تحميل رواية «الطاووس الأبيض ©️» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تم نشر فصول الأجزاء الثلاثة الأولى في روايات منفصلة، تحمل نفس الاسم المشترك (الطاووس الأبيض)؛ ولكن بأغلفة مختلفة لسهولة التمييز .. ترقيم فصول الجزء الأول: - من الفصل الأول حتى الخامس والثلاثين ترقيم فصول الجزء الثاني: - من الفصل السادس والثلاثين حتى التاسع والستين ترقيم فصول الجزء الثالث: -من الفصل السبعين حتى المائة وخمسة عشر يبدأ ترقيم فصول الجزء الرابع من الفصل مائة وستة عشر، وذلك استكمالاً لما سبق من تتابع للأحداث المشوقة .....
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الحادي عشر 11 - بقلم Manal Salem
مساءكم فل .. بدون ما أطول في الكلام .. المفروض المشاهد البسيطة دي كانت جزء من فصل الغد، بس قولت أنزلها النهاردة، وبكرة أنزل الباقي بعد ما أكتبه بأمر الله، يعني كأنه فصل مقسوم على حتتين .. وسوري إني مضطرية أسهركم بكرة عشان مش ببدأ قبل الساعة 9 مساءً في الكتابةالمهم نستأنف باقي الأحداث اللطيفةفي انتظار دعمكم الجميل
الفصل المائة والخمسة وعشرون
الزواج، التطرق إلى هذا الأمر بدا كالقشة التي قسمت ظهر البعير، جلبت لها تلك الكلمة العفوية أسوأ الذكريات على الإطلاق، فاستحضرت بقوة عجزت عن مقاومتها لمحات مؤلمة لما خاضته، ما بذلت أقصى طاقاتها، وسعت إلى تجنبه، ونكرانه للأبد كأنه لم يكن أصبح واقعًا محسوسًا تعايشه الآن، حيث طغت أبشع ذكرى على عقلها، وغطت بكفاءة على كل ما عانته سابقًا.
تجسدت صورة الكائن المشوه المدعو "آسر" نصب عينيها، بوجهه المستفز، وتعابيره الكارهة، رأته حيًّا في كامل الوقاحة، والدناءة، والخسة وهو يملي عليها مساوئها كأنثى لا تصلح لإغراء أي رجل بسبب بشاعتها، المسخ الموجودة عليه في جسد منفر يدعو المتطلع إليه للتقزز والاشمئزاز، تألمت للذكرى، وعجزت عن نفضها من مخيلتها، اقتحمت واحدة أخرى أشد وطأة عقلها، بما اكتشفته لاحقًا من مساوئ وضيعة بعد أن أزيح الستار، وظهرت حقيقته لها.
أنين مكتوم بدأ يخرج من بين شفتيها على صوت نحيبٍ خافت، وعيناها تبكيان بغزارة، لمسة لم تكن مستعدة لها شعرت بها على كتفها، فانتفضت رغم القيد الوهمي الذي تشعر به يكبل كل جسدها، فيجعلها غير قادرة على الحركة، ارتفعت نهنهات بكائها، والصوت الرقيق الخافت يناديها:
-"فيروزة".
سيطر عليها هذيانها، وتداخل الصوت مع أصواتٍ وهمية حاضرة في ذهنها المشوش، لتبدو وكأنها تخوص صراعًا قاسيًا بمفردها. هزة أخرى على كتفها وهذا الصوت يكرر:
-"فيروزة"، "فيروزة"!
تشنجت مع اللمسة، وكانت أكثر نفورًا لأي تقارب جسدي، لأي لمسة بريئة على أطرافها، كزت على أسنانها، وأصدرت أنينًا مختنقًا مما جعل اليد تبتعد عنها؛ لكن الذكرى لم ترحل، ازدادت قساوة، إطباقًا على صدرها، إيلامًا لقلبها.
...............................................
في خضم جدالهم الطويل، فشلت الصغيرة "رقية" في النوم، كانت رهبة ما رأته اليوم ما يزال مسيطرًا عليها، تقلبت على الفراش بجوار أبيها، وضمت دميتها إليها، استحثها فضولها على النهوض والاطمئنان على ابنة عمتها، فقامت بحذرٍ لتتطلع إلى أبيها، كان غارقًا في النوم العميق، فهبطت عن الفراش، وتسللت خارجة من الغرفة لتتجه إلى "فيروزة". أرادت رؤيتها دون أن يمنعها أحد، وساعدها تواجد عمتها والبقية بالخارج، ركضت بخفة نحو غرفتها، وقفت عند الباب تستند على إطاره، وتسترق النظرات للغرفة المظلمة، حين سمعت أنينها تشجعت للذهاب إليها. صعدت على الفراش ووضعت يدها على كتفها تناديها:
-"فيروزة".
ارتجفت مع الرعشة التي شعرت بها منها، سمعتها تئن بما يشبه النحيب، فزاد خوفها، وضعت يدها تهزها ونادتها مجددًا
-"فيروزة"، "فيروزة"!
لكن الصوت المختنق لم يتوقف، فزادت رعبها، وابتعدت عنها لتطلب المساعدة من البالغين القادرين على فهم ما بها.
..............................................
قدمت لها مشروبًا باردًا لترتشفه بعد انتهائها من مهمتها العاجلة، حاولت "آمنة" أن تقوم بواجب الضيافة كما اعتدت رغم المحنة التي تمر بها أسرتها، اعتذرت من "ريم" للمرة الرابعة في نفس الثلاث دقائق التي وقفت تتحدث فيها إليها، وقالت:
-عطلناكي يا دكتورة، ونزلناكي من بيتك في الوقت ده.
أخبرتها بهدوءٍ وهي تحاول الابتسام بلطف:
-ده واجبي، بس يا ريت من الصبح بدري تجيبوها على المستشفى ...
مدت يدها داخل حقيبتها لتخرج منها بطاقة ورقية صغيرة، وتابعت وهي تمررها إليها:
-عنوانها في ضهر الكارت ده.
أخذتها منها "آمنة"، وهزت رأسها في امتنانٍ. استدارت كافة الرؤوس فجأة نحو زاوية بعينها، عندما سمعوا النداء المرتعش:
-عمتو ..
تحركت "آمنة" نحو الصغيرة تعاتبها بوجهٍ شبه حانق:
-إنتي لسه صاحية يا "كوكي"؟
تمسكت بدميتها، وضمتها بذراعها إلى صدرها؛ كأنما تحتمي بها، قبل أن تقول بشفاه مقلوبة:
-"فيروزة" بتعيط جامد جوا.
صاحت عمتها بتعابيرٍ مدهوشة:
-إيه؟
بينما رددت "ريم" في صدمة متعجبة:
-إزاي؟
تساءل "تميم" على الفور في وجه صعدت فيه تعابير الخوف المختلطة بالغضب:
-إنتي يا دكتورة مش مدياها مهدئات؟
أجابته في حيرةٍ قلقة:
-أيوه، بس جرعة بسيطة، لأني معرفش خدت أد إيه في المستشفى.
دون إضاعة للوقت في البحث عن تفسير يوضح سبب إفاقتها، اندفع ثلاثتهم للداخل، تاركين الصغيرة خلفهم؛ لكن "تميم" عاود أدراجه، وطلب منها في صوتٍ جاهد ليبدو هادئًا:
-هي هتبقى بخير، متخافيش.
لا يعلم إن كان يطمئنها بتلك الكلمات أم يطمئن نفسه؛ لكنه رغب حقًا في إخراجها من دوامة المآسي التي تقضي على روحها وتمزقها بالبطيء. أمسك التردد بخطواته وهو يتحرك في الردهة عاجزًا ما بين التدخل ومساعدتها، وبين التراجع والانتظار في مكانه احترامًا لخصوصيتها؛ لكن أي خصوصية منشودة لمريضٍ على شفا خطوة من الموت؟!
.................................................
بمجرد أن ولجت إلى غرفتها، دارت "ريم" حول فراشها لتكون في مواجهة وجهها، نظرت إلى عينيها الزائغتين، وألقت نظرة شاملة على حالتها تقيم بها وضعها ظاهريًا، أدركت أنها في حالة غير جيدة، تحتاج للتعامل الفوري معها، وإلا لساءت كثيرًا. مدت يدها لتمسح على وجنتها برفقٍ وهي تناديها:
-"فيروزة"، سمعاني.
كأنما تُحادث الفراغ، لا استجابة منها، تنظر إلى ما لا تراه إلا في ذهنها، كررت ندائها، وهي تخفض يدها نحو كتفها:
-"فيروزة"، ردي عليا، إنتي عارفة أنا مين؟
مع لمستها العادية لها تشنجت بالكامل، وتخشبت بشكلٍ يدعو للخوف، كما زاد الأنين المنتحب ليصبح صرخة متحشرجة، اعتدلت "ريم" في وقفتها وهتفت في جدية شديدة:
-لازم تتنقل فورًا المستشفى عندي، ماينفعش يتسكت أبدًا عن الحالة دي.
اضطر أن يتجاوز عن التقاليد الملزمة ليقف عند أعتاب غرفتها ينظر إليها في خوفٍ يفوق جميع المتواجدين حولها، كان جسد "فيروزة" ما يزال يهتز بعصبيةٍ، شعرها محلول، ومهوش، ومطروح على الوسادة. لم يكن في استطاعته الوقوف مكتوف الأيدي ينتظر هلاكها، صاح آمرًا والدتها:
-يالا يا حاجة، أنا خدها في عربيتي، حطي عليكي أي عباية بسرعة.
نظرت إليه "آمنة" بنظراتٍ تائهة وهي تسألها:
-طب و"كوكي"، هاعمل فيها إيه؟ مش معقول أسيبها لوحدها وآ....
قاطعها قائلاً بحسمٍ:
-هاتيها معانا بهدومها كده.
هزت رأسها في انصياعٍ:
-طيب .. على طول.
ثم أسرعت باحثة عما ترتديه على ثيابها المنزلية، نظرة شمولية فاحصة ألقاها "تميم" على غرفتها باحثًا عن وشاح رأسها، وجده ملقى على الأرض بجوار الدولاب، اتجه ناحيته، وانحنى ليلتقطه، ثم أعطاه لـ "ريم" قائلاً بنفس اللهجة الآمرة:
-غطي دماغها بيه.
رمقته الأخيرة بنظرة غامضة؛ كأنما تحاول النفاذ إلى عقله، وشكوكها حوله تزداد لحظة بعد أخرى. فور أن عادت "آمنة" إلى الغرفة، تحرك "تميم" صوب الفراش، مرر ذراعيه أسفل جسد "فيروزة"، وحملها وهي ما زالت تنتفض في ألمٍ جعل ما بين ضلوعه ينقبض بقسوة، التصقت رأسها بصدره، وشعر بكل الرجفات تضربه؛ كما لو كانت تبث له معاناتها، ارتفع الغليل بداخله، واستعر الغضب في جوارحه لاعنًا اللحظة التي لم يتخذ فيها موقفًا صارمًا تجاه شبيه الرجال هذا حين اكتشف ماهيته الخسيسة! ســار بها بخطواتٍ شبه سريعة إلى الخارج، تتبعه "ريم"، ومن ورائها هرولت "آمنة" والصغيرة "رقية" بعد أن أغلقت الباب، من موقعها ألقت نظرة حرجة على "تميم" وابنتها التي يحملها، لتدمدم مع نفسها بهسيسٍ مزعوج:
-الناس هتقول إيه علينا لو شافونا كده!!!
................................................
استقر الجميع في سيارته فيما عدا "ريم"، بالمقعد الخلفي تمددت "فيروزة"، ووالدتها إلى جوارها تحتويها في أحضانها، وفي الأمام جلست "رقية" بدميتها، انتظر لهنيهةٍ ريثما تتحرك الطبيبة بسيارتها ليتبعها، بقيت نظراته تتوزع ما بين الطريق تارة، وبين الوجه الأشبه بالموتى الماكث بالخلف، اشتدت أصابعه على المقود، وبدت ملامحه أقرب لحجرٍ متصلب من القساوة التي ملأته. إحساسه بالذنب يتضاعف مع كل لحظة يراها تتألم فيها، صمته عن حقيقته جعله بشكلٍ غير مباشر متورطًا في إيذاء أكثر من أحب وعشق.
حاول التركيز في القيادة، وإرجاء مشاعر الغضب واللوم إلى أن يطمئن عليها، بضعة دقائق وكان يعبر بسيارته حديقة متسعة، في نهايتها ظهر ثلاثة من المباني. عند البقعة المخصصة للركن، أوقف سيارته، ثم ترجل من مكانه، والتفت فاتحًا الباب المجاور لـ "فيروزة"، انحنى من جديد يمرر ذراعيه خلف ظهرها، وأسفل ركبتيها ليحملها، وصوت الطبيبة يوجهه:
-تعالى من هنا يا أستاذ.
ألقى نظرة خاطفة نحو المبني المتجه إليه، كانت واجهته زجاجية، على ميمنته يوجد مبنى آخر يماثله في الحجم والشكل؛ لكنه أكثر ارتفاعًا، لم يهتم بدراسة محيطه الآن، واتجه إلى البوابة الخاصة بهذا المبنى، انحرف منها نحو ردهة متوسطة المسافة، في نهايتها رأى سلمًا طويلاً، التفتت "ريم" لتخبره بملامح شبه حرجة:
-معلش مافيش أسانسير في الناحية دي.
وكأنه اشتكى لها وزن ما يحمله، لم يكترث للأمر وهتف في وجوم:
-قوليلي بس هنوديها فين.
أشارت بيدها للأعلى وهي تتكلم:
-الدور التاني.
غمغم من بين أسنانه بنفس التعابير المتجهمة:
-إن شاء الله العاشر، المهم نلحقها.
..................................................................
لجأ إلى الصبر كوسيلته المتوفرة حاليًا للتماسك وسط ما يمر به معها من أحداث غير مبشرة، شعر بأن سكينًا يشق قلبه وهو يحاول فقط تخيل ما جابهته بمفردها وهو يستعيد ذكرى اعترافاتها النزقة في عقله، كان كمن حُبست الدماء في عروقه فأصبح شبه عاجز عن الحركة، يجلس متقوقعًا في مكانه، وعيناه تتحركان في توترٍ، لم يتبقَ أمامه سوى الدعاء سرًا بقلبٍ يتمزق ويحترق من الألم:
-نجيها يا رب.
أحبها بالقدر الذي جعله غير قادر على تخيل الحياة بدون وجودها شريكة إلى جواره، تشاطره كل لحظة فيها صغيرة كانت أم كبيرة، رغمًا عنه زحفت دموعه الخائنة إلى حدقتيه، تنفس بعمقٍ ليقضي عليهم؛ لكنها أبت إلا النزول في صمت، مسحهم قبل أن يلحظه المتواجدون من حوله، وحول أنظاره نحو الصغيرة "رقية"، تلك التي افترشت الأريكة الجلدية بجسدها الضئيل ومنامتها الوردية الظريفة لتنام عليها، أشفق على حالها، وأدار رأسه في اتجاه "آمنة" التي أغلقت مصحفها الصغير لتمسك به وهو ينظر إليها، حمحم قائلاً في صوتٍ شبه متحشرج:
-إن شاء الله نطمن عليها.
رأى التردد على قسمات وجهها، وأيضًا في نظراتها الحذرة نحوه، وهي تخبره متلعثمة في صيغة كانت تساؤلية:
-معلم "تميم" .. إنت جاد في اللي قولته ............................... ؟!!!!
..............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثاني عشر 12 - بقلم Manal Salem
مساء الورد عليكم
تكملة فصل امبارح ..
قراءة ممتعة
الفصل المائة وستة وعشرون
الكلمة الشفهية في عرفهم تعني الالتزام، إن نطق بها علنًا أصبحت واجبة النفاذ. رغم ما به من مشاعر مختلطة احتوت على الخوف، الضيق، القلق، والندم، إلا أنه كان بارعًا في إخفاء هذا الصراع، وتطلع بنظراتٍ قوية ناقمة إلى "آمنة" التي كانت على عكسه تظهر ارتعابها، ليس لأنها تخشى من تدهور حالة ابنتها، وإنما لخوفها مما قد تتجرأ الألسن على قوله بهتانًا وبالزور، وهذا ما لم تكن لتقبله به أو تتحمله مطلقًا. طرد الهواء بثقلٍ من رئتيه، وأخبرها مؤكدًا بصوتٍ خشن رخيم:
-أيوه يا حاجة ...
استرخت تعبيراتها لحظيًا قبل أن تتبدل للتوتر بعد أن وبخها بجمودٍ:
-بس ماظنش لا ده المكان، ولا الوقت اللي ينفع نتكلم فيه.
رددت بحرجٍ وهي ترمش بعينيها:
-أنا معاك في كده، أنا قصدي .. إنه مش آ...
قاطعها بلهجته الجامدة الجافة، وتلك النظرة المحذرة تطل من عينيه الحادتين:
-حاجة "آمنة" صحة بنتك دلوقتي أهم، نطمن عليها وإن شاء الله خير.
حاولت أن تجبر شفتيها على الابتسام وهي ترد:
-طول عمرك ابن أصول.
شعر بضربٍ من الاستياء يصيبه من تعليقها السقيم، وقال مصححًا في غلظةٍ ملحوظة:
-أنا مش بعمل معروف فيكي، ولا ده جميل محتاج شكر عليه ...
حملقت فيه بعينين متسعتين، فأكمل بصوتٍ غلفته رنة من الألم:
-أنا لو بتقدم لبنتك لأنها إنسانة مميزة، تستحق تعيش حياة أحسن من اللي كانت فيها.
وقبل أن تفكر في التعقيب عليه، رفع يده المُضمَّدة أمام وجهها يأمرها بلهجةٍ غير قابلة للنقاش:
-ويا ريت نخلي الكلام في ده بعدين.
بلعت ريقًا غير موجودٍ في جوفها، وردت برأسٍ شبه ذليل:
-اللي تشوفه يا معلم.
لم يكن بحاجة لسماع أي تملقٍ كاذب لأمر لطالما رغب بحدوثه؛ لكن ليس بأي طريقة تجعل طاووسه يشعر بالمهانة والانتقاص. ابتعدت أنظاره المزعوجة عنها ليحدق مجددًا في الصغيرة النائمة على الأريكة، لا ذنب لها لتقضي ليلها خارج الفراش، وترى ما لن يجعلها تهنأ بأحلامٍ سعيدة لفترة من الوقت. حادت عيناه المحتقنتين عنها لتنظر إلى الطبيبة القادمة من على بعدٍ، نهض على الفور من مكانه، وانتظر قدومها بتوترٍ غطى كافة وجهه، وقفت "آمنة" هي الأخرى، وتحركت مقتربة من الطبيبة، لتشرع في سؤالها:
-هي بقت عاملة إيه دلوقتي؟
أجابتهما "ريم" وهي تنظر إليهما بتساوٍ:
-لسه مش قادرة أحدد، هي تحت تأثير المهدئات.
دمدم "تميم" بضيقٍ وهو يضع يده أعلى رأسه:
-لا حول ولا قوة إلا بالله.
بينما تساءلت "آمنة" في حيرة لا تخلو من خوفها:
-وهتفضل على الحالة دي كتير؟
مطت شفتيها للحظةٍ قبل أن ترد:
-ده يعتمد على مدى تجاوبها للعلاج، وحاليًا مقدرش أجزم بأي حاجة، وخصوصًا بعد اللي شوفته.
تساءل "تميم" بلهفةٍ، وقد غزاه القلق الشديد:
-يعني رأيك إيه يا دكتورة غير إنها تفضل هنا؟
على ما يبدو لم تفهم مقصده من هذا السؤال، فاتجهت أنظارها إليه لتسأله بتحفزٍ:
-هو حضرتك معترض على وجودها؟
نفى على الفور مبررًا غرضه:
-لأ بالعكس، أنا بأحاول أفكر معاكي إزاي أساعدها.
لانت نظراتها إليه، وقالت بعد تنهيدة سريعة:
-هشوف المناسب .. يا ريت تديني رقم تليفونك.
قال بإيماءة موافقة من رأسه وهو يخرج هاتفه من جيبه:
-تحت أمرك.
تبادل سريعًا معها أرقام الهواتف المحمولة، لتشير "ريم" بعد ذلك بيدها وهي تخاطبهما:
-وجودكم مالوش داعي، تقدروا تتفضلوا.
تحركت "آمنة" خطوة في اتجاه الطبيبة التي بدأت بالسير، وتساءلت:
-بكرة الصبح أنا هاجي وأجيب لها هدوم، في حاجة تانية أوضبها مع حاجتها؟
دعكت "ريم" جبينها بإصبعيها، وأخبرتها:
-لأ، بس أفضل إن حضرتك تجيبي حاجات فيها ألوان فاتحة ومبهجة، مافيش داعي للألوان الغامقة.
قالت دون نقاشٍ:
-ماشي يا دكتورة.
أعاد "تميم" الهاتف إلى جيب بنطاله الأمامي، واتجه إلى الأريكة ليحمل الصغيرة النائمة، بينما سارت "آمنة" من خلفه تتبعه وهي تدعو الله بصوتٍ كان مسموعًا إليه:
-يا رب عديها على خير، واسترها معاها.
هسهس مؤمنًا عليها بخفوت شديد:
-يا رب.
...........................................
ما الذي يمكن إطلاقه على ليلة بائسة كتلك؟ رأى واختبر معها جزءًا من الجانب الآخر المخفي في شخصيتها، هذا الجزء الهش الذي تحاولت تغطيته تحت قناع صلب. كلما تذكر ما مرت به، شعر بالألم يمزق قلبه، بشيءٍ قاسٍ ينخر بداخله ولا يعلم كيف يوقفه، تلمس بيده ضماده الطبي، ورغم الوخزات المتكررة من آن لآخر إلا أنه لم يكترث، شاغله الأكبر كان هي. زحفت العبرات إلى حدقتيه، ولم يقاومها، كان مخنوقًا للحد الذي جعله راغبًا في البكاء، لم ينتبه للطرقات الخفيفة على باب غرفته، لذا حلت عليه الدهشة المصحوبة بالتوتر حين رأى شقيقته تطل برأسها من فُرجة مواربة وهي تسأله:
-إنت صاحي يا "تميم"؟
أولاها ظهره، وحاول مسح ما بلل وجهه بظهر كفه، ثم أخبرها بصوت كان مختلفًا بعض الشيء:
-أيوه يا "هاجر"، عايزة إيه؟
تقدمت نحوه، وسألته باسترابة:
-إنت كويس؟
أجابها بعد شهيق عميق وهو يدعي الابتسام:
-أه يا "أم سلطان"، ناقصك حاجة أجيبهالك؟
انخفضت نظراتها نحو يده، ورأت اللفافة الطبية حوله، فسألته في لهفةٍ قلقة:
-إيه اللي حصل لإيدك؟ إنت بخير؟
حاول تخبئة يده خلف ظهره، وقال وهو مستمر في الحفاظ على ابتسامته المخادعة:
-اطمني، دي حاجة بسيطة، يومين وهتخف.
ربتت على ظهره قائلة:
-سلامتك يا خويا.
نظر إليها في عطفٍ، وتمتم:
-الله يسلمك ..
