تحميل رواية «الطاووس الأبيض ©️» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تم نشر فصول الأجزاء الثلاثة الأولى في روايات منفصلة، تحمل نفس الاسم المشترك (الطاووس الأبيض)؛ ولكن بأغلفة مختلفة لسهولة التمييز .. ترقيم فصول الجزء الأول: - من الفصل الأول حتى الخامس والثلاثين ترقيم فصول الجزء الثاني: - من الفصل السادس والثلاثين حتى التاسع والستين ترقيم فصول الجزء الثالث: -من الفصل السبعين حتى المائة وخمسة عشر يبدأ ترقيم فصول الجزء الرابع من الفصل مائة وستة عشر، وذلك استكمالاً لما سبق من تتابع للأحداث المشوقة .....
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم Manal Salem
الفصل المائة أربعة وثلاثون
أشرق يومه الكئيب، وازداد وجهه سطوعًا وتوهجًا حينما وجدها –على حين غرة- في غرفته، يا لحظ الأرض التي تقف عليها بقدميها! نالت شرف استقبالها، أما جدران حجرته فظفرت باحتواء بهائها بينها، على عكسه هو التعيس البائس الذي لم ينل إلا لمحة خاطفة منها. تأمل "تميم" ما كانت عليه من ارتباكٍ محرج بنظراته المدهوشة الفرحة، سرعان ما تقلصت عضلات وجهه للتوتر عندما بادرت معتذرة:
-أنا.. أسفة، أنا كنت آ...
دون أن يعبأ للحظة بسبب ذلك قاطعها مشددًا:
-بتعتذري على إيه، ده مكانك..
سرعان ما تحولت نبرته للخفوت وهي يتابع:
-ده أنا اللي أسف اللي دخلت بالشكل ده.
رأها تنحني لتمسك بإطار صورته، فهتف يأمرها في لهفةٍ رافعًا يده أمام وجهها:
-لالا ماتوطيش.
اندهشت من حمئته الغريبة، ورمقته بتلك النظرة غير المفهومة؛ لكن ما دار في خلده كان واضحًا، لم يرغب لطاووسه المعتد بنفسه أن يركع أو ينحني لأي شيء، خاصة أمامه، أرادها شامخة، مرفوعة الرأس، لا تحني رأسها إلا لبارئها. تلقائيًا التقطت "فيروزة" الإطار، ووضعته في مكانه وهي تقول بوجهٍ ما زال مرتبكًا:
-البرواز سليم، ماتكسرش.
ظل متجمدًا في مكانه، لم يتحرك قيد أنملة، وكأن مجالاً مغناطيسيًا يمنعه من التقدم، والسبب كان معلومًا إلا لها! تخبطت "فيروزة" حين وجدت صندوق الخياطة الصغير، واصطدمت يدها ببعض متعلقاته من توترها، فتبعثرت هنا وهناك، ومع هذا طلب منها بلطفٍ مهذب:
-سيبي كل حاجة في مكانها، ماتسويهاش.
أحست بالمزيد من الحرج لتصرفها الأخرق، ما الذي أصابها لتبدو بلهاء هكذا؟ أولته ظهرها محاولة إعادة ترتيب أشيائه بشكلٍ متعجل وهي تكرر في خجلٍ:
-مقصدش والله، أنا كنت عايزة علبة الخيطان وآ...
قاطعها مؤكدًا من جديد في هدوءٍ:
-خدي اللي يعجبك، ده مكانك ...
ثم ابتعد خارجًا من الغرفة لينادي:
-يا "هاجر"..
لم يسمع ردها، فكرر النداء:
-يا "هاجر"، إنتي فين؟
جاءه صوتها من خلف باب غرفتها يخبره:
-ثواني يا "تميم"، برضع "سلطان".
ألصق كتفه بالباب الموصود، وسألها في صوتٍ جعله شبه خفيض:
-طب أمك فين؟
سمع صوتها يجيبه سريعًا:
-مع جدي.. أنا خلاص خلصت، وجاية.
انتظر "تميم" في مكانه مرتكنًا على الحائط، ودقات قلبه تنتفض بشدة، كان في تلك اللحظة بين نارين، نار الحب المتأججة، ونار التزامه بوعده، فرجح كفة الأخير إيفاءً بما تعهد به، وإن كان فيه عذابه.
......................................................
بخفةٍ وسرعة أعادت تنسيق ما أفسدته على التسريحة، ويداها ترتعشان في توترٍ، سحبت "فيروزة" أنفاسًا سريعة محاولة استعادة انضباطها، وهي في حيرة من أمرها، كيف لها أن تصبح على تلك الساذجة والبلاهة في وجوده، رغم أنها كانت تناطحه الند بالند في أشد المواقف تأزمًا وصعوبة، هناك شيء ما به يجعلها كمن أصيب بلعنته، خفق قلبها من هذا التفكير السريع، وحاولت نفضه عن عقلها لتركز فيما تفعله، ما إن انتهت حتى أمسكت بصندوق الخياطة بيدها، واستدارت لتواجهه؛ لكنها تفاجأت بعدم وجوده، انعقد حاجباها بشدةٍ، وتساءلت في انزعاجٍ احتل كامل ملامحها:
-هو فينه؟
تقدمت بخطواتٍ سريعة نحو باب الغرفة، ولم تشعر بنفسها تتساءل عاليًا:
-ماله؟ مش طايقني ولا إيه؟
شهقة مباغتة انفلتت من بين شفتيها، وقد وجدته يظهر قبالتها عند الباب، ارتدت عفويًا للخلف لتظل بداخل غرفته، حاولت الحفاظ على ثباتها، وإبقاء ملامحها هادئة، بالطبع رأى تلبكها الأهوج، وربما احمرار بشرتها؛ لكن قبل أن تنطق بعصبيةٍ، صُدمت به يقول مبررًا:
-أنا والله ما عايزك تفهمي حاجة غلط.
حملقت فيه بنظراتٍ متحفزة، فتابع بابتسامةٍ لطيفة، وتلك النظرة الدافئة المطلة من عينيه تشملها:
-إن كان عليا ماخلكيش تطلعي من هنا ..
أحست بجفافٍ يصيب حلقها، واستمرت في التحديق به بنظراتها التي تأرجحت بين الذهول والارتياح، لن تنكر أنها تمنت في قرارة نفسها أن تحظى بهذه النظرة المميزة التي تشعرها بأنها خاصة بها وحدها، لا يمنحها لأحدٍ غيرها، خبت عصبيتها، وارتخت قسماتها، خاصة حين بدا صوته هادئًا عذبًا، مخدرًا لحواسها وهو يغمغم قائلاً بغموض ضاعف من توترها اللذيذ:
-بس لسه الوقت مأزفش.
تطلعت إليه مليًا بغرابةٍ، تحاول سبر أغوار عقله، لكن تلك النظرة التي رمقها بها نفذت إلى داخلها؛ كأنما نجحت في اختراق حصونها، وجعلتها تشعر بشيءٍ عميق، أنها غير منبوذة، ومرغوبة بشدة كأنثى. قطع تواصلها البصري مجيء "هاجر" التي وزعت نظراتها بين الاثنين وخاطبتهما بابتسامتها العبثية:
-أنا خلصت يا "تميم"، في إيه يا "فيروزة"؟ ملاقتيش العلبة يا حبيبتي؟
أجابتها "فيروزة" أولاً وهي ترفع يدها للأعلى:
-معايا أهي.
بينما ردد "تميم" وهو يتنحى جانبًا:
-أنا أصلي دخلت فجأة الأوضة ولبختها.
رفعت "هاجر" حاجبها متسائلة في مكرٍ:
-طب أحضرلك تاكل؟
تحولت تعابيره للجدية وهو يرد:
-تسلم إيدك، بعدين، أنا نازل تاني ..
تدلى فك "فيروزة" السفلي في استغرابٍ لذهابه المفاجئ، وحاولت عدم النظر في اتجاهه؛ لكنه أجبر عينيها على التطلع إليه وهو يكمل إملاء أوامره على شقيقته ليشعرها بأهميتها الكبيرة:
-بس شوفي الأبلة عايزة إيه وساعديها، أوعي تقصري معاها.
أمسك بها وهي تنظر إليه، وبدت ملامحه غير مقروءة؛ لكنه ودعها بنفس النبرة الهادئة:
-نورتينا يا أبلة .. السلام عليكم.
انتظرت للحظة حتى ابتعد مع شقيقته للخارج، لتتبعهما وهي في قمة حرجها، دارت برأسها المزيد من الهواجس عندما عادت إليها "هاجر" مرددة:
-معرفش والله إيه اللي حصله.
ضاقت عينا "فيروزة" بشكٍ، فتابعت "هاجر" تفسير كلامها الغامض:
-ده بقى مابيقعدش في البيت ساعتين على بعض.
توهمت أنها السبب في عزوفه عن المكوث به بسبب تواجدها الزائد مؤخرًا، خاصة مع تعاظم هذا الشعور المُلح بداخلها بمطاردة ما كان يمنحه لها سابقًا في غفلةٍ منها، ورغبتها في التمتع بذلك الإحساس بدرجة ربما كانت منفرة له، وغير مريحة. نكست رأسها في خزيٍ، واعترفت لها بغصةٍ تؤلم حلقها:
-يمكن مضايق من وجودي وآ...
قبل أن تلعب برأسها الظنون المخادعة ضحكت "هاجر" مقاطعة إياها:
-"تميم"! يضايق منك، استحالة!
نظرت إليها مدهوشة، وبقلبٍ يدق في توترٍ غريب، بينما واصلت شقيقته البوح مع ضحكاتها القصيرة المرحة:
-إنتي متعرفيهوش كويس، "تميم" غير أي حد، بكرة لما آ...
بترت باقي جملتها عند سماعها نداء والدتها الجاد:
-يا "هاجر"!
التفت برأسها للجانب لترد:
-أيوه يامه.
أجابتها وهي تغلق باب غرفة الجد بعد أن خرجت منها:
-اتصلي بأبوكي شوفيه هيرجع أمتى، عشان أسخنه الأكل.
هزت رأسها في طاعة وهي ترد:
-ماشي.
انسحبت "هاجر" باحثة عن هاتفها المحمول، في حين وقفت "ونيسة" إلى جوارها تسألها:
-ناقصك إيه بنتي وأساعدك فيه؟
بعد ذلك الكم من الحرج والاعترافات الغامضة المثيرة للفضول، والتفكير، لم تعد "فيروزة" قادرة على التركيز، كان الحل الأسلم حاليًا الاختلاء بنفسها، ولملمة شتات فكرها المبعثر، لهذا جمعت متعلقاتها، وطوت المفرش قائلة:
-لأ، أنا كده تمام، دي حاجة بسيطة هنجزها على طول فوق مع ماما.
اعترضت عليها في ودٍ:
-طب أخلصها أنا، ده إنتي طول اليوم طالع عينك معانا.
ردت في إصرارٍ مصحوب بابتسامةٍ منمقة:
-ده شغلي، وأنا مبسوطة بيه.
ربتت "ونيسة" على كتفها تشكرها في امتنانٍ كبير:
-نتعبلك كده يا رب نهار فرحتنا بيكي إنتي وابني "تميم".
جملتها كانت عفوية للغاية، غير متبوعة بأي نوايا أو استباقٍ لما يمكن حدوثه، ومع هذا برقت عيناها مصدومة، واكتست بشرتها بحمرة غريبة جعلتها تشعر وكأنها في أوج حرجها، وهي التي لم تختبر مثل تلك المشاعر المربكة طوال سنوات عمرها. تصنعت الابتسام، وقالت في تلعثمٍ طفيف:
-عن إذنك يا طنط.
سارت معها "ونيسة" تصحبها لباب المنزل وهي تدعو لها بصدقٍ:
-ربنا يبارك فيكي ويصلح حالك، ويفرحنا بيكي قريب.
لوهلةٍ شعرت "فيروزة" كما لو كانت ساقاها تستثقلان الابتعاد عن هذا المكان المتخم بكافة المشاعر الأسرية الدافئة، بل الأحرى أنها خشيت الابتعاد عنه تحديدًا، استحضر ذهنها صورته، وصدمها تفكيرها الجري فيه هكذا أمام والدته، خفقة أخرى عصفت بقلبها، وجعلتها راغبة في الاختباء من نظراتها العادية التي يمكن أن تفضح أمرها، تحاشت النظر إليها، وهتفت مودعة إياها بابتسامة شبه مضطربة:
-تصبحوا على خير ........................................... !!
...........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم Manal Salem
مساء النور للساهرين بعد الواحدة ..
فصل بسيط متاح للقراءة الآن
الفصل المائة وخمسة وثلاثون
ألا تدري ما صنع الهوى بقلوب العاشقين؟ جعل في انتظارهم نعيمًا يستحق التقدير. حين عاد "تميم" متأخرًا من تسكعه غير المحدد اتجاهه، رفع رأسه لينظر عاليًا، عندها خفق قلبه بشدة، فقد رأها تقف في الشرفة التي تعلو شرفته، تُريح مرفقيها على حافة السور، وتتطلع إلى الفضاء بنظراتٍ على ما يبدو شاردة، يا لحظه السعيد ما زالت حبيبته مستيقظة، ربما لا تنتظره عن قصدٍ؛ لكنه حظى مجددًا بنظرة إليها، ومع ذلك ضميره ما زال يؤنبه لعدم التزامه الكامل بوعده لأبيه، دومًا يخالف أوامره، ويختلس النظرات إليها، بل ويُطيلها أحيانًا حينما تسمح له الفرصة بهذا.
في تلك الأثناء، انخفضت رأس "فيروزة" نحو الأسفل لتتفاجأ بوجوده، والأكثر إحراجًا ودهشة لها تحديقه بها، تراجعت تلقائيًا للخلف لتختفي من أمام نظراته، وتلك الدقات السريعة تقصف في قلبها، كيف لنظرة واحدة أن تفعل بها هذا؟ ازدردت ريقها، وحفزت نفسها بصوتٍ لم يفارق جوفها:
-مالك في إيه؟ إجمدي كده، مافيش حاجة أصلاً.
سحبت نفسًا عميقًا، وطردته من رئتيها على مهلٍ لتستعيد هدوئها، ثم تقدمت نحو حافة الشرفة لتنظر ببطءٍ إلى كل الزوايا ما عدا المكان القابع فيه، بطرف عينها حاولت رؤيته؛ لكن لسوء حظها لم يعد متواجدًا، سلطت كل أنظارها على المدخل، وشبت على قدميها تفتش عنه في العتمة السائدة بالأسفل، ورغم ذلك لم تجد له أثرًا، حلت التعاسة على محياها، ورددت في استياءٍ منزعج:
-يا خسارة!
نفخت في ضيقٍ، وتساءلت بنفس الوجه العابس:
-طب إيه اللي خلاه يمشي؟
ما لبث أن لكزت جبينها بباطن كفها وهي تردد:
-إنتي غبية ولا إيه؟ ما هو لازم يطلع بيته، هيفضل واقف في الشارع كده.
استندت من جديد على الحافة، وتذمر مقروء على تعبيراتها، خفقة أخرى نالت من قلبها عندما سمعت صوته يأتي من الأسفل مرددًا بصوتٍ شبه مرتفع:
-تسلمي يامه، هتعبك شوية معايا.
أبعدت رأسها للخلف، ورفعت يدها لتضعها على صدرها، تتحسس ذلك الخافق بقوة، حين سمعته يتكلم مجددًا بصوتٍ بدا قريبًا للغاية منها:
-كتير على الواحد إنه يبقى جار القمر.
لا تعرف إن كان يقصدها بهذا العزل الصريح، أم أنه يُحادث إحداهن عبر الهاتف؛ لكن كيف يتحدث فيه وقد جاء لتوه؟ حتمًا هي مخطئة، استبعدت على الفور ذلك الهاجس الضعيف، بل ولامت نفسها على التفكير فيه بهذا الشكل السافر؛ وكأنه استحوذ على عقلها، قبضت على الحافة بيديها، وأرهفت السمع مرة أخرى، وهذا الشعور الجميل بالنشوة يتسلل تحت جلدها، التقطت أذناها دعائه:
-يا رب هون .. واجعل البعيد قريب.
شعرت بشفتيها تتقوسان لتعلن عن ابتسامة رقيقة فرحة، لم تنكر أن مثل تلك العبارات الموحية ترضيها كأنثى، تُشعرها بما افتقدت الإحساس به، بالكاد منعت شهقة عالية من الإفلات من ثغرها وقد سمعت "تميم" يردد بصوتٍ خافت لكنه ودود للغاية:
-تصبح على خير يا اللي في بالي لو كنت سامعني.
كالخرقاء فرت من البلكون لتعود إلى الداخل وهي تشعر بمدى غبائها لاكتشاف أمر وجودها، ارتمت على الفراش، ووضعت الوسادة فوق رأسها لتختبئ خلفها وهي تغمغم بهمسٍ مغتاظ:
-مبسوطة دلوقتي؟ هيقول عني إيه؟!
ضربت وجهها لبضعة مراتٍ بالوسادة، إلى أن توقفت عن تلك الحركة الموبخة لنفسها بعد سماع والدتها تسألها في تعجبٍ:
-إنتي بتعملي إيه يا "فيروزة"؟
اعتدلت في رقدتها على الفراش، وردت في تلعثمٍ وهي تتطلع نحوها:
-ولا حاجة .. ده أنا بفكر مع نفسي.
تقدمت نحو الفراش الآخر، واستلقت عليها معلقة في استغرابٍ:
-كده إنتي بتفكري؟ ربنا يهديكي.
لم تجد ما تنطق به لتبرر تصرفها الأحمق، ولاذت بالصمت، في حين أكملت والدتها قائلة بتثاؤبٍ مسموعٍ لها:
-اطفي النور عشان ننام، لسه ورانا مشاغل كتير الصبح.
امتدت يدها لتغلق المصباح الصغير المجاور لفراشها وهي ترد:
-حاضر.
أراحت ظهرها على الفراش، ووسدت ذراعها خلف رأسها، لتحملق بعينين يقظتين في سقف الغرفة وسط العتمة السائدة في أركانها، شيء واحد كان مسيطرًا على عقلها، تفكيرها العميق فيه.
.................................................
على مسافة غير بعيدة من مركز الشرطة التابع لتلك البلدة، ضغط "شيكاغو" على مكابح عربة الربع نقل ليوقفها، ترجل من السيارة عقب نزول رفيقه "حمص"، ثم ألقى بسيجارته التي فرغ منها أسفل قدمه، دعسها وهو يتقدم للأمام باحثًا عن قالبٍ من الحجارة وسط هذا الركام، ثم دار حول مقدمة السيارة، وركز أنظاره على صديقه متسائلاً:
-جاهز؟
فرك "حمص" رأسه مرددًا:
-أيوه...
وقبل أن يرفع الحجارة للأعلى ليصوبها نحوه حذره بنظرة غير مازحة:
-خلي إيدك خفيفة.
التوى ثغر "شيكاغو" بابتسامة عبثية، وأخبره باستمتاعٍ:
-أومال هظبط الشغل إزاي؟ عشان تخش عليهم بدل ما نتكشف.
