رواية القلم الجزء الثامن 8 بقلم محمد منصور القلمرواية القلم الحلقة الثامنة ومن قدام البيت اللي كانت عايشة فيه ورد مع ابنها حسان، ومعاهم ساهر، كانت ورد قاعدة جنب حسان وبتحكي له كل اللي حصل بينها وبين أختها “عد”، وكل الصراعات والدم اللي سال بسبب لعنة القلم. وحكت له كمان عن غراب، وإنه كان مالك القلم السحري، وإن القلم بنفسه اعترف لها إنه ملك مملكة الجان المعروفة باسم “مملكة النار”. وبصت له بقلق شديد وقالت:
ـ عشان كده يا حسان… لازم تبعد عن اللي اسمها راهشان دي. أوعى تقرب منها مهما حصل… مهما قالت لك أو عملت. لأن نهايتها موتك. بصلها حسان بدهشة وقال: ـ كل ده حصل وأنا طفل رضيع؟ تنهدت ورد وقالت وهي باصة للسما: ـ ولسه الله أعلم إيه اللي مستخبيلك يا ابن ورد… سكت حسان شوية وبعدين سألها: ـ والقلم ده فين دلوقتي؟ ردت ورد وهي متوترة: ـ فكر فيه بس… وهيظهر لك.
وفعلًا… أول ما فكر حسان في القلم، هبت ريح باردة بشكل مفاجئ، واتلبدت السما بالسحب السودا، وبدأت الأرض تهتز تحت رجليهم. وفجأة… ظهر القلم قدامهم وسط دوامة من الدخان الأسود. اتسعت عيون حسان وانبهر بيه بشكل غريب، ومد إيده ناحيته. القلم طار في الهوا ببطء… وكأنه كان مستني اللحظة دي من سنين. ولما مسكه حسان… حس بحرارة غريبة بتجري في عروقه. وفي نفس اللحظة انقسم قلبه لنصين… نص مفتون بالقلم وسحره وقوته…
ونص تاني متعلق بحب راهشان. لاحظت ورد النظرة اللي ظهرت في عيون ابنها، فاتجمد الدم في عروقها وقالت بسرعة: ـ حسان… افتكر وصية عمك غراب. القلم ده للخير وبس… أوعى تخليه يسيطر عليك. رفع حسان رأسه ببطء… لكن اللي بص لها ماكانش ابنها. كانت عيونه اتحولت للون الدهب اللامع. وقال بصوت غريب مرعب: ـ إنتِ مين؟ شهقت ورد وقالت: ـ حسان! أنا أمك… أنا ورد! لكن جسم حسان بدأ يتحول للون الذهبي بالكامل، كأنه بيتحول لتمثال من الذهب المنصهر.
وقال وهو بيبتسم ابتسامة مخيفة: ـ أنا ماعرفش حد في الدنيا دي غير القلم… وحبيبتي راهشان. صرخت ورد وحاولت تنتزع القلم من إيده… لكن فجأة… اتحول القلم لوحش مرعب. مخلوق ضخم بجسم أسود محترق وعيون حمرا بتشتعل زي الجمر. فتح فمه المليان أنياب وقال بصوت هز المكان كله: ـ ابنك وهب لي روحه بإرادته… ومن اللحظة دي بقى ملكي! وفجأة خرجت كرة نار ضخمة من فمه. اصطدمت بيد ورد. فصرخت صرخة مزقت سكون الليل.
