلها تثق بأن الحب يلين الصخر اذا أراد، دعته يصطحبها لعالمه وكانت مرحبة بذلك لتصبح الآن زوجة له وهو حصن لها...
******
بجناح "آسر"
يعلم جيداً كم هي خجولة، رقيقة بطباعها، لذا منحها مساحة خاصة بها حتى لا يزعجها، فأبدل ملابسه لبنطال أسود وتيشرت أبيض ضيق يبرز جسده الرياضي بوضوحٍ، ثم خرج لشرفة جناحه الخاص لأكثر من نصف ساعة، فما أن استمع لباب الحمام يفتح حتى استدار تجاهها، فوجد حورية تطل من أمامه، تتخفى خلف مئذرها الأبيض، وشعرها الأسود مفروض من خلفها، عينيها تتهرب من لقاء عينيه، وأصابعها تعبث بخصلات شعرها بإرتباكٍ لمسه "آسر" ، أراد لو رفعت عينيها تجاهه، يرد التمنى بحدقتيها الخضراء، فماذا سيريد بعد ذلك، إقترب منها بخطواتٍ بطيئة، ومع كل خطوة كان يخطوها كانت تعود هي للخلف تلقائياً، ودقات قلبها تكاد تكون مسموعة إليه، فأزاحت خصلة شعرها خلف آذنيها بتوترٍ، حاصرها آسر بين ذراعيه والحائط، ثم رفع ذقنها بيديه ليجبرها على التطلع اليه، فابتسم وهو يهمس بما حبسه بداخله منذ لقائهما الاول:
_عنيكي زي المغناطيس بتجذبني من غير أي مجهود صغير منك.
وابتسم وهو يشاكسها قائلاً:
_يمكن ربنا انعم عليا لانه عارف أد أيه بحب أبص للخضرة والطبيعة..
ثم انحنى ليهمس بمكرٍ:
_بس يارب متمليش من نظراتي ليكي.
ابتلعت "تسنيم" ريقها بارتباكٍ، فحاولت رسم ابتسامة بدت شبه باهتة، لم يكن يشعر بالضجر لما تجتازه من توتر وخجل مبالغ به، بل كان يقدرها ويقدر حياءها للغاية، لانه يعلم بأنها مختلفة ويروق له اختلافها، الا يكفيها الضغط والعناء الذي خاضته منذ الصباح حتى تلك اللحظة!
رفعت تسنيم عينيها تجاهه فمازال يقف امامها هكذا منذ دقائق، فوجدته يجذب يدها ثم يخطو تجاه الفراش، انقبض قلبها برعبٍ لا مثيل إليه، وخاصة حينما حملها ليضعها بفراشه، ثم تمدد جوارها ليجذبها لاحضانه وهو يربت على ظهرها بحنانٍ، ليغلق عينيه وهو يتصنع النوم لأجلها!
رفعت رأسها تجاهه بتوترٍ، وهي تستكشف حيلته، تخشى أن يخدعها بسماحه الراقي لها، ولكنه تفاجأت به يهمس وهو يضمها بقوة لصدره:
_هتنامي ولا أغير رأيي!
دثت رأسها بصدره وتشبثت به فابتسم على طفوليتها ثم تصنع النوم حتى غفت بين احضانه من فرط تعبها النفسي والجسدي، ففتح عينيه على مهلٍ ثم أخذ يتأمله ببسمةٍ تنبع بعشقٍ خالد، قلة ما تجده بين عالمنا، فسحب نظراته ليسلطها على يدها المتشبثة بالتيشرت الخاص به، فانحنى ليطبع قبلة رقيقة على أصابعها ثم أغلق عينيه ليستسلم لنومٍ هنيئاً جوارها.... جوار من أحبها بصدقٍ ومن النظرة الاولى!
*******
وصلت السيارة للقاهرة بعد ساعات معدودة، فما ان صعدوا للشقة ورتبوا اغراضهم حتى دقت الساعة التاسعة صباحاً، فاسرعت "روجينا" لخزانتها لتبدل ثيابها ثم هرعت سريعاً لمكتبه الخاص، فظلت ساعة كاملة بالخارج حتى سمح لها السكرتير بمقابلته، فما أن ولجت للداخل حتى صاحت به بإنفعالٍ تحملته طوال الطريق:
_أنا بحاول اكلمك من امبارح موبيلك مقفول، وانت عارف اللي بمر بيه!!
أجابها ببرودٍ وعينيه مازالت تنظر لحاسوبه:
_أكلمك بتاع أيه!
جحظت عينيه في صدمةٍ، كادت بابتلاعها بطياتها وكأنها وحش كاسر، فرددت بصعوبة بالحديث:
_قصدك أيه!
رفع رأسه تجاهها ثم قال بنظرة استحقار تراها لأول مرة:
_إنتي عارفة أنا قضيت كام ليلة مع كام بنت! ... تفتكري لو كنت اتجوزت كل بنت حملت مني كنت هوافق بينهم ازاي!
شعرت بدوار حاد يهاجمها، فجلست على المقعد القريب منها، ويدها موضوعة على صدرها تحاول التقاط نفسها، لتهمس بصوت شاحب:
_انت بتقول ايه يا أيان!...
قال بجفاء:
_اللي سمعتيه.
صرخت بجنون وكأنها فقدت عقلها:
_لا مستحيييل مستحيـــــل تعمل فيا كده، أنت عارف انا عملت ايه عشانك، حرام عليك أنا مش عارفة هعمل ايه دلوقتي لو بابا عرف!
أجابها بمنتهى القسوة:
_تقدري ببساطة تخرجي من هنا وتروحي لكبير الدهاشنة فهد بيه أبوكي المحترم وتقوليله بنتك المصون غلطت مع أكبر عدو ليك وحامل منه، يمكن يلاقيلك حل وأهو يفكه من مشاكل الصعيد وناسها ويركز مع عياله شوية..
انسدل الدمع على وجنتها فرددت بصوتٍ شاحب كحالها:
_أنت بتقول ايه، أنت عارف بابا ممكن يعمل فيا ايه لو عرف حاجة زي كده!.
ابتسامة باهتة رسمت على وجهه، فأدار مقعد مكتبه الاسود بتلذذٍ عجيب وهو يجيبها:
_عارف وهو ده اللي أنا عايزه أكسره هو ابنه وأحط مناخيره في الارض..
كبتت" روجينا"شهقاتها وهي تردد بانكسارٍ:
_انا مش قادرة أصدق اللي بسمعه مش أنت الانسان اللي انا حبيته وجازفت بحياتي علشانه، مش أنت اللي انا اتجرأت علشان اتجوزه في السر من ورا آسر والعيلة كلها..
نهض عن مقعده حتى صار أمامها، افتقدت نظرات الحنان المفقودة داخل قسوته، فخرجت كلماته الحادة المزينة بلهجته الخبيثة:
_أوه، أنا شكلي نسيت اقولك ان المأذون والشهود والليلة دي كانت تمثيل..
هزت رأسها بإنفعالٍ ثم همست بخفوت:
_لأ...... لأ...
ابتسم وهو يجيبها بتأكيد:
_تلاتة ممثلين قبضوا ودورهم انتهى..
سقطت أرضاً وهي تحاول استيعاب ما تتلاقاه، فانحنى مقابلها يتأملها بنظراتٍ باردة يحاول من خلفها كبت آنين قلبه فالأنتقام هو الشعلة التي تحرك هذا الجسد، رفع يديه ليحرك خصلة شعرها المموج البادية من أسفل حجابها ليردف ببرود:
_مفيش قدامك غير حلين، تروحي لآسر أخوكي وتقوليه انك غلطتي مع ابن المغازي، يا تقبلي تتجوزي أحمد ابن عمك زي ما ابوكي عايز وهو كده كده هيكتشف غلطك وهيفضحك، مفيش قدامك غير الاختيارين دول..
رفعت عينيها تجاهه والدمع ينهمر دون توقف، فابتسمت وهي تجيبه بقهرٍ:
_لا في اختيار تالت..
لم يفهم معنى كلمتها الا حينما اقتربت من شرفة مكتبه، اختيار الموت بتلك الحالة حل مثالي، أغلقت "روجينا" عينيها بقوةٍ وهي تحارب ذكرياتها التي جمعتها بأيان الذي ظنته يعشقها مثلما تعشقه، ذكريات ليلة زفافها وانتهائها بما كشفته فحررت قدميها لتستكين اخيراً ولكن بين احضان أحداهما الذي كان نجاة لها من الموت فكان آخر من تتوقعه وكأن محبوبها يبخث عليها الموت فيود بان يكون هو موتها!..بدى مرتبكاً للغاية،فجذبها بقوة بعيداً عن الشرفة ثم رسم ابتسامة خبيثة قبل ان يردد:
_ده المتوقع من ولاد فهد، ضعاف وميقدروش يواجهوا عواقب القرارات الغلط اللي اخدوها..
ثم قرب رأسه منها ليستطرد بسخرية:
_اللي مستغربه هو فين من نصايب بنته..
ثم جذبها ليدفعها خارج مكتبه وهو يشير لها بقسوة:
_افضل انك تختاري مكان تاني تموتي فيه غير هنا.
جزت على اسنانها بحقد وهي تردد بغيظٍ:
_حقير...كل الحب اللي كان جوايا ليك اتحول لكره..انا فعلاً غبية اني محستش بحب أحمد وحبيت شيطان زيك.
وانحنت لتجذب حقيبتها ثم غادرت،فأشار أيان بعينيه تجاه احد رجاله الذي أومأ برأسه ليلحق بها،ليراقبها مثلما تلاقى الامر..
جابت شوارع القاهرة مشياً على الاقدام، عينيها تورمت من اثر البكاء وكانها فقدت القدرة على العيش في تلك اللحظة،وحينما تورمت قدميها اتجهت للمنزل، ففور دخولها للعمارة وجدت أحمد على بابها،فما ان راته حتى رددت بدموعٍ:
_أحمد....
انقبض قلبه حينما رأها في تلك الحالة الغريبة،فاسرع تجاهها وهو يردد بقلق:
_"روجينا" مالك؟
رأت صورته مهتزة من حولها، فسقطت بين يديه ليحيل يينها وبين الارض وهو يرطم وجنتها بلهفةٍ وخوف:
_روجينـــــــــا....
التقط الجاسوس التابع للمغازي عدة صور لها وهي بين يديه حتى حينما حملها وصعد بها للاعلى سريعاً..
*******
بثرايا المغازية..
طالت مكالمة "فاتن" بابنتها، فاستنزفت طاقتها بأكملها، فقالت بضيقٍ:
_يابتي إفهميني احنا خايفين عليكي، مش عايزينك ترجعي اهنه واصل، المكان اللي انتي فيه أمان..
اتاها رد ابنتها اللازع:
_يا مامي أنا زهقت من أوروبا وعايزة أرجع بقا الصعيد نفسي ارجع اعيش معاكي تاني، مش كفايا بقى بقالي هنا عشر سنين لا قادرة اشوفك ولا اقعد معاكي وكل ما بكلم أيان بيقولي مش هتنزلي معرفش انتوا لسه خايفين من ايه، مش اخدتوا بتاركم من العيلة دي!!
زفرت "فاتن" بمللٍ ثم قالت:
_اسمعي كلام ابن خالتك واخوكي الكبير، خايف عليكي يا "ناهد" يا بتي، الموضوع واعر قوي وانتي لازمن تكوني براه يا حببتي.
صاحت بتعصب:
_لحد امته يا ماما انا زهقت ومش عايزة اصحى القى نفسي متجوزة من هنا، انا عايزة اتجوز شاب مصري ومن بلدنا.
لوت شفتيها بتهكم:
_بقا بعد التعليم في بلاد بره ترجعي تتجوزي من اهنه! ، مجنونة اياك!
ثم استطردت بملل:
_خلاص قفلي على الموضوع ده ولما هشوف اخوكي ايان هنشوف هنعمل ايه لو كده تبقي تنزلي عنده في القاهرة بس اوعاكي تجي اهنه سامعة..
قالت باستسلام:
_القاهرة القاهرة المهم انزل مصر.
وأغلقت الهاتف معها وظنها بأن بابتعاد ابنتها ستضمن لها اماناً مخادع لا تعلم بأنها ستكون الورقة الرابحة التي ستنهي العداء بين العائلتين!
......... يتبع......
#الدهاشنة2.... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت..
كده يا قمراتي الرواية بدأت فعليا وكده هنبدأ بالعنوان التاني للرواية #صراع_السلطة_والكبرياء... بتمنى يكون الفصل يستاهل الانتظار وهشوفكم الاسبةع الجاي مع الفصل ال30... ونرجع نكمل ان شاء الله رابع يوم العيد مع اروع الاحداث والصراعات.. بحبكم في الله وتصبحوا على الف خير...
#Aya.... 💙
*****_________****