جلست إلى جواره على طرف الفراش، ولاذت بالصمت لبعض الوقت، مما دفع "تميم" لسؤالها بزفيرٍ أوضح إرهاقه:
-قوليلي عايزة إيه؟
خفضت رأسها، وتحاشت النظر إليه وهي تخبره بتلعثمٍ كبير:
-بصراحة كده، أنا .. جاية اسألك.. عن "سراج".
قطب جبينه متسائلاً بتعابيرٍ ظهرت جادة للغاية:
-ماله؟
لعقت "هاجر" شفتيها، وقالت:
-يعني .. أقصد اللي كان بينكم زمان، والحبس، وآ...
قاطعها في هدوءٍ:
-"هاجر" ده كان نصيب، ماتحطيش ده حجة، المهم إنتي رأيك يكون إيه.
فركت أصابع كفيها معًا، وتابعت بنفس التردد:
-أنا متلخبطة، ومش عارفة أخد قرار ..
تأملها في صمتٍ، فاستجمعت جأشها لتعترف له:
-مخبيش عليك خايفة من اللي جاي، وابني حطاه فوق أي اعتبار.
رفع "تميم" ذراعه، ولفه حول كتفيها، ثم خاطبها بلين الكلام:
-بصي، اسمعيه الأول، وبعد كده قولي رأيك، بس صدقيني "سراج" مش زي ما كان الواحد مفكر زمان، مسيرك تعرفيه كويس.
نظرت إليه بنفس النظرات الحائرة، فطمأنها بقوله:
-وبرضوه بأكد عليكي من تاني، أيًا كان اختيارك إيه، فاحنا معاكي فيه.
ابتسمت وهي ترد:
-ربنا يخليك ليا، إنت أحسن أخ في الدنيا.
نهضت من جواره، وأخبرته وهي تتجه نحو باب الغرفة:
-ويا رب يقدرني وأعملك كل حاجة تسعدك زي ما بتسعدنا.
حانت منه نظرة ممتنة لدعمها المعنوي، وقال:
-يا رب.
انسحبت في هدوء، تاركة إياه بمفرده، فاستلقى على ظهره، والحزن ما زال مخيمًا عليه، غطى "تميم" عينيه بمرفقه، وقد تمكن التعب منه، ليس الجسدي فقط، بل فاقه النفسي في ألمه غير المرئي، دعا الله كثيرًا من أجلها، آملاً أن يصبح الغد أفضل لها قبل أن يكون له.
...........................................
-أهوم يامه جوم.
نطق "سراج" بتلك العبارة بابتسامة عريضة ملأت محياه وهو ينهض من مقعده، ليبدو في مرمى البصر، رفرف قلبه طربًا لحضور حبيبته، وسريعًا هندم من ياقة قميصه، ثم أخفض عينيه ليتأكد من ترتيب باقي ثيابه، فتلك المرة استبدل الجلباب بما يجعله يلاقي استحسانًا من العروس المرتقبة، عاود التحديق في وجه "هاجر" المتورد خجلاً، كم أسعده رؤيتها بعد طول انتظار! رددت والدته الجالسة على يساره بنبرة متمنية لتشتت انتباهه عنها:
-ربنا يجعل في وشك القبول يا ابني.
هتف في شوقٍ يسوده الرجاء وهو يحملق فيها مجددًا:
-يا رب، يا رب.
تقدمت "ونيسة" أولاً، وصاحت مرحبة بلطفٍ:
-السلام عليكم.
أقبل عليها "سراج" وهتف مبتسمًا في سرورٍ كبير:
-وعليكم السلام، إزيك يا حاجة؟ شرفتينا، مجيتك النهاردة على راسي والله.
ردت مجاملة:
-تسلم يا رب.
نهضت والدة "سراج" من مكانها، وامتدت يدها لتصافحها أولاً، قبل أن تنهال عليها بالأحضان والقبلات الحارة وهي تبادلها الترحيب الحميمي:
-يا مراحب بالناس الغالية، عاملة إيه يا حاجة "ونيسة"؟
قالت بتعابيرٍ هادئة:
-بخير والحمدلله.
ظهرت "هاجر" من خلفها وهي تحمل رضيعها، أرادت القدوم به اليوم لتؤكد على أنه يحتل قائمة أولوياتها، مهما كانت عروض الزواج المقدمة لها، تحاشت النظر إلى وجه "سراج"، والتفتت محدقة في وجه والدتها التي استطردت قائلة بودٍ أليف:
-أهلاً بعروستنا الجميلة، هما اللي بيقعدوا في البيت بيحلوا بزيادة.
خجلت من مجاملتها، وردت:
-تسلمي على ذوقك.
أضافت مؤكدة بضحكة مرحة:
-دي الحقيقة، وابني عارف إني مش بجامل.
تلقائيًا أبصرت "سراج" من طرف بصرها، وهمهمت في حياءٍ:
-شكرًا ليكي.
امتد ذراعا "سراج" قاصدًا حمل الرضيع وهو يداعبه:
-يانهاري على العسل ...
أعطته له في ارتباكٍ ملحوظ، واختلست النظرات إليه، فوجدته ينظر لها بغرابةٍ نمت عن مشاعرٍ ما، رفضت التصديق بها في البداية. استمر "سراج" في ملاطفة الصغير قائلاً:
-شوفتي يامه الطعامة.
تعلقت أنظار والدته بالرضيع "سلطان"، وقالت بابتسامة لا تقل عن ابتسامة ابنها حماسًا:
-ماشاءالله، ربنا يباركلك فيه.
أردف "سراج" مضيفًا وهو يشير برأسه لتجلسا:
-اتفضلوا يا جماعة، تحبوا تشربوا إيه؟
عاتبته والدته في لطفٍ:
-بالراحة يا "سراج"، خليهم ياخدوا نفسهم الأول، ماتبقاش كده مستعجل.
اكتفى بالصمت، وجلس في مقابل "هاجر" ليملي عينيه من رؤياها، وأجلس طفلها على حجره، وظل يهدهده في محبة أبوية لم تكن مكتسبة بالمرة. نطقت والدته بعد لحظات من الصمت الحرج:
-عاملة إيه يا "هاجر"؟
التفت ناظرة إليها وهي ترد:
-الحمدلله.
عمَّ الصمت مجددًا إلا من بعض أسئلة روتينية مقتضبة، تولت فيها الوالدتان التعليق لكسر الحرج الملحوظ بين الطرفين، استدارت "أم سراج" برأسها نحو ابنها تطلب منه بمرحٍ:
-بأقولك إيه سبيلنا الكتكوت الحلو ده معانا شوية، وقوم فرج عروستنا الحلوة على منظر البحر، ده حتى هواه يشرح القلب.
وكأنها منحته الإذن بقولها الصريح، لم يعارضها، ونهض من مقعده، ثم أعطاها الرضيع مرددًا بنحنحةٍ خفيفة:
-احم .. حاضر.
أضافت عليها "ونيسة" ضاحكة؛ كأنها تشاركها الرأي:
-واحنا هنطلب المشاريب لحد ما ترجعوا.
نظرت "هاجر" إلى والدتها بترددٍ، فاستحثتها على التحرك، فقامت بتكاسلٍ من مقعدها، ليتبعها "سراج" قائلاً بنوعٍ من التوجيه وهو يشير بيده:
-اتفضلي يا ست البنات.
رمقته بنظرة سريعة من طرف عينها وهي ترد موجزة:
-شكرًا.
تابعتهما الأنظار وهما يغادران المكان نحو الشاطئ الرملي ليحظيا ببعض الخصوصية، فاستطردت "ونيسة" تخاطب مُضيفتها:
-كان نفسي أشوفك من زمان يا حاجة والله، بس الظروف.
ردت بتعابيرٍ بشوشة وهي تلاعب الرضيع بيدها:
-القلوب عند بعضيها، منهم لله اللي كانوا السبب.
أطلقت زفرة مهمومة قبل أن تقول بملامح شبه تعيسة:
-ربنا خلص، وارتاحنا.
لم تخبت ابتسامة "أم سراج" وهي تخبرها:
-شوفي يا حاجة المثل بيقول ما محبة إلا بعد عداوة.
ابتسمت وهي تعلق:
-مظبوط، ربنا ما عاد يرجع الأيام دي تاني.
أضافت مؤكدة عليها بنفس التعابير الهادئة:
-يا رب، وأنا مش محتاجة أمدح في ابني، بس ربنا وحده اللي عالم أنا ربيته إزاي، ولو شاء المولى وبقى في نصيب، مش عايزاكي تقلقي، بنتك هي بنتي، هعاملها بما يرضي الله.
نظرت إليها بمحبةٍ، وعلقت:
-الأصل الطيب حقيقي بيبان.
دعت "أم سراج" بصدقٍ وعيناها تلمعان في سعادة:
-ربنا يديم المعروف بينا، ويجعلها جوازة الهنا عليهم يا رب.
هتفت مبتسمة في رضا:
-يا رب.
الحق يُقال أن "ونيسة" لم تتوقع مثل هذا الترحاب الشديد، دار بخلدها أن تكون مقابلة عادية روتينية، بها بعض التحفظات، والاشتراطات، كما يحدث بالعادة، خاصة مع من تزوجت سابقًا، لا أن تكون على هذا القدر الكبير من التقدير والاحترام؛ وكأن ما مضى فترة تم محوها من الزمن، ليبدأ بهذا اللقاء عهدًا جديدًا يسوده السلام، الألفة، وأيضًا الحب العميق ..................................... !!
......................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثالث عشر 13 - بقلم Manal Salem
في البداية بذكركم إني هاكون متواجدة في معرض الكتاب يوم الجمعة 9 يوليو في صالة 2 جناحنا إبداع، الساعة واحدة ونص ظهرًا بأمر اللهللذهاب للمعرض يرجى الحجز الكترونيًا أولاً عن طريق موقع معرض القاهرة الدولي للكتاب موعدكم مع فصل جديد من رواية قراءة ممتعة مع الأحداث ..ولا تنسوا الدعم
الفصل المائة وسبعة وعشرون
إن أخبرها أحدهم أنها بعد تلك السنوات ستسير على الرمال بصحبة غريب، وبعلم أهلها لم تكن لتصدق هذا مطلقًا، وتدعوه بالمجنون؛ لكن ها هو يحدث الآن، تتهادى في خطواتها مع من تقدم لخطبتها؛ وكأنهما مراهقان عاشقان يقضيان وقتًا مميزًا مع بعضهما البعض. نظرت "هاجر" إلى أي شيء حولها ما عداه، بدت مشوشة الأفكار، مضطربة المشاعر. تنحنح "سراج" في خفوت ليلفت انتباهها إليه بعد أن طال صمتها، وحين يئس من تجاوبها هتف قائلاً وهو يشير بيده:
-البحر رايق النهاردة، حتى مراكب الصيد كتير.
نظرت إلى حيث أشار، وأومأت برأسها قائلة باقتضابٍ:
-أيوه.
تابع متشجعًا بعد سماع صوتها؛ وإن كان محدودًا:
-الواحد من وقت للتاني بيحب يجي يتمشى عليه.
بدت "هاجر" متخبطة للغاية، لا تجد من الكلمات ما يسعفاه للتجاوب معه، ليس لأنها معترضة على تواجدها بقربه؛ وإنما للموقف الحرج برمته، فهي غير معتادة على مثل تلك الأمور، غالبت حيائها، وقالت بإيجازٍ:
-تمام.
لم يفقد الأمل في إزالة الحاجز الرسمي بينهما، واستأنف قائلاً بنوعٍ من الغزل المستتر:
-هو في أحلى من كده، المياه والهواء و .. الوجه الحسن.
ضغطت "هاجر" على أناملها في توترٍ، وحاولت التغاضي عما سمعته لتسأله بتلعثمٍ دون أن تنظر إليه:
-هو أنا ممكن أسألك سؤال؟
بدا مرحبًا للغاية، فقال:
-اتفضلي يا ست البنات، أنا تحت أمرك.
تنفست بعمقٍ، وخاطبته بصوتٍ غلفه الضيق والحرج معًا:
-يعني .. اشمعنى اخترتني أنا؟ كان قدامك أحسن مني وظروفهم غيري، ده طبعًا بعيد عن اللي كان حاصل بينك وبين "تميم" أخويا.
تجاوز ما قالته أولاً، ليوضح لها ببطءٍ، كما لو أنه يؤكد على قوله:
-موضوع أخوكي كان فيلم واتحبك علينا كلنا.
نطقت في تهكمٍ، شاعرة بغصة مريرة تضرب في حلقها:
-من جوزي طبعًا.
رد عليه بتعابيرٍ شبه منزعجة للتطرق إلى سيرته:
-هو مايستهلكيش من الأول.
زفرت زفرة عالية، وغمغمت بحنقٍ:
-ربنا ينتقم منه.
إفساد لحظته معها لم يكن بالأمر المطروح، لهذا قال "سراج" مبتسمًا بغير تصنع:
-سيبك من اللي فات، وخلينا نبص للي جاي من حياتنا.
توجست خيفة من خوض التجربة، وما يتبعها من أقاويل محتملة قد تنغص عليها حياتها معه، خاصة أنه لم يسبق له الزواج، وزيجتها المنقضية ليست حسنة السمعة، فالكل عَلِم بمساوئ "محرز" وجرائره المشينة، أرادت إثنائه عن رأيه، والتفكير بمنطقية وهي تعلق عليه:
-يا معلم "سراج" ليه تربط نفسك بواحدة معاها عيل، وتشيل هم مش همك؟ إنت في غنى عن ده كله، وآ...
قاطعها في تجهم:
-متكمليش لو سمحتي.
التفتت نحوه لتعارضه بعنادٍ؛ لكنه كان الأسبق في التكلم، وهو يرمقها بتلك النظرة العميقة:
-من غير حلفان، أنا عاوز كده، ده غير إني أول مرة أشيل فيها ابنك حسيت إنه حتة مني، كأنه ابني، والمفروض كان يبقى كده.
حتى في ألطف أوقاتها مع زوجها لم تحظَ بمعسول الكلام العذب، فقط يستخدمه وقت الحاجة من أجل إسداء خدمة ما له عن طريق والدها، لم تكن نواياه محبة صافية كما ظلت توهم نفسها، قاومت ما يعتريها من ضيق، وحادت بنظراتها المتوترة عنه، لتنظر إلى الأمواج المتكسرة على الشاطئ بوجوم، سمعت "سراج" يخبرها:
-صحيح مكانش عندي أمل إن ده ممكن يحصل في يوم من الأيام، وبصراحة مكونتش عاوز أتجوز، ولا ليا لي الرغبة، بس سبحان الله، كل شيء نصيب، وليه وقته.
مع تلك الكلمات تذكرت أيضًا ما كانت تبذله من جهدٍ للاستحواذ على مشاعره، وإسعاده بالدلال والغنج رغم ما كان بها من إرهاق نفسي لمعاملته الجافة –وأحيانًا العنيفة- معها، لم تشتكِ يومًا قساوته عندما تستبد به رغباته الذكورية ويطلبها إلى الفراش، بل كانت تمتدح حسن معاشرته لها، رغم عدم حدوث ذلك، قلما كان في وعيه وهو يمنحها نوبة من الحب العاصف، كان في الأغلب راجعًا لتأثير ما يتعاطاه من الحشيش، وبعض أقراص الهلوسة حين يخرج ويجلس مع رفاقه لوقت متأخر. بمرور الوقت، والاعتياد أصبح ما بينهما روتينيًا، لا تحبذ حتى حدوثه، وتتذرع بالحجج والأعذار لتهرب من ندائه. أفاقت من الذكرى التعيسة على كلام "سراج" القائل:
-والناس مصدقت تطلع عليا كلام مش ولابد، بس ولا فرق معايا.
تشجعت لتنظر إليه مرة أخرى في حرجٍ، فابتسم وهو يؤكد عليها:
-يا ست البنات أنا مش عايزك تقلقي، أنا هشيلك فوق راسي، وابنك غلاوته من غلاوتك...
استمرت تحملق فيه بنظراتٍ مترددة عبرت عن خوفها، فاعترف لها عن قصدٍ:
-وإنتي غلاوتك عندي من زمان.
تورد وجهها خجلاً من كلامه، فتابع بجراءةٍ وهو يحتويها بنظراته الهائمة:
-أنا عارف إنه مايصحش أقولك كده، بس عايزك تعرفي إن عيني ماشفتش أحلى منك، ولا كان نفسي أتجوز غيرك.
أحست بتلاحق دقات قلبها من فرط الحرج والارتباك، بدت كمن عاد بها الزمن للوراء لتسمع ما تمنت سماعه في فترة المراهقة، وربما أيام زواجها الأولى، من تلك الملاطفات الجميلة. جف حلقها، ورمشت بعينيها محاولة الابتعاد عن محيط نظراته المتعلقة بها، في حين واصل "سراج" الاسترسال في التعبير عن مشاعره بصدقٍ:
-من أول لحظة شوفتك فيها حسيت إن قلبي اتخطف، وقولت هي دي اللي هاتكون مراتي.
لم تعرف "هاجر" ما الذي أصابها لتبدو بتلك الربكة أمام سيل الأحاسيس الفياضة التي غرقت فيها، كأنما افتقرت لهذا الشعور طوال ما عاشته من حياتها، ركزت نظرها على حركة الأمواج، علها تتماسك في حضوره، مستشعرة ارتفاع نبضات قلبها المتأثر بحديثه، وربما احمرار بشرتها لعذوبته، لن تنكر أنها شعرت بنفسها كأنثى قادرة على جذب الرجال؛ ولدهشتها استلذت بهذا الشعور. أسبل "سراج" عينيه نحوها يرمقها بمحبةٍ وهيام وهو يملي على أذنيها بالمزيد:
-دفنت مشاعري جوايا، وقفلت عليها بعد ما بقى نصيبك مع "محرز"، لأ والـ .... كان عارف إني ناوي أخطبك، وراح لعب لعبته عشان ياخدك ليه، بس شوفي حكمة ربنا، بعد ما اتفرقنا ربنا أراد إنه يجمعنا من تاني.
أغمضت عينيها للحظة شاعرة بالحقد يتكون داخلها، بل ويتصاعد ضد هذا المخادع الذي عرف كيف بحيله المُحكمة أن يوهم الجميع بأنه الزوج الصالح، وكانت هي أول ضحاياه، وبقيت هكذا حتى آخر لحظة، عندما تكشفت كل الحقائق. توقفت "هاجر" عن السير، واستدارت تخبره بوجهٍ شبه متوتر في تعبيراته:
-احنا بعدنا عن الجماعة.
كأنه لم يسمع ما قالته، ونظر لها ملء عينيه متسائلاً في لهفة:
-رأيك إيه؟ موافقة؟
طالعته بنظرة ما زالت مترددة، فأكدت عليها:
-كل طلباتك أوامر، إن شاء تطلبي لبن العصفور، إنتي بس وافقي، وهتشوفي الهنا كله معايا.
شعرت بأن حالها تبدل للأحسن مع ما يمليه عليها من وعود لم يتخللها الزيف، لوهلةٍ عقد عقلها –بديهيًا- مقارنة سريعة بين ما كان يعدها به "محرز" ولم يحرز منه شيئًا، وبين ما تسمعه الآن ويبدو فيه كل العزم، لم ترغب في التعجل، وقالت متهربة من الرد:
-شكل "سلطان" تعبهم، هاروح أشوفه.
اعترض طريقها وهي تستدير ليقول مبتسمًا:
-خدي كل الوقت اللي عايزاه في التفكير، المهم ما ترفضيش.
تمسكه بها أعجبها بشكلٍ ما، أرضى بها غرور الأنثى لسعي الرجل ورائها، وجدت نفسها تمنحه ابتسامة رقيقة وهي تتجاوزه لتمر. مع تلك الإشارة المبطنة منها أحس "سراج" بأن أحلامه على وشك التحقيق، فرددت في حماسٍ:
-يا رب .. هانت.
..................................................
عند إحدى الزوايا بالسوق الشعبي، جلست على صندوقٍ بلاستيكي قديم يخص المشروبات الغازية، وأخذت تفرز ثمار الكوسة بيدها، واحدة تلو الأخرى في المِشَنّة الموضوعة قبالتها، لتنتقي منها الأصغر حجمًا، ثم أشارت نحو مِشَنة أخرى قائلة بصيغة آمرة:
-هاتي كوسة من الصغيرة دي.
ناولتها البائعة بعض الثمار وهي ترد صاغرة:
-ماشي يا حاجة.
أعادت إليها "سعاد" واحدة كبيرة إلى حدٍ ما وهي تقول:
-بلاش دي، مش هتتحشى.
تابعت عملية الفحص الدقيق والانتقاء للثمار حتى ضجرت البائعة مما تفعله، فأخبرتها على مضضٍ:
-يا حاجة ده إنتي فرزتي كل الموجود عندي في الفَرشة.
عاتبتها "سعاد" ضاحكة:
-يا ولية ما كله بتمنه، وهحسبك زيادة حبتين.
ارتضت البائعة بهذا الاتفاق، وتركتها تفعل ما يحلو لها ببضاعتها، انضمت إليهما امرأة ثالثة، أخذت تقلب في ثمار الطماطم بدقةٍ، ثم رفعت عينيها لتتطلع مدهوشة إلى "سعاد" الجالسة بجوار البائعة، أسرعت ناحيتها ترحب بها في ودٍ شديد:
-إزيك يا ست "أم فضل"؟
نظرت "سعاد" إلى من تخاطبها، وقالت وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-"أم الهنا"، إزيك يا بت، عاملة إيه؟
أجابتها بابتسامةٍ عريضة:
-بخير يا حاجة، عاش من شافك، قليل أما بتيجي نواحي السوق.
مصمصمت شفتيها، وقالت:
-الحاج "إسماعيل" الله يديه الصحة بيقضيلي كل طلباتي.
امتدحت صنيعه بترديدها:
-ربنا يبارك في عمره ...
ثم ما لبث أن دنت منها لتسألها في خبثٍ؛ وكأنها تتعمد استفزازها بشكلٍ مستتر:
-ألا صحيح، سمعتي عن دخلة "سها"، أم عيال ابنك "فضل"؟!!
تناقصت المسافة ما بين حاجبيها بشدة، ورددت بتعابيرٍ مصدومة:
-دخلتها؟
أصابت المرأة هدفها، فقالت بتفاخرٍ لتغيظها:
-أيوه على زينة شباب عيلة "عبد المنعم"، ده حتى دايرين في البلد يقولوا إنها على الأسبوع الجاي، والكل معزوم، هايوزعوا دبايح، وإيشي محمر ومشمر.
زمت شفتيها قائلة بتبرمٍ وهي توليها وجهها:
-ربنا يسهلها.
مالت "أم الهنا" عليها، لتهمس لها في أذنها بلؤمٍ:
-بيني وبينك يا حاجة، في كلام تاني بيتقال عن إن لا مؤاخذة سي "فضل"جاب ورا، ومعدتش ينفع بحاجة لما اتضارب مع "رشيد" أيام العركة الأولى.