وفي اللحظة دي سمع ساهر صراخها، فجري ناحيتها بكل قوته. ولما وصل… اتصدم. شاف النار بتاكل يد ورد. وشاف حسان واقف وجسمه كله بيلمع باللون الذهبي. والأبشع من كده… إن القلم بدأ يغوص داخل جلد كف حسان ببطء. لحد ما اختفى تمامًا واستقر جوا إيده اليمين. جري ساهر ناحية ورد وهو بيحاول يطفي النار وبيصرخ: ـ أمي ورد! إيه اللي حصل؟! حسان عمل فيكي كده ليه؟! قالت ورد وهي بتتألم: ـ القلم… القلم سيطر عليه. ثم بصت لحسان بخوف وقالت:
ـ بس إزاي؟! ده كان المفروض يبقى في خدمته! وفجأة رفع حسان رأسه وقال بصوت مش طبيعي: ـ جايلك يا راهشان… وفي ثانية واحدة… اختفى جسمه داخل الأرض! نزل جوه التراب زي دودة عملاقة بتشق طريقها تحت الأرض. وقف ساهر مذهول. أما ورد فصرخت بجنون وجريت ناحية المكان اللي اختفى فيه. وقعت على ركبها وبدأت تنبش التراب بإيد واحدة، والدموع نازلة من عينيها. ـ حسان! يا ابني ارجع لي! كانت بتحفر بجنون وهي تصرخ: ـ أنا هموت من غيرك!
طريق راهشان آخره موتك يا ابني! اقترب منها ساهر وقال بحزن: ـ أمي ورد… لكنها دفعته بعيد بعنف وهي تصرخ: ـ أنا مش أمك! أنا أم حسان وبس! اتجمد ساهر مكانه. أما ورد فاستمرت تنبش الأرض بجنون وهي تبكي: ـ حسان! رد عليّا! إزاي تسيب القلم ياخدك مني؟! ثم رفعت رأسها فجأة وبصت لساهر بعينين مليانين وجع وقهر وقالت: ـ ليه الأرض ما بلعتكش إنت؟! وسابت ابني! اتصدم ساهر من كلامها. واتراجع خطوة للخلف وقال بصوت مرتعش: ـ إنتِ… إنتِ مش أمي؟
وسكت لحظة قبل ما يسأل والدموع في عينيه: ـ طيب… مين أمي؟ لكن ورد ما ردتش. فضلت قاعدة وسط التراب، تبكي وتصرخ بحرقة أم فقدت ابنها، بينما كان الظلام بيزداد حواليهم… وفي أعماق الأرض… كان حسان يقترب أكثر وأكثر من مكان مجهول… ومن جوه بيت جعفر، كانت وعد قاعدة قدامه وملامحها كلها غضب وخوف، وقالت بحدة: مستحيل… مستحيل أسيبك تقدم بنتي عروسة للملك كاهل! ابتسم جعفر ابتسامة مخيفة وهو بيبصلها بنظرة كلها شر، وقال:
بنتك أجمل عذراء في المملكة كلها… وهي الوحيدة اللي تقدر تخلي الملك كاهل يقع في حبها بجنون. وساعتها الساحر أيفان هيتحرر من سجنه… وأنا هامتلك القلم أخيرًا. وعد: جعفر… راهشان بنتي، ومش هتتجوز الملك كاهل! وفجأة اتحول وش جعفر لوش وحش كاسر، وقام من مكانه ومسك وعد من شعرها بعنف لدرجة إنها صرخت من الألم. وقال إنتِ فاكرة إني بطلب رأيك؟! أنا بأمرك يا وعد! وبص لها بعينين مليانين نار وهو يكمل:
الوزير قاسم شاف راهشان بنفسه، وصورتها وصلت للملك كاهل… والملك أمر إنها تكون في مملكة بلاد فارس بعد أسبوع بالظبط. وفي اللحظة دي، دخلت راهشان عليهم. كانت فتاة تخطف الأنفاس من شدة جمالها. عيونها فيها سحر غريب يخلي أي حد ينسى نفسه وهو باصص لها، وشعرها الأسود كان نازل على ضهرها كسواد الليل الحالك. بصت لجعفر بغضب وقالت: ابعد إيدك عن أمي. التفت لها جعفر وقال ببرود مرعب:
إنتِ مالكيش دعوة بالكلام ده… روحي جهزي نفسك، لأنك هتبقي العذراء اللي هقدمها للملك كاهل. سكتت راهشان لحظة، ثم قالت بهدوء غريب: بس أنا مش عذراء. اتسعت عينا جعفر من الصدمة، وساب شعر وعد فورًا. وقال إيه؟! تقصدي إيه إنك مش عذراء؟! رفعت راهشان رأسها وقالت: أنا متجوزة… من ملك ملوك الجان… الملك ليل. وفجأة… اهتزت أركان البيت كلها. وانطفأت الشموع دفعة واحدة.