الخطة الموضوعة كانت بسيطة للغاية، اعتمدت على افتعال مشاجرة غير حقيقية بين اثنين من رجاله، بعد أن تأكد محامي "تميم" من المعلومات التي أعطاها له ليتحرى عن مدى صدقها، أخبره لاحقًا عن بقاء هذا المشعوذ المقبوض عليه في مركز الشرطة محبوسًا على ذمة التحقيقات، وبالتالي تبقى فقط تنفيذ الخطة، فعلى إثر نشوب هذا الشجار سيتوجهان لداخل المركز، ثم يحتدم الجدال بينهما من مجرد تراشق بالألفاظ لتطاول غير مقبول، ليتم الزج بهما داخل الحجز، وهناك تستكمل باقي الخطة لاستخراج المعلومات المطلوب معرفتها من هذا الحقير، قبل أن يرتضيا بالتصالح ويخرجا بسلام.
زفر "حمص" الهواء عاليًا، وصاح مشيرًا بيده في تحفزٍ:
-اتكل على الله.
ضربه "شيكاغو" بقساوة في جانب رأسه لتتفجر خيوط الدماء بغزارة من جرحه، صرخ الأخير متأوهًا من الألم وهو يعنفه:
-إيه ده يا جدع، مرزبة؟
رد منتشيًا:
-أصول الشغل.
فما كان من "حمص" إلا أن سدد لكمة مباغتة وعنيفة إلى وجهه، لتصيب أسفل عينه وتلهب حدقته، نعته الأول في غيظٍ، وكان على وشك ضربه مجددًا؛ لكنه تمالك نفسه واكتفى بشتمه. تخضبت يد الأخير بالدماء، وهتف يخبر رفيقه:
-بينا بدل ما دمي يتصفى من غير ما نعمل حاجة.
هرول الاثنان ينعتان بعضهما البعض بألفاظ نابية، لحبك تمثيليتهما الهزلية على المتواجدين. كان "حمص" الأسبق في الولوج، وصوت صياحه المستغيث يجلجل:
-إلحقنا يا شاويش، فتح نافوخي يا حكومة.
رد عليه "شيكاغو" وهو يخفي عينه المصابة:
-هو اللي بدأ، ضربني بالعتلة، وكسر فانوس العربية، وأنا مش هاسيب حقي، هاطلع آ....
قاطعه "حمص" متوعدًا في غلٍ متزايد ليبدو أكثر إقناعًا:
-شايفين يا حكومة؟ طب مش سايبك النهاردة يا (...).
على الفور ناطحه "شيكاغو" الرأس بالرأس، وكال له من السباب والوعيد:
-أما إنت ابن (...) صحيح، والله لأقطعك.
ثم تشابك الاثنان بالإيدي وسط محاولة فاشلة للفض بينهما من العساكر المتواجدين، على إثر صوتهما المرتفع، خرج الضابط المسئول عن تلك الوردية من مكتبه ليتفقد الأمر، وهو يصيح بصرامة حاسمة:
-بس إنت وهو، هي سويقة؟
استمر "حمص" في الترديد بوعيد:
-مش سايبك النهاردة.
بينما علق عليه "شيكاغو" متحديًا:
-طب وريني هتعمل إيه يا (...).
زجرهما الضابط بغلظةٍ شديدة:
-هو أنا مش عاجبكم؟ هتمسكوا في خناق بعض قصادي، خدوهم على الحجز لحد ما أشوف حكايتهم إيه.
استجاب أفراد الأمن لأمره الصريح، واقتادوا طرفي النزاع إلى الردهة الطويلة التي تفضي في نهايتها إلى غرفة (الحجز)، ابتسامة ماكرة لاحت على ثغر "شيكاغو" لنجاح الخدعة، وتحرك كالذليل وهو ينظر بطرف عينه إلى شريكه الذي أومأ برأسه في خفةٍ ليحييه على انتصارهما الخفي.
.............................................
استخدم ما اعتبرها قواه الخارقة لإرهاب من معه في الحبس، ليحصل على الحماية من مضايقات الغير أولاً، وكذلك ليضمن عدم إزعاج أحدهم له، أو محاولة تحقيره، كما كانت البقعة الأفضل في حجرة الاحتجاز من نصيبه، بل وقام اثنان من الخارجين عن القانون بالعمل على خدمته بحجة التبرك به.
فُتح الباب على مصراعيه، ودفع المستجدان إلى الداخل مع بعض الترحيب الحار من التوبيخ اللاذع، والضربات القاسية قبل أن يغلق الباب المعدني وصوت الفرد الأمني يحذر بتهديدٍ مباشر:
-أي شغب ولا قلق هيحصل جوا مش هيطلع عليكم نهار.
تجاهل الاثنان تحذيره، وبحثا بنظراتهما المدققة عن هدفهما، وجداه بسهولة، فتبادل نظراتٍ ذات مغزى، انخفضت يد "شيكاغو" عن عينه ليسير نحو هذا الكذوب مُدعي القدرة السحرية، واستطرد يخاطبه دون تمهيد:
-هو سؤال تدينا جوابه دوغري يا عم الـ .. شيخ.
حملت نبرته وهو ينطق بهذا اللقب تهكمًا صريحًا، فارتفعت أنظار الأخير نحوه يسأله بوجومٍ شديد:
-إنت مين؟
استمر في تقدمه نحوه، وقد أخرج من فمه شفرة حادة لينطق بعدها بملامح غير مبشرة بأي خيرٍ على الإطلاق:
-أنا واحد جاي بأوامر يا ياخد روحك، يا سيبك تعيش.
انكمش المشعوذ على نفسه، وسأله بنبرة مذبذبة، وحدقتاه تتحركان في توترٍ خائف:
-إنت مفكر نفسك مين؟
ثم خاطب من معه بذعرٍ؛ يريد الاستغاثة بدعمهم له:
-يا رجالة حوشه، وامنعوه يقرب مني وإلا الأسياد آ...
تلك المرة قاطعه "حمص" وهو يخرج من نعل حذائه مدية صغيرة، مخبأة بعناية بداخله:
-أسيادك دول احنا واكلين شاربين معاهم...
أشهرها أمام وجهه، وتابع كلامه باستحقارٍ:
-مش هيخيل علينا شغل الأونطة، فبلاش تخلينا نقل منك.
هم أحدهم بالتحرك لإيقافه؛ لكن كانت يد "شيكاغو" الأسرع في إبعاده مع جُرح مؤلم، مما أرهب البقية، حينئذ خاطبه مجددًا بتهديد مرعب:
-إنت متعرفناش، احنا بلطجية على قديمه.
هتف "حمص" مضيفًا عليه بلهجةٍ منذرة:
-كله يركن على جمب، بدل ما تبقى العركة مع الكل، وفي الآخر هنلبسهالكم.
لم يجد المشعوذ بدًا من إظهار العداء لهما، من أجل شيء لا يعلمه بعد، خاصة أن هذه المعركة لن تنفعه أكثر من إلحاق الضرر به، وتقليل هيبته، لذا أثر التراجع، وقال في استسلامٍ:
-قولوا عايزين إيه وخلصوني.
نظرة ذات دلالة معينة تبادلها الاثنان معًا، قبل أن يستأنف "شيكاغو" الكلام بسؤالٍ كان مباشرًا ومحددًا:
-راس العجل "فضل" طلب منك تعمله عمل لقريبته .................................. ؟!!!
..........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم Manal Salem
مساءكم ورد .. هطلب منكم طلب بسيط قبل ما تقرأوا الفصل ..النهاردة عندنا في بورسعيد شاب صغير (ظابط مرور) عنده 22 سنة، توفاه الله في حادث بشع، أثناء تأدية وظيفته، هو وحيد أهله، وكان بار بوالدته جدًا، حقيقي حالها صعب جدًا، الله ما يجرب على أي أم خسارة حد من أولادها، فممكن ندعيله بالرحمة والمغفرة ولكل موتانا جميعًا يا رب ................................................
الفصل المائة وستة وثلاثون
لم تكن هذه معركته ليتخذ صف أحدهم على حساب الآخر، لم يعبأ إن ربح فيها جولة أو حتى خسرها، بدا غير مكترث بكل هذه الترهات، لا يعنيه في هذا التهديد الصريح سوى النجاة ببدنه، خاصة أن من يريدون الاستعلام عن هويته كان مقيتًا، سمجًا، وبخيلاً، لا يملك شيئًا من الصفات المحمودة. بلع المشعوذ ريقًا غير موجودٍ في جوفه، وتطلع إليهما في نظراتٍ متوترة، كرر عليه "شيكاغو" السؤال بلهجةٍ أكثر قتامة:
-ما ترد يا عمنا، هو آ...
لم يمهله الفرصة لإتمام جملته، قاطعه مؤكدًا بإيماءات متتالية من رأسه:
-أيوه هو "فضل" اللي جه عندي ...
سدد له "شيكاغو" نظرة مميتة، بينما استجمع جأشه ليواصل كلامه معترفًا:
-وملحقتش أعمل حاجة، الحكومة عملت كبسة على المكان، واتمسكت.
علق عليه "حمص" في استحسانٍ:
-كده إنت كسبت محبتنا يا عم الـ .. شيخ، أصل بعيد عنك عداوتنا ماينفعش معاها لا عفاريت ولا أسياد.
لوح المشعوذ بيده هاتفًا في توترٍ قلق:
-ابعدوا عني بخيركم وشركم.
لكز "شيكاغو" رفيقه في جانب ذراعه مخاطبًا إياه:
-مهمتنا قُضيت، نستنا المحامي بقى.
هز رأسه قائلاً في هدوء:
-زي الفل.
قهقه "شيكاغو" ضاحكًا، ثم توقف ليقول بنبرة هازئة وهو يدس الشفرة في جوفه:
-على وضعك يا عمنا.
حدجه المشعوذ بنظرة نارية مغتاظة؛ لكنه أثر عدم الجدال مع أمثاله من عتاة الإجرام، وانزوى جالسًا في ركنه يعلن بصوتٍ خفيض:
-الله يحرقك يا "فضل"، قارفني برا وجوا!
اتخذ "حمص" موضعه على إحدى المصاطب الخشبية، وجلس إلى جواره "شيكاغو"، همس الأول في أذن الأخير يسأله في فضول:
-ما إيه رأيك نوجب مع المعلم "تميم"؟ وتبقى بجميلة معاه
ضاقت نظرات "شيكاغو" متسائلاً في اهتمامٍ:
-إزاي؟
وقبل أن يجيبه حذره بوجهٍ غائم:
-بس أوعى توقعنا معاه، المرة اللي فاتت اتنفخنا.
برزت تلك اللمعة الخبيثة في حدقتيه وهو يؤكد له:
-اطمن .. المرادي غير.
.......................................
بعصبيةٍ لم يستطع كبحها، ذرع "تميم" الغرفة جيئًا وذهابًا أمام أنظار جده المراقب له من على مقعده الجالس عليه وهو يخبره تفاصيل ما أطلعه عليه "هيثم"، وما قام به بعد ذلك للتأكد من صحة تلك المعلومات. إلى الآن لم يصله الخبر اليقين، وأصبحت أعصابه على شفير الانفجار، بالكاد توقف "تميم" عن الدوران حول نفسه ليخاطب جده بأنفاسه المنفعلة وهو يضع يديه أعلى رأسه ليضغط على جانبيها:
-مش عارف أعمل إيه يا جدي، هتجنن من ساعتها.
بملامحه الهادئة، ونبرته الرزينة أخبره "سلطان" عن يقينٍ تام، وهو ينظر إليه:
-ولا تعمل أي حاجة، يا ابني لازم تبقى عارف ومتأكد إن مافيش حاجة هتحصل سواء خير ولا حتى شر إلا بأمر ربنا.
هتف في حنقٍ متعاظم بداخله:
-بس ده سحر، وأعمال وآ...
قاطعه الجد كأنما يسأله بوجهٍ مال للتجهم:
-إنت هتصدق أمور الضلال والشِرك بالله دي؟
جاءه رده واضحًا وقد جلس على طرف الفراش ليغدو في مواجهته:
-ما هو السِحر مذكور في القرآن الكريم.
هز رأسه معقبًا بتريث:
-أيوه مظبوط، فين بقى بالظبط؟
تحير "تميم" للحظة في منحه الجواب؛ لكن "سلطان" كان الأسبق في إجابته:
-في كذا موضع، منهم اللي كان أيام سيدنا "سليمان" عليه السلام، وأيام سيدنا "موسى".
أطلق "تميم" زفرة محملة بكل ما يضيق به صدره، فسأله الجد بنفس الصوت الهادئ:
-هل احنا دلوقتي في زمنهم؟
رد نافيًا، وقسماته ما تزال مشدودة:
-لأ، بس في ناس بتلجأ لده عشان تأذي غيرهم، حتى لو كان فيه معصية لله.
انتظر الجد لهنيهة قبل أن يخبره بتعابيرٍ مرتخية وهو يشير بسبابته:
-يبقى لازم تكون متأكد من حاجة واحدة.
سأله على الفور:
-إيه هي؟
أتاه رده ببرهانٍ غير قابلٍ للتشكيك:
-إن ربنا سبحانه وتعالى قال وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
تطلع إليه "تميم" في صمت، والجد ما زال يؤكد عليه:
-يعني لو الدنيا بحالها كلها اتجمعت عشان تضرك مش هيحصل إلا بمشيئة الله، ونفس الحال لو اتجمعت عشان تنفعك برضوه مش هيحصل ده إلا بإرادة ربنا.
عقب كلماته المطمئنة تلك ارتخت تعابيره بشكلٍ ملحوظٍ؛ وإن لم يهدأ القلب بعد، شدد عليه "سلطان" من جديد:
-فسلم أمرك لله، واستعين بيه، وهو الحافظ المنجي.
تنهد عليًا قبل أن يردد:
-ونعم بالله.
طرقة خفيفة على الباب جعلتهما يديران رأسيهما نحوه، ليتطلعا إلى "بدير" الذي ولج للداخل، واربه خلفه، وألقى التحية على أبيه:
-سلام عليكم، إزيك يابا؟
هز "سلطان" رأسه متمتمًا:
-الحمدلله في نعمة.
وجه "بدير" بعد ذلك كلامه إلى ابنه قائلاً بغموضٍ:
-كويس إني لاقيتك هنا.
تعقدت ملامحه متسائلاً في تحفزٍ وقد نهض من مكانه احترامًا له:
-خير يابا، عاوزني في إيه؟
جلس والده على طرف الفراش، واتكأ براحته على رأس عكازه قبل أن يستطرد موضحًا بما يشبه الأمر:
-من بكرة عاوزك تزود أجرة الواد ابن "مخيمر".
أبدى موافقته متسائلاً في اهتمامٍ:
-ماشي يا حاج، بس ليه؟ هو في حاجة حصلتله؟
بتعابيرٍ شبه حزينة أخبره:
-سمعت إن ظروفه صعب، وابنه الصغير بعافية حبتين، اتحجز في المستشفى، والمصاريف أد كده، وهو رافض أي مساعدة.
ردد "سلطان" داعيًا للصغير الذي لا يعرفه:
-ربنا يشفيه ويعافيه، ويجبر بخاطر أهله.
شدد "بدير" على ابنه بإشارة صارمة من عينيه:
-متحسسوش إنها مساعدة، كلفه بكام مشوار لحبايبنا اللي بيكرمونا لما نبعتلهم حد من طرفنا، وإديله تكلفة المشوار على اعتبار إنه مشوار بعيد، فاهمني؟
قال "تميم" دون تفكيرٍ وهو يضرب بيده منحنى عنقه عدة مرات، كنوعٍ من التأكيد:
-من غير ما توصيني يابا، في رقبتي.
ضم "بدير" كفيه معًا فوق رأس عكازه، وأخفض وجهه متابعًا في نبرة محملة بالأسى:
-أصعب حاجة على الأب إنه يبقى حاسس بالعجز ومش قادر يعمل حاجة، وخصوصًا مع عياله.
رد عليه "سلطان" بحكمةٍ:
-معاك حق، بس زي ما في الشقيان، في الظالم اللي بيستخسر القرش في عياله، بخلان على نفسه وعلى أهل بيته، حارمهم من رزق ربنا اللي بيبعته عن طريقه ليهم، وناسي كلام النبي عليه الصلاة والسلام "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت".
هتف "بدير" مناجيًا:
-ربنا يكفينا شُح النفس، ويجعلنا من عبيد الإحسان.
أمن أباه عليه مبتسمًا لرؤية حصاد تربيته الطيبة في ابنه وحفيده:
-يا رب.
نهض "بدير" من مكانه، وربت على كتف ابنه يستحثه:
-يالا يا "تميم"، وخلي جدك يرتاح، إنت سهرته النهاردة.
تذمر "سلطان" باحتجاجٍ لطيف:
-سيبه، هو ليه غيري يشكيلي همه؟
استثارت عبارته الأخيرة حفيظته، فتركزت كامل أنظار "بدير" على ابنه، وسأله مباشرة:
-في حاجة مضايقاك؟ قول.
رد نافيًا وقد أحنى رأسه على صدره:
-لأ يابا، كله تمام والحمدلله.
لم يبدُ مقتنعًا برده، وسأله دون أدنى محاولة للمراوغة:
-الموضوع إياه صح؟
حمحم بخفوتٍ وهو يخبره:
-أنا صابر ومستني.
منحه ربتة خفيفة على كتفه قبل أن يتكلم:
-ربنا هيراضيك .. هانت.
طرد زفيرًا ثقيلاً من صدره، ودعا برجاءٍ شديد:
-يا مسهل الحال يا رب.
شارك الجد في الدعاء له بابتسامة وقورة:
-ربنا يرزقك الراحة عاجل غير آجل، وتيجي تشكيلي هم الجواز بعد كده.
هتف ممازحًا في يأسٍ:
-أجربه الأول طيب قبل ما اشتكي.
ضحك "سلطان" قائلاً، وهو يرمقه بتلك النظرة:
-هيحصل.
............................................
ما إن طلع النهار، حتى ارتدت ثيابها، واتجهت إلى دكانها، لتبدأ في عملها مبكرًا، تأكدت من لصق كل فصٍ من فصوص اللؤلؤ اللامعة في منتصف كل وردة على حدا، باستخدام مسدس الشمع، لتبدو الباقة البيضاء في النهاية متناسقة، وجاذبة للأنظار، حين تمسك بها العروس بيدها. ألقت "فيروزة" نظرة سريعة على "علا" الواقفة إلى جوارها عند الطاولة التي تعمل عليها، تحدثت إلى رفيقتها مرة أخرى، بعد أن انكبت بوجهها على الباقة:
-بعد كتب الكتاب هاعمل افتتاح المحل بأمر الله.
علقت ساخرة منها بابتسامة صغيرة:
-يا بنتي إنتي بتقولي كده على طول، ومافيش حاجة بتحصل.
بعد تنهيدة سريعة أخبرتها:
-هعمل إيه بس، مش بإيدي، إنتي شايفة الظروف.
حافظت على نعومة ابتسامتها وهي ترد:
-ربنا يعدلهالك، واعملي حسابك هاجيب الزباين بتوعي عندك.
زوت ما بين حاجبيها متسائلة في استغراب:
-ليه؟
تطلعت إليها بنظرة متعجبة قبل أن تردد:
-مش قولتلك هصفي المحل، صعب أشتغل بعد الجواز، وخصوصًا إن "وجدي" احتمال كبير يتنقل.
أظهرت "فيروزة" بسمة لطيفة وهي تعلق:
-ربنا يسعدكم يا رب.
غمغمت "علا" بنبرة موحية، وقد تحولت نظراتها لنظراتٍ ثعلبية ماكرة:
-أما عندي ليكي خبر بقى طازة.
لم تكن مهتمة إلى حدٍ كبير وهي ترد متسائلة بفتور:
-إيه؟
مالت عليها ليبدو صوتها قريبًا من أذنها، ومفعمًا بالتشويق عندما قالت:
-أخويا الموقر بيحب.
شهقت "فيروزة" في ذهولٍ على إثر المفاجأة السارة، ثم تكلمت قائلة:
-بجد؟ مبروك، هو يستاهل كل خير.
غمزت لها بطرف عينها مصححة:
-أنا بقولك بيحب، لسه مافيش خبر إن كان هيبقى في حاجة رسمي ولا لأ.
هزت رأسها مرددة باقتضابٍ، وكأن شأنه لا يعنيها:
-تمام.
اندهشت "علا" من عزوفها عن معرفة التفاصيل، فالسبب ببساطة أنها لا تسعى للتطفل على غيرها، لا يدفعها الفضول مُطلقًا للسؤال عما لا يعنيها، ومع هذا استمرت رفيقتها في استفزازها بمنحها قطعًا غامضة من الأحجية بقولها:
-بس مش هتصدقي، هو بيحب واحدة حبيبتك أوي، وقريبة منك جدًا.
رغمًا عنها استرعى الأمر انتباهها، فتساءلت ناظرة إليها:
-مين؟
تأكدت من كامل انتباهها لها قبل أن تفجر ما اعتبرته قنبلتها المدوية:
-الدكتورة "ريم".
من جديد انفلتت شهقة أخرى من جوفها، ورددت في صدمة:
-مش معقول، بتهزري؟
أكدت عليها "علا" صحة الأمر وهي تنقر بأظافرها على سطح الطاولة:
-لأ طبعًا، ده بجد.
بعد لحظات من السكوت قالت "فيروزة" بما يشبه المدح:
-هي بصراحة إنسانة محترمة، وخلوقة جدًا.
مطت "علا" ثغرها لثانية، وسألتها بعد ذلك بنظرة متشككة:
-إيه مش غيرانة؟
رمقتها بنظرة مدهوشة وهي تجيب عليها متسائلة:
-هغير من إيه؟
ببساطةٍ أخبرتها وهي تهز كتفيها:
-يعني الكل حواليكي عمال يتجوز، مش بتفكري تعملي كده إنتي كمان؟
للغرابة، رنت كلمات "تميم" الأخيرة في ذاكرتها، تلك التي ألقاها في الشرفة على مسامعها، مع استحضارٍ سريع لملامحه في مخيلتها، جحظت بعينيها في صدمة حرجة، وتحاشت النظر إلى وجه رفيقتها، كما لو كان أمرها قد كُشف، لتنفي ذلك التفكير بتعجلٍ يدعو للاسترابة:
-لالالا، أنا مش بتاعة جواز.
حاصرتها "علا" بنظراتها اللئيمة، وسألتها وهي تميل برأسها نحوها لتتطلع إليها عن قربٍ:
-طب عيني في عينك كده؟
تحركت من أمام أنظارها الكاشفة لها، وقالت بلهجةٍ شبه جادة، قاصدة تغيير مجرى الحديث:
-بقولك إيه، أنا عاوزة ألحق أخلص البوكيه ده قبل ما أطلع أدويه للعروسة.
بدت "علا" غير مكترثة بملاحقتها، فقد تطلعت إلى ساعة هاتفها المحمول، واعتدلت في وقفتها لتخبرها بدلالٍ:
-ماشي يا "فيرو"، وأنا يدوب أروح ميعادي مع "جوجي".
استدارت تنظر إليها متسائلة بشفاه مقلوبة:
-"جوجي"؟ ودي مين دي كمان؟!!
ضحكت في مرحٍ قبل أن توضح لها:
-"وجدي"، ما أنا بدلعه.
لم تستسغ ذلك الغنج السمج، واكتفت بالإيماء برأسها وتصنع الابتسام، لتودع بعدها رفيقتها، قبل أن تعاود العمل على الباقة بعقلٍ ما زال مستحضرًا لملامحه، وتلك البسمة الرقيقة تداعب ثغرها.
...........................................
-بردك يامه ريحالهم؟ عملتي اللي في دماغك؟ عاوزة تصغريني؟
صرخ "فضل" بتلك الكلمات في صوتٍ مرتفع، ناقم، وأشبه بالزمجرة موبخًا والدته التي أخذت المال من أبيه، لتقوم بإعطائه لجدة أبنائه حتى تنفق عليهم على حسب ما تم الاتفاق عليه سابقًا. لم يكن راضيًا عما اعتبره مخالفة لأوامره، واستمر في التعامل بحدةٍ وتشدد مع والدته، حدجته الأخيرة بنظرة مستاءة، ثم أخبرته بلين الكلام علَّه يقتنع:
-الناس هتاكل وشنا، مش عايزين فضايح.
هدر بها في انفعالٍ غريب:
-الفضايح لوش البومة اللي مصدقت ترمي نفسها على أول راجل يتكلم عليها ...
ما لبث أن تحول صوته للخشونة وهو يتهمها باتهامٍ سافر:
-تلاقيها كانت دايرة على حل شعرها، وأنا لابس العِمة ومش دريان بريحتها النجسة!!
لطمت "سعاد" على صدرها تحذره في استنكارٍ كبير:
-إيه الكلام ده يا "فضل"؟ كله إلا الأعراض!
لم يخجل وهو يواصل كلامه البذيء:
-بس يامه، إنتي على نياتك، حريم اليومين دول (...).
وضعت يدها على صدغها مرددة في حرجٍ من وصفه الجارح والمهين:
-يادي الكسوف، ماتقولش كده على أم عيالك.
لوح بيده هاتفًا في نقمٍ:
-بلا أم عيالي بلا قرف.
لم تتحمل "سعاد" سماع مثل ذلك الكلام المنفر من ابنها، وقالت حاسمة أمرها وهي تقبض بيدها على حافظة نقودها الصغيرة:
-أنا رايحة عند سِت عيالك وراجعة، مش هتأخر.
ردد من خلفها وهو يتراجع للجلوس على الأريكة:
-إياك ما تلاقيهم.
ما إن سمع صوت غلق الباب حتى عبث بأزرار هاتفه المحمول ليخابر أحدهم، انتظر إجابة الطرف الآخر عليه ليبدأ في تعنيفه بأسلوبه الوقح:
-أيوه يا زفت، ماكلمتنيش ليه تطمني؟ مش قولتلك تعرفني اتفقت مع البت إياها ولا لأ؟
رد عليه الرجل قائلاً:
-آخر النهار هاتكون فضيالك يا ريس.
تجشأ "فضل" بصوتٍ مزعج، وتابع منذرًا إياه:
-أما أشوف .. عارف لو لاقيتك جايبلي واحدة نص لبة، بالله ما هتشوف إلا الوش التاني.
بالطبع لجأ مؤخرًا لمضاجعة بعض الفتيات العابثات لاستعادة هذا الإحساس بالرجولة والفحولة، بعد أن واظب على تناول بضعة أقراصٍ مجهولة المصدر لتحفيز الكامن في خلاياه؛ لكن محاولاته كانت تبوء بالفشل الذريع، فيلجأ لتقريع تلك الماجنات محملاً إياهن الذنب في عدم استثارة حواسه، وإشعاره بالرغبة والانتشاء. انتبه "فضل" لصوت الرجل وهو يخبره:
-عينيا ليك، بس دي أجرتها زايدة حتة.
هتف فيه بحدةٍ ساخطة:
-على إيه؟ ما كلهم نسوان كسر، يحمدوا ربنا إن لاقيين رجالة يعبروهم.
بصوتٍ هادئ تابع كلامه مؤكدًا، كمن يمتدح بضاعته:
-بس دي البريمو.
صاح به بعد أن أصدر صوتًا غير مستحب:
-مستعملة ياخويا، من كل من هب ودب، بريمو على إيه؟!
اضطر الرجل أن يُجمل بضاعته، ويتفاوض معه إلى أن وصلا لاتفاقٍ مرضي للطرفين، حينها أنهى "فضل" المكالمة وهو يشعر بلذة الانتصار، تحولت أنظاره نحو الباب عندما سمع الدقات عليه، وقال وهو يفرك أنفه بسبابته:
-لحقتي ترجعي يامه.
بتكاسلٍ نهض من مجلسه، ليتجه إليه، ويفتحه؛ لكن هبطت الصدمة على رأسه بكامل ثقلها، عندما وجد "تميم" مرابطًا أمام العتبة، ووجهه لا ينم عن أدنى علامات الخير، تدلى فكه السفلي في اندهاش، قبل أن يحركه لينطق، وآثار الصدمة ما تزال حية على تعابيره:
-إنت!!!
أكثر ما يمقته "تميم" في حياته، هذا النوع من البشر الذي يضر ولا ينفع، ويتسبب بشروره في إيذاء الآخرين، ما إن أبصره بسماجته، ووضاعته حتى كور قبضه يده، ضاغطًا على أصابعه بقوةٍ حتى ابيضت مفاصله، وبرزت من شدة الضغط الشرس، ليخاطبه بعدها بزفيرٍ محموم، ونظراته النارية تشمل وجهه البغيض:
-مش أنا قولتلك إدي بالك جيالك؟
سدد له أول لكمة قوية ومباغتة جعلته من شدتها يرتد للخلف في ترنح كبير، قبل أن تلتف ساقه بالأخرى، ويتعثر فاقدًا اتزانه، ومنكبًا على وجهه، ليتبع ذلك قول "تميم" المليء بالوعيد القاسي:
-خد بقى وما تعدش ............................ !!!
.................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم Manal Salem
مساء الورد للساهرين بعد منتصف الليل
تصبيرة لطيفة من الطاووس الأبيض
الفصل المائة وسبعة وثلاثون
ما إن طار إليه الخبر اليقين، حتى حسم أمره، وأوكل مهامه الصباحية لغيره، لينطلق فورًا إلى بلدته دون أن يعلم عن ذهابه أحد، لتسنح له الفرصة لتصفية كافة الحسابات المعلقة. اللعين لم يكفه ما تسبب فيه لها من إيذاء بدني ونفسي، ليواصل بخ سمومه القميئة، والنيل منها بأحقر الطرق الممكنة. اندفع "تميم" بكامل عنفوانه وغضبه، نحو كتلة الشحم الملقاة أرضًا، ليقبض عليه من تلابيبه ويجره جرًا غير عابئ بغلق الباب من خلفه.
حاول "فضل" مقاومته، وتحين أي فرصة للإفلات من قبضتيه المحكمتين حول عنقه؛ لكنه فشل أمام قوته وخشونته القاسية، حيث انهال عليه لكمة وراء أخرى في وجهه، معيدًا تشكيل ملامحه السمجة، ومُفرغًا في نفس الآن تلك الشحنة المكبوتة فيه، انخفضت قبضته المضمومة ليسدد له لكمة مؤلمة في معدته، جعلته يصرخ بأنينٍ باكٍ، قبل أن يعنفه:
-فكرك مش هعرف أوصلك؟ وريني هتفلت المرادي إزاي مني.
ضغطت أصابع "تميم" القاسية على مجرى تنفسه، فاختنق صوته وهو يسأله بوجهه الذي تحول لكتلة من الدماء الحمراء:
-أنا عملت إيه؟ هو .. رمي بلى؟
منحه لكمة عنيفة في فكه ليخرسه وهو يهدر به:
-معملتش حاجة غير العمل بس، فأنا جاي أطلعه على جتتك.
لم يعطه فرصة اختلاق أي أكاذيب، استمر في لكمه، وضربه، في مفترق أنحاء وجهه، حتى شاع في التورم، وامتزج مع دمائه ونحيبه. كالذبيحة التي تلفظ أنفاسها الأخيرة، انتفض "فضل" محاولاً المناص منه، ظن أنه حاز على فرصةٍ للفكاك منه، حين نهض عنه "تميم"، لينزع حزامه الجلدي، فصرخ مستغيثًا بأعلى ما يكون؛ وإن تسبب هذا في بح أحباله الصوتية الجريحة:
-غتوووني يا ناس، همـــوت.
لف "تميم" مقدمه حزامه حول قبضته، لتصبح كسوطٍ قاسٍ، ثم هوى به على ظهره، في صفعة مباغته جعلته يصرخ من الألم الشديد، لم يكن قد تعافى بعد من آلام الأولى ليلحقه بواحدة أخرى مفاجأة أشد عنفًا وهو يتوعده بالمزيد:
-محدش هيعتقك مني النهاردة.
استمر في زحفه وهو ما زال يصرخ طالبًا النجدة:
-الحقوني ....
لم يجد بدًا من الهتاف بجنونٍ للنجاة من بطشه الأهوج:
-حـــــــرامي، حرامي!
حيلة رخيصة للفت الأنظار، واستدعاء المساعدة على وجه السرعة، بصق عليه "تميم"، ولعنه باشمئزاز صريح:
-أه يا (...).
واصل جلده في مواضع متفرقة من جسده، غير مكترث بصراخه وعويله المرتفعين، لم يكن ليوقفه أي شيء أو أي شخصٍ عن تأديبه بما يستحق.
.................................................
في تلك الأثناء، خلال سيرها وسط طرقات البلدة الرملية، لاحظت نظرات النساء غير الطبيعية لها، كانت تشملها من رأسها لأخمص قدميها، غالبيتها مالت للازدراء، حاولت "سعاد" التغاضي عنها؛ لكن الهمهمات الجانبية استرعت فضولها، لمحت إحدى من تعرفهن من النساء، ذوات السيرة الطيبة، تقدمت نحوها حتى تلاشت المسافة بينهما، وقربت رأسها منها تسألها في حيرة:
-هو حريم البلد مالها؟
وضعت المرأة طرف حجابها على فمها تغطيه، ثم اختلست نظرات سريعة على من حولها قبل أن تجيبها بحرجٍ:
-إنتي مش دريانة باللي حاصل يا حاجة ولا إيه؟!
ضاقت نظرات "سعاد" في توجسٍ أكبر وهي تتساءل:
-لأ ياختي، في إيه؟
ضغطت المرأة على شفتيها في ترددٍ، استحت أن تخبرها بما انتشر في البلدة من أخبار مخزية تخص ابنها، ألحت عليها "سعاد" لتخبرها:
-يا بت انطقي، إيه اللي حاصل؟
تحاشت النظر نحوها قائلة بصعوبة، وكامل وجهها يكسوه الخجل:
-أصل بيقولوا في تصويرة كده لسي "فضل" مش ولابد.
انعقد حاجبا "سعاد" في قلقٍ أكبر، وتساءلت بملامح مالت للشحوب:
-تصويرة إيه؟
لم تتجرأ المرأة على متابعة النظر ناحيتها، خاصة وهي تعلق:
-أنا مشوفتش، ده الناس اللي بتتكلم.
نفذ صبرها من مماطلتها غير المحتملة، فصاحت بها:
-بيقولوا إيه يعني؟
لم تجد بدًا من إخبارها، فقالت وقد نكست رأسها قليلاً:
-هاتي ودنك.
أرهفت "سعاد" السمع للكارثة التي عرفت عنها، جحظت عيناها في ذهول مرتاع، وامتدت يدها لتلطم على صدرها وهي تردد:
-يا نصيبتي!!
لم تستطع متابعة ما عقدت العزم على تنفيذه، دون أن تعود للمنزل لتخبر ابنها بالفضيحة التي نالت منه، وبالطبع لن تمر مرور الكِرام.
......................................................
بدا وكأن الصلة بينه وبين جميع من في البلدة قد انقطعت فجأة، فلم يهب أحدهم لتلبية أصوات صراخه، أوشك على تصديق أنهم اتفقوا فيما بينهم سرًا على أن يأتي هذا الشرس لمعاقبته، وقبل الأخير مرحبًا بهذا الاتفاق الضمني. تقلب "فضل" على جانبه الآخر ليقيه من كم الضربات المبرحة التي أصابته، وأيضًا ليعطي الفرصة لقطعة أخرى من جسده لتأخذ نصيبها، صاح مجددًا مستغيثًا ببقايا صوته المشروخ، وهو يزحف على مرفقيه ليفر من جلاده:
-حد يغتني يا نـــاس!
لم يجد من يلبي ندائه، فرد عليه "تميم" في تهكمٍ:
-الناس عايزة اللي يخلصها منك يا نجس!
رفع من جديد حزامه في الهواء، ولفحه بجَلدةٍ أصابته في مقتل، فارتفع الصراخ المبحوح، وعم في الأرجاء، قبل أن يغدق عليه بأخرى، اقتحمت "سعاد" المكان لتتفاجأ بما يناله ابنها من تقريع عنيف، كادت عيناها تخرجان من محجريهما من هول المشهد، وبغريزتها الأمومية تحركت للزود عنه، وإن كان مجرمًا يستحق العقاب، حالت بينه وبين "تميم"، وصوتها يصيح في فزعٍ:
-يا نصيبتي، في إيه؟ ابعد إيدك عنه.
وكأن النجدة هبطت لتوها من السماء لإنقاذه، اختبأ "فضل" خلف ساق والدته، تاركًا جسدها يبدو كدرعه الواقي من لسعاته المؤلمة، توسلها من بين بكائه المهين:
-غتيني يامه، هيموتني.
لوحت "سعاد" بذراعيها في الهواء تستصرخه:
-حرام عليك، هيموت تحت إيدك.
بقساوة شرسة علق عليها "تميم" وهو يحدج ابنها بتلك النظرة المغلولة:
-ابقى ريحت الناس من شره.
قرأت في عينيه نية مبيتة للقضاء عليها، فلم يكن أمامها سوى الاستغاثة بأعلى أصواتها علَّ أحدهم يجير امرأة تستغيق:
-يا نـــــاس، يا خلق هووه.
تعلق "فضل" بساق والدته، وهتف من خلفها بهسيسٍ موجوع:
-صوتي كمان يامه.
سدد له "تميم" نظرة قاتلة بعد أن التقطت أذناه ما تفوه به، ثم هتف يسأله في احتقارٍ ظاهر على كل قسماته:
-بتتحمى في أمك؟
خبأ "فضل" وجهه من أمام نظراته المميتة، فتابع "تميم" إهانته له:
-ما إنت جبان و(...).
شهقت "سعاد" أمام وابل الألفاظ البذيئة التي تنال من ابنها، لم تكن قد أفاقت بعد من صدمة فضيحته، والتي على ما يبدو لم يعلم بها بعد، لتُصدم بما يتلاقاه من عقابٍ غير مبرر، استمرت في حمايته، وتساءلت مدافعة عنه بحرقةٍ:
-هو عملك إيه؟ بتفتري عليه ليه؟
مهما بلغ غضبه ذروته، ومهما كانت محاولات استفزازه لم يكن ليوجه انفعاله نحو النساء، خاصة العجائز منهن، تراجع مرخيًا ذراعه، وأخبرها بصوت مزمجر:
-ابنك ماسبش حاجة معملهاش.
كأفعى متلونة، تُجيد تغيير جلدها في كل لحظة، حرك "فضل" فكه ليدعي كذبًا:
-كل ده عشان عايز بنت عمي بحلال ربنا يامه.
اشتاط "تميم" غضبًا، واحتقنت نظراته بشدة من كذبه الحقير، فهدر به رافعًا سبابته محذرًا بعدائية غير مشكوك فيها:
-ماتكلمش عن الحلال والحرام.
لم يحسن "فضل" تقدير الموقف، واستمر في استفزازه بقوله الحاقد:
-أيوه، اعمل الشويتين دول عشان تغطي على ريحتها اللي فاحت، ما هي بعتاك عشان كده.
من جديد لف "تميم" الحزام حول قبضته ينوي الفتك به مرة أخرى هادرًا:
-تاني؟!!
تشبث "فضل" أكثر بساق والدته، وهتف يتوسلها كالجبناء:
-حوشيه يامه.
على الفور استعطفته:
-ماتقربلوش بالله عليك.
المشهد كان مبتذلاً، هزليًا، وباعثًا على النفور والحقد، أخفض "تميم" يده، وقال في خشونةٍ:
-كنتي ربي ابنك كويس يا حاجة، بدل ما هو عامل زي وساخة البطن، ناشر قرفه على اللي حواليه.
حفظًا لماء وجهه المهدور، ردد "فضل" دون حياءٍ وبالباطل:
-أني وساخة بطن؟ أنا أنضف من اللي جاي محموء لها.
لم تحط دماء "تميم" المحتقنة بعد، وهدر ينذره بهديرٍ مفزع:
-إيــــاك!!
تجاهل تحذيره واستمر قائلاً:
-زمان ركبتوني الغلط عشان قولت نتأكد إن كانت المحروسة بنت بنوت ولا لأ، مع إنه حقي اطمن على شرفها، ولو مكونتش عملت كده، كانت سيرتها بقت على كل لسان ...
الحقيقة الغائبة برزت للعلن الآن، كان السؤال الذي يلح عليه ليل نهار، ما الذي قام به هذا الخسيس معها، واليوم اكتمل المشهد المنقوص، استيعابه للتفاصيل المؤلمة استغرقه بضعة لحظات، و"فضل" ما زال يتكلم معتقدًا أنه ربح في جولةٍ خاسرة:
-أما دلوقتي فشوفوا الشريفة الطاهرة مقضياها إزاي ..
انتهى وقت الهدنة الافتراضية، فاندفع نحوه "تميم" متجاوزًا والدته، لينقض عليه بكل ما أوتي من شراسةٍ، وينتشله بقبضتين محكمتين ليطرحه أرضًا في عنفٍ مفرط وهو ينهال عليه بالسباب:
-عندك يا (...)!
لم تتمكن "سعاد" من إيقافه، وفشلت في ردع بطشه المنفعل، ظلت من خلفه تضربه على ظهره بقبضتيها وهي تصرخ به:
-سيبه، حـــرام عليك.
أطاحت لكمة "تميم" بالسنة الأمامية لـ "فضل"، وأملى عليه بنبرة حاسمة:
-اللي بتكلم عنها دي هتبقى مراتي، سامع.
ذُهل مصعوقًا من اعترافه وسط ما يعانيه من ضرب مبرح، ومن بين أسنانه المتلجلجة هتف:
-بتقول إيه؟
اندست يد "تميم" في جيبه الخلفي، ليخرج مديته، أشهرها أمام وجهه هادرًا بنظراتٍ ميتة، خلت من الشفقة:
-وأنا اللي يمس أهل بيتي بكلمة بدبحه.
لطمت "سعاد" على صدغيها في جزعٍ، وصرخت شاهقة:
-يا لهوي، هيموت.
لحسن الحظ اقتحم المنزل عند تلك اللحظة قبل أن ينغرز النصل المدبب في جلد عنقه، بضعة أشخاصٍ، على رأسهم "رشيد"، على الفور تحركوا صوب "تميم" وقيدوا حركته، ثم نجحوا في إبعاده عنه قبل أن يتهور، قاومهم الأخير بكامل قوته وهو يهدر بصوتٍ مليء بالقوة والخشونة:
-حاسب إنت وهو ..
رد عليه "رشيد" وهو يحكم لف ذراعه حوله:
-اهدى يا أستاذ، ده لسه ليه حساب معانا.
رغم وضوح العبارة إلا أنها كانت مثيرة لحيرته، ما الذي ارتكبه هذا الوضيع أيضًا ليكسب المزيد من العداوات؟ تجاوز عما يُحيره، وهتف في عنادٍ:
-وأنا حسابي معاه مخلصش!
جثت "سعاد" على ركبتيها أمام جسد ابنها المسجي، تولول في حسرةٍ وخوف:
-حرام عليكم، عاوزين إيه منه؟ كلكم اتكاترتوا عليه؟
لم يبدُ أي أحد من المتواجدين في هذا المكان متعاطفًا مع ابنها، ولم يكن الصفح خيارًا مطروحًا، ولو على سبيل المفاوضة. جاء "إسماعيل" من الخارج مهرولاً بعد أن أبلغه أحدهم بحشد أفراد عائلة "رشيد" لزمرةٍ من أشداء رجالها، واتجاههم لمنزله، توقع أن يكون ابنه قد تسبب في مصيبة لا تغتفر، لهذا أسرع الخطا، وعاد إلى بيته، ليتفاجأ هو الآخر بالتجمهر الحادث بداخله، صاح من الخلف وهو يخترق صفوف الرجال لينظر إلى ابنه المهشم عظامه:
-هو في إيه اللي بيحصل في بيتي؟
حلت عليه الصدمة فور أن رأى "تميم" متواجدًا بينهم، فاق ذلك حدود توقعاته، وهتف يخاطبه في دهشة عظيمة:
-إنت!
استصعب "تميم" توقير أمثاله من مدعي الرجولة، وقال وهو ينفض الأذرع المكبلة عنه:
-كان أكرملك يا حاج بدل ما تنصح غيرك باللي ما بتعملوش، وتبلي البشرية بواحد زي ابنك ده إنك تعلمه الأصول.
ثم أشار لمن يحيطون به من الرجال بعدم لمسه بكفه، وتابع كلامه مع "إسماعيل" بنبرة شديدة اللهجة:
-ابنك إكرامًا لأمه مش هدبحه، بس يفكر تاني يقرب من اللي يخصني.
غادر بعد أن حدج "فضل" بنظرة احتقارية سافرة، أوسع له الرجال الطريق للمرور بينهم، في حين تقدم "رشيد" لينظر هو الآخر إلى كتلة اللحم المهترئة المتكومة أرضًا بنفور، ثم استطرد مخاطبًا "إسماعيل" بسخطٍ ممزوج بالتهكم:
-أنا كنت جاي أخد حقي منك عشان الكلام اللي قولته عن مراتي وإنت مبلبع، بس واضح إن غيري سبقني.
سأله "إسماعيل" بوجهٍ شاحب:
-فضايح إيه دي كمان؟
رد عليه مبتسمًا في سخرية من زاوية فمه:
-في فيديو منتشر للمحروس أرجل ناسه وهو لا مؤاخذة بيتعبط.
انفرجت شفتاه في صدمة كبيرة يغلفها الحرج والذهول:
-إيـــه!!!
تحرك "رشيد" بخطوات بطيئة ليقف أمام "إسماعيل" متابعًا بصوتٍ جليدي، يحمل الإهانة:
-وأنا كنت جايبله فيديو تاني ليه مع واحدة من إياهم، ما هو ولاد الحرام كتير، صوروه وهو مقضيها نجاسة.
ارتجفت نبرته وهو يردد مصدومًا:
-ابني يـ.. عمل كده؟
التفت "رشيد" ناظرًا إلى أشباه الرجال الباكي عند أقدامهم، وأهانه في احتقارٍ أكبر:
-ورينا بقى هترفع راسك إزاي وسط الخلق ...
عاود النظر إلى والده المصدوم، ومنحه قدرًا من التعنيف المهذب كذلك:
-وإنت يا حاج "إسماعيل"، مش فاهم فاتك إزاي ده، يعني (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ)؟
أحنى رأسه في خزيٍ وانكسار، فلم ينطق "رشيد" بالمزيد، يكفيه ما قاله، ثم أشار لأتباعه بالتحرك آمرًا:
-بينا يا رجالة، وقفتنا معدتش تلزم هنا.
انصرفوا تباعًا، تاركين خلفهم من لن يبكي عليه أحد إن مات توًا. تجمد "إسماعيل" في مكانه للحظاتٍ، فاقدًا قدرته على التعبير، أو التعليق، اهتزت صورته أمام نفسه قبل الغرباء، صار يرى شخصيته الوقورة تذهب أدراج الريح، تضاءلت كرامته، وتبعثر كبريائه، لم يتحمل ذلك الكهل هذا التجريح المهين له، فترنح في غير اتزانٍ باحثًا عما يدعمه، ويمنعه من السقوط. رأته "سعاد" وهو على وشك الوقوع، فهبت ناحيته تناديه في ارتياعٍ مفزوع:
-حاج "إسماعيل"!
أسندته بذراعيه، وأجلسته على المصطبة القريبة، لتتابع بعدها صياحها المرتعب:
-الحق أبوك يا "فضل".
تمدد ابنها على الأرضية، متحسسًا بيده مواضع الألم، بالكاد اختطف نظرة مشوشة نحو أبيه، ودمدم في هسهسة متحشرجة:
-أنا عاوز اللي يلحقني ....................................!!
....................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم Manal Salem
للساهرين بعد منتصف الليل ..
موعدكم مع الفصل الجديد ..
الفصل المائة وثمانية وثلاثون
لم يعد في بقائه أي ضرورة، بعد أن لقنه ما جاء لأجله، وأسمعها له بوضوحٍ لئلا يفكر في الاقتراب منها، وأنها أصبحت خاصته، فقط مسألة وقت لتصبح رسميًا تحت حمايته ورعايته. خرج "تميم" من منزل هذا الدنيء مرفوع الرأس، يتطلع أمامه بنظراتٍ ما زالت حانقة، الشحنة الغاضبة بداخله لم تخبت بعد، ولم تهدأ، إنها هدنة مرغم عليها رفقًا بأمٍ لم تذنب سوى في تربية وتنشئة ابنها تنشئة غير سوية، أفسده الدلال، وأضره الغنج. دنا من مفترق الطرق، حيث اصطفت عربتان ربع نقل بشكلٍ معاكس، لتسد الطريق على أي شخصٍ قادم، كما صدر عنهما صخبًا ضوضائيًا مزعجًا، ليغطي على أي أصوات استغاثات قد تأتي.
ألقى "تميم" نظرة فاحصة على الكابينتين، لم يتواجد رفاقه بإحداهما، التفت للناحية الأخرى فوجدهم مجتمعين معًا يدخنون السجائر، ويعرقلون الحركة إن جاء أحدهم واشتكى، حتى يعود إليهم، وضع إصبعيه ما بين شفتيه ليطلق صافرة مميزة، انتبهوا له، وتحركوا سريعًا في اتجاهه، ليبادر بعدها "ناجي" متسائلاً:
-كله تمام؟
اكتفى "تميم" بهز رأسه، فتساءل "شيكاغو" بتحفزٍ، وهو يشمر عن ساعديه:
-احنا في الخدمة يا ريس، إدينا الإشارة ونطربأها.
تحدث قائلاً بامتعاضٍ:
-مايستهلش ...
ثم أشار لهم ليتبعوه مكملاً:
-بينا من هنا.
تحركوا في اتجاه السيارتين، فأضاف "حمص" بسخرية واضحة:
-صحيح البلد مالهاش غير سيرة الفيديو إياه بتاع الدغوف.
نظر "تميم" ناحيته، وخاطبه بتجهمٍ واضح:
-مع إني مكونتش أحب يتعمل كده، بس هو يستاهل الفضيحة.
علق عليه هازئًا:
-بعدين عنك دي ماسورة فضايح يا ريسنا، خلاص ركب التريند.
سأله "ناجي" بما يشبه السخرية:
-وبقيت تعرف في التريند كمان يا "حمص".
أجابه بابتسامةٍ أظهرت مدى إصفرار أسنانه واتساخها:
-من بعض ما عندكم يا سيد الناس.
بدا السأم ظاهرًا على تعابير وجهه، فهتف في رجاله، وهو يتخذ مقعد الراكب في إحدى السيارتين:
-كفاية رغي، وخلونا نمشي من هنا، لسه عندنا شغل تاني قبل كتب الكتاب.
رد عليه "شيكاغو" في طاعةٍ وهو يشير لرفيقه باستقلال السيارة الأخرى:
-ماشي يا كبيرنا.
............................................
تحولت الباحة الملاصقة لدكانه إلى ما يشبه تجمعًا عائليًا مغلفًا بمشاعر الود والألفة، والصداقة العتيقة. تسابق عمال المقهى الشعبي في خدمة الضيوف الأعزاء، والذين تعالى صخبهم المرح. استطرد "دياب" قائلاً وهو يشير بسبابته:
-شوفوه بس لو حد قرب من ابنه، تحس إن في ماس كهربي ضرب فيه.
رمقه "منذر" بتلك النظرة النارية المحذرة قبل أن يعلق عليه في تزمتٍ:
-مش باخد بالي منه!
ضحك قائلاً في تسلية:
-مش بالشكل ده يا جدع، ده إنت ناقص تحط يافطة ممنوع الاقتراب أو التصوير.
لوى "منذر" ثغره مرددًا في تهكمٍ:
-بكرة نشوفك هتعمل إنت التاني.
بنوعٍ من التفاخر، انتصب "دياب" في جلسته، وأخبره:
-هو أنا ليا لي زي.
هز رأسه معقبًا بإيجازٍ:
-طبعًا.
تساءل "دياب" في اهتمامٍ:
-أومال فين "تميم"؟ مش ظاهر ليه؟
أجابه "بدير" بعد زفيرٍ سريع:
-كان قايل رايح مشوار على السريع وراجع.
رد عليه مبتسمًا:
-يجي بالسلامة، ومتجمعين دايمًا في الفرح.
شاركه الابتسام، وقال:
-يا رب.
..............................................
وقفت خلف شقيقها تُصر على دفع مقعده المدولب، بعد أن جاءت بصحبته لحضور مراسم عقد القران، ما إن رأه الرجال المرابطين عند مدخل البناية، حتى تعاونوا في حمله للصعود للطابق العلوي، شكرتهم "آمنة" على مساعدتهم، وانتظرت ذهابهم لتسأله:
-عامل إيه يا خويا؟
أجابها "خليل" بإيماءة صغيرة من رأسه:
-الـ ..حمدلله.
مالت عليه لتخاطبه معتذرة:
-معلش أنا قصرت معاك اليومين اللي فاتوا، بس إنت شايف الجماعة كانوا آ...
قاطعها مشيرًا برأسه:
-أنا .. كـ..ويس.
ربتت على جانب ذراعه قائلة في لطفٍ:
-عقبال ما نفرح بـ "رقية" كده وتلاقينا واقفينلها كلنا.
لم يعرف إن كان القدر سيمهله الفرصة لرؤيتها كعروسٍ جميلة تزف إلى زوجها، لمحة من الحزن غلفت نظراته وهو يردد:
-يا رب.
.............................................
منذ ما يقرب من الساعتين، وهي ماكثة معها في غرفتها، تعاونها على كل صغيرة وكبيرة، لتبدو متأنقة في تلك الليلة الهامة، بالرغم من قلة المدعوين، واقتصار الحضور على بضعة أشخاصٍ من المقربين فقط، بناءً على طلبها، إلا أن شعورها بأنها محط أنظار الجميع ضاعف من الرهبة بداخلها. تطلعت "هاجر" إلى انعكاس وجهها في المرآة، كانت تزين بشرتها لمحات رقيقة وخفيفة من مساحيق التجميل، وحجاب رأسها يغطي كامل شعرها. أضافت "فيروزة" القليل من أحمر الشفاه عند شفتيها، وطلبت منها بابتسامة رقيقة:
-حاولي تفردي الروج على كل شفايفك
خفق قلبها في توترٍ وقد طاف بخلدها في تلك اللحظة أنها ستعايش نفس اللحظات التي عاشتها حين تقدم "محرز" للزواج منها. انتابتها الهواجس المربكة، وتزايدت المخاوف المبررة برأسها، لذا هتفت تستجدي بوالدتها الواقفة على الجانب الآخر آملة إرجاء الأمر برمته، كرد فعلٍ غريزي:
-بلاش، أنا .. مش عايزة آ...
تفهمت "ونيسة" للتوتر المتفشي فيها، ووضعت يدها على كتفها تسألها في عاطفة حانية:
-خايفة من إيه يا حبيبتي؟ "سراج" ابن حلال وشاريكي.
جاءها تعليقها إلى حدٍ ما صادمًا:
-ما "محرز" كان كده.
انتبهت "فيروزة" لما يدور بينهما من حوار فحواه أظهر خصوصيته، وحاولت ألا تشارك بالتعليق، وتبتعد عنهما لتتركا لهما فسحة للحديث بأريحية، فادعت انشغالها بإعادة تنسيق باقة الورد. هتفت "ونيسة" تعاتب ابنتها على جملتها الأخيرة المليئة بسوء الظن، فقالت:
-إنتي عايزة تقارنيه بده؟ حرام عليكي.
اغرورقت عينا "هاجر" بالدموع، فالتقطت منديلاً ورقيًا تمسح به العالق بين رموشها، في حين استمرت والدتها في مخاطبتها بعقلانية:
-يا بنتي بصي لقدام، الراجل مش محتاج يدعي إنه راجل، الراجل بيبان في مواقفه وتصرفاته.
بالرغم من ابتعادها عنهما، إلا أن كلامها وصل إليها، وللحظة شعرت وكأنها تخاطبها هي، تُذكرها بما كانت عليه مع المخادع "آسر"، وما فعله –وما زال يغعله- "تميم" معها، توترت من مجرد التفكير فيه أمام عائلته، وسرعان ما تأثرت بشرتها واصطبغت بحمرة طفيفة، أخفضت رأسها حرجًا، وسارت تجاه النافذة، على أمل أن يداعب الهواء البارد وجنتيها الدافئتين. واصلت "ونيسة" القول بهدوءٍ واضح:
-"محرز" صحيح ضحك علينا كلنا، بس مكانش يُعتمد عليه، كان دراع أبوكي في الشغل العادي؛ لكن المهم أبوكي كان بيقوم بيه لحد ما أخوكي خرج من السجن، وساعتها كل المستور اتكشف وبان.
عبرت "هاجر" عن مخاوفها، فهتفت بنزقٍ:
-أنا خايفة يكون واخدني تصفية حسابات.
عند تلك الكلمات استدارت "فيروزة" برأسها لتنظر إلى العروس المرتاعة، تحولت نظرات الحرج إلى أخرى جادة، كما اكتسبت تعبيراتها وجومًا غريبًا، انزلق لسانها يسألها في فضول مهتم:
-تصفية حسابات إزاي؟
بإيجازٍ غير مسهب أفصحت "هاجر" عن السبب الحقيقي وراء حبس شقيقها، لتُصحح تلقائيًا وكليًا الصورة الخاطئة المأخوذة عنه، ربما بعض العبارات المتناثرة من هنا وهناك، وبعض الأقاويل والمواقف التي تدعم شهامته كانت تعتبرها مجرد تجميل لبضاعة ما، أو تفخيم لشخصية محبوبة بين المواطنين على سبيل الشهرة واكتساب الود؛ لكن أن تأتيها الحقيقة بكافة معالمها الواقعية هكذا جعلها تعيد التفكير في شأنه.
حافظت "فيروزة" على جمود ملامحها، أخفت اندهاشها، وتساءلت بحاجبين معقودين:
-ووافق بعد ده كله ترتبطوا ببعض.
أومأت برأسها مؤكدة:
-أيوه.
تحلت "ونيسة" بفضيلة الصبر، وحاولت إقناعها بمنطقيةٍ:
-طب الأولى كان اتجوز من زمان، بس هو استناكي، وإنتي أول بخته، ده غير إنه بيحب ابنك أوي.
ظل التردد مسيطرًا عليها، وقالت في توترٍ:
-مش عارفة، خايفة أجرب يامه، وأنا مش حمل كسرة قلب تاني
بتلك المشاعر الخائفة مست قلبها، وجعلتها تشعر وكأنها تتحدث عنها؛ لكن على لسان شخصٍ آخر، المبررات، الأسباب، الدوافع، وكل شيء كان مطروحًا للنقاش، غير مجبرة على القبول به، وهذا أكثر ما أحبته في تلك العائلة؛ حرية الاختيار. لم تتوقف "ونيسة" عن محاولتها دعم ومؤازرة ابنتها، فقالت:
-طبيعي تخافي وتقلقي لما نفس التجربة تتكرر، بس الفرق هنا إن "سراج" بيحبك من قلبه، واللي بيحب بيعمل أي حاجة عشان يسعد وليفه.
ضحكت "هاجر" ضحكة مبتورة، وعلقت:
-إنتي بتتكلمي زي أبويا وجدي.
ردت عليها والدتها مؤكدة بثقة، وابتسامتها تنير وجهها:
-لو أبوكي كان شاكك للحظة إنه مايستهلكيش مكانش وافق، ما بالك بـ "تميم" هو كمان؟ تفتكري كان وافق يحط إيده في إيد اللي حبسه؟ إلا إن كان شاف منه كل خير.
أصابت القول في جملتها الأخيرة، وبدأت مخاوف ابنتها تقل تدريجيًا، فأضافت بتريثٍ لتشعرها بالمزيد من الطمأنينة:
-و"محرز" ربنا ينتقم منه اعترف وقال إنه خرب الدنيا، مش ده كان كلام أخوكي؟
ردت دون تفكيرٍ:
-أيوه.
ربتت "ونيسة" على كتفها تستحثها:
-ارمي ورا ضهرك يا بنتي، وبصي للحلو اللي جاي في حياتك.
حملقت "هاجر" مجددًا في المرآة لتنظر إلى نفسها، محاولة الإصغاء لنصيحتها، ونبذ ما يقلقها. استأنفت "ونيسة" كلامها معها بابتسامةٍ أكثر اتساعًا:
-وبعدين الست أمه بلسم، من بيت أصول، محترمة وأخلاق، وبتحبك، والكل عارفها من زمان، ولسانها مايطلعش منه العيبة.
وافقتها الرأي، فأكملت بنبرة مالت للجدية:
-أي أم مطرحها تتمنى ابنها يتجوز واحدة صبية، وحلوة، وليها أصل وفصل، وقبل ده كله بنت بنوت ....
تعمدت الضغط على الكلمات الأخيرة لتؤكد لها إصراره عليها، وقبل أن تنطق بحرفٍ أضافت "ونيسة" بنفس الوجه المبتسم:
-شوفي إنتي بقى مقدار غلاوتك عندهم، لأنه عملك اللي ما اتعمل لأي واحدة، ومستعد يراضيكي باللي يسعدك.
وجدت "هاجر" نفسها تبتسم قائلة في فرحةٍ غير مزيفة، وتلك اللمعة تطل من عينيها:
-مظبوط.
احتضنت الأم ابنتها، وقالت بعد تنهيدة بطيئة:
-استبشري خير يا "هاجر"، وافرحي يا بنتي .. ده النهاردة ليلتك.
تأثرت "فيروزة"، واختنق بتلك المشاعر الودودة الداعمة التي طغت على الأجواء، عانت مؤخرًا من حساسية زائدة لكل ما له صلة بالمشاعر، وهي التي لم تكن هكذا، كبحت عبراتها بصعوبة، وهتفت قائلة دون أن تنظر نحوهما:
-عن إذنكم، هاطلع أشوف ماما إن كانت عايزة حاجة.
رجتها "هاجر" في نبرة حانية:
-ارجعيلي تاني يا "فيروزة"، عايزاكي جمبي.
كانت قد فتحت الباب، وهمَّت بالخروج من الغرفة، لذا استدارت ناظرة ناحيتها لترد في رقة:
-حاضر، أنا معاكي.
منحتها نظرة مطمئنة، ثم أغلقت الباب متجمدة في مكانها لبضعة ثوانٍ، سحبت عدة أنفاس عميقة تحط بها على المشاعر المرهفة التي عصفت بها الآن، لتلتفت بعدها مندفعة بكامل عنفوانها نحو الأمام دون أن تنظر جيدًا.
...................................................
ادعاء أن شيئًا لم يكن بدا متعذرًا عليه، فالالتقاء بهذا اللزج المنفر يعد شيئًا غير سارٍ للنفس، عاد إلى الدكان، والتقى برفاقه الأعزاء ليستأذن بعدها حتى يبدل ثيابه، ويستعد لاستقبال المدعوين. لم يتوقع "تميم" تواجدها في منزله، فمعظم الوقت كانت غرفة شقيقته مغلقة على من فيها، تأتي النساء تهنئها، وتمكث لبعض الوقت، ثم تنصرف، أراد رؤيتها قبل نزوله للأسفل، فتفاجأ بخروج نصفه المكمل من الغرفة، في بهائها الساحر والمغري.
كانت "فيروزة" قد ارتدت ثوبًا أسود اللون، عادت إلى هذا اللون المثير، مع فارق أنه ازدان بفصوص متناثرة للون الفيروزي، حجاب رأسها كان من اللون الأسود، يتماشى مع الثوب البراق، بالطبع أرادت ألا تكون لافتة للأنظار في تلك المناسبة، فاختارت التقليدي من الأثواب؛ لكنها استحوذت على سائر الانتباه والاهتمام، انتفض الحب الثائر في كامل وجدانه، واستثارت به مشاعر التوق والرغبة، اللوعة والاشتياق.
على ما يبدو لم تنتبه إليه، فتحركت صوبه لترتطم به بعنفٍ، شهقت لاصطدامها بالصدر الرجولي، وارتدت للخلف كردة فعلٍ تلقائية. رفعت "فيروزة" أنظارها للأعلى لتحدق في وجه "تميم" بعينين متسعتين في صدمةٍ وحرج، ساد بينهما صمت مطبق لبضعة لحظات، قطعه الأخير متسائلاً في اهتمامٍ:
-إنتي كويسة؟
تداركت خطئها غير المقصود، واعتذرت منه بربكةٍ خفيفة:
-معلش، أسفة، مخدتش بالي.
سألها في ملامح جادة:
-في حاجة ناقصة عند "هاجر" وعايزاها؟
شملته بنظراتٍ بدت فاحصة أكثر منها عابرة، كانت مرتها الثانية التي تراه يرتدي فيها بدلة رمادية أنيقة للغاية بعد السوداء التي ارتداها في حفل زفافه، بدا وكأنه تعمد حدوث هذا، لتراه كذلك في كامل الوجاهة والأناقة، على عكس الصورة المعتادة له. حمحمت في خفوت، وأجابته وهي تبعد نظراتها عنه:
-لأ، مافيش.
حاولت تجاوزه للمرور؛ لكنه تحرك في نفس اتجاهها، اتجهت بعفوية للزاوية الأخرى؛ لكنه كرر نفس الفعلة، حينها تأكدت أنه أراد منعها من المرور، تقلصت عضلات وجهها بشكلٍ منزعج، ونظرت إليه بنظرة مستفهمة حائرة، قبل أن تسأله:
-في حاجة؟
فاستطرد يخبرها بنظراته الدافئة:
-عايزك تعرفي حاجة.
رد بتعجلٍ مقاومة ما يعتريها الآن من مشاعر موترة، وقد ضمت يديها معًا أمامهها:
-خير؟
بوجهٍ مرتخي التعبيرات، ونظرات جمعت كل درجات الحب ومستوياتها، أخفض صوته قائلاً بغموضٍ، جعل النابض بداخلها يتلاحق في دقاته:
-خدتلك حقك من اللي جرحك زمان.
شحب وجهها الخالي من مظاهر الزينة بدرجة ملحوظة، وسألتها وهي تنظر إليه ملء عينيها في توجسٍ:
-قصدك إيه؟
آملت ألا يكون سرها الأخير قد كُشف، هذا الذي أقسمت ألا تبوح به لغير نفسها، تحفزت في وقفتها، وظلت تطالعه بتلك النظرات القلقة وهو يخبرها:
-اتحاسب على كشفه لسترك، ومش هسمحله يمسك بسوء.
تحيرت في أمره، وسألته بحلقٍ شبه جاف:
-إنت.. بتكلم عن مين؟
لم تتبدل تعابيره وهو يجيبها بهدوءٍ:
-اللي مايستهلش إنه يكون قريب، اللي خان الأمانة، عشان نفسه المريضة.
برقت عيناها في صدمةٍ، وهتفت تردد اسم أول من تبادر إلى ذهنها بفعلته الذليلة معها:
-"فضل"!
رفع سبابتها طالبًا منها بملامحٍ منزعجة نسبيًا:
-لسانك أطهر من إنه ينطق اسمه.
سألته في تحفزٍ، وقد ضاقت نظراتها المتوترة:
-هو إنت عملت إيه بالظبط؟
تصنع الابتسام ليخفف من حدة التوتر قبل أن يخبرها:
-ولا حاجة، المهم عندي إن محدش يدوسلك على طرف لا زمان ولا دلوقتي.
كانت مأخوذة بكل ما يفعله لأجلها، ليس لأنه يريد الظفر بلقطةٍ حصرية تعبر عن شهامته المفرطة في عالم الذكور الأصيلة، بل لشيء آخر رغبت وبشدة في معرفة تفسيره الحقيقي، اشتد ضمها لقبضتيها، وسألته بأنفاسٍ لم تكن منتظمة:
-إنت بتعمل معايا كده ليه؟
ظهر الانفعال على صوتها رغم خفوته وهي تكمل:
-عايز مني إيه؟
أطرق رأسه للحظات كأنما يبحث عن الكلمات المناسبة، لم يعد هناك أدنى مهرب من المواجهة والاعتراف، عاد لينظر إليها مليًا، قبل أن يتشجع قائلاً:
-هاكون أسعد واحد في الدنيا دي كلها لو ...
توقف عن إتمام جملته ليظهر التردد عليه لهنيهة، ألحت عليه "فيروزة" متسائلة بصبرٍ شبه نافذ؛ وكأنها تنتظر سماع ما تخبأه الحياة لها من سعادة خفية:
-لو إيه؟
كان لعينيها في تلك اللحظات بما فيها من لهفةٍ وترقب أكبر الأثر عليه، لهذا استجمع "تميم" الهارب من جأشه، وراح يخبرها بوضوحٍ وبجراءةٍ ربما تكلفه الكثير بعد أن بلغ نهاية الصبر والانتظار:
-وافقتي أتجوزك ........................................ !!!
...........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم Manal Salem
مساء الخير على حضراتكم
كل عام وحضراتكم طيبين وبخير
ربنا يجعلها أيام طيبة ومباركة عليكم
لا تنسونا في الدعاء
الفصل المائة وتسعة وثلاثون
في تلك اللحظة الحاسمة، أخبرها بما يريده حقًا، بما يرجو حدوثه منذ أن بزغ حبها في قلبه، اعترف غير نادم على طلبه؛ وإن تعجل تحقيقه، حدث ما حدث، وقد كان للفؤاد الكلمة الأخيرة. رأت "فيروزة" الحب في عينيه، لم تستطع تكذيب ما شعرت به؛ لكنه بادر بالتراجع في خوفٍ محسوس في صوته:
-لو هترفضي بلاش تقوليها دلوقتي، خليها بعد فرحتنا بـ "هاجر"...
حتى هذه الدقيقة لم تستوعب ما دار، كانت في حالة أشبه بالجمود، عاجزة عن الرد أو التعليق، بينما تابع "تميم" بما يشبه الرجاء، وقد شع القليل من الحزن في نظراته:
-مش عايز أبقى واقف وقلبي مكسور.
قال كلماته ويده موضوعة على صدره، ليشير إلى موضع الألم المعنوي، وجدت نفسها تتأثر به، ورمقته بتلك النظرة المتعاطفة قبل أن تعلق بتلعثمٍ؛ كأنما فقدت قدرتها على ترتيب جملة منطقية مفهومة:
-أنا ... إنت.. أصلاً ده آ...
قاطعها منكسًا رأسه بنبرة محملة بالأسى والخذلان:
-سامحيني، أنا غلطت، وعديت الأصول بكلامي معاكي.
ما زالت "فيروزة" مأخوذة بالموقف، فقط نظراتها الحائرة تجول على تعبيراته لترى مدى المعاناة والتخبط المسيطران عليه، كرر اعتذاره النادم منها بصوتٍ أقرب للهمس:
-حقك عليا، إنتي غالية ومقامك عالي.
لم يبقَ خافضًا لرأسه كثيرًا، تجرأ على النظر إليها بعينين تحملان أسمى معاني الحب عندما تابع قائلاً:
-بس لو النصيب جمعنا، فمسيرك آ....
على ما يبدو أن الحظ لم يكن حليفه، فقد جاء جده وقاطعه بصرامةٍ:
-واقف كده ليه يا "تميم"؟
انتبه إليه، وتراجع في توترٍ للخلف ليجيبه:
-مافيش حاجة يا جدي.
سلط "سلطان" كامل أنظاره على "فيروزة"، وسألها بتعابير تحولت للجدية بشكلٍ يدعو للاسترابة:
-الواد ده ضايقك في حاجة؟
هزت رأسها نافية وهي ترد:
-آ.. لأ.
بإيماءة مصحوبة بنقرة من عكازه على الأرضية، استطرد "سلطان" يأمر حفيده:
-طب انزل شوف أصحابك، بلاش الوقفة دي.
ضغط "تميم" على شفتيه لثانية، ليعقب بعدها على مضضٍ وهو ينسحب متراجعًا بظهره للخلف:
-ماشي يا جدي.
صاحبته أنظار "فيروزة" التي ما زالت على وضعيتها المصدومة، إلى أن انصرف كليًا، وغاب عن مرمى بصرها، شتت تحديقها في الفراغ لتتطلع إلى الجد الذي سأله بقسماته الجادة:
-قالك إيه؟
انعقد لسانها، ولم تعرف بماذا تجيبه، لعقت شفتيها، وحاولت التهرب من إجابته؛ لكنه باغتها بقوله المباشر:
-طلبك للجواز؟
اتسعت عيناها في ذهولٍ، وسألته بقلبٍ يخفق في توترٍ حرج:
-هو ..حضرتك سمعته؟
لاحت ابتسامة وقورة على زاوية فمه حين جاوبها بغموض ضاعف من تلبكها الحائر:
-سمعته، وشوفته، وعارف اللي جواه.
انزوى ما بين حاجبيها في استغرابٍ مستريب، فأكمل على نفس المنوال الهادئ وهو يشير لها لتتحرك معه:
-بصي يا بنتي، أنا اللي عايزك تتأكدي منه إن مافيش قوة على الأرض هتجبرك على حاجة مش عايزاها.
توقفت عن المشي لتتطلع إليه بنفس النظرة المليئة بالتردد، فأخبرها مؤكدًا كمن يقرر لا يُخير:
-إنسي أي كلام اتقالك نهائي، كأنه محصلش.
استنكرت تبسيطه للأمر، وهتفت بقليلٍ من الحدةِ رغم خفوت نبرتها:
-عادي كده؟
أومأ برأسه مؤكدًا عليها، وتلك البسمة المهذبة تزين محياه:
-أيوه، وأنا بقولهالك لتاني مرة اعتبري طلبه مرفوض.
أصاب قلبها نغزة غريبة، كما شعرت بالتعاسة تزحف إلى داخلها، وهتفت تخبره، كمن يبحث عن مبرر لإظهار احتجاجها:
-بس أنا مقولتلوش لأ.
حاوطها "سلطان" من كتفيها، واستحثها على السير قائلاً عن ثقة واضحة:
-أنا هقوله بالنيابة عنك، ومش هاخليه يقرب ناحيتك نهائي.
أدارت رأسها ناحيته لتعترض في وجومٍ غريب:
-بس..
قاطعها مشددًا بنفس اللهجة الحاسمة:
-احنا معندناش حد يجبر بناتنا على الجواز.
تعالت فجأة ضحكته، وأخبرها كأن ما عرفه لم يكن شيئًا يدعو للغرابة:
-تعالي فرفشي كده.
حالة من التخبط والإنكار سيطرت عليها، ظنت أن في اتخاذه القرار عنها راحة عجيبة؛ لكن شعور الألم العالق بقلبها خنقها، بل وجعلها تدرك بأنها لم تكن مسرورة بهذا الرأي مطلقًا.
.............................................
استمرت في منح الرضيع هدهدة لطيفة لتبعث السكينة عليه، حتى استكان بين أحضانها، وغرق في سباتٍ هانئ. وضعت "آمنة" يدها على ذراع ابنتها، انتبهت لها "همسة"، وتطلعت إليها بنظرة مستفهمة، فأردفت تسألها وسط الضوضاء التي بدأت تسود في الأرجاء:
-أختك مش ظاهرة قصادك؟ شايفاها من عندك؟
اشرأبت بعنقها، ودارت بعينيها في المكان تفتش عنها، ثم أجابتها وهي ما زالت تنظر بإمعانٍ دقيق في الحضور:
-لأ يا ماما.
هزت "آمنة" رأسها قائلة:
-تلاقيها مشغولة مع العروسة، وإنتي كتر خيرك أعدة بابنها، وواخدة بالك منه.
ضمت "همسة" الصغير إلى حضنها، وأعطته قبلة صغيرة على جبينه الناعم وهي تقول في محبةٍ صافية:
-ده ابنها سكر خالص، ربنا يباركلها فيه.
ابتسمت لابنتها، وقالت في رجاءٍ:
-عقبال ما أفرح بابنك إن شاءالله.
تنهيدة بطيئة خرجت من جوفها، أتبعها ترديدها المتضرع:
-يا رب.
عادت "آمنة" لتركز نظرها على "رقية" التي كانت تلهو في مرحٍ مع بعض صغار الجيران، حيث عج بهو المنزل بهم، ولم يرد أصحابه الكرام أي ضيف جاء للتهنئة أو المباركة رغم محدودية الدعوات، استقبلوا كل من جاء بنفس القدر العالي من التقدير والاحترام، فتحولت الصالة إلى قاعة صغيرة مليئة بذوي المحبة الصافية.
أمسك القلق بعقل "آمنة"، ودار في خلدها حوارها الأخير مع "تميم"، ذاك الذي لم يأخذه على محمل الجدية بعد، بدت ملامحها واجمة بعض الشيء، ومالت برأسها على ابنتها تسألها من جديد في تحفظٍ حذر:
-بقولك هو "هيثم" مقالكيش حاجة عن "تميم"؟
نظرت "همسة" إلى والدتها باستغرابٍ، وسألتها:
-حاجة زي إيه؟
لم ترغب في إفشاء الأمر علنًا، لهذا اختلقت حجة واهية، وادعت بكلام شبه مرتب:
-آ.. يعني ناوي يتجوز ولا حاجة؟ ما هو أكيد مش هيفضل كده، اللي زيه قادر على فتح بيت واتنين.
لم تشكك في نواياها، وأجابتها بسلاسة:
-لأ خالص، مقاليش على حاجة زي كده ..
سرعان ما سيطر الفضول عليها، وسألتها بمكرٍ:
-هو إنتي عارفة حاجة أنا معرفهاش؟
نفت بهزات متتالية من رأسها:
-لأ يا بت، ده أنا بسأل بس.
ادعت الابتسام، لتخفي اضطرابها، لكن ما لبث أن انعكس على ملامحها في تلك اللحظة المزيد من القلق والخوف، تكلمت مع نفسها بصوتٍ لم يفارق جوفها:
-لأحسن يكون صرف نظر عن الموضوع.
زفيرٌ مهموم وثقيل تحرر من رئتيها، أعقبها قولها المتحسر بنفس الصوت غير المنطوق:
-عيني عليكي يا بنتي، بختك قليل في الدنيا.
.......................................................
لولا أنه انتشله من بين الحضور باستدعائه العاجل له من الأسفل، واحتجزه منفردًا في غرفته ليوبخه على رعونته، لخرج حفيده عن طور عقلانيته، وأظهر مدى ندمه لتسرعه في المطالبة بما لم تكن مستعدة له بعد، وربما لأفسد كل شيءٍ بحماقةٍ غير مدروسة. دار "تميم" حول نفسه، وتساءل بصوتٍ بدا أقرب للبكاء، وهذا اللمعان يتلألأ في حدقتيه:
-قالتلك لأ يا جدي؟
عاتبه الجد بتعابيره الجامدة وهو يلف عكازه في راحته:
-ما إنت اللي متسربع، مش صابر على رزقك.
توقف عن الدوران، ووضع يده أعلى جبينه قائلاً في حزنٍ:
-غصب عني، مقدرتش أستنى أكتر من كده...
ثم سلط أنظاره على جده، وسأله بأنفاسٍ غير منتظمة:
-هي رفضت صح؟
هز الجد رأسه نافيًا في هدوءٍ:
-لأ، مقالتش حاجة.
وكأن الحياة قد دبت في روحه من جديد، هدأت مهاجه المنفعلة، وجلس على طرف الفراش مستشعرًا تلك الرجفات الخفيفة التي نالت من بدنه، ولسانه يردد:
-الحمدلله.
واصل "سلطان" الكلام بتشديدٍ ملحوظ:
-بس لو سمعت كلامي ونفذته بالحرف جايز يجيب نتيجة معاها، وماتقولش لأ بجد.
انتفض ناهضًا من مكانه، وجثا على ركبته أمام جده يتوسله بعينين تستجدياه بشدة:
-أنا رهن إشارتك يا جدي، قولي أعمل إيه وأنا هنفذه بالحرف الواحد.
........................................................
ساعة أخرى مرهقة في التفكير التحليلي، تخللتها بعض الثرثرة النسائية العابرة، تجاوبت معها تارة بكلماتٍ مقتضبة، وفي بعض الأحيان بهزة لطيفة من رأسها، كأنما تشارك في الموضوع؛ لكن عقلها لم يتوقف عن التخمين والاستنباط، والبحث عن الأسباب التي دفعته لهذا الطلب؛ وإن كانت هناك بعض الأمارات الممهدة لذلك، والتي تغاضت عنها طواعيةً.
حاولت أخذ فسحة من هذا التفكير العميق، والتركيز مع أجواء عقد القران، خاصة حينما احتشد الضيوف في البهو المتسع، والذين كان أغلبهم من كبار تجار السوق، أوحت ثيابهم بهذا؛ لكن عيناها الخائنتان كانتا تفتشان عنه، دارت على الحضور إلى أن وجدته، يقف بشموخٍ أمام رفاقه، ولدهشتها كان كشخصٍ آخر، وكأنه لم يفصح عن رغبته في الزواج بها منذ وقت قريب. أزعجها جموده، واستفزها بروده الملحوظ إلى حدٍ ما، توهمت أنه سيختلس النظرات ناحيتها، سيبتسم لها، ويرسل النظرات الحانية كما اعتاد أن يفعل؛ لكن لا شيء، لا شيء على الإطلاق!
حينها فقط تيقنت أن الجد "سلطان" نفذ وعده لها، ويا ليته لم يفعل! فالإحباط تمكن منها. انتبهت حواسها للصوت الرجولي القائل باعتزازٍ:
-ده مهر العروسة، وزيادة عليه 100 ألف جنية.
تساءل "بدير" في استغرابٍ:
-ليه كده يا "سراج"؟
جاءه رده مليئًا بالفخر:
-بنت الأصول تستاهل أكتر من كده، صح يا حاج "لطفي"؟
أكد عليه الضيف العزيز:
-طبعًا، دي ماتتقدرش بمال.
في حين علق "عوف" ممازحًا:
-الجيب تقيل ويشيل.
أخرج "سراج" من جيب سترته علبة من قماش القطيفة، وضعها على الطاولة التي تنتصف مكان جلستهم مخاطبًا الحاضرين:
-كمان دي هدية بسيطة من أمي للغالية.
أطلقت "ونيسة" زغرودة فرحة، تبعها ترديدها المبتهج وهي تلتفت ناظرة إلى حماة ابنتها:
-ماشاءالله، تعيشي يا حاجة.
ردت عليها مجاملة:
-دي حاجة بسيطة، وإن شاءالله نزودها.
تابع "سراج" قائلاً وهو يشير بيده للمأذون الجالس إلى جواره في منتصف الأريكة:
-والمؤخر نص مليون جنية.
رد عليه الحاج "لطفي" بتعابيره الهادئة:
-ربنا ما يجيب حاجة وحشة، إنت مناسب أهل الكرم والأصول.
قال مؤكدًا عليه:
-ده حقها، ودين في رقبتي.
سرت همهمات إعجابٍ بموقفه الرجولي بين الحاضرين، بينما استمر "سراج" في إخبار أهل عروسه:
-ومن بكرة بأمر الله العروسة تنزل تختار عفشها إن كانت عايزاه عمولة ولا جاهز، ولو إني أفضل يكون جاهز عشان الوقت.
علق عليه "بدير" في استحسانٍ:
-بسيطة .. دي سهل نتفق عليها.
تساءل "عوف" مبتسمًا بابتسامة عريضة:
-ها، نبدأ يا حاج "بدير"؟
قبل أن يعطيه رده، وجه أنظاره نحو أبيه الجالس في وقارٍ وهيبة يستأذنه في صمتٍ، فأومأ له الأخير بنظرة صامتة، لينطق بعدها:
-اتوكل على الله.
صــاح "عوف" مهللاً وهو يرفع كفيه للأعلى:
-سمعونا الفاتحة كده الأول.
................................................
منذ أن وقعت العروس على وثيقة الزواج، تحول المكان إلى خلية نحل، الكل يتعاون معًا لإحضار الطعام والحلوى لكافة المدعوين، ممن تم دعوتهم بشكلٍ مباشر، وممن جاءوا للمجاملة دون دعوة مسبقة، تعاملوا مع الجميع بسواسية وبنفس التقدير. انفردت "فيروزة" بنفسها في المطبخ، بعيدًا عن الصخب السائد بالخارج، يكفيها قرع الطبول الدائر في رأسها، لتزيده بغيره. أرادت التنفيس عما تكبته حاليًا من مشاعر متصارعة، فلم تجد سوى طبيبتها، لهذا لم تتردد في الاتصال بها.
سحبت المقعد، وجلست عليه أمام طاولة المطبخ المستديرة، استهلت مكالمتها معها قبل أن تتطرق لأي شيء:
-إزيك يا دكتورة "ريم"؟ أنا أسفة إني بتصل بيكي في الوقت ده.
أتاها صوتها مرحبًا وودودًا:
-أهلاً بيكي يا "فيروزة"، لا يا حبيبتي، اتصلي بيا في أي وقت إنتي محتاجاني فيه.
ضغطت "فيروزة" على أناملها وهي تخبرها بنبرةٍ شبه متوترة:
-أنا عاوزة أقابلك ضروري، ممكن تحدديلي ميعاد قريب؟
ردت عليها غير ممانعة:
-حاضر، هشوف بس مواعيدي، وأبعتلك رسالة بالميعاد.
ألحت عليها بنفس التوتر الظاهر في صوتها وتعبيراتها:
-يبقى كتر خيرك يا دكتورة، بس ضروري جدًا يكون قريب.
دون أن تتغير نبرتها الهادئة أخبرتها:
-حاضر، دقايق وهايكون عندك الرد.
أنهت معها المكالمة واضعة يدها على جبينها، لتستند على مرفقها وهي تفرك بيدها الأخرى عنقها المتيبس، أطبقت على جفنيها للحظاتٍ محاولة استدعاء لمسة من السكينة؛ لكن تبددت أمنيتها البسيطة مع صوته المألوف الذي بدا قريبًا منها، ففتحت عينيها في جزعٍ، ونظرت مصدومة أمامها. كان "تميم" يوليها ظهره، يتحدث هاتفيًا بصياحٍ:
-لأ خلاص.
تجمدت في مكانها وهي تتلفت سريعًا حولها، كان الاثنان بمفردهما في المطبخ؛ لكنه لم يدرك بعد أنها متواجدة معه، قفزت علامات الاستفهام إلى رأسها عندما استمر "تميم" في مكالمته قائلاً:
-أنا ماينفعش أجبر واحدة على الجواز، حتى لو كنت عاوزها.
وخزة مباغتة آلمت صدرها مع كلماته الأخيرة الصادمة، مما جعل أنفاسها تضطرب، وصدرها ينهج في توترٍ خائف. تدلى فكها السفلي للأسفل، واتسعت حدقتاها أكثر وهو يتابع في صوتٍ أظهر انكساره:
-يمكن نصيبها مع حد تاني أحسن مني.
لا يمكن التشكيك مطلقًا أنها كانت المقصودة في حديثه الغامض مع أحدهم، لن تنكر أن نزعة الأنثى المغترة بنفسها لكونها مطلوبة في عالم الرجال ثارت بداخلها، ورغم هذا لا تقارن أبدًا بشعور الخوف الذي انتابها في نفس اللحظة من قراره بابتعاده المحتوم عنها. سحب "تميم" نفسًا عميقًا، لفظه على مهل وهو يواصل مخابرته الغامضة:
-ربنا يسعدها، أنا مش هظهر في حياتها، عشان مايتقالش إني بضغط عليها.
نغزةٌ وراء أخرى عصفت بقلبها، حتى كاد من شدة الوخزات أن يتمزق خوفًا. بدأت الدموع في التجمع بمقلتيها تأثرًا باعترافاته المليئة بالكدر والألم، بالكاد منعت شهقة من الإفلات من بين شفتيها وهو يضيف في حزن شديد الوضوح:
-هي تستاهل كل خير.. مش مهم أنا، أمرها أهم عندي.
تعاظم بداخلها الشعور بالضيق، والخوف. لم تعرف ما الذي أصابها لتخشى فقدانه، وتهاب في نفس الوقت اقترابه، هذا التذبذب الخطير في مشاعرها كان مربكًا وموترًا. ابتعد "تميم" عن محيطها قائلاً دون أن يستدير وهو يضع يده الأخرى على أذنه:
-مش سامعك، الشبكة وحشة باين.
تصاعد الألم واشتد في صدرها، فلم تعد تطيق تحمله، كان مُطبقًا عليها، أحست باختناق الأجواء من حولها، لمجرد ترديد صدى ابتعاده عنها في عقلها، وكأنها تستنكر عليه اختياره الإرادي، نهضت من مكانها باحثة عن الماء لتروي هذا الظمأ الغريب الذي نال من حلقها، ارتعشت يدها وهي تمسك بالكوب الزجاجي، رفعته إلى فمها، بللت جوفها، وأخفضته بنفس الأنامل المرتجفة، لتتساءل بعدها بصوتٍ شبه لاهث؛ لكن يطغى عليه الخوف:
-أنا مالي، مضايقة كده ليه ........................................ ؟!!!
.......................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم Manal Salem
كل عام وحضراتكم بخير
عيد سعيد على كل السهرانين .. إن شاءالله تكون أيام طيبة على حضراتكم
الفصل المائة وأربعون
كان جسدها غير ثابت، ويهتز في رعشة خفيفة، استندت بيدها على حافة الحوض بعد أن غسلت الكوب وأعادته إلى مكانه، جاهدت لإيقاف تلك الرجفة الموترة لها، ونكست رأسها وقد أغمضت عينيها لبعض الوقت. رنين وصول رسالة ما بهاتفها جعلها تستقيم واقفة، قرأت فحوها سريعًا، كانت لموعد تم ترتيبه للقاء طبيبتها، ابتسمت في ارتياح، وأحنت رأسها على صدرها للحظةٍ مقاومة محاولة استحواذ تفكيرها عليه.
انتفض كامل جسدها مع اللمسة المباغتة على كتفها؛ كأن تيارًا كهربيًا صعقها، نظرت "فيروزة" إلى جانبها، فوجدت "ونيسة" ترمقها بنظرة حنون وهي تسألها:
-إنتي كويسة يا بنتي؟
اعتدلت في وقفتها، ثم أجابتها وهي تتصنع الابتسام:
-أه.. الحمدلله.
أشــارت لها بيدها، ودفعتها برفقٍ نحو المقعد الذي كانت تجلس عليه قبل قليل تدعوها:
-طب تعالي اقعدي هنا شوية.
رغم تجاوبها معها إلا أنها أكدت لها حتى لا ترتاب بأمرها:
-أنا تمام.
أخبرتها "ونيسة" وهي تعبث بأغراض المطبخ في خفة وسرعة:
-استني أعملك شوية ليمون تروقي بيها دمك، إنتي تعبانة معانا بقالك كام يوم.
احتجت في تهذيبٍ:
-شكرًا يا طنط، أنا بخير والله، ماتقلقيش.
التفتت تنظر إليها في دفءٍ قبل أن تقول:
-ده ليا وليكي، حاجة نطري بيها على قلوبنا.
في أقل من دقيقة كانت "ونيسة" قد انتهت من إعداد مشروب الليمون الطازج، أفرغته في كأسين نظيفين، وقدمته إلى "فيروزة" لترد الأخيرة شاكرة إياها في لطفٍ. جلست بعدها إلى جوارها، واستطردت قائلة بعد زفيرٍ سريع:
-شوية وهتلاقي الرِجل خفت من عندنا، الناس ماشاءالله قايمة بالواجب.
علقت عليها "فيروزة" بابتسامةٍ رقيقة:
-ربنا يديم عليكم الفرحة.
أمنت عليها في رجاءٍ معكوس في نظراتها للأعلى:
-يا رب يتمها على خير.
عمَّ الصمت لهنيهة إلا من الأصوات الخارجية، قطعته "ونيسة" باسترسالها العفوي، وهذا البريق الحزين يكسو حدقتيها:
-تعرفي إن دي أول مرة نفرح فيها أديلنا مدة.
انتبهت "فيروزة" لقولها باهتمامٍ، واستمعت لها بآذان صاغية عندما أكملت بنفس النبرة المطعمة بالشجن:
-من ساعة ما حصل اللي حصل، والحال اتبدل مع عيالي، وبقى الحزن والهم معششين هنا، فقدت الأمل إنهم يشوفوا الفرح تاني، بس سبحان الله، دوام الحال من المحال.
خُيل إليها أن أذنها التقطت نهنهة بكاءٍ مكتومة منها، أخفتها "ونيسة" سريعًا لتقول وهي تبتسم رغم الدموع التي تطفر من عينيها:
-ربنا جبر بخاطر بنتي، وعوضها بجدع يستاهلها بجد.
امتدت يد "فيروزة" لتربت على ساعدها، وقالت في محبةٍ:
-هي طيبة وبنت حلال.
بتلك النظرة المغلفة بالود تطلعت إليها "ونيسة"، وقالت:
-زيك كده يا بنتي .. ما تتخيرش عنك.
أثنت على ما اعتبرته تقديرًا لها، فردت:
-ربنا يكرمك يا طنط.
أضافت "ونيسة" على مهلٍ، بعد أن سحبت نفسًا عميقًا أرادت به تخفيف حدة مشاعرها المتأثرة:
-تعرفي، على أد ما أنا فرحانة إنها هتروح لبيت العدل، بس زعلانة إنها هتفارقني، دي كانت واخدة بحسي هي وابنها.
لامست ببوحها الأمومي قلبها، شعرت وكأنها تخاطب فردًا من عائلتها، لا مجرد ضيفة عابرة، تلك المشاعر الفياضة التي اختبرتها بداخل جدران هذا المنزل كانت كفيلة بتعويضها عما افتقدت إليه من مشاعر أسرية مخضبة بالدفء والأمان. حركت "فيروزة" يدها صعودًا وهبوطًا على طول ذراع مُضيفتها، ودعت لها:
-ربنا يبارك فيهم وتملى البيت عليكي بالأحفاد.
مسحت "ونيسة" ما انساب على وجنتيها من عبراتٍ لتقول بابتسامتها الصافية:
-يا رب، وعقبال ما نفرح بيكي إنتي كمان.
تلك الكلمات التلقائية أصابتها بالخوف والتوتر، سحبت يدها ببطءٍ وضمتها إلى كفها الآخر لتشبكهما معًا، ثم علقت بوجهٍ واجم:
-كل شيء قسمة ونصيب.
هزت "ونيسة" رأسها مرددة عن يقينٍ غريب:
-نصيبك مسيره هايجي، وأنا حساه هايكون قريب.
سرعان ما اصطبغ وجهها بحمرة مريبة خجلة، فنهضت واقفة وهي تحمل الكأسين قائلة ببسمة مرتبكة:
-تسلم إيدك على اللمون.
نهضت "ونيسة" بدورها، وهتفت في لباقةٍ:
-على إيه يا حبيبتي، سيبهم أنا هغسلهم.
قالت في إصرارٍ شبه معاند:
-لأ مايصحش، دي حاجة بسيطة.
اتجهت إلى الحوض لتعيد تنظيف الكأسين، ودقات قلبها تتسارع في بهجةٍ غريبة، للمرة الأولى تشعر كما لو كانت تتحرك في منزلها، في مكانٍ غير غريب عنها، لا يوجد من ينافقها، ولا من ينبذ قربها، بل كانت مرغوبة وبشدة، الكل يتسابق لإراحتها، بل وتتعامل بعفويةٍ وتلقائية .. كم بدت تلك اللحظات مُريحة وممتعة!
....................................................
ما إن بات قادرًا على الحركة بثبات، حتى نهض من رقدته الذليلة في فراشه، وقد حسم أمره بشأن هذا المقيت الذي جلب عليه العار والشماتة، وهو في آخر أيامه، وجوده أصبح غير مرحب به، بل كان من اللازم تقريعه وتأديبه بصرامة ليعود إلى رشده، ويتعلم كيف يكون رجلاً بحق. أمسك "إسماعيل" بعكازه، واندفع خارجًا من حجرته يتساءل بملامح مكفهرة، ونبرة خشنة:
-البغل فين؟
هبت "سعاد" واقفة من على الأريكة، وأسرعت ناحيته تسأله بنظراتٍ فزعة:
-رايح فين يا حاج؟
مسح المكان بنظراته، وسلط عينيه عليها مكررًا سؤاله بإهانةٍ واضحة:
-الطِحش ابنك فين؟
بلعت ريقها، وأجابته وهي تشير بيدها نحو باب غرفته:
-نـ .. نايم جوا، إنت عايزه ليه؟
أخبرها بوجهٍ غائمٍ للغاية:
-مالقوش قعاد هنا!
لطمت على صدرها شاهقة في جزعٍ:
-بتقول إيه يا حاج؟ يعني إيه؟
هدر بها بصوته الصارم:
-اللي سمعتيه، وحاسبي من قدامي.
دفعها نحو الجانب ليتجاوزها وهو يصيح عاليًا:
-إنت يا راس الخروف!
ركل الباب بقدمه بعد أن فتحه، ليهدر مجددًا وهو يسلط أنظاره على ابنه النائم في فراشه كالموتى:
-قوم يا عجل!
انتفض "فضل" في ذعرٍ، ليتطلع بنظراتٍ مشوشة لوجه أبيه، ثم جفف بظهر كفه اللعاب السائل على زاوية فمه، ليتساءل بعدها بصوتٍ تقيل، ما زال يشوبه النعاس:
-في إيه يابا؟
حدجه والده بنظرةٍ مشمئزةٍ قبل أن يأمره بغلظةٍ:
-قوم غور من هنا.
حملق فيه مدهوشًا بعد أن طار من عينيه أثر النوم، وهتف في صدمةٍ:
-نعم.
لوح "إسماعيل" بعكازه أمام وجهه وهو يقول بلهجته المتشددة:
-خد نجاستك، وقرفك، واطلع برا بيتي الطاهر!
أخفض "فضل" ساقيه عن الفراش، ونظر إلى والده مصدومًا، ليردد بعدها في عدم تصديق:
-إنت.. بتطردني يابا؟
ضربه والده بطرف عكازه في عنفٍ وهو يوبخه:
-أيوه، طالما معرفتش أربيك، ولا نافع فيك نصيحة، ولا حتى بتتهد وعامل لكبيرك قيمة، يبقى تغور من بيتي.
حاول تفادي الضربات المتلاحقة على جانبيه مستغيثًا بوالدته:
-إلحقي يامه.
تدخلت للحول بينهما، فهتف "إسماعيل" بلهجةٍ أشد صرامة:
-أمك مالهاش دخل، أنا هنا صاحب الكلمة في بيتي.
حاولت إقناعه بتغيير رأيه، ومنحه فرصة أخرى، فاستعطفته بنبرةٍ شبه باكية:
-يا حاج ده ابنك، سندك، وآ...
لم يدعها تكمل، وزجرها مقاطعًا في غلظةٍ، وهذه النظرة المخيفة تحتل عينيه:
-ولا كلمة وإلا هتحصليه!
رضخت أمام سطوته البائنة، وانخرطت في بكاءٍ مرير، علَّ هذا السلاح الأنثوي يأتي بمفعوله معه، تجاهلها "إسماعيل"، وحول أنظاره القاسية نحوه ابنه يخاطبه بشدة:
-روح شيل مسئولية نفسك، واتعلم تبقى راجل بجد، مش نطع، نجس، مخلي راسنا في الأرض.
حرك شفتيه ليرد باستجداءٍ زائف:
-يابا ده أنا ماليش إلا إنت.
وكأن شأنه لم يعد يهمه، هدر به في جمودٍ:
-غـــور في داهية.
تبدلت تعابير "فضل" للقتامة، ورمق أبيه بنظرة نافرة قبل أن يقول في وجومٍ:
-بقى كده يابا، دي أخرتها؟
لم يطق سماع ترهاته السمجة، وصاح في حدةٍ:
-يالا من هنا.. مش طايق أشوف وشك ولا أسمع حسك.
اِربدت قسمات ابنه بالمزيد من الحنق، وتصاعد الغضب في نظراته إليه، ليندفع قائلاً بأنفاسٍ منفعلة:
-ماشي يا حاج "إسماعيل"، أنا طالع من بيتي.
ركضت خلفه "سعاد" لتستوقفه وهي تناديه:
-استنى يا "فضل".
دفعها في قوةٍ من كتفها حتى كاد يسقطها وهو يهتف في غيظٍ:
-حاسبي يامه.
لم يرأف "إسماعيل" بزوجته التي واصلت التوسل له:
-حرام عليك يا حاج تعمل فيه كده، ده ابنك بردك وآ...
قاطعها في حدةٍ وهو يشير بسبابته:
-الحرام إني أسكت عن الغلط، عاوزة بعد العمر ده كله الناس تقل مني عشان وساخته؟ كل واحد يشيل شيلته!
ارتفع صوت نحيب "سعاد" وهي تنادي على ابنها بعد أن أبصرته يسير بخطواتٍ شبه عرجاء:
-"فضل".
نظرة حانقة سددها "إسماعيل" لابنه دون أن يبدو على قسماته دليلاً للندم، وهو يدمدم في غلٍ:
-منك لله، ضيعت تعب العمر على الفاضي.
.......................................................
قبل موعدها بنصف الساعة كانت متواجدة في استقبال عيادتها، جلست في هدوءٍ تام بعد عبارات ترحيبية مقتضبة مع السكرتيرة، فركت أناملها معًا، ونظرت لمن حولها بنظراتٍ قلقة، لحسن حظها كان المكان شبه خالي، فقط شخص ما جاء بعدها. تقدمت نحوها السكرتيرة لتخبرها بالاستعداد للقاء طبيبتها بعد 10 دقائق، فتأهبت في جلستها، وتطلعت إلى الباب المغلق بنظراتٍ طويلة متأملة؛ لكن في الواقع كانت مستغرقة في تفكيرها الشارد.
يومان انقضيا عليها منذ طرحه لعرض الزواج الغريب، لم يظهر مطلقًا في الأرجاء، كأنما اختفى من على وجه البسيطة، ليتأكد لها تنفيذ ما أخبرها به الجد "سلطان"، بأنه لن يزعجها مجددًا، ولن تلمحه في محيطها، وهذا ما أصابها بالإحباط والجنون في نفس الوقت. الإحباط لأن في هجره المريب عذابًا لا تستطيع تحمله، والجنون لأنها أصبحت تفكر فيه أكثر من المعتاد بمراحلٍ أوحت لها بشيءٍ تخشى الاعتراف به حتى بينها وبين نفسها.
كانت بحاجةٍ ماسة للإفراج عن الأفكار المتناطحة في رأسها، إسكات الأصوات المنتشرة في عقلها، وأيضًا مناقشة ما تفكر فيه مع من يقدر على استيعاب تخبطها المرهق لأعصابها. نهضت متحركة في اتجاهها بعد نداء السكرتيرة لها، طرقت الباب بطرقة خفيفة، ثم استأذنت بالدخول. مكثت صامتة بعد ترحيب ودود، تحاول ترتيب أفكارها، أيًا منهم ستفصح عنه أولاً.
عاونتها "ريم" في تسهيل انتقاء ما ترغب في الحديث عنه في البداية، وقامت بتمهيد النقاش وإدارته بشكلٍ خبير استحثها على الإفراغ عن مكنونات صدرها بسلاسة ويسر. حينئد سألتها مباشرةً:
-إنتي رفضاه هو شخصيًا، ولا مش عايزة مبدأ الجواز نفسه؟
وضعت "فيروزة" يدها على مقدمة رأسها، وأجابتها في ترددٍ واضح:
-مش عارفة.
انتقلت "ريم" للجلوس في مواجهتها، وضغطت عليها برفقٍ:
-يا "فيروزة" لازم تحددي.
انكمشت في جلستها، وتضاعفت رجفتها وهي تعترف لها بعد صمتٍ قليل:
-أنا خايفة.
مالت نحوها، ووضعت يدها على ركبتها متسائلة بتعابيرها الهادئة:
-خايفة من إيه بس؟
تهدل كتفاها، وتوقفت عن الضغط على أصابعها لتخبرها:
-من حاجات كتير.
أراحت "ريم" ظهرها للخلف، ولم تحد بنظراتها عنها وهي تطلب منها:
-قولي حاجة واحدة بس من الحاجات دي، عشان أقدر أساعدك نواجه اللي إنتي خايفة منه.
ثم شبكت كفيها معًا، وتابعت ببساطة:
-غير كده هنفضل عند نقطة الصفر.
الهروب، ثم الهروب، والمزيد من الهروب لم يعد يجدي الآن، بل بدا وكأنه قد تحول لطوق يخنقها، يطبق على أنفاسها، يُحيل حياتها إلى جحيمٍ مستمر، يمنعها من الانطلاق، من استعادة ما افتقدته وتفتقده. أرادت التحرر من شوائب الماضي ورواسبه؛ لكن لن يتحقق ذلك دون إرادة حقيقية منها، عليها أن تهدم الجدران التي تخفي خلفها سرها المؤلم. وقفت "فيروزة" عند مفترق الطرق، وقررت ألا تدع الماضي يتحكم بها، لهذا جمعت جأشها، وراحت تتكلم في تلعثمٍ أظهر مدى الصراع الذي تخوضه في رحلتها نحو الخلاص:
-يا دكتورة، أنا .. من وقت ما اتجوزت "آسر"، وأنا زي ما أنا.
حل اللغز عندها؛ لكنها لن تفصح عن ذلك إلا بعد أن تنهي اعترافها بنفسها، حافظت "ريم" على جمود تعبيراتها، فكان وجهها غير مقروءٍ لها وهي تستطرد متسائلة:
-مش فاهمة، يعني إيه الكلام ده؟
عضت على شفتها السفلى، وازدردت ريقها، لتخبرها بتوترٍ كبير، وعيناها تنظران للأسفل في نقطة وهمية تركز عليها:
-أنا لسه .. بنت ...
تحلت بالصبر، ولم تقاطعها، منحتها كل الوقت الذي تريده لتكمل توضيحها بألمٍ محسوس في صوتها، وظاهر في نبرتها:
-لأن العيب فيا، فمش عايزة أخوض نفس التجربة، وأعيش نفس إحساس الألم، والذل، وفي الآخر اتساب وآ...
قاطعتها "ريم" قائلة في ثباتٍ وهدوء، وكامل نظراتها عليها:
-ومين قال إنك إنتي السبب مش هو؟
اشتدت تعبيراتها آلمًا، كما اختنق صوتها إلى حد كبير وهي تجيبها:
-عشان دي الحقيقة، أنا نص ست، مشـ..
استخدامها للغة الانهزام لم يكن محبذًا لها، لهذا عمدت إلى مقاطعتها لتصحح بتأكيد:
-ماتكمليش، إنتي جميلة من جوا قبل برا، مش ذنبك إن حد طلع عيوبه عليكي.
سمعت نهنهة بكائها الوشيك وهي تعقب عليها:
-يا دكتورة دي الحقيقة.
ردت محتجة بجديةٍ تامة:
-لأ إنتي غلطانة.
لم تكن "فيروزة" مقتنعة بعباراتها المستهلكة على الأذن لبث الدعم، وتعزيز روح المقاومة بداخلها، نظرت لها باستخفافٍ وهي تخبرها بكلماتٍ غامضة:
-ولعلمك، ودي يمكن الحاجة الوحيدة اللي إنتي متعرفيهاش عنه، على عكس الباقيين.
ضاقت نظراتها في استرابة، فتابعت "ريم" بوجهٍ ما زال على جدية تعبيراته:
-"آسر"، مش زي ما إنتي فاكرة يا "فيروزة".
رمقتها بنظرة مليئة بالشك وهي تسألها:
-يعني إيه؟
لم تهتز نظراتها المثبتة عليها وهي تُعلمها:
-"آسر" عنده مشكلة كبيرة، ومن زمان، ومكانش اتعالج من الأساس منها، بالعكس كانت وسيلته لحاجات تانية حقيرة.
أحست بسحابة من الغباء تغيم على تفكيرها، فقالت في يأسٍ:
-مش فهماكي يا دكتورة، إنتي عايزة تقولي إيه؟
استنشقت "ريم" الهواء بعمقٍ، ولفظته على مهلٍ، لتشحذ قواها للقادم، فهو يحتاج كل تركيزها للاعتراف به بأسلوبٍ رزين، ليسهل على عقلها تقبله، وفهمه. حلت الصدمة على تقاسيم وجه "فيروزة"، أربكها تدافع الاعترافات الصادمة، وشوش ذهنها، شردت في ذكريات الماضي كأنما يتم إعادة تجسيد ما خاضته بشكلٍ سريع ومتواتر، مما جعلها في حالة جمودٍ لحظي؛ كأنما انفصلت عنها بذهنها لا بجسدها، لترى هذه النظرات الدونية المستحقرة وهو يسددها لها، ليس لأنه الكسير المنهزم، بل لتحميلها ما لا تطيق لإخفاء تشوهه.
لا تستطيع "فيروزة" وصف مشاعرها في تلك اللحظة، فهي خليط من الحقد، الكراهية، والغضب،. كيف سمح لنفسه بخداعها بتلك البشاعة؟ بجعلها تُعايش أسوأ الذكريات؟ بتدمير بساطة أحلامها الوردية عن الزواج والاستقرار؟ والأفظع أن يهشم روحها بلا ذنب! انقبض قلبها بقوةٍ، واستبد به الألم، لهث صوتها وهي تنطق بصعوبةٍ:
-معقولة؟
واصلت "ريم" الكلام معها بتريثٍ:
-كل الأوهام اللي عيشك فيها كانت مجرد وسيلة عشان يغطي بيها على عجزه، خدعك بالكدب وبالحيلة، واستغل وجود شيء عندك لصالحه، بحيث يطلعلك إنتي السبب، ويداري على نفسه.
كان صوتها مشروخًا ونظراتها غريبة وهي تسألها لتتأكد أكثر:
-يعني كل ده كدب؟
ردت بنفس النبرة القوية الهادئة:
-كدب وتضليل وخداع ليكي، زي ما خدع اللي قبلك، وأظن إنك عارفة إنك مكونتش أول واحدة في حياته، ضحية ضمن ضحايا تانيين وقعهم في شباكه.
لم تنكر أن إحساس الثقل الذي جثم على صدرها لوقتٍ طويل قد خبت تدريجيًا، حتى باتت تشعر بالارتياح يحل محله. نهضت "ريم" من مكانها، وتحركت مقتربة منها لتحادثها بهدوءٍ، وبين شفتيها بسمة صغيرة:
-صدقيني إنتي طبيعية، ولما هتتجوزي هتتأكدي من ده، إنك كاملة من كل حاجة.
ظهر على وجهها علامات الحزن وهي تخاطبها:
-أنا مبقتش عارفة حاجة.
وضعت يدها على كتفها تضغط عليه قليلاً وهي تستحثها:
-"فيروزة" ارمي الماضي ورا ضهرك بكل القبح والتشوه اللي فيه.
ما زالت الأخيرة محدقة أمامها بنظراتها التعسة المصدومة، بينما استمرت "ريم" في درأ الغشاوة الحاجبة لرؤية ما ينتظرها من آمال واعدة بترديدها الواثق:
-دي صفحة اتقفلت في حياتك، ابدأي من جديد، وركزي في الحاضر والمستقبل.
واصلت الضغط بقبضتها على كتفها وهي تقول بعزمٍ باعث على التفاؤل:
-بصي حواليكي، ما جايز موجود فعلاً اللي بيحبك لشخصك إنتي، وعايزك كده زي ما إنتي.
رفعت "فيروزة" رأسها لتنظر إليها في ضعفٍ وهي تكرر:
-أنا؟
هزت رأسها بالإيجاب وهي تؤكد من جديد بحماسٍ متزايد:
-أيوه، إنتي تستاهلي الأفضل، إنتي أكيد غالية عند حد معين، بس مش منتبهة لده.
تحرك بؤبؤاها في توترٍ ملحوظ، حيث امتلأ فراغ عقلها بصورة لـ "تميم" وهو يردد على مسامعها جملة قلبت كيانها، خفق قلبها للذكرى، وشعرت بتسارع دقاته. انتبهت لـ "ريم" وهي تردد على مسامعها بنفس الابتسامة المؤكدة:
-الحد ده موجود قصادك دايمًا، بيساعدك من غير شروط، عايزك معاه، تكوني جمبه، وإنتي مش واخدة بالك منه ...
اتسعت ابتسامة "ريم" بشكلٍ لافت وهي تصحح عن قصدٍ:
-أو خلينا نقول مش عايزة تديله فرصة، وتقربي منه.
كانت قادرة على النفاذ إلى داخل رأسها لتقرأ ما يدور بداخله، أمامها كانت مكشوفة الأوراق، لا تحتاج للاختباء وادعاء ما ليست عليه .. زمن اجترار الآلام في صمتٍ قد مضى! سارت "ريم" عائدة إلى مقعدها، وجلست من جديد في مواجهتها، نظرت إليها مباشرة قبل أن تخبرها بنبرة ثابتة:
-"فيروزة" إنتي كنتي شجاعة كفاية عشان تواجهي كل ده لواحدك، وهاتبقي أكتر حد يستحق السعادة لو بس قررتي ده.
اعتبرت لقائها معها – بما شمله من تداعٍ حر هذه المرة- إشارة صريحة لانقضاء فترة الأحزان الراسخة في حياتها، لن تنسحق بين رحى الماضي وأوهامه، لن تبقى أسيرة أكذوبة أجبرها على العيش تحت وطأة ذلها، وتصديقها لعِلة فيه لا فيها. اعتلى ثغر "فيروزة" ابتسامة نمت عن ثقةٍ كبيرة استعادتها، لتومئ بعدها برأسها وهي تتكلم أخيرًا، وطيف وجه "تميم" يحتل فضاءات خيالها:
-معاكي حق، أنا استاهل الأفضل ............................... !!!
.......................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الفل
موعدكم مع الفصل الجديد
الفصل المائة واحد وأربعون
بين الحقول المتفاوتة في مساحاتها ومزروعاتها، تنقل بغير حماس في معظم الأوقات، مع من جاء بصحبتهم، لاكتساب خبرات جديدة خلال اتفاقات التجار الأولية مع أصحابها. كانت الكلمة عقد، والعقد في عرفهم يعني التزامًا كاملاً لا يفضه إلا الموت. صعد "تميم" إلى عربة النصف نقل، وجلس إلى جوار السائق نافخًا بزفيرٍ مرهق، فاليوم هو العاشر له منذ أن طلب منه جده تنفيذ خطته في الابتعاد الاضطراري، والاختفاء غير المبرر عن محيط مهجة قلبه.
كان ينكوي بألم الحب وهو يدعي كذبًا خلال تواجدها بالمطبخ، أنه لن يضغط عليها للموافقة على طلبه بناءً على ما أخبره به جده. لم يكن ليمانع مُطلقًا باتخاذ كافة السبل، بفعل المستحيل، فقط لينال محبتها؛ لكن على ما يبدو السبيل إلى قلبها كان محفوفًا كالعادة بالمشاق. عاد "تميم" من شروده على صوت الحاج "لطفي" القائل من مسافة قريبة منه:
-تعبناك معانا.
استدار برأسه ناحيته، وهمَّ بالترجل من العربة لولا أن أشار الأخير له ليبقى، ثم علق بابتسامةٍ باهتة:
-لا متقولش كده يا حاج.
ابتسم له "لطفي" وهو يتابع ملوحًا بذراعه في الهواء:
-جدك موصيني تاخد خبرة، ما هو ياما كان بيطلع معانا الطلعات دي.
حك "تميم" مقدمة جبينه معلقًا في تعجبٍ:
-الصراحة أنا شوفت فروقات في السعر كبيرة عما بنشتري من سوق الجملة.
أومأ برأسه مكملاً في تفاخرٍ:
-أيوه، في ناس حبايبنا، من زمن الزمن بيبوعلنا، وطبيعي يكرمونا في السعر، وإن شاء الله الزرعة كلها لينا لما ربك يطرح فيها البركة.
هتف في استحسانٍ:
-الله يكرمنا جميعًا.
خاطبه "لطفي" وهو يسير متجهًا للعربة الأخرى:
-احنا هنريح في الطريق حبة، وبعد كده نكمل مشوارنا.
هز رأسه معقبًا:
-ماشي يا حاج.
ثم طرق بيده على باب العربة مُحدثًا السائق:
-بينا ياسطا.
بدأت العربات في التحرك واحدة تلو الأخرى على الطريق الفرعي غير المُعبد، ليتجهوا جميعًا منه إلى الطريق الرئيسي.
...............................................
بعد نصف ساعة من القيادة في قيظ النهار الحار، والمرور على بضعة مزارعين ممن اتفقوا على الاجتماع بهم، توقفت كافة العربات بالقرب من إحدى الاستراحات المقامة على الطريق. ترجل "تميم" من عربته، ليلقي نظرة شاملة على المكان، وقعت أنظاره على إحدى الشاحنات التي بدت مألوفة له، سرعان ما تشكل على وجهه المتعب ابتسامة مشرقة، ليلتفت بعدها ناظرًا إلى من خاطبه بودٍ وحميمية:
-سبحان من جمعنا من غير ميعاد.
امتلأت نظرات "تميم" بالفرحة لرؤية رفيقه المقرب "منذر" يفتح ذراعيه لاستقباله، أقبل عليه يحتضنه قائلاً:
-حبيبي.
بادله التحية الحارة، وتراجع عنه متسائلاً في اهتمامٍ:
-عامل إيه يا سيد المعلمين؟ جاي النواحي دي ليه؟
أجابه وهو يحاول حجب أشعة الشمس عن عينيه:
-شغل بخلصه مع رجالة السوق ...
ثم سأله:
-بس إنت بتعمل إيه بعيد عن الوكالة؟
وضع "منذر" نظارته على عينيه، وأجابه:
-نقلة بوردها لوكيل لينا ماسك الناحية دي.
أشــار "تميم" بيده نحو الأمام متابعًا:
-خلينا نقعد جوا.
رد مشترطًا عليه:
-ماشي، بس المشاريب على حسابي، إنت وكل اللي معاك تعتبروا في منطقتي.
ضحك قائلاً في سرور:
-مش هردك
تحركا معًا نحو إحدى الطاولات الفارغة، وأشار "تميم" للعامل ليأتي للمتواجدين معه بما يريدون، ثم يحضر له كوبًا من الشاي. تساءل "منذر" وهو يتطلع إلى رفيقه بنظرة مستفهمة:
-إيه جديدك؟
تقلصت المسافة ما بين حاجبيه متسائلاً:
-جديدي في إيه؟
ابتسم "منذر" موضحًا له:
-مش ناوي تكمل نص دينك.
تنهد على مهلٍ قبل أن يجيبه:
-ربنا يسهل.
مازحه في تسلية وهو يلكزه في ساعده:
-ولا خايف تتجوز تاني.
قال نافيًا على الفور:
-لا مش كده، بس لسه ربنا مأذنش.
أعطى "منذر" بقشيشًا للعامل الذي أحضر له زجاجة مياه معدنية، وواصل الحديث معه:
-لعلمك أنا وإنت فينا حاجات كتير شبه بعض، اتجوزنا قبل كده، حريمنا اتاخدوا غدر.
رد عليه "تميم" بتعابيرٍ فاترة:
-الله يرحم الجميع يا رب.
أمن بعد في تعجلٍ:
-يا رب.
ما لبث أن بدت نبرته مليئة بالفرحة وهو يكمل:
-بس عايز أقولك عوض ربنا كان حلو، وجميل.
تقوست شفتا "تميم" عن ابتسامة صغيرة، بينما استمر "منذر" في كلامه مسترسلاً:
-الواحد صبر، واستحمل، رغم إن كان نفسي أحط على ابن "أبو النجا" بعد اللي عمله.
عادت ملامح "تميم" للتجهم وهو يقول:
-سمعته كانت سبقاه في اللومان.
ضاقت عينا "منذر" معقبًا بحذر:
-بلغني إنك اتعاركت معاه جوا.
بنوع من العنجهية أوضح له وقد لاحت بسمة ساخرة على زاوية فمه:
-كتير، في الرايحة والجاية، مكوناش سايبين بعض لحد ما اتنقل .. فضنا منه، المهم كله عندك تمام؟
بدا "منذر" كما لو كان على وشك تقبيل راحة وظهر كفه وهو يردد:
-الحمدلله .. رضا، مافيش بعد كده.
ربت رفيقه على كتفه قائلاً في حبور:
-ربنا يزيدك من كرمه.
ارتشف "منذر" ما تبقى في كوبه، ليخبره، وهذا الوهج الغريب يطل من حدقتيه:
-تعرف، اتقابلت أول مرة أنا ومراتي في مكان زي كده، لو أقولك على الفصل البايخ اللي اتحطينا فيه، بس الحمدلله عدت على خير.
حافظ "تميم" على جمود تعابيره وهو يخاطبه:
-ما محبة إلا بعد عداوة.
ضحك عاليًا بعض الشيء قبل أن يقول وسط ضحكاته في سعادة لا يمكن إنكارها:
-مافيش أحلى من كده محبة.
ساد الصمت للحظاتٍ قبل أن يقطعه "تميم" قائلاً في غموض:
-صحيح عارف الحاج "إسماعيل"، صاحب الحاج "فتحي".
اكتست تعابير "منذر" بالجدية وهو يسأله:
-أيوه، ماله؟
هتف يخبره في سخطٍ:
-لو أقولك على ابنه، الصراحة يخليك تجيب من الأرض وتحط عليه.
وافقه الرأي وهو يقول:
-عارفه اللطخ اللي اتقابلنا معاه يوم عزا جماعتك، ده بني آدم (...).
دمدم "تميم" مضيفًا:
-كويس إنك فاكره، حد أعوذ بالله منه.
لم يفهم "منذر" سبب انتقال الحوار للحديث عنه؛ لكنه بادر بإخباره بعزمٍ شديد:
-وربنا كنت هاجيب رقبته، لولا الظروف اللي كنا فيها، مضايقك في حاجة، قولي وأنا رقبتي.
أشعل "تميم" سيجارة أخرجها من العلبة التي كانت في جيب بنطاله، ليضعها بين شفتيها مرددًا:
-أنا ظبطته، إياكش يتهد.
تفرس "منذر" في وجهه متسائلاً بنوعٍ من الشك، وقد شاركه التدخين:
-بس إنت مقولتليش الدغوف ده مضايقك في إيه؟
لاذ بالصمت مُطبقًا على شفتيه، وقد ظهر التردد على محياه. وضع "منذر" يده على كتفه مؤكدًا عليه:
-سرك في بير.
كاد "تميم" يجن من كبته لمشاعره، ناهيك عن بُعده عنها، لهذا لفظ دفعة من الدخان الحارق عن رئتيه، وتشجع مغمغمًا في حذرٍ:
-كان في كلام على قريبته، وهو شكله حاطط عينه عليها.
تجاهل رفيقه الجزء الأخير من كلامه ليسأله في تسليةٍ وهو يغمز بطرف عينه:
-أوبا، هي الصنارة غمزت ولا إيه؟
انقلبت تعابيره وهو ينطق:
-ولا الهوا حتى، بس سايبها على الله.
فرك "منذر" راحتيه معًا قائلاً بابتسامة عريضة:
-إن شاءالله خير، عايزين نقوم معاك بالواجب.
ردد في رجاءٍ:
-يتم المراد الأول.
قال وهو يجمع أشيائه عن الطاولة:
-هه، يا مسهل.
ألقى "تميم" نظرة من خلف كتف رفيقه ليجد أيضًا من معه يستعدون للرحيل، لملم متعلقاته هو الآخر مودعًا إياه:
-شكل الرجالة ماشيين، كانت صدفة حلوة يا "أبو زين".
صافحه الأخير أولاً قبل أن يجذبه إلى حضنه هاتفًا في ودٍ شديد:
-ربنا يكتر من الصدف الحلوة، وهستنى تليفون منك تبشرني فيه.
عفويًا احتل ثغره بسمة عذبة وهو يقول:
-يا رب يا كريم.
افترق الصديقان على وعدٍ بلقاءٍ قريب، وبقي القلب مشغولاً بوليفه البعيد.
.........................................................
لم تعد تحسب عدد المرات التي أطلت فيها برأسها من بلكون غرفة الأطفال في منزل توأمتها، لتنظر إلى سيارته المصفوفة عند الناصية بنظراتٍ جمعت بين الحزن والقلق، فقد حُرمت من رؤيته منذ عقد قران شقيقته، ظنت أنه سيظهر لاحقًا؛ لكن مضت الأيام قاسية، جافة، وطويلة بدونه، حقًا صدق الجد في تنفيذ وعده لها، ويا ليته ما فعل!
استندت "فيروزة" بمرفقيها على حافة السور، واشرأبت بعنقها للأسفل محاولة اختلاس النظرات إلى شرفة غرفته القابعة أسفلها، لسوء حظها كان المكان معتمًا، وخاليًا من أدنى أثر لوجوده. تملكها الإحباط، واستقامت واقفة لتتساءل مع نفسها في خيبةِ أمل:
-هو راح فين؟
فركت طرف ذقنها، وظل عقلها يتساءل في لوعةٍ:
-طب هو غاب عني ليه؟ للدرجادي مكانش عايزني.
انتشرت في رأسها الهواجس المزعجة، وكلما حاولت مغالبتها فشلت فشلاً ذريعًا، ليظل هو الحاضر الغائب في ذهنها. اليوم العاشر على وشك الانتهاء، وهي تواظب على الحضور يوميًا لشقيقتها دون أن تلتقي به حرفيًا، استغلت حُجة توضيب متاعها في صناديق كرتونية لنقلها للمنزل الآخر، كوسيلتها المتاحة للمجيء دون إثارة الريبة، ومع هذا زادها هجره من شعور الوَحشة بداخلها. تركت الشرفة، وعادت إلى الغرفة فاقدة للرغبة في فعل شيء، تحركت نحو الصالة، إلى حيث تجلس توأمتها، رأتها وهي تغلف الكؤوس بأوراق الجرائد لحفظها. جلست على الأريكة المقابلة لها، وسألتها بفتورٍ:
-فاضيلك أد إيه في النيش؟
أجابتها "همسة" دون أن ترفع رأسها عن الصندوق الذي ترص فيه المقتنيات الزجاجية:
-نصه تقريبًا.
تطلعت "فيروزة" إلى (النيش) بنظرات فاحصة، قبل أن تخبرها:
-يوم ولا اتنين وهايكون خلصان.
امتدت يد "همسة" لتمسك بمفكرةٍ صغيرة إلى جانبها، أعطتها إلى شقيقتها موضحة:
-بصي أنا عاملة نوتة بترقيم كل كرتونة، وكاتبة إيه اللي جواها، بحيث يسهل علينا فيما بعد لما نرصص الحاجة.
استحسنت حُسن تفكيرها، فقالت مادحة:
-كويس أوي، شطورة يا "هموسة".
خيم الصمت بينهما من جديد إلا من صوت التلفاز الصادح، لم تكن "فيروزة" منتبهة لما يعرض عليه، تفكيرها منصب عليه وحده، أوشك عقلها على الانفجار من كثرة الحيرة والقلق. حانت منها نظرة جانبية نحو "همسة"، كانت بحاجة لإشباع فضولها، علَّها تنشد السلام، ترددت في سؤالها، وقبل أن تتراجع عن تلك الفكرة الطائشة، سبقها لسانها في الكلام:
-بأقولك صحيح، أنا بقالي فترة مابشوفش المعلم "تميم" ..
حاولت أن تجعل جملها سريعة، مرتبة، وعلى نغمة واحدة حتى لا ترتاب في أمرها، وأكملت الناقص بنفس الثبات:
-ولا حتى في الدكان، هو عيان ولا حاجة؟
جاءها الرد تلقائيًا:
-لأ، مسافر.
انعقد حاجباها بشدة وهي تردد مصدومة:
-مسافر؟
أومأت "همسة" برأسها عندما جاوبتها:
-أيوه، "هيثم" كان قالي كده.
تلقائيًا اندفع السؤال التالي من جوفها:
-وسافر ليه؟ متعرفيش؟!
رفعت شقيقتها رأسها إليها، وأجابتها بنظراتٍ مرتابة:
-تقريبًا كلفوه بشغل جديد، هو إنتي عاوزاه في حاجة؟
حمحمت وهي تدعي بحجة غير حقيقية:
-ده المحامي كان عايز يديله ورق يخصه.
لم تشك في أمرها، واستطردت تخبرها:
-بصي هو معظم الوقت "هيثم" بيغطي مكانه، حتى تلاقيه معدتش بيرجع البيت زي الأول، يعني مقسم وقته عندهم، وشوية عند محله، ويطلع بعد كده على الشقة.
بتعابيرٍ غلفتها التعاسة علقت عليها "فيروزة":
-ربنا معاه.
قبل أن تفقد الباقي من شجاعتها تساءلت مرة أخرى:
-ومتعرفيش هيرجع إمتى؟
تداركت لهفتها الظاهرة بشكلٍ غريب في نبرتها لتوضح بتمهلٍ، وبطريقة ملتوية؛ وكأن الأمر لا يعنيها، بعد أن ركزت عينيها على التلفاز لئلا تفضحها نظراتها التواقة:
-آ.. عشان يعني.. يخفف الحمل عن جوزك، وأديله ورقه.
هزت كتفيها قائلة:
-معنديش خبر.
تصنعت الابتسام وهي تقول:
-ربنا معاهم.
طاف الحزن على وجه "فيروزة"، وزحف إلى عينيها، لم تكن هكذا من قبل، لم يشغلها أحدهم بتلك الصورة، للحظةٍ تذكرت تفكيرها في أمره وقت غربتها، شعور اللوعة الذي استبد بها آنذاك كان في تلك اللحظات أضعاف ما عانته. أراحت صدغها على كفها وهي تسند كوعها على مسند الأريكة، ثم حملقت بعينين تائهتين في التلفاز، كأنما تتابع ما به. لم تبعد نظراتها عنه و"همسة" تسألها:
-أخبار محلك إيه؟
أجابت في فتورٍ كبير:
-شغال.
ردت عليها متسائلة في نبرة مهتمة:
-لسه مصممة تعملي الافتتاح الرسمي؟ مش المحل الناس عرفت إنه شغال وخلاص؟
نظرت إليها قائلة بعد أن أخفضت ذراعها:
-الحاج "بدير" مصمم، وأنا مش عايزة أزعله.
ابتسمت "همسة" وهي تمتدحه:
-بصراحة راجل ذوق، وكريم جدًا، حقيقي عمل معانا كتير.
أكدت عليها توأمتها بما يشبه الابتسامة الباهتة:
-ولسه بيعمل والله.
تنهدت "همسة" مضيفة بنبرة راجية:
-ربنا يخليه لينا، عوضنا كتير عن اللي ناقصنا.
أحست "فيروزة" بالكآبة تتسلل إليها، ولم تحبذ أن تظهر علامتها على ملامحها، مما يجعل شقيقتها تحاصرها بأسئلتها الفضولية، لهذا كان الخيار الأنسب حاليًا الرحيل. نهضت من مقعدها قائلة:
-طيب يا "هموسة"، أنا يدوب هاقوم، هحاول بكرة أجيلك بعد ما أخلص.
قامت "همسة" ببطءٍ ملحوظ، واعترضت عليها:
-مالوش لازمة، كفاية ماما بتيجي الصبح، كده تعب عليكي زيادة.
أقبلت عليها تحتضنها وهي تصر عليها:
-لأ يا حبيبتي، أنا مبسوطة لما بأجي عندك.
حافظت على بسمتها الرقية وهي تتم جملتها بنوع من التشديد:
-خدي بالك من نفسك، وسلامي للبيبي اللي جوا.
عفويًا وضعت "همسة" كلتا يديها على بطنها المنتفخ تتلمسه في حنوٍ وهي ترد:
-حاضر يا "فيرو".
........................................................
بغير همةٍ هبطت الدرجات وهي تجرجر قدميها، وحين أصبحت على بُعد بضعة خطواتٍ من بسطة منزله، ذهبت عيناها إلى الباب المغلق، تجمدت لوهلةٍ على الكتلة الخشبية، كأنما تفتش عنه بين طياته، توقفت "فيروزة" عن الحركة، وباتت جامدة لبعض الوقت، يدها قابضة على الدرابزين، تتأمل الفراغ بشرودٍ واجم، وهذا الصوت المُلح يتساءل في رأسها:
-بعدت ليه؟
شهقةٌ شبه مسموعة تحررت من بين شفتيها عندما التفتت كليًا لتكمل سيرها وقد رأته واقفًا عند بداية البسّطة قبالتها، لم يعد ما تراه من وحي الخيال، بل كان حقيقيًا، ملموسًا، يمكن الشعور به، فـ "تميم" بشحمه ولحمه حاضرًا بعد غيابه الطويل. خفق قلبه بشدة، حتى كاد من صوت ارتفاع خفقاته أن يصم أذنيها، تحشرج صوتها وهي تسأله بنبرةٍ بدت معاتبة عنها مستفهمة:
-إنت كنت فين؟
بصعوبةٍ طاف ببصره عنها ليرد في لهجةٍ رسمية:
-الناس بتقول سلام عليكم الأول.
أحرجها بجموده المريب، فقالت في تلعثم وخجل انعكست آثاره على بشرتها المشتعلة:
-سلام عليكم، أنا كنت..
وكأن الكلمات طارت من رأسها فلم تعرف كيف تبرر له سؤالها النزق، تنفست بعمقٍ، وأخفضت رأسها معللة بغير صدق:
-يعني عشان تحضر افتتاح المحل .. مع العيلة.
إن كنت كذوبًا، فكن ثابتًا، لم ينطبق هذا معها، اللجلجة بدت واضحة للغاية في نبرتها. استنشقت الهواء بعمقٍ، وتجرأت لتنظر إلى وجهه الذي اشتاقت لرؤيته، فوجدته لا ينظر ناحيتها، بل كان يعاملها بجفاءٍ معذبٍ لها، حاولت التركيز معه حين نطق موجزًا:
-مبروك.
أمام هذا البرود شعرت بالضيق والحنق، سرعان ما تكونت غصة مؤلمة في حلقها، جرحتها بقوة وهي تراه يتجاهلها بهذا الشكل الفج، تجاوزته بالمرور من جواره وهي تعلق باقتضابٍ حفظًا لماء وجهها:
-شكرًا.
منع "تميم" نفسه من النظر ناحيتها، واستمر في تعاليه المستفز حتى هبطت عن الدرجات بخطواتٍ سريعة كانت مسموعة إليه. حينها فقط سقط القناع عن وجهه، واندفع ينظر من الدرابزين إليها بقلبٍ يدق في ألمٍ وغيظ، عنف نفسه لوقاحته، كيف له أن يعاملها بهذه الخشونة؟ أبعد كل هذا الانتظار يُقابل طاووسه ببرودٍ زائف وكأن نيران الشوق لم تