تحميل رواية «الطاووس الأبيض ©️» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تم نشر فصول الأجزاء الثلاثة الأولى في روايات منفصلة، تحمل نفس الاسم المشترك (الطاووس الأبيض)؛ ولكن بأغلفة مختلفة لسهولة التمييز .. ترقيم فصول الجزء الأول: - من الفصل الأول حتى الخامس والثلاثين ترقيم فصول الجزء الثاني: - من الفصل السادس والثلاثين حتى التاسع والستين ترقيم فصول الجزء الثالث: -من الفصل السبعين حتى المائة وخمسة عشر يبدأ ترقيم فصول الجزء الرابع من الفصل مائة وستة عشر، وذلك استكمالاً لما سبق من تتابع للأحداث المشوقة .....
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الحادي والسبعون 71 - بقلم Manal Salem
الفصل المائة وثمانون (الأخير – الجزء الرابع)
خشي من احتمالية تأخره عليه، وتعرضه للتوبيخ اللاذع منه، خاصة أن المكان في هذا الوقت كان مزدحمًا بشكلٍ لا يُطاق، ولسان "فضل" لا يتوقف عن السب واللعن تحت أي ظرف، أخرج رفيقه هاتفه المحمول من جيبه لينظر إلى التوقيت فيه، أطلق زفرة مزعوجة، وقد تأففت ملامحه، اشرأب بعنقه مجددًا لينظر إلى العاملين المنهمكين في إعداد طلبات الطعام، وضع يده على بطنه يتحسسها، يكاد يسمع صوت قرقرة معدته من الرائحة الشهية المغرية، قاوم جوعه قدر استطاعته، سئم من الانتظار، وضاق صبرًا، لهذا صاح عاليًا من موضعه ليدفعهم للتعجل في تسليمه ما يخصه:
-الله يكرمك خلصني أوام، أنا مستعجل.
احتج عليه أحد الواقفين على مقربة منه في تهكمٍ:
-يعني لسه جاي وعاوز تمشي؟ ده الناس هنا بقالها فوق الساعة.
نظر إليه قائلاً بتعابيرٍ منقلبة:
-معلش، أنا على سفر.
رد عليه الرجل بشيءٍ من التهكم:
-الله يسهلك.
نفخ رفيق "فضل" مرة ثانية، وراح يُعاود النظر في شاشة هاتفه، قبل أن يعيده إلى جيبه، عندئذ تحسس المدية التي تم نزعها سابقًا من كتف "فضل" بعد ادعاء تعرضه للإصابة عن طريق الخطأ، وتضميد جراحه مؤقتًا في إحدى العيادات الخاصة بأحد أطباء الجراحة، لم يرغب في التخلص منها، واحتفظ بها لنفسه بعد أن قام بتنظيفها بمطهرٍ، كنوع من الذكرى، أخفى ابتسامة منتشية وهو يتلمسها بأصابعه المدسوسة في جيبه:
-ده أنا نسيت إنها معايا، وربنا خسارتها تترمى، دي من النوع الغالي ...
سرعان ما تجهمت تعابيره نسبيًا وهو يكمل حديث نفسه:
-بس "فضل" هيسبغلي في الراحة والجاية لو شافها معايا.
برقت عيناه بوميضٍ مستمتع حين طرأ بباله فكرة مستهلكة؛ لكنها كانت مرضية لها، فأخذ يخبر نفسه:
-هبقى أداريها فترة لحد ما ينسى، وبعد كده أخدها اتنمظر بيها قصاد المقاطيع أصحابي.
انتشله من شروده الحالم صياح أحدهم بلهاثٍ منفعل:
-يا جدعان، إنتو أعدين هنا ومش شايفين الكارثة اللي برا.
انتبه الجميع لحديثه الهام، وبادر أحد الأشخاص بسؤاله في فضولٍ متزايد:
-يا ساتر، حصل إيه؟
أشار الرجل بيده نحو الخارج موضحًا في نفس الصوت المنفعل:
-على أول الشارع في بلكونة وقعت من عمارة الاتحاد.
سأله آخر في قلقٍ:
-وحد جراله حاجة؟
هز كتفيه في تحيرٍ، وأجاب:
-مش عارف لسه، بس الناس هناك أمم.
لكز أحد الأشخاص كتف آخر قريبًا منه يستحثه على التحرك وهو يقول:
-بينا نشوف لحد ما يخلصوا الأوردرات.
بدأ بعض المتواجدين بداخل المطعم بمغادرته لرؤية الحادث، في حين بقي رفيق "فضل" قابعًا في مكانه، تقدم في الصف، وهتف مجددًا بصوته المرتفع:
-يا عم خلصني وهات الكباب خليني أشوف مصالحي.
رد عليه العامل من خلف الحاجز الزجاجي:
-طيب .. اصبر، ولا روح معاهم اتفرج لحد ما نجهزلك طلبك.
اعترض عليه في عنادٍ:
-لأ مش ماشي قبل ما أخد الكباب.
خاطبه العامل في سماجةٍ:
-يبقى استنى دورك وإنت ساكت.
قوست الأخير فمه في نفورٍ، وغمغم مع نفسه بسخطٍ وهو يشيح بوجهه:
-معاملة زفت، ماتتخيرش عن "فضل"!
..................................................
العودة بلا تحقيق أدنى درجات الانتقام اعتبره أمرًا مخزيًا، لم يجرؤ "تميم" على الذهاب إلى المنزل، واتجه إلى الدكان ليمكث به منفردًا بحاله المضطرب، تجنب جميع العمال الاقتراب منه، خاصة بعد تحذيره الصارم بعدم إزعاجه، تركوه في عزلته بالداخل، وواصلوا عملهم بهمةٍ دون التفكير في اللجوء إليه إن استدعى الأمر لهذا. فقط واحدٌ من العمال تشجع ليهاتف الحاج "بدير" ليطلعه على حالته، فأخبره الأخير بالانصياع لأوامر ابنه، وانتظار مجيئه للتصرف والتعامل معه.
خلال تطوافه الطويل في تفكيره العميق والمتصارع ما بين فعل الصواب، وارتكاب الخطأ، أحس "تميم" بالتخبط، والتحرُّق، فالقلب رغب منه التروي، والعقل أصر على الثأر وقطع الأعناق. لم تنقشع غيمات غضبه المستعرة بعد، بل كانت تتراكم، وتزداد قتامة كلما استحضر ذهنه كلمات "فضل" السقيمة، إن لم يكن واثقًا في براءة زوجته، لانساق بلا تعقلٍ وراء أكاذيبه، وفعل الأسوأ، ما لا يأتي على عقل بشؤ؛ لكن ثقته بها غير محدودة، غير قابلة للتشكيك.
استند بجبينه على قبضتيه المضمومتين، وراح يتنفس بثقلٍ، كأنما ينفث حممًا من اللهيب من صدره، ارتفع رأسه المنكس عندما سمع صوت والده يناديه في حنوٍ:
-"تميم".
عيناه الغائمتان كانتا كفيلتان للإشارة إلى مدى ما يكبته من ثورة عارمة، ضم شفتيه بقوةٍ، وتحفز في جلسته بشكلٍ لافت لتشنجه، دنا منه "بدير" قائلاً بأسلوبه الهادئ السلس:
-كويس إنك جيت على هنا.
جلس على المقعد المواجه لمكتبه، وسأله في اهتمامٍ، ونظراته مسلطة عليه:
-عامل إيه دلوقتي؟
لم يستطع "تميم" تخبئة انفعاله المشحون، تحرر قدرًا منه وهو يجاوبه في حدةٍ، انعكست في نبرته قبل ملامحه:
-هاقولك إيه يابا؟ إني مش قادر أوري وشي لمراتي، ولا حتى هابقى عارف أرفع عيني في عينها وأنا مجبتلهاش حقها لسه؟
صمت "بدير" للحظةٍ قبل أن يسأله بتريثٍ:
-هتجيب حقها وتودي نفسك في داهية؟
هتف في نبرة متحفزة على الأخير، وقد اِربد وجهه بالمزيد من أمارات الحنق:
-الشرف مافيش فيه كلام يابا.
بسط "بدير" كفه على سطح المكتب، وأخبره بتعابيرٍ هادئة مستكينة:
-اصبر، واحتسب، وافتكر كلام ربنا لما بيقول "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ" ..
كان كمن أصيب بخرسٍ مؤقت، ألجم لسانه، وأصغى إليه وهو يتم جملته:
-يعني حكم ربنا نافذ رغم إرادة البشر، مشيئته هتحصل شئنا أم أبينا.
رغم هياجه ردد "تميم" من بين أسنانه:
-ونعم بالله ..
واصل والده الكلام معه لإقناعه بالتريث، مستخدمًا أسلوبه السهل اللين:
-إنت ربنا عوضك ورزقك بنعم كتير، والحاقد اللي زي البغل ده عاوز يعميك عن خير ربنا، وياخدك لطريق مالوش نهاية، إنت في امتحان دلوقتي ربنا حطك فيه، وعاوز يشوفك هتعمل إيه، ففوض أمرك ليه، وانتظر النتيجة، وزي ما هو سبحانه بيكون غفور رحيم مع عباده، بيكون برضوه المنتقم الجبار وشديد العقاب مع الظالمين.
أخفض رأسه مطبقًا على جفنيه، كأنما يحاول تحجيم ما يتقد بداخله من مشاعر هائجة، تسعى لكل ما هو مُخرب، امتدت يد والده لتمسح على كفه في مودةٍ، وأضاف:
-والظالم مهما اشتد ظلمه نهايته أقرب مما يتخيل.
اختنق صوت "تميم" لشعوره بالتقصير، وظهر واضحًا عندما عقب في ألمٍ:
-صعبان عليا حالي يابا، لما مراتي تستنجد بيا، وأبقى مش قادر آ...
قاطعه مبتسمًا في تأكيد:
-مراتك بتحبك، وعايشة تحت ضلك، هتحرمها من قربك بإنك تعمل الذنب وتبرر؟
لم يستطع مغالبة غضبه المتصاعد، فغطت آثاره على كامل وجهه حين علق منفعلاً:
-يعني أسيبه كده يعمل ما بداله؟ يطعن في شرف مراتي وأنا واقف أتفرج؟
تكلم معه "بدير" بهدوءٍ:
-ومين قالك إنه هيتساب كده؟ ربك قادر على فعل كل شيء، وخصوصًا لما البشر يعجز عن التصرف.