انتفضت "سعاد" ثائرة، وهتفت مدافعة عن ابنها باستماتةٍ؛ وإن كان ما تنطق به مزينًا بالزيف:
-قطع لسان اللي يقول كده، ابني زي الفل وصاغ سليم، ولولا عياله وحلفانات أبوه عليه مكانتش عدا اللي حصل ده على خير، ده اتاخد غدر يا "أم الهنا"!
حكت المرأة جبينها، وعلقت:
-إيوه صح، ده كانت المضاربة عند داركم.
أضافت "سعاد" بعصبيةٍ وقد تلون وجهها بحمرة منفعلة:
-غير ياختي ما احنا بنفهم في الأصول كويس، واللي يجي عند باب بيتنا حتى لو غلط فينا، جاب الحق علينا، ولازمًا نعامله بالحسنى!!
ردت عليها في تقديرٍ:
-أنا قولت كده برضوه، سي "فضل" لا ممكن يسكت أبدًا عن حد هانه.
حاولت "سعاد" تجنب الحديث مع تلك الفضولية، والتفتت تخاطب البائعة بحدةٍ بائنة في نبرتها:
-اوزني دول، مش هاخد أكتر من كده.
ردت البائعة بوجهٍ فاتر:
-عينيا ليكي يا حاجة.
ادعت "أم الهنا" انشغالها بتفقد ثمار البطاطس، ثم استطردت قائلة من جديد:
-طب وسي "فضل" هيعمل إيه في عياله؟ هتسيبوهم للغريب يربوهم؟
نهضت بثقلٍ وهي تشعر بالألم يضرب ركبتيها، ثم نظرت إليها بنظراتٍ حانقة قبل أن تجيبها:
-احنا مابنرميش عيالنا، "سها" أمهم وهتربيهم كويس، بس هيفضلوا عايشين في خير أبوهم، وإن كان سايبهم فعشان طيبة قلبه.
اقترحت عليها في عبثيةٍ:
-مظبوط، ما تجوزيه يا حاجة، ده لسه شاب، وأكيد عايز واحدة تدلعه وتناغشه، وبالمرة تاخد العيال تربيهمله.
سددت لها نظرة امتلأت بالحنق قبل أن تشيح بوجهها الممتقع عنها وهي تغمغم:
-هيحصل قريب ..
وجهت "سعاد" كلامها للبائع بلهجة لاذعة قليلاً:
-خلصتي الميزان يا ولية؟
أومأت برأسها وهي تناولها الكيس:
-أه يا حاجة.
فتحت "سعاد" حافظة نقودها الموضوعة داخل كيس قماشي صغير تلفه بها، ثم أخرجت منها ثمن ما اشترته، وأعطته لها قائلة بقسماتِ وجهٍ غائمة:
-خدي حسابك.
ربتت بيدها القابضة على الحافظة على كتف المرأة وهي تودعها بنفس اللهجة المزعوجة:
-فوتك بالعافية يا "أم الهنا".
ابتسمت لها وهي ترد في عشمٍ بدا مفتعلاً:
-يعافيكي يا حاجة، وأمانة السلام يوصل لأبا الحاج "إسماعيل".
لم تنظر ناحيتها وردت في جمودٍ:
-إن شاءالله.
تأرجحت الأكياس في يدها وهي تسير بخطواتٍ متعجلة لتبتعد عنها، وعن السوق برمته، ولسانها يردد في استياءٍ حانق:
-هنسلم من كلام الناس ده دلوقتي إزاي؟!!!!
...........................................................
بعد اتصالٍ موجز وغامض معها، وافق على مقابلتها في مكانٍ عام من أجل الاتفاق على بعض القواعد الهامة لترسيخها كمبادئ أولية في علاج "فيروزة"، لم يكن ليتأخر أبدًا عن أي شيء يخصها، لذا كان على الموعد يبحث عن "ريم" بين الجالسين في المقهى الحديث، أشارت له بيدها ليلمحها، فسار ناحية طاولتها، ابتسمت قائلة وهي تشير له بالجلوس:
-في ميعادك مظبوط يا أستاذ "تميم".
جر المقعد للأمام، وسألها بتعابير توزعت ما بين قلقة وجادة:
-أؤمري يا دكتورة، إنتي طلبتي تشوفيني ليه؟ في حاجة حصلت للأبلة تاني؟
ردت نافية بنبرتها الهادئة:
-لأ اطمن، هي حاليًا أحسن شوية بالعلاج المهدئ، بس الزيارة هتفضل ممنوعة عنها لفترة.
زفر مليًا قبل أن يردد وهو يضغط على شفتيه؛ مستحضرًا في ذهنه آخر ما كانت عليه معه من انهيار عصبي مؤلم له قبل أن يكون لها:
-مش هنقول غير الحمدلله، بإذن الله تقوم من اللي هي فيه قريب.
علقت بنفس الأسلوب الهادئ:
-إن شاء الله، بس ده مش هيحصل من غير دعم اللي حواليها.
رد بإيماءة من رأسه:
-أكيد.
أراحت "ريم" مرفقيها على الطاولة، وراحت تحادثه بملامح جادة:
-"فيروزة" عانت تجربة قاسية من كل النواحي، مخلياها في وضع رافض لأي تجاوب.
أضاف عليها "تميم" بسخطٍ صريح:
-وطبعًا الـ (...) "أسر" كان ليه يد في كده؟
تفاجأت من معرفته بهويته، مع ما صاحبه من وصفٍ مهين لشخصه، ولذا انزلقت تسأله في صدمةٍ انعكست آثارها على تعبيرات وجهها:
-إنت تعرفه؟
أخبرها بشفاه مقلوبة:
-حصل بيني وبينه كلام على السريع قريت فيه شخصيه الـ (...).
تحرجت من استخدامه لوصفٍ جارح، وطلبت منه:
-مافيش داعي للإهانة دي يا أستاذ "تميم".
رمقها بنظرة عبرت عن نوايا غير محمودة نحو هذا البغيض، إن كان لا يزال على قيد الحياة، وهو يعقب في حقدٍ متنامي بداخله:
-يا ريتها تيجي على أد كده، ده أنا كان نفسي آ...
بتر عبارته عن عمدٍ لينهيها بتعابيرٍ ناقمة:
-ولا بلاش، هو فلت!
حاولت تجاوز نقطة الاحتدام تلك بقولها الجاد:
-المهم أنا غرضي من كلامي معاك إننا نختار ناس معينة يكون ليها تأثير إيجابي في حياتها.
نظر إليها في اهتمامٍ، فأكملت على مهلٍ، مؤكدة على ما تنطق به:
-وأنا هنا بتكلم عن تأثير قوي، مش مجرد حاجة عابرة والسلام، وخصوصًا إن وجودهم هيحسن من حالتها المعنوية والنفسية.
تعذر عليه استنباط غرضها مما سردته، فقال في صبرٍ بدا نافذًا:
-أنا مش فاهمك يا دكتورة.
أدركت أن المواربة في الحديث معه لن تجدي نفعًا، لهذا لجأت للحديث بوضوح متجاوزة عن حرجها:
-أستاذ "تميم" حضرتك قولت إنك عاوز تتجوز "فيروزة"، بس مايكونش فرض عليها.
هز رأسه قائلاً دون لحظة ترددٍ:
-أيوه.
انتقلت لسؤالها التاني وقد كانت متحفظة بعض الشيء:
-اسمحلي أسألك من غير لف ودوران، إنت بتحبها؟
قبل أن يمحنها الجواب، رجته في لباقةٍ:
-أتمنى يكون ردك عليا واضح وصريح.
قال بعد زفيرٍ سريع:
-أيوه يا دكتورة.
أعادت عليه تساؤلها بنوعٍ من المراوغة:
-أيوه إيه بالظبط؟
كرر سريعًا بتعابيرٍ جعلها غير مقروءة لها:
-أنا بحبها.
حاصرته بسؤالٍ آخر أكثر جراءة:
-هي تعرف بده؟
هز رأسه نافيًا:
-لأ.
ابتسمت وهي تعقب:
-قولت كده برضوه.
سدد لها نظرة منزعجة تعبر عن عدم ارتياحه لتطرقه للحديث معها عن مشاعره المقدسة؛ وكأنه لا يحق لغير طاووسه مشاركته هذا الشعور. تقلصت عضلات وجهه بشكلٍ واضح مع سؤالها التالي:
-طيب هل أسرتك عندها مانع في الارتباط بيها؟
قال بحدةٍ طفيفة رافضًا ما تفعله من تدخل غير مقبول في شؤونه:
-مافيش كلام رسمي يا دكتورة.
ردت بعمليةٍ:
-أنا بتكلم في العموم.
تحامل على نفسه وأخبرها بتعابيره المتجهمة:
-ماظنش في مشكلة، أبويا عارف وموافق، وأمي مرحبة بفكرة إني اتجوز تاني، مش فارق معاها مين ...
نظرت إليه بنظرة غريبة كأنما تدرسه، ليسألها بعدها بنفاذ صبرٍ:
-بس لحد دلوقتي أنا مفهمتش غرضك إيه من الأسئلة دي كلها؟ يعني أكيد إنتي مش جاية تعملي معايا تحقيق.
جاوبته بابتسامة مهذبة رسمتها على ثغرها:
-اهدى يا أستاذ "تميم"، أنا كل غرضي إني عايزة "فيروزة" تتعامل مع ناس بيحبوها من غير ما يتصنعوا ده، ويكونوا بُعاد عن محيط أهلها، لأن من الطبيعي إن الأهل بيحبوا ولادهم، فهيكون في اختلاف في ردة الفعل.
ضاقت نظراته المتشككة نحوها، فتابعت بلطفٍ:
-حابة إنها تحس إنها مهمة عند ناس تانيين، وجودها فارق معاهم، وأكيد كلامهم هيأثر فيها.
لانت تعابيره قليلاً، فواصلت على نفس المنوال بأسلوبها الذكي:
-وخصوصًا إنها اتكلمت معايا عن شخص مجهول بيأثر فيها بشكل معين.
شعر بخفقة عنيفة تقصف قلبه، جمعت ما بين الرهبة والخوف، انعكس تأثير حديثها عليه، فتحفز في جلسته، وسألها بتوجسٍ:
-مين ده؟
أجابته وهي تهز كتفيها:
-ما أنا قولتلك هي محددتش هو مين!
سرعان ما استبد به الخوف المقلق؛ لكنه تبدد إلى حد كبير مع نطقها النزق:
-وتخميني إنه جايز يكون إنت ..
فغر فمه مرددًا:
-أنا؟
حافظت على رقة بسمتها وهي توضح له:
-في حاجات حصلت قصادي أوحيت بده، وأنا مش هاقول إني لماحة وذكية عشان أقدر أخمن؛ لكني بفهم كويس جدًا في شغلي، وبلاحظ اللي بيحصل من حواليا وأجمع أطراف الخيوط ببعضها، ولو ربطته باللي دار بيني وبينها من كلام، فالاحتمالات كلها بتدور حواليك.
شعر بنشوة فرحة تتخلل أوصــاله، بشيءٍ ممتع يطرب آذانه، فإن كانت "فيروزة" قد تحدثت عنه، فإنه حتمًا استحوذ على قدر من تفكيرها، ويا له من محظوظ لينال هذا التقدير الغالي منها! رأت "ريم" ما بدر على ملامحه من سعادة خفية، واتسعت ابتسامتها قائلة:
-أنا دوري هنا أوجه "فيروزة" ناحية الجانب الإيجابي اللي يخدم في علاجها.
زاد الحماس على وجهه، ولمعت عيناه بوميضٍ متحمس، انتصبت بكتفها مُفصحة له عما يدور في ذهنها:
-وبدرجة كبيرة إنت هايكون ليك دور معايا.
بلا لحظة واحدة من التردد، ودون أن يرتد له جفن، نطق بكل ما يجيش في صدره، ويستعمر جوارحه من حبٍ جارف لأي آلام:
-أنا جاهز يا دكتورة لأي حاجة ترجعها أحسن من الأول ................................................. !!!
.....................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الرابع عشر 14 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الورد ..باعتذر في البداية إن الفصل قصير إلى حد ما ..معلش كنت مرهقة ومشغولة في إنجاز بعض الحاجات المهمة، وبدل من التأجيل قولت أكتب لحضراتكم حاجة بسيطة من الفصل ..وإن شاءالله هايبقى في تكملة، لو مش بكرة هاتكون بعده على حسب الظروف ..مش هطول عليكم، بذكركم بتواجدي أيضًا في معرض الكتاب الجمعة 9 يوليو في صالة 2 بجناحنا إبداع على واحدة ونصف ظهرًا بأمر الله ..قراءة ممتعة
الفصل المائة وثمانية وعشرون
أزاحت الستائر البيضاء الحاجبة لضوء الشمس للجانب، لتتمكن من فتح باب البلكون الواسع، وتدلف للداخل وهي تسحب شهيقًا عميقًا ملأت به رئتيها بالهواء المنعش الذي غزاها بترحيب استحبته، مشت حتى بلغت حافة السور الحجري، ومدت ذراعيها على طوله لتستند عليه. كانت "فيروزة" محظوظة لوجدها في تلك الغرفة المطلة على هذا المشهد الخلاب الجامع بين الخضرة النضرة لحديقة الدار، والزرقة المبهجة لمياه البحر. ربما نجح تأثير الطبيعة في منحها قدرًا من السلام النفسي الداخلي، فأصبحت إلى حد كبير هادئة الانفعالات بعد مرور بضعة أيام، وحين انقضى على وجودها ما يقرب من ثلاثة أسابيع كانت متوازنة، متماسكة، وقادرة على الكلام.
التفتت برأسها للخلف لتتطلع إلى القادمة من ورائها وهي تسألها في نبرة مهتمة:
-عاملة إيه النهاردة؟
ابتسمت لها، فتابعت "ريم" بلطفٍ:
-أحسن؟
أومأت برأسها وهي ترد:
-الحمدلله.
طردت دفعة من الهواء ونظرت إلى ثوبها الأبيض الطويل الذي امتدحته "ريم" كذلك:
-اللون ده عليكي حلو، كان عندي حق إني أصمم تغيري الألوان الغامقة.
ردت بتهذيب:
-شكرًا ليكي.
ثم سألتها وهي تشير بيدها نحو باب البلكون:
-هننزل تحت ولا ..؟
قاطعتها حاسمة الأمر دون أن تفتر ابتسامتها:
-لأ خلينا نتكلم في التراس، حتى المنظر من عندك تحفة.
تشكل على ثغرها بسمة لطيفة وهي ترد:
-ده حقيقي.
تحركت الاثنتان معًا لتجلسا على المقاعد المريحة الموضوعة في الركن أسفل تعريشة خشبية لحجب الشمس قليلاً، خاصة حين تكون في ذروة وهجها،
لم تتعجل "فيروزة" الكلام، بل مسحت بنظراتها المتأنية التفاصيل الآسرة لنظراتها، مانحة لنفسها الفرصة للاستمتاع بالمزيد من نقاء الطبيعة، استطردت "ريم" مهمتها تناديها بهدوءٍ بعد مرور لحظات من السكوت الغريب:
-"فيروزة".
خرجت من شرود لا تعرف كيف توصفه؛ لكنه حتمًا يريحها بشكلٍ كبير، وردت باقتضابٍ:
-نعم.
تشجعت لتطلب منها في صيغة تساؤلية بهدوءٍ حذر:
-مجاش الوقت اللي تتكلمي فيه؟
تحفزت "فيروزة" في جلستها، فتابعت موضحة لها؛ كأنما تستحث نزعة المقاومة بداخلها، بنفس الحرص:
-أنا عارفة إنه مش بالساهل نطلع اللي جوانا، بس طول ما إنتي رافضة تتجاوبي معايا، ولا مليون علاج هينفع، هنفضل واقفين عند نقطة البداية، بنلف وندور حواليها؛ لكن مش بنتقدم.
اشتدت قبضتا "فيروزة" المستريحتين على مسندي مقعدها، وظهر التشنج على تعبيرات وجهها، ومع هذا استمرت "ريم" في مخاطبتها بنبرة لم تتبدل، وبوجود ابتسامتها الرقيقة:
-عاوزاكي تطمني، وبأقولك من تاني، اللحظة اللي هتقرري تتكلمي فيها، هي دي اليوم اللي بترمي فيها الماضي ورا ضهرك.
اتسعت بسمتها أكثر حين أكدت عليها:
-وبرضوه مش هضغط عليكي .. هسيبك براحتك، وكله راجع لاختيارك، وأنا معاكي في أي.
ثم توقفت عن الحديث تتأمل تعابيرها الجامدة؛ لكن عيناها نطقت عن حزنٍ عميق وراسخ، بعد ما يزيد عن دقيقتين نطقت "فيروزة" أخيرًا بنبرة غلفها الألم:
-هو أنا وحشة؟
تفاجأت "ريم" من تجاوبها، ولم تظهر تعبيراتها أدنى تغير، بل ارتدت قناع الثبات وهي تسألها بهدوءٍ شديد:
-مين قالك كده؟
اختنق صوتها، وبدأت الدموع في التجمع في مقلتيها وهي تتابع بصعوبة بائنة عليها:
-هو أنا .. ماينفعش أكون سـ... ست؟
مالت "ريم" نحوها، ووضعت يدها على قبضتها لتربت عليها بحنوٍ، ثم أخبرتها بنفس التعابير المبتسمة:
-إنتي جميلة جدًا، وآ..
قاطعتها بنهنهة شاهقة وهي تنفض يدها عنها لتضم ذراعيها إلى صدرها:
-أنا مسخ من جوايا، مشوهة.
لاحظت "ريم" عدم انتظام أنفاسها، وتلاحقها بشكلٍ أقلقها، فنهضت من مكانها تقول في جدية:
-خدي نفسك.
وقفت قباله مقعدها، وأخذت تمسح على جانبي ذراعيها في رفقٍ صعودًا وهبوطًا، بحركة متكررة، لتشعرها بالأمان. استمرت على ذلك تهدئ من روعها لدقيقة أو أكثر قبل أن تدعمها لفظيًا:
-إنتي في كل حالاتك حلوة، شعلة من النشاط، والقوة، والمثابرة.
بكت "فيروزة" في أنينٍ موجوعٍ وهي تعترف لها:
-قتلني بكلامه، قضى على كل حاجة كنت مفكراها حلوة، خلاني شوفت عيوبي الحقيقية.
من وجهة نظرها إفصاحها عما تكبته في أعماق أعماقها كان الخطوة المنشودة، السبيل لإخراجها من بئر الظلام الغارقة فيه، عليها فقط أن تكون حذرة في سحبها إلى النور. تراجعت عنها لتجلس من جديد في مقعدها، وسألتها دون تغير في رنة صوتها:
-وإيه هي عيوبك؟
أطبقت "فيروزة" على عينيها بقوةٍ، مقاومة ألم إحياء الذكرى، وألم معايشة التخيل، ارتفع صوت شهقاتها عندما تابعت:
-مسخ، نص ست، ماينفعش حد يقرب مني.
كانت "ريم" تملك من المعلومات، ولديها من الفطنة والذكاء، ما يخولها لربط أطراف الخيوط معًا، استنبطت أن لانتكاستها الصادمة ارتباطًا وثيقًا بسفرها غير الآمن خارج البلاد، خاصة في فترة زيجتها، تلك التي أخبرها عنها "ماهر" بتفاصيل مسهبة تعتمد على ما جمعه من معلومات أمنية متنوعة المصادر؛ لكنها كانت منقوصة لديها، اكتمل جزء كبير من الأحجية الناقصة، وأصبحت ترى بوضوح ما قد بدا محجوبًا عنها منذ بدء خطة العلاج الطويلة مع مريضتها. علمت أنها مجازفة غير محمودة العواقب، ومع هذا سألتها بنزقٍ، كمن يضغط على بثرة للتخلص من صديدها حتى تلتئم:
-ده كلام "آسر" ليكي؟
علا الشهيق الباكي، وزادت الانتفاضات، فطلبت منها بصوتٍ جاد:
-اهدي .. خلاص.
لكنها لم تستجب لها، مما دفعها للنهوض مجددًا، والمسح على جانب ذراعها بنفس الحنو وهي تردد في أذنها بصوتٍ قوي ثابت باعث على الأمان:
-"فيروزة"، متخافيش، اللي قالك كده مش موجود معانا، مش هيعملك حاجة، وكلامه ده كله مالوش قيمة.
رفضت الإصغاء لها، وهتفت في حرقةٍ موجوعة:
-دي الحقيقة أنا وحشة من جوايا، أنا آ....
صاحت بها "ريم" في صوتٍ بدا مرتفعًا نسبيًا:
-ماتخليش كلام إنسان مريض زي ده يحطمك.
فتحت عينيها لتنظر إليها من بين دموعها، وكررت باختناقٍ عبر عن مدى الألم المستبد بها:
-أنا مشوهة يا دكتورة، مشوهة، ومن زمان أوي ...
تلك المرة لم تقاطعها، تركتها تستفيض في إخراج ما يؤذيها، فباحت لها:
-من وقت الحريقة، اتحرقت من برا، وبعد كلامه بقيت من جوا كمان.
استرعى انتباهها الغموض المغلف لحديثها، فقالت بهدوءٍ، وفضولها يزداد بداخلها لمعرفة تفاصيل بزوغ المشكلة:
-طيب ممكن تحكيلي ظروف الحريقة دي.
لا مهرب الآن من تعرية نفسها المهشمة، وروحها الممزقة، لطالما أرادت فعل هذا، التخلص من العبء الثقيل على كتفيها، علَّها تنشد بذلك راحتها الضائعة، بدأت في سرد ما خاضته من معاناة لازمتها منذ اللحظة التي اختبرت فيها موت أحدهم حرقًا نصب عينيها، بكل ما اعتراها من ألم وأذى، جسدت هذا بحركات جسدها المرتعشة، بلمساتها المرتجفة لبقعة من كتفها، كأن الألم اختزل في هذا الجزء، تلك المرة تركتها دون مقاطعة، لم تسألها، ولم تستحثها على الهدوء، تركتها تفرغ مكنونات صدرها حتى سكنت وسكتت. حينئذ جاء دورها المهني لتعالج تلك الشروخ العميقة، وترأب الصدع في روحها المنهزمة. تكلمت "ريم" بصوتٍ لا يحمل الشفقة؛ وإنما أظهر الاعتزاز:
-"فيروزة" هو قال كده عشان يهز ثقتك في نفسك، إنتي لو اتأذيتي زمان، والأثر فضل معاكي، فده لأنك عملتي حاجة بطولية، حاجة تخليكي تفخري بنفسك ...
من وسط أنهار دموعها تطلعت إليها في قهرٍ عاجز، فأكملت "ريم" على نفس الشاكلة:
-طبيعي طفلة في السن ده تكون مرعوبة، خايفة، مش عارفة تتصرف، بس إنتي كنتي شجاعة، تصرفك أكبر من سنك، ضحيتي بنفسك عشان تنقذي غيرك، ده الأهم هنا.
للغرابة لاحظت خبوت شهقات بكائها، فواصلت القول وهي تشير بيدها إلى كتفها الذي كانت تضغط عليه بيدها:
-الأثر موجود عشان يفكرك أد إيه إنتي قوية، شجاعة، مختلفة.
ارتخت أصابعها المتشنجة عن كتفها، وبدأ ذراعها في الهبوط حتى استقر في حجرها، بينما استأنفت "ريم" حوارها معها:
-وياما ناس كانت حلوة ومزوءة من برا، ولما سقط القناع عنهم طلعوا أسوأ ما يكون.
لاذت "فيروزة" بالصمت، إلا من صوت بكائها، فبكل تهكمٍ ناقم أعلنتها "ريم" لها:
-ده وصف "آسر"، شياكة، لباقة، مظهر مخادع، أما على الحقيقة ففيه كل الموبقات.
رأت تبدل ملامحها للدهشة والاستغراب، فأوضحت لها بابتسامة ما زالت ساخرة:
-ماتستغربيش إني بقولك كده، أنا عارفة كل حاجة عنه من "ماهر"، ولأنه مهتم جدًا بيكي، مابخلش عني بأي معلومة تساعدك تتجاوزي أزمتك.
ارتفع حاجبا "فيروزة" للأعلى في صدمةٍ؛ لكن "ريم" تجاوزت تلك النقطة لتمتدح شجاعتها في تفاخرٍ شديد:
-النهاردة بس أقدر أقول إنك البطلة الحقيقية.
ثم نهضت من مكانها، وقالت بوجهٍ بدا أكثر إشراقًا عما مضى:
-كفاية كلام، وتعالي معايا.
هزت "فيروزة" رأسها بالرفض وهي ترد:
-مش عاوزة.
أمسكت بكف يدها، وحاولت إجبارها على النهوض وهي تخبرها:
-لأ، ده احنا عاملين يوم رياضي على البحر، خلينا نطلع الطاقة السلبية من جواكي.
ما زالت باقية على عنادها؛ لكنها ألحت بما يشبه النصيحة:
-يالا يا "فيروزة"، صدقيني ده هيفرق معاكي، إنتي هتحسي بده.
طاقتها للمقاومة والاحتجاج نفذت مع آخر اعترافاتها الخطيرة، لهذا بضغطٍ لطيف استطاعت إقناعها، فنهضت مستسلمة للطاقة الأخرى التي تحاول إحلالها بداخلها كبديلٍ للانكسار والألم.
.................................................................
في جنح الليل، حين خفت حركة الأرجل بهذا الطريق المؤدي للمقابر، كان يسير متسللاً وهو يتلفت حوله؛ كأن هناك من يتربص به في الظلام، الاهتزازة المزعجة في هاتفه الموضوع بجيب بنطاله جعلته يبطئ السير، وينزوي خلف أحد الأشجار ليجيب على هذا الاتصال المنفر، بمجرد أن نطق بالتحية، جاءه صوت "فضل" المقيت يهزأ به:
-إيه يا عم الشيخ، كل ده عشان تخلص العمل؟ هما الأسياد غضبانين عليك ولا إيه؟
خرج صوته كهسيس الأفعى وهو يخبره:
-مش كنت مستني أما حد يموت ويدفن وتبقى تربته مفتوحة طازة.
سأله بسخريةٍ واضحة في نبرته:
-ها ولاقيت؟
بعد زفيرٍ مسموعٍ له أجابه:
-أيوه، مجمع كام عمل ورايح أدفنهم فيه.
علق في تهكمٍ سافر:
-كمان، يعني مش رايح مخصوص عشاني، أومال قابض مني شيء وشويات ليه؟!!
كاد الرجل أن يخرج عن شعوره، فارتفعت حدة الغضب في صوته وهو ينذره:
-"فضل"، احنا فيها، نفكنا من العمل ده وآ...
قاطعه متراجعًا:
-لأ خلاص، هي جت على دي ..
شتمه الرجل بصوتٍ خفيض للغاية، و"فضل" ما زال يكلمه:
-كمل يا شيخ، وطمني لما تدفنه.
بصبرٍ نافذ قال:
-طيب.
ثم ضغط على زر إنهاء المكالمة ليتابع سيره الحثيث وسط المزروعات حتى بلغ وجهته، مقابر البلدة. من جديد نظر حوله بنظراتٍ سريعة متوترة، قبل أن يتعجل في خطواته متجهًا نحو وجهةٍ بعينها، رأى أحدهم في انتظاره يلوح له بيده من مسافة بعيدة، وبالذراع الآخر يرفع مصباحًا لينير به الظلمة المنتشرة في المكان، أقبل عليه وهو يومئ برأسه. ما إن بات على بُعد بضعة خطواتٍ منه، حتى شعر بثقلٍ يجثم على كتفه؛ كأن أحدهم قد ضربه بعنفٍ عليه، تأوه في ألمٍ يخالطه الفزع الشديد، والتفت برأسه لينظر في هلعٍ إلى من تسبب في هذا، معتقدًا أن أشباحه لها كامل الدور في إرعابه، انتفض مرة أخرى مع الصوت الجهوري القائل:
-وقعت يا حلو.
بدأ وعيه في استيعاب ما يحدث، واختطف نظرات شاملة على من ظهروا أمامه، تساءل سريعًا وهو يحاول تبين ملامحهم القاسية:
-إنتو مين؟
ابتسم صاحب الصوت الأجش، وأخبره وهو يزيد من قبضته على كتفه:
-احنا الحكومة يا سيدي، وجايين نوجب معاك إنت والأسياد.
جف حلقه كليًا، وابتلع ريقه قائلاً بكذب:
-يا باشا أنا معملتش حاجة، جاي أقرى الفاتحة على روح حد قريبي.
رفع الضابط حاجبه للأعلى هاتفًا في استهجان متهكم:
-السعادي؟
رد عليه بتوترٍ:
-هو في مانع؟
أكد عليه بلمحةٍ من السخرية:
-أه طبعًا، وخصوصًا لما يكون معاك البلاوي دي.
ألقى بالكيس الصغير من يده، وتلعثم مدعيًا:
-دول مش .. آ...
دفعه الضابط بغلظةٍ قاسية من كتفه، ليرتد تلقائيًا للأمام وهو يخبره:
-بقولك إيه، احنا هنزعج الأموات؟ لينا قسم نتكلم فيه!
وقبل أن يبادر بالاعتراض أتاه صوت الضابط آمرًا:
-خدوه على البوكس.
حذره الرجل بصوتٍ مرتعش وهو يقاوم الاعتقال من القبضة الأمنية:
-اللي عملتوه ده مش هيعدي على خير.
أشــار الضابط بيده لأفراد قوته بالتحرك وهو ما زال يخبره بسخريةٍ هازئة منه:
-وماله، خلي عفاريتك توكلك محامي من عندهم عشان يطلعوك.
دمدم الرجل في غيظٍ وهو يسير مكبلاً بالأصفاد، ومنكس الرأس:
-منك لله يا "فضل"، عملك فقر زيك .............................. !!!
..............................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الخامس عشر 15 - بقلم Manal Salem
بفضل الله وتوفيقه صدر الإعلان الرسمي لروايتي الورقية الجديدة كليًا (أنى لكِ هذا)
هاتكون متاحة في معرض القاهرة الدولي للكتاب والمقام في الفترة من 30 يونيو وحتى 15 يوليو بمركز مصر للمؤتمرات والمعارض الدولية بالتجمع الخامس ..
الرواية متوفرة في جناحنا #إبداع بصالة 2 رقم C37
وكذلك في صالة 1 في جناح رقم A12
في انتظار دعم حضراتكم
من أجواء العمل:
نَطق اللسانُ بعباراتِ الهَوَى،علَّ الفُؤاد يَسقط في جحيمِ الغَوَى؛لَكنه اكتفَى، بما ذاقَ وارتَوَى،من ألمٍ، وعشق، ووجدٍ، وجوى.وعِند اللقاءِ، خَاصم الوجدان وانكوى،ببقايا حبٍ جريح، ووعدٍ قد انقضَى.
كل الشكر لدعم حضراتكم وتفاعلكم الطيب ..
هتلاقوا تكملة بسيطة للرواية بعد ده على طول، واعذروني إن كان قصير شوية
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل السادس عشر 16 - بقلم Manal Salem
مساءكم ورد ..
روايتي الورقية الجديدة أنى لكِ هذا هاتكون متاحة خلال أيام معرض القاهرة الدولي للكتاب ..
موعدكم مع تكملة لطيفة للأحداث
واعذروني لو كانت قصيرة شوية ..
الفصل المائة وتسعة وعشرون
بجسدٍ بدا متحفزًا للغاية، ونظراتٍ تعبر عن قلقٍ بالغ، جلس "سراج" في حضور "بدير" عند دكانه بمفردهما، بعد أن طلب منه القدوم لإطلاعه على أمر هام، لم يقم الأخير بتفسير ما يريد البوح به في المكالمة، وفضل الحديث معه وجهًا لوجه. لم يرتشف "سراج" أي رشفة من كوب شايه، وتساءل بتعابيره المتوترة، وساقه اليسرى تهتز في عصبيةٍ من أسفل جلبابه
-خير يا حاج "بدير"؟
استند مُضيفه بكفيه على رأس عكازه، ونظر في عينيه قائلاً باستهلالٍ غامض:
-شوف يا "سراج" يا ابني، اللي عايز أقولهولك ده بعيد عن أي مواضيع اتكلمنا فيها سابق.
ضاعفت كلماته الشكوك بداخله، وتوقع حدوث ما قد ينغص عليه يومه، ازدرد ريقه، وأنصت إليه وهو يتابع:
-إنت ابن حلال وجدع، ومهما مرينا بتجارب، لازمًا تيجي حاجات نتعلم منها، هو الإنسان مخلوق عشان كده، يغلط ويتعلم، ويفيد غيره.
علق بتوترٍ متزايد:
-معاك حق.
أضاف "بدير" بابتسامةٍ منمقة:
-إنت إنسان معدنك طيب، وأصيل.
ربت "سراج" على صدره كتعبيرٍ عن امتنانه، بينما أكمل "بدير" بنفس النبرة الرزينة:
-والظروف خليتنا نشوفك من حتة تانية خالص غير اللي كانت متصورالنا.
أتاه تعقيبه مناسبًا:
-ما محبة إلا بعد عداوة يا حاج، وربنا يديم الحب بينا.
أومأ برأسه مرددًا:
-مظبوط، بس الأهم من كلامي ده كله، احنا مش عايزين النفوس تبقى شايلة من بعض.
أكد عليه عن ثقة تامة:
-لا يا حاج متقولش كده، أنا برضوه كنت زيي زيكم، والحمدلله إن الغُمة انزاحت.
همهم في اقتضابٍ:
-ربنا كريم ...
انتظر لهنيهة مراقبًا ردات فعل "سراج" لينطق بعدها مبتسمًا في حبور:
-المهم يا ابني، تقدر تشرفنا في أي وقت يناسبك البيت، احنا منتظرينك.
وكأنه لم يستوعب ما قاله بعد، هبطت عليه صدمة الأنباء السعيدة لتشل تفكيره لحظيًا، بعد بضعة ثوانٍ هتف متسائلاً في غير تصديق:
-بجد؟ هي .. ست البنات .. وافقت؟
نظر له "بدير" بحاجبٍ مرفوعٍ للأعلى، وأردف مازحًا:
-أومال يعني هاجي اتفق معاك كده من نفسي؟
اعتذر في تلبكٍ:
-سامحني يا حاج، مقصدش.
حافظ "بدير" على صفاء ابتسامته، وأكمل:
-الحاجة أمها بلغتني، وأنا بعرفك.
هلل في سعادة كبيرة لا يمكن للرائي إنكارها:
-يا فرج الله، أنا مش عارف أقول إيه .. أجيب شربات للحتة كلها.
رد عليه حماه المستقبلي:
-في الليلة الكبيرة هنعمل الحلو كله.
اعترض عليه في جديةٍ يشوبها كل التهذيب:
-لأ يا حاج، لو مافيهاش إساءة أدب ليك، أنا متكلف بكل حاجة.
أخبره ببساطةٍ وقد فترت ابتسامته قليلاً:
-الأمور دي هنتفق فيها بعدين.
علق عليه بإصرارٍ أشد:
-معلش يا حاج، إنتو على عيني وراسي، أنا مش عايز من ست البنات إلا شنطة هدومها وبس، وكافة شيء هي هتختاره بمعرفتها وعلى ذوقها، اللي تشاور عليه هيجي إن شاءالله يكون إيه.
بوجهٍ مسترخي في التعبيرات خاطبه:
-ربنا يزيدك من فضله، ظبط مع الحاجة والدتك، واحنا مستنينك.
قفز واقفًا من مقعده ليرد بابتهاجٍ مضاعف:
-ده أنا رايحلها مخصوص أقولها، ما هو كلام التليفونات ده ماينفعش.
ضحك على تلهفه المتحمس، وقال:
-وماله.
استأذن بالانصراف مرددًا:
-تسلم يا حاج على ذوقك، عن إذنك بقى.
أشــار له بيده مودعًا إياه، ولسانه يتمتم في رضا:
-صبرتي ونولتي يا "هاجر"، ربنا يعوضك خير.
.........................................................
لم يكن مولعًا بمواقع التواصل الاجتماعي، ولا من هواة متابعة أخبار الآخرين على شبكة الإنترنت؛ لكنه وجد نفسه ينشئ حسابًا على موقع الفيس بوك، لينضم لمن سبقوه بالاشتراك عليه، ليس لأجل غرضٍ ما سوى رؤيتها، فكانت أول الاقتراحات المُقدمة له؛ وكأن الذكاء الاصطناعي قد أدرك مدى حبه العميق لها، فيسر له السبيل إلى ما يخصها. انتفض حين قرأ اسمها، ورأى صورتها التي بدت وكأنها تضحك له. أحس بدوي قصف غير قابل للسيطرة انتشر في قلبه، فأصبح عاجزًا عن العودة إلى حالة السكون التي كان عليها منذ دقائق.
اعتدل في رقدته على الفراش، وأخذ يتفقد محتويات ما أظهرته في حسابها الشخصي، لم يجد الكثير، بعض المنشورات البسيطة، وبتواريخ قديمة، ومع هذا بدا متحمسًا لمتابعة ما كتبته، كان في أوج استمتاعه وهو يتأمل صورة نشرتها مع توأمتها في سن الطفولة، ووالدهما الراحل في المنتصف مبتسمًا، يحمل كل واحدة على ذراعٍ، وجد نفسه يدعو له:
-ربنا يرحمك يا عم "علي"، ويرحم موتانا جميعًا.
مضى عليه جزءًا كبيرًا من الليل وهو يدور بداخل حسابها مرارًا وتكرارًا، عاجز عن استدعاء النوم بسبب نوبة الحماس الجديدة التي تفشت في وجدانه، تنهد عميقًا وأغمض عينيه مناجيًا:
-يا رب قرب البعيد، وصبرني على اللي فاضل.
كان آخر ما أبصرته عيناه صورتها الضاحكة قبل أن يزحف النوم إلى جفنيه، فلازمه طيفها في منامٍ لم يذكر منه شيئًا سوى أنها كانت معه.
...........................................................
تنقلت عيناها ما بين صفحات المجلة المليئة بأفكارٍ قد تعزز من الحس الفني لديها، فأخذت تقرأ بتركيز النصائح المقدمة من أصحاب تلك الأفكار علها تستفيد في نهاية المطاف، وساعدها على ذلك مساحة الهدوء المدعمة بالمناظر الخلابة التي يطل عليها بلكون غرفتها الواسع، توقفت عما تفعل لتنظر إلى الجانب حين ناداتها "ريم":
-فاضية شوية يا "فيروزة"؟
أغلقت المجلة، ووضعتها على حجرها قبل أن ترد بملامح جادة:
-أيوه.
تقدمت ناحيتها قائلة بابتسامتها اللطيفة:
-في ناس جايين مخصوص عشانك.
عقدت حاجبيها متسائلة في استغرابٍ:
-مين؟ دي ماما كانت عندي الصبح ومعاها "همسة" وخالي و"رقية"، هما رجعوا تاني؟
أجابتها بنفس الوجه المبتسم:
-لأ، دول مجموعة تانية بتحبك أوي.
كررت سؤالها بعلامات حائرة تكسو كامل قسماتها:
-مين؟
اتسعت ابتسامتها الليطفة وهي تخبرها بنظراتٍ احتوت على مكرٍ غير ضار:
-هتعرفيهم أول ما تشوفيهم .. جاهزة أناديهم؟
هزت كتفيها قائلة، وهي تحكم ربط طرفي حجاب رأسها الأبيض حول وجهها:
-أوكي.
تأهبت في جلستها، وثبتت أنظارها على مدخل البلكون تنتظر بنوعٍ من التحفز الضيوف الغامضين، وفي ذهنها يدور تخمينًا أقرب للصح بأن القادم رفيقتها "علا" مع شقيقها، خابت توقعاتها مع رؤية "بدير" يلج للبلكون الشاسع بعكازه، نهضت واقفة لتردد في ذهول لا يخلو من الفرحة:
-حاج "بدير"، مش معقول.
دنا منها متسائلاً باهتمامٍ وحنو:
-إزيك يا بنتي؟
ردت على الفور وهي تبتسم لرؤيته:
-الحمدلله تمام.
لم تكن قد أفاقت بعد من صدمتها الفرحة لتجد "سلطان" قادمًا من الخلف يمشي على مهلٍ ويهتف بصوته الأجش:
-هو مش جاي لوحده، جدك "سلطان" معاه.
تضاعفت فرحتها كثيرًا، وتقدمت ناحيته تخاطبها بتعابير مبتهجة:
-إزي حضرتك؟ عامل إيه؟ أنا مش مصدقة والله.
أجابها بعد تنهيدة مرهقة:
-الحمدلله، طمنينا عليكي إنتي.
خاطبته بصوتٍ ما زال مسرورًا:
-أنا بقيت أحسن.
ربت على كتفها، وقال:
-دايمًا يا رب ...
ثم جال ببصره على مزيج المناظر الطبيعية الآسرة للأنظار، وتابع في إعجابٍ:
-هي الأعدة هنا فعلاً ترد الروح.
أشارت لهما بالجلوس وهي تسرع نحو الأرائك التي يفترش بها المكان:
-اتفضلوا ارتاحوا.
قبل أن يجلس "سلطان" خاطبها بصوتٍ تحول للجدية:
-في واحد جاي مخصوص يقولك كلمتين.
تعقدت تعابيرها متسائلة:
-مين ده؟
خفقة مباغتة أصابت قلبها عندما رأته يطل عليها بابتسامة غريبة أشعرتها أن سعادته لرؤيتها تفوق ما قد رأته هي في مجمل حياتها، رمشت بعينيها في ارتباكٍ حرج، شعرت "فيروزة" بانبعاث حرارة طفيفة من وجنتيها، واستنكرت الاضطراب الذي يعتريها عند رؤيته بعد أن باحت بكل شيء، شتت أنظارها عن "تميم" لتجد زوج توأمتها واقفًا إلى جواره، رمقته بنظرة مزعوجة، وهي تقاوم ذكرى آخر لقاء جمع بينهما، ظهر الامتعاض على محياها، وتنحت للجانب وهي تزفر ببطء. صاح الجد مناديًا:
-تعالى يا "هيثم".
حمحم "تميم" بضيقٍ ملحوظ وهو يدفعه من ظهره للأمام:
-اتفضل.
أمسك التردد بخطوات ابن خالته وهو يغمغم في صوتٍ خفيض:
-ما بلاش ..
دفعه "تميم" بخشونة أكبر وهو يحدجه بتلك النظرة الصارمة قبل أن يقول:
-يالا خلينا نخلص.
سحب شهيقًا عميقًا طرده على الفور، وواصل التقدم للأمام حتى بلغ مقعدها الذي استقرت جالسة عليه، ظل واقفًا، ووزع نظراته المترددة على زوج خالته، والجد "سلطان"، ومن قبلهما "تميم"، تنحنح بصوتٍ خافت قبل أن يخاطبها باقتضابٍ:
-إزيك؟
أدارت وجهها للناحية الأخرى، وقالت بوجوم:
-الحمدلله.
تابع بما بدا وكأنه سخافة غير مستحبة:
-مبنكرش إني كنت بتضايق لما بشوف نظراتك ليا، عشان اتجوزت أختك، بس آ..
توقف عن الكلام للحظاتٍ ليفرك وجهه نازحًا أي تردد مسيطر عليه، ثم تابع:
-بس ده مايدنيش الحق إني أعمل اللي عملته المرة اللي فاتت.
حانت منها التفاتة سريعة لترد في اقتضابٍ:
-حصل خير.
بلع ريقه، وأكمل:
-حقك عليا، أنا .. أسف.
كانت "فيروزة" على وشك الرد عليه، لكنه رفع يده أمام وجهها ليمنعها عن الكلام، واستأنف موضحًا سبب اعتذاره التالي، بما عكس الصدمة على ملامحها:
-مش على المرة اللي فاتت، أنا بتأسف عن اللي عملته زمان، وإنتي .. متكلمتيش عنه ...
انقبض قلبها بشدة، وبدأت ملامحها في الشحوب، حاولت إيقافه قبل أن يكشف السر قائلة بلعثمة سادت نبرتها:
-مافيش داعي.
لم يكن "هيثم" جيدًا في قراءة تعبيرات وجهها، ولم يملك من الفراسة ما يخوله لفهم بواطن الأمور من مجرد إيماءة أو نظرة مستترة، لهذا استمر ناطقًا بما أزاح الستار عن الماضي المدفون:
-يوم حريقة دكان أبويا الله يرحمه ................................. !!
.................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل السابع عشر 17 - بقلم Manal Salem
بعتذر عن التأخير يا غاليين ..
من بكرة بأمر الله الافتتاح الرسمي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وطبعًا روايتي الجديدة () هاتكون متوفرة هناك في جناحنا بصالة 2 ..مش هطول عليكم .. هاسيبكم مع الفصل الجديد
الفصل المائة وثلاثون
بحركةٍ رتيبة متكررة ظل يمرر يده أعلى رأسه الذي حلقه مؤخرًا ليفركها كأنما قد استغرق في التفكير في أمرٍ ما، خاصة بعد أن نما إلى مسامعه إلقاء القبض على المشعوذ الذي لجأ إليه على أمل فعل شيء خارق لإيذاء "فيروزة". آنذاك تخلص من شريحة الهاتف غير المسجلة وألقى بها في المصرف ليقطع أي صلة قد تدينه، وبفرض أن انتشرت بعض الشائعات والأقاويل سينكرها تمامًا كعهده مع الكذب.
لم يسلم "فضل" من التفكير في هذا الموضوع حتى استحوذ على عقله ذكرى رؤيته لطليقته السابقة وهي تزف إلى غيره في حفل زفــاف لم تشهده بلدتهم من قبل، وكأنها تُزوج للمرة الأولى، فـ "رشيد" لم يدخر وسعه في دعوة كل المعارف والأقارب والأصدقاء للحضور، وأنفق بسخاء على هذا الحفل.
وقتها أراد أن يفتعل فضيحة مُحرجة للجميع، أن يفسد على المدعوين فرحتهم الواضحة، خاصة "سها"، فيصيبها الكدر، وتصبح نذير شؤم لزوجها السمج –كما ينعته، لهذا دون إعادة تفكير اقتحم السرادق المقام فيه العُرس، وصاح مهللاً:
-فين عيالي؟ أنا مش هاسيبهم لغريب يربيهم.