وبدأ دخان أسود كثيف يزحف فوق الأرض كأنه حي، يتحرك ببطء بين الأقدام، حتى وصل لراهشان ودخل جوه جسمها. صرخت وعد في رعب. أما راهشان فبدأ جسمها يرتفع عن الأرض ببطء… ببطء شديد… حتى أصبحت معلقة في الهواء. ثم حدث شيء جعل الدم يتجمد في العروق. لفت راهشان رأسها دورة كاملة حول رقبتها وسط صوت تكسير عظام مرعب. وبدأ وجهها يتغير… يتشوه… حتى اختفى تمامًا. وحل مكانه وجه الملك ليل. وجه شاحب كالموت، وعينان حمراوان تشتعلان كالجحيم.
نظر ليل إلى جعفر وابتسم ابتسامة جعلت الرعب يتسلل إلى قلب الجميع. وقال بلغ أيفان تحياتي. ثم انفجر ضاحكًا. ضحكة لم تكن بشرية. ضحكة جعلت جدران البيت ترتجف. وكمل ليل وقال كنت فاكر إني هسيبك تحرر أيفان من سجنه؟ وتوصل للقلم قبلي؟ ثم اقترب وجهه من جعفر وهو معلق في الهواء. إنت يا مسكين… فاكر إنك تقدر على ملك ملوك الجان؟ أنا أكبر منك… وأقوى منك… وأقدم منك بآلاف السنين يا إنسان. ضغط جعفر على أسنانه وقال بتهديد: هطلعك من جسمها…
وهحرقك! اتسعت ابتسامة ليل أكثر. لا يقدر على ليل إلا إنسان بلا ذنوب. ثم أشار إليه بإصبعه. وأنت يا جعفر… روحك غارقة في الظلام. أنت من أبناء الشيطان… وكل خطوة مشيتها كانت ذنب. وانفجر ليل في ضحك هستيري. كان يضحك… ويضحك… ويضحك… حتى بدا وكأن الضحكات تخرج من كل ركن في البيت. وفجأة خرج الدخان الأسود من جسد راهشان كإعصار مظلم. وسقطت على الأرض بلا حراك. جرت وعد نحوها وهي تصرخ في فزع. راهشان! راهشان ردي عليا يا بنتي!
هزتها بعنف، لكن لا صوت… لا حركة… لا نفس. رفعت وعد رأسها نحو جعفر والدموع تملأ عينيها. الحقني يا جعفر… بنتي مبتردش! ظل جعفر واقفًا مكانه ينظر إليها بصمت مخيف. صرخت فيه: اعمل أي حاجة! بنتي بتموت! وعندها فقط… ظهرت على وجه جعفر ابتسامة باردة جعلت قلب وعد يسقط من الرعب. وقال بصوت مخيف: ما هي بنتك لازم تموت… عشان أقدم عذراء غيرها للملك كاهل.
وفي اللحظة دي، انطلقت صرخة وعد الممزقة في أرجاء البيت، بينما كانت عيون جعفر تلمع بشرٍ لم تعرفه البشرية من قبل… فتقف وعد قدام جعفر وهي بتصرخ بغضب وخوف على بنتها: إياك… إياك تقرب منها! فيبص لها جعفر بعينين مليانين جنون ويقرب خطوة وهو بيقول: ابعدي عني يا وعد! بنتك لو ما ماتتش هتفضل أحلى عذراء في الكون كله، وكاهل مش هيتجوز غيرها طول ما هي عايشة. لكن لو ماتت… هادور على عذراء غيرها وأقدمها هدية للملك كاهل.
ويخرج جعفر خنجر طويل من بين هدومه، ولمعان نصله انعكس في عينيه بشكل مرعب وهو بيقرب من راهشان المستلقية بلا حراك. لكن قبل ما يوصل لها… انقضت عليه وعد فجأة، وخطفت الخنجر من إيده. وبكل الغضب والقهر اللي عاشته سنين طويلة، غرست الخنجر في رقبته. جعفر: آآآآه! اتسعت عينيه من الصدمة، وتراجع للخلف وهو حاطط إيده على جرحه.
الدم انفجر من رقبته بغزارة، وسقط على الأرض وهو بيتلوى من الألم، بينما وعد كانت واقفة فوقه وأنفاسها متقطعة وعينيها مليانة نار. أما جعفر فبدأت الحياة تسيبه تدريجيًا، وصوت غرغرته المخيف كان آخر حاجة اتسمعت منه قبل ما يغرق في بحر من دمه. ــــــــــــــــــــــ وفي قصر الملك كاهل… كان كاهل قاعد فوق عرشه الضخم المصنوع من جماجم الأعداء، بينما وقف الوزير قاسم أمامه وقال باحترام:
مولاي الملك، تم التحضير لزفافك على أجمل عذراء في الكون… راهشان بنت وعد. ابتسم كاهل بسعادة وقال: ممتاز… والكاهن الأعظم كهنان وصل ولا لسه؟ قاسم: في الطريق يا مولاي، وهيكون هنا خلال لحظات. وفجأة دخل أحد العبيد وانحنى قائلاً: الكاهن كهنان بيطلب الإذن بالدخول يا مولاي. كاهل: خليه يدخل فورًا… أنا مستنيه من زمان. خرج العبد، وبعد لحظات دخل رجل عجوز تجاوز عمره المائتي عام.
كان قصير القامة، نحيف الجسد، لكن عينيه السوداوين كان فيهم شر يكفي لهلاك مملكة كاملة. وقف أمام الملك وانحنى قائلًا: مولاي. كاهل: إزيك يا كهنان؟ كهنان: بخير طول ما مولاي بخير. فضحك كاهل وقال: إنت يا عجوز مش ناوي تموت؟ فضحك كهنان ضحكة باردة وقال: ولما أموت… مين هيبارك زواج مولاي من أجمل عذراء في الكون؟ راهشان بنت وعد… أخت ورد الجارية المحببة للملك غيور. اختفت الضحكة من وجه كاهل وقال ببرود:
انسى ورد… ورد ماتت من سنين على إيد غيور. ابتسم كهنان ابتسامة شيطانية وقال: ورد ماتت؟ إزاي؟! أنا كنت في مملكة غيور وشوفتها بعيني… وشوفت ابنها حسان كمان بعد ما كبر وبقى شاب. انتفض كاهل واقفًا، وتحولت ملامحه إلى غضب مرعب. إنت بتقول إيه يا كهنان؟ شكلك كبرت وخرفت! كهنان: كهنان عمره ما خرف يا مولاي… وأنا متأكد من اللي شافته عيني. فنظر كاهل إلى قاسم وقال: يا قاسم… مش كنت معايا وإحنا بنقطع رأس ورد؟ قاسم:
حصل يا مولاي، والأميرة جولنار كانت شاهدة على كل حاجة. كاهل: سمعت؟ يبقى إزاي شفتها؟! ده أنا معلّق رأسها على بوابة القصر من سنين! كهنان: طيب… هاثبت لك إني مش كذاب. وفجأة بدأ يتمتم بتعاويذ غريبة بلغة لم يفهمها أحد. اسودت أركان القاعة. واهتزت الأرض. وخرج دخان أسود كثيف من تحت أقدامه. ثم ظهرت أمامهم صورة حيّة كأنها نافذة مفتوحة على عالم آخر. ورأوا ورد واقفة أمام بيتها تتحدث مع ساهر. اتسعت عينا كاهل من الصدمة،
ثم زمجر كوحش جريح: قاسم! قاسم: أمرك يا مولاي. كاهل: غيور خدعني! استخدم سحر أسود وخبّى ورد عني! جهّز الجيش بالكامل! أنا هاحرق مملكة غيور بمن فيها! وأولهم… ورد وابنها! ــــــــــــــــــــــ وأمام بيت ورد… كانت ورد قاعدة تحت شجرة كبيرة، والدموع بتنزل من عينيها على حال ابنها حسان. وفجأة… شعرت بيد تلامس كتفها من الخلف. فقالت وهي ما زالت تبكي: حسان… رجعت؟ لكنها التفتت لتجد غرابًا ضخمًا واقفًا على قدمين كإنسان.
فشهقت من الصدمة. وقال غراب كده تسيبي القلم ياخد منك حسان؟ ورد: إنت عرفت اللي حصل؟ نظرت لقدميه وقالت بدهشة: عم غراب! رجليك رجعت تاني إزاي؟ غراب: ربي عوضني. اقترب منها وهمس بصوت مخيف: الحقي ابنك قبل ما يوصل لمملكة النار… قبل ما يقف فوق أرض النار ويحكم الإنس والجان بالحديد والنار. ورد: ابني هيبقى ملك؟ غراب: ملك ظالم… لا هيرحم طفل… ولا هيرحم شيخ… وأنهار الدم هتملا الأرض في عهده. وأخطر من كده… وزيره هيكون كهنان.
ارتعشت ورد وقالت: مين كهنان؟ غراب: الكاهن الأعظم للبشر… وأحد أبناء الشيطان. شعرت ورد بقشعريرة تسري في جسدها. وأنقذ ابني إزاي؟ غراب: الدم اللي بيجري في عروقه… هو نفسه اللي بيجري في عروقك. الرابطة بينكم لسه موجودة. لكن خلي بالك… هتحاربي أعز الناس على قلبك. ولازم سيفك يكون في إيد إنسان بلا ذنب… وإلا هتخسري كل شيء. ورد: أنا مش فاهمة! غراب: ما أقدرش أقول أكتر من كده… الحقي ابنك قبل ما يقتل أول طفل… وآخر شيخ… في قرية سام.
وفجأة… استيقظت ورد من نومها على برودة نصل سيف يضغط على رقبتها. فتحت عينيها بفزع… لتجد غيور واقفًا فوق رأسها. غيور؟! في إيه؟ لكن صوته كان مختلفًا… باردًا… ومخيفًا. غيور: فين حسان؟ ورد: إيه؟ وفجأة صفعها بعنف حتى كادت تسقط من فوق السرير. اسمي الملك غيور يا جارية! وقبل أن تستوعب ما يحدث… اندفع ساهر إلى الغرفة. وقال سيبها! لكن غيور استدار بسرعة البرق وغرس سيفه في بطنه. ساهر: آآآآه!
وسقط على الأرض بينما الدم ينزف منه بغزارة. صرخت ورد وارتمت بجواره، لكن غيور جذبها من شعرها ووضع السيف على رقبتها. فين حسان؟ بدأ الدم يسيل من رقبتها. ونظرت له بعيون دامعة. وقالت أنا ورد… حبيبتك… ليه عايز تقتلني؟ غيور: أنا ما يهمنيش غير القلم. القلم ملكي. فين حسان؟ وزاد ضغط السيف على رقبتها. وفي تلك اللحظة… أدركت ورد أن الرجل الواقف أمامها لم يعد غيور الذي أحبته يومًا. كان شيئًا آخر… شيئًا مظلمًا وخطيرًا.
وبينما الموت يقترب منها… انفتح باب البيت بعنف. ودخلت وعد وهي تحمل راهشان الفاقدة للوعي. وعندما رأت ما يحدث، التقطت حجرًا ضخمًا وضربت به رأس غيور بكل قوتها. فسقط على الأرض فاقد الوعي. نظرت ورد إليها بذهول وقالت: وعد؟! إنتِ بتعملي إيه هنا؟ انهارت وعد على الأرض وهي تبكي وقالت: أنا قتلت جعفر… وجيت لك عشان تسامحيني… يمكن ربنا يرحمني… ويرحم بنتي من المصيبة اللي مستخبية لها…
وتبكي وعد وهي باصة لبنتها راهشان الملقاة على الأرض فاقدة الوعي، ودموعها بتنزل لأول مرة من سنين طويلة. تستغرب ورد المشهد، وما تقدرش تصدق إن أختها القاسية بتعيط بالشكل ده. لكن فجأة يتحول نظرها ناحية ساهر، اللي كان بيتلوى من شدة الألم، والدم لسه بينزف من جرحه. تجري عليه ورد وتحضنه، فيرفع عينيه ليها بصعوبة ويهمس بصوت ضعيف: ـ هموت يا أمي… فتنهار ورد بالبكاء، وتمسك إيده المرتعشة وتقول:
ـ لا يا حبيبي… إن شاء الله هتعيش. بس لازم تساعدني نهرب من البيت ده… المكان هنا بقى أخطر من الموت نفسه. فتقول وعد وهي تمسح دموعها: ـ ونهرب على فين؟ ورد بتردد: ـ هنروح لكهف الغريب… الكهف اللي كان عايش فيه غراب. —وفي أعماق الأرض… داخل قصر الملك ليل، ملك ملوك الجان… كان ليل جالسًا فوق عرشه الأسود العملاق، وإلى جواره وزيره حام، حين انفتحت أبواب القاعة بقوة مخيفة. دخل حسان… لكن لم يكن حسان الذي يعرفونه.
كان جسده كله يلمع باللون الذهبي المرعب… لون القلم. وقف أمام العرش بثبات. فنظر له ليل بغضب وقال: ـ انت مين؟ وإزاي تدخل قصري بالشكل ده ومن غير إذن؟ ابتسم حسان ابتسامة باردة وقال: ـ أستأذن؟ عشان أدخل قصري أنا؟ قفز ليل واقفًا وهو يصرخ: ـ قصدك إيه بالكلام ده؟ رفع حسان يده اليمنى. وفجأة ظهرت صورة القلم محفورة داخل كفه، ثم خرج صوت غريب يهز جدران القصر: ـ أنا… ملك مملكة النار. ارتجفت القاعة كلها. وتحول وجه حام للشحوب.
أما حسان فصعد درجات العرش ببطء. حاول ليل منعه… لكن في لحظة خاطفة أمسكه حسان من عنقه ورفعه في الهواء، ثم قذفه بعيدًا كأنه دمية. ارتطم ليل بالأرض بعنف. وجلس حسان فوق العرش وقال بصوت مرعب: ـ من النهارده… انت خادمي. ثم نظر إلى حام وأكمل: ـ وانت كمان. ولو حد فيكم فكر يعصي أمري… هاحرقه حي. ارتجف حام وقال فورًا: ـ أنا خادمك المطيع يا ملك مملكة النار. صرخ ليل بغضب: ـ حام! إنت بتقول إيه؟! إزاي تخدم إنسي حقير؟ فنظر له
حسان بعينين مشتعلتين وقال: ـ أنا حقير؟ إذن انتقامك هيكون عبرة لكل الجان. وفجأة… خرج لسان ليل من فمه غصبًا عنه. صرخ ليل في رعب. ومد حسان يده وأمسك لسانه، ثم كتب عليه بالقلم كلمات نارية. وفي اللحظة نفسها بدأت اللعنة. كل ليلة… يُجبر ليل على تلاوة آيات من القرآن بنفسه. فتشتعل النيران في جسده. يحترق… ويتعذب… ويصرخ… لكن لا يموت. ليلة بعد ليلة.
وعندما شاهد حام هذا العذاب المرعب، سقط على ركبتيه مرتعشًا وأقسم أن يظل خادمًا مطيعًا لحسان إلى الأبد. —وفي سجن جولنار… بعد مرور خمسة عشر عامًا كاملة… كانت جولنار ما زالت محتفظة بجمالها المخيف، وكأن الزمن لم يجرؤ على لمسها. دخل السجان بالطعام. فابتسمت له جولنار وقالت بنعومة: ـ خرجني … وهخليك أغنى راجل في الدنيا. ضحك السجان وقال: ـ إخراجك معناه قطع رقبتي. الملك غيور وعدنان موصيين عليكي بالذات. اقتربت
منه جولنار أكثر وهمست: ـ أنا بنت الملك كاهل ملك بلاد فارس. هربني لبلادي… وهتاخد وزنك دهب وياقوت ومرجان. ابتلع الحارس ريقه وقال: ـ موافق… بس بشرط. تتجوزيني. وتملّكيني أرض في بلاد فارس. ابتسمت جولنار بخبث وقالت: ـ موافقة. قال الحارس بسعادة: ـ يبقى مع أذان الفجر هتكوني بره السجن. خرج الحارس… فضحكت جولنار وحدها وقالت: ـ أخيرًا… بعد خمسة عشر سنة لقيت غبي يصدقني. ثم نظرت إلى الجدار وهمست:
ـ جه وقت الانتقام يا ورد… يا غيور… يا عدنان. —ومع أذان الفجر… هرب الحارس جولنار من السجن. وكان يمشي بجوارها وهو يكاد يطير من الفرح. ـ مش مصدق إنك هتبقي مراتي. فقالت: ـ الأول نبعد عن القصر. وظلت تجري حتى وصلت إلى جوار كهف الغريب. ثم توقفت فجأة. واستدارت نحوه. وقالت بابتسامة مخيفة: ـ لحد هنا… وجه وقت الفراق. استغرب الحارس وقال: ـ فراق إيه؟ أنا بحبك. فكّت جولنار عقدة شعرها الطويل جدًا. ثم قالت: ـ وأنا… ما بحبكش.
وفجأة تحرك شعرها كالأفاعي السوداء. والتف حول عنق الحارس. اتسعت عيناه من الرعب. وحاول الهرب. لكن الشعر كان يزداد إحكامًا. حتى بدأ وجهه يتحول للأزرق. ثم انكسرت رقبته بصوت مرعب. وسقط جثة هامدة. وقفت جولنار فوقه تضحك بجنون: ـ عايز تتجوز أميرة يا صعلوك؟ ثم تركت جثته واتجهت نحو الكهف. وقالت لنفسها: ـ أرتاح شوية لحد الشروق… وبعدها أرجع لبلاد فارس. دخلت الكهف. لكنها تجمدت مكانها. ورد… كانت نائمة هناك. وبجوارها ساهر.
أما وعد وراهشان فكانتا نائمتين في الجهة الأخرى. اقتربت جولنار من ورد ببطء. وقالت لنفسها: ـ مين يصدق إن القدر جابك لحد عندي؟ ثم وقعت عيناها على ساهر. فابتسمت ابتسامة شيطانية. ـ لا… الأحسن أخليها تعيش. وتشوف ابنها بيموت قدام عينيها. زي ما أنا شفت ابني يضيع مني. كانت تظن أن ساهر هو حسان. ولم تكن تعلم الحقيقة المرعبة. رفعت حجرًا ضخمًا فوق رأسها. ثم صرخت: ـ اصحي يا ورد! وشوفي ابنك وهو بيموت قدام عينك!
فتحت ورد عينيها مفزوعة. ورأت جولنار والحجر المرفوع فوق رأس ساهر. فصرخت: ـ هتعملي إيه يا مجنونة؟! قالت جولنار بكل الشر الذي يسكن قلبها: ـ هاحرمك من حسان… زي ما اتحرمت أنا من ساهر. ورفعت الحجر أعلى… وأعلى… ثم قذفته بكل قوتها ناحية رأس ساهر… وفي اللحظة الأخيرة… انطلقت صرخة مرعبة هزت أرجاء الكهف كله… صرخة لم يعرف أحد مصدرها. لكنها كانت كافية لتجعل جولنار تتجمد في مكانها، وكأن الموت نفسه ظهر أمامها…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!