تحميل رواية «الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
_تقدري ببساطة تخرجي من هنا وتروحي لكبير الدهاشنة فهد بيه أبوكي المحترم وتقوليله بنتك المصون غلطت مع ابن أكبر عدو ليك وحامل منه يمكن يلاقيلك حل وأهو يفكه من مشاكل الصعيد وناسها ويركز مع عياله شوية.. انسدل الدمع على وجنتها فرددت بصوتٍ شاحب كحالها: _أنت بتقول ايه يا "أيان"، أنت عارف بابا ممكن يعمل فيا ايه لو عرف حاجة زي كده!.. ابتسامة باهتة رسمت على وجهه، فأدار مقعد مكتبه الاسود بتلذذٍ عجيب وهو يجيبها: _عارف وهو ده اللي أنا عايزه أكسره هو ابنه وأحط مناخيره في الارض.. كبتت" روجينا"شهقاتها وهي ت...
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الحادي وثلاثون 31 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2....(#صراع_السلطة_والكبرياء..)..
#الفصل_الثلاثون.
(إهداء الفصل لصديقتي الجميلة إخلاص "خوخة"، كل عام وأنتي بألف خير يا خوختي، ويارب دائماً في أفضل حال يا روح قلبي... ♥)
حملها"أحمد" بين يديه ثم أسرع بها للأعلى، فطرق على باب الشقة عدة مرات، حتى أسرعت "حور" بفتحه، فجحظت عينيها على مصرعيها حينما وجدتها فاقدة الوعي، فأسرعت تجاهها تحرك وجهها وهي تتساءل بقلقٍ:
_في أيه يا "أحمد"؟
قال وهو يتجه لغرفة"روجينا" ليضعها على الفراش:
_معرفش أنا كنت خارج ولقيتها راجعة من برة شكلها تعبان ومرهق وفجأة وقعت من طولها.
وانتصب بوقفته، ليخرج هاتفه من جيب بنطاله الرمادي، فتوترت معالمها، لتسرع بسؤاله:
_بتعمل أيه؟
رد عليها دون أن يتطلع لها:
_بتصل بدكتور يجي يطمنا عليها.
خطفت "حور" الهاتف من يديه بإرتباكٍ ملحوظ، فلعقت شفتيها الجافة بتوترٍ:
_لا الموضوع مش مستاهل، هي شكلها محلتش حلو في الامتحان خصوصاً إنها مكنتش تعرف معاده.
إقترب منها أحمد ثم مد يديه تجاهها بصمتٍ، فوضعت هاتفه بيديه بحرجٍ، عاد ليحرر الإتصال وهو يردد:
_لازم نجيب دكتور يطمنا عليها شكلها تعبانه.
إنقبض قلب "حور" خوفاً من القادم، فأخذت تدعو الله سراً أن لا ينكشف أمر "روجينا" ، مرت الدقائق ثقيلة عليها، فوخز قلبها فور سماعها لجرس الباب، ازدردت ريقها الجاف بصعوبةٍ، حتى أنها شعرت بتصلب قدميها وكأنها من ارتكب ذلك الجرم الشنيع، فتح باب الغرفة ليطل أحمد من خلفه وهو يشير للداخل بيديه:
_اتفضل يا دكتور.
ولج الطبيب المعالج للداخل، فاقترب منها وهو يتفحص نبضها، ومن ثم قاس الضغط في محاولات منه لاستكشاف سبب إغمائها، ابتعدت "حور" عن الفراش ثم وقفت جوار "أحمد" ولأول مرة يتغيب عقلها عن استحضار المناسب لفعله فبدت كالمغيبة حينما تمسكت بذراع أحمد فاتجهت نظراته القلقة عليها حينما شعر برعشة أصابعها على ذراعيه وخاصة حينما قالت بدموعٍ صاحبتها:
_"أحمد"... أنا آآ.... أرجوك لازم تسمعني ضروري.
استدار بجسده كلياً تجاهها ليتساءل بلهفةٍ متناسياً الدنيا وما عليها ليس وجود الطبيب فقط:
_في أيه يا "حور" اتكلمي.
لم تجد كلمات تسعفها، فبداخلها تزرع ظنون طيبة حول عدم كشف الطبيب لحملها، فتخشى إن لم يلاحظ ذلك وتفضحها هي، ولكن أتاها سؤال حسم الصراع بداخلها حينما تساءل الطبيب باهتمامٍ:
_حضرتك جوزها؟
نقلت نظرات أحمد تجاهه، فدنا من الفراش وهو يجيبه بهدوءٍ:
_أنا خطيبها وابن عمها، يعني تقدر تتكلم.
إحتقرته نظرات الطبيب وخاصة حينما ردد بدهشةٍ:
_خطيبها!
ظن "أحمد" بأن هناك أمراً هام يأبى التصريح به اليه، لحاجته لأهلها، فأخبره بما سيجمعهما خلال أيام:
_أيوه وفرحنا كمان أسبوع.
هز الطبيب رأسه ببطءٍ وهو يردد. على مضضٍ:
_طب كويس عشان اللي في بطنها.
تراجعت "حور" للخلف بخوفٍ شديد، بينما انعقدت ملامح أحمد بذهولٍ، فظن بأنه لم يستمع إليه جيداً، فعاد لسؤاله:
_عشان أيه؟
دون الطبيب الروشتة وهو يجيبه بنزقٍ:
_أنت متعرفش إنها حامل في تلات أسابيع ولا أيه!
جحظت عينيه في صدمةٍ لم يستوعبها عقلها، فخرجت حروفه مهزوزة:
_حامل!
قطع الطبيب الروشته وقدمه له بتريثٍ:
_ياريت تجبلها الدوا ده موقتاً لان لازم تتابع مع دكتور تخصص نسا وتوليد في أقرب وقت.
لم ينتبه لم يقدمه له وبنصحه به، فكان هائماً بحاول الإفاقة من تلك الصدمة التي تستنقص رجولته، ضربته في مقتل وتركته صريعاً يواجه حافة الموت بمفرده، التقطت حور الروشته من الطبيب ثم قالت بابتسامةٍ مصطنعة:
_شكراً، اتفضل معايا.
تتبعها حتى أوصلته للخارج، ثم عادت راكضاً للداخل، فوجدت جسده يهتز بعنفٍ فاستند بجذعيه على ذراع الاريكة القريبة منه، ليلقي بثقل جسده عليها، ويديه تضغط على مقدمة رأسه بعنفٍ وحدة في محاولة منه لتقبل الأمر.
*******
شعرت بيديه تبعدها عنه، ففتحت عينيها بذعرٍ وهي تتلفت حولها بتشتتٍ، عاد "آسر" ليجلس محله على الفراش مجدداً، ليحاوط وجهها بكلتا يديه بحنان:
_ في أيه يا حبيبتي!
بدأت باستيعاب ما حدث لها، فقالت بارتباكٍ:
_أنت رايح فين؟
ابتسم وهو يتابع قلق منامتها لابتعاده عنها:
_مش من عادتي أتاخر في النوم كده، ثم إني بحب أنزل أتمشى أول ما أقوم من النوم وأنا النهاردة إتاخرت عن العادة.
ونهض ليفتح خزانة الدولاب، ثم أخرج ترنج رياضي ليبدأ بتبديل ثيابه، أغلقت "تسنيم" عينيها بخجلٍ، لتصيح به بانفعالٍ:
_ما تغير في الحمام!
منحها نظرة ماكرة قبل أن يتبعها قوله الخبيث:
_أنا أغير في المكان اللي يعجبني، بس مش قدام أي حد غير مراتي، أنا راجل دقة قديمة حبتين.
ضحكت وقد طربه صوتها، فأشار لها بصرامةٍ زائفة:
_هتقومي ولا أمشي.
أزاحت عنها الغطاء وهي تسرع بالتوجه لحمام غرفتهما:
_لا ثواني وهكون جاهزة.
سقط المئزر عنها لتشتت حركتها، فكشف عما ترتديه بأسفله، فرفعته تسنيم سريعاً لتخبئ جسدها وقد انحبست الدماء بوجهها المرتعب، كانت تتصرف بغرابة ومع ذلك حبس هواجسه داخله، حينما قال ممازحاً إياها:
_أنتي لسه هنا! لا أنا هنزل لوحدي.
هرعت للخزانة ثم التقت اسدالها، وهي تردد بخوفٍ:
_لا لا خلصت أهو.
وحينما أغلقت باب حمامها، همس "آسر" ساخراً:
_شكلي كده والعلم لله صبري هيطول أوي.
********
تأوهات خافتة خرجت منها وهي تحاول رفع أجفانها الثقيلة بتعبٍ شديد، فاحتضنت مقدمة رأسها بيدها وهي تحاول الاعتدال بمرقدها، استندت "روجينا" بمرفقها على الفراش، لتعتدل بجلستها، لتجد "حور" تجلس لجوارها وعينيها متورمة من أثر البكاء، رددت بصوتٍ شاحب كحال وجهها:
_حـور!
منحته نظرة مشفقة على حالها وما سيحدث فيما بعد، فسألتها "روجينا" بقلقٍ من رؤية حالتها:
_في أيه!
_حمدلله على السلامة.
صوته الذكوري جعلها تنتبه لوجوده بالغرفةٍ، فاستدارت وجهها لتجده يجلس على الأريكة المقابلة للفراش، همست بصوتٍ خافت:
_أحمد!
تذكرت أخر ما حدث لها قبل أن تفقد الوعي، فتعلقت نظراتها به مطولاً، نهض "أحمد" عن الأريكةٍ ثم اقترب من الفراش ليشير لحور بحزمٍ:
_اطلعي بره يا حور.
تعجبت "روجينا" من نبرته الجافة وخاصة توتر ابنة عمها الذي زرع الخوف في نفسها، انصاعت "حور" لطلبه بالبقاء معها بمفرده، فأغلقت الباب من خلفها، جذب أحمد المقعد الموضوع أمام السراحة، ثم وضعه أمامها ليجلس بهدوءٍ بدى مخيف لها، حاولت "روجينا" إخفاء ربكتها التي تهاجمها، فطال الصمت بينهما الى أن مزقه "أحمد" حينما قال:
_أيه اللي مرجعك من الجامعة بالحالة دي!
انسدلت دموعها تباعاً فور تذكرها ما حدث، فقالت بصوتٍ متقطع من أثر البكاء:
_أنا بس اتصدمت في حد كان قريب مني، ودي مش أول مرة أنا دايماً بتخدع في كل اختياراتي يا أحمد.
ثم رفعت عينيها تجاهه، لتدنو منه بجسدها، فقربت يدها منه بارتباكٍ، احتضنت لائحة يدها بين يديه ثم قالت بانكسارٍ:
_أنا غبية لدرجة إني معرفتش قيمتك وكنت دايماً بعيدة عنك.
إبتسامة ساخرة رسمت على شفتيه، فجذب يديه بعيداً عنها ثم قال وهو يحدجها بنظراتٍ قاسية:
_وده اكتشفتيه أمته قبل الحمل ولا بعده؟
جحظت حدقتيها في صدمةٍ، فقرب وجهه منها وهو يستطرد ساخراً:
_انتي متعرفيش اني جبتلك دكتور يطمني عليكي، والراجل مشكور قالي اعمل الفرح بسرعة قبل ما نتفضح.
تراجعت للخلف بخوفٍ شديد، ورددت بصوتٍ شبه مسموع:
_احمد اسمعني آآ... أنا... آآ...
إبتلعت كلماتها حينما هوى على وجهها بصفعةٍ قوية، ومن ثم جذبها من حجابها وهو يصيح بعصبيةٍ بالغة:
_بتستغفلينا يا رخيصة، عايزة توطي رأسنا، لا معاش ولا كان اللي يعملها ده أنا أقتلك مكانك هنا يا زبالة.
صرخت بألمٍ وهي تحاول إبعاده عنها،ولكنها تفاجأت به يتركها من تلقاء نفسه، ليمنحها نظرة أسقطتها من توب العفة:
_أنا كنت بحاول أقربلك عشان أقدر أفهمك،كنت واثق إنك مختلفة عني ومتلقيش بيا وبالرغم من كده كنت مخلص ليكي لأخر لحظة، ليه تعملي فيا كده؟ انتي كل مرة بتهنيني وبتهيني رجولتي لكن لا يا "روجينا" المرادي لا وألف لا.
وتركها وكاد بمغادرة الغرفة، فركضت خلفه لتنحني أسفل قدميه، فتمسكت بساقه وهي تبكي بحرقةٍ وبصوتٍ متقطع قالت:
_أبوس ايدك متقولش لبابا حاجة، أنا أستاهل القتل، إقتلني ومتقولوش حاجة.
ضغط على شفتيه معاً حتى كاد بقطعهما، جسده لا يحتمل لمستها إليه، فأبعدها عنه بنفورٍ، عادت لتتمسك به وهي تستطرد بقهرٍ:
_أنا عمري ما شوفتك زوج ليا يا "أحمد" ، انا مكنتش قادرة أشوفك غير زي "يحيى" و"بدر"، حاولت أحبك معرفتش ولما قولت لماما تفركش الخطوبة رفضت حتى توصل الموضوع لبابا..
والتقطت أنفاسها الثقيلة بصعوبةٍ:
_أنا حاولت أحبك معرفتش، وبعد كده ظهر هو في حياتي، معرفش ازاي سيطر عليا وخلاني أحبه وأثق فيه، ووفقت أتجوزه بس مكنتش أعرف إنه ضحك عليا وإن ده مكنش جواز و إني كنت مجرد وسيلة عشان ينتقم من أبويا و"آسر".
بالرغم من شدة صدماته مما يستمع إليه، ولكن كلمتها الاخيرة جعلت عقله يعمل بسرعةٍ، فانحنى "أحمد" تجاهها، ثم جذبها من حجابها لتواجهه مجدداً، فتساءل بنبرته الخشنة:
_إنتي بتتكلمي عن مين؟
بكت برعبٍ من تلك المواجهة الشبيهة بجحيم الموتى التي تراه بعينيه، فخرجت الحروف متقطعة والخوف يندث من خلفهما:
_آ.. ي.. ا.. ن "آيان المغازي"
احتدت نظراته المسلطة عليها فالقاها أرضاً وهو يصرخ بها بغضبٍ مميت:
_مش قولتلك رخيـــــــــصة، سلمتي شرفك لابن المغازي يا فجرة..
وضغط بيديه على شعره حتى كاد بإقتلاع جذوره، فجاب الغرفة ذهاباً وإياباً ومن ثم توقف أمامها وهو يصيح بحدةٍ:
_أنتي عارفة عمي لو عرف الموضوع ده هيجراله أيه!
ضمت جسدها إليها وهي تردد بانهيارٍ:
_لا لا مش هيعرف لا..
انحنى تجاهها ليضحك ساخراً:
_إنتي فاكرة الكلب ده عمل كل ده ليه! ، عشان يكسرنا كلنا بسببك، وبصراحة عرف يختار صح مكنش يقدر يعمل كده مع "ماسة" أو "حوار" ، عشان كده إختارك انتي.
كلماته نغزت قلبها كالخناجر المسنة، ومع ذلك تقبلتها لأنها تستحق أكثر من ذلك، انتصب "أحمد" بوقفته فسيطر على انفعالاته قليلاً حتى يتمكن من التفكير، سكن لدقائق ومازالت تحتضن جسدها المرتجف بخوفٍ، إلى أن سكنت حركة أحمد التي جابت الغرفة بأكملها، فإتجه نحوها، أخفت روجينا جسدها بيدها ظناً من أنه سيقتلها أو ربما سيوسعها ضرباً ولكنها وجدته يتجه بها للأريكة، فجلس عليها وهو يشير لها لتستمع لما سيقول باهتمامٍ:
_مش هسمح للحيوان ده يحقق اللي في دماغه ويكسر عمي ولا يكسرنا، شرفه من شرفي وعرضه هو عرضي..
ثم التقط نفساً مطولاً قبل أن يستطرد:
_الفرح هيتعمل في معاده وانتي هتفضلي هنا مش هنسافر الا قبل الحنة بيوم عشان محدش يأخد باله من الاعراض اللي عندك سامعة؟
أومأت برأسها عدة مرات، فمنحها نظرة حملت معنى التقزز والكره قبل أن يقول:
_لو بعمل كده فعشان عمي وآسر مش عشان واحدة رخيصة زيك، اللي هقدر أعمله إني هتجوزك كام شهر وبعدها هنتطلق لاني مش هقدر أعيش مع واحدة وسخت رضي وإحنا على البر، فمقدرش اتوقع اللي هتعمله بعد الجواز.
وتركها وغادر للشقة المقابلة لهم، فما ان تأكدت "حور" من رحيله حتى هرعت إليها تسألها بخوفٍ:
_أيه اللي حصل، أحمد قالك أيه؟
اختبأت روجينا باحضانها وهي تقول بانكسارٍ:
_أنا ليه عملت في نفسي كده يا "حور"، انا إزاي قدرت أثق في الحيوان ده.
ابتعدت عنها وهو تتساءل بذهولٍ:
_انتي بتقولي أيه؟
أجابتها بدموعٍ غزت وجنتها:
_كان بيستغلني عشان ينتقم من أبويا يا حور، وقالي ان عقد الجواز ده مزيف يعني اللي كان بينا مكنش غير زنا!
عاتبتها الاخيرة ببكاءٍ:
_قولتلك يا "روجينا" بس أنتي مصدقتنيش، اللي بيحب حد بيحافظ عليه وبيدخل البيت من بابه مش بالطريقة دي.
القت برأسها على الحائط من خلفها وهي تندب بندمٍ:
_يارتني سمعت كلامك، يارتني كنت موت قبل ما اعمل في نفسي كده..
وفتحت فمها عل الهواء يصل لرئتيها المسدودة:
_"أحمد" ميستهلش اللي عملته فيه ده، أنا مستحقش أعيش يا "حور".
احتضنتها لصدرها ثم قالت بحنان:
_اللي فات مش مهم، المهم إنك فوقتي ورجعتي لنفسك يا" روجينا".
قالت باستهزاءٍ:
_بعد أيه، بعد ما ضيعت نفسي!
وضربت بطنها بيدها معاً وهي تصرخ بانفعالٍ:
_وبقيت شايلة عاري في بطني... لا أنا مش عايزة الجنين ده أنا لازم أتخلص منه.
شهقت "حور" بصدمةٍ:
_أيه اللي بتقوليه ده، حرام عليكي دي روح بريئة ملهاش ذنب في كل ده.
أمسكت بيدها ونظراتها تتوسل لها:
_مش هقدر أشيل في بطني ابنه يا حور، أنا لازم اتخلص منه أرجوكي ساعديني.
سألتها بدهشةٍ:
_إزاي بس؟
ازاحت دموعها ثم نهض عن الأرض لتجذب حقيبتها فأخرجت الهاتف ومن ثم الرسالة التي أرسلتها لها احدى أصدقائها:
_ده عنوان دكتور بيعمل العمليات دي، واحدة صاحبتي بعتتهولي، لازم أروحله في أقرب وقت وأخليه يعملي العملية.
بدى الخوف جلياً على وجهها، فقالت بارتباكٍ:
_بس الموضوع ده مش سهل يا روجينا، أكيد في إجراءات وتشديدات كتيرة.
أجابتها بحزنٍ:
_لا متقلقيش الدكتور ده بيعمل الحاجات دي في السر..
صعقت مما استمعت إليه، فقالت بصدمةٍ:
_انتي عايزة تدخلي الاماكن المشبوهة دي برجلك يا "روجينا"؟
انهمرت دمعاتها على وجنتها لتشير اليها بانهيارٍ:
_عندك حل تاني؟.
ارتخت معالمها، فأزاحت الدموع العالقة بأهدابها ومن ثم ترددت في سؤالها:
_طب وأحمد؟
إنخلع قلبها فور ان تحدثت عنه، فقالت بلهفةٍ:
_لا مش لازم يعرف حاجه من اللي قولتها دي يا" حور"، احنا هنروح بكره من وراه.
أومأت برأسها بالرغم من عدم اقتناعها بما ستفعله ولكنها تظنها خطوة ايجابية لتنسى هذا اللعين وما فعله بها.
*******
مرت ساعة كاملة ولم يشعر كلا منهما بالوقت، فظهر الاسطبل على مرمى بصرهما، فأشارت "تسنيم" بيدها عليه وهي تخبره بحماسٍ:
_عايزة أشوف برق.
ابتسم وهو يتطلع تجاه ما تشير، فغمز بعينيه:
_يالا.
سبقته بخطواتٍ شبيهة بالركض حتى وصلت لبابه القصير، فدفعته وكادت بالولوج فتذكرت ما حدث لها أخر مرة، فتراجعت بظهرها للخلف بخوفٍ، ضحك "آسر" على مظهرها المضحك ثم قال:
_شايف الحماس غلبه الخوف والجبن!
لكزته على صدره بضيقٍ:
_لا موجود بس ميصحش نقتحم المكان في وجود صاحبه.
دنا منها فتراجعت للخلف، فرفع يديه ليتمسك بالخشب الموضوع من خلفها على الجانبين، ثم انحنى ليهمس بأنفاسٍ لفحت رقبتها:
_المكان كله وصاحبه ملكك..
فتحت عينيها المغلقة، فالتقت عينيها التائهة بنظرات عينيه العميقتين، فشعرت بنفس إحساس الأمان الذي يهاجمها كلما إقترب منها، غفلتها تلك كانت فرصة له بالاقتباس من رحيقها الخاص، فجحظت عينيها في صدمة قربه الشديد منها، دفعته تسنيم ليبتعد عنها، فتعالت ضحكاته حينما وجدها ترمقه بنظراتٍ مغتاظة، فابتعد عنها وهو يشير اليها:
_هجيب السرج وجاي.
بمجرد اختفائه عنها، حتى لامست بأصابعها شفتيها المرتجفة بارتباكٍ، وابتسامةٍ رقيقة رسمت على وجهها، فقد نجح "آسر" بغزو قالب رغباتها المغلق، استحوذ على مشاعرها بلمساته الاحترافية وكلماته التي تتودد إليها، رأفته بحالتها بالأمس حينما سمح لها بالنوم بأحضانه بعد سيطرة منه على مشاعره المنجرفة إليها، شعرت بتلك اللحظة بأنها قادرة على منحه فرصة الإقتراب منها، وقد اتخذت قرارها بتوترٍ جعل وجهها يصطبغ بحمرةٍ مربكة للغاية، فاقت "تسنيم" من شرودها حينما وجدته يخرج على متن حصانه المفضل "همام" ، ويقترب منها فهرعت للخارج بخوفٍ، اقترب منها حتى صار يقف بمحاذاتها، ثم قدم لها يديه ليشير لها قائلاً:
_تعالي..
اخفت يدها معاً للخلف وكأنه سيلتهما:
_لا مستحيل.. انت بتهزر.
منحها "آسر" ابتسامة جذابة، قبل أن يتابع باستنكارٍ:
_غريبة إنك بتحبي الخيل ومع ذلك عمرك ما فكرتي تركبيه؟
ردت عليه بنزقٍ:
_وأيه الغريب في كده، عادي بحب أتفرج عليه بس من بعيد..
اقترب بخيله منها، ثم قال بصوته الرخيم:
_مش هتندمي صدقيني.
تراجعت خطوتين للخلف وهي تشير له بانفعالٍ:
_قولتلك لا..
ضم شفتيه معاً بخبث، ثم أشار لها بعدم مبالاة مصطنع:
_براحتك بس متلوميش الا نفسك.
لما تفهم ما قال الا حينما تحرك بالخيل تجاهها، فركضت "تسنيم" وقد ظنت بأنها ستحظى بالفرار، فوجدته ينتشلها بذراعيه التي اجبرتها على الصعود أمامه، تعلقت برقبتها وهي توزع نظراتها بينه وبين الأرض بعدم استيعاب لما فعله، وحينما استعابت صرخت برعبٍ:
_لا نزلني..
واحتضنته بقوة كادت بقطع التيشرت الخاص به، فابتسم وهو يردد بمكرٍ:
_أنزلك أيه بس أنا حبيت الخيل أكتر من الأول.
ابتعدت عنه بحرجٍ، فصاح بمكر:
_هتوقعي كده وهتتعقدي من الخيل.
عادت لتتشبث به من جديدٍ فابتسم بانتصارٍ، وضمها بيديه المتمسكة بلجام الفرس، فتلك اللحظات تمنحه سكينة لم يشعر بها سوى بقربها منه.
*****
بالجناح الخاص ببدر.
نومه الثقيل جعله لا يشعر بما حوله، فظل نائماً حتى الساعة الرابعة عصراً، مما جعلها في حالة من الضيق والتذمر لعدم جلوسه للتحدث معها، فاقتربت منه "رؤى" بمللٍ بعد أن قامت بمحاولةٍ ايقاظه للمرة التي تعدت الخامسة، فهزته تلك المرة بعنفٍ وهي تصرخ بصوتٍ مرتفع للغاية:
_بــــــــــــــــــــــــدر.
ظنه "أحمد" كالمعتاد، فلف ذراعيه ليطرحه على الفراش، ثم كور يديه بلكمةٍ قوية كادت باستهداف وجهها لولا أن تأكدت عينيه بمن يرى، فارتخت عضلات جسده ليردد باستغرابٍ:
_"رؤى"!
أخفت وجهها بين يدها وهي تردد بخوفٍ:
_أنت هتضربني من أول يوم ولا أيه!
عاونها على الجلوس، ثم قال بنظراتٍ عاشقة:
_تنقطع إيدي لو تتمد عليكي يا روحي، أنا بس لسه متأقلمتش على الوضع الجميل ده.. كنت فاكرك "أحمد".
همست بخوف من خلف حاجزها الخاص:
_يعني أمان أشيل إيدي ولا أيه؟
ضحك بصوتٍ مسموع، ليقربها من صدره:
_أنا الأمان بنفسه عيب تسألي السؤال ده.
ابعدت يدها عن وجهها، ثم دفعته بعيداً عنها لتبتلع ريقها بخوفٍ:
_بعد اللي شوفته لازم أسال مرة وإتنين وعشرة.
منحها نظرة خبيثة قبل أن ينحني تجاهها:
_لا أنا مقدرش على زعلك.
زحفت للخلف وهي تشير اليه بتوتر:
_بتعمل أيه؟
قال وهو يقترب منها بمكرٍ:
_هحاول أصالحك.
وجدت خوفها يتبدد أمامه، لتنغمس بين أحضانه مثل الأمس، تعالت ضحكاتها حينما أخبرها بما كان يحدث له من وراء نومه الثقيل، فكانت تلك من الصفات التي لم تعرفها عنه قط، ولكن راق لها تودده إليها ليصطحبها في رحلة لا تخص سواهما..
******
بالمندارة
كان يجتمع"فهد" بعدد من الرجال ليشكو من ابن عم والده، الاغلب يشكو من سيطرته على أراضي الفلاحين وتأخره بدفع إيجار الأرض، ومن يطالبه بذلك يهدده بمركزه فيهابه الضعيف والقوي، فمنحهم "فهد" وعداً قاطع بالتداخل في حل الأمر، واعادة الحقوق لأهلها، فما أن غادر التجمع الغفير حتى اجتمع رجال المنزل، فقال "سليم" باستياءٍ لما يحدث:
_"مهران" سايق فيها على الكل يا كبير ولازمن يتحطله حد.
أضاف "عمر" بضيقٍ شديد مما استمع إليه من شكاويٍ غير مرضية بالمرةٍ:
_اللي خلاه مستقوي على الناس كده لأنه مفكرنا هنسانده وهنقف في دهره بعد ما اتجوز بدل "فهد" من البنت دي!
اضاف "جاسم" بإنفعالٍ:
_كنه كان بيعملها جميلة عشان نفضل نسدد الدين لحد النهاردة.
قال "يحيى" والدماء تغلي بعروقه:
_يعني هو ميستقواش الا على الناس الغلابة اللي الأرض هي مصدر دخلهم الوحيد، لو سكتنا المرادي كده الناس هتفقد الثقة إن الكبير هيرجعلهم حقوقهم.
سارت المناقشات بينهما، و"فهد" يستمع لما يقال بصمتٍ كان بمثابةٍ عد تنازلي للقادم، فانتهت الهمسات فيما بينهما وكفوا عن الحديث لينصتوا لما سيقال:
_مفكر إني هقعد وهتفرج على مصايبه، يبقى ميعرفنيش واصل.
ثم رفع صوته لينادي أحد رجاله، فما أن حضر أمامه حتى أمره بحدةٍ:
_تروح لحد داره وتقوله يجيني بكره والا هيفتح على نفسه أبواب جهنم.
أومأ الرجل برأسه وهو يردد باحترامٍ:
_أمرك يا كبير.
وغادر على الفور، فاستأذن الخادم بالدخول، ليضع صينية الشاي على الطاولة الصغيرة ثم اتجه للمغادرة فتعجب حينما رأى "ماسة" تتبعه للمكان المحظور على النساء بدخوله، فردد "يحيى" بدهشةٍ:
_ماسة!
انتبهوا جميعاً إليها، فبحثت عنه وسط الحاضرين ثم أسرعت تجاهه لتجلس جواره وهي تعاتبه بحزنٍ:
_أنا بدور عليك من الصبح في البيت الكبير ده، أنا مش عايزة أقعد فيه عشان لما بتضيع مش بلاقيك بسرعة.
حاول كتم ضحكاته في حضرة كبير الدهاشنة، ولكنه وجده يشير إليها بابتسامةٍ هادئة:
_حتى لو كبير في الاخر وصلتيله ولا لا؟
رسمت ابتسامةٍ صغيرة وهي تجيبه:
_ما أنا مسكاه أهو يبقى وصلت ليه.
وتفحصت وجهه بخوفٍ فضحكوا جميعاً على عفويتها التي بدلت الاجواء المتشاحنة بينهما.
********
القلب هو منبع صدق مشاعرك المدفونة بداخلك، فإذا إعتاد لسانك الكذب قلبك لا يستطيع، فان كنت ترسم الحب الزائف على شخص يخصك بشيئاً هام فقلبك لا تستطيع أن ترشيه بأن يحبه عنوة، وحينما تجرح شخص قريب منك ينغزك بقوةٍ ليجعلك تشعر بمكانته داخله، هكذا ما كان يحدث إليه وهو يرى صورها الملقاة على سطح مكتبه، فدفع مقعده بغضبٍ فتاك، ثم اتجه لشرفته فأزاح ستائرها باندفاعٍ لحاجته للتنفس، رؤية شخصاً أخر يلمسها جعل أوردته تندفع وكأنها ستنفجر بداخل جسده، مرر "أيان" يديه على خصلات شعره بشراسةٍ وهو يهدر بوعيدٍ قاتل:
_فاكرة إنك هتتخلصي مني بالسهولة دي يا "روجينا" ، يبقى أنت لسه متعرفيش مين هو الشخص اللي وقعتي معاه.
*******
اجتمعت العائلة بأكملها على الطاولة التي جمعتهم على العشاء، بعد أن اسدل الليل خمائله السوداء ليمنح بعض السلام بعد شمس يوماً حارق، فتعاونت النساء على رص أطباق الطعام الشهي على الطاولة، بعد أن إنضم العرائِسُ لسفرتهم الكريمة، شعرت "رؤى" بدفءٍ غريب لم تشعره وسط عائلتها،فكل منهم كانت تجمعه طاولة خاصة به بعيداً عن الأخر، والكل مسؤول عن اعداد ما يريد تناوله،على عكس ما يحدث هنا، أما "تسنيم" فكان هذا لا يشغل عقلها بل ما يهاجمها من أفكار جعلتها تشعر وكأنها تواجه حرباً أكبر منها، شيئاً بداخلها يود الاقتراب منه وثمة شيئاً يقذفها بوجع الماضي الذي سيؤلمها، تناست ما تفكر به واستأذنتهم لحاجتها بالنوم لشعورها بأن هناك صداع يستهدف رأسها، فما أن صعدت لغرفتها حتى اتجهت لحمام الغرفة وأبدلت ثيابها قبل أن يلحق بها "آسر"، فما أن ولج حتى نادها بقلقٍ حينما علم بتعبها المفاجئ وصعودها:
_تسنيـم... إنتي فين يا حبيبتي.
طلت برأسها من خلف باب حمامها، تتطلع إليه بارتباكٍ شعر به، فقال بلهفةٍ:
_إنتي واقفة ورا الباب ليه!
ابتلعت ريقها بتوترٍ لتحسم قرارها الاخير بكونه زوجها، فخرجت لتقف مقابله، ابتسم"آسر" حينما وجدها تحررت من مئزرها الذي لا يفارقها، فاقترب منها حتى بات مقابلها، فهمس بصوته الرجولي:
_في حد يداري الجمال ده!
احتدت نظراتها تجاهه وكأنها انذار إليه بأنها من بداية الأمر يحاوطها الارتباك فليست بحاجة لما سيزيده، استرقت تسنيم النظرات اليه فوجدته يتطلع لعينيها بهيامٍ، فضمها لصدره وهو يخبرها لها بصدق مشاعره:
_بحبك..
ارتجف جسدها وهي تحارب نطق ما يردده قلبها خلفه، فهمست بصوتٍ يكاد يكون مسموع:
_وأنا كمان.
التقطت أذنيه ما تهمس به، فرفع وجهها اليه وهو يسألها بلهفةٍ:
_قولتي أيه؟
ضمت شفتيها معاً بقوة وأصابعها تفرك بعضها البعض، لتردد بخفوتٍ:
_وأنا..
بمكر قال:
_وانتي أيه..
توترت حروفها:
_بأ... حبك..
إن كان سيلجئ للصبر بعد سماعه تلك الكلمة كيف سيصمد، ضمها إليه وراح يعلمها فنون عشقه بتمهلٍ وحذر، فاندمجت معه ببداية الأمر ولكن حينما تعمق الأمر بينهما عاد شبح ماضيها يتلبسها من جديدٍ، فاختفت ملامح وجه "آسر" لترى "عباس" اللعين أمامها، فقدت الشعور برقة لمساته وكل ما تراه هي لمسات ذاك اللعين المقزز، فحاولت الابتعاد عنه ولكنها لم تستطيع فصرخت ببكاءٍ وهي تستخدم يدها في ضربه:
_إبعد عنـــــــــي، إبعـــــــــــد
ابتعد عنها "آسر" بصدمةٍ مما أصابها، فجذب قميصه ليرتديه باهمالٍ ثم أسرع إليها وهو يتساءل بخوفٍ:
_تسنيم!!...
جذبت الغطاء على جسدها المرتجف وهي تحاول الاسترخاء قليلاً، فوزعت نظراتها بينه وبين الفراغ وكأنها لا تصدق بأنه لا يوجد سواهما بالغرفة، تقسم بداخلها بأنه هنا يختبئ في مكانٍ بالغرفة، قرب "آسر" يديه من وجهها بحذرٍ فتراجعت للخلف وهي تبكي:
_متلمسنيش!
كان في حالة لا يرثى لها، فما حدث جعله يفقد الثقة بحبها تجاهه ومع ذلك لم يتركها، استلقى جوارها على الفراش ثم أرغمها على الإتكأ برأسها على صدره، وأخذ يمسد برفقٍ على ظهرها حتى هدأت تماماً، وغفت بين أحضانه كعادتها، قضت ليلها بنومٍ مزعج بكوابيسه ومع ذلك قد نالت قسط من الراحة، على عكسه لم يذق النوم طوال الليل، فكان يساوره أفكاراً أسوء من الأخرى، فنهض "آسر" من جوارها ثم استلقى على المقعد القريب من الفراش، يتطلع لها بنظراتٍ حائرة، ومع اشراقة صباح اليوم التالي وجدها تحرك ذراعيها باحثة عنه، ففتحت عينيها بفزعٍ حينما لم تجده جوارها، فاستقامت بجلستها لتقع نظراتها على من يراقبها باهتمامٍ، جذبت "تسنيم" الغطاء على جسدها لتنهمر دمعاتها على وجهها خجلاً مما فعلته بالأمس، وازداد بكائها حينما اقترب آسر ليجلس أمامها، فرأت ما تسببته من إصابات استهدفت رقبته بوضوحٍ، سيطر على انفعالاته واختار كلماته بعنايةٍ حتى لا يخجلها:
_تسنيم أنا امبارح ضايقتك في حاجة، أو عملت حاجة بدون ما أقصد زعلتك؟
هزت رأسها بالنفي ومازالت دمعاتها تنسدل على وجهها، فقال بهدوءٍ:
_طب ليه اتصرفتي بالطريقة دي؟
لم تجيبه على سؤاله وفضلت البكاء، فسألها بنظرةٍ تسللت لاعماقها:
_أنتي بتحبيني؟
رفعت عينيها تجاهه وهي تشير بنعم، فابتسم ساخراً:
_بس اللي بيحب حد بيحب قربه يا تسنيم.
ونهض من جوارها ثم كاد بالتوجه لحمام غرفته ليجدها تحتضنه من الخلف وكأنها تخشى مواجهة عينيه، استدار تجاهها "آسر" ثم ضمها لصدره مطولاً وهو يحاول أن يصدق كونها خجولة، فقال بابتسامةٍ هادئة:
_أنا مش زعلان على فكرة عشان تحاولي تصالحيني، أنا كل اللي يهمني هو أنتي وبس يا تسنيم.
ثم رفع وجهها مقابل وجهه ليغمز لها بمكرٍ:
_أنا عارف إنك هتعذبيني بس برضه مستعد..
منحته ابتسامة ازاحت ما به من ألمٍ، فضمها لصدره وبداخله شعور مقلق حيالها..
********
خرجن منذ الصباح حتى لا يعلم "أحمد" بامرهم، بعد ان اتصلت روجينا بالطبيب واتفقت معه على الموعد وتكلفة الجراحة، كانت تعلم بأنها تقصد المكان الخاطئ ولكنه من يليق بتلك النوع من العلاقات المشبوهة، خاب ظن "روجينا" بقوتها، فكانت تظن بأنها ستتحمل ما سيحدث لها والمكان الذي ستذهب اليه في سبيل التخلص بما تحمله باحشائها، ولكنها حينما رأت عيادته الخاصة وشكله المريب اتقبض قلبها وتشبثت بذراع "حور" وهي تردد بخوفٍ:
_أنا خايفة يا حور..
لم يقل خوفها عنها فالمكان كان كريهاً للغاية، لذا قالت لها:
_يلا نمشي من هنا يا روجينا، انا مش مرتاحة للمكان ده.
لم تفقد ذرة الشجاعة بداخلها، فقالت بتصميم:
_لا مش همشي غير لما كل شيء ينتهي، انا مش عايزة حاجة تفكرني بيه يا حور.
انتفضوا كلا منهن على صوت الممرضة السليط وهي تخبرها:
_يلا يا حلوة دورك.
تمسكت بذراع حور وهي تشير إليها بتوسل:
_متسبنيش يا حور ادخلي معايا.
جذبتها الممرضة بطريقة غير أدمية وهي تردد بغلظةٍ:
_هو انتي طلعة رحلة يعنيا، مفيش حد بيدخل مع الحالة.. وانجزي عشان ورانا حالات كتير..
انهمرت دموعها بانكسارٍ لما فعلته حتى يوصلها لعيش تلك اللحظات القاسية، فتركت يد حور وولجت مع الممرضة للداخل، رأت المعدات الطبية ملاقاة هنا وهناك وبقاع الدم تحملها الملاءة الملطخة بها، وما زاد خوفها رؤية وجه الطبيب المخيف حتى انقبض قلبها، فشعرت بأن نظراته لها كانت جريئة للغاية، فلم تعد تشغر بشيء فور تلاقيها أول جرعة من المخدر.
*******
بالخارج..
اتصل هاتفياً برب عمله ليخبره بما أتى به من معلومات بشأن من يراقبها، ليأتيه سؤاله المندهش:
_مكان أيه اللي دخلته في المنطقة الشعبية اللي عندك دي!
قال أحد الرجال بعدما تناول الهاتف من سيده:
_انا نزلت وسألت عليه يا باشا وعرفت انه دكتور شمال بيعمل عمليات من اياهم، وعرفت كمان أن في كذه واحدة مقدمة عليه بلاغات بتهمة التعدي..
صرخ بها بجنون:
_تعدي أي؟
عاد ليوضح له:
_البنات اللي مقدمين البلاغات بيقولوا انه تم الاعتداء عليهم وهما متخدرين.
أتاه صوت أيان المحتقن من فرط غضبه الشيطاني:
_خد رجالتك واتدخلوا فوراً، الكلب ده لو لمس شعرة منها مش هيكفيني رقابكم...
اغلق الهاتف سريعاً ليهبطوا جميعاً ثم هرعوا للداخل، فشكل كل منهما حائل بشري ليمنح الجميع من الدخول أو حتى الخروج، واقتحم أحداهما غرفة الطبيب فوجدوه مجرد من ملابسه ولكن لحسن حظها لم يتمكن من ملامستها بعد..
حاولت حور الدخول للغرفة فمنعوها فصرخت بهما بعنفٍ:
_أنتوا مين وعايزين منها أيه سيبوها.
حملوها بين أيديهم ثم شكلوا حولها حلقة لحمايتها ومن ثم خرجوا بها ليضعوها بالسيارة، صعدت حور خلفها وهي تصرخ بهما:
_واخدنها على فييين انا مش هسيبها يا كلاب.
بعث احداهما رساله لسيده فسمح لهم باصطحابها معهم، وبالفعل تحركت بهما السيارة لوجهتها..
******
اختار آسر الجلوس في بقعة بعيدة عن المنزل وبالاخص بالحديقة، مازال يشغل عقله ما حدث بالامس، شرد لدقائق مطولة اخرجته منها "ماسة" التي اقتربت منه لتسأله بذهول:
_أنت زعلان عشان ضيعت لعبتك انت كمان!
منحها ابتسامة هادئة قبل أن ينهض ليقف مقابلها:
_لا أنا معنديش لعب زيك، بس انتي هتديني واحدة صح؟
أشارت له بالنفي:
_لا يحيى اللي جايبهملي وانت عايز تاخدهم مني انت وحش يا آسر.
ضحك بصوتٍ مسموع، ثم قال بصعوبة بالحديث:
_حقك عليا، وأنا اوعدك اشتريلك لعبة بدل اللي ضاعت أيه رأيك!
أمسكت يديه وهي تحركه بحماسٍ؛
_بجد أمته؟
سحب يديه منها برفقٍ ودون ان تشعر ثم قال:
_أنا خارج دلوقتي ولما هرجع هجبهالك.
قالت بلهفة:
_وعد..
اجابها بنفس تلك الابتسامة:
_وعد.
اشارت له بيدها ثم غادرت من أمامه فعاد ليجلس على مقعده ولم يرى تلك التي تراقبه من الاعلى بغيرةٍ فتكت بها.
******
أخر ما تتذكره هو ذاك الطبيب الذي ما أن ثقل رأسها حتى وجدته يتجرد من ملابسه، فحاولت الصراخ ولكن لم تستطيع، حتى أنها حاولت الخروج من هذا المكان ولكن جسدها كان مشلول لا يقوى على الحركةٍ، فتحت روجينا عينيها على مصراعيها فوجدت ذاتها بمكان شبيه بالمشفى الخاص، لم يشغلها الأمر كثيراً فما تعرضت له زرع بداخلها رهبة وانحطام لا يقوى على الالتئام مجدداً، فنزعت عنها المحاليل الطبية ثم اخفضت ساقيها لتنهض عن ذاك الفراش فاذا بدوار مفاجئ يسيطر عليها فكادت بالترنج أرضاً لتجد أخر وجه تمنت رؤياه بعد ما تسبب به من وجع سيلازمها مدى الحياة، فرددت بتعبٍ:
_إنت!!!!
............ يتبع..............
الفصل كبيير اوي وبالرغم من كده معرفتش احط لقاء احمد وايان لانه لازمه تفاصيل كتيرة اوي، ربنا يعلم أن عملت ايه عشان اكتب الفصل ده بجد يارب ينال على اعجابكم وان شاء الله يكون لينا لقاء قريب وأكون قدرت في الايام دي تخطيت الظروف اللي بواجهها، متنسونيش من دعواتكم في الايام المباركة دي وهستنى ريفيوهاتكم على الفصل... بحبكم في الله ♥
******___________********
يتبع الجزء الثالث وخفق القلب عشقا
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الثاني وثلاثون 32 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2...(#صراع_السلطة_والكبرياء..)..
#الفصل_الثامن_والعشرون..
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة "أم علي" شكراً من قلبي على دعمك الدائم لي، وبتنمنى أكون دائماً عند حسن الظن... ❤)
الصدمة أحياناً تجرد الشخص من الشعور بما حوله، فيفقد عدة حواس وأهمهما السمع، هكذا كان حال "حور"، ترى شفتيها تتحرك ولكن أذنيها لا تستمع لشيئاً، فكيف تمكنت من فعل ذلك؟
والأصعب من التخيل بتلك اللحظة هو ما سيكون ردة فعل عمها حينما يعلم أمراً هكذا! كسرت أخيراً حواجز صدمتها التي تعرقل حديثها، لتجبر لسانها المتصلب على الحديث:
_إنتي بتقولي أيه! متجوزة إزاي؟
بكت بصوتٍ مسموع وهي تتمسك بيدها وتردد بتوسلٍ:
_أبوس إيدك يا"حور" إوعي تقولي لحد.. إنتي عارفة بابا و"آسر"ممكن يعملوا فيا أيه!
جذبت يدها بالقوةٍ منها ثم قالت بقسوةٍ:
_ومخوفتيش منهم ليه من البداية قبل ما تعملي كده، مفكرتيش في اللي ممكن يحصل لأهلك لو حاجة زي دي إكتشفوها، ولا "أحمد" اللي المفروض فرحه كمان أسبوعين هيكون وضعه أيه لما يعرف إن خطيبته متجوزة في السر!
وصرخت بها بإنفعالٍ:
_إنتي دمرتيه ودمرتينا كلنا، إزاي مفكرتيش في وضع عمي، الكبير اللي كلمته مسموعة ويتخاف منها، إزاي هيقدر يرفع عينه في عين الناس اللي هو حاكم بينهم!
واستطردت بنظرةٍ حملت معاني التقزز بأكملها:
_إنتي رخصتي نفسك يا "روجينا".
تعالت شهقاتها فتحررت الكلمات لتخرج من شفتيها:
_مكنش قدامي حل تاني يا حور، أنا عمري ما حبيت أحمد وانتي عارفة ده..
قاطعتها بحدةٍ:
_مبتحبهوش يبقى تفسخي الخطوبة، تقوليله الكلام ده وهو هيتقبل الموضوع لكن تكسريه وتكسرينا بالطريقة دي!!!
أجابتها بصراخٍ منفعل:
_قولت لماما وحاولت أفسخ الخطوبة بس هي مكنتش قابلة ده، لحد ما بدأت أقتنع إنه نصيبي، بس غصب عني يا حور وقعت في الحب اللي كنت فاكراه مش موجود وهو كمان بيحبني ومستعد يعمل أي حاجة عشاني.
حاولت التحكم في إنفعالاتها، فأرهنت ذاتها الخطى خلف حججها الفراغة، لتبطلها فقالت:
_ولو هو فعلاً بيحبك بجد مجاش ليه بيطلبك من عمي ويدخل البيت من بابه حتى لو كان هيواجه عوائق كتيرة بس على الأقل هيكون أخف من المصيبة دي.
بدى الإرتباك عليها، فقالت بتوترٍ:
_مهو.... آآآ... أصل.. آآ..
تعجبت من ترددها بالحديث، فقالت بضيقٍ:
_أصل أيه!
تهربت من التطلع لعينيها وهي تبوح عن كنايته:
_جوزي يبقى"أيان المغازي" يا "حور"..
جحظت عينيها في صدمةٍ يصعب وصفها ببضعةٍ كلمات، الا يكفيها صدمتها بزواجها، لم تجد سوى الزواج من عدو أبيها وعائلتها، فشلت"حور" بالضغط على نفسها بالحديث، فتركتها وكادت بمغادرة الغرفة، فأسرعت "روجينا" خلفها وهي تسألها بخوفٍ:
_رايحة فين... وليه متكلمتيش!
قالت بسخطٍ:
_هتكلم أقول أيه أنتي مخلتيش في كلام يتقال، فوق مصيبتك اللي عملتيها ملقتيش غير ابن المغازي اللي تتجوزيه، وأنتي عارفة بالعداوة اللي بينا وبينهم، بلاش دي مهمكيش انهم اللي قتلوا جدك!
أوضحت كلماتها الاخيرة وكأنها ستمحي بها العار والهوان الذي الحقته بعائلتها! :
_"أيان"مالوش ذنب باللي حصل وهو أكدلي ده..
هزت حور رأسها بصدمةٍ:
_أنا مش قادرة أصدق اللي بسمعه ده، إنتي أيه يا شيخة مخك ممسوح، مبقاش عندك عقل تفكري بيه!
وقالت قبل أن تهم بالخروج:
_أنا حقيقي بشفق عليكي وعلى اللي هيجرلك بسبب أفعالك، لأن اللي تبيع أهلها بالرخيص صعب حد يشتريها..
وتركتها وغادرت لغرفتها بعدما وضعت حاجز الصمت بينهما، وكأنها لم تعد تحتمل سماع صوتها الذي بات نقمة على مسمعها.
*******
بغرفة "يحيى".
تأوهت بألمٍ بعدما أفرغت ما تناولته، فعاونها"يحيى" على التمدد على الفراش، ثم تمدد جوارها وهو يمسح على شعرها برفقٌ، فقالت بصوتٍ واهن:
_أنا هفضل تعبانه كده على طول يا "يحيى"!
إبتسامته الجذابة لم تتركه يوماً حتى تتركه الآن، إبتسم ويديه مازالت تربت على خصلات شعرهة المنسدلة على وجهها وهو يردد بحنانٍ:
_معلشي يا روح قلبي، فترة وهتعدي وهتبقي زي الفل.
ذمت شفتيها وهي تردد بطفوليةٍ:
_مأنا بسمع الكلام وبأخد الدوا أعمل أيه تاني بس!
ضحك بصوتٍ مسموع، ثم ضمها لصدره وهو يهمس لها:
_تنامي بدري ده كمان هيفيدك..
ثم استطرد بمكرٍ:
_وخصوصاً إن بكره يوم مميز.
عقدت حاجبيها بأستغراب:
_أيه اللي هيحصل بكره!
أجابها بحماسٍ:
_بكره هيكون هنا فرح كبييير.. مش أنتي بتحبي الافراح؟
صفقت بيدها بفرحةٍ:
_بجد!.... خلاص هنام بدري عشان أصحى بدري.
ثم أغلقت عينيها وهي تخبره بحزمٍ:
_بلاش تكلمني بقا عشان عايزة أركز في النوم عشان يكافئني ويصحيني بدري..
كبت ضحكاته وهو يردد بصعوبةٍ من بينهما:
_حاضر..
ثم أغلق المصباح المجاور إليه، فضمها لصدره، وأغلق عينيه هو الأخر بإستسلامٍ..
******
الظلام الذي يغطي غرفتها هين بالنسبة لما يبتلعها بداخله، حملت يدها علامات لأظافرها التي تضغط على ذراعيها بقوةٍ، فكانت تحتضن جسدها وتهزه بإنفعالٍ ودموعها تهبط دون توقف، كلما تتذكر احتضانه لها ولمسة يديه المقززة التي لطالما مقتتها، خربشت ذراعيها باظافرها وهي تدبدب بجسدها بصراعٍ تغمدها للمرة التي لا تتذكر عددها، وكأن هذا النذل أراد أن يكسر حبها الذي أنار وجهها وجعلها تترقب لحظات وجودها لجوار من أحبت، تعمد أن يذكرها بماضٍ كان هو السبب خلف بقاياه التي مازالت تحتفظ به إلى الآن، ظلت تلك المسكينة تبكي حتى صباح اليوم التالي، ذاك الصباح الذي من المفترض لها أن يكون من أجمل ما يكون، كان ليلاً حالك لها لما فعله هذا اللعين، وجدت "تسنيم" يدها تتحرك تجاه هاتفها لتمسك به ثم ضغطت على زر الاتصال به ولم يعنيها أن الساعة الخامسة صباحاً، كل ما أردته أن تستمع لصوته علها تغفل قليلاً، أو على الأقل تزورها السكينة التي حرمت منها، انتظرت سماع صوته بلهفةٍ هاجمتها كالوحش الجائع، حتى ارتوت بحنان عشقها حينما استمعت لصوته الناعس وهو يقول:
_لسه صاحية لحد دلوقتي يا حبيبتي..
حبيبتي... كلمته تلك كالبلسم الشافي لجروحها التي تخفيها عن العالم بأكمله، أطبقت بأسنانها على شفتيها السفلية وعينيها مطبقة بقوةٍ تحتبس دمعاتها وتتحكم في كبت شهقاتها حتى لا تصل إليه، شعر "آسر" بأن هناك خطباً ما خلف صمتها هذا، فتساءل بلهفةٍ:
_"تسنيم" إنتي كويسة؟
تحرر صوتها الذي كبت بداخلها لساعاتٍ ظنت فيها بأنها فقدت النطق، فهمست بصوتٍ شاحب للغاية:
_أنا عايزة أشوفك..
رغم غرابة طلبها وبالأخص بذلك الوقت الا أنه نهض عن فراشه، ثم أسرع لخزانته ليجذب جاكيت الترنج الرياضيي، ليرتديه على بنطاله ثم خرج من غرفته ليتجه اليها غير مبالي بعادات وتقاليد الصعيد، ليس مهتماً حتى لسؤالها عن سبب طلبها لرؤيته، كل ما يفكر به بأن محبوبته تحتاج إليه وعليه الوصول إليها في الحال.
صعد "آسر" لسيارته، ثم تحرك بها حتى وصل أسفل منزلها، ومازالت معه على الهاتف، تعجبت "تسنيم" كثيراً حينما استمعت لصوته بعد فترة طويلة من الصمتٍ:
_أنا تحت البيت يا حبيبتي.
ذهلت لسرعته بتلبيةٍ طلبه الغريب، فقالت بعدم تصديق:
_بجد!
إبتسم وهو يخبرها بعذوبة صوته:
_تحبي أطلعلك ولا تنزلي إنتي!
جسدها الذي فقد القدرة على الحركةٍ، إستعاد نشاطه فركضت مسرعة لشرفتها، لتتأكد مما قال، فتفاجئت به بالأسفل يشير إليها من نافذة السيارة ويغمز لها بعينيه، رددت بالهاتف وعينيها مازالت مسلطة عليه:
_مش مصدقة إنك وصلت بالسرعة دي ونفذت طلبي الاهبل من الأساس.
مال برأسه على حافة النافذة ورأسه مرفوع لأعلى تجاهها، ثم قال:
_إنتي لو في أخر الدنيا هتلاقيني قصادك وقت ما تحتاجي وجودي جنبك يا "تسنيم".
ابتسمت بخجلٍ، وودت لو ظلت عمراً بأكمله هكذا، تتطلع إليه فقط، فماذا ستريد أكثر من ذلك، استندت بجسدها على باب الشرفة وهي تتأمله بهيامٍ، فإبتسم وهو يردد:
_مكنتش أعرف إن شعرك حلو أوي.
جحظت عينيها بصدمةٍ، فرفعت يدها تلقائياً على شعرها المتدلي على كتفيها، ربما من الحالة النفسية العصيبة التي اختبرتها أنستها جميع من حولها حتى نفسها، كادت بأن تهرول للداخل ولكنها استمعت لصوته الرخيم يناديها:
_"تسنيم".
استدارت تجاهه، تتطلع اليه وأذنيها تستمع للهاتف بإهتمامٍ، فوجدته يمنحها ابتسامة عذباء ومن بعدها كلماته البطيئة:
_إنتي مراتي.
سيطر الخجل على معالمها، ومع ذلك بقيت محلها، كأنها تحاول استكشاف القوانين الجديدة التي ستباح له يعدما حرمت على الجميع، نعم هو الآن زوجها، استقامت تسنيم بوقفتها في خوفٍ، حينما وجدت أبيها يخرج من المنزلٍ ويدنو من سيارة"آسر"، فتابعت ما يحدث بقلقٍ من أن يحرجه أبيها..
********
بالأسفل..
كان العم" فضل" يستعد للذهاب للحقل باكراً قبل أن يأتي الأقارب لمنزله للإحتفال بالعروس، فتفاجئ بسيارة "آسر" من أمامه، فإقترب منه ثم إنحنى على نافذة السيارة قائلاً بإستغرابٍ:
_"آسر"، بتعمل أيه إهنه دلوقت يا ولدي!
خرج من السيارة وهو يصافحه قائلاً ببسمةٍ هادئة:
_إنت اللي رايح فين على الصبح كده يا حج..
قال بابتسامةٍ صغيرة:
_رايح أشوف شغلي قبل ما الدنيا تظيط اهنه، أنت بقا اللي بتعمل أيه السعادي.
تطلع "آسر" تجاه شرفتها ثم قال بمكرٍ:
_إنت عارف إن المخطوبين بيحبوا ينكفوا في بعض، وده اللي حصل بينا، فقولت ميصحش يبقى الحنة النهاردة وفرحنا بكره وأسيبها زعلانة مني،وزي ما أنت شايف جبت بعضي وجيت لأجل ما أنول الرضا..
تعالت ضحكات العم فضل، فقال بصعوبة بالحديث:
_والله ما قصرت يا ولدي، بس مش هتنول حاجة طول ما انت قاعد في عربيتك اكده، لازمن تدخل وتقعدوا مع بعض كده قاعدة صفا قبل ما المعازيم والحبايب يتلموا.
وأشار له بتتابعه ثم دث مفاتحه بباب المنزل، فولج للداخل وهو يشير اليه قائلاً:
_تعالى يا ولدي، إدخل..
ظل محله بالخارج وهو يردد بحرجٍ:
_ميصحش يا عم فضل، أنا همشي وهنبقى نقعد بليل مع بعض..
انكمشت تعابيرها بغضبٍ:
_كلام ايه اللي بتقوله ده، انت بقيت جوز بنتي وواحد منينا، يعني تدخل الدار في الوقت اللي تحبه، ادخل بدل ما ورحمة الغالي ازعل منك زعل واعر.
ولج آسر للداخل قائلاً بمرحٍ:
_طب وعلى أيه، ادينا دخلنا اهو هاتلنا العروسة نصالحها بقا ونتكل على الله قبل ما حد يحس بغيابي.
منحها نظرة صارمة تتبعها قوله الحازم:
_يمين تلاته ما هتمشي غير لما نفطر سوا.
ضحك على طريقته بالحديث ثم قال بإحترامٍ:
_زي ما تحب.
وإتبعه "آسر" لغرفة الضيافة، ثم جلس ينتظرها بلهفةٍ، فما هي الا دقائق معدودة حتى وجدها أمامه، انعقد حاجبيه بتعجبٍ حينما رأى عينيها المتورمة من أثر البكاء، فرفع يديه ليتفحص ما أسفل عينيها وهو يردد بقلقٍ:
_في أيه يا حبيبتي؟ إنتي كنتي بتعيطي!
بلعت ريقها بتوترٍ من قربه منها، فتراجعت للخلف قليلاً، ثم جلست على الأريكة التي يجلس عليها وهي تجيبه بثباتٍ زائف:
_لا أنا بس زعلانه عشان هسيب بابا وماما..
رفع آسر يديه ليحتضن بها يدها، ثم قال بحنان:
_ليه هو أنا همنعك عنهم، عمر ده ما هيحصل أبداً، الوقت اللي تحبي تجيلهم فيه تعالي حتى لو هتيجي كل يوم..
رسمت ابتسامة فاترة رغم دموعها التي هبطت رغماً عنها، فسمح لنفسه تلك
المرة بمسحها وهو يردد بحبٍ:
_أنا مش عايز أشوف غير ابتسامتك تاني فاهمة؟
منحته إبتسامة صغيرة، ومازال دمعها يتلألأ بعينيها، فشعر "آسر" بحاجتها للبكاء، فاقترب منها وعينيه تراقب رد فعلها بتركيزٍ، ثم أسند جبهته على جبهتها، ليهمس جوار أذنيها بحبٍ:
_عمري ما هعمل حاجة تزعلك أبداً ولو زيارتك لوالدتك هتفرحك هسيبك تروحي كل يوم صدقيني.
رفعت عينيها تجاهه، فحاربت عواصف فريدة من نوعها، شعر آسر بأنها ترتجف بقوة، فجذب يدها ليقربها اليه، حتى ضمها لصدره، تبلد جسدها بعواصفٍ يصعب وصفها، ولكن أهمهما بأنها لم تتضرر من احتضانه لها، بل تمنت لو ظل العمر بأكمله هكذا، فكانت مشتتة للغاية تختبر مشاعر مختلفة، أذنيها تلتقط صوت نبضات قلبه التي منحتها الطمأنينة، والغريب بالأمر أنها لم تحاول حتى إبعاده بل غفلت بإحضانه تستئنس احساس الأمان الشي شعرت به، فسحبها النوم بدفء أحضانه، بعدما قضت الليل من دون نوم، استغل "آسر" قبولها لحضنه حصن لها، فرفع خصلة من خصلات شعرها المتدلي من خلف حجابها الموضوع بإهمالٍ، ثم شم عبيرها وعينيه مغلقة بقوةٍ، باتت بأحضانه بتلك اللحظة هل كان يتوقع حدوث ذلك، ظل "آسر" يحتضنها حتى مرت أكثر من أربع ساعات أعدت فيهما والدتها الطعام، وحينما ولجت للغرفة وجدت ابنتها غافلة بأحضانه، فقالت بخجلٍ:
_يلا يا حبيبي الفطار جاهز، صحي "تسنيم عشان تفطروا.
رد عليها بابتسامةٍ هادئة:
_لا سبيها تنام عشان تكون فايقة بليل..
ابتسمت وهي تردد:
_بس على الاقل تاكل لقمة.
قال ويديه تربت على وجهها:
_لما تصحى إبقي اعملي اللي يريحك..
ابتسمت وهي تراقبه من بعبدٍ خاصة بعد أن رفض تناول الطعام وفضل البقاء لجوارها حتى استيقظت من غفلتها بعد ساعات طويلة، فوجدت ذاتها مازالت غافلة ، فتساءلت بصدمة:
_يا خبر أنا نمت إزاي!
ابتسم وهو يجيبها بمكرٍ:
_السؤال ده تسأليه لنفسك، عموماً أحسن حاجة عشان تبقي فايقة بليل..
منحته ابتسامة مشرقة، ثم استأن بالانصراف بعدما اتطمئن عليها..
*****
توافد الجميع على منزل الغريس، فاليومٍ هو بداية لفرحة الغد، نصبت خيمة كبيرة أمام منزل كبير الدهاشنة وضع بها طعاماً ولحوماً استقبالاً لتلك المناسبة الهامة، فعمت الالحان ثرايا القصر بأكمله، ليشارك الشباب الفرحة، حينما نهضوا كلاهما ليتبادلون الرقص الشرقي مع العريس، وجولات متعددة باستخدام العصا، وبالأخص"بدر" و"آسر"، فكان كلاً منهما يتألق بجلباب صعيدي من اللون الأبيض وعمة وضعها "فهد" بنفسه على رؤسائهم وكأنه يعزز من مقدرهما أمام الناس..
تسللت "تالين" على سطح المنزل ثم اخذت تلتقط فيديوهات خلسة لرقص الشباب جميعاً، حتى "فهد" و"سليم" و"عمر" شاركوهما الرقص بالعصا، انتهت تالين من التصوير ثم هبطت للفتيات التي تستعد للتحرك لحنة العروس، لتشير لحور بهاتفها بخبث:
_كله تمام يا ريس، اتصوروا كلهم..
قالت بفرحة هي الاخيرة:
_كويس عشان نتفرج كلنا هناك..
وتحركوا جميعاً لمنزل "تسنيم" حيث كان يضم احتفال نسائياً صغير، فاجتمعت الفتيات بصحبة "رؤى" في غرفة "تسنيم" ليعرض من امامهما حفل الحنة الخاص بالشباب فرأت كلا منهما معشوقها وهو يتألق برادئه الذي زاد من وسامته، وبعض من مقاطع الفيديو لرقصاتهم الرجولية التي كانت اغلبها تعتمد على الرقص بالعصا لتبرز قوة بنيتهم واستعراضها امام حشد هائل من الرجال بمبارزة اعتمدت على العصا..
كانت الاجواء بالمنزلين يغمرها الفرح والسعادة نقيض قلب "روجينا" المكسور، غمرها حزناً قاتم فجلست بمفردها شاردة، حائرة بعدما تلقت اتصالاً هاتفياً من احد المعامل بالقاهرة، فقد روادتها بعض الشكوك قبل سفرها بأيامٍ لذا اردت قطعها فتوجهت لاحدى المعامل واجرت إختبار يخص الحمل وربما التهائها بامور السفر انساها الذهاب لمعرفة النتيجة، فتذكرتها حينما غلبها حالة متكررة من الغيثان الصباحي لذا اتصلت بهما هاتفياً ليأكدوا لها صدق شكوكها وانها بالفعل حامل بأسبوعين!...
تحمل الان ببطنها مصيراً مجهول، سيقيد العائلتين بدمارٍ لا حد من نهايته سوى بيد شخصاً واحد، ترى هل سيكون سبب في نجاتها أما هلاكها!...
......... يتبع..............
#الدهاشنة2.... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت..
*****______*****
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الثالث وثلاثون 33 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2....(#صراع_السلطة_والكبرياء..)
#الفصل_التاسع_والعشرون.
(إهداء خاص للقارئة الجميلة"أمنية إسماعيل"، بشكرك على دعمك الدائم لي وبتمنى أكون دائماً عند حسن الظن.. 💙)
اليوم شهد منزل الكبير واجب ضيافة طال فقراء البلد وأهلها بأكملها، فاليوم هو حفل زفاف ابنه الوحيد ووريثه من بعده، فكان الجميع يستعد لتلك المناسبة الهامة وخاصة حينما أسدل الليل بجلبابه الأسود المعتم، فأنارت الأضواء المحاطة بالمنزل لتشع نور ببهجةٍ ألوانها، فنصبت خيمة الرجال أمام المنزل، وبالداخل كانت النساء تلتف حول منصة صغيرة وضع بها مقعدين للعروستين، وعلى أول أريكة جلست الحاجة "هنية" في إستقبالهن، ولجوارها نساء منزل الكبير..
أما بالأعلى..
فكانت "تالين" مشغولة للغاية بتزين "رؤى" و"تسنيم"، حتى "حور" عاونتهم على إرتداء الفستان الأبيض، فإبتسمت وهي تتأمل لمسات "تالين" الاخيرة لصديقتها ثم قالت بإعجابٍ:
_ما شاءالله قمر يا روح قلبي.
لاحظت توترها المتخفي خلف إبتسامتها المصطنعة، فشددت على يدها وهي تهمس لها جوار أذنيها:
_إهدي يا تسنيم، إنتي النهاردة عروسة وبتتزفي للإنسان اللي بتحبيه، إرمي كل حاجة ورا دهرك وإفرحي الليلة دي مش هتتعوض تاني يا حبيبتي..
حبست دمعاتها خلف قفص وحجبته بقفلٍ سميك، تمنت من كل قلبها أن يمر هذا اليوم بسلامٍ، فألتقطت نفساً مطولاً ثم زفرته على مهلٍ، وظلت تكرر ما تفعله علها تمنح الهدوء والسكينة لجسدها المسكين.
آنتهت "تالين" من وضع اللمسات الاخيرة لشقيقتها الصغرى، فأشارت لها على المرآة قائلة:
_خلصت قومي بصي كده.
نهضت عن محلها ثم وقفت مقابل المرآة المطولة لتلقي نظرة متفحصة على زينتها وفستانها الرقيق، فلمعت عينيها بالدموعٍ، لا تعلم دموع الفرح أم حزناً لأنها بنظرها لا تستحق فستان ولا زفاف هكذا ولا تستحقه هو، ولكنها تحاول تصديق حبه المخلص لها، أفاقت من شرودها على صوت "تسنيم" التي قالت بإبتسامتها الساحرة:
_قمورة يا "رؤى" ، الميكب رقيق وتحفة.
منحتها إبتسامة مشرقة ثم قالت:
_وإنتي كمان جميلة أوي يا حبيبتي.
إكتفت برسم ابتسامة صغيرة، فإنتبهوا سوياً لدقات باب الغرفة المزعجة، ففتحت "حور" الباب نصف فتحة حرصاً على عدم رؤية العروس في تلك اللحظة، فوجدت "ماسة" تقف من أمامها، ففتحت الباب وهي تشير لها بضحكة مشرقة:
_تعالي يا "ماسة".
ولجت للداخل سريعاً، فوزعت نظراتها بينهما بتفحص ثم قالت بحزنٍ:
_أنا عايزة ألبس وأحط مكياج زيهم.
تعالت ضحكاتهن سوياً، فإقتربت منها"تالين" لتضمها إليها ثم قالت في حنانٍ:
_بس كده، أنا هلبسك أحلى فستان وهعملك مكيب محصلش.
وبالفعل أسرعت لحقائبها ثم إختارت لها فستان من اللون الأبيض، ضيق من الصدر ويتسع من الأسفل، بسيط لا يحمل الكثير من التفاصيل، فعاونتها على ارتدائه، ثم جعلتها تجلس على المقعد القريب منها، لتزينها بحرفيةٍ ثم تركت خصلات شعرها البني تنسدل من خلفها في حريةٍ، تعلقت نظراتهن بها بإعجابٍ شديد، فماسة تمتلك جمالاً مميزاً، من يرأها يتعلق بها من شدة جمالها، وخاصة بالحالة التي زادتها براءة وطفولية، تركت مقعدها وأسرعت لتقف أمام المرآة فصفقت بيدها وهي تردد بفرحةٍ:
_الله أنا بقيت شكل العروسة!
ردت عليها تسنيم بحبٍ:
_وأحلى عروسة في الدنيا كلها، ما تنزلي تقعدي مكانا وتبقي كسبتي فينا ثواب يا ماستي.
ضحكت وهي تشير إليها بمرحٍ:
_لا أنا هقعد جنب يحيى، هروح أوريله الفستان الجميل ده.
وركضت لتخرج من الغرفة، فأسرعت حور خلفها ثم جذبت يدها برفقٍ لتشدد عليها:
_إطلعي براحة يا ماسة مش قولنالك انك متجريش كده تاني عشان متتعبيش!
أومأت برأسها وهي تردد بتذكرٍ:
_ماشي مش هجري تاني..
مسدت على ظهرها بإبتسامةٍ هادئة:
_برافو يا ماسة..
غادرت من أمام أعينهم، فقالت "رؤى" بحزنٍ:
_طب ولحد أمته هتفضلوا مخبين عليها حكاية الحمل دي، بكره بطنها هتكبر وهتبتدي تسأل!
ردت عليها "حور" بقهرٍ:
_مش عارفة والله يا رؤى بس يحيى أكيد هيتصرف ومش هيسكت.
إنتهت "تالين" من إرتداء ملابسها ثم قالت:
_ها يا بنات أيه رأيكم؟
قالت رؤى بمرحٍ:
_نص نص... مش بطال يعني بالمصري.
جحظت عينيها وهي تتطلع لنفسها بالمرآة بصدمةٍ:
_كل ده ونص نص، انتي هبلة صح...
واستدارت تجاه تسنيم ثم سألتها بإهتمامٍ:
_قوليلي انتي يا تسنيم أنا بثق في رأيك..
قالت من وسط ضحكاتها:
_قمر اللهم بارك.. سيبك من البت دي.
ابتسمت "حور" ثم قالت بخبث:
_بلاش تحبطيها يا بنتي خطيبها لازم يشوفها في أحسن حال ولا ايه!
أحمرت وجنتها خجلاً، فرددت بإرتباكٍ:
_لسه مبقاش خطيبي على فكرة، وبعدين أنا بهتم بنفسي مش عشانه عشاني..
همست "رؤى" بمكرٍ:
_لا مصدقين..
حاولت تالين التهرب منهن فقالت بإستغرابٍ:
_أمال فين روجينا مختفية من الصبح؟
******
بغرفة "روجينا"..
خرجت من حمام غرفتها تحاول الإستناد على أي شيء يقابلها، فالدوار بهاجمها بعدما انتهت من التقيؤ للمرة الثالثة، فجلست على الفراش تجفف فمها ثم جذبت هاتفها لتطلبه للمرة الرابعة، فما أن أجابها حتى قالت بلهفةٍ:
_" أيان" أنت فين بحاول اوصلك من الصبح مش بترد عليا ليه!
أتاها رده الغير مهتم بمعرفة ما بها:
_قولتلك أنا مشغول اليومين دول ومش كل شوية هبررلك!
أسرعت بالحديث قبل أن يغلق الهاتف مثلما يفعل دوماً:
_ "أيان" أنا حامل وانت لازم تتصرف قبل ما أبويا أو حد من أهلي يعرفوا بالكارثة دي.
لم يأتيها رداً منه ولكنها مازالت تستمع لصوت نفسه الذي يوضح لها سماعه لها، فعادت لتخبره ببكاءٍ:
_أرجوك متتخلاش عني أنت عارف كويس أنا مين وبنت مين، مركز بابا حساس يا "أيان" لازم نتصرف بسرعة وآآ..
انقطع حديثها في صدمةٍ حينما أغلق الهاتف، دق قلبها بصعوبةٍ وكأنها تختنق رويداً رويداً، فحاولت أن تهدأ من روعها وتصدق بالإجبار بأنه عيب في الشبكةٍ لا أكثر من ذلك، فعادت لطلبه من جديدٍ، ولكنها تفاجآت بهاتفه مغلق!
*********
أغلق الهاتف ثم فككه ليخرج منه الشريحة ومن ثم كسرها بيديه ليلقيها بسلةٍ المهملات، ليرتخي بجسده على مقعده الأسود وهو يدور به بإبتسامةٍ ارتسمت بها معاني الشر جميعاً لتجعله يهاب هذا العقل المخيف، طاف بالمقعد وهو يشعر بسلام نفسي رهيب، فقال بصوتٍ هامس:
_اللعب بدأ وعلى تقيل يا "فهد"..
*******
"بغرفة يحيى"
إنتهى أخيراً من إرتداء الجلباب الرمادي، ثم وضع العمامة التي صنعها إليه والده خصيصاً لعدم تمكنه من صنعها، فوضعها على رأسه بحرصٍ من أن لا تتفكك من جديدٍ، ثم نثر البرفنيوم الخاص به ليلقي نظرة متفحصة على نفسه قبل أن يتجه ليغادر غرفته ، فما أن فتح باب غرفته حتى وجد أميرة هاربة من رواية خيالية تسحره بما إمتلكته من شباكٍ لتوقع به، وهو لم يحتمل،ربما لانه من الأساس يذوب عشقاً بها، تصنم "يحيى" محله وهو يرأها تقف من أمامه بفستانٍ أبيض ساحر، تلتف به من حوله بإبتسامةٍ سلبت ما به من عقلٍ، ظلت تدور وتدور وهي شارداً محله، حتى إصطدمت به فعاونه إرتداد جسده على العودة لواقعه، فإستمع لسؤالها المتكرر:
_أيه رأيك بالفستان يا "يحيى"؟
منحها إبتسامة عاشقة قبل أن يمدح بطالتها الساحرة:
_جميل يا روح قلب"يحيى".
ثم رفع ذقنها للاعلى ليستند بجيبنه على جبينها وهو يستطرد بهمسٍ:
_والأجمل الضحكة الجميلة اللي هتوقف قلب"يحيى" دي..
ضحكت بصوتٍ مسموع ثم جذب يديه لتشير له بالخروج:
_طب يلا ننزل الفرح بقا.
إتبعها للخارج وهو يحاول إمسكها حتى لا تتعثر، لحقته للأسفل حتى مادت بالخروج من خلفه، فأشار لها بهدوءٍ:
_لا يا حبيبتي مينفعش تيجي معايا.
ذمت شفتيها بضيقٍ:
_ليه؟
قال والابتسامة مازالت ترسم على محياه:
_عشان أنتي بنوتة مينفعش تقعدي غير مع البنات، وأنا هقعد في قعدة رجالة فهمتي؟
أومأت برأسها بعدة مرات، فجذبها يحيى بعيداً عن الدرج الخارجي خوفاً من أن يدفعها هذا الازدحام فتتأذى، إشتعلت نظرات غضباً من نظراتٍ النساء التي كادت بإلتهامه، كلاً منهن كانت تبرز مفاتنها للفوز بإعجابه، فتظن كلاً منهن بأنها لديها فرصة ذهبية بتعب زوجته الموصوف ببلدته بالجنون، إحتدت نظراته تجاهن، ثم أشار بيديه لوالدته التي أسرعت إليه، فدفع ماسة برفقٍ تجاهها وهو يشدد على كلماته:
_خلي بالك منها يا ماما عشان خاطري، متخلاهاش تروح كده ولا كده.
تفهمت "نواره" خوفه، فربتت على كتفيه الصلب وهي تخبره:
_ما تخافش يا ولدي، أني مش هسبها لحد ما ترجع.
منحها ابتسامة صافية، ثم خرج لينضم لصفوف الرجال بالخارج.
*******
"بغرفة روجينا".
مجرد التفكير بالأمر جعل رئتيها تتثاقل، وكأنها لا تشعر بالهواء يصل إليها، دموعها أفسدت مكياجها كحال قلبها المفطور، فبات كل ما يشغلها في تلك اللحظة السفر للقاهرة في أسرع وقت حتى تواجهه، لعل هناك سوء تفاهم، من أعماقها تتمنى ذلك، وما أن استمعت لطرقات باب الغرفة حتى أزاحت دمعاتها سريعاً، فحمدت الله حينما وجدت حور من تطرق بابها، فقالت الاخيرة بإستغرابٍ:
_فينك يا بنتي الناس بتسأل عليكي!
نهضت روجينا عن الفراش ثم أسرعت إليها قائلة بلهفةٍ:
_حور كويس إنك طلعتي أنا عايزاكي ضروري..
انقبض قلبها وخاصة حينما لمحت الدموع في عينيها، فقالت بقلق:
_في ايه قلقتيني!
فركت يدها بإرتباكٍ قبل ان تتحدث:
_أنا لازم أسافر القاهرة بكره الصبح وإنتي هتساعديني في ده، هتقوليلهم اني عليا امتحانات او اي حاجة.
ضيقت عينيها بصدمةٍ:
_إمتحان أيه ده اللي في السنة الدراسية، وانتي عايزة تسافري ليه وبكره صبحية أخوكي!
كانت في وضع لا تحسد عليه، ولكن كان عليها أن تثق بها وخاصة بأنها تعلم بأمر زواجها، فقالت بعد حيرةٍ:
_حور آآ... أنا... حامل.
لطمت على وجهها في صدمةٍ:
_أيـــــــه... يا نهارك أسود.. أنتي عارفة حجم المصيبة اللي إنتي فيه!!
أسرعت اليها لتشير برعبٍ:
_وطي صوتك، حد يسمعنا هتبقى كارثة.
قالت بغضبٍ:
_الكوارث جاية كلها بعدين يا روجينا، وأولها لما يتكشف جوازك العرفي، والتانية لما يتعرف مين جوزك، والتالتة اللي في بطنك ده!
إنهمر الدمع على وجنتها فتشبثت بيدها وهي تردد بتوسلٍ:
_ساعديني عشان خاطري يا حور، انا لازم انزل القاهرة الصبح قبل ما حد يأخد باله من حاجة، لازم أقابل "أيان" واتكلم معاه بسرعة.
وضعت إصبعها في يدها بتوترٍ، ثم قالت:
_خلاص حاضر هقول لمامتك إن نور أخت صاحبتي كلمتني وقالتلي لازم تسافري بكره ضروري عشان في إختبار شهري وخلاص.
منحتها ابتسامة باهتة ثم قالت:
_شكراً بجد يا حور على كل اللي بتعمليه عشاني..
طوفتها بيدها ثم قالت بحزن:
_أنا خايفة عليكي يا روجينا انتي ماشية في طريق كله نار وبتدعي انك متتحرقيش وده صعب يحصل..
ثم أشارت لها:
_يلا ننزل لحد. ياخد باله من حاجة.
أومأت برأسها بخفةٍ، ثم وضعت الحجاب على رأسها وتبعتها للأسفل.
*******
وقف كلاً من "بدر" و"آسر"خارج الغرفة، يترقب كلاً منهما لحظة خروج الكبير بعروس كلاً منهما، وبالفعل ما هي الا دقائق مبسطة حتى خرج يمسك بكلاً منهن.
استوقفه الزمن بتلك اللحظة، وكأنه يسجل لحظات خالدة بين لقائهم، كانت بالنسبة إليه كالفتنة التي يهاب أحداً الوقوع بها، ود لو أصبحت القاعة فارغة من حوله ولم يبقى سواهما، فإقترب "آسر" ليقف أمامها بجلبابه الأبيض وعمته البيضاء التي زادت من رجولته ووسامته، كانت "تسنيم" تختطف النظرات الخاطفة إليه من خلف طرحة فستانها الشفافة، فسلمه أبيه يدها، فما أن شعر بدفئها بين يديه حتى وضع أصابعه الخشنة عليها بتملكٍ، فإقترب ليضع قبلة خاطفة على جبينها وهو يهمس بصوتٍ لفح بشرتها البيضاء:
_خايف عليكي من نظراتي، فمش عارف هستحمل نظرات الناس ليكي ازاي!
منحته إبتسامة مرتبكة، ثم لحقت به للأسفل، أما "بدر" ففور رؤياه لرؤى حتى أسرع إليها، ليشير لعمه بمرحٍ:
_مراتي ومن حقي أشيلها ولا أيه يا كبير!
منحه "فهد" نظرة شملت معاني التحذير، ثم اتبعها قوله الصارم:
_في جناحك إعمل ما بدالك يا ابن "سليم".
أشار له بخوفٍ وسط ضحكات الفتيات، فإستأذنه قائلاً:
_طب أسلم ولا دي فيها مشكلة.
ضحك حتى أطلت جزء من رجولته، فأشار إليه:
_سلم وخلصني.
فور سماعه إذنه الصريح حتى إحتضنها بقوةٍ، جعلت فهد يجذبه عنها بحافة عصاه التي شبكت بجلبابه، ليجد نفسه يقابل نظراته الشرسة ليتبعها قوله المحذر:
_خد عروستك نزلها تحت مع الحريم ودقايق وتحصلني برة، سامع؟
أومأ برأسه عدة مرات ثم أسرع ليلحق بآسر المتزن عقلياً بوجود الكبير..
*******
حرص كلاً منهما على معاونة العروس للصعود على المنصة التي صنعت بباحة الثرايا الداخلية الخاصة بالنساء، ثم انسحبوا للخارج على الفور، تطبيقاً لأصولهم، فإلتفت الفتيات حول العروس، ليجذبهن ليتشاركن الرقصات النسائية فيما بينهما، فتمسكت"تالين" يد أختها وروجينا يد "تسنيم"، كانت ترقص بها بدلالٍ وفرحة زائفة تخفي من وراءها حزنها لحرمانها من إرتداء فستان أبيض كحلم بسيط لأي فتاة، والأصعب ما ستخوضه من هلاكٍ قادم وخاصة بتأكيد حملها.
******
خرج"أحمد" من غرفته يبحث عن والدته أو حتى زوجة من زوجات أعمامه، ولكنه على ما يبدو بأنه متأخراً للغاية، فالجميع بالأسفل، كاد بالعودة لغرفته ولكنه تفاجئ بحور تخرج من غرفتها وهي تعدل من ححابها، فما أن رأته حتى دنت منه وهي تردد باستغراب:
_أحمد أنت لسه هنا! دول كلهم تحت من بدري.
سحر بفستانها الاخضر المطعم باللون الملكي الذي أضاف له لمعانٍ خاص، أخفض "أحمد" عينيه أرضاً ثم رد عليها بإرتباكٍ:
_ممكن تناديلي أمي الله يكرمك يا حور؟
تساءلت بدهشةٍ:
_مرات عمي مشغولة في المطبخ يا أحمد، في حاجة ولا أيه؟
أجابها بضيقٍ شديد:
_بحاول من ساعتها أتأقلم بالجلبية دي، بس حقيقي مش قادر فقررت ألبس بدالة بس للاسف القميص مش مكوي ومبهدل خالص.
تطلعت لما يحمله بين يدها ثم جذبته منه وهي تشير له بإبتسامة رقيقة:
_بس كده، بسيطة هكويه على طول متقلقش.
أوقفها حينما قال:
_بس أنا مش عايز أعطلك.. عادي ممكن ألبسه مكسر.
قالت وهي تدنو من غرفتها:
_تعطلني أيه بس يا أحمد دي كلها دقيقة.
وتركته وولجت للداخل فمنحها إبتسامة هادئة قبل أن يعود لغرفته ليستعد للهبوط..
إنتهت "حور" من كي القميص، فقربته إليها وهي تشم رائحته بفرحةٍ تستحوذ عليها حينما تصنع له شيئاً حتى ولو بسيط، ضمت القميص لحضنها، فإنقلبت معالمها فجأة حينما شعرت بخطئها لمجرد تفكيرها به بتلك الطريقة، حتى وإن كانت تعلم بأن زواجه من روجينا أمراً شبه محال، ولكنها تحاول إحترام دينها الذي يمنعها من غض بصرها عما هو محرم، فجذبت القميص، ثم خرجت تبحث عنه بدهشةٍ، فكانت تظن بأنه سيقف ينتظر عودتها، قضمت اظافرها وهي تردد بتوترٍ:
_وبعدين بقى هعمل أيه دلوقتي!
لم يكن أمامها خيار أخر، فكان عليها طرق باب غرفته، وبالفعل أسرعت تجاه غرفته فما أن طرقت بابها حتى فتح من امامها لأنه لم يكن مغلق من الأساس، إرتجف جسدها خجلاً حينما وجدته يقف أمام المرآة يصفف شعره بعنايةٍ ويرتدي بنطال البذلة السوداء فقط، أخفضت "حور" عينيها أرضاً ورددت على استحياءٍ:
_أنا آسفة... آآ.. أنا خبطت الباب بس هو كان مفتوح.
وعلقت القميص على مقبض الباب ثم تراجعت للخلف وهي تردد بحرجٍ:
_القميص أهو.. هنزل أشوف البنات.
قال وهو يجذب الجاكت:
_شكراً يا حور معلشي دايماً تعبك معايا كده.
قالت ورأسها مازال أرضاً:
_تعبك راحة يا أحمد. عن إذنك.
وتركته وأسرعت بالهبوط للاسفل، فجذب القميص وهو يتفحصه بإعجابٍ، فارتداه وهو يهمس:
_ست بيت بصحيح.. يا بخته بيكِ صاحب النصيب بجد.
وإرتدى بذلته سريعاً ثم هبط للاسفل لينضم الى الرجال.
*******
بالخارج..
العصا كانت مبارزة قتالية راقصة للرجال بالخارج، وخاصة "يحيى" و"بدر"، تألق كلاً منهم بالرقص بالعصا، فكاد بدر بالتغلب على "يحيى"، الذي سارع بصد هجماته ليلقي عصاه أرضاً وسط صيحات رجولية تجتاز من حوله، فرفع "بدر" العصا بقدميه ثم أطاح بعصا "يحيى"، فحاذ على إعجاب الرجال، فأيد كلاً منهم الأخر، حتى "عمر" و"سليم" أضافت مشاركتهم هيبة ووقار للتجمع الغفير، فكانت الصفقات والكلمات المخفزة بينهما لا توقف حتى إنتصر "سليم" على "عمر" الذي غمز له ثم همس بمكرٍ:
_النهاردة بس عشان أنت النهاردة ابو العريس.
ضحك الاخير ثم غمز له بخبثٍ:
_مردودلك الاسبوع الجاي يا ابو العريس.
قال بإعجابٍ:
_تعجبني وانت فاهمني.
وعاد كلاً منهما للجلوس مجدداً، فأشار "خالد" لأحمد قائلاً:
_ما تقوم يا ابني تشارك معاهم.
انحنى عبد الرحمن عليه ثم قال في حماس:
_أقوم أنا معاه ولو قتلته تجوزني بنتك الاسبوع الجاي معاه؟
تعالت ضحكات خالد والرجال، فقال بصعوبةٍ في الحديث:
_يا ابني انا معرفش انت قاتل نفسك على الجواز كده ليه، قولتلك بعد شهرين عشان حماتك تحضر، يرضيك البنتين يتجوزا من غير ما تحضر فرحهم!
لوي فمه باستياءٍ:
_لا ما يرضنيش.
ثم دفع أحمد بغضب:
_قوم نرقص انت كمان مش هيبقى نكد وخراب ديار هو.
لكمه أحمد بشراسةٍ ثم قال:
_لا بقولك أيه إهدى وإختار اللي تلعب معاه بدل ما تطير في الجو يا خفيف.
إشارة "فهد" اليهما جعلتهم ينضمون للساحة، ليتراقص كلا منهما على المزمار البلدي، فحاول كلاً منهم الفوز على الاخر ولكن بات الامر مرهقاً للغاية، فتنحوا للخلف بصدمةٍ وتوتر استحوذ على الجميع حينما نهض الكبير عن مقعده الوثير، ليقف بمنتصف الباحة، ثم رفع عصاه ليشيرها تجاه "آسر" الذي ابتسم بفرحةٍ، فنهض ليقف مقابله وكأنه نسخة مستنسخة عن أبيه بنفس ذات الكبرياء والثبات القاتل، ألقى له أحمد عصاه فإنتشالها ببراعةٍ، ثم رفعها تجاه عصى أبيه لتبدأ الملحمة الشرسة بينهما والرجال في حالة من الحماسٍ لمشاركة الكبير لهما، فكان نجله يشاركه بدهائه فلم يجد الفوز عليه أمراً هين، طالت المبارزة بينهما وعازف المزمار لا يتوقف عن العزف، والجميع يترقب من الذي سينتصر كبيرهم أم الشاب الثلاثيني الذي سينوب عن أبيه وسيكن كبيرهما فيما بعد، فكان المعروف عن "آسر" شدة ذكائه، لذا إحنى عصاه بوقارٍ أمام أبيه ثم إنحنى ليقبل يديه أمام حشد غفير من كبار أعيان الصعيد، وكأنه يبلغهما رسالة صريحة بأن ليس للدهاشنة كبيراً في وجود كبيرها مادام على قيد الحياة، مسد" فهد "على رأس ولده بحنانٍ ثم رفعه ليضمه لصدره وهو يردد. بفرحةٍ وفخر به:
_مبروك يا ولدي ألف مبروك.
ابتسم "آسر" وهو يجيبه بإحترامٍ:
_الله يباركلك فيك يا كبيرنا وكبير الصعيد كلها.
أشار له "فهد" بالجلوس لجواره على مقعده المخصص وكأنه يعظم من شأنه مثلما فعله هو ببدء الأمر، فمن يقدم الاحترام لا يحصد سواه!
*****
نفذت حور خطتها، فاستدعت رواية واخبرتها بما أرسل اليها من رسالة هامة، فأسرعت الاخيرة بمنادة روجينا لتخبرها بما قالته حور وان عليها السفر للقاهرة في الحال حتى تتمكن من حضور الاختبار بالغد، فقالت روجينا بحزن مصطنع:
_ازاي بس يا ماما مش هلحق الامتحان اكيد، انا ازاي مخدتش بالي ان بكره يوم الاختبار!
ربتت على ظهرها وهي تخبرها بحنان وارادة:
_متخافيش يا حبيبتي اتفائلي خير كده وان شاء الله هتلحقي انا هروح اكلم بابا واخليه يحضرلك العربية حالا.
ثم كادت بالهبوط فقالت حور:
_انا ممكن اسافر معاها يا مرات عمي بدل ما تقعد هناك لوحدها..
تطلعت لها بامتنانٍ:
_حبيبتي يا "حور" طول عمرك بتفكري في غيرك يا قلبي، خلاص اطلعوا غيروا هدمكوا وانا هنزل اتكلم معاه.
وبالفعل أشارت "رواية" اليه لتخبره ما حدث، فأخبرها بأن تجهز نفسها لحين استعداء السائق، وامر "فهد" "أحمد" بأن يسافر معها على الفور، فلم يتردد ابداً واتجه للاعلى هو الاخر ليستعد للسفر معهن..
******
وأخيراً لحظته المترقبة حانت، بات منفرداً بها بجناحهما الخاص، هي الآن زوجة له، تحل له ويحل لها، مازال يتذكر ذلك اليوم الذي فقدها به، ذلك اليوم الذي رفع به كفه ليصفعها صفعة مداوية، هدفها ان يفيقها لعادتهم الشرقية التي أنستها غربتها إياها، وبالرغم من عشقه لها الا ان تمسكه ايمانه وعقيدته كانت أقوى من حبه لها، والآن قد نال صبره لسنواتٍ طويلة، دنا منها "بدر" ليرفع عنها الطرحة البيضاء ليجدها تمنحه نظرة يسكن فيها حبه وإحتراماً كبير له، فمنحها إبتسامة جذابة تتبعها قوله:
_خلاص بقبتي ليا قولاً وفعلاً.
ضحكت على مرحه بالحديث ثم قالت بجدية:
_عارف يا "بدر" ، انت الحاجة الوحيدة اللي اختارتها صح في حياتي كلها.
خفق قلبه لكلماتها فاحتضن وجهها ليقربها منه، يذيقها عشق بريحقه الخاص، ثم ابتعد عنها ليهمس برغبةٍ تجاهها:
_بأحبك..
همست هي الاخرى وافصحت عما تدفنه بداخلها:
_وأنا بموت فيك.
كلماتها كانت كافيلة بمنحه الآذن لاقتحام عالمها الذي تأثر بما فعله ذاك اللعين، فأمسك محبوبها يدها ليجعلها تتخطى أول عقبة بقتله والاخرى حينما أذاقها عشق جعلها تثق بأن الحب يلين الصخر اذا أراد، دعته يصطحبها لعالمه وكانت مرحبة بذلك لتصبح الآن زوجة له وهو حصن لها...
******
بجناح "آسر"
يعلم جيداً كم هي خجولة، رقيقة بطباعها، لذا منحها مساحة خاصة بها حتى لا يزعجها، فأبدل ملابسه لبنطال أسود وتيشرت أبيض ضيق يبرز جسده الرياضي بوضوحٍ، ثم خرج لشرفة جناحه الخاص لأكثر من نصف ساعة، فما أن استمع لباب الحمام يفتح حتى استدار تجاهها، فوجد حورية تطل من أمامه، تتخفى خلف مئذرها الأبيض، وشعرها الأسود مفروض من خلفها، عينيها تتهرب من لقاء عينيه، وأصابعها تعبث بخصلات شعرها بإرتباكٍ لمسه "آسر" ، أراد لو رفعت عينيها تجاهه، يرد التمنى بحدقتيها الخضراء، فماذا سيريد بعد ذلك، إقترب منها بخطواتٍ بطيئة، ومع كل خطوة كان يخطوها كانت تعود هي للخلف تلقائياً، ودقات قلبها تكاد تكون مسموعة إليه، فأزاحت خصلة شعرها خلف آذنيها بتوترٍ، حاصرها آسر بين ذراعيه والحائط، ثم رفع ذقنها بيديه ليجبرها على التطلع اليه، فابتسم وهو يهمس بما حبسه بداخله منذ لقائهما الاول:
_عنيكي زي المغناطيس بتجذبني من غير أي مجهود صغير منك.
وابتسم وهو يشاكسها قائلاً:
_يمكن ربنا انعم عليا لانه عارف أد أيه بحب أبص للخضرة والطبيعة..
ثم انحنى ليهمس بمكرٍ:
_بس يارب متمليش من نظراتي ليكي.
ابتلعت "تسنيم" ريقها بارتباكٍ، فحاولت رسم ابتسامة بدت شبه باهتة، لم يكن يشعر بالضجر لما تجتازه من توتر وخجل مبالغ به، بل كان يقدرها ويقدر حياءها للغاية، لانه يعلم بأنها مختلفة ويروق له اختلافها، الا يكفيها الضغط والعناء الذي خاضته منذ الصباح حتى تلك اللحظة!
رفعت تسنيم عينيها تجاهه فمازال يقف امامها هكذا منذ دقائق، فوجدته يجذب يدها ثم يخطو تجاه الفراش، انقبض قلبها برعبٍ لا مثيل إليه، وخاصة حينما حملها ليضعها بفراشه، ثم تمدد جوارها ليجذبها لاحضانه وهو يربت على ظهرها بحنانٍ، ليغلق عينيه وهو يتصنع النوم لأجلها!
رفعت رأسها تجاهه بتوترٍ، وهي تستكشف حيلته، تخشى أن يخدعها بسماحه الراقي لها، ولكنه تفاجأت به يهمس وهو يضمها بقوة لصدره:
_هتنامي ولا أغير رأيي!
دثت رأسها بصدره وتشبثت به فابتسم على طفوليتها ثم تصنع النوم حتى غفت بين احضانه من فرط تعبها النفسي والجسدي، ففتح عينيه على مهلٍ ثم أخذ يتأمله ببسمةٍ تنبع بعشقٍ خالد، قلة ما تجده بين عالمنا، فسحب نظراته ليسلطها على يدها المتشبثة بالتيشرت الخاص به، فانحنى ليطبع قبلة رقيقة على أصابعها ثم أغلق عينيه ليستسلم لنومٍ هنيئاً جوارها.... جوار من أحبها بصدقٍ ومن النظرة الاولى!
*******
وصلت السيارة للقاهرة بعد ساعات معدودة، فما ان صعدوا للشقة ورتبوا اغراضهم حتى دقت الساعة التاسعة صباحاً، فاسرعت "روجينا" لخزانتها لتبدل ثيابها ثم هرعت سريعاً لمكتبه الخاص، فظلت ساعة كاملة بالخارج حتى سمح لها السكرتير بمقابلته، فما أن ولجت للداخل حتى صاحت به بإنفعالٍ تحملته طوال الطريق:
_أنا بحاول اكلمك من امبارح موبيلك مقفول، وانت عارف اللي بمر بيه!!
أجابها ببرودٍ وعينيه مازالت تنظر لحاسوبه:
_أكلمك بتاع أيه!
جحظت عينيه في صدمةٍ، كادت بابتلاعها بطياتها وكأنها وحش كاسر، فرددت بصعوبة بالحديث:
_قصدك أيه!
رفع رأسه تجاهها ثم قال بنظرة استحقار تراها لأول مرة:
_إنتي عارفة أنا قضيت كام ليلة مع كام بنت! ... تفتكري لو كنت اتجوزت كل بنت حملت مني كنت هوافق بينهم ازاي!
شعرت بدوار حاد يهاجمها، فجلست على المقعد القريب منها، ويدها موضوعة على صدرها تحاول التقاط نفسها، لتهمس بصوت شاحب:
_انت بتقول ايه يا أيان!...
قال بجفاء:
_اللي سمعتيه.
صرخت بجنون وكأنها فقدت عقلها:
_لا مستحيييل مستحيـــــل تعمل فيا كده، أنت عارف انا عملت ايه عشانك، حرام عليك أنا مش عارفة هعمل ايه دلوقتي لو بابا عرف!
أجابها بمنتهى القسوة:
_تقدري ببساطة تخرجي من هنا وتروحي لكبير الدهاشنة فهد بيه أبوكي المحترم وتقوليله بنتك المصون غلطت مع أكبر عدو ليك وحامل منه، يمكن يلاقيلك حل وأهو يفكه من مشاكل الصعيد وناسها ويركز مع عياله شوية..
انسدل الدمع على وجنتها فرددت بصوتٍ شاحب كحالها:
_أنت بتقول ايه، أنت عارف بابا ممكن يعمل فيا ايه لو عرف حاجة زي كده!.
ابتسامة باهتة رسمت على وجهه، فأدار مقعد مكتبه الاسود بتلذذٍ عجيب وهو يجيبها:
_عارف وهو ده اللي أنا عايزه أكسره هو ابنه وأحط مناخيره في الارض..
كبتت" روجينا"شهقاتها وهي تردد بانكسارٍ:
_انا مش قادرة أصدق اللي بسمعه مش أنت الانسان اللي انا حبيته وجازفت بحياتي علشانه، مش أنت اللي انا اتجرأت علشان اتجوزه في السر من ورا آسر والعيلة كلها..
نهض عن مقعده حتى صار أمامها، افتقدت نظرات الحنان المفقودة داخل قسوته، فخرجت كلماته الحادة المزينة بلهجته الخبيثة:
_أوه، أنا شكلي نسيت اقولك ان المأذون والشهود والليلة دي كانت تمثيل..
هزت رأسها بإنفعالٍ ثم همست بخفوت:
_لأ...... لأ...
ابتسم وهو يجيبها بتأكيد:
_تلاتة ممثلين قبضوا ودورهم انتهى..
سقطت أرضاً وهي تحاول استيعاب ما تتلاقاه، فانحنى مقابلها يتأملها بنظراتٍ باردة يحاول من خلفها كبت آنين قلبه فالأنتقام هو الشعلة التي تحرك هذا الجسد، رفع يديه ليحرك خصلة شعرها المموج البادية من أسفل حجابها ليردف ببرود:
_مفيش قدامك غير حلين، تروحي لآسر أخوكي وتقوليه انك غلطتي مع ابن المغازي، يا تقبلي تتجوزي أحمد ابن عمك زي ما ابوكي عايز وهو كده كده هيكتشف غلطك وهيفضحك، مفيش قدامك غير الاختيارين دول..
رفعت عينيها تجاهه والدمع ينهمر دون توقف، فابتسمت وهي تجيبه بقهرٍ:
_لا في اختيار تالت..
لم يفهم معنى كلمتها الا حينما اقتربت من شرفة مكتبه، اختيار الموت بتلك الحالة حل مثالي، أغلقت "روجينا" عينيها بقوةٍ وهي تحارب ذكرياتها التي جمعتها بأيان الذي ظنته يعشقها مثلما تعشقه، ذكريات ليلة زفافها وانتهائها بما كشفته فحررت قدميها لتستكين اخيراً ولكن بين احضان أحداهما الذي كان نجاة لها من الموت فكان آخر من تتوقعه وكأن محبوبها يبخث عليها الموت فيود بان يكون هو موتها!..بدى مرتبكاً للغاية،فجذبها بقوة بعيداً عن الشرفة ثم رسم ابتسامة خبيثة قبل ان يردد:
_ده المتوقع من ولاد فهد، ضعاف وميقدروش يواجهوا عواقب القرارات الغلط اللي اخدوها..
ثم قرب رأسه منها ليستطرد بسخرية:
_اللي مستغربه هو فين من نصايب بنته..
ثم جذبها ليدفعها خارج مكتبه وهو يشير لها بقسوة:
_افضل انك تختاري مكان تاني تموتي فيه غير هنا.
جزت على اسنانها بحقد وهي تردد بغيظٍ:
_حقير...كل الحب اللي كان جوايا ليك اتحول لكره..انا فعلاً غبية اني محستش بحب أحمد وحبيت شيطان زيك.
وانحنت لتجذب حقيبتها ثم غادرت،فأشار أيان بعينيه تجاه احد رجاله الذي أومأ برأسه ليلحق بها،ليراقبها مثلما تلاقى الامر..
جابت شوارع القاهرة مشياً على الاقدام، عينيها تورمت من اثر البكاء وكانها فقدت القدرة على العيش في تلك اللحظة،وحينما تورمت قدميها اتجهت للمنزل، ففور دخولها للعمارة وجدت أحمد على بابها،فما ان راته حتى رددت بدموعٍ:
_أحمد....
انقبض قلبه حينما رأها في تلك الحالة الغريبة،فاسرع تجاهها وهو يردد بقلق:
_"روجينا" مالك؟
رأت صورته مهتزة من حولها، فسقطت بين يديه ليحيل يينها وبين الارض وهو يرطم وجنتها بلهفةٍ وخوف:
_روجينـــــــــا....
التقط الجاسوس التابع للمغازي عدة صور لها وهي بين يديه حتى حينما حملها وصعد بها للاعلى سريعاً..
*******
بثرايا المغازية..
طالت مكالمة "فاتن" بابنتها، فاستنزفت طاقتها بأكملها، فقالت بضيقٍ:
_يابتي إفهميني احنا خايفين عليكي، مش عايزينك ترجعي اهنه واصل، المكان اللي انتي فيه أمان..
اتاها رد ابنتها اللازع:
_يا مامي أنا زهقت من أوروبا وعايزة أرجع بقا الصعيد نفسي ارجع اعيش معاكي تاني، مش كفايا بقى بقالي هنا عشر سنين لا قادرة اشوفك ولا اقعد معاكي وكل ما بكلم أيان بيقولي مش هتنزلي معرفش انتوا لسه خايفين من ايه، مش اخدتوا بتاركم من العيلة دي!!
زفرت "فاتن" بمللٍ ثم قالت:
_اسمعي كلام ابن خالتك واخوكي الكبير، خايف عليكي يا "ناهد" يا بتي، الموضوع واعر قوي وانتي لازمن تكوني براه يا حببتي.
صاحت بتعصب:
_لحد امته يا ماما انا زهقت ومش عايزة اصحى القى نفسي متجوزة من هنا، انا عايزة اتجوز شاب مصري ومن بلدنا.
لوت شفتيها بتهكم:
_بقا بعد التعليم في بلاد بره ترجعي تتجوزي من اهنه! ، مجنونة اياك!
ثم استطردت بملل:
_خلاص قفلي على الموضوع ده ولما هشوف اخوكي ايان هنشوف هنعمل ايه لو كده تبقي تنزلي عنده في القاهرة بس اوعاكي تجي اهنه سامعة..
قالت باستسلام:
_القاهرة القاهرة المهم انزل مصر.
وأغلقت الهاتف معها وظنها بأن بابتعاد ابنتها ستضمن لها اماناً مخادع لا تعلم بأنها ستكون الورقة الرابحة التي ستنهي العداء بين العائلتين!
......... يتبع......
#الدهاشنة2.... #بقلمي_ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت..
كده يا قمراتي الرواية بدأت فعليا وكده هنبدأ بالعنوان التاني للرواية #صراع_السلطة_والكبرياء... بتمنى يكون الفصل يستاهل الانتظار وهشوفكم الاسبةع الجاي مع الفصل ال30... ونرجع نكمل ان شاء الله رابع يوم العيد مع اروع الاحداث والصراعات.. بحبكم في الله وتصبحوا على الف خير...
#Aya.... 💙
*****_________****
الدهاشنة 2 ...صراع السلطة و الكبرياء .. آية محمد رفعت الفصل الرابع وثلاثون 34 - بقلم آية محمد رفعت
#الدهاشنة2....(#صراع_السلطة_والكبرياء..)..
#الفصل_الثلاثون.
(إهداء الفصل لصديقتي الجميلة إخلاص "خوخة"، كل عام وأنتي بألف خير يا خوختي، ويارب دائماً في أفضل حال يا روح قلبي... ♥)
حملها"أحمد" بين يديه ثم أسرع بها للأعلى، فطرق على باب الشقة عدة مرات، حتى أسرعت "حور" بفتحه، فجحظت عينيها على مصرعيها حينما وجدتها فاقدة الوعي، فأسرعت تجاهها تحرك وجهها وهي تتساءل بقلقٍ:
_في أيه يا "أحمد"؟
قال وهو يتجه لغرفة"روجينا" ليضعها على الفراش:
_معرفش أنا كنت خارج ولقيتها راجعة من برة شكلها تعبان ومرهق وفجأة وقعت من طولها.
وانتصب بوقفته، ليخرج هاتفه من جيب بنطاله الرمادي، فتوترت معالمها، لتسرع بسؤاله:
_بتعمل أيه؟
رد عليها دون أن يتطلع لها:
_بتصل بدكتور يجي يطمنا عليها.
خطفت "حور" الهاتف من يديه بإرتباكٍ ملحوظ، فلعقت شفتيها الجافة بتوترٍ:
_لا الموضوع مش مستاهل، هي شكلها محلتش حلو في الامتحان خصوصاً إنها مكنتش تعرف معاده.
إقترب منها أحمد ثم مد يديه تجاهها بصمتٍ، فوضعت هاتفه بيديه بحرجٍ، عاد ليحرر الإتصال وهو يردد:
_لازم نجيب دكتور يطمنا عليها شكلها تعبانه.
إنقبض قلب "حور" خوفاً من القادم، فأخذت تدعو الله سراً أن لا ينكشف أمر "روجينا" ، مرت الدقائق ثقيلة عليها، فوخز قلبها فور سماعها لجرس الباب، ازدردت ريقها الجاف بصعوبةٍ، حتى أنها شعرت بتصلب قدميها وكأنها من ارتكب ذلك الجرم الشنيع، فتح باب الغرفة ليطل أحمد من خلفه وهو يشير للداخل بيديه:
_اتفضل يا دكتور.
ولج الطبيب المعالج للداخل، فاقترب منها وهو يتفحص نبضها، ومن ثم قاس الضغط في محاولات منه لاستكشاف سبب إغمائها، ابتعدت "حور" عن الفراش ثم وقفت جوار "أحمد" ولأول مرة يتغيب عقلها عن استحضار المناسب لفعله فبدت كالمغيبة حينما تمسكت بذراع أحمد فاتجهت نظراته القلقة عليها حينما شعر برعشة أصابعها على ذراعيه وخاصة حينما قالت بدموعٍ صاحبتها:
_"أحمد"... أنا آآ.... أرجوك لازم تسمعني ضروري.
استدار بجسده كلياً تجاهها ليتساءل بلهفةٍ متناسياً الدنيا وما عليها ليس وجود الطبيب فقط:
_في أيه يا "حور" اتكلمي.
لم تجد كلمات تسعفها، فبداخلها تزرع ظنون طيبة حول عدم كشف الطبيب لحملها، فتخشى إن لم يلاحظ ذلك وتفضحها هي، ولكن أتاها سؤال حسم الصراع بداخلها حينما تساءل الطبيب باهتمامٍ:
_حضرتك جوزها؟
نقلت نظرات أحمد تجاهه، فدنا من الفراش وهو يجيبه بهدوءٍ:
_أنا خطيبها وابن عمها، يعني تقدر تتكلم.
إحتقرته نظرات الطبيب وخاصة حينما ردد بدهشةٍ:
_خطيبها!
ظن "أحمد" بأن هناك أمراً هام يأبى التصريح به اليه، لحاجته لأهلها، فأخبره بما سيجمعهما خلال أيام:
_أيوه وفرحنا كمان أسبوع.
هز الطبيب رأسه ببطءٍ وهو يردد. على مضضٍ:
_طب كويس عشان اللي في بطنها.
تراجعت "حور" للخلف بخوفٍ شديد، بينما انعقدت ملامح أحمد بذهولٍ، فظن بأنه لم يستمع إليه جيداً، فعاد لسؤاله:
_عشان أيه؟
دون الطبيب الروشتة وهو يجيبه بنزقٍ:
_أنت متعرفش إنها حامل في تلات أسابيع ولا أيه!
جحظت عينيه في صدمةٍ لم يستوعبها عقلها، فخرجت حروفه مهزوزة:
_حامل!
قطع الطبيب الروشته وقدمه له بتريثٍ:
_ياريت تجبلها الدوا ده موقتاً لان لازم تتابع مع دكتور تخصص نسا وتوليد في أقرب وقت.
لم ينتبه لم يقدمه له وبنصحه به، فكان هائماً بحاول الإفاقة من تلك الصدمة التي تستنقص رجولته، ضربته في مقتل وتركته صريعاً يواجه حافة الموت بمفرده، التقطت حور الروشته من الطبيب ثم قالت بابتسامةٍ مصطنعة:
_شكراً، اتفضل معايا.
تتبعها حتى أوصلته للخارج، ثم عادت راكضاً للداخل، فوجدت جسده يهتز بعنفٍ فاستند بجذعيه على ذراع الاريكة القريبة منه، ليلقي بثقل جسده عليها، ويديه تضغط على مقدمة رأسه بعنفٍ وحدة في محاولة منه لتقبل الأمر.
*******
شعرت بيديه تبعدها عنه، ففتحت عينيها بذعرٍ وهي تتلفت حولها بتشتتٍ، عاد "آسر" ليجلس محله على الفراش مجدداً، ليحاوط وجهها بكلتا يديه بحنان:
_ في أيه يا حبيبتي!
بدأت باستيعاب ما حدث لها، فقالت بارتباكٍ:
_أنت رايح فين؟
ابتسم وهو يتابع قلق منامتها لابتعاده عنها:
_مش من عادتي أتاخر في النوم كده، ثم إني بحب أنزل أتمشى أول ما أقوم من النوم وأنا النهاردة إتاخرت عن العادة.
ونهض ليفتح خزانة الدولاب، ثم أخرج ترنج رياضي ليبدأ بتبديل ثيابه، أغلقت "تسنيم" عينيها بخجلٍ، لتصيح به بانفعالٍ:
_ما تغير في الحمام!
منحها نظرة ماكرة قبل أن يتبعها قوله الخبيث:
_أنا أغير في المكان اللي يعجبني، بس مش قدام أي حد غير مراتي، أنا راجل دقة قديمة حبتين.
ضحكت وقد طربه صوتها، فأشار لها بصرامةٍ زائفة:
_هتقومي ولا أمشي.
أزاحت عنها الغطاء وهي تسرع بالتوجه لحمام غرفتهما:
_لا ثواني وهكون جاهزة.
سقط المئزر عنها لتشتت حركتها، فكشف عما ترتديه بأسفله، فرفعته تسنيم سريعاً لتخبئ جسدها وقد انحبست الدماء بوجهها المرتعب، كانت تتصرف بغرابة ومع ذلك حبس هواجسه داخله، حينما قال ممازحاً إياها:
_أنتي لسه هنا! لا أنا هنزل لوحدي.
هرعت للخزانة ثم التقت اسدالها، وهي تردد بخوفٍ:
_لا لا خلصت أهو.
وحينما أغلقت باب حمامها، همس "آسر" ساخراً:
_شكلي كده والعلم لله صبري هيطول أوي.
********
تأوهات خافتة خرجت منها وهي تحاول رفع أجفانها الثقيلة بتعبٍ شديد، فاحتضنت مقدمة رأسها بيدها وهي تحاول الاعتدال بمرقدها، استندت "روجينا" بمرفقها على الفراش، لتعتدل بجلستها، لتجد "حور" تجلس لجوارها وعينيها متورمة من أثر البكاء، رددت بصوتٍ شاحب كحال وجهها:
_حـور!
منحته نظرة مشفقة على حالها وما سيحدث فيما بعد، فسألتها "روجينا" بقلقٍ من رؤية حالتها:
_في أيه!
_حمدلله على السلامة.
صوته الذكوري جعلها تنتبه لوجوده بالغرفةٍ، فاستدارت وجهها لتجده يجلس على الأريكة المقابلة للفراش، همست بصوتٍ خافت:
_أحمد!
تذكرت أخر ما حدث لها قبل أن تفقد الوعي، فتعلقت نظراتها به مطولاً، نهض "أحمد" عن الأريكةٍ ثم اقترب من الفراش ليشير لحور بحزمٍ:
_اطلعي بره يا حور.
تعجبت "روجينا" من نبرته الجافة وخاصة توتر ابنة عمها الذي زرع الخوف في نفسها، انصاعت "حور" لطلبه بالبقاء معها بمفرده، فأغلقت الباب من خلفها، جذب أحمد المقعد الموضوع أمام السراحة، ثم وضعه أمامها ليجلس بهدوءٍ بدى مخيف لها، حاولت "روجينا" إخفاء ربكتها التي تهاجمها، فطال الصمت بينهما الى أن مزقه "أحمد" حينما قال:
_أيه اللي مرجعك من الجامعة بالحالة دي!
انسدلت دموعها تباعاً فور تذكرها ما حدث، فقالت بصوتٍ متقطع من أثر البكاء:
_أنا بس اتصدمت في حد كان قريب مني، ودي مش أول مرة أنا دايماً بتخدع في كل اختياراتي يا أحمد.
ثم رفعت عينيها تجاهه، لتدنو منه بجسدها، فقربت يدها منه بارتباكٍ، احتضنت لائحة يدها بين يديه ثم قالت بانكسارٍ:
_أنا غبية لدرجة إني معرفتش قيمتك وكنت دايماً بعيدة عنك.
إبتسامة ساخرة رسمت على شفتيه، فجذب يديه بعيداً عنها ثم قال وهو يحدجها بنظراتٍ قاسية:
_وده اكتشفتيه أمته قبل الحمل ولا بعده؟
جحظت حدقتيها في صدمةٍ، فقرب وجهه منها وهو يستطرد ساخراً:
_انتي متعرفيش اني جبتلك دكتور يطمني عليكي، والراجل مشكور قالي اعمل الفرح بسرعة قبل ما نتفضح.
تراجعت للخلف بخوفٍ شديد، ورددت بصوتٍ شبه مسموع:
_احمد اسمعني آآ... أنا... آآ...
إبتلعت كلماتها حينما هوى على وجهها بصفعةٍ قوية، ومن ثم جذبها من حجابها وهو يصيح بعصبيةٍ بالغة:
_بتستغفلينا يا رخيصة، عايزة توطي رأسنا، لا معاش ولا كان اللي يعملها ده أنا أقتلك مكانك هنا يا زبالة.
صرخت بألمٍ وهي تحاول إبعاده عنها،ولكنها تفاجأت به يتركها من تلقاء نفسه، ليمنحها نظرة أسقطتها من توب العفة:
_أنا كنت بحاول أقربلك عشان أقدر أفهمك،كنت واثق إنك مختلفة عني ومتلقيش بيا وبالرغم من كده كنت مخلص ليكي لأخر لحظة، ليه تعملي فيا كده؟ انتي كل مرة بتهنيني وبتهيني رجولتي لكن لا يا "روجينا" المرادي لا وألف لا.
وتركها وكاد بمغادرة الغرفة، فركضت خلفه لتنحني أسفل قدميه، فتمسكت بساقه وهي تبكي بحرقةٍ وبصوتٍ متقطع قالت:
_أبوس ايدك متقولش لبابا حاجة، أنا أستاهل القتل، إقتلني ومتقولوش حاجة.
ضغط على شفتيه معاً حتى كاد بقطعهما، جسده لا يحتمل لمستها إليه، فأبعدها عنه بنفورٍ، عادت لتتمسك به وهي تستطرد بقهرٍ:
_أنا عمري ما شوفتك زوج ليا يا "أحمد" ، انا مكنتش قادرة أشوفك غير زي "يحيى" و"بدر"، حاولت أحبك معرفتش ولما قولت لماما تفركش الخطوبة رفضت حتى توصل الموضوع لبابا..
والتقطت أنفاسها الثقيلة بصعوبةٍ:
_أنا حاولت أحبك معرفتش، وبعد كده ظهر هو في حياتي، معرفش ازاي سيطر عليا وخلاني أحبه وأثق فيه، ووفقت أتجوزه بس مكنتش أعرف إنه ضحك عليا وإن ده مكنش جواز و إني كنت مجرد وسيلة عشان ينتقم من أبويا و"آسر".
بالرغم من شدة صدماته مما يستمع إليه، ولكن كلمتها الاخيرة جعلت عقله يعمل بسرعةٍ، فانحنى "أحمد" تجاهها، ثم جذبها من حجابها لتواجهه مجدداً، فتساءل بنبرته الخشنة:
_إنتي بتتكلمي عن مين؟
بكت برعبٍ من تلك المواجهة الشبيهة بجحيم الموتى التي تراه بعينيه، فخرجت الحروف متقطعة والخوف يندث من خلفهما:
_آ.. ي.. ا.. ن "آيان المغازي"
احتدت نظراته المسلطة عليها فالقاها أرضاً وهو يصرخ بها بغضبٍ مميت:
_مش قولتلك رخيـــــــــصة، سلمتي شرفك لابن المغازي يا فجرة..
وضغط بيديه على شعره حتى كاد بإقتلاع جذوره، فجاب الغرفة ذهاباً وإياباً ومن ثم توقف أمامها وهو يصيح بحدةٍ:
_أنتي عارفة عمي لو عرف الموضوع ده هيجراله أيه!
ضمت جسدها إليها وهي تردد بانهيارٍ:
_لا لا مش هيعرف لا..
انحنى تجاهها ليضحك ساخراً:
_إنتي فاكرة الكلب ده عمل كل ده ليه! ، عشان يكسرنا كلنا بسببك، وبصراحة عرف يختار صح مكنش يقدر يعمل كده مع "ماسة" أو "حوار" ، عشان كده إختارك انتي.
كلماته نغزت قلبها كالخناجر المسنة، ومع ذلك تقبلتها لأنها تستحق أكثر من ذلك، انتصب "أحمد" بوقفته فسيطر على انفعالاته قليلاً حتى يتمكن من التفكير، سكن لدقائق ومازالت تحتضن جسدها المرتجف بخوفٍ، إلى أن سكنت حركة أحمد التي جابت الغرفة بأكملها، فإتجه نحوها، أخفت روجينا جسدها بيدها ظناً من أنه سيقتلها أو ربما سيوسعها ضرباً ولكنها وجدته يتجه بها للأريكة، فجلس عليها وهو يشير لها لتستمع لما سيقول باهتمامٍ:
_مش هسمح للحيوان ده يحقق اللي في دماغه ويكسر عمي ولا يكسرنا، شرفه من شرفي وعرضه هو عرضي..
ثم التقط نفساً مطولاً قبل أن يستطرد:
_الفرح هيتعمل في معاده وانتي هتفضلي هنا مش هنسافر الا قبل الحنة بيوم عشان محدش يأخد باله من الاعراض اللي عندك سامعة؟
أومأت برأسها عدة مرات، فمنحها نظرة حملت معنى التقزز والكره قبل أن يقول:
_لو بعمل كده فعشان عمي وآسر مش عشان واحدة رخيصة زيك، اللي هقدر أعمله إني هتجوزك كام شهر وبعدها هنتطلق لاني مش هقدر أعيش مع واحدة وسخت رضي وإحنا على البر، فمقدرش اتوقع اللي هتعمله بعد الجواز.
وتركها وغادر للشقة المقابلة لهم، فما ان تأكدت "حور" من رحيله حتى هرعت إليها تسألها بخوفٍ:
_أيه اللي حصل، أحمد قالك أيه؟
اختبأت روجينا باحضانها وهي تقول بانكسارٍ:
_أنا ليه عملت في نفسي كده يا "حور"، انا إزاي قدرت أثق في الحيوان ده.
ابتعدت عنها وهو تتساءل بذهولٍ:
_انتي بتقولي أيه؟
أجابتها بدموعٍ غزت وجنتها:
_كان بيستغلني عشان ينتقم من أبويا يا حور، وقالي ان عقد الجواز ده مزيف يعني اللي كان بينا مكنش غير زنا!
عاتبتها الاخيرة ببكاءٍ:
_قولتلك يا "روجينا" بس أنتي مصدقتنيش، اللي بيحب حد بيحافظ عليه وبيدخل البيت من بابه مش بالطريقة دي.
القت برأسها على الحائط من خلفها وهي تندب بندمٍ:
_يارتني سمعت كلامك، يارتني كنت موت قبل ما اعمل في نفسي كده..
وفتحت فمها عل الهواء يصل لرئتيها المسدودة:
_"أحمد" ميستهلش اللي عملته فيه ده، أنا مستحقش أعيش يا "حور".
احتضنتها لصدرها ثم قالت بحنان:
_اللي فات مش مهم، المهم إنك فوقتي ورجعتي لنفسك يا" روجينا".
قالت باستهزاءٍ:
_بعد أيه، بعد ما ضيعت نفسي!
وضربت بطنها بيدها معاً وهي تصرخ بانفعالٍ:
_وبقيت شايلة عاري في بطني... لا أنا مش عايزة الجنين ده أنا لازم أتخلص منه.
شهقت "حور" بصدمةٍ:
_أيه اللي بتقوليه ده، حرام عليكي دي روح بريئة ملهاش ذنب في كل ده.
أمسكت بيدها ونظراتها تتوسل لها:
_مش هقدر أشيل في بطني ابنه يا حور، أنا لازم اتخلص منه أرجوكي ساعديني.
سألتها بدهشةٍ:
_إزاي بس؟
ازاحت دموعها ثم نهض عن الأرض لتجذب حقيبتها فأخرجت الهاتف ومن ثم الرسالة التي أرسلتها لها احدى أصدقائها:
_ده عنوان دكتور بيعمل العمليات دي، واحدة صاحبتي بعتتهولي، لازم أروحله في أقرب وقت وأخليه يعملي العملية.
بدى الخوف جلياً على وجهها، فقالت بارتباكٍ:
_بس الموضوع ده مش سهل يا روجينا، أكيد في إجراءات وتشديدات كتيرة.
أجابتها بحزنٍ:
_لا متقلقيش الدكتور ده بيعمل الحاجات دي في السر..
صعقت مما استمعت إليه، فقالت بصدمةٍ:
_انتي عايزة تدخلي الاماكن المشبوهة دي برجلك يا "روجينا"؟
انهمرت دمعاتها على وجنتها لتشير اليها بانهيارٍ:
_عندك حل تاني؟.
ارتخت معالمها، فأزاحت الدموع العالقة بأهدابها ومن ثم ترددت في سؤالها:
_طب وأحمد؟
إنخلع قلبها فور ان تحدثت عنه، فقالت بلهفةٍ:
_لا مش لازم يعرف حاجه من اللي قولتها دي يا" حور"، احنا هنروح بكره من وراه.
أومأت برأسها بالرغم من عدم اقتناعها بما ستفعله ولكنها تظنها خطوة ايجابية لتنسى هذا اللعين وما فعله بها.
*******
مرت ساعة كاملة ولم يشعر كلا منهما بالوقت، فظهر الاسطبل على مرمى بصرهما، فأشارت "تسنيم" بيدها عليه وهي تخبره بحماسٍ:
_عايزة أشوف برق.
ابتسم وهو يتطلع تجاه ما تشير، فغمز بعينيه:
_يالا.
سبقته بخطواتٍ شبيهة بالركض حتى وصلت لبابه القصير، فدفعته وكادت بالولوج فتذكرت ما حدث لها أخر مرة، فتراجعت بظهرها للخلف بخوفٍ، ضحك "آسر" على مظهرها المضحك ثم قال:
_شايف الحماس غلبه الخوف والجبن!
لكزته على صدره بضيقٍ:
_لا موجود بس ميصحش نقتحم المكان في وجود صاحبه.
دنا منها فتراجعت للخلف، فرفع يديه ليتمسك بالخشب الموضوع من خلفها على الجانبين، ثم انحنى ليهمس بأنفاسٍ لفحت رقبتها:
_المكان كله وصاحبه ملكك..
فتحت عينيها المغلقة، فالتقت عينيها التائهة بنظرات عينيه العميقتين، فشعرت بنفس إحساس الأمان الذي يهاجمها كلما إقترب منها، غفلتها تلك كانت فرصة له بالاقتباس من رحيقها الخاص، فجحظت عينيها في صدمة قربه الشديد منها، دفعته تسنيم ليبتعد عنها، فتعالت ضحكاته حينما وجدها ترمقه بنظراتٍ مغتاظة، فابتعد عنها وهو يشير اليها:
_هجيب السرج وجاي.
بمجرد اختفائه عنها، حتى لامست بأصابعها شفتيها المرتجفة بارتباكٍ، وابتسامةٍ رقيقة رسمت على وجهها، فقد نجح "آسر" بغزو قالب رغباتها المغلق، استحوذ على مشاعرها بلمساته الاحترافية وكلماته التي تتودد إليها، رأفته بحالتها بالأمس حينما سمح لها بالنوم بأحضانه بعد سيطرة منه على مشاعره المنجرفة إليها، شعرت بتلك اللحظة بأنها قادرة على منحه فرصة الإقتراب منها، وقد اتخذت قرارها بتوترٍ جعل وجهها يصطبغ بحمرةٍ مربكة للغاية، فاقت "تسنيم" من شرودها حينما وجدته يخرج على متن حصانه المفضل "همام" ، ويقترب منها فهرعت للخارج بخوفٍ، اقترب منها حتى صار يقف بمحاذاتها، ثم قدم لها يديه ليشير لها قائلاً:
_تعالي..
اخفت يدها معاً للخلف وكأنه سيلتهما:
_لا مستحيل.. انت بتهزر.
منحها "آسر" ابتسامة جذابة، قبل أن يتابع باستنكارٍ:
_غريبة إنك بتحبي الخيل ومع ذلك عمرك ما فكرتي تركبيه؟
ردت عليه بنزقٍ:
_وأيه الغريب في كده، عادي بحب أتفرج عليه بس من بعيد..
اقترب بخيله منها، ثم قال بصوته الرخيم:
_مش هتندمي صدقيني.
تراجعت خطوتين للخلف وهي تشير له بانفعالٍ:
_قولتلك لا..
ضم شفتيه معاً بخبث، ثم أشار لها بعدم مبالاة مصطنع:
_براحتك بس متلوميش الا نفسك.
لما تفهم ما قال الا حينما تحرك بالخيل تجاهها، فركضت "تسنيم" وقد ظنت بأنها ستحظى بالفرار، فوجدته ينتشلها بذراعيه التي اجبرتها على الصعود أمامه، تعلقت برقبتها وهي توزع نظراتها بينه وبين الأرض بعدم استيعاب لما فعله، وحينما استعابت صرخت برعبٍ:
_لا نزلني..
واحتضنته بقوة كادت بقطع التيشرت الخاص به، فابتسم وهو يردد بمكرٍ:
_أنزلك أيه بس أنا حبيت الخيل أكتر من الأول.
ابتعدت عنه بحرجٍ، فصاح بمكر:
_هتوقعي كده وهتتعقدي من الخيل.
عادت لتتشبث به من جديدٍ فابتسم بانتصارٍ، وضمها بيديه المتمسكة بلجام الفرس، فتلك اللحظات تمنحه سكينة لم يشعر بها سوى بقربها منه.
*****
بالجناح الخاص ببدر.
نومه الثقيل جعله لا يشعر بما حوله، فظل نائماً حتى الساعة الرابعة عصراً، مما جعلها في حالة من الضيق والتذمر لعدم جلوسه للتحدث معها، فاقتربت منه "رؤى" بمللٍ بعد أن قامت بمحاولةٍ ايقاظه للمرة التي تعدت الخامسة، فهزته تلك المرة بعنفٍ وهي تصرخ بصوتٍ مرتفع للغاية:
_بــــــــــــــــــــــــدر.
ظنه "أحمد" كالمعتاد، فلف ذراعيه ليطرحه على الفراش، ثم كور يديه بلكمةٍ قوية كادت باستهداف وجهها لولا أن تأكدت عينيه بمن يرى، فارتخت عضلات جسده ليردد باستغرابٍ:
_"رؤى"!
أخفت وجهها بين يدها وهي تردد بخوفٍ:
_أنت هتضربني من أول يوم ولا أيه!
عاونها على الجلوس، ثم قال بنظراتٍ عاشقة:
_تنقطع إيدي لو تتمد عليكي يا روحي، أنا بس لسه متأقلمتش على الوضع الجميل ده.. كنت فاكرك "أحمد".
همست بخوف من خلف حاجزها الخاص:
_يعني أمان أشيل إيدي ولا أيه؟
ضحك بصوتٍ مسموع، ليقربها من صدره:
_أنا الأمان بنفسه عيب تسألي السؤال ده.
ابعدت يدها عن وجهها، ثم دفعته بعيداً عنها لتبتلع ريقها بخوفٍ:
_بعد اللي شوفته لازم أسال مرة وإتنين وعشرة.
منحها نظرة خبيثة قبل أن ينحني تجاهها:
_لا أنا مقدرش على زعلك.
زحفت للخلف وهي تشير اليه بتوتر:
_بتعمل أيه؟
قال وهو يقترب منها بمكرٍ:
_هحاول أصالحك.
وجدت خوفها يتبدد أمامه، لتنغمس بين أحضانه مثل الأمس، تعالت ضحكاتها حينما أخبرها بما كان يحدث له من وراء نومه الثقيل، فكانت تلك من الصفات التي لم تعرفها عنه قط، ولكن راق لها تودده إليها ليصطحبها في رحلة لا تخص سواهما..
******
بالمندارة
كان يجتمع"فهد" بعدد من الرجال ليشكو من ابن عم والده، الاغلب يشكو من سيطرته على أراضي الفلاحين وتأخره بدفع إيجار الأرض، ومن يطالبه بذلك يهدده بمركزه فيهابه الضعيف والقوي، فمنحهم "فهد" وعداً قاطع بالتداخل في حل الأمر، واعادة الحقوق لأهلها، فما أن غادر التجمع الغفير حتى اجتمع رجال المنزل، فقال "سليم" باستياءٍ لما يحدث:
_"مهران" سايق فيها على الكل يا كبير ولازمن يتحطله حد.
أضاف "عمر" بضيقٍ شديد مما استمع إليه من شكاويٍ غير مرضية بالمرةٍ:
_اللي خلاه مستقوي على الناس كده لأنه مفكرنا هنسانده وهنقف في دهره بعد ما اتجوز بدل "فهد" من البنت دي!
اضاف "جاسم" بإنفعالٍ:
_كنه كان بيعملها جميلة عشان نفضل نسدد الدين لحد النهاردة.
قال "يحيى" والدماء تغلي بعروقه:
_يعني هو ميستقواش الا على الناس الغلابة اللي الأرض هي مصدر دخلهم الوحيد، لو سكتنا المرادي كده الناس هتفقد الثقة إن الكبير هيرجعلهم حقوقهم.
سارت المناقشات بينهما، و"فهد" يستمع لما يقال بصمتٍ كان بمثابةٍ عد تنازلي للقادم، فانتهت الهمسات فيما بينهما وكفوا عن الحديث لينصتوا لما سيقال:
_مفكر إني هقعد وهتفرج على مصايبه، يبقى ميعرفنيش واصل.
ثم رفع صوته لينادي أحد رجاله، فما أن حضر أمامه حتى أمره بحدةٍ:
_تروح لحد داره وتقوله يجيني بكره والا هيفتح على نفسه أبواب جهنم.
أومأ الرجل برأسه وهو يردد باحترامٍ:
_أمرك يا كبير.
وغادر على الفور، فاستأذن الخادم بالدخول، ليضع صينية الشاي على الطاولة الصغيرة ثم اتجه للمغادرة فتعجب حينما رأى "ماسة" تتبعه للمكان المحظور على النساء بدخوله، فردد "يحيى" بدهشةٍ:
_ماسة!
انتبهوا جميعاً إليها، فبحثت عنه وسط الحاضرين ثم أسرعت تجاهه لتجلس جواره وهي تعاتبه بحزنٍ:
_أنا بدور عليك من الصبح في البيت الكبير ده، أنا مش عايزة أقعد فيه عشان لما بتضيع مش بلاقيك بسرعة.
حاول كتم ضحكاته في حضرة كبير الدهاشنة، ولكنه وجده يشير إليها بابتسامةٍ هادئة:
_حتى لو كبير في الاخر وصلتيله ولا لا؟
رسمت ابتسامةٍ صغيرة وهي تجيبه:
_ما أنا مسكاه أهو يبقى وصلت ليه.
وتفحصت وجهه بخوفٍ فضحكوا جميعاً على عفويتها التي بدلت الاجواء المتشاحنة بينهما.
********
القلب هو منبع صدق مشاعرك المدفونة بداخلك، فإذا إعتاد لسانك الكذب قلبك لا يستطيع، فان كنت ترسم الحب الزائف على شخص يخصك بشيئاً هام فقلبك لا تستطيع أن ترشيه بأن يحبه عنوة، وحينما تجرح شخص قريب منك ينغزك بقوةٍ ليجعلك تشعر بمكانته داخله، هكذا ما كان يحدث إليه وهو يرى صورها الملقاة على سطح مكتبه، فدفع مقعده بغضبٍ فتاك، ثم اتجه لشرفته فأزاح ستائرها باندفاعٍ لحاجته للتنفس، رؤية شخصاً أخر يلمسها جعل أوردته تندفع وكأنها ستنفجر بداخل جسده، مرر "أيان" يديه على خصلات شعره بشراسةٍ وهو يهدر بوعيدٍ قاتل:
_فاكرة إنك هتتخلصي مني بالسهولة دي يا "روجينا" ، يبقى أنت لسه متعرفيش مين هو الشخص اللي وقعتي معاه.
*******
اجتمعت العائلة بأكملها على الطاولة التي جمعتهم على العشاء، بعد أن اسدل الليل خمائله السوداء ليمنح بعض السلام بعد شمس يوماً حارق، فتعاونت النساء على رص أطباق الطعام الشهي على الطاولة، بعد أن إنضم العرائِسُ لسفرتهم الكريمة، شعرت "رؤى" بدفءٍ غريب لم تشعره وسط عائلتها،فكل منهم كانت تجمعه طاولة خاصة به بعيداً عن الأخر، والكل مسؤول عن اعداد ما يريد تناوله،على عكس ما يحدث هنا، أما "تسنيم" فكان هذا لا يشغل عقلها بل ما يهاجمها من أفكار جعلتها تشعر وكأنها تواجه حرباً أكبر منها، شيئاً بداخلها يود الاقتراب منه وثمة شيئاً يقذفها بوجع الماضي الذي سيؤلمها، تناست ما تفكر به واستأذنتهم لحاجتها بالنوم لشعورها بأن هناك صداع يستهدف رأسها، فما أن صعدت لغرفتها حتى اتجهت لحمام الغرفة وأبدلت ثيابها قبل أن يلحق بها "آسر"، فما أن ولج حتى نادها بقلقٍ حينما علم بتعبها المفاجئ وصعودها:
_تسنيـم... إنتي فين يا حبيبتي.
طلت برأسها من خلف باب حمامها، تتطلع إليه بارتباكٍ شعر به، فقال بلهفةٍ:
_إنتي واقفة ورا الباب ليه!
ابتلعت ريقها بتوترٍ لتحسم قرارها الاخير بكونه زوجها، فخرجت لتقف مقابله، ابتسم"آسر" حينما وجدها تحررت من مئزرها الذي لا يفارقها، فاقترب منها حتى بات مقابلها، فهمس بصوته الرجولي:
_في حد يداري الجمال ده!
احتدت نظراتها تجاهه وكأنها انذار إليه بأنها من بداية الأمر يحاوطها الارتباك فليست بحاجة لما سيزيده، استرقت تسنيم النظرات اليه فوجدته يتطلع لعينيها بهيامٍ، فضمها لصدره وهو يخبرها لها بصدق مشاعره:
_بحبك..
ارتجف جسدها وهي تحارب نطق ما يردده قلبها خلفه، فهمست بصوتٍ يكاد يكون مسموع:
_وأنا كمان.
التقطت أذنيه ما تهمس به، فرفع وجهها اليه وهو يسألها بلهفةٍ:
_قولتي أيه؟
ضمت شفتيها معاً بقوة وأصابعها تفرك بعضها البعض، لتردد بخفوتٍ:
_وأنا..
بمكر قال:
_وانتي أيه..
توترت حروفها:
_بأ... حبك..
إن كان سيلجئ للصبر بعد سماعه تلك الكلمة كيف سيصمد، ضمها إليه وراح يعلمها فنون عشقه بتمهلٍ وحذر، فاندمجت معه ببداية الأمر ولكن حينما تعمق الأمر بينهما عاد شبح ماضيها يتلبسها من جديدٍ، فاختفت ملامح وجه "آسر" لترى "عباس" اللعين أمامها، فقدت الشعور برقة لمساته وكل ما تراه هي لمسات ذاك اللعين المقزز، فحاولت الابتعاد عنه ولكنها لم تستطيع فصرخت ببكاءٍ وهي تستخدم يدها في ضربه:
_إبعد عنـــــــــي، إبعـــــــــــد
ابتعد عنها "آسر" بصدمةٍ مما أصابها، فجذب قميصه ليرتديه باهمالٍ ثم أسرع إليها وهو يتساءل بخوفٍ:
_تسنيم!!...
جذبت الغطاء على جسدها المرتجف وهي تحاول الاسترخاء قليلاً، فوزعت نظراتها بينه وبين الفراغ وكأنها لا تصدق بأنه لا يوجد سواهما بالغرفة، تقسم بداخلها بأنه هنا يختبئ في مكانٍ بالغرفة، قرب "آسر" يديه من وجهها بحذرٍ فتراجعت للخلف وهي تبكي:
_متلمسنيش!
كان في حالة لا يرثى لها، فما حدث جعله يفقد الثقة بحبها تجاهه ومع ذلك لم يتركها، استلقى جوارها على الفراش ثم أرغمها على الإتكأ برأسها على صدره، وأخذ يمسد برفقٍ على ظهرها حتى هدأت تماماً، وغفت بين أحضانه كعادتها، قضت ليلها بنومٍ مزعج بكوابيسه ومع ذلك قد نالت قسط من الراحة، على عكسه لم يذق النوم طوال الليل، فكان يساوره أفكاراً أسوء من الأخرى، فنهض "آسر" من جوارها ثم استلقى على المقعد القريب من الفراش، يتطلع لها بنظراتٍ حائرة، ومع اشراقة صباح اليوم التالي وجدها تحرك ذراعيها باحثة عنه، ففتحت عينيها بفزعٍ حينما لم تجده جوارها، فاستقامت بجلستها لتقع نظراتها على من يراقبها باهتمامٍ، جذبت "تسنيم" الغطاء على جسدها لتنهمر دمعاتها على وجهها خجلاً مما فعلته بالأمس، وازداد بكائها حينما اقترب آسر ليجلس أمامها، فرأت ما تسببته من إصابات استهدفت رقبته بوضوحٍ، سيطر على انفعالاته واختار كلماته بعنايةٍ حتى لا يخجلها:
_تسنيم أنا امبارح ضايقتك في حاجة، أو عملت حاجة بدون ما أقصد زعلتك؟
هزت رأسها بالنفي ومازالت دمعاتها تنسدل على وجهها، فقال بهدوءٍ:
_طب ليه اتصرفتي بالطريقة دي؟
لم تجيبه على سؤاله وفضلت البكاء، فسألها بنظرةٍ تسللت لاعماقها:
_أنتي بتحبيني؟
رفعت عينيها تجاهه وهي تشير بنعم، فابتسم ساخراً:
_بس اللي بيحب حد بيحب قربه يا تسنيم.
ونهض من جوارها ثم كاد بالتوجه لحمام غرفته ليجدها تحتضنه من الخلف وكأنها تخشى مواجهة عينيه، استدار تجاهها "آسر" ثم ضمها لصدره مطولاً وهو يحاول أن يصدق كونها خجولة، فقال بابتسامةٍ هادئة:
_أنا مش زعلان على فكرة عشان تحاولي تصالحيني، أنا كل اللي يهمني هو أنتي وبس يا تسنيم.
ثم رفع وجهها مقابل وجهه ليغمز لها بمكرٍ:
_أنا عارف إنك هتعذبيني بس برضه مستعد..
منحته ابتسامة ازاحت ما به من ألمٍ، فضمها لصدره وبداخله شعور مقلق حيالها..
********
خرجن منذ الصباح حتى لا يعلم "أحمد" بامرهم، بعد ان اتصلت روجينا بالطبيب واتفقت معه على الموعد وتكلفة الجراحة، كانت تعلم بأنها تقصد المكان الخاطئ ولكنه من يليق بتلك النوع من العلاقات المشبوهة، خاب ظن "روجينا" بقوتها، فكانت تظن بأنها ستتحمل ما سيحدث لها والمكان الذي ستذهب اليه في سبيل التخلص بما تحمله باحشائها، ولكنها حينما رأت عيادته الخاصة وشكله المريب اتقبض قلبها وتشبثت بذراع "حور" وهي تردد بخوفٍ:
_أنا خايفة يا حور..
لم يقل خوفها عنها فالمكان كان كريهاً للغاية، لذا قالت لها:
_يلا نمشي من هنا يا روجينا، انا مش مرتاحة للمكان ده.
لم تفقد ذرة الشجاعة بداخلها، فقالت بتصميم:
_لا مش همشي غير لما كل شيء ينتهي، انا مش عايزة حاجة تفكرني بيه يا حور.
انتفضوا كلا منهن على صوت الممرضة السليط وهي تخبرها:
_يلا يا حلوة دورك.
تمسكت بذراع حور وهي تشير إليها بتوسل:
_متسبنيش يا حور ادخلي معايا.
جذبتها الممرضة بطريقة غير أدمية وهي تردد بغلظةٍ:
_هو انتي طلعة رحلة يعنيا، مفيش حد بيدخل مع الحالة.. وانجزي عشان ورانا حالات كتير..
انهمرت دموعها بانكسارٍ لما فعلته حتى يوصلها لعيش تلك اللحظات القاسية، فتركت يد حور وولجت مع الممرضة للداخل، رأت المعدات الطبية ملاقاة هنا وهناك وبقاع الدم تحملها الملاءة الملطخة بها، وما زاد خوفها رؤية وجه الطبيب المخيف حتى انقبض قلبها، فشعرت بأن نظراته لها كانت جريئة للغاية، فلم تعد تشغر بشيء فور تلاقيها أول جرعة من المخدر.
*******
بالخارج..
اتصل هاتفياً برب عمله ليخبره بما أتى به من معلومات بشأن من يراقبها، ليأتيه سؤاله المندهش:
_مكان أيه اللي دخلته في المنطقة الشعبية اللي عندك دي!
قال أحد الرجال بعدما تناول الهاتف من سيده:
_انا نزلت وسألت عليه يا باشا وعرفت انه دكتور شمال بيعمل عمليات من اياهم، وعرفت كمان أن في كذه واحدة مقدمة عليه بلاغات بتهمة التعدي..
صرخ بها بجنون:
_تعدي أي؟
عاد ليوضح له:
_البنات اللي مقدمين البلاغات بيقولوا انه تم الاعتداء عليهم وهما متخدرين.
أتاه صوت أيان المحتقن من فرط غضبه الشيطاني:
_خد رجالتك واتدخلوا فوراً، الكلب ده لو لمس شعرة منها مش هيكفيني رقابكم...
اغلق الهاتف سريعاً ليهبطوا جميعاً ثم هرعوا للداخل، فشكل كل منهما حائل بشري ليمنح الجميع من الدخول أو حتى الخروج، واقتحم أحداهما غرفة الطبيب فوجدوه مجرد من ملابسه ولكن لحسن حظها لم يتمكن من ملامستها بعد..
حاولت حور الدخول للغرفة فمنعوها فصرخت بهما بعنفٍ:
_أنتوا مين وعايزين منها أيه سيبوها.
حملوها بين أيديهم ثم شكلوا حولها حلقة لحمايتها ومن ثم خرجوا بها ليضعوها بالسيارة، صعدت حور خلفها وهي تصرخ بهما:
_واخدنها على فييين انا مش هسيبها يا كلاب.
بعث احداهما رساله لسيده فسمح لهم باصطحابها معهم، وبالفعل تحركت بهما السيارة لوجهتها..
******
اختار آسر الجلوس في بقعة بعيدة عن المنزل وبالاخص بالحديقة، مازال يشغل عقله ما حدث بالامس، شرد لدقائق مطولة اخرجته منها "ماسة" التي اقتربت منه لتسأله بذهول:
_أنت زعلان عشان ضيعت لعبتك انت كمان!
منحها ابتسامة هادئة قبل أن ينهض ليقف مقابلها:
_لا أنا معنديش لعب زيك، بس انتي هتديني واحدة صح؟
أشارت له بالنفي:
_لا يحيى اللي جايبهملي وانت عايز تاخدهم مني انت وحش يا آسر.
ضحك بصوتٍ مسموع، ثم قال بصعوبة بالحديث:
_حقك عليا، وأنا اوعدك اشتريلك لعبة بدل اللي ضاعت أيه رأيك!
أمسكت يديه وهي تحركه بحماسٍ؛
_بجد أمته؟
سحب يديه منها برفقٍ ودون ان تشعر ثم قال:
_أنا خارج دلوقتي ولما هرجع هجبهالك.
قالت بلهفة:
_وعد..
اجابها بنفس تلك الابتسامة:
_وعد.
اشارت له بيدها ثم غادرت من أمامه فعاد ليجلس على مقعده ولم يرى تلك التي تراقبه من الاعلى بغيرةٍ فتكت بها.
******
أخر ما تتذكره هو ذاك الطبيب الذي ما أن ثقل رأسها حتى وجدته يتجرد من ملابسه، فحاولت الصراخ ولكن لم تستطيع، حتى أنها حاولت الخروج من هذا المكان ولكن جسدها كان مشلول لا يقوى على الحركةٍ، فتحت روجينا عينيها على مصراعيها فوجدت ذاتها بمكان شبيه بالمشفى الخاص، لم يشغلها الأمر كثيراً فما تعرضت له زرع بداخلها رهبة وانحطام لا يقوى على الالتئام مجدداً، فنزعت عنها المحاليل الطبية ثم اخفضت ساقيها لتنهض عن ذاك الفراش فاذا بدوار مفاجئ يسيطر عليها فكادت بالترنج أرضاً لتجد أخر وجه تمنت رؤياه بعد ما تسبب به من وجع سيلازمها مدى الحياة، فرددت بتعبٍ:
_إنت!!!!
............ يتبع..............
الفصل كبيير اوي وبالرغم من كده معرفتش احط لقاء احمد وايان لانه لازمه تفاصيل كتيرة اوي، ربنا يعلم أن عملت ايه عشان اكتب الفصل ده بجد يارب ينال على اعجابكم وان شاء الله يكون لينا لقاء قريب وأكون قدرت في الايام دي تخطيت الظروف اللي بواجهها، متنسونيش من دعواتكم في الايام المباركة دي وهستنى ريفيوهاتكم على الفصل... بحبكم في الله ♥
******___________********
يتبع الجزء الثالث وخفق القلب عشقا