وكأنها رأت شبحًا للتو، تصلبت "سها" في مكانها تتطالع بعينين مذعورتين وجه "فضل" الحانق، ورددت في توترٍ وهي تهم بالنهوض:
-إنت جاي آ..
أمسك "رشيد" بيدها ليجبرها على الجلوس، وقاطعها في صوتٍ خفيض مسموعٍ لها؛ لكنه في نفس الوقت صارم:
-استني!
هتف فيه أحد المدعوين ينهره عن تصرفه الفظ:
-عيب اللي بتعمله يا "فضل"، مايصحش كده.
زأر عاليًا بصوته المزعج وهو يلوح بذراعه:
-محدش يقولي عيب، أنا عاوز عيالي، أنا مش نطع عشان أسيبهم لواحد زي ده!
هنا نهض "رشيد" من مقعده يهدده بوجهٍ غائم التعبيرات، وصوت جهوري مرعب:
-غلط هنا ماسمحلكش، وإلا هبهدلك قصاد أهل البلد كلهم، مش هاخليك تعرف ترفع عينك في أصغر عيل هنا!
أحس "فضل" بالحرج من تذكيره علنًا بواقعة إهانته، وهدر في غيظٍ وقد برزت عروق وجهه المحتقنة:
-إنت بتقول إيه؟
توسلت "سها" لزوجها ترجوه:
-عشان خاطري يا "رشيد".. مش عايزين فضايح.
التفت ناظرًا إليها ليخاطبها بلهجة قوية:
-الفضايح ليه هو ...
ثم استدار ناحيته ليكمل كلامه بنبرة متهكمة:
-ولا نسى العلقة اللي كانت قصاد داره.
همهمات جانبية ارتفعت في الأرجاء، أعقبها صياح "فضل" المتذمر، وهو يشير بسبابته نحوه، كنوعٍ من حفظ ماء الوجه أمام هذا الملأ:
-إنت خدتني غدر.
تحفز "رشيد" في وقفته، وابتسم من زاوية فمه قائلاً:
-أنا فيها، هعدمك العافية قدام الكل، وأرجع أقعد جمب مراتي، ولا كأن حاجة حصلت.
تلون وجهه بحمرة متوترة، واشتاطت نظراته على الأخير، كان يعلم جيدًا أنه إذا تورط معه في شجار –ولو بالأيدي- لهُزم شر هزيمة، وأريق ماء وجهه وأصبح علكة في ألسن الجميع. ظهر الاضطراب على محياه، وأصبح كالتائه للحظاتٍ، لولا أن جاءته نجدة من السماء حين تدخل أحد أهالي البلدة يسأله في عقلانية:
-هو حد منعك عنهم يا "فضل"؟
ادعى انشغاله بالنظر إليه، وحول أنظاره نحو آخر يخاطبه:
-خدهم يا "فضل" وامشي، دول لحمك.
أصعب ما اختبرته الآن هو ابتعاد صغارها عنها، فغمغمت "سها" ترجوه في ألمٍ:
-"رشيد"، عيالي.
إن كان الأمر بيده لمنعه من أخذهم؛ لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أن خطة هذا الدنيء الظهور بمظهر الشهامة والرجولة أمام الجميع لاكتساب بضعة نقاط يحسن بها من موقفه المتخاذل، لهذا مال "رشيد" على زوجته وأخبرها بهدوءٍ:
-اصبري، هاجيبهملك بالعقل.
ولأنها تثق في قراراته التزمت الصمت، وهزت رأسها بالإيجاب، لتشير بعدها لصغارها بالتحرك. صعد "فضل" على المسرح الخشبي ليختطف أولاده وهو يدعي محبة أبوية زائدة عن الحد:
-تعالوا يا عيال، تعالوا يا حبايبي.
قالت واحدة من الصغار ببراءة:
-عاوزة ماما.
وكأنها رمته بالشرر فصراخ بها وهو يدفعها:
-بس يا بت، ويالا انجروا كلكم قدامي.
لم يعجب "رشيد" معاملته غير الآدمية مع الصغار، وكور قبضة يده بتحفزٍ، استطاع أن يلمح الدموع الرقراقة في عيني زوجته، قبل أن تسأله بقلبٍ موجوع:
-هتسيبهم ياخدهم؟
امتدت يده لتمسك بيدها، ضغط برفقٍ بإبهامه على ظهر كفها، ثم نظر إليها قائلاً وهو يجلس مجددًا في مقعده:
-اللي زي ده مش هيستحملهم، هيبعتهملك تاني، اسمعي مني.
دمدمت في حرقةٍ ودموعها تنفر من طرفيها:
-حسبي الله ونعم الوكيل فيه.
صاح "رشيد" عاليًا بنوعٍ من التفاخر، كأنما يقصد استفزازه:
-اطمنت عليهم، نكمل بقى فرحتنا الكبيرة، عشان ألحق أخد عروستي ونتفسح.
من بين أسنانه هتف لاعنًا:
-الله يحرقكم، إياكش تتقلب بيكم العربية!
أفــاق من الذكرى على صياح أطفاله وهم في غمرة لعبهم الحماسي، اِربد وجهه بالغضب، وهدر في خشونة أرعبتهم:
-ما كفاية دوشة بقى، خوتوا دماغي.
جاءت والدته على صوت صراخه تسأله في استنكارٍ:
-في إيه يا "فضل"؟ مالك مش طايق نفسك ولا العيال ليه؟
هدر في صبر نافذ وهو يضرب مقدمة رأسه:
-صدعت يامه.
أشــارت "سعاد" لأحفادها تأمرهم بنبرة حانية لكنها في نفس الوقت حازمة:
-خشوا يا عيال العبوا جوا.
انتظرت ذهابهم لتعاتب ابنها:
-بالراحة عليهم شوية.
لم يكترث بما قالته، واشتاطت نظراته مغمغمًا في غيظٍ:
-هي مفكرة كده إنها ارتاحت لما رميتهم عندي.
صححت له من تلقاء نفسها:
-يا ابني ده إنت اللي جبتهم وآ...
قاطعها في عصبيةٍ:
-كنت بأكيد فيها، بأحرق دمها ...
نظرت له في ضيقٍ، فأكمل متوعدًا:
-بس والله ما سايبها، ده أنا هقرفها قرف الليمون على الشجر.
وقبل أن يكمل وصلة وعيده الأهوج جاء "إسماعيل" من الخارج بتعابيرٍ ناقمة للغاية، ضرب بعكازه على الأرضية، وصاح فيه بزمجرةٍ غير مبشرة بخير:
-واد يا "فضل".
اعتدل في جلسته، ولم ينهض، ثم تساءل بسماجةٍ:
-أيوه يابا.
لكزه بطرف عكازه متسائلاً بوجهٍ مشدود، ونظراتٍ مشتعلة:
-إنت ليك علاقة بالدجال إياه اللي اتمسك من كام يوم؟
لطمت "سعاد" على صدرها قائلة:
-دجال، يا ساتر يا رب!!
ادعى الغباء، وتساءل في سخافةٍ:
-إنت بتكلم على مين يابا؟
هدر أباه في نفاذ صبرٍ:
-يا واد ماتستعبطش عليا، الحكومة ناشرة صور الحاجات اللي لاقوها معاه بعد ما قبضوا عليه، وكان فيهم صورة بنت عمك، واللي قابلني من أهل البلد عرفني بالحكاية دي.
تمسك بكذبه، وأنكر معرفته به بانفعالٍ مفتعل:
-وأنا مالي، هو كل بلوى تحصلها يبقى "فضل" السبب؟ ما أنا أهوو كافي غيري شري وقاعد في حالي.
لم يبدُ والده مقتنعًا بهذا الاستعراض الهزلي، وعلق في نقمٍ:
-أنا حاسس إن الموضوع ده مخرجش براك.
حاد بنظراته عنه، ونطق في نفورٍ:
-أنا مش فاضي للعب العيال ده!
لكزه "إسماعيل" مجددًا في ساقه وهو يعنفه:
-أومال فاضي لإيه؟ ده إنت ليل نهار قاعد زي الحريم كده في البيت، لا شغلة ولا مشغلة.
هب واقفًا، واحتج في سقمٍ:
-ما بلاش قلة قيمة يابا.
تدخلت "سعاد" للتلطيف بينهما، فقالت برجاءٍ وهو تضع يدها على كتف زوجها:
-بالراحة عليه يا حاج.
نفض يدها عنه، وقال في يأسٍ:
-أنا استعوضت ربنا فيك.
انصرف وهو يبرطم في سخطٍ، فتبعته نظرات "فضل" الحانقة، ليهتف بعدها متذمرًا؛ كأنما يشكو شدته:
-هو ماله حاطط نقره من نقري ليه؟ ما يسيبني في حالي!
ردت عليه "سعاد" قائلة وهي تربت على صدره:
-أبوك بيتفك معاك بكلمتين، اسمعله وإنت ساكت.
تشنج ملوحًا بذراعيه:
-يامه أنا زهقت، محدش حاسس بيا.
-يا حبيبي بكرة ربنا يرزقك ببنت الحلال، ويعوضك خير، ده إنت لسه شباب، وفي عزك ...
أصدر صوتًا محتجًا كتعبير عن عدم اقتناعه، فأخبرته بنظراتٍ ثعلبية:
-إيه مش مصدقني، طب شاور على أي واحدة وأنا أجوزهالك.
نطق فيما يشبه التحدي:
-هتقدري؟
قالت عن ثقة:
-جرب.
عاود الجلوس على الأريكة الخشبية، وثني ساقه للأعلى ليستند بمرفقه على ركبته، ثم قال مبتسمًا في ازدراء:
-طب أنا عاوز "فيروزة".
صمتت مليًا، فرمقها بنظرة ساخرة منها؛ لكنها عادت لتسأله بتعابيرٍ غامضة:
-هي دي اللي هتريحك؟
رفع حاجبه قائلاً:
-أيوه.
قالت عن يقين مريب دون أن تفكر:
-خلاص .. هجوزهالك.
أخفض ساقه، واعتدل مرددًا في ذهول مصدوم:
-إيه ده بجد؟
ابتسمت وهي ترد بعد أن مسحت برفقٍ على جانب ذراعه:
-أيوه، طالما هي دي اللي هتريحك .. وعلى رأي المثل الضفر عمره ما يطلع من اللحم.
تجدد الأمل بداخله للانتقام من شخصها بهذا العرض غير المتوقع من قِبل والدته، فأصابته نشوة غريبة، جعلته في قمة غروره الواهي.
..........................................
اعتبرته –مجازًا- سرًا من الأسرار الكونية، والذي لا يجب الإطلاع عليه مُطلقًا، أو حتى التطرق إلى تفاصيله، ليس لأنها تخشى من إفشائه، وإنما لرهبتها من إحساس تسببها في إيذاء غيرها دون قصدٍ، وإلا لكانت نطقت منذ البداية بما عرفته. نظرت "فيروزة" إلى "هيثم" بنظرات غلفها القلق والخوف، لعقت شفتيها، وطلبت منه بأنفاسٍ شبه مضطربة:
-مافيش داعي، خلاص آ...
قاطعها بإصرارٍ:
-أنا عايز الكل يعرف عشان أرتاح.
ردت رافضة بعنادٍ، وبؤبؤاها يتحركان في عصبيةٍ:
-مالوش لازمة ننبش في الماضي.
قال بعندٍ يفوقها:
-لأ لازم، أنا مش هافضل عايش كده.
فشل مسعاها لمنعه من الكلام، وانطلق يسرد تفاصيل جريمته في الصغر، متجاهلاً توسلاتها الصامتة، تطلع إلى الأوجه المحدقة به قبل أن يخفض رأسه نادمًا، بينما تهاوت "فيروزة" جالسة في مكانها ودقات قلبها ترتفع في صخبٍ. كانت "ريم" واقفة بالخلف تراقب وتسجل ردات الفعل المتباينة، أرادت لمريضتها أن تتخلص من كافة ما يثقل كاهليها، أن تتجاوز كل البقاع المظلمة القابعة بها، لتتحرر من كل القيود التي تعيقها عن المضي قدمًا في طريق شفائها، وها قد بدأت خطتها العلاجية تؤتي بثمارها عن طريق المواجهة المحتومة.
رغمًا عنها تدفقت العبرات من عينيها بغزارة، لم تعرف سبب هذا البكاء، هل لتعرية الماضي الأليم؟ أم إشفاقًا على شخص بات في نظر المحيطين به مدانًا؟ وللمفاجأة وجدت دعمًا غريبًا لشخصه، حيث قال "سلطان" أولاً:
-يا ابني محدش معصوم من الخطأ، وإنت كنت عيل، مش لاقي اللي يوجهك صح.
نطق "هيثم" بصوت ظهر فيه اختناقه:
-أنا بتعذب كل ما افتكر اللي عملته.
رد عليه الجد في هدوءٍ:
-ربنا غفور رحيم، هو مكتوبله يكون شهيد، ولعل ده يشفعله زلاته زمان.
أكد عليه "بدير" بنفس النبرة الهادئة:
-صح يابا، ربنا ليه حكمة في كل حاجة بتحصلنا.
لم يشارك "تميم" في التعليق، اكتفى بالإصغاء لاعترافات ابن خالته، وعيناه مثبتتان عليها، أراد بكل جوارحه حين رأها تبكي أن يحتضنها، أن يحتويها بين ذراعيه ويهون عليها الأمر، أن يهمس في أذنها بكلماتٍ مطمئنة تبث لها الأمان، وتطيب من روحها المعذبة، بدت في عينيه رقيقة للغاية، هشة ككعكة لذيذة المذاق، أطال النظر متناسيًا كافة الوعود، ومتجاوزًا عن الأعراف، ويا ليته ما أطال! فقد أحرجه والده عمدًا:
-ما تقول حاجة يا "تميم"، ولا إنت مش معانا؟!
حمحم مرددًا بتحرجٍ، وقد أمسكت به "فيروزة" ينظر إليها بتلك النظرة الحانية:
-لا إزاي يا حاج، كل اللي بتقولوه تمام.
سأله في تحدٍ:
-طب احنا قولنا إيه؟
وضع يده على مؤخرة عنقه هاتفًا بتلعثمٍ:
-آ.. كلام .. كبير.
استطرد "سلطان" ملطفًا من الأمر وبابتسامته الوقورة:
-ابنك مايحبش يكرر كلامك يا "بدير"، بيسمعه وينفذ من أول مرة.
ثم وجه أنظاره إليه متسائلاً:
-مش صح؟
على الفور أيده حفيده:
-أيوه طبعًا.
تقدمت "ريم" في خطواتها لتقف إلى جوار "فيروزة" خلال حوار أربعتهم معًا، وضعت كلتا يديها على كتفيها، وأخبرتها بصوت شبه خافت:
-أنا عايزاكي ترمي الماضي ورا ضهرك، معدتش في حاجة تقلقك.
انكشاف أمرها أمامهم لم يكن من السهل عليها، خاصة صاحب النظرات النافذة إليها، تصدع الحاجز الأخير بينهما جعلها في موقفٍ متردد وحرج، همست بصوتٍ بالكاد وصل إليه:
-أنا خايفة.
حملق فيها بلهفةٍ، وتأملها وهي تعترف لطبيبتها:
-مش عايزة أتأذى من حد تاني، تعبت.
وجد "تميم" نفسه يرد بتلقائيةٍ، وقد اتخذ وضعية دفاعية عنها:
-محدش هيسمح بكده.
اتجهت الأنظار إليه، فتابع بجرأة غريبة وهو يشير بيده:
-بصي شوفي اللي حواليكي دول بيحبوكي أد إيه، مش محتاجين سبب لده.
وافقه الجد الرأي، وأضاف عليه:
-مظبوط .. وبعدين يا بنتي كل حاجة بتحصل في حياتنا لسبب، واللي بنمر بيه مهما كان صعب ده ابتلاء واختبار من ربنا، يا يشوفنا هنصبر ونقول الحمدلله، يا إما نعترض وساعتها مش هنلاقي إلا السخط وزوال النعمة.
مسحت "فيروزة" دموعها التي تبلل خديها، بينما استمر "سلطان" في مخاطبتها بابتسامة اعتزازٍ:
-إنتي حبك اتحط جوا قلوبنا كده من عند ربنا، غلاوتك في غلاوة عيالنا ...
ثم تحولت أنظاره نحو "تميم" وهو يكمل بنبرة ذات مغزى:
-ويا عالم بكرة تلاقي عوض ربنا ليكي إزاي، مش كده يا "تميم"؟
تنحنح قائلاً بتحرجٍ:
-أه .. طبعًا.
رددت "ريم" على مسامعها من جديد قائلة بتفاؤلٍ:
-سمعتي يا "فيروزة"؟ حبهم ليكي تلقائي.
وزعت نظراتها بينهم، وقالت في ترددٍ:
-أنا ...
قاطعها الجد قائلاً بنبرة جمعت بين اللين والحسم:
-احنا عاوزينك تخرجي من هنا قريب، الدكان موحشكيش، كفاية كده.
صحح له "تميم" بابتسامةٍ عريضة:
-اسمه محل يا جدي.
هتف معاندًا، وبنوعٍ من التهديد المبطن:
-لأ هو دكان، ولا آ...
تراجع قائلاً في طاعة أضحكت من حوله:
-ماشي يا جدي، اللي تقوله يمشي علينا كلنا.
انتقلت الأعين نحو "هيثم" بعد أن صرح "بدير" بهدوءٍ:
-قولها يا "هيثم" على المفاجأة اللي محضرها لمراتك.
رمقته "فيروزة" بنظرة متسائلة وهي تكرر:
-مفاجأة؟!
أكد عليها "بدير" بإيماءة من رأسه:
-حاجة بقاله فترة بيجهزها.
توقف عن الكلام ليشير بعينيه إلى "هيثم"، فقال الأخير بترددٍ ملحوظ:
-أنا مكونتش عايز أجيب سيرة إلا لما كل حاجة تخلص ...
وقبل أن يساء فهمه تابع:
-بس إنتي مش غريبة، وهتحفظي السر.
تلك الكلمات المنتقاة بعناية أشعرتها بالتقدير المعنوي، وبأن هناك بادرة احترام طيبة ستسود بينهما في المستقبل. عفويًا تحولت عيناها نحو "تميم" الذي صاح يمتدحها بكلمة بدت كغزلٍ أكثر منها لقبًا:
-طبعًا دي الأبلة.
توردت وجنتاها في ربكةٍ، وحاولت تجاوز هذا التلبك الحرج بالتركيز مع "هيثم" حين أردف موضحًا:
-أنا جبت شقة تانية لـ "همسة"، هي مش جديدة أوي، بس اتفقت مع "تميم" أخد بيته القديم وهو ياخد بيت أمي، وأدفعله الفرق، وأوضبه عشان تسكن فيه.
ارتفع حاجباها في دهشةٍ وهي تقول:
-معقولة!
استأنف مكملاً الإفصاح عن باقي مفاجآته السارة:
-ده غير المحل اللي اشتريته عشان أقف فيه لوحدي، وكلها كام يوم ويشتغل، ويجيلنا منه رزق حلو.
أدركت مع عزمه الواضح نواياه الطيبة لتأسيس حياة أسرية مستقرة تختلف عما تهيأت له سابقًا، لكونها بكده، وتعبه، واجتهاده الشخصي، ابتسمت لسعيه الدؤوب في تحقيق هذا، وهتفت تهنئه في حبورٍ:
-مبروك، ربنا يوفقك.
حك طرف ذقنه، وهو يضيف:
-أنا مش عايز حد يقول بعد كده إني اعتمدت على غيري عشان الجوازة دي تكمل.
أصغت إليه "فيروزة" باهتمامٍ يتخلله الإعجاب، خاصة وهو يعترف بصدقٍ:
-"همسة" ربنا بعتهالي نعمة في وقت أنا كنت ضايع فيه، خدت بإيدي، وطلعتني من القرف، وربنا يقدرني وأسعدها بالحلال.
رد عليه "سلطان" يدعمه عن ثقةٍ:
-هتقدر طالما نويت، واستعنت بالله.
حمحم "بدير" هاتفًا وهو يجمع طرفي قفطانه:
-احنا طولنا عليكي النهاردة.
نظرت إليه، وقالت بابتسامةٍ صغيرة ناعمة:
-أنا فرحانة بوجودكم.
تنهد الجد معقبًا بمكرٍ، وعيناه تتحولان عن قصد نحو حفيده:
-واحنا أكتر يا بنتي، بس لو تعرفي.
يا لسعادته! جده بشحمه ولحمه يمهد له السبل لترى عِظم الحب في عينيه، فقط لو تفتح الباب لقلبها وتتأمل ما يحويه من عشقها. أضاف "بدير" مبتسمًا:
-عايزين المرة الجاية نيجي نشوفك في بيتك.
هزت رأسها بالإيجاب، بينما استطرد الجد متابعًا بما بدا له وكأنه استمتاع من نوع مختلف:
-بالمناسبة، "تميم" كل يوم بيروح الدكان بتاعك يقف على إيد العمال ينضفوه، ويخلوه زي الفل، عشان ترجعي تنوريه، الزباين مستنينك، وأولهم بنتنا "هاجر"، حلفانة لتعملي الزواء عندنا في البيت، واحنا مابنكسرش لبناتنا كلمة.
تلقائيًا عرفت عيناها الطريق إلى وجهه، فنظرت إلى تعابيره المبتهجة بتأمل، ورأت ذلك الوهج الفرح الذي يزداد وضوحًا في عينيه كلما تطرق أحدهم إلى سيرتها، رمشت بجفنيها، وهتفت معترضة بخجلٍ:
-بس أنا أصلاً الفترة اللي جاية مش مرتبة أموري ولا آ...
قاطعها "سلطان" رافعًا يده أمام وجهها، وبتعابير شبه عابسة:
-إنتي برضوه بنتنا، هتزعليني؟ ودي أول حاجة أطلبها منك.
ابتسمت في نعومة وهي ترد نافية:
-لأ.
بادلها الابتسام ملمحًا بلؤمٍ:
-ومش هاتبقى آخر حاجة.
التفت "سلطان" برأسه نحو حفيده يسأله بصيغة آمرة:
-فين مفتاح الدكان يا "تميم"؟
امتدت يده داخل جيب قميصه الأزرق، وأخرجه منه ليناوله إياه قائلاً:
-أهوو يا جدي.
كان المفتاح معلقًا في ميدالية الطاووس التي أهداها لها، بريقها الفضي انعكس في نظرات "فيروزة"، وزاد لمعانًا عندما تابع الجد "سلطان" عن قصدٍ وهو يغمز له:
-أيوه كده خليك حاطه جمب قلبك عشان ما يضعش، ما هو اللي متشال في القلب دايمًا متصان.
أحست "فيروزة" بأن الكلام موجه لها، وإن كان مستترًا، فوجدت نفسها ترتبك، وشعرت بتشعب حمرة دافئة في بشرتها، على الأغلب كانت ملحوظة للمتواجدين، حاولت الحفاظ على ثبات تعبيرات وجهها، ونظرت إلى الجد عندما قال وهو يمد راحته بالمفتاح:
-اتفضلي .. ربنا يجعله فاتحة الخير عليكي وعلينا.
أخذته منه متمتمة بصوتٍ أظهر حرجها:
-يا رب.
هتف "سلطان" قائلاً وهو يوزع أنظاره عليهم:
-مش يالا بينا، ولا الأعدة هنا عجبتكم؟
رد عليه "تميم" مبتسمًا بابتسامةٍ عريضة:
-أعدة الأبلة مايتشبعش منها.
غازلها الجد عن عمدٍ وهو مسلط كل أنظاره عليها:
-هي كلها على بعضها حلوة وزي القمر.
تحرجت للغاية من عذب كلماته، وأخفضت رأسها متحاشية النظرات المتجهة إليها، بينما قالت "ريم" في تهذيبٍ وهي تشير بيدها:
-اتفضلوا يا جماعة.
شدد "سلطان" بلهجةٍ مزجت بين العطف والجدية:
-خلي بالك من نفسك.
ردت بإيماءة من رأسها:
-حاضر يا جدي.
وضع يده على كتفها متابعًا بنفس اللهجة المؤكدة:
-ومن غير ما تقولي إنك عايزة حاجة، احنا معاكي، وجمبك، وفي ضهرك، هنفضل على طول وياكي لحد ما نقابل وجه كريم.
لم تستطع كبح مشاعرها ولا منع نفسها من الارتماء في حضنه الدافي بعد كل ما قيل، وكل ما شعرت به في حضرتهم؛ وكأنهم أعادوا لها ما ظنت أنها أضاعته للأبد! ألقت "فيروزة" برأسها على صدر الجد "سلطان"، ورددت بصوتٍ كان متأثرًا للغاية، وعيناها تلك المرة تحتويان على دموع الفرحة:
-ربنا يخليكوا ليا ............................................... !!
.......................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثامن عشر 18 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الورد
بذكركم إن رواية متاحة للشراء الآن في معرض القاهرة الدولي للكتاب بسعر 50 جنية فقط .. ولقائي بحضراتكم هايكون الجمعة الجاية 9 يوليو على الساعة 2 ظهرًا في جناح إبداع بصالة
الفصل المائة والحادي والثلاثون
مع تلك الضمة، المليئة بالحنان والمحبة، والمصحوبة بالعبارات الأبوية الصادقة، لملمت شتاتها المبعثر، وتطيبت نفسها الجريحة، حتى أن كلمة النهاية قد وُضعت لتعلن انقضاء تلك الفترة البائسة التي امتدت لسنوات في حياتها، لتبدأ بعدها عهدًا مليئًا بكل الأماني، التطلعات، والأحلام قابلة التحقيق. استلت "فيروزة" نفسها من حضن الجد "سلطان"، ونظرت إليه قائلة وهي تمسح دموعها بظهر كفها:
-لولا وجودكم في حياتي كنت آ...
قبل أن تتم عبارتها قاطعها مؤكدًا ببسمة وقورة:
-احنا معاكي على طول.
أضاف عليه "بدير" وهو يشير بيده:
-هنستناكي ترجعي بيتك يا غالية.
علق عليه "سلطان" مازحًا:
-صحيح الأعدة هنا حلوة، بس البيت والشارع كله مضلم من غيرك.
ابتسمت للطافتهما الواضحة، وأومأت برأسها مرددة:
-حاضر.
من خلفهم وقف "تميم" يتأمل كل ما يصدر عنها؛ كأنما يأمر عقله بتسجيل تلك اللحظات في ذاكرته، فلا تُمحى بمرور الوقت، أراد أن تدوم ابتسامتها، أن تزاح همومها، ألا يوجد للحزن مكانًا في حياتها. نطق لسانه بنزق العذب من الكلام:
-هستناكي، متطوليش الغيبة.
التفتت ناظرة إليه بنظرة غريبة حائرة، في حين حدجه "بدير" بنظرات متوعدة غير راضية عن تجاوزه، وقــال مصححًا عنه بصوتٍ أجش:
-علينا كلنا، هو يقصد كده.
تراجع "تميم" أمام نظرات أبيه الصارمة، وأخفض رأسه ليأمره الأخير بلهجته الجافة:
-اسبقنا إنت و"هيثم".
حمحم قائلاً وهو يهز رأسه:
-حاضر يا حاج.
انتظر "سلطان" ذهابه ليعاتب ابنه في لينٍ:
-بالراحة عليه يا "بدير"، ما إنت عارف ابنك حنين، وقلبه رهيف مع الغالي.
وكأنه أراد بهذا أن يُريها ما قد تغض البصر عنه طواعية منها لرفضها تكرار التجربة، لهذا مهد لها السبيل لتنظر عن كثبٍ إلى محبته غير الزائفة، لعلها تنفذ إلى قلبها، وتزيل ذلك الصدأ عنه. عاد "سلطان" ليخاطب "فيروزة" بأسلوبه الحاني:
-مش هوصيكي يا بنتي، يومين بالكتير ونلاقيكي منورة حتتك.
أظهرت امتثالها له، وقالت في رقة:
-حاضر يا جدي.
...........................................................
في البهو المتسع الخاص بدار الرعاية، اجتمعت "ريم" بعائلة "سلطان" بعد أن انتهت زيارتهم الودية لمريضتها، ظهر الامتنان، والعرفان بالجميل في نظراتها قبل أن تسترسل بلطفٍ شديد:
-حقيقي اللي عملتوه النهاردة حاجة عظيمة، وأكيد هتساهم بشكل كبير في شفائها وخروجها بسرعة من هنا.
رد عليها "بدير" بتعابيره الجادة:
-احنا منقدرش نتأخر عنها، ومش محتاجين ندعي حاجة مش فينا.
استدارت ناحيته تشكره:
-ربنا يكتر من أمثالكم.
ثم أكمل وهي تشير بكلتا يديها:
-الحافز الإيجابي، والدعم القوي مهم جدًا في الوقت ده، و"فيروزة" لو اتحسنت هايكون طبعًا بعد فضل ربنا بسبب دوركم.
دعا لها الجد "سلطان" وهو يبتسم:
-ربنا يكمل شفاها على خير، ويحسن ما بين إيديكي.
بادلته الابتسام، وعلقت في تهذيبٍ:
-شكرًا لذوقكم.
تحركت "ريم" نحو "تميم"، وتنحنحت تستأذنه:
-ممكن كلمتين يا أستاذ بعد إذنك.
التفت مخاطبًا والده، وجده في احترامٍ:
-ثواني وهارجع على طول.
قال "بدير" وهو يومئ برأسه:
-احنا أعدين منتظرينك هنا.
هتف "هيثم" وهو ينهض من مقعده:
-أنا هاسبقكم على الدكان.
هز الجد رأسه في استحسانٍ قبل أن يودعه:
-ربنا يفتح عليك وعلينا أبواب الرزق.
بتعابيره القلقة، تحرك "تميم" في خطوات سريعة ليتبع الطبيبة التي توقفت عند الحاجز الرخامي الخاص بموظفي الاستقبال، سألها في توجسٍ:
-خير يا دكتورة؟ في حاجة؟
أجابته بملامح مسترخية:
-لأ، اطمن، أنا بس حبيت أشكرك على جمب على مساعدتك ليا، إنت أثبتلي إن الحب ممكن يعمل المعجزات.
لم يعرف إن كان يضحك أم يشعر بالغرور من حاله؛ لكن كل ما يخصه من مشاعر لا يحق لغيرها التمتع بها، لهذا حافظ على جمود تعابيرها، وأخبرها ببساطة:
-إنتي عارفة كويس إني مقدرش أتأخر عن أي حاجة تخصها، ولو حكمت إن أرمي نفسي في النار عشانها مش هتردد للحظة.
جاءه تعليقها صريحًا:
-زي ما هي رمت نفسها عشانك زمان.
أوضح لها بنفس التعابير الجادة:
-هي مكانتش تعرفي، ولحد النهاردة كانت بتنكر إني نفس الشخص، لولا بس إن "هيثم" اتكلم.
تنفست بعمقٍ قبل أن تطلب منه بنبرة عملية:
-أستاذ "تميم"، لو ربنا أراد وعلاقتكم اتطورت للجواز تكون صبور معاها، "فيروزة" على أد ما تبان قوية؛ لكن من جواها متدمر، وحتى لو اتعالجت وبقت أحسن، لسه في شروخ محتاجة إنها تتلئم.
قال كأنما يقطع وعدًا على نفسه دون أن يبتسم:
-اطمني يا دكتورة، يأذن بس ربنا ويجعلها من نصيبي، وأنا مش هاخلي حاجة تمسها.
افترت شفتاها عن بسمة لطيفة وهي تردد:
-أنا مطمنة عليها معاك، وربنا يجمعكم على خير.
هزة خفيفة من رأسه أعقبها قوله الجاد أيضًا:
-متشكر يا دكتورة.
حبه العذب المنزه عن أي أطماع كان ملء كل قلبه، وعينيه، وكيانه، من يُدركه هم العاشقون، ومن يُصدق به هم المرتشفون من رحيقه المُسكر.
.........................................
انتفاضة غير موفقة من على الفراش قامت بها، وهي تستمع هاتفيًا إلى ما أخبرتها به إحدى صديقاتها حول انتشار منشورٍ ما خاص بقيام أحد الدجالين بالسحر لإضرار بعض الأشخاص، ومن بين الصور المعروضة كانت صورة توأمتها. حل الذهول على قسمات "همسة" واختلط بالخوف الشديد، بلعت بصعوبةٍ ريقها، وصاحت متسائلة في جزعٍ، ويدها موضوعة على صدرها الناهج في انفعالٍ:
-إنتي متأكدة من الكلام ده؟
أكدت عليها رفيقتها مرة أخرى:
-أيوه، والله هي صورتها.
حاولت التماسك، وطلبت منها وهي ترتجف قليلاً:
-طب ابعتيلي البوست كده أشوفها.
ردت قائلة:
-حاضر، هاقفل معاكي وأجيبهولك.
شكرتها بصوتٍ ما زال قلقًا:
-تمام يا حبيبتي، هتعبك معايا معلش.
رددت في تفهمٍ:
-لأ عادي، أشوفك على خير.
-إن شاءالله
قالتها وهي تنهي المخابرة الهاتفية معها لتنظر بعينين جاحظتين إلى الرسائل ولسانها يردد في صدمة محملة بالارتياع:
-أعمال! هي "فيروزة" ناقصة!!
شهقة مسموعة انطلقت من بين شفتيها حين رأت ما تم إرساله لها، وصرخت في استنكارٍ مذعور:
-دي فعلاً هي!
شحب لون وجهها، وأحست بتسارع دقات قلبها، مع دوار خفيف برأسها، عاودت الجلوس على الفراش، وتساءلت في هلعٍ:
-مين عاوز يأذيها بالشكل البشع ده؟!!
ظلت تردد في لوعةٍ:
-استر يا رب، عديها على خير، احفظها من كل شر.
نظرت "همسة" إلى كفيها المرتعشين، وضمتهما معًا محاولة إيقاف تلك الرجفة التي استبدت بها، وجدت نفسها تتساءل في خوفٍ أكبر:
-دي لو عرفت ممكن تتنكس تاني، طب اتصرف إزاي؟!
سيطرت عليها حيرتها، وأكملت معبرة عن الصخب المنتشر في رأسها:
-واستحالة أقول لماما، هي لو عرفت مش هتخبي حاجة عنها، وبكده أنا بضرها.
بالكاد سعت لضبط أعصابها قبل أن تتلف من الارتعاب، وظلت تردد لنفسها:
-إن شاء الله يومين والبوست ده يختفي من على النت، والناس هتنسى.
واصلت التنفس بعمقٍ لتستعيد انضباط أنفاسها وهي ما زالت تدعو في تضرعٍ:
-يا رب احفظها وماتضرناش فيها أبدًا.
...................................................
اسودت ملامحه، وأظلمت نظراته بشكلٍ واضح عندما عرضت عليه زوجته اقتراحها بطريقتها السلسة؛ وكأن الأمور بين العائلتين على وفاق تام، ولم ينشب بينهما أي صراع، خاصة ذلك الأخير الذي نجا منه ابنه بأعجوبة من الموت. على حين غرة، هب "إسماعيل" واقفًا، وضرب برأس عكازه على الأرضية في عصبيةٍ قبل أن يصيح آمرًا:
-مش عايز سيرة في الموضوع ده تاني.
قطبت "سعاد" جبينها، ونظرت إليه نظرة غبية وهي ترد متسائلة:
-ليه يا حاج؟
تجاهل الرد عليها، وخاطب ابنه بغلظةٍ، ووجهه ينتفض بعلامات الغضب:
-إنت ناسي اتعمل فيك إيه يا "فضل"؟ ولا وصل الأمانة اللي عليك؟!!
ادعى بالكذب بعينين كسيرتين:
-يابا بحبها، ودي لحمي وعرضي، ومهما عملت فأنا مسامح.
التوى ثغره في تهكمٍ صارخ قبل أن ينطق:
-طب خلي حد غيرك يقول كلام غير ده، جايز ساعتها أصدق.
قبل أن يعلق عليه ابنها، هتفت "سعاد" تدعم اقتراحها بتفاؤلٍ كبير:
-سيبلي الموضوع ده يا حاج، وأنا هتصرف فيه، الحاجات دي الحريم بتخلصها وآ...
قاطعها هي الأخرى بصبرٍ نافذ:
-"سعاد"، أنا معدتش فيا حيل ألم ورا ابنك، شيلي الحكاية دي من مخك.
حركت شفتيها لتعترض؛ لكنه أخرسها صائحًا:
-مش هاعيده تاني، مافيش نقاش ولا رجوع في كلامي، سامعين.
ضغطت على شفتيها في تبرمٍ غير مقتنعة به، ورمقته بتلك النظرة المحتجة، في حين لاذ "فضل" بالصمت ريثما انصرف والده، ثم انفجر شاكيًا إياه لها:
-شايفة يامه؟ أهوو على طول مكسر مأديفي.
ابتسمت له في حنوٍ، وقالت:
-ماتشلش هم، أنا هحلهالك.
ألح عليها بسماجةٍ:
-أه يامه، حليها..
ثم استرق قلبها بادعاء الحزن وهو يكمل:
-اجبري بخاطري بدل ما أنا مقهور في نفسي كده.
هتفت متعهدة له وهي ترفع يدها لتربت على صدغه:
-متقلقش يا ضنايا، أمك هتعملك كل اللي نفسك فيه.
استرخى "فضل" في جلسته، وإحساسه بالانتشاء يزداد بداخله، ربما يبتسم له الحظ، وتفعل والدته ما عجز عن فعله، وتأتي له بها، ليذيقها من صنوف الانتقام أشكالاً وأنواعًا، سرعان ما أخفى فرحته الخبيثة ليأمرها:
-بقولك إيه، ودي العيال دول عند البومة أمهم، كفاية كده عليهم، وخليني أفوق لنفسي.
دون جدال أظهرت طاعتها الكاملة له، فقالت مبتسمة في سرور؛ وكأنها أَمَته التي تسترضيه لا أمه:
-طالما إنت عايز كده ماشي.
...................................................
كل خاطرات نفسه عنها، وأمنياته بالاجتماع بها منذ إدراكه ببزوغ برعم الحب بداخله احتفظ بها في سراديب عقله، إلى أن يشاء المولى، ويجمع بينهما برباط الزواج المقدس، حينها فقط سيطلق العنان لشرارات الحب، والمشاعر، وكافة الأحاسيس لتبوح بما يطرب الفؤاد ويرويه. بعد تنبيهاتٍ شديدة اللهجة، ووعود تلك المرة نافذة اضطر "تميم" أن يبتعد مرغمًا عن محيط طاووسه، نأى عنها بروحه المشتاقة لرؤية بصيص منها اتباعًا لأمر والده الصارم بعد تجاوزاته غير المقبولة خلال زيارته لها. كان صارمًا في هذا الشأن، وكان محقًا في غضبه منه؛ لكن للقلب أهواء يتعذر على المُحب مغالبتها.
استعان بالصبر وتشبث به لما يقرب من عشرة أيام، بعد عودتها السالمة إلى منزلها، كان لا يظهر في الدكان إلا في مراتٍ معدودة، بعد أن يستأذن والده بالحضور، ويتأكد من عدم تواجدها، حيث كُلف بمتابعة العمل مع "هيثم"، وأيضًا بالتوريد لإحدى سفن الرحلات الماكثة بالميناء البحري، مما استحوذ على غالبية وقته، وأصبح الكد والشقاء رفيقاه مؤخرًا، ومع ذلك بقي القلب قبل العقل مشغولاً بها.
كان "تميم" مرهقًا للحد الذي جعله عاجزًا عن النوم بأريحية، بمجرد أن يستلقي على الفراش، يسقط في سبات سريع ليستيقظ بعد بضعة ساعات وهو ما زال يشعر بالتعب، ربما كان ذلك يساعده في الالتهاء عن التفكير فيها ليلاً؛ لكن مع النهار تراوده خلسة أحلام اليقضة، فيقاومها بأقصى ما يستطيع، وإن كان يسمح لقدرٍ منها بتسليته، وتهوين بعدها عنه.
ذلك النهار، عاد إلى منزله مبكرًا، بعد أن تأخر وصول إحدى شاحنات نقل الفاكهة، فعرِج إلى المطبخ، وهناك استرق السمع لحديث "هاجر" مع والدته دون اكتراثٍ، خلال إحضاره لكوبٍ ليملأه بالماء البارد. قالت شقيقته ضاحكة:
-ده أنا دوختها معايا، وهي الصراحة عندها أفكار حلوة، خلت الدنيا بسيطة.
دعت لها "ونيسة" في ابتهاجٍ:
-ربنا يسعدك يا حبيبتي، ويتمملك على خير.
ضمت "هاجر" حاجبيها معًا في عبوسٍ مفتعل، وتساءلت وهي تضع يدها أعلى خاصرتها:
-مش المفروض العروسة اللي زيي تريحلها يومين كده قبل كتب الكتاب؟
أخبرتها والدتها وهي تكمل تقشير ثمرة البطاطس:
-ليكي عليا يومها مخليكيش تحطي إيدك في قشاية.
زمت شفتيها هاتفة في تذمرٍ:
-والله أنا حاسة إن "سراج" هيجي يلاقيني بأسيق الأرض.
أتاها تعقيب والدتها ساخرًا:
-وماله، عشان يعرف إنه متجوز ست بيت نضيفة وزي الفل.
احتجت "هاجر" بتدللٍ:
-هو إنتي هتاخدي صفه من دلوقتي؟
كتمت والدتها ضحكتها المازحة معها، فاشتاطت غيظًا، ووجهت حديثها إلى شقيقها:
-ما تتكلم يا "تميم"؟ يرضيك كده.
سحب "تميم" قطعة من الجزر المقشر، وقطمها بأسنانه، قبل أن يرد وهو يلكوها:
-بصي لو فكر يزعلك في يوم هاخلصلك عليه.
هتفت تدافع عنه في استنكارٍ:
-بعد الشر.
وضعت "ونيسة" إصبعيها على طرف ذقنها، ورددت بنظراتٍ ماكرة:
-شوف البت!!
تساءل "تميم" بعد أن ابتلع ما في جوفه:
-طبخالنا إيه يامه؟
أشارت نحو الموقد، وأخبرته بابتسامة عريضة:
-عملالك أنارب بالملوخية إنما إيه حكاية، هتاكل صوابع وراها.
علق في استحسانٍ:
-تسلمي يا ست الكل.
سألته "ونيسة" في اهتمامٍ:
-إنت نازل دلوقتي؟
أجابها وهو يقرب باقي الجزرة من فمه:
-كمان ساعة، مستني تليفون من الحاج "عوف".
ردت عليه بإيماءة من رأسها:
-كويس أكون حضرت السفرة عشان تاكل.
وضع "تميم" يده على كتف والدته ليربت عليه في حنوٍ، بينما استطردت "هاجر" قائلة بمكرٍ، وكل عينيها على وجه شقيقها:
-"فيروزة" عزمانا على افتتاح المحل بتاعها، هتحضر يا "تميم"؟
لم ينظر ناحيتها، وقال متهربًا من الرد:
-عندي شغل.
تساءلت "هاجر" في تعجبٍ:
-غريبة، يعني إنت عارف ومش هتحضر؟
جمع "تميم" البقايا التي انتهت والدته من تقشيرها بيديه، ووضعها في سلة القمامة خلال كلامه الجاف تقريبًا معها:
-أيوه، أبوكي قالي، باركولها بالنيابة عني.
ابتسمت في لؤمٍ وهي تحاصره بسؤالها العبثي:
-وبرضوه مش هتيجي؟ هيجيلك قلب؟
كعادته لم يحبذ أبدًا استباحة غيره لما يخصه، فقال بتعابير جادة للغاية:
-شوفي يا "هاجر" وراكي إيه.
ثم انصرف من المطبخ وهو يزفر بصوتٍ مسموع، استغربت شقيقته من ردة فعله الجافة، ونظرت إلى والدتها متسائلة بصوتٍ خفيض:
-هو ماله؟
لم تبدُ "ونيسة" مهتمة بتفرس ملامحه لمعرفة ما الذي يؤرق باله، كان الرد حاضرًا ومنطقيًا، فهتفت تأمر ابنتها:
-سيبي أخوكي في حاله، وهاتي كام لمونة من التلاجة أما أعملهم ليمون خلاط يروق بيها دمه، ده مهدود حيله ليل نهار.
ردت بعد زفير ممتعض:
-حاضر.
اتجهت إلى الثلاجة لتفتش في واحدٍ من الرفوف عن الليمون؛ لكن صوت قرع الجرس جعلها تتوقف عن البحث، اعتدلت في وقفتها، والتفت إلى والدتها التي أشارت لها قائلة بصيغة بدت آمرة:
-روحي شوفي مين على الباب الأول.
تهدل كتفاها وهي تخطو نحو الخارج؛ لكن "تميم" رفع يده أمام وجهها يخبرها:
-خليكي أنا هفتحه.
-طيب
قالتها وهي تتراجع عائدة إلى المطبخ، ليكمل بعدها سيره نحو الباب بتكاسلٍ متعب. أدار المقبض ليفتحه، وآخر ما جال بخاطره أن تكون "فيروزته" حاضرة أمامه بشحمها ولحمها! أبصرت عيناه البهاء الساحر الذي ملأ الفراغ من حولها، فجعله عاجزًا عن النظر إلى ما سواها، تركزت كامل حواسه معها، وانفرجت شفتاه عن بسمة نقية عذبة، ليس لأنها تتطلع إليه في اهتمامٍ غير اعتيادي منها، وإنما لتلك الابتسامة الرقيقة المتشكلة على ثغرها وهي تهمهم مرحبة:
-مساء الخير عليك .............................................. !!
..............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل التاسع عشر 19 - بقلم Manal Salem
مساءكم ورد
بذكركم إني هتواجد بأمر الله في معرض القاهرة الدولي للكتاب يوم الجمعة الساعة 2 ظهرًا في صالة 2 بجناحنا #إبداع رقم C37
هفرح جدًا بتشريف حضراتكم، وإن شاءالله يكون يوم لطيف وجميل ..
الفصل المائة والثاني والثلاثون
عشرة أيام ثقال، عجاف، مروا عليه بغير يسرٍ، لمحة منها جعلته يرتوي بعد لوعة واشتياق، كان كمن يسير في قيظ الصحراء، يبحث عن ماء يطفئ به اللهيب المستعر في صدره، ويبلل جوفه الذي أصابه القحط، فجاءت هي بنسماتها العليلة، ورياحها اللطيفة، لتشيع في روحه السكينة والهناء، ارتوى بعد عطش، امتلأ بعد جوع، ويا له من شعور!
انتبه من شروده المتطلع في حُسن غير متكلف، في جمال غير مبهرج، حين نطقت بابتسامة صغيرة:
-أنا أسفة لو كنت جيت من غير ميعاد ...
وكأن الحروف فرت من على لسانه، حملق فيها بنظراته الهائمة الدافئة، وأصغى بقلب يخفق في سعادة لباقي كلامها:
-بس كنت اشتريت لـ "هاجر" الحاجات اللي طلبتها، وخوفت تتبهدل مني، فقولت أجيبها وأسيبها هنا لحد ما أجهزها للحفلة.
بادلها الابتسام وهو يرد مرحبًا بحرارة لا تعبر عن قدرٍ بسيط عما يسود بداخله:
-إنتي تيجي في أي وقت، ده بيتك يا أبلة.
النظرات التي يمنحها لها كانت إلى حد كبير تشعرها بالألفة، بشيءٍ يتخطى المجاملة بكثير، تغاضت عما تفكر فيه الآن، وردت في تهذيبٍ وهي تخفض رأسها:
-شكرًا ليك.
امتدت يداه لتلتقط عنها الأكياس وهو يستأذنها:
-عنك.
اهتمامه البسيط بها ضاعف من الإحساس الغريب –واللذيذ- المتنامي بداخلها، قالت في حرجٍ وهي ترفع رأسها لتنظر إليه بوجهٍ شبه متورد:
-عشان ماتعبكش.
أصر عليها بتعابيرٍ شاعت فيها المرح:
-ودي تيجي، عيب والله.
قدمت يديها للأمام، فتناول عنها الأكياس وهو حريص كل الحرص ألا يلمس أناملها، رغم ازدياد المشاعر الحسية وانطلاقها في وجدانه، ظل باقيًا في مكانه؛ لكنه تنحى للجانب ليفسح لها بالمرور وهو يدعوها للدخول:
-اتفضلي يا أبلة.
أطرقت رأسها قائلة بصوتٍ شبه منخفض:
-شكرًا.
جاء صوت "هاجر" متسائلاً وهي تشد الحجاب على رأسها:
-مين يا "تميم"؟
أجابها بنبرة عالية إلى حد ما؛ كأنما يؤكد على الرابط العزيز بين الاثنتين:
-صاحبتك الغالية يا "هاجر".
أتت على الفور وهي تهتف مرحبة بوجه مبتسم للغالية:
-وأنا عمالة أقول البيت نور.
دون انتظارٍ احتضنتها وضمتها بكلتا ذراعيها في حميمية عميقة، لتدل على مدى سعادتها برؤيتها، اندهشت "فيروزة" من هذا الاستقبال الحار، وانسلت من أحضانها قائلة بابتسامةٍ لطيفة:
-شكرًا على ذوقك.
جففت "ونيسة" يديها في منشفة صغيرة، وانضمت إليهم متسائلة:
-هو احنا عندنا ضيوف؟
صححت لها "هاجر" بضحكة مسموعة:
-ضيوف مين، دي "فيروزة".
مثل ابنتها انطلقت الأم ترحب بها بنفس الحرارة وأشد، قبلتها من وجنتيها بعشرات القبلات، بعد أحضانٍ أمومية دافئة، وهي تردد:
-يا 300 مرحبا، نورتي يا غالية، ده احنا لازمًا نفرش الأرض ورد ..
تراجعت عنها "فيروزة"، بينما استمرت "ونيسة" في ترحابها وهي تسحبها من ذراعها نحو غرفة المعيشة:
-تعالي يا حبيبتي، اتفضلي، مش هتفضلي واقفة كده على الباب.
حاولت التملص من تلك الدعوات المغرية، واعتذرت بلباقة:
-مافيش داعي، شكرًا ليكم على كرمك ...
ثم وجهت باقي حديثها لـ "هاجر"، ويدها تشير إلى "تميم":
-دي حاجتك اللي كنتي عايزاها.
تهللت أساريرها في سعادة كبيرة، وركضت نحوه لتأخذ أشيائها قائلة:
-الله، بجد؟ ده أنا لسه بأحكي لأمي، وبأقولها دوختها معايا.
علقت عليها "فيروزة" مبتسمة في رقة:
-ده شغلي، مافيش فيه تعب.
صاحت "ونيسة" قائلة بإصرارٍ وهي تشير بيدها نحو الأريكة:
-هتتكلمي على الواقف كده، تعالي ارتاحي من المشوار.
بنفس الأسلوب اللطيف اللبق قالت:
-مافيش داعي، أنا كنت بجيب الحاجة وآ...
قاطعتها في عبوسٍ رافضة التنازل عن دعوتها:
-والله ما ينفع أبدًا، ده أنا لسه عاملة لمون فريش بالنعناع، اسألي "تميم" عنه.
ردت عليها ابنتها تمتدح صنيع يديها:
-ولا أجدعها معصرة، لما تدوقيه هتعرفي.
تلقائيًا اتجهت أنظار "فيروزة" نحو "تميم" الذي أخفض نظراته عنها حين أمسكت به يتطلع إليها، ثم سرعان ما عاودت النظر إلى "ونيسة" التي هتفت تأمر ابنتها:
-هاتيه بسرعة لحبيبتنا.
قالت "هاجر" وهي تومئ برأسها قبل أن تختفي بالداخل ومعها متعلقاتها:
-على طول أهوو.
جلست "فيروزة" على الأريكة، وإلى جوارها "ونيسة" التي ظلت تمنحها من الابتسامة الودودة ما جعلها يشعر بالمزيد من الألفة والمحبة الصافية، في حين ظل "تميم" باقيًا على مسافة بينهما، بالكاد تحرك من مكانه، ربتت والدته على ذراع ضيفتها لتتنبه لها قبل أن تضيف:
-مسافة ما تشربي اللمون يكون الأكل استوى، عشان أجهز السفرة، وتتغدي بقى معانا.
اعترضت عليها بشدةٍ، وقد ظهر الارتباك عليها:
-لالالا، مش هاينفع والله، ده أنا يدوب أنزل.
ارتفع إصبعاها نحو طرف ذقنها، وضعتهما عليها كتعبيرٍ عن انزعاجها، وعاتبتها في تذمرٍ:
-يادي العيبة؟ تنزلي كده من غير ما نقوم معاكي بواجب، والله عمك الحاج يزعل مني.
عضت على شفتها للحظةٍ قبل أن تنطق:
-وقت تاني معلش.
عادت "هاجر" إليهم وهي تحمل صينية تضم كوبين زجاجين من عصير الليمون الطازج، قدمت الكوب الأول للضيفة العزيزة، قبل أن تقدم الآخر لشقيقها الذي رمقها بنظرة غامضة غير راضية عن هذا التصرف العبثي المقصود منها، بطرف عينه التقط التفات رأس "فيروزة" نحوه، حتمًا كانت تتابع خطوات شقيقته، وربما أحرجها ذلك بشكلٍ ما، شتت "تميم" نظراته عن شقيقته لينظر إلى والدته التي هتفت في استنكارٍ:
-شوفي صاحبتك يا "هاجر"، عايزة تنزل كده من غير ما نضايفها!
بررت لها "فيروزة" سبب رفضها على الفور:
-والله عشان الحاجة متتبهدلش أنا جبتها على طول على هنا، مرة تانية.
أمام إصرارها اضطرت "ونيسة" ألا تضغط عليها، وسألتها في تجهمٍ:
-طب اشربي اللمون، ولا ده كمان لأ؟
قالت مبتسمة في رقةٍ:
-حاضر.
ثم رفعت الكوب إلى شفتيها لتتذوق أشهى عصير ليمون لم تتذوق في حلاوته من قبل، لم تنكر أنه جاء في وقته فجعلها تنتعش، عفويًا اتجهت عيناها نحو "تميم" وشقيقته تخاطبه:
-ما تتفضل يا "تميم"، ده اللمون اللي إنت بتحبه.
هتف في رسميةٍ وهو يرمقها بتلك النظرة المحذرة:
-متشكر يا "هاجر".
لم تستطع "هاجر" منع نفسها من القول؛ لكن بصوت خفيض، وتلك النظرة المتسلية على وجهها، خاصة أن كان يقف مستندًا إلى جوار شجرة صناعية تزين الركن:
-لمون وشجر أهوو.
أعطاها الكوب بعد أن ارتشف منه مقدارٍ قليل، وقال في لهجةٍ رسمية بحتة:
-طيب يامه أنا نازل.
سألته "ونيسة" في دهشةٍ لا تخلو من الاستنكار:
-مش هتتغدى إنت كمان؟
أخرج هاتفه من جيبه، وقال بتعابيرٍ شبه جامدة:
-الحاج "عوف" بيرن عليا، تلاقيه في الدكان دلوقتي، أنا هاروحله.
لاحقته والدته بسؤالها الأمومي المهتم:
-هتنزل على لحم بطنك؟
هز رأسه قائلاً بصوتٍ جاف، ودون أن ينظر في اتجاه "فيروزة" التي كانت تتطلع إليه بتعجبٍ:
-هخلص معاه على طول، وأرجع، مش هتأخر.
اعترضت عليه "هاجر" وهي تومئ بحاجبها:
-بس الأكل هيبرد.
سدد لها نظرة قوية قبل أن يرد:
-هاكله لو كان طوبة ...
لم تبدُ تعابيره لينة وهو يكمل مخاطبًا والدته:
-ده كفاية تعبك في عمايله يا ست الكل.
دعت له الأخيرة بملامح ممتنة للغاية:
-ربنا يوقفلك ولاد الحلال ويراضيك زي ما بتراضيني دايمًا.
في تلك اللحظة تحديدًا، تمنت "فيروزة" أن تحظى بنظرة مهتمة منه، لا تعرف ما الذي أصابها لترغب في هذا، واندفعت تلوم نفسها للتفكير في شأنه أمام عائلته الوقورة، ومع هذا لم تتحقق أمنيتها البسيطة، ولم ينظر إليها، بل انطلق متجهًا إلى الباب ليخرج من المنزل دون أن يودعها مثلما اعتادت أن يفعل، وهذا ما أثار حفيظتها. تبدد ضيقها مثلما تشكل في لمح البصر عندما جلست "هاجر" على الأريكة الجانبية، واستطردت تكلمها:
-فرصة يا "فيروزة" تشوفي المكان وتقولي هنعمل إيه هنا.
تنحنحت مرددة باقتضابٍ وهي تشدد من قبضتها الممسكة بالكوب:
-أوكي.
...................................................
عند مدخل البناية وجد والده يترجل من سيارة ربع النقل المملوكة لهم، دقق النظر فيه، فوجده يودع السائق بعد أن أعطاه ورقة نقدية زائدة عن أجرته اليومية جراء تعبه طوال اليوم معه، ابتسم لإحسانه غير المنقطع مع الجميع دون تمييز، وانتظر متواريًا عن الأنظار ريثما يذهب السائق ثم تابع التقدم نحوه. اندهش "بدير" من وجوده، وسأله بملامح يملأها الاستغراب:
-رايح فين كده؟
أجاب بعد زفيرٍ سريع:
-الدكان، هستنى الحاج "عوف" هناك.
علق عليه بنفس التعابير الحائرة:
-ما تنزل أما يطلبك، ده لسه في سوق الجملة، أنا كنت مكلمه من 10 دقايق.
ضغط "تميم" على شفتيه مرددًا في حرجٍ:
-معلش .. ده لازم.
تفرس "بدير" في وجه ابنه الواجم، وتساءل مستفهمًا:
-هو في حاجة؟
تردد قبل أن يجيبه بنظرة سريعة للأعلى:
-أصل .. الأبلة فوق عندنا.
لم يستمر "بدير" في طرح أسئلته، وقال بابتسامة رضا تعلو ثغره وهو يربت على كتفه عدة مراتٍ:
-فهمتك، ربنا يكرمك.
أطلق زفرة طويلة يائسة قبل أن يقول بعدها بتعابير يكسوها السأم:
-يا رب.
نصحه والده بوجه ما زال رائق التعبيرات:
-استحمل، فاضل حاجة بسيطة، ماتبوظشهاش عشان قلة الصبر.
قال في تبرمٍ:
-هو أنا عندي إلا هو.
من جديد ربت "بدير" على كتفه يستحثه:
-اتوكل على الله، وربنا يوفقك.
ودّع أبيه، وانطلق سائرًا نحو سيارته المصفوفة في الناحية المقابلة، حانت منه نظرة للأعلى آسفة على الابتعاد عنها؛ لكنه كان مضطرًا احترامًا لما قطعه من وعود، وقلبه ينبئه تلك المرة أن القُرب منها أصبح وشيكًا!
.......................................................
خلال العشر دقائق التالية انشغلت "فيروزة" بتدوين بعض الملحوظات الأساسية في مفكرة ورقية صغيرة عن كيفية إعادة تنسيق المكان بالشكل الذي يسمح لوضع لمسة جمالية فيه، مع توسيعه، ليستقبل عددًا لا بأس به من المدعوين، التفت برأسها للخلف ناظرة نحو الجد "سلطان" الذي هتف مرحبًا بها:
-البدر نزل من السما وموجود عندنا.
أقبلت عليه تسأله:
-إزي حضرتك؟
أجابها مبتسمًا في حبور:
-بقيت أحسن لما شوفتك.
أحست بالمزيد من الدفء والسرور يغمرها، بجوٍ أسري مستقر لطالما رغبت في التنعم به، وجدت نفسها تنحني لتمسك بكفه، وترفعه لفمها لتقبله وهي تردد:
-ربنا يباركلنا فيك.
مسح بحنوٍ على جانب ذراعها، وسألها:
-وإزي الست والدتك وأختك؟ بخير؟
أومأت برأسها وهي تجيبه:
-أه الحمدلله في نعمة.
علق بنفس الوجه المبتسم:
-يدوم يا رب ...
ثم أشار بيده نحو غرفته متابعًا:
-هاخش أكمل قراية في المصحف، أنا قولت أجي بنفسي أسلم لما سمعت صوتك.
شعرت بالغبطة بعد تصريحه، وقالت بابتسامة أشرقت ملامحها:
-ربنا يخليك ليا يا جدي.
رد عليها داعيًا بصدقٍ:
-ويحسن ما بين إيديكي يا بنتي.
....................................................
بخطواتٍ شبه متهادية، سارت متأبطة ذراعه، وباليد الآخرى تناولت آخر قطعة في الحلوى التي ابتاعها لها، استلت ذراعها منه، لتقترب من إحدى حاويات النفاية، وألقت بالورقة بداخلها، ثم عادت إليها متابعة مشيها في صمتٍ يدعو للريبة. نظر "هيثم" إليها بإمعانٍ، قسماتها أوحت أنها تخفي شيئًا ما عنه، قرر عدم تجاهل هذا الشعور المزعج الذي يراوده، لهذا سألها مباشرة:
-مالك يا "هموسة"؟ بقالك كام يوم متغيرة.
أجابت بعد زفيرٍ بطيءٍ:
-مافيش يا "هيثم".
كان غير مقتنعٍ بردها، فلاحقها بالسؤال التالي:
-إنتي مخبية عني حاجة؟
نفت في هدوءٍ، وملامحها ما زالت تعبر عن وجود همٍ ثقيل:
-لا عادي.
ضاقت نظراته متشككًا، واستطرد يخبرها:
-شكلك بيقول غير كده، هو إنتي مضايقة مني؟
نظرت إليه قائلة دون تفكيرٍ:
-لأ يا حبيبي
رد في صبرٍ بدا شبه نافذ:
-أومال في إيه بس؟
وقبل أن تسيء تفسير ضيقه، بادر بالتوضيح:
-مش احنا اتفقنا مانخبيش على بعض حاجة؟
حركت رأسها قائلة وهي تنظر في عينيه:
-أيوه.
رمقها بتلك النظرة اللطيفة وهو يخاطبها:
-ها .. أنا مستني.
ترددت وهي تحاول إجبار نفسها على البوح بسبب انزعاجها:
-بصراحة كده آ.. من كام يوم آ..
لم تجد بدًا من إخفاء الأمر، وألقت ما في جعبتها قائلة:
-حصل إني اتبعتلي منشور على الفيس بوك.
زاد الفضول بداخله، وسألها بلا تعجلٍ:
-ماله يعني؟
تابعت بنظراتٍ ساد فيها القلق:
-عن حد عملها عمل.
هتف في صدمة مستنكرة:
-نعم، عمل؟!!
أكدت عليه:
-أيوه.
علق في عدم فهمٍ:
-إزاي يعني.
تنفست بعمقٍ، ثم طردت الهواء من صدرها، لتقص عليه بالتفصيل ما علمته من صديقتها، بل إنها جعلته يرى ما تم إرساله لها عبر هاتفها، ليتأكد من سبب مخاوفها المبررة. خنقت "همسة" غصة علقت بحلقها تأثرًا بالأمر، وأيضًا بسبب تأثير هرمونات الحمل عليها. مرة أخرى سحبت شهيقًا عميقًا، ولفظته على مهلٍ وهي تخبره:
-وخايفة بقى لأحسن "فيروزة" تشوفه بالصدفة على أي جروب، اللي مطمني إنها بقالها فترة مش بتتابع حاجة عليه، بس وارد تعرف عنه.
حك مقدمة رأسه متسائلاً، وعيناه تحاولان فحص ملامح الوجه غير الواضح نظرًا لوجود عبارات غريبة عليه تفسد إظهار تفاصيله:
-إنتي متأكدة إنها هي؟
ردت بعينين تلمع فيهما العبرات:
-أيوه، هو أنا مش هعرف أختي؟ ده غير إن نفس اللبس كان عندي بس بلون مختلف.
أعاد إليها الهاتف، وتساءل في غيظٍ:
-تفتكري مين ابن الـ (....) اللي ممكن يعمل كده؟
هزت كتفيها قائلة وهي تضع الهاتف في حقيبتها:
-معرفش، أصل احنا مالناش عدوات مع حد يعني، ولا علاقتنا بالناس هناك أد كده، يدوب على أد زيارات سنوية كل فين وفين.
التوى ثغره مغمغمًا بسخطٍ:
-ما جايز يكون البغل قريبك.
برقت عيناها في ذهولٍ، وردت عليه بقلبٍ يدب في خوفٍ:
-احتمال برضوه، بس إيه اللي يخليه يعمل حاجة زي كده؟ ده يبقى ندل أوي.
بنفس النبرة الساخطة علق عليها:
-أنا مستبعدش عنه حاجة، يعني أنا مش عايز أشتمه قصادك.
أراحت "همسة" يدها على صدرها، ودعت في تضرعٍ بصوتٍ خافت:
-ربنا يستر، ويحفظها من كل شر، هي مش ناقصة.
انتبهت لزوجها وهو يقول فجأة مشيرًا بيده نحو إحدى البنايات:
-احنا وصلنا.
دارت بعينيها في المكان، وسألته في حيرة:
-وصلنا فين؟
شبك يده في كفها، وقال وهو يدفعها للسير نحو المدخل:
-تعالي .. دلوقتي هتعرفي.
.................................................................
لم يتعجل صعودها السلم، وتحلى بالصبر رغم الحماس المسيطر عليه، والذي يدفعه لرؤية ردة فعلها حينما تعلم عن المفاجأة التي أعدها لها. بمجرد أن وصل إلى الطابق المنشود، أشار بيده نحو أحد الأبواب الخشبية، نظرت إليه "همسة" نظرة متسائلة، فلم يجبها، وحافظ على عنصر التشويق في مفاجأته، أخرج من يده المفتاح ليضعه في القفل الخاص به ويفتح الباب، ما زال الفضول الممزوج بالحيرة مسيطرًا على زوجته، وألحت عليه:
-ما تقولي يا "هيثم"، احنا جايين هنا ليه؟
دفع الباب بيده، ودعاها للدخول بابتسامة عريضة أبرزت صفي أسنانه:
-سمي بالله كده وإنتي داخلة.
رددت بحاجبين معقودين:
-إيه ده؟
وطأت داخل البهو المعتم كليًا إلا من إنارة البسطة المنتشرة بشكلٍ غير متكافئ، فمد "هيثم" يده ليضغط على المفاتيح الجانبية فأنارته برمته. مسحت بعينيها تفاصيله سريعًا، حيث وجدت بعض أدلاء الطلاء، والعدة المستخدمة معه، بالإضافة لأوراق متناثرة هنا وهناك، ارتفع بصرها نحو الحوائط فوجدت ألوانها فاتحة تبعث البهجة على النفس، استمرت في تقدمها هاتفة بإعجابٍ:
-ماشاءالله، ده إيه المكان ده؟
أغلق باب المنزل، وأخبرها وهو مسلط كل عينيه عليها:
-بيتك يا "هموسة".
التفت كليًا لتنظر إليه بتلك التعابير المصدومة، ورددت في عدم تصديقٍ:
-بيتي؟
دنا منها موضحًا:
-أيوه، ما دي المفاجأة اللي كنت بجهزهالك بقالي فترة.
وضع كلتا قبضتيه على ذراعيها، واستكمل توضيحه بابتهاجٍ لا يمكن إنكاره:
-هي لسه قدامها شوية عقبال ما نخلص الدهان، ونغير كام حاجة، وتكون جاهزة.
قفز قلبها طربًا، وسألته بابتسامة سعيدة للغاية:
-أنا مش مصدقة، بس إنت عملت كده إزاي؟
ما زالت يداه تتحركان صعودًا وهبوطًا على جانبي ذراعها وهو يقول معترفًا:
-الحمدلله القرشين اللي معايا على كام مصلحة قومت بيهم، وربنا بيكرم، ومانكرش جوز خالتي قايم بالواجب معايا، ده غير "تميم" مقصرش الصراحة.
عقبت في امتنانٍ:
-ربنا يبارك فيهم، ناس أصيلة.
عادت لتتأمل أرجاء المنزل مجددًا وهي تخبره:
-بس الشقة أصلاً باين عليها متوضبة.
أجابها بعد لحظة من التردد:
-ما هي كانت شقة "خلود" القديمة، اللي اتجوزت فيها، وآ...
حملقت فيه بقليلٍ من الدهشة، بينما تابع "هيثم" كلامه بحرجٍ:
-بدلتها معاه بيتي القديم، ودفعت فرق بسيط.
لاحظ أمارات الوجوم التي ظهرت على محياها، فسألها في توجسٍ:
-مالك؟
ضمت شفتيها للحظاتٍ وهي تنظر إلى ما حولها، بدت إلى حدٍ ما متحفظة عندما تحدثت أخيرًا:
-مش عارفة، بس مش جايز جوز أختك يكون زعلان إنه باعها، وخصوصًا إنها كانت بيتهم، وآ...
قاطعها موضحًا الأمر ببساطة:
-لا بالعكس، كان مرحب جدًا، لأنها مش ساكن فيها، ومركونة على الفاضي، ده غير إن عنده شقة تانية فوقنا.
تفاجأت من كلماته الأخيرة، ورددت:
-ماشاءالله، ربنا يزيد ويبارك.
لم يرغب "هيثم" في إثارة الماضي بآلامه وذكرياته، خاصة ما يتعلق بشقيقته الراحلة، أراد التركيز على الحاضر، والتطلع إلى المستقبل بكل قوة وإرادة، لهذا تجاوز عن تلك الأحزان، ليسألها مجددًا في ترقبٍ:
-ها إيه رأيك في بيتك المتواضع؟
في البداية كانت ملامحها هادئة، غير مقروءة له، جعلته يشعر بالخوف من احتمالية رفضها؛ لكنها فاجأته حين تبدلت للابتسام والرضا وهي تجيبه:
-دي جنتنا يا حبيبي، أنا وإنت و...
وضعت يدها على بطنها المنتفخ تتحسسه في رفقٍ وهي تكمل:
-والنونو اللي جاي.
وجد نفسه ينحني على بطنها، وكلتا يداه تدوران في حركة دائرية عليها، طبع قبلة حانية عليها، ثم أسبل عينيه نحو زوجته قائلاً بكل ما يعتمر قلبه من فرحةٍ وسرور:
-ربنا يحفظكم ليا ................................... !!
................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل العشرون 20 - بقلم Manal Salem
للساهرين بعد منتصف الليل بشويتين ..ده فصل يوم الجمعة من الطاووس الأبيض نظرًا لتوجهي باكر لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، واللي هحتفل فيه معاكو بإطلاق رواية ، وكذلك كتيب في أول حفل توقيع رسمي مقام في مركز مصر للمؤتمرات والمعارض الدولية بالتجمع الخامسوجودكم هيسعدني جدًا، واليوم مش هيكتمل إلا بتشريفك ..وإن شاء الله كلنا نقضي وقت طيب ..هاسيبكم مع الفصل
الفصل المائة وثلاثة وثلاثون
أخرج ورقة نقدية من حافظته أعطاها لعامل المقهى الذي أمده بكوبٍ آخر من الشاي، بعد أن منح جميع العاملين بداخل دكان ابن خالته ما ينقصهم من مشروباتٍ ساخنة. فرك "تميم" جبينه براحة يده لبضعة مراتٍ، ثم نظر بشرود إلى المارة قبل أن يتطلع إلى ساعة هاتفه المحمول. ما زال ماكثًا بالخارج كعادته، لا يعود إلا عند اللزوم، أو في وقت النوم، تجنبًا لأي محاولات للقاء بها ولو مصادفة، خاصة بعد أن عرف بتوليها مهمة تزيين المنزل من أجل مراسم عقد قران شقيقته به.
كان يقتله الشوق، ويعذبه البُعد عنها؛ لكن لا مهرب من الوفاء بعهوده، تحتم عليه إبقاء تلك المسافة إلى أن يشاء المولى، ويجمعهما سقف واحد. التفت برأسه نحو الجانب حين سمع صوت "هيثم" يناديه من مسافة شبه قريبة:
-"تميم"!
أشــار له بيده وهو يرد:
-تعــالى.
سحب مقعدًا وجلس إلى جواره متسائلاً بصوتٍ لاهث:
-إيه الأخبار؟
أجابه مستخدمًا يده في التوضيح:
-اتعملت توصيلات التلاجة، واتقفلت علبة الكهربا، يعنيي فاضل كام حاجة ونخلص.
ردد مبتسمًا في سعادةٍ:
-طب كويس، كتر خيرك يا ابن خالتي، ليل نهار متابع مكاني.
لوى ثغره متحدثًا بعد زفيرٍ بطيء:
-وأنا ورايا إلا كده.
حمحم "تميم" بعدها يسأله وهو يعقد ساعديه أمام صدره:
-وإنت الدنيا تمام معاك؟
أومأ "هيثم" برأسه قائلاً:
-أيوه.
سأله بنظراتٍ مترقبة:
-وريت جماعتك الشقة؟
كانت تعابيره مسترخية على الأخير وهو يجيبه:
-أه، الحمدلله عدت على خير.
امتدت يده لتربت على فخذه بربتة قوية معلقًا بابتسامة صغيرة:
-ربنا يباركلكم فيها، ويجعلها عتبة خير عليكم.
أمن عليه داعيًا:
-يا رب.
جاء عامل المقهى مرة أخرى ومعه كوب الشاي، وضعه أمام "هيثم" قائلاً بنبرة أليفة:
-شاي في الخمسينة للمعلم.
رد يشكره في ودٍ:
-تسلم يا "رزق".
انتظر ذهابه ليبدأ بعدها في توجيه الحديث إلى "تميم" بملامح مالت للوجوم:
-صحيح كان في حاجة عايز أقولهالك بخصوص الطاعون الأزلي قريب مراتي.
وكأن تعابيره قد حل عليها السواد، فبدا أكثر نفورًا وهو يتساءل:
-ماله البغل ده؟
ارتشف قدرًا من شايه، وأجابه بتأففٍ لا يخلو من الانزعاج:
-هو أنا مش متأكد، بس مراتي شاكة إنه يكون عامل لأختها عمل.
انتفضت كافة حواسه كأن عقربًا لدغه، وهتف بصوت أقرب للزئير من شدة غضبه:
-نعم! اتجن في عقله ده ولا إيه؟
لم يندهش "هيثم" من الثورة العارمة المستبدة بابن خالته، فهو مثله يمقته مقتًا شديدًا، وقد يتفق الاثنان معًا في ازدياد كراهيتهما له، أخرج هاتفه من جيب بنطاله، وعبث به قائلاً:
-استنى أوريك المنشور، ما أنا بعته ليا.
كور "تميم" قبضة يده ضاغطًا على أصابعه بغيظٍ مكبوت حتى ابيضت مفاصله، وما إن أمسك بالهاتف، ورأى ما احتل الشاشة حتى انفلتت منه سبة نابية يلعنه بها:
-ابن الـ ....!!!
ظن "هيثم" من فرط انفعال ابن خالته المرئي أنه سيحطم الهاتف في يده، فاستعاده منه، وقال بتحفزٍ واضح عليه:
-والصراحة أنا مش عاوز أفوتهاله.
بكل ما يستعر في صدره من غضب، وحقد، وغل، هب "تميم" واقفًا ليخبره بنظراتٍ مرعبة لا تبشر إلا بكل ما هو مخيف:
-ومين قالك إني هعديها.
انتبه ابن خالته في جلسته، يراقب ما يفعله وهو يخابر أحدهم، أنصت إليه عندما استطرد آمرًا:
-عايزك يا "ناجي" تجهزلي الرجالة في طلعة كده، تفضيهم لو مش فاضيين، سامعني.
بقيت أنظاره مسلطة عليه، و"تميم" يتابع مكالمته بنفس اللهجة الصارمة:
-استنى مني مكالمة تانية هاقولك تعمل إيه.
لم يلقِ التحية، وأغلق الخط ليشرع في الاتصال بأحدٍ آخر، تساءل "هيثم" في فضولٍ متحمس:
-إنت ناوي على إيه؟
اكتفى بالإشارة له بسبابته قبل أن يتحدث هاتفيًا بغموضٍ:
-أيوه يا أستاذ، عايزك في خدمة على السريع، بس ضروري تتقضى النهاردة.
جاءه صوت المحامي مُطيعًا:
-تحت أمرك.
انخفضت نبرته إلى حد كبير وهو يكمل:
-شوف يا أستاذنا...
في حين ردد "هيثم" مع نفسه بفضولٍ ما زال يتضاعف بداخله:
-شكلك هتولعها يا "تميم"!
........................................................
حتى لا تتكبد مشقة الذهاب والعودة، أقامت "فيروزة" عند شقيقتها خلال اليومين التاليين في غرفة الأطفال، ولم تمانع والدتها في المكوث أيضًا، وجاءت مع "رقية" لتقديم المساعدة للعروس المرتقبة. أصبح الجميع كخلية نحلٍ يتعاونون معًا من أجل تنظيف المكان، وإعداده للحفل العائلي الذي أصرت عليه "هاجر" عند عقد قرانها، بينما تمسك "سراج" برأيه في إقامة ليلة عرس كبيرة وقت زفافهما.
نهضت "آمنة" من على الأريكة بعد أن أنهت تطريز منديل عقد القران، وعرضته على العروس متسائلة:
-ها يا حبيبتي، أزود حاجة عن كده؟
تأملت ما صنعته يدها من إعادة تجميل المنديل القماشي السادة الذي ابتاعته "فيروزة" بشكلٍ رقيق وجذاب، ثم هتفت تشكرها في حبورٍ ممتن:
-الله، حلو أوي، تسلم إيدك يا طنط، دي حاجة حلوة أوي، أنا تعبتك معايا.
علقت قائلة بلطافةٍ:
-على إيه يا حبيبتي، دي حاجة بسيطة، أطلبي وأنا أعملك الحلو كله.
نظرت إليها بعينين مشرقتين وهي ترد:
-ربنا يخليكي.
طوت "آمنة" المنديل، وأكملت موضحة لها:
-ناقص بس يكوى عشان الكرمشة، وتثبيت الفصوص، هاطلع أفرده فوق عند "همسة"، وبالمرة أنيم "كوكي"، عينيها نعوست.
مع كلماتها الأخيرة كانت تنظر نحو الصغيرة "رقية" التي واصلت التثاؤب مرة بعد مرة، قبل أن تميل برأسها على مسند الأريكة العريض لتستريح عليه. ركزت "هاجر" نظرها عليها، وقالت في تعاطفٍ:
-حبيبتي، طول اليوم أعدة بـ "سلطان".
قالت "آمنة" ضاحكة، وهي تستحث الصغيرة على النهوض:
-دي فكراه لعبتها.
ردت عليها "هاجر" مبتسمة ابتسامة صغيرة:
-ربنا يبارك فيهم.
أومأت برأسها مرددة:
-يا رب.
ثم استدارت نحو ابنتها المنهمكة في تثبيت قماش الستان الأبيض المطعم بوردات بيضاء حول عمود الجرانيت الجانبي، وسألتها في اهتمامٍ:
-إيه الأخبار عندك يا "فيروزة"؟
كانت الأخيرة منحنية عليه وهي تجاوبها:
-أنا قربت أخلص، فاضل الحتة دي، ويبقى كله تمام.
هتفت "آمنة" قائلة في سرورٍ:
-على بركة الله.
ثم أتبعت كلامها بإطلاق بضعة زغاريد عالية ابتهاجًا بالمناسبة السارة، لتتوقف بعدها وهي تدعو:
-ربنا يتمم على خير.
جاءت إليها "ونيسة" وهي تحمل كومة من الثياب المطوية بعد أن انتهت من جمعها، لتهتف بضحكاتٍ قصيرة:
-أيوه بقى الزغاريط الحلوة.
تسابقت معها في ملء المكان بعشرات الزغاريد؛ وكأنهما تريدان للعالم بأسره أن يشاركهما الفرحة العارمة. غادرت "آمنة" المنزل، وبقيت ابنتها عاكفة على أداء عملها بكل إتقانٍ ودقة، بالإضافة إلى محبة خالصة؛ كأنما وجدت متعتها في إسعاد غيرها. انبهرت "ونيسة" بما تفعله، وأثنت عليها قائلة:
-نتعبلك كده نهار فرحتنا بيكي يا قمراية.
علقت عليها بتلقائية:
-أنا خدت حظي خلاص.
عبست "ونيسة" معاتبة إياها برفقٍ:
-ماتقوليش كده، كل حاجة ليها وقتها، وبعدين اقرصي "هاجر" في ركبتها عشان تحصليها في جمعتها.
علقت عليها "هاجر" بمكرٍ، وتلك الابتسامة العابثة تتراقص على محياها:
-من غير قرص يامه، ربنا هيعدلهلها مع حد يستاهلها بجد، وهتشوفي.
كانت الإيحاءات المبطنة، والتلميحات المتوارية تعزز ما راود عقلها مؤخرًا بشأنه تحديدًا، وإن جاهدت لإنكار شعورها المتزايد بداخلها؛ لكن هذا الإحساس العجيب الذي يغمرها ينبئها أنه المقصود، ولم تكن ممانعة، بل بدت مرحبة به بصورة استغربت منها، كأن الحجاب الحاجز الذي فصلها عن رؤية ما يضمره القلب لها قد تفتت، وأصبحت مشاعرها قابلة للتأثير. رسمت تعابير جامدة على وجهها، وقالت بلهجةٍ أرادت أن تكون جادة:
-طيب نسيبنا من حكاية جوازي دلوقتي، ونركز في الديكور.
بنفس الابتسامة العابثة ردت عليها "هاجر":
-ماشي يا حبيبتي.
انحنت "ونيسة" لجمع بعض البقايا غير الضرورية من على الأرض، ووضعتها بداخل صندوق صغير للمهملات كانت تستعين به "فيروزة" طوال عملها، حتى لا تسبب الفوضى في المكان، ثم اعتدلت واقفة لتقول بعدها:
-أنا هاروح أشوف جدك يا "هاجر"، ولو في حاجة نادي عليا.
رفعت رأسها إليها وقالت سريعًا:
-حاضر.
ثم أخفضتها مجددًا لتواصل لصق الورود الصغيرة، أعلى الهدايا المغلفة بورق السلوفان، حيث تُعدها لإعطائها للمدعوين بدلاً من الحلوى التقليدية. استطردت "فيروزة" متسائلة فجأة:
-بأقولك يا "هاجر" أنا عاوزة إبرة وخيط، محتاجة أتقل على الطرف ده، أخاف يفك.
دققت "هاجر" النظر في المفرش الذي تمسكه، وسألتها في توجسٍ:
-هو اللزق مش ماسك؟
حركت التطريز الموجود على الأطراف بخشونةٍ طفيفة وهي تخبرها:
-كويس، بس مضمنش يحصل إيه!
بحثت "هاجر" بعينيها سريعًا عنهما بين الأشياء الكثيرة الموضوعة قبالتها على الطاولة، ثم خاطبتها بعد لحظاتٍ:
-هما مش قصادي، يبقى أنا سيباهم على التسريحة في أوضة "تميم".
ذكر اسمه عفويًا أمامها جعل قلبها يقصف كأن الحرب اندلعت به، لم تكن هكذا من قبل! شعرت باندفاع الدماء إلى وجهها، حتمًا ظهر التورد في بشرتها، لم ترغب "فيروزة" بإظهار ربكتها الغريبة، وادعت انشغالها بضبط طرف المفرش؛ لكنها في نفس الآن اختلست النظرات نحو "هاجر"، تنفست الصعداء لكونها لم تلحظ تلبكها، وسمعتها وهي تقول ناهضة من مكانها:
-هاروح أجيبهم من الأوضة.
تقدمت بضعة خطوات نحو الردهة؛ لكن ما لبث أن توقفت فجأة عن السير، حينما سمعت صراخ رضيعها قادمًا من غرفتها، ليعلن عن استيقاظه بعد غفلة معقولة، غيرت في اتجاهها هاتفة في لوعة:
-يا حبيبي.
راحت تهدهده، ومع هذا لم يتوقف عن البكاء، فتساءلت في عبوسٍ مصطنع:
-إنت جعان يا قلبي؟
اتخذت مكانها على الفراش لتبدأ في إرضاعه، وصاحت بصوتٍ شبه مرتفع:
-معلش يا "فيروزة" هاتيهم إنتي، الأوضة إنتي عارفاها، أنا مشغولة مع "سلطان" شوية.
أتاها صوتها من الخارج محتجًا:
-بس أصل آ....
قاطعتها بنبرة حاسمة:
-مافيهاش حاجة، البيت فاضي، متقلقيش، بس عشان معطلكيش عقبال ما يرضع، هو مش هيسكت خالص.
لم تجد "فيروزة" بدًا من الرفض، وهتفت قائلة في استسلامٍ:
-طيب.
..................................................
على مِشنَّة من الخوص، فردت "سعاد" أرغفة العيش التي ابتاعتها عليها لتبرد، بعد أن أمضت ما يقرب من الساعة أمام المخبز تنتظر دورها لتحصل على حصتها منه، التفت برأسها نحو ابنها المنشغل بمشاهدة التلفاز وهو يستلقي واضعًا ركبته أمام صدره، تنهدت بزفيرٍ متهمل، وسألته بوجهٍ متعب:
-مش هتبعت قرشين لعيالك؟ قابلت جدتهم في الطابونة، وسألتني عن ده، الشهرية فاتت يجيلها مدة.
انتفض صارخًا بها بعصبيةٍ بعد أن أخفض ساقه:
-كمان، ده أنا أبقى مَرَة، وألبس طرحة على راسي لو عملت كده.
حملقت فيه مدهوشة، وعاتبته في استهجانٍ:
-ليه بس يا "فضل"؟ ده حقهم!
أصر على رفضه هاتفًا بتشنجٍ:
-ماليش فيه، وأخلى خيري لغيري ليه؟ يتفلقوا.
استنكرت قساوة قلبه، وعنفته دون أن ترتفع نبرتها:
-مش دول عيالك بردك؟ ده واجب عليك تصرف عليهم.
هدر فيها بخشونةٍ غير مراعٍ لمنزلتها:
-بمزاجي مش لوي دراع.
خاطبته بنفس النبرة غير المحتدة:
-وفين اللوي بس؟
أخبرها بحمئةٍ، وقد اشتاطت قسماته:
-لما الولية تكلمك ببجاحة كده وسط الناس عشان تكسفني، وتبقى عايزاني أدفع بالغصب، وأنا مش هعمل كده، ومش دافع.
ردت متسائلة في استنكارٍ أكبر:
-يعني عايز الناس تاكل وشنا؟
بسماجةٍ غير مبالية قال، وبصوتٍ غير منخفض:
-وياكلوا قفانا كمان ...
ثم استخدم يديه في الإشارة عندما تابع بسخطٍ:
-ما هما معاهم أد كده، ولا لقمة العيال هتضلعهم.
نظرت إليه في غير رضا؛ لكنه لم يكترث، وتابع تهكمه الساخر:
-ولا أقولك خلي عريس الغفلة يدفع هو؟ طالما شال، يبقى ياخد الشيلة كلها، ده على قلبه أد كده مكنزهم رزم فوق رزم.
قبل أن تهم "سعاد" بالاعتراض عليه أخرسها بترقيق نبرته ليبدو كالمغلوب على أمره:
-وبعدين يامه أنا محتاج كل قرش دلوقتي عشان أتجوز بيه، يعني لازمًا أمسك إيدي في المصاريف حبتين.
نكست والدته رأسها، وقالت في ضيقٍ:
-أنا مش عايزة حد يقول عنك بخيل يا ابني، الناس هنا لسانها وحش.
استفزه ذلك اللقب، فاهتاج مدافعًا عن نفسه:
-بخيل، فشرت عينهم، ما أنا بنزه نفسي أهوو ومش بستخسر فيها حاجة.
كان محقًا في اعترافه هذا، فدومًا يغدق على ملذاته، ومساراته بكل ما يوجد في جيبه؛ لكن مع غيره كان شحيحًا بدرجة واضحة. غير "فضل" مجرى الحديث، وانحنى نحو والدته يستميل رأسها بزيف الكلام المعسول:
-سيبك منهم، وشوفي هتخطبيلي "فيروزة" امتى يا حجوجة، ده إنتي الخير والبركة!
ردت في اقتضابٍ لم يشعره بالارتياح:
-ربنا يسهل.
.....................................................
نشوة عجيبة متحمسة أصابت بدنها كليًا حين وطأت غرفته، شعرت برائحته المميزة عالقة في جوها، كأنما تؤكد لها بشكلٍ غير مباشر أنها مملوكة له، ولدهشتها أحبت هذا الشعور، كانت مترددة بعض الشيء، تخشى التقدم داخلها، وقفت لهنيهة مستندة بيدها على إطار الباب، متحرجة من الإمساك بها وهي تتجول بأرجائها، وإن حازت –رغم هذا- على التصريح بدخولها، والتفتيش مجازًا في محتوياتها. تنفست بعمقٍ وملأت رئتيها بتلك الرائحة الندية، ثم أغمضت عينيها ليكتمل هذا الشعور الغريب –والمستحب- الذي استحوذ عليها.
خلال اليومين الماضيين كانت تتوق لرؤيته ولو مصادفة؛ لكنه كان كالغائب الحاضر، تتكرر سيرته أمامها، ومع هذا لا يظهر في محيطها، كم رغبت في التطلع إليه وهو يرمقها بتلك النظرات التي تحتويها وتدفعها لاختبار هذا النوع الجديد من الشعور، ذاك الذي أصبح يروقها. تلك المرة تأملت "فيروزة" محتويات غرفته على مهلٍ، كأنما تريد حفظ تفاصيلها، لم يكن إحساس الرهبة مسيطرًا عليها، وإنما كتلة من الأحاسيس الغريبة التي تدعوها لتذكر ما يخصه جبرًا، وأيضًا لم تكن ممانعة! استلذت هذه الرغبة النابعة منها.
وقعت عيناها على الكومود، وتحديدًا الدرج الذي اكتشفت فيه احتفاظه بمتعلقاته، واربت الباب إلا من فرجة صغيرة بعد أن ألقت نظرة سريعة نحو الخارج، وجدت ساقيها تتحركان من تلقاء نفسيهما نحو الكومود، امتدت يدها لتفتحه؛ لكنها تجمدت للحظاتٍ، ترددت في فعل هذا، وكأن ضميرها يعاتبها لاقتحام خصوصيته دون إذنٍ منه، غالب ترددها الفضول المستبد بها، لذا تشجعت وسحبت الدرج للخارج، فبرقت عيناها في صدمة جعلت حواسها تنتفض فرحةٍ، ما زالت مشابكها موجودة، ومنديل رأسها كذلك.
أحست ببهجة سارة للنفس تتفشى في أوصالها، وبخفقات طربة تصيب قلبها، ويا لهذا التماوج في المشاعر الرقراقة الجميلة التي بدأت تغلف كيانها! أعادت "فيروزة" غلق الدرج وهي غير مدركة أنها تبتسم ابتسامة أضاءت وجهها، وأضفت البهاء على نظراتها اللامعة. قررت ألا تزيد من فترة بقائها، يكفيها ما ظفرت به من شعور مريح وممتع، اتجهت نحو مرآة التسريحة لتفتش عن صندوق الخياطة الصغير. وجدته إلى جانب إطار صورة صغيرة تخصه، تلقائيًا أمسكت به، ورفعته نصب عينيها لتتأمل ملامحه المبتسمة بتدقيقٍ، مسحت بإبهامها على وجهه، وتساءلت مع نفسها بحيرةٍ:
-فيك إيه بيشدني ليك؟
سرعان ما انفلت الإطار من يدها بغتة وسقط على الأرض حين انفتح باب الغرفة على مصراعيه لتجده واقفًا عند عتبته مرددًا في صدمة تفوقها:
-إنتي ....................................... !!!
.................................................................