طرد "تميم" الهواء في زفيرٍ طويل محمل بالاستياء، استمر والده في التحدث إليه بطيب الكلام:
-استهدى بالله، وأرمي همومك عليه ...
ثم نهض واقفًا وهو يطلب منه:
-قوم معايا نروح البيت، مراتك مستنياك هناك.
كان يطلب منه ما لا يملكه حاليًا، فمواجهة نظراتها المليئة بهذا الشعور المقهور لم يكن مستعدًا له، اعتذر منه مبررًا في ضيقٍ ما زال محتلاً كيانه:
-شوية بس يابا، مش عارف أقابلها وأنا كده.
تفهم عزوفه، وقال ناصحًا إياه:
-طيب .. بس خليك فاكر إنها مفطورة من العياط عشانك، فماتسبهاش لوحدها، كسرة القلب وحشة، وهي عشمانة فيك أوي.
هز رأسه في طاعةٍ قبل أن يرد بصوتٍ انخفض بشكلٍ تدريجي، كأن الإعياء تمكن منه:
-حاضر يابا.
ابتسم "بدير" في حبورٍ، ودعا له عن طيب خاطرٍ:
-ربنا يكرمك ويراضيك.
تركه بمفرده، وغادر في هدوء، ليظل "تميم" حبيس همومه الثقيلة، رغمًا عنه نفرت دمعة عاجزة من طرفه، أزاحها قبل أن يراها أحدهم، ليردد بعد ذلك بين نفسه في تحيرٍ موجع:
-أخد حقها منك إزاي وأنا متكتف كده؟!!
كاد يغرق في همومه الثقيلة مرة ثانية لولا رنين هاتفه، نظر إلى الاسم الصادح على شاشته، فوجده لشقيقته، كانت من عادتها ألا تتصل إلا لو كان الأمر هامًا، تجاهل اتصالها متوقعًا أنها تلعب دور الوسيط في تهدئته، فربما اشتكت إليها والدته، وطلبت منها التدخل لإيقافه عن تهوره. لم يرغب في مصارحة أحدهم عما يجوس في نفسه، أطرق للحظاتٍ، ولم يكترث لمكالمتها؛ لكن تكرر اتصالها، وبدا مُلحًا بشكلٍ مزعج، كان على وشك التغافل عن إجابتها لولا أن قرأ رسالة نصية منها وصلت إليه، رددها بغير صوتٍ:
-الحقني يا "تميم"، ابني في المستشفى، وأنا لوحدي.
عندئذ انتفض من مقعده، ويده تعبث بأزرار الهاتف ليتصل بها، بمجرد أن أجابت عليه، سمع نهنهات بكائها، سألها في جزعٍ:
-إنتي فين بالظبط؟ أنا جايلك على طول.
بدا وكأن في همها النجاة مؤقتًا من بوتقة أحزانه، لينشغل كليًا بأمرها ويلتهي عقله عن التفكير فيما يحرق أعصابه ويتلف البقايا الصامدة فيه.
...........................................................
ظل ملازمًا لها طوال فترة بقائها بالمشفى لتقطيب جرح صغيرها الذي تعرض لحادث منزلي أدى لجرح راحة يده، أثناء لهوه بواحدٍ من الصحون الفخارية حين غفلت عنه للحظاتٍ، فسقط من يده، وتكسر، مما جعل جلده الناعم يُجرح من الأجزاء الحادة، وينزف بغزارة. تنفست "هاجر" الصعداء عندما تأكدت من زوال الخطر، وعادت به إلى منزلها بصحبة شقيقها، وضعته بالفراش، وخرجت إليه قائلة بزفيرٍ متعب:
-الحمدلله نام، عدت على خير.
تطلعت إليه بامتنانٍ وهو جالس على مائدة الطعام، ثم تابعت بعد تنهيدة سريعة:
-مش عارفة كنت هاتصرف إزاي لو مكونتش معايا.
قال بنفس التعابير الواجمة:
-أنا سندك يا "هاجر"، وقت ما تعوزيني كلميني.
تحرجت نسبيًا وهي تخبره:
-فكرتك مشغول، وخصوصًا لما مردتش عليا على طول، ده غير إن "سراج" مسافر في شغل، كنت هابقى في حيص بيص، لا هاعرف أروح ولا أجي لوحدي.
فشل في الابتسام وهو يحاول طمأنتها:
-أنا معاكي في أي وقت، وكويس إنك بعتي رسالة.
عقبت عليه في عفويةٍ:
-ده اللي جه في بالي ساعتها.
أومأ برأسه بخفةٍ، وقال:
-ربنا يحفظهلك ابنك، ويباركلك فيه.
اتسعت بسمتها وهي تكلمه:
-يا رب، وعقبال ما تفرح بعوضك يا "تميم".
سحبت المقعد لتجلس في مواجهته، تفرست في ملامحه التعسة بفضولٍ شبه متحير، ثم سألته بنظراتٍ ضيقة:
-مالك شايل الهم ليه؟
أراح ظهره للخلف، وراوغها موجزًا في الرد:
-مافيش.
انتفضت بغتةً كأنما تذكرت شيئًا، تراجعت خطوة للخلف، وراحت تقول في عتابٍ:
-الكلام خدني ومجبتلكش حاجة تشربها.
اعترض على ذهابها قائلاً:
-مالوش لزوم.
هتفت في تصميمٍ وهي تسرع الخطى:
-والله ما يحصل.
توقفت عند أعتاب مطبخها مقترحة في حماسٍ:
-هاجيبلك عصير فريش يرد الدموية في وشك.
لم يعارضها، والتزم الصمت مرة ثانية؛ لكن بقيت أفكاره الصاخبة تهتاج في رأسه، ما زال وجه هذا القمئ وهو يدلو بدلوه الكاذب عليه حاضرًا بقوة في مخيلته، انقبضت أصابعه وتكورت في شكل قبضة متشنجة، ضرب بها على سطح المائدة في حنقٍ وهو يغمغم لاعنًا إياه بهسهسة خافتة:
-كلب نجس، (...)!
تذكر أنه لا يزال محتفظًا بقطعة الثياب التحتية في جيبه، أخرجها منه لينظر إليها عن كثب، وألسنة اللهب تتقاذف في حدقتيه، كيف لوغدٍ مثله أن يحصل على مثل تلك الأشياء النسائية الخاصة؟ على الأغلب سرقها خلسة في غفلة من الجميع، وفي وقتٍ كان متواجدًا به بمنزل العائلة، دون أن ينتبه له أحدهم، وما أكثر زياراته السمجة! التفت فجأة نحو شقيقته التي راحت تمازحه في دهشةٍ:
-إيش إيش، إنت جايب الحاجات الحلوة دي لمراتك ولا إيه؟
طوى القطعة بتعجلٍ، فخاطبته ضاحكة:
-وماله، دلعها واتمتع معاها.
كان على وشك إعادتها إلى جيبه، لولا أن شددت عليه، بشيءٍ أكد كذب افتراء هذا الحقير:
-بس شيل تيكت السعر من عليه، لأحسن تبقى عيبة أوي في حقك.
أمعن النظر في ورقة السعر الملتصقة على الجانب، والتي غفل "فضل" عن نزعها، تفحص القطعة بتدقيقٍ، فوجد المزيد من الملصقات الخاصة بالمقاس، والموديل، استرعى الأمر انتباهه بشدة، فإن كانت زوجته تخونه حقًا، وهذا ما لم يصدقه من الأساس، فكيف إذًا ارتدت هذه الثياب وأهلكتها وهي ما تزال بحالتها الجديدة؟!
الكاذب الفاسق أراد فقط زرع الفِتنة بينهما، وإفساد زيجتهما بأحقر الوسائل الممكنة، دون أن يكترث لنتائج فعلته المشينة! ما ضاعف من شعور "تميم" بالاحتراق، هو تركه له هكذا دون تأديبه بما يستحق، فإن رحمه اليوم، وعفا عنه، فلن يمضي الغد دون أن يزيد من خسته، لذا بدا من الأفضل من وجهة نظره معاقبته على كل جرائره شر عقاب. مرة ثانية تنبه لشقيقته وهي تسأله في دهشةٍ:
-مالك يا خويا؟ سرحت في إيه؟
نفى بتصنعٍ:
-ولا حاجة يا "هاجر".
لم تكن مقتنعة برده، وسألته وهي تحاول سبر أغواره:
-الموضوع شكله كبير، ده أنا بكلمك وإنت في عالم تاني.
تحجج بحجةٍ واهية قبل أن يقرب كوب المشروب من فمه ليرتشف منه القليل:
-معلش، تلاقيني بس تعبان.
أخبرته على الفور في جديةٍ:
-طب قوم روح لمراتك، زمانها مستنياك.
من أجل خاطر زوجته قرر إرجاء تفكيره الانتقامي مؤقتًا، نهض من مقعده، وقال:
-معاكي حق، هي محتاجاني دلوقتي.
ابتسمت وهي تدعو له:
-ربنا يخليكم لبعض، ويخليك لينا.
بادلها ابتسامة صغيرة تبددت سريعًا حين أولاها ظهره، لينصرف بعدها وهو يسعى للسيطرة على غضبه الآخذ في التصاعد.
............................................................
أشفق على حال حفيده، وانزوى بغرفته يقرأ القرآن راجيًا المولى عزوجل أن يرده إلى صوابه، وألا يخسره في لحظة طيش هوجاء، فقد كان له بعد ابنه السند والسلوى. لم يعلم إن كان ما مر به لاحقًا هو حلمٌ عابر، أم رؤية مليئة بالبشرى، حيث أحس الجد "سلطان" أنه لم يعد بمفرده في غرفته، جاءت إليه من بين ضبابٍ غريب من افتقدها، أتت باسمة مثلما اعتاد أن يراها في كل وقت، وإن ثقلت الهموم على كتفيه، ثمة هالة آخاذة بها دفعته للهتاف باسمها في شوقٍ شديد:
-"فُتنة"!
أضافت رؤياها شعورًا متلهفًا على قلبه الملتاع، فراح يسألها في عتاب محب:
-فينك من زمان؟ كل ده غايبة عندي؟
أدمعت عيناه تأثرًا وهو يكمل:
-نفسي أجيلك أوي، بس اللي حايشني عنك الواد "تميم"، خايف أسيبه لوحده يضيع نفسه.
أمعن النظر في يدها، كانت تحمل لفافة بيضاء بها، قربتها من بصره، فحاول تبين ما بها؛ لكن نظره لم يسعفه، لهذا تساءل متعجبًا:
-إنت جايبة إيه معاكي؟
لم تجبه، فتابع أسئلته المتحيرة لها:
-دي ليا؟
هزت رأسها بالنفي، فانتقل لسؤاله التالي:
-أومال لمين؟
أشارت بعينيها إلى الصورة الموضوعة على الكومود المجاور لسريره، التفت ناظرًا إلى حيث تشير؛ كان الإطار الخشبي يضم صورة فوتغرافية له مع حفيده الغالي، فسألها مندهشًا:
-"تميم"؟
أومأت إيجابًا، ويدها ما تزال ممدودة باللفافة، حاول أخذها منها متسائلاً:
-فيها إيه؟
ضحكت تلك الضحكة المسرورة التي تدخل على قلبه الرضا، فابتسم باكيًا، كم اشتاق لسماع صوتها، للبقاء بقربها، للشعور بها! وكأنه لم يعد هناك ما يُقال بينهما، فبدأ طيفها في التلاشي، فزع قلبه، وهتف في حزنٍ ممتزج بكل اللهفة:
-"فُتنة"؟ رايحة فين وسيباني؟
اغرورقت حدقتاه بالدموع وهو يعاتبها لرحيلها الخاطف:
-أنا ملحقتش أشبع منك.
أفاق من غفلته الغريبة، والدموع ما تزال تبلل صدغيه، مسحها بظهر كفه مرددًا في غرابةٍ شديدة:
-لطفك يا رب.
عاود القراءة في مصحفه الشريف، فوقعت عيناه على الآية الكريمة: وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَٰهَا بِإِسْحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَٰقَ يَعْقُوبَ
وكأنه فهم الرسالة الخفية من وراء هذه الرؤية السارة، لذا حلت البسمة على وجهه المرهق، وقال في سرورٍ انتشر في نفسه:
-البشارة جاية قريب .. إنت الكريم يا رب!
...................................................
مثل تلك الأخبار المفجعة لا تأخذ وقتًا طويلاً في المعرفة والانتشار، حيث وصل النبأ إلى "آمنة" عن طريق إحدى معارفها بالبلدة، دون أن تلم بتفاصيل الوفاة أو كيفية حدوثها، اتصلت الأخيرة بها لتُعلمها لتجيء في التو، وتكون في مقدمة الحاضرين، وتقدم كامل الدعم لـ "سعاد" في مصابها الأليم، نظرًا لصلة القرابة بينهما، لم تحاول "آمنة" الاسترسال في الحديث معها، واقتضبت في ردودها المصدومة إلى أن أنهت المكالمة، عندئذ أطلعت ابنتها "همسة" –والتي كانت متواجدة معها في نفس الآن بالبيت- على الخبر الصادم، فتفاجأت بما حدث، وهتفت متسائلة في ذهولٍ تام:
-معقولة الكلام ده؟ طب حصل إزاي وإمتى؟
أجابتها بنبرة حيرى:
-محدش عارف يا بنتي، بس هانقول إيه غير ربنا خلص منه.
علقت عليها في غير أسفٍ:
-هو خد جزاته، ده بذنب "فيروزة" واللي عمله فيها.
غامت تعابير أمها، ورددت:
-أه والله، ربك مُطلع وشايف.
تساءل "همسة" في قدرٍ من الحيرة:
-طب تفتكري "فيروزة" عندها خبر يا ماما؟
حكت "آمنة" جبينها بإصبعها، وقالت نافية:
-ماظنش، ده أنا مش عارفة أوصلها ...
ثم أشارت بيدها نحو هاتفها المحمول المسنود على الطاولة لتتابع مفسرة:
-هي نسيت موبايلها هنا.
سألها "همسة" مرة أخرى وهي تميل على الأريكة الغافل عليها رضيعها لتتفقده:
-ومتعرفيش هي فين؟
جاوبتها في تعجلٍ:
-ما هي نزلت ورا جوزها من بعد اللي حصل.
سكتت ابنتها قليلاً كأنما قد استغرقت في أفكارها، لتقول لاحقًا في نوعٍ من التخمين:
-جايز يكونوا عند حماتها، مالهومش مكان تاني يروحوه.
اقترحت عليها "آمنة" في غير تفكيرٍ:
-تعالي نشوفها هناك، وبالمرة نعرفهم باللي حصل.
هزت رأسها موافقة، وأضافت:
-ماشي، أنا هلبس "رقية" تكوني إنتي جهزتي.
تحركت والدتها متجهة نحو غرفتها في عجالة، ولسانها يردد بنبرة عازمة:
-على طول أهوو.
....................................................
تهدل جلده، وتكرمش تحت عينيه بشكلٍ مخيف، عندما سمع الأنباء غير السارة من مهندسه الزراعي بشأن تعرض كامل محصوله للإصابة بآفة خطيرة أفسدت نتاج أرضه، وهو لا يزال موجودًا على عروشه. هبَّ "فتحي" واقفًا، ثم قال وهو لا يزال غارقًا في صدمته:
-معناته إيه الكلام ده؟
أخبره المهندس في نبرة آسفة:
-يعوض عليك ربنا يا حاج.
هلل مذهولاً بعد أن جحظت عيناه:
-يعوض عليا ربنا؟!!!
علق عليه المهندس في هدوءٍ محاولاً توضيح تبعات سوء اختياره:
-أنا نصحتك من الأول، وقولتك مافيش داعي نجرب حاجة مش مضمونة، النوع اللي استخدمته غير معروف، مالوش مصدر ولا أساس، وإنت أصريت على رأيك، فطبيعي تكون دي النتيجة.
تنشطت ذاكرة "فتحي" بلقاءٍ سابق جمعه بـ "فضل" وأحد مندوبي واحدة من المؤسسات الزراعية المتخصصة في إنتاج المبيدات المستجدة، كان اتفاقهم بشأن شراء ما ينقصهم بسعرٍ زهيد، من أجل خفض قيمة التكاليف، وجمع المزيد من الربح في نهاية الموسم الزراعي، فجاءت النتيجة عكس كل التوقعات، مخيبة للآمال، ومصيبة بالإفلاس.
كان وجه "فتحي" يلمع كأنه يفح النار وهو يصيح بنبرة أشبه بالزئير:
-الله ينتقم منه، هو اللي شار عليا الشورة الهباب دي، وأديني خسرت الجلد والسقط.
اندفع كالمجنون مواصلاً صراخه فيمن حوله بمضيفة منزله:
-شوفولي الزفت "فضل" ده فين!
جاءه الرد من أحدهم وهو مطرق الرأس:
-في أخبار مش ولابد يا حاج "فتحي".
هتف في حرقةٍ، والحنق يتقاذف من عينيه:
-تاني؟ هو في مصايب أكتر من كده؟
تردد الرجل في إخباره؛ لكنه نطق في نهاية المطاف بنوعٍ من الأسى:
-"فضل" تعيش إنت.
هتف مذهولاً، وهو يحاول الحفاظ على توازنه:
-مات؟
أكد عليه الرجل بأسفٍ:
-أيوه، لسه الخبر واصلنا من واد كان معاه في مشوار، وموته كانت صعب شويتين.
بحث "فتحي" عن أقرب مقعدٍ ليجلس عليه قبل أن يفقد توازنه من كم الصدمات، حل الهم بأنواعه على تقاسيمه وهو ما زال يدمدم في حرقةٍ:
-يعني هو مات وأنا اتخرب بيتي.
ظهر الغليل في صوته وهو يصيح داعيًا عليه، وضاربًا بكفيه على فخذيه:
-روح الله يجحمك مطرح ما روحت يا "فضل" يا ابن "سعاد"!!
..........................................................
كل اقتراحٍ فكر فيه تضمن مخاطرة غير محمودة العواقب؛ لكن لا مناص من درأ الأذى بشيءٍ رادع، أبطأ "تميم" من سرعة سيارته حين ظهرت بنايته على مرمى بصره، شمل المكان بنظراتٍ خاطفة ليبحث عن بقعة خالية يركن فيها. لحظه وجد منطقة مناسبة مواجهة للمدخل، فانتقل إليها على الفور، وأطفأ المحرك. ظل باقيًا لبرهة في مكانه، محاولاً تفريغ عقله من كم الأفكار المتزاحمة فيه، قطع رنين هاتفه المحمول الصمت المشحون المستغرق فيه، التقطه بيده من على التابلوه، وتحدث إلى المتصل بفتورٍ:
-أيوه يا "هيثم".
هتف الأخير في صوتٍ شبه لاهث؛ كأنما يمهد لشيء خفي:
-إنت فين يا "تميم"؟
تساءل في اقتضابٍ:
-خير؟
أجابه متسائلاً في غموضٍ:
-عرفت باللي حصل للبغل "فضل"؟
الإتيان على سيرته في هذا الوقت تحديدًا يعني استثارة أعصابه، وهذا ما لم يطقه "تميم"، انفجر صارخًا في ابن خالته بحقدٍ:
-ماله الـ (...) ده؟ عمل إيه تاني؟
ردد "هيثم" مندهشًا:
-تاني؟ هو كان في أولاني؟
صاح به "تميم" في صبرٍ نافذ للغاية:
-لخص في الكلام يا "هيثم".
تنحنح ابن خالته قبل أن يخبره بلمحةٍ من التشفي:
-بص هو لا هيلحق يعمل تاني ولا تالت، ربنا خده وريحنا من قرفه.
هبطت الخبر على رأسه كالصاعقة، فبرقت نظراته، وهتف مصدومًا:
-إيه!
أكد عليه فيما بدا أشبه بالشماتة:
-أه والله، أنا زيك مصدقتش لما مراتي قالتلي، بيقولك مات في حادثة بشعة، بس لسه معندناش التفاصيل.
من بين شفتيه ردد "تميم" في صدمة ما زالت لها تأثيرها عليه:
-يا سبحان الله!
علق "هيثم" قائلاً:
-أهوو ريح واستريح.
وكأنه يُحادث الفراغ، لم يكترث "تميم" لما يقوله، بل أخذ يكرر في صوتٍ خافت، يكاد يكون مسموعًا للطرف الآخر:
-صدقت يا أبويا لما قولت وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ..
.................................................................
لم تتوقف عن البكاء مُطلقًا بالرغم من تأكيدات "ونيسة" المتواصلة بأن زوجها بات في مأمن من الخطر، لم تقتنع "فيروزة"، ولم تصدق ذلك، ظنت أنها تحاول تهدئتها بهذا الكلام لتكف عن النحيب. بقيت في وضعية استنكارٍ رافضة الإصغاء إليها، حتى انعكس التأثير السلبي على بدنها، فبدت أكثر إعياءً، وذبولاً. حذرتها حماتها مجددًا بلومٍ رغم حنو نبرتها:
-يا بنتي ماينفعش اللي إنتي عملاه في نفسك ده!
كانت تبكي بصوتٍ متقطع، تهز رأسها برفضٍ صريح، فاستأنفت الأولى كلامها إليها، لعلها تتخلى عن عنادها، وتهدأ:
-ما أنا قولتلك عمك الحاج "بدير" راحله الدكان، وهو بخير.
ردت ببكاءٍ:
-لأ، مش هطمن إلا لما أشوفه قصادي.
وضعت "ونيسة" يدها على ذراعها، ضغطت عليها برفقٍ، وأكدت عليها في يقينٍ واضح:
-بصي طالما أبوه كلمه، اعرفي إنه مش هيخرج عن طوعه، وهيسمع الكلام.
نظرت إليها كأنما تفتش بين عينيها عن صدق عباراتها، فأضافت "ونيسة" في لطفٍ:
-وبعدين كنتي هتلاقيني أعدة كده قصادك لو هو فيه حاجة؟! أنا برضوه أمه، وبخاف على ولادي من الهوا الطاير.
على ما يبدو اقتنعت "فيروزة" قليلاً بحجتها المنطقية، فبدأت تسحب أنفاسًا عميقة تثبط بها نوبة بكائها، في حين قربت "ونيسة" صحن الفاكهة الذي أتت به لها منها قائلة بلهجةٍ شبه آمرة:
-كلي بس حاجة إنت وشك لونه مخطوف.
رفضت بشكلٍ قاطع تناول ما يسد جوعها:
-مش عاوزة.
ضربت "ونيسة" كفها بالآخر، وأخذت تهتف في تذمرٍ:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، وذنب الأكل إيه تغضبي عليه؟
تمسكت برأسها قائلة في عندٍ طفولي:
-ماليش نفس، أنا عاوزة "تميم"، كلميه يا طنط.
أخبرتها في قلة حيلة:
-يا بنتي ما أنا طلبته قدامك كذا مرة ومردتش عليا، وأبوه دلوقتي هيجي ويجيبه معاه.
هتفت في لوعةٍ:
-يا ريت.
تنهدت "ونيسة" مضيفة في توجسٍ استبد بها، حاولت قدر المستطاع إخفائه:
-ربنا يسترها علينا وما يشمتش فينا عدو.
موجة من الدوار العنيف كادت تطيح برأسها، بالكاد تماسكت لئلا يظهر ضعفها، حاولت الظهور بمظهر الثبات وهي تستطرد في رجفةٍ طفيفة:
-طنط أنا هاقوم أستنى "تميم" جوا في أوضته.
ربتت "ونيسة" على كتفها مرددة:
-ده بيتك يا بنتي، ارتاحي مطرح ما تحبي.
من بين الحزن المرسوم على صفحة وجهها، ظهرت بسمة باهتة ممتنة على شفتي "فيروزة"، قبل أن تعود وتسحبها لتبدو عابسة من جديد. نهضت من مجلسها مغادرة الصالة، سارت في تؤدةٍ، وبغير اتزانٍ، نحو غرفته، استندت بكفها على طول الحائط الممتد في الرواق، إلى أن وصلت إلى الباب، دفعته بوهنٍ، ووطأت للداخل وهي بالكاد كانت على وشك فقدان وعيها، أغلقته من ورائها، ثم تقدمت نحو الفراش ملقية نظرة تعيسة عليها، بكت مرة ثانية، قبل أن تستلقي بجسدها عليه، تاركة لهذا الشعور العجيب بالإغفاء يغمرها، كأنما كانت تنشده لتريح عقلها المستنزف، وتستريح من أوجاعها اللا متناهية .......................................................... !!!
.......................................................................
تتبع الخاتمة في يومٍ لاحق >>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثاني والسبعون 72 - بقلم Manal Salem
قبل الشروع في القراءة أترككم للحظات مع كلمة النهاية مع ختام ملحمة الطاووس الأبيض ..
يمكن الرواية دي تحديدًا تعد أطول عمل تقريبًا بدأت في كتابته بشكل متصل، استمر لما يقرب من عامين تقريبًا ..خلال العامين دول حصل صقل أكثر لموهبتي، نضوج أكبر لقلمي، وأصبحت من اللي ممكن تعتبروهم كاتبات الصف الأول بفضل الله ..الحمدلله على الدعم الطيب من حضراتكم، التفاعل الكبير مع الأحداث، واللي مع كتابة ختامها كان في نوع من التأثر لفراق حاجة لازمتنا لفترات طويلة، وكانت تقريبًا جزء من روتينا اليومي.على المستوى الشخصي، شهد العمل على نجاحات جميلة، وإخفاقات حتمية؛ لكنها في المجمل كانت وسيلة غنية لتقديم النصح وتعديل بعض السلوكيات الخاطئة.الرواية في المقام الأول اجتماعية، وكان التحدي الكبير فيها إبقاء القارئ على نفس القدر من الشغف والترقب مع كل حدث .. والحمدلله المعادلة الصعبة اتحققت، وكانت الرومانسية فيها مختلفة عن المعتاد.حقيقي فخورة بعد كتابة العمل الجميل ده بمدى تأثيره الإيجابي على حضراتكم، بإنه كان ليه بصمة مختلفة عن أي حاجة سابقة اتكتبت ..طبعًا لن أنكر في فترات الواحد مر فيها بفتور، بعدم قدرة على الكتابة، وتعرض لنوع من قلة التقدير، وكذلك النقد غير الموفق .. كل ده وضعته في عين الاعتبار، وحاولت بدعم المحيطين والمقربين تجاوزه، وربنا المعين طبعًا، وأكملت ما بدأت ..ختامًا .. حابة أشكر كل حد خد جزء من وقته، شارك فيه بالقراءة والتعليق على العمل، وكتابة الكوميكس والتصميم، حقيقي أصبح للعمل روح حية بتفاعلكم الطيب ..وإلى اللقاء في عمل آخر ..
#منال_سالم
-الخاتمة-
استجمع شتات أفكاره المتبعثرة، وأفاق من تبعات الخبر الصادم الذي أخذ معه جزءًا لا بأس به من الرغبات الانتقامية المكبوتة بداخله، نظر في غير تركيز إلى مؤشرات السيارة المركونة، كان كل شيء ساكنًا، تنفس بعمقٍ، ونفض عن كتفيه ما ظل يؤرقه طوال الساعات الماضية، ليترجل منها في تباطؤٍ، ثم سار نحو مدخل بناية عائلته، استوقفه مرة أخرى رنين هاتفه المحمول، فنظر إلى اسم المتصل، بالطبع مثل هذه الأخبار تنتشر سريعًا كما يتعكر الماء النقي ببقعة حبرٍ سوداء، أطبق على جفنيه للحظةٍ، ثم ضغط على زر الإيجاب هاتفًا في هدوءٍ:
-أيوه يا "كرم".
استمع إلى صوت ضحكات الطرف الآخر قبل أن يعلق في نبرة جمعت بين الهزل والتحذير:
-إنت الوحيد اللي مسموحله يناديلي كده، ده بس عشان غلاوتك.
صمت "تميم"، ولم يعقب بكلمةٍ، فتابع "الهجام" حديثه:
-أنا وردني خبر إن اللي عليه العين اتكل، ملحقتش أوجب معاه.
تنهد في بطءٍ، وأخبره بوجهٍ غير مسترخي:
-أها .. ما أنا عرفت.
تابع "الهجام" كلامه قائلاً بعزم:
-طيب بما إن المصلحة اتفركشت، عاوز أقابلك عشان أرجعلك العربون وآ...
قاطعه "تميم" رافضًا بلباقةٍ:
-لأ خلاص، دول طلعوا من ذمتي، مش عاوزهم.
أصر عليه في إلحاحٍ:
-لأ ماينفعش، أنا لازمًا ...
قاطعه مرة ثانية مبديًا تصميمه:
-مافيش داعي، كفاية إن الليلة خلصت على أد كده.
ضحك "الهجام" للحظة قبل أن يقول مازحًا:
-طول عمرك ابن أصول، وملكش في شغلنا ولا سكتنا.
من جديد سكت "تميم"، لم يكن رائق المزاج ليبادله الثرثرة، ولم يكن مستريح البال ليتمازح معه، لذا بقي على سكوته الظاهري، وأصغى إليه وهو يستأنف قائلاً:
-نتقابل بقى على خير، ولو إني عارف إن لو اتقابلنا تاني هيبقى على شر.
أتبع ذلك ضحكة قصيرة، ليضيف مختتمًا المكالمة:
-وماتنساس، لو عوزتني في أي وقت، إنت عارف هتوصل لكبير "الهجامة" إزاي.
لفظ دفعة من الهواء، وقال مقتضبًا:
-أكيد.
كان آخر ما نطق به "الهجام" قبل أن يغلق الخط:
-سلام يا سيد المعلمين.
ظل "تميم" متجمدًا في مكانه للحيظات، مقطب الوجه، غائم النظرات، سعى خلال تلك الثواني في انتشال نفسه من غمار المشاعر الحانقة المضطرمة في عمق أعماقه، ليستعيد هدوئه، على الأقل حين يواجه زوجته التي تنتظره على أحرِ من الجمر، لتعرف ما الذي فعله لرد اعتبارها، والمدهش أنه لم يقترف أي ذنب، بل كانت عدالة السماء هي الناجزة، ونهايته كانت حقًا مروعة!
......................................................
بخطواتٍ خذلة، صعد الدرجات إلى أن وصل إلى باب المنزل، تردد لهنيهة في الدخول، فخيبة الأمل ما زالت مسيطرة عليه، لكونه لم يقتص منه بشكلٍ شخصي، استعاذ بالله من وسوسة شيطان رأسه المضل، ذاك الذي يجعله غير راضٍ عن قضاء الله، دس المفتاح في قفله، ثم أداره ليفتح الباب، الهمهمات السائدة في الصالة توقفت دفعة واحدة حينما أطل منه. ألقى "تميم" التحية في هدوءٍ وهو يومئ برأسه، فنهضت والدته من جلستها لتحييه في ترحابٍ ودود:
-وعليكم السلام يا ابني، حمدلله على سلامتك.
وزع نظراته سريعًا على وجوه "آمنة"، "همسة" مع رضيعها النائم، والصغيرة "رقية"، لم تكن زوجته بينهن، مما أوغر صدره، اكتفى بمنحهن بسمة هزيلة باهتة قبل أن يركز كامل نظره على وجه والدته التي بادرت بإخباره وهي تلمس كتفه في حنوٍ:
-دريت باللي حصل؟
فهم ما ترمي إليه، وقال في إيجازٍ غير راغب في التحدث عن هذا اللعين:
-أيوه.
أضافت عليها "آمنة" في غير تعاطفٍ:
-ربنا انتقم منه، وريح الناس من شره.
أكدت "همسة" كذلك وهي تنقل رضيعها لكتفها الآخر لينام عليه:
-ده حقيقي.
استدار برأسه ناظرًا مجددًا لوالدته، حين قالت بتعابيرٍ شبه ممتعضة:
-ولو إن الواحد مايحبش يشمت في الموت، بس ربنا نجاك يا ابني.
تنهد بعمقٍ، وتساءل وهو يجول بنظراته في أرجاء الصالة:
-فين مراتي؟
أجابته والدته موضحة في حزنٍ:
-أعدة جوا في أوضتك، مرضتش تخرج منها.
انقلبت ملامحه ضيقًا على حالها، وخاطبها في وجومٍ:
-أنا هاروحلها.
ربتت "ونيسة" على ظهره قائلة:
-خد راحتك.
بدأ في السير مبتعدًا عنهن؛ لكن اعترضت طريقه الصغيرة "رقية"، استوقفته بجذبه من معصمه، ونادته بصوتٍ حزين:
-عمو "تميم"!
جثا على ركبته ليبدو في مستوى نظرها، وقال بشيءٍ من الرقة:
-أيوه يا حبيبتي.
ارتمت في أحضانه تطلب منه ببراءةٍ:
-ماتسبش "فيرو" لوحدها، هي زعلانة إنك بعيد عنها.
ضمها إليه، خانقًا تلك الغصة المؤلمة الموجودة في حلقه، لفظ كتلة حارقة من الهواء من رئتيه، وسحب شهيقًا عميقًا يثبط به ما يجتاحه من مشاعرٍ مهتاجة، لو كان غيره من يمر بتلك الاختبارات العصيبة، دون وجود رابطٍ أو ضابط، لخرج الطابع البري الهمجي عن السيطرة، ووصلت الأزمات الحرجة إلى أقصاها. جاهد "تميم" ليحافظ على هدوئه الزائف، ثم مسح على ظهر الصغيرة بحنو أبوي قبل أن يؤكد لها بصدقٍ:
-أنا مقدرش أسيبها.
مرغت "رقية" رأسها في كتفه، وقالت في محبةٍ صافية:
-أنا بحبك أوي.
في براءتها الكثير من السلوى، والتطييب للأوجاع غير المرئية، رفع ذراعه للأعلى، ووضع راحته على رأسها ليمسد على جديلة شعرها قائلاً:
-وأنا كمان.
تراجع عنها، واستلها من أحضانه ليعيدها للخلف خطوة وهو ممسك بها من جانبي ذراعها، تمكن من النظر إلى وجهها البريء، ثم أخبرها بلهجةٍ اتخذت طابعًا آمرًا:
-خليكي مع عمتك، واسمعي كلامها.
هزت رأسها في طاعة مرددة:
-ماشي.
منحها قبلة صغيرة على وجنتها قبل أن يودعها:
-مع السلامة.
استقام واقفًا وهو يراها ترحل عائدة إلى البقية المتواجدة بالصالة، من زاويته نظر إلى "آمنة" التي شبكت يدها في كف الصغيرة، وقالت مستأذنة بالذهاب:
-يدوب احنا نقوم.
ألحت عليها "ونيسة" لتبقى، فقالت في جديةٍ:
-خليكم أعدين شوية، ده احنا متونسين بيكم.
اعتذرت منها بحرجٍ:
-معلش، كفاية دوشناكم معانا طول اليوم، وإنتو ملكوش ذنب.
ردت عليها في عتابٍ رقيق:
-احنا عيلة واحدة يا "آمنة"، عيب ماتقوليش كده، واللي يمسكم يمسنا.
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها وهي تشكرها:
-ربنا يخليكم لينا.
تنحنحت "ونيسة" متسائلة بعد لحظةٍ من التردد:
-لو إني محروجة أسألك، بس إنتو رايحين الجنازة والعزا؟
فاجأها السؤال كما باغته وهو يقف في الركن الخلفي بعيدًا عن مدى بصرهن، كيف يمكن لشخص طبيعي أن يتجاوز عن سيئات آخر بهذه السرعة لمجرد هلاكه؟ من المستحيل التعايش مع الواقع الأليم بمثل تلك السلاسة. تطلعت "آمنة" بتحيرٍ إلى ابنتها، لتتولى الأخيرة الرد بدبلوماسية:
-بيتهيألي معدتش ينفع.
استحسن "تميم" رأيها، وظل متابعًا للنقاش الدائر، حيث اقترحت "ونيسة" بتعقلٍ:
-الأسلم إن كل واحد يفضل بعيد عن الطرف التاني، مهما كان النفوس هتفضل شايلة ومعبية.
وافقتها "همسة" الرأي، وأردفت قائلة:
-فعلاً، للأسف صعب الكل ينسى بالساهل.
وضعت "آمنة" يدها على كتف ابنتها تستحثها على التحرك معها، لتتكلم بعد ذلك في تهذيبٍ:
-ربنا يقدم اللي فيه الخير، عن إذنكم.
تحركت "ونيسة" في تؤدة لتوصلهن إلى الباب قائلة:
-شرفتونا.
زفر "تميم" مرة ثانية، وواصل مشيه للداخل؛ لكن هذه المرة استوقفه جده الذي على ما يبدو كان ينتظره منذ برهةٍ، خطا ناحيته في تخاذلٍ لم يستطع إخفائه عنه، والأخير استقبله بكل اهتمامٍ، طالبًا منه:
-قبل ما تخش لمراتك عاوزك شوية.
كان على وشك الرفض، فخرج صوته مضطربًا متذمرًا:
-جدي آ...
تمسك بطلبه قائلاً بنبرة مالت للحزم:
-تعالى، وبلاش مكابرة.
في أعماقه المعتمة، كان "تميم" بحاجةٍ ماسة للضوء الذي يخرجه من ظلمته، إلى بهجة الحياة وضيائها، وربما في استرساله مع جده السبيل إلى هذا السلام المفقود.
........................................................
ظلت نظراته هائمة، تائهة، تقف عند حافة ذكريات ما قبل موت "فضل"، هذا الحد الفاصل ما بين الانسياق وراء دوافع الثأر والانتقام، وبين ترك الماضي جانبًا، والتطلع للأمام. أفرغ "تميم" مكنونات صدره له، عله يمنحه النصيحة السديدة، بعد أن تخبط في صراعات رأسه، انتبه إلى صوت جده الذي ما زال يخاطبه بودٍ، كأنما يحاول إرشاده للطريق الذي كاد يحيد عنه تحت وطأة الضغوط:
-حكم ربنا كان أسرع ونافذ.
ربما هدأته كلماته الإيمانية؛ لكنها لم تشفِ بعد غليله المتقد، استمر "سلطان" في إقناعه بلهجته الهادئة:
-يمكن في موته رحمة ليك، ونجاة من شر مكونتش عارفه.
احتج في تذمرٍ:
-بس حق مراتي .. صعبان عليا إني مجبتوش.
أخبره مبتسمًا في رضا:
-ومين قال إنه مجاش؟ ده جالها من رب السماوات والأرض، عاوز ترضية أكتر من كده إيه؟
أطرق رأسه في ترددٍ، فأكمل "سلطان" بنفس الوتيرة الهادئة:
-سبحانه وتعالى ليه حكمة في كل شيء.
انتقل الجد من أريكته ليجلس هذه المرة على طرف السرير بجواره، حاوط حفيده من كتفيه بذراعه، وراح يخبره في نوعٍ من النصيحة:
-ارمي الماضي بكل اللي فيه، وركز في اللي معاك، وبص للي جاي ...
سكت للحظة مستحضرًا رؤياه الطيبة، وقال بغير تفسيرٍ:
-عطايا ربك مابتنتهيش، ليها وقت وميعاد.
نظر إليه "تميم" بعينين تحتجزان الدموع، رمش بجفنيه ليطرد العالق في أهدابه، البقاء جامدًا لم يعد مجديًا، وقد ضاق ذرعًا بمشاعره التي تخنقه، تحرر من قيوده معترفًا في ألمٍ:
-قلبي موجوع يا جدي.
أمثاله ممن تربوا على القيم الأصيلة، كاحترام الشرف وتقديسه، كان من غير اليسير عليهم التعايش مع بعض الوقائع الصادمة ببساطةٍ، وكأنها لم تكن، خاصة حينما يتم الخوض في الأعراض، وهو ذاق ويلاته عندما دافع عن شقيقته قديمًا، وعاود الكرة مع زوجته الآن. لم يكن ليهنأ أبدًا ويستعيد سكينته إن لم يخرج ما يثقل صدره، ربت الجد على جانب ذراعه قائلاً في سلاسةٍ:
-والدوا موجود عند مراتك.
من بين دموعه التي كفكفها نظر إليه متحيرًا، فتابع مبتسمًا بثقة:
-روحلها، وخليك وياها، ساعتها هتلاقي الراحة ...
وقبل أن يتردد في الاستجابة لأمره، أخبره بلهجةٍ لم تخلِ من السخرية المريرة:
-اسمع كلام واحد رجل برا ورجل جوا.
انقبض قلبه لمجرد ترديده هذه العبارة الدارجة، وراح يقول في جزعٍ:
-ربنا يديك طولة العمر.
هز الجد رأسه بهزات خفيفة، وقال في حبورٍ:
-ربنا يرزقك بكل ما تتمنى.
.............................................................
بحرصٍ شديد، فتح الباب المغلق، ليلج إلى الداخل، قاصدًا ألا يثير بتواجده أدنى إزعاج، فلا تستيقظ وتفزع لرؤيته بهذه الحالة الفوضوية. تسلل "تميم" على أطراف أصابعه، ودنا من سريره بعد أن أوصد الباب من خلفه، توقف عند حافة الفراش ليتأملها، يكاد يقسم أنه عند التطلع إليها تشيع في روحه كل السكينة المنشودة، نزع عنه قميصه المتعرق، وركع على ركبتيه ليبدو قريبًا من وجهها النائم، أمعن النظر في قسماتها المبللة ببقايا دمعاتها، متذكرًا توسلها الشديد له لئلا يرحل ويتركها سعيًا وراء انتقامه، آلمته الذكرى، وحز ذلك في قلبه، أقبل برأسه عليها، ثم همس لها معتذرًا بأنفاسٍ لا تزال ضائقة:
-حقك عليا، أنا السبب في دموعك دي.
رفع يده ليتلمس في رقةٍ وجنتها، وتابع في ألمٍ:
-أصعب حاجة مريت بيها معاكي إني أحس إني ممكن أخسرك.
أغمض عينيه ليقضي على آخر ذرات غضبه مستحضرًا نصائح جده الغالية له، عاود فتحهما، وتأملها مُجَّدِدًا ميثاق الحب معها:
-ربنا يقدرني وأعوضك عن كل أذى شوفتيه في حياتك.
وكأن في صوته إشارات تنبيه لعقلها الغافل، فأعادها إلى يقظتها بشكلٍ جزئي، فتحت عينيها بثقلٍ، ونادته في صوتٍ متحشرج:
-"تميم"!
ابتسم لها رغم الألم، وقال:
-أنا هنا.
رجته في وهنٍ قبل أن يطغى سلطان النوم عليها، معتقدة أنها لا تزال غارقة في هلاوسها:
-ماتبعدش تاني.
مسح على خدها بإبهامه، ووعدها:
-حاضر.
استند بيده على الطرف لينهض واقفًا من جلسته، ثم اقترب من دولابه ليبدل ثيابه بأخرى نظيفة، بعد أن يغتسل ويمحو آثار هذا اليوم المشؤوم، ربما بدأ بغير خير؛ لكنه لن يتركه ينتهي ويمضي سوى بكل الخير.
........................................................
حين استفاقت من سباتها المرهق، ورأته ممددًا إلى جوارها لم تصدق عينيها، فركتهما، ودعكتهما، ورفرفت بهما، لتتأكد أنها لم تعد غارقة في غمرة أحلامها الوهمية، التفتت كليًا بجسدها ناحيته، وجلست مربعة ساقيها، وأراحت ذقنها على راحتيها المضمومتين معًا، اعتلى شفتاها ابتسامة عظيمة، كأنها زهرة أشرقت، وأينعت، وحان وقت قطفها. فتح "تميم" عينيه متفاجئًا بها على تلك الوضعية، سألها مندهشًا وهو ينظر إليها بنصف عين:
-في حاجة حصلت؟
تنهدت مطولاً في راحة، كأنما خرجت لتوها من نوبة حب عنيفة، وقالت نافية، وتلك النظرة المسترخية تحتل وجهها:
-لأ، بس أنا مش مصدقة إنك موجود هنا.
استخدم "تميم" مرفقيه، ليتزحف للخلف، ثم استند بظهره على عارضة الفراش متطلعًا إليها بشوقٍ، فواصلت الكلام في نبرة إلى حدٍ ما بدت متأثرة:
-عارف أكتر حاجة خوفت منها إيه؟
سألها بنظرة مستفهمة من عينيه دون أن ينطق، فأجابت في تخوفٍ وقد تراخى ذراعاها:
-إني أخسر السند في حياتي، وخصوصًا إني .. من بعد بابا الله يرحمه، مكانش في حد سند ليا، زي ما إنت على طول معايا.
امتدت يده لتمسك بكفها، ضم أناملها بأصابعه، وضغط عليها في رفقٍ، قبل أن تنفرج شفتاه لتجدد اعترافه:
-أنا بحبك.
اختفى الحزن من على صفحة وجهها، وبدأت تفك وثاق ساقيها لتستعد للنهوض وهي تخبره:
-وأنا بعشقك.
لم يتركها "تميم" ترحل عنه، بل جذبها إلى أحضانه في جذبة قوية غير قاسية، وحركها في خفةٍ لتغدو أسفل منه، تعلقت بعنقه، وطالعته بهيامٍ، فأطبق على كلها بكله، وراح يغرقها بعشرات القبل التواقة المتلهفة، مستثيرًا فيها حواسها، وموقظًا بها مشاعر اللهفة والرغبة، أطلق في خضم قبلاته الخبيرة طاقة فياضة من الحنان، وأعطته من بين تأويهاتها لمحاتٍ من السحر الآخاذ، وحينما انتفضت خلاياها، وانتعشت كورقة شجرٍ أصابها الندى، منحته نفسها كما لم تمنحه من قبل، كأنما تدمغ حبها ببصمة عشقه للأبد.
...............................................
بعد مرور شهرين،،،
تتابعت دقات قلبها، وانتابتها قشعريرة غريبة وهي لا تزال جالسة في هذا المكان، مترقبة صدور نتائج التحاليل الطبية، كان من الصعب عليها إخفاء الأمر على زوجها؛ لكنها أرادت التأكد أولاً، لتحظى بمتعة رؤية تأثير الخبر عليه .. الاختبار المنزلي للحمل الذي أجرته أتى ببشارة محمودة، تلون الشريطان؛ لكن ما زالت الشكوك تساورها، فقد قرأت عن مثل تلك الأخطاء واردة الحدوث، لهذا أرادت قطع الشك باليقين بتحليل الدم، انتظرت بأعصابٍ متوترة خروج الطبيبة من الداخل، قفزت واقفة من مقعدها المعدني لتقترب منها متسائلة في تلهفٍ:
-إيه الأخبار؟
رسمت الطبيبة بسمة لطيفة على ثغرها وهي تجاوبها:
-ألف مبروك، حامل.
هتفت في سرورٍ شديد:
-الحمدلله، إحساسي كان صح.
أكملت الطبيبة موضحة في نبرة شبه جادة:
-إنتي في الشهر الأول لسه، في دكتور معين بتتابعي معاه، ولا تحبي نرشحلك حد؟
ردت بنفس الصوت الفرح المليء بالحماس:
-مش فارقة، المهم إن ربنا كرمني في الآخر.
مدت الطبيبة ملفها الورقي ناحيتها، وقالت في تهذيبٍ:
-مبروك يا مدام، وإن شاءالله يكمل على خير.
أخذته منها مرددة في امتنانٍ:
-يا رب، شكرًا لذوقك، تعبتك معايا.
هزت رأسها قائلة بلباقةٍ وهي تهم بالتحرك بعيدًا عنها:
-ده شغلي يا فندم.
غادرت "فيروزة" المعمل المتخصص وهي في قمة سعادتها، ظل لسانها يردد شاكرًا:
-يا ما إنت كريم يا رب.
طوت الملف الطبي، ووضعته في حقيبة يدها بعد أن استلت منها هاتفها المحمول، بنفس القدر المرتفع من الحماس اتصلت بزوجها، ترقبت رده، وقالت في عجالةٍ ما إن سمعت صوته:
-ألو، أيوه يا "تميم".
سألها برسميةٍ محسوسة في نبرته:
-خير يا أبلة؟
سألته بحاجبين مضمومين:
-هو في حد جمبك ولا إيه؟
حمحم مجيبًا إياها بنبرة موحية:
-معلمين السوق، ما إنتي فاهمة.
تقوست شفتاها عن بسمةٍ مرحة وهي تفسر مقصده:
-أيوه تقولي أبلة قصاد الغرب، وتدلعني واحنا سوا.
جاءها رده مؤيدًا:
-بالظبط كده.
بلعت ريقها، وعادت لذروة حماسها وهي تخبره:
-طيب أنا عاوزة أشوفك دلوقتي حالاً.
سألها في توجسٍ:
-في حاجة حصلت ولا إيه؟
راوغته في الرد، وقالت في استمتاعٍ:
-هتعرف لما أقابلك.
علق عليها بعزمٍ:
-طيب، أنا جايلك المحل.
في التو خاطبته بجديةٍ لتزيد من تحيره:
-لأ، أنا مش هناك، تعلالي عند أول مرة اتقابلنا فيها عند الكورنيش.
سكت للحظة كتعبيرٍ عن استغرابه، قبل أن يهتف في جزعٍ:
-أوعي تقوليلي إنك ناوية تقفي بعربية أكل تاني هناك، ما أنا عارف دماغك ساعات كده تشطح بحاجات.
عبست لكلامه، وعلقت في تحفزٍ:
-وإيه العيب في كده؟ ما دلوقتي في بنات كتير واقفين هناك وآ...
قاطعها قائلاً في حزمٍ:
-يا ستي أفتحلك مطعم بحاله، بس اتجدعني إنتي وظبطي نفسك في الأكل.
احتجت على اتهامه المبطن بعدم قدرتها على الطهي، وصاحت مدافعة عن نفسها:
-على فكرة أنا طبيخي تحفة، أجدع من أشطرها شيف.
استطاعت أن تسمع صوت ضحكته المرحة وهو يؤكد:
-ومعدتي تشهد بكده.
لم تخبت ابتسامتها النضرة من على محياها وهي تلح عليه:
-طب يالا تعالى متتأخرش، هستناك هناك.
قال في طاعةٍ أراحتها:
-حاضر، مسافة الطريق.
................................................
كل ما مرت به من ذكريات مصيرية بدأ من هنا، من عند هذه البقعة، هنا شهدت ميلاد الصراع، واحتدام الأزمات، وأيضًا هنا بذاتها ستشهد على توطيد العلاقات. راحت "فيروزة" تتطلع لحركة المارة في وسط النهار، وصدرها مبتهج، وقلبها في أوج فرحته، ترقبت مجيء زوجها، لمحته قادمًا من على بعدٍ وهو شبه متعجل في خطواته، جلس إلى جوارها على القطع الحجرية قائلاً بتذمرٍ، وبصوتٍ أقرب للهاث:
-مش كنت قابلتك في المحل وخلاص.
ردت في وداعةٍ:
-هنا أحسن.
التقط أنفاسه، وتكلم في غير تمهيدٍ:
-صحيح كنت عاوز أعرفك إن "حسني" اتطس حكم، المحامي كلمني، وعرفني بده، بعد البلاغات اللي كانت متقدمة فيه في قضايا النصب والهجرة غير الشرعية، ده غير طبعًا القضية الأساسية بتاعته.
بنفس الصوت الهادئ علقت:
-ربنا يبعد أذاه عننا.
ثم رمقته بتلك النظرة الدافئة الحنون، وسألته في رقةٍ، بما بدا سخيفًا له، ومناقضًا لاستدعائه الهام على وجه السرعة:
-إيه رأيك في الجو؟
بادلها نظرة مزعوجة، وواصل تذمره:
-حر، والشمس حامية، وبأدعي ربنا الشتا يجي ...
ضحكت ملء شدقيها، حتى فاضت الدموع السعيدة من عينيها، نظر إليها مدهوشًا، وسألها بتبرمٍ:
-هو إنتي جيباني على ملى وشي عشان كده؟
هزت رأسها نافية، فقال بغيظٍ:
-أومال إيه؟
من بين ضحكاتها القصيرة أجابته بنزقٍ:
-"تميم"، أنا حامل.
على ما يبدو لم ينتبه لما اعترفت به في التو، فقال في انزعاجٍ:
-وإيه يعني إنك ...
برقت عيناه في ذهولٍ صادم، وحملق فيها بدهشةٍ أكبر، قبل أن ينطق بتلعثمٍ:
-إيه؟ بتقولي إيه؟
خفت ضحكاتها للغاية؛ لكن بقيت ابتسامتها تنير وجهها، وكررت على مسامعه من جديد، ضاغطة على كل حرف في كلمتها الأخيرة:
-أنا حـامل.
هب واقفًا من موضعه، وصاح محذرًا بسبابته المرفوعة أمام وجهها، ويده الأخرى تمر أعلى رأسه في ارتباكٍ متعاظم:
-بالله العظيم، ده مش هزار يا "فيروزة".
هزت رأسها نافية:
-لا والله ...
ثم مدت يدها داخل حقيبتها لتخرج الملف الطبي وهي تؤكد على صدق عبارتها:
-والتحاليل معايا أهي.
تناول الأوراق منها، ونظر لها بتحيرٍ، قبل أن يغلق الملف قائلاً في لهفةٍ ما زالت تتزايد مع كل لحظة:
-أنا مش فاهم حاجة، بس إنتي حامل حامل؟!!
استرخت في جلستها، وأجابت بثقة:
-أه والله.
كالصبية الصغار دار "تميم" حول نفسه وهو يرسم تلك الابتسامة البلهاء على وجهه، توقف عن الدوران ليخاطبها في حماسةٍ كبيرة:
-اقسم بالله لولا إننا في الشارع، وممكن نتاخد فيها على القسم، لكنت آ...
فهمت تلميحه العابث، فتورد وجهها خجلاً، وحذرته بعد نحنحة خفيفة:
-احم .. عيب.
عاد ليجلس إلى جوارها، وردد في ذهول مسرور:
-أنا هابقى أب، الله!
سألته "فيروزة" في فضولٍ:
-يا ترى عاوز ولد ولا بنت؟
جاوبها في نفس الدفقة من الحماس المسيطرة عليه كليًا:
-أي حاجة، كله من عند ربنا حلو، بس تقومي بالسلامة الأول.
علقت ذراعها في ذراعه، واستندت برأسها على كتفه؛ لكن ما لبث أن أبعدتها لتنظر إليه في صدمة عندما أخبرها بجديةٍ تامة:
-بس لو ولد هنسميه "علي".
رددت متسائلة بنفس التعابير المصدومة:
-على اسم بابا؟
أومأ برأسه مؤكدًا في تصميمٍ عجيب، وهي ترى الحب جليًا في عينيه:
-أيوه، خلينا نحيي ذكراه من تاني.
لفت ذراعها الآخر حول ذراعه، وزاد تمسكها به، ثم أسبلت عينيها الرقراقتين بدمعاتها المتأثرة ناحيته، قبل أن تبادر بتكرار اعترافها المفضل لديه:
-أنا بحبك أوي.
شملها بنظرته الدافئة، الغارقة ولهًا في محراب عشقها، ثم قال بنوعٍ من التباهي وهو يمسح بيده على كفها:
-وأنا حَبيتك الأول.
............................................................
الأبوة مكتسبة، لا يتم الشعور بها، إلا حين يحمل الأب وليده بين ذراعيه؛ لكن معه كان الوضع مختلفًا، منذ اللحظة التي علم بها بمسألة حملها، وهو يشعر بمدى مسئوليته تجاه ما تحتويه أحشائها، وحين أتت البشارة بأنها أنثى، ابتهج، واختال بعطية المولى له، كان "تميم" ينتمي لذلك النوع النادر من البشر الذي يقدر كل ما هو مؤنث، ويُعلي من شأنه، ويا ليت مثله الكثيرين!
ظل الخوف مستبدًا به، لا يغيب عنه للحظةٍ، وهو يجول في الردهة جيئة وذهابًا منتظرًا إبلاغه بالأخبار السارة، لا يعرف كيف انقضت أشهر الحمل عليه وهو ينتظر بلهفةٍ صغير تواق للعيد مرور الأيام ليحمل بين ذراعيه قطعة منها. دنا "تميم" من جده الجالس على المقعد المعدني، وقف قبالته، ثم سأله في توترٍ:
-دعيتلها يا جدي ولا لأ؟
أجابه "سلطان" وهو يضم كفيه معًا ليستند بهما على رأس عكازه:
-مابطلش يا ابني.
التفت محدقًا في وجه والدته الجالسة إلى جواره، وسألها بنفس النبرة المتوترة:
-وإنتي يامه؟
أخبرته بقليلٍ من الحزم:
-كلنا بندعيلها يا حبيبي، بس اركز إنت، وأقف على حيلك.
تحرك مجددًا في تلبكٍ وهو يخاطبها:
-مش قادر، أعصابي تعبانة.
ردت عليه والدته وهي تبتسم:
-ربنا يكرمها، وتقوم بالسلامة.
سألها في تحيرٍ:
-تفتكر هتطلع شبه أمها ولا شبهي؟ أنا عاوزها نسخة من أمها.
مازحه جده متسائلاً:
-وتطلع عينك برضوه؟
قال في غير اكتراثٍ وهو ينظر في اتجاهه:
-مش مهم، بس كفاية إنها تبقى حتة مني ومنها.
سأله "بدير" كنوعٍ من المشاركة في الحوار:
-كلمت أمها؟
استدار تجاهه، وأجابه:
-أيوه، وهي جاية في الطريق.
أضافت "ونيسة" قائلة بعد أن وضعت حقيبتها في حجرها:
-الحمدلله إننا كنا حواليها وقت ما الطلق جالها، وكويس إنكم سايبين شنطتها عندنا تحسبًا لو ده حصل.
علق عليها "تميم" بملامحٍ شبه مزعوجة:
-مكونتش هسامح نفسي وأنا مش معاها.
نظر له "بدير" في استهجانٍ، وقال بوجهٍ منقلب، قاصدًا التلميح بشيءٍ بعينه:
-هو إنت سايبها تاخد نفسها أصلاً؟
تنحنح معقبًا عليه وقد فهم عبارته المبطنة، المشيرة إلى ملازمته لها على مدار الساعة:
-خلاص يا حاج، مش وقته!
سألته "ونيسة" في فضولٍ:
-فكرتوا هتسموها إيه؟
دون مماطلة أجابها متحمسًا:
-أيوه، اتفقت خلاص مع "فيروزة" يبقى اسمها "دُرة".
رمقته "ونيسة" بنظرة ملأتها الذهول قبل أن تردد:
-"دُرة"؟
توجس من ردة فعلها، وسألها:
-وحش ولا إيه؟
هزت كتفيها، وأجابته بعفويةٍ:
-لأ غريب شويتين، بس طالما عاجبكم يبقى خلاص.
رد عليها الجد مستبشرًا:
-كله جميل، ماشاءالله، ربنا يجعلها دُرة غالية في حياتك.
هتف مؤمنًا في تفاؤلٍ:
-يا رب يا جدي، يا رب.
.....................................................
مضت السنوات، وتعاقبت، وجاءت اللحظة التي تولى فيها مسئوليته الأخرى تجاه من اعتبرها –مجازًا- ابنته البكرية، كانت لحظة فارقة له كأبٍ، جلس في تفاخر متباهيًا بما أصبحت عليه "رقية" الآن؛ شابة طموحة، ناجحة، تدعو للفخر والاعتزاز، رغم أنها تجاوزت فقط العشرين من عمرها .. مرر أنظاره على الجالسين في صالون منزله، وحانت منه نظرة سريعة نحو الحائط، حيث تستقر عدة إطارات لصور فوتوغرافية خاصة بجده الراحل، ووالديه، كم اشتاق لهم! وكم بدا أقرب بالشبه إلى جده وقد تخطى منتصف الأربعينات بعامين! نفض لمحات الحزن من رأسه ليرسم ابتسامة لبقة وقورة على محياه، واستطرد مخاطبًا رفيقه "دياب" في جدية:
-ده ابني طبعًا.
التفت ناظرًا إلى زوجته الجالسة في مواجهته، وتعمدت اختيار هذا المكان تحديدًا لتتمكن من التواصل معه بصريًا دون الحاجة للنطق، من نظراتها المسلطة عليه، كاد يسمع احتجاجًا صامتًا، فقال في تشددٍ غريب:
-بس زي ما إنت عارف بنتنا غالية، واللي عاوزها لازم يطلع عينه عقبال ما يطولها.
ثم رمق "فيروزة" بتلك النظرة المفيدة في مغزاها بأنه فعل ما أمرته به سابقًا، بينما علق "دياب" في ترحيبٍ وهو يتابع بتعجبٍ ما يدور بينهما من نظراتٍ غريبة:
-واحنا جاهزين لأي حاجة، مش هنلاقي أغلى منها نطلبها لـ "يحيى".
تنحنح "تميم" مضيفًا بنزعة من العنجهية:
-طيب أدونا فرصة نسأل عليه، معلش دي الأصول.
رد عليه رفيقه مداعبًا في مرحٍ:
-اسأل، وجاوب، وخش الامتحان العملي والنظري كمان، المهم في النهاية توافقوا.
نهضت "فيروزة" واقفة، وحطت على تعابيرها تلك العلامات الجادة، ثم نادت على زوجها في تحفظٍ:
-"تميم"، عاوزاك شوية.
نهض بدوره، وقال متصنعًا الابتسام:
-حاضر ..
جال بنظراته على الحاضرين جميعًا وهو يستأذن منهم:
-عن إذنكم.
استوقفه "منذر" عند عتبة باب الغرفة ماسكًا إياه من ذراعه، وطلب منه بصوتٍ خفيض:
-بالراحة علينا شوية يا صاحبي، ده احنا عيلة واحدة.
خاطبه في خفوتٍ، وبعبارة موحية، مُبديًا قلة حيلته:
-وأعمل إيه مع الحكومة؟ ما إنت شايف بنفسك.
أخفى ضحكته المستمتعة وهو يرد بربتهٍ خفيفة على كتفه:
-الله يعينك، بس أكيد ليك طريقتك معاها.
التمعت عينا "تميم" بنظرة غريبة، وأخبره بنوعٍ من الزهو:
-هخليها تلين.
حافظ "منذر" على ابتسامته المرحة، وقال مشجعًا إياه:
-مستنين يا بطل.
قبل أن يغادر "تميم" الغرفة وجه أمره لابنته:
-شوفي يا "دُرة" ضيوفنا يشربوا إيه.
هزت رأسها في طاعة رغم تعبيرات وجهها المزعوجة، سارت عائدة إلى المطبخ وهي تبرطم بضيقٍ:
-كل حاجة "دُرة"! أومال "علي" و"أنس" فين؟ ده بابا قال إنهم يساعدوني.
اتجهت أنظارها لهذا الفتى الواقف بجوار الثلاجة ممسكًا بكوبٍ من الماء يرتشف منه، عندما نطق بنزقٍ:
-أنا موجود في الخدمة.
رمقته بنظرة ضيقة مزعوجة من وجوده، ظنت أنه يهزأ بها، فقالت في لهجة آمرة مترفعة، وهي تشبك ساعديها أمام صدرها:
-طب تعالى شيل الصنية.
أسند "زين" الكوب على المسند الرخامي، وتقدم ناحيتها ببدلته الكحلية الأنيقة متسائلاً في عتابٍ لطيف:
-مافيش لو سمحت؟ أي حاجة ذوق منك
ما كان منها إلا أن ردت بسخافةٍ:
-خلاص، بلاش، ولا الحوجة لحد.
أنهت جملتها وهي تحمل الصينية الأخرى المملوءة مسبقًا بالمشروب الغازي، حملتها إلى الخارج وسط ذهول "زين" الذي راح يردد مدهوشًا من تصرفها الفظ:
-إيه ده؟ هي داخلة شمال فيا كده ليه؟!!!
..........................................................
اندفاعها المتعصب إلى داخل غرفة نومهما، يعني أنها غير راضية عما يحدث، وهناك ما يزعجها بشكلٍ ما. من معاشرته الطويلة لها، بات "تميم" يفهم تصرفاتها دون الحاجة للتكهن، تبعها في هدوءٍ، وأغلق الباب ورائهما، ثم ركز كامل بصره عليها وهي متأنقة في بدلتها البيضاء، لونه المفضل على الدوام، كانت محتشمة، وقورة؛ لكنها ما زالت تحتفظ بسماتها الشقية التي تغويه بنظرة أو ابتسامة متدللة. قاوم جموح خيالاته في هذه اللحظة الجادة حين هتفت في تزمتٍ:
-مش معنى إنه صاحبك توافق على طول، لأ لازم تشد عليه، زي ما بتشد على "علي" و"أنس".
هز رأسه معقبًا وهو يدس يديه في جيبي بنطاله الأسود:
-حاضر يا "فيروزة".
رأت تراخي رابطة عنقه، فتحركت في تلقائية نحوه، ثم وضعت يديها على ياقة قميصه الرمادي لتضبطها، قبل أن تنتقل نحو رابطة عنقه وتُعيد عقدها في مهارة واحترافية وهي ما تزال تكلمه:
-وماتنساش مافيش خروج ولا مقابلات لواحدهم من غير ما يكون في كتب كتاب.
وضع "تميم" إصبعيه بين ياقة قميصه والفراغ الضيق الملامس لعنقه محاولاً خلق مسافة أكبر للتنفس، ثم أخبرها ساخرًا:
-ماشي، هنفذ الوصايا العشرة معاهم، هعمل حظر تجول كمان، إيه رأيك؟
حدجته بنظرة نارية قبل أن تهتف في حدةٍ، ودون أن ترتفع نبرتها:
-إنت بتتريق؟ بكرة نشوف هتعمل إيه مع "دُرة"؟
رفع حاجبه قائلاً في تحدٍ:
-ومين قالك إني هفرط فيها بالساهل؟
سألته في لمحةٍ من السخرية:
-هتسيبها تعنس جمبك؟
التوى ثغره ببسمة غير مبالية وهو يجاوبها:
-أه تعنس وتشيب كمان، دي الغالية على قلبي، النفس اللي بخاف عليه يروح في لحظة.
شعرت بالغيرة من وصفه المشوق، وقالت في عبوسٍ وهي توليه ظهرها:
-أكتر من أمها طبعًا.
وقف خلفها واضعًا يديه على كتفيها، دلكهما في رفقٍ وهو يهتف بالقرب من أذنها:
-مين قال؟
حاولت إزاحة يده عن كتفها قائلة بنفس الوجوم المغتاظ:
-حاسب.
مال برأسه نحو منحنى عنقها المتواري أسفل حجابها، ودفن رأسه فيه، كأنما يريد سماع نبضاتها المتسارعة، والشعور بدفقة متجددة من دفئها المغري، اضطربت أنفاسها وهو يرتفع بشفتيه متجهًا إلى صدغها هامسًا لها:
-ده إنتي قلبي.
قاومت خبرته المحنكة في إغوائها واستدراجها نحو فخه بنجاحٍ، واستلت نفسها منه، لتستدير ناظرة إليه وهي تقول بوجهٍ اختلجته حمرة طفيفة:
-اضحك عليا زي تملي.
قبض على معصميها، فاحتدت نظراتها بشكلٍ كبير، حاولت التحرر من قيده المتحكم بها؛ لكنه بادر وجذبها إليه، أسرها في حضنه، وحاوطها بذراعيه، لتلتصق أكثر بصدره، تلوت بجسدها محاولة المناص منه وهي تهتف في تذمرٍ:
-إيه اللي إنت بتعمله ده؟ مش وقته خالص.
قال بنظرة تعكس شقاوته:
-وإيه اللي يمنع؟
اتسعت عيناها في استنكارٍ وهي تعلل له:
-إنت بتهزر؟ الناس قاعدة برا.
أخبرها في تلذذ وابتسامته العابثة تتراقص على ثغره:
-في تكة أطردهم، وأفركش الجوازة، المهم إنك معايا.
انزوى ما بين حاجبيها معترضًا على تصرفه:
-مش للدرجادي، احنا كبرنا على الحاجات دي.
هتف في تسليةٍ:
-الحاجات دي عندي مالهاش سن، وبعدين كل ما تكبري حبة في قلبي تزيدي محبة.
ضحكت في ميوعة، وعلقت:
-بكاش ...
ثم تصنعت الجدية وأمرته:
-حاسب، وخلينا نطلع نشوف ضيوفك.
تحركت يداه في تمهلٍ على ظهرها تمسده، رمقها بنظرة شقية عما مضى وهو يسألها في توقٍ:
-بأقولك إيه، مش ناوية في المناسبة السعيدة دي ترقصيلي مرة كده من نفسي؟!
تشوق لسماع ردها، فرفضت في جدية واضحة:
-قولتلك مابعرفش.
منحها تلك النظرة العطوف المتذللة وهو يلح عليها:
-حاولي طيب، دي من أحلامي، وأنا استنيت كتير.
صمتت لهنيهة قبل أن تقول في عبثيةٍ؛ كأنما تريد استفزازه وإغاظته:
-خلاص هابقى أرقص في فرح "كوكي".
شدد من ضمه لها كأنما يعاقبها على اقتراحها النزق، قبل أن تنخفض إحدى يداه وتمنحها ربتة تأديبية على ردفيها، جعلتها تشهق وهو يعنفها:
-لا والله، يعني يوم ما تشطحي تنطحي؟ بناقص منها رقصة.
استخدمت كل قوتها لتدفعه من صدره، فنجحت في التخلص من قيده، أو هكذا ظنت حين تراخت قبضتيه عنها، لتعتقد أن لها الغَلَبة؛ لكن ما لبث أن أعادها إلى أحضانه بسحبة قوية، فتأوهت مقاومة إياه، سرعان ما انخفضت إلى استسلامٍ مطيع وهو يلامس بشفتيه بشرة وجهها، سرت فيها نفس القشعريرة الخجلة اللطيفة؛ وكأنها لا تزال حديثة العهد بمشاعر الحب العفيفة، قبل وجنتها بلطفٍ، محفزًا الكامن من حواسها، قبل أن تتحرك شفتاه للجانب لتلامس زاوية ثغرها، حينئذ انفلتت منها آنة خافتة متأثرة، لفح بشرتها بحرارة قربه، ثم همس لها مكررًا اعترافه؛ بصوت خطف الفؤادِ قبل الأنفاس:
-قلبي محبش إلا طاووس واحد بس ..
أغمضت عينيها مستمتعة بهذه الأحاسيس المرهفة التي تتدفق عليها وتغرقها في نبعها، زاد خفقان قلبها مع إكماله لجملته المميزة:
-هو إنتي!
ليتبع ذلك قبلة عميقة، كانت ولا تزال تمنحها في كل مرة يتقاربا فيها، هذا الشعور الواثق بالكمال وتمام الجمــال.
-تمت-