رواية القلم الجزء السادس 6 بقلم محمد منصور القلمرواية القلم الحلقة السادسة ورد واقفة قصاد احيان جوة بيتها وفي عيونها غضب مخيف و أخرجت ورد خنجرًا حادًا من بين ملابسها، وحطت سنه على رقبتها مباشرة. ثم دفعتها للداخل وأغلقت الباب خلفها بعنف. وقالت بصوت مخيف: ـ لو مش عايزة تموتي الليلة دي… قوليلي الحقيقة. ليه قولتي إني بدلت الأطفال؟ ارتعشت أحيان وهي حاسة بسن الخنجر بيجرح جلد رقبتها وقالت:
ـ والله أنا ماليش دعوة… وصيفة الأميرة جولنار والأميرة نفسها هما اللي طلبوا مني أقول كده. اتسعت عينا ورد بدهشة وقالت: ـ وليه؟ ليه يعملوا كده؟ ابتلعت أحيان ريقها بصعوبة وقالت: ـ عشان ابن الأميرة جولنار مريض مرض خطير… وكل الأطباء قالوا إنه مش هيعيش كتير. شهقت ورد وقالت بغضب: ـ وعشان ابنها مريض ترمي ابني للموت؟! إزاي دي تبقى أم؟ فنظرت أحيان للخنجر المرتكز على رقبتها وقالت بخوف:
ـ أنا قلتلك كل اللي أعرفه… بالله عليكي شيلي الخنجر ده. ابتسمت ورد ابتسامة باردة وقالت: ـ خايفة تموتي يا أحيان؟ ردت أحيان وهي ترتجف: ـ ومين في الدنيا ما بيخافش من الموت؟ اقتربت ورد منها أكثر وقالت: ـ طالما خايفة من الموت… ليه شهدتي عليّا شهادة زور؟ شهادة كان حكمها إعدامي! فلم تتمالك أحيان نفسها، ووقعت على ركبتيها أمام ورد وهي تبكي: ـ سامحيني يا ورد الزمان… ماكانش ينفع أقول للأميرة جولنار لا. كانت هتقطع راسي!
نظرت لها ورد للحظات طويلة، ثم أمسكت بذراعها وساعدتها على الوقوف. وقالت: ـ معاكي حق… حربي مش معاكي. حربي مع اللي أمروكي تعملي كده. ثم اتجهت نحو الباب وأضافت بصوت مرعب: ـ بس اسمعي كويس… لو حد عرف إني جيت هنا الليلة، هرجعلك تاني… وساعتها هاقتلك، ومش هارحمك. ارتجفت أحيان وقالت بسرعة: ـ محدش هيعرف… أوعدك… بس سيبيني أعيش. فنظرت لها ورد نظرة أخيرة، ثم خرجت واختفت وسط ظلام الليل الكثيف… •••••
وفي الدكان المهجور اللي كانت ورد مختبئة فيه مع حسان… كان الصمت مخيمًا على المكان. حسان نايم في حضن أمه، وورد غلبها التعب فنامت هي كمان. وفجأة… دوّى صوت تحطم مرعب. بااااام! اتكسر باب الدكان بالكامل، وتناثر الخشب في كل اتجاه. ففتحت ورد عينيها بفزع ونهضت وهي تحتضن حسان بقوة. وعندما رفعت رأسها… تجمد الدم في عروقها. كان جعفر واقفًا عند المدخل، وخلفه وعد، والشر يملأ وجهيهما. ابتسم جعفر ابتسامة مخيفة وقال:
ـ كنتِ فاكرة إنك هتفضلي هربانة مني كتير؟ ضمت ورد ابنها أكثر وقالت: ـ أنت عايز مني إيه؟ فضحكت وعد ضحكة شيطانية وقالت: ـ عايزين حسان… جه الوقت يتحرم من حضن أمه. و يبقى في حضني أنا. وقفت ورد وهي تحتضن طفلها وقالت بتحدٍ: ـ مش هتاخدوا حسان إلا فوق جثتي. اقتربت وعد خطوة أخرى وقالت ببرود مرعب: ـ ومين قال إني عايزاكي تموتي؟ أنا عايزاكي تفضلي عايشة… لحد ما أبعتلك رأس ابنك مقطوعة. شهقت ورد وتراجعت للخلف وهي ترتعش. وقالت:
ـ ابعدي عن ابني يا وعد… بالله عليكي. مهما حصل أنا أختك. صرخت وعد بغضب: ـ أختي؟! إنتِ عمرك ما كنتِ أختي. كل حاجة كنت بتمناها كانت بتروحلك إنتِ. إزاي أرحمك وأنا عايشة عشان أشوف عذابك؟ ثم مدت يدها نحو الطفل وهي تصرخ: ـ هاتي حسان! فدفعتها ورد بكل قوتها، واتجهت ناحية الباب وهي تجري. لكن قبل ما توصل… اندفع جعفر للأمام، وقبض على شعرها بعنف شديد. صرخت ورد من الألم وهي تسقط على الأرض. وانحنى جعفر فوقها وقال بصوت مليء بالكره:
ـ لسه عايزة تهربي مني تاني يا ورد؟ حاولت الإفلات من قبضته وهي تصرخ: ـ سيبني… سيبني! فضغط أكثر على شعرها حتى كادت تفقد وعيها. ثم قال وعيناه تشتعلان غضبًا: ـ أسيبك إزاي؟ إنتِ وابنك السبب في حرماني من القلم… واللي حرمني من القلم… لازم يدفع التمن. وتقف وعد أمام ورد، ثم تنتزع حسان من بين ذراعيها بعنف شديد، قبل أن ترفع قطعة حديدية غليظة وتهوي بها على وجه ورد. “طاخ! صرخت ورد وسقطت على الأرض، والدماء تنزف من وجهها بغزارة.
رفعت رأسها بصعوبة ونظرت ناحية ابنها، فوجدته يصرخ من الرعب، ودموعه تغطي وجهه الصغير. حاولت النهوض للدفاع عنه، لكن وعد أخرجت خنجرًا أسود اللون من بين ملابسها، ووضعته على رقبة حسان. وقالت بابتسامة شيطانية: ـ بعد كام سنة من النهارده… بالخنجر المسموم ده هاقطع رقبة ابنك، وهابعتلك راسه هدية قبل ما يتم عامه العشرين. ثم انفجرت ضاحكة وهي تحمل حسان وتستعد للخروج من الدكان برفقة جعفر. وفجأة… اهتزت جدران الدكان.
وانبعث صوت زئير مرعب من داخل الحائط نفسه. تجمد الجميع في أماكنهم. وفجأة خرج من الحائط ذئبان أسودان ضخمان، أكبر من أي ذئب طبيعي، وأعينهما حمراء متوهجة كالجمر. قفز الذئبان مباشرة على جعفر ووعد. صرخت وعد من الألم عندما غرست الأنياب الحادة في كتفها، بينما سقط جعفر على الأرض وهو يحاول ضرب أحد الذئبين بسيفه. لكن الغريب… أن السيف كان يمر في أجسادهم وكأنه يضرب صخورًا من الظلام. لا دماء… ولا جروح… ولا حتى صرخة ألم.
كأنهم ليسوا مخلوقات من هذا العالم. وفجأة أمسك أحد الذئبين حسان من ملابسه برفق شديد دون أن يؤذيه، ثم حمله ناحية ورد ووضعه بجوارها. بعدها عاد ليواصل الهجوم الوحشي على جعفر ووعد. استغلت ورد الفرصة، وحملت ابنها وهربت من الدكان بأقصى سرعة. لكن جعفر، رغم رعبه، اندفع خلفها محاولًا اللحاق بها. وبعد عدة خطوات… توقف فجأة. لأن الذئبين ظهرا مرة أخرى أمام ورد. وقفا في طريقها بصمت مخيف. نظرت لهما ورد وهي ترتجف.
ثم اتسعت عيناها بدهشة. فقد كانت أعين الذئبين تشبه أعين البشر تمامًا… بل كانت تشبه أعين الملك ليل ووزيره حام. وكأن أرواحهما تسكن داخل تلك الوحوش. ظل الذئبان ينظران إليها لثوانٍ طويلة. ثم استدارا ببطء… وعادا إلى الحائط الذي خرجا منه. وبمجرد أن لامسا الحائط اختفيا داخله كأنهما لم يكونا موجودين أصلًا. وقفت ورد تنظر للحائط وهي ترتجف من الخوف وعدم التصديق. هل ما رأته كان حقيقة؟ أم كابوسًا؟ ثم انتبهت لصراخ حسان.
فضمته إلى صدرها بقوة، وحاولت إيقاف نزيف وجهها، بينما ظلت عيناها معلقتين بالحائط المظلم… كأنها تنتظر خروج شيء آخر منه. ••••• ومن داخل حجرة عدنان… وقف عدنان أمام الأميرة جولنار وهو في قمة غضبه. وقال بعصبية: ـ إنتِ إزاي تتجرأي وتهيني أخويا الملك غيور؟ فابتسمت جولنار بسخرية وقالت: ـ هو حكى لك؟ يا ترى كمل الحكاية وقال لك إنه خلّى واحدة من جواريه تضربني بالقلم؟ رد عدنان بحدة: ـ وده أقل رد على إهانتك ليه. اشتعل الغضب
في عيني جولنار وقالت: ـ الإهانة الحقيقية لسه وقتها ما جاش. لما والدي الملك كاهل يوصل… ساعتها هتعرفوا معنى الإهانة بجد. قال عدنان: ـ إنتِ كده هتكوني سبب حرب بين مملكتين. وحرب زي دي هيموت فيها أبرياء كتير. ردت ببرود: ـ مش فارق معايا. المهم إني أرد إهانة غيور وأخليه عبد من عبيد والدي. نظر إليها عدنان باستغراب وقال: ـ كل ده ليه؟ صرخت: ـ عشان ابني اللي خطفته الجارية اللي هو هربها! قال عدنان: ـ غيور ما هربش حد.
نظرت له جولنار بشك وقالت: ـ أمال مين اللي هرب ورد من وسط الحراس؟ ارتبك عدنان وقال: ـ معرفش… بس متأكد إن غيور مستحيل يعمل كده. اقتربت منه جولنار وهمست: ـ بس دي مش أي جارية… دي حبيبته. ثم حدقت في عينيه وأضافت: ـ وكمان حبيبتك إنت. ولو غيور ما هربهاش… يبقى أكيد إنت اللي هربتها. اشتعل الغضب في وجه عدنان وقال: ـ إنتِ مجنونة! والغيرة عامية عينيكي. ردت وهي تضحك ضحكة باردة: ـ فعلًا بقيت مجنونة…
وكل الناس بتخاف من تصرفات المجانين. وأنا حذرتك قبل كده. لو لسه بتشتاق لورد… هحرمك منها للأبد. تنهد عدنان وقال: ـ انسي ورد دلوقتي. وفكري إزاي نمنع الحرب اللي هتقوم بسبب جنونك. حدقت جولنار في عينيه طويلًا ثم قالت: ـ شايفة الخوف في عينيك. خايف من اللي هيعمله الملك كاهل فيكم. رد عدنان: ـ أيوة خايف… بس مش على نفسي. خايف على الأبرياء اللي هيموتوا من غير ذنب. ابتسمت جولنار وقالت: ـ وأنا موافقة أمنع الحرب… بس بشرط.
يركع أخوك غيور تحت رجلي ويطلب مني السماح. وترجعوا لي ابني. وإنت بنفسك تقطع رأس ورد بسيفك. ساد الصمت… ونظر لها عدنان بغضب قاتل. ••••• وفي حديقة القصر… كان الوزير خاطر مختبئًا خلف شجرة ضخمة. وعيناه تراقبان باب القصر في صمت. وبعد دقائق خرجت وصيفة الأميرة جولنار. وما إن مرت بجوار الشجرة حتى انقض عليها خاطر كالشبح. لف ذراعه حول رقبتها، وكتم صرخاتها بيده الأخرى. ثم همس في أذنها بصوت مخيف:
ـ إنتِ يا شيطانة اللي خليتي أولادك السبعة منتشرين في القصر يسمعوا كل كلمة وتتبلغي بيها. واحد منهم سمع كلامي مع قائد الحرس، ووصل كل حاجة لجولنار. وبسببك بقيت من وزير محترم لرجل مطرود من القصر. حاولت الإفلات منه، لكنه شد قبضته أكثر. ثم قال: ـ وعشان كده… جه الوقت اللي أحرمك فيه من نعمة السمع إنتِ وأولادك السبعة. وأخرج من جيبه حشرة سوداء مرعبة. كانت لها أجنحة جلدية وأسنان دقيقة حادة تتحرك باستمرار.
صرخت المرأة بعينيها قبل لسانها. لكن خاطر أدخل الحشرة داخل أذنها بالقوة. ارتجف جسدها من الرعب. وقال وهو يبتسم: ـ الحشرة دي اسمها “السن السام”. مخلوق نادر جدًا. بتتغذى على مراكز الإحساس في الجسد. وأول حاجة هتبدأ بيها… حاسة السمع. دلوقتي هي جوه ودنك. وهتفضل تاكل خلايا جسمك يوم بعد يوم. وبعد الخلايا… هتاكل اللحم. وبعد اللحم… العظم. وخلال شهر واحد… هتبقي هيكل عظمي بيتحرك ولسه الروح محبوسة جواه.
اتسعت عينا الوصيفة من الرعب. ونظرت إليه غير مصدقة. فانفجر خاطر ضاحكًا وقال: ـ شايف السؤال في عينيكي. إزاي الوزير خاطر الطيب يبقى بالقسوة دي؟ الحقيقة إني طيب جدًا… لكن مع الطيبين بس. أما القساة وأصحاب الفتن… فأنا أشد منهم قسوة. إنتِ وأمثالك سبب خراب بيوت وحروب وسفك دماء. وعشان كده… لازم الجزاء يكون من جنس العمل. ورماها خاطر على الأرض بعنف، فبدأت تصرخ وتصرخ بجنون وهي تحاول إخراج الحشرة من أذنها، لكن دون فائدة.
كانت تشعر بشيء يتحرك داخل رأسها… شيء حي… شيء ينهشها من الداخل. وضعت يديها على أذنها وهي تصرخ من الألم، ثم اندفعت ناحية القصر كالمجنونة تبحث عن أولادها السبعة. وما إن وجدتهم حتى بدأت تتحدث معهم وهي تبكي: ـ اسمعوني… ردوا عليّا! لكن الصدمة كانت مرعبة. لم يكن أي واحد منهم يسمع الآخر. كانوا جميعًا يتحدثون ويصرخون في نفس الوقت دون أن تصل كلمة واحدة إلى آذانهم. لقد انتقم خاطر منهم جميعًا.
صرخت وصيفة صرخة مزقت سكون القصر، ثم ضمت أبناءها السبعة إلى صدرها وهي تبكي بحرقة على مصيرهم المجهول. ••••• ومن داخل بيت جعفر… كان جعفر يجلس أمام وعد، وكلاهما يلف الضمادات حول الجروح العميقة التي خلفتها أنياب الذئاب السوداء. لكن الغريب أن الجروح لم تكن تلتئم… بل كانت تزداد سوادًا مع مرور الوقت. وفي تلك اللحظة أشعل جعفر الشموع السوداء، ورسم دائرة من الدم على الأرض، وبدأ يتمتم بتعاويذ السحر الأسود. وفجأة…
انطفأت جميع الأنوار. وامتلأت الغرفة بدخان أسود كثيف. ثم تشكل الدخان تدريجيًا حتى ظهر وجه مخيف بعينين حمراوين متوهجتين. إنه الساحر أيفان… أخبث ساحر عرفه التاريخ، وأستاذ جعفر ومعلمه. انحنى جعفر باحترام وقال: ـ سيدي أيفان… اليوم هاجمني ذئبان من مملكة الجان دفاعًا عن إنسية اسمها ورد وابنها حسان. وعمري ما سمعت إن أهل الجان يدافعوا عن بشر بالشكل ده. ابتسم أيفان ابتسامة مرعبة وقال: ـ طالما الجان دافعوا عن حسان…
يبقى القلم انتقل إليه. والنبوءة تحققت. نظر جعفر إليه بدهشة: ـ أي نبوءة يا سيدي؟ رد أيفان: ـ النبوءة التي قالت إن مملكة الجان سيحكمها إنسان. وحسان أصبح الآن الوريث الحقيقي للقلم… وملك الجان القادم. اتسعت عينا جعفر وقال: ـ يعني حسان بقى في حماية الجان؟ قال أيفان: ـ بل في حماية الملك ليل والوزير حام شخصيًا. ولن يستطيع أحد الاقتراب منه إلا إذا حُرم من القلم. اقترب جعفر من الدائرة السحرية وقال: ـ ساعدني يا سيدي.
اجعلني أسيطر على حسان، وسأحررك من تابوت الثلج وأعيدك إلى عالمنا. ضحك أيفان ضحكة شيطانية وقال: ـ لا أحد يقدر على لمس حسان الآن. لكن هناك طريقة واحدة. لو عرف مجلس الجان أن القلم لم يعد داخل أرض النار… وأن ليل سرقه وأعطاه لبشر… فسوف يغضب المجلس. وساعتها سيحكمون بحرق ليل وحام أحياء. ابتسم جعفر بسعادة وقال: ـ وساعتها أسيطر على حسان ويصبح القلم ملكي! هز أيفان رأسه وقال: ـ لن تنجح إلا إذا حررتني أولًا.
روحي وحدها القادرة على دخول أرض الجان ونشر الخبر. قال جعفر: ـ لكن جسدك محبوس داخل تابوت الثلج، وروحك مقيدة بسلاسل سحرية في بلاد فارس. فكيف أحررك؟ رد أيفان بصوت مرعب: ـ تصرف يا جعفر… حررني وأنا أجعل القلم ملكك. قال جعفر: ـ دلني على أول الطريق. ابتسم أيفان وقال: ـ بعد خمسة عشر عامًا… سيتزوج الملك كاهل. وسيُهدى إليه أجمل عذراء في مملكة غيور. ومع كل يوم يزداد فيه حبه لها… تنفك عقدة من السلاسل التي تقيد روحي.
انحنى جعفر وقال: ـ أمرك يا سيدي. سنلتقي بعد خمسة عشر عامًا. واختفى أيفان وسط الدخان الأسود. فنظرت وعد إلى جعفر وقالت بضيق: ـ يعني هنستنى خمسة عشر سنة؟ ابتسم جعفر ابتسامة مخيفة وقال: ـ مكتوب لابن ورد إنه يتمتع بالحياة خمسة عشر عامًا فقط… وبعدها يبدأ عهد جعفر. ويصبح القلم ملكي. ••••• وبعد عدة أيام… وصل الملك كاهل إلى مملكة غيور في موكب مهيب. مئة ألف جندي مدججين بالسلاح اصطفوا أمام أسوار المملكة.
وكانت رايات الحرب ترفرف في السماء. إشارة واحدة فقط من الملك… وستتحول الأرض إلى بحر من الدماء. ••••• ومن داخل قصر غيور… وقف الملك غيور وعدنان أمام الملك كاهل. وكان الغضب يتطاير من عيني كاهل وهو يقول: ـ اللي حصل مع الأميرة جولنار مش هيمر مرور الكرام. رد غيور ببرود: ـ واللي حصل من بنتك جولنار يمر مرور الكرام؟ صرخ كاهل: ـ اللي بدأ بالإهانة يتحمل العقاب. وأنت اللي بدأت لما هربت الجارية وحرمت بنتي من ابنها. قال غيور:
ـ ده افتراء وكذب. رد كاهل بغضب: ـ بنتي ما تعرفش الكذب. الكذب معروف من زمان إنه موجود في مملكتك. اشتعل غضب غيور وقال: ـ مش هقبل أي إهانة تانية. ولو ساكت فده احترامًا لوجودك في قصري… مش خوفًا منك. اقترب كاهل وقال بحدة: ـ الخوف لسه ما بدأش. رجّع حفيدي. وأعدم الجارية اللي خطفته. واقطع رأس الجارية اللي أهانت ابنتي. ولو ما حصلش ده قبل شروق شمس بكرة… هحرق المملكة كلها. وأولهم إنت وأخوك. تدخل عدنان سريعًا:
ـ جلالة الملك… الحرب خراب على الجميع. رد كاهل: ـ الخراب عليكم أنتم. ثم استدار وغادر القاعة وهو مصمم على الحرب. ساد الصمت للحظات. ثم قال عدنان: ـ هنعمل إيه يا غيور؟ رد غيور: ـ نحارب. قال عدنان: ـ وفي حل تاني. ننفيذ مطالب كاهل. نظر إليه غيور بصدمة وقال: ـ يعني موافق تسلم له ورد؟ تنهد عدنان وقال: ـ يمكن ده أهون من حرب إحنا مش قدها. ابتسم غيور فجأة وقال: ـ ولما هو سهل عليك تضحي بورد… ليه من الأول هربتها؟
تجمد عدنان في مكانه. فقال غيور: ـ بعد ما أمرت الحرس يدوروا عليها، شفتك خارج وراهم وأنت ملثم. شكيت فيك. وبعدها عرفت كل حاجة. وعرفت مين اللي أنقذها. خفض عدنان رأسه وقال: ـ أيوة… أنا اللي هربتها. وأنا اللي كنت بحاول أحميها. لأني بحبها. بحبها أكتر من نفسي. وأكتر مما تتخيل. لكن بعد ما اعترفت لي إنها بتحبك إنت… فهمت إن كل اللي بعمله كان وهم. حتى لما تمنيت موتك في يوم… افتكرت إنها ممكن تحبني بعدك.
لكن الحقيقة عمرها ما كانت ليا. ورفضت أعيش أحلم بحب واحدة قلبها ملك لغيري. تأثر غيور بكلامه وقال: ـ للدرجة دي بتحبها؟ ابتسم عدنان بحزن: ـ مش المهم مين بيحبها… المهم هي بتحب مين. ثم نظر إلى أخيه وقال: ـ سامحني لو في يوم تمنيت موتك. اقترب غيور وربت على كتفه وقال: ـ مسامحك يا عدنان. تنهد عدنان وقال: ـ ودلوقتي نمنع الحرب دي إزاي؟ رد غيور: ـ أنا أكرم لي أموت… ولا إني أسلم ورد. قال عدنان: ـ كده بتحكم على المملكة بالخراب.
فضحك غيور فجأة. وقال: ـ الخراب هيكون على كاهل وجيشه. نظر إليه عدنان باستغراب وقال: ـ إزاي؟ قواته أكتر مننا بمئات المرات. ابتسم غيور ابتسامة غامضة وقال: ـ يبقى خلاص… روح هات ورد وحسان. ونسلمهم لكاهل. ونتفادى الحرب اللي إحنا مش قدها. اتسعت عينا عدنان من الصدمة. فقد شعر أن خلف كلمات غيور سرًا خطيرًا… سرًا قد يغير مصير المملكة كلها. وعند شروق الشمس…
فُتحت أبواب مملكة غيور على مصراعيها، ودخلت جموع جيش الملك كاهل كالسيل الجارف. عشرات الآلاف من الجنود انتشروا في الساحات والشوارع، والسيوف والرماح تلمع تحت أشعة الشمس، بينما كان أهل المملكة يراقبون المشهد بخوف وترقب. وفي ساحة الإعدام الكبرى… وقف الملك غيور بجوار أخيه عدنان، بينما جلس الملك كاهل فوق منصة مرتفعة تحيط بها الحراسة من كل جانب. نظر غيور إلى كاهل وقال بصوت ثابت: ـ جلالة الملك كاهل… رفع كاهل رأسه وقال بحدة:
ـ فين الجارية ورد؟ أشار غيور ناحية منصة الإعدام وقال: ـ هناك يا جلالة الملك. التفت كاهل نحو المنصة. فوجد ورد واقفة بجوار طاولة قطع الرؤوس، وقد كُبلت يداها بالسلاسل. وبجوارها كانت الأميرة جولنار تحتضن حسان بقوة. ابتسم كاهل وقال: ـ ابنك رجعلك يا جولنار. فردت جولنار بسعادة: ـ رجعلي يا والدي. ثم سأل كاهل: ـ وفين الجارية جميلة؟ رد غيور: ـ نُفذ فيها الحكم كما أمرت يا جلالة الملك. قطعت رأسها بالأمس.
نظر كاهل إلى جولنار مستفسرًا. فأومأت برأسها وقالت: ـ صحيح يا والدي. أنا شوفت تنفيذ الحكم بعيني. ابتسم كاهل في رضا وقال: ـ عظيم. ثم ضرب بعصاه الأرض وقال بصوت هز الساحة كلها: ـ ومستني إيه يا غيور؟ اقطع رأس ورد. ساد الصمت… صمت ثقيل كأن الزمن توقف. واتجهت جميع الأنظار نحو ورد. أما هي… فأغمضت عينيها ببطء. ثم وضعت رأسها فوق الطاولة الخشبية. ونظرت إلى غيور نظرة طويلة أخيرة. نظرة امتزج فيها الحب بالحزن والخوف والوداع.
اقترب غيور منها. وأخرج سيفه ببطء. فصدر صوت احتكاك المعدن بالغمد كأنه صرخة موت. أما عدنان فكان واقفًا وعيناه تمتلئان بالألم. وجولنار تتابع المشهد بشماتة واضحة. بينما كان كاهل ينتظر تنفيذ الحكم بفارغ الصبر. رفع غيور السيف عاليًا… وعلا صوت الطبول. ثم… هوى بالسيف بكل قوته. فانطلقت صرخة من الحاضرين. وطارت الرأس في الهواء. وتدحرجت فوق درجات منصة الإعدام… حتى توقفت عند قدمي الملك كاهل. ساد الذهول في المكان.
ثم انحنى كاهل والتقط الرأس بيده. ورفعها عاليًا أمام الجميع وهو يصرخ: ـ هكذا يكون العقاب! اليوم استعدت ابنتي كرامتها! اليوم انتصرت مملكة فارس! فانفجر جنوده بالهتاف. بينما ظل غيور واقفًا في مكانه ينظر إلى جولنار. وفجأة… ابتسم. ابتسامة غامضة. الغريب أن جولنار ابتسمت هي الأخرى. أما عدنان… فكان ينظر إليهما باستغراب شديد. وكأن هناك سرًا لا يعرفه أحد.
سرًا جعل غيور وجولنار يضحكان في لحظة كان من المفترض أن يغرقا فيها بالحزن أو الانتصار. واستمر الضحك بينهما… بينما كانت عيون عدنان تزداد حيرة لحظة بعد أخرى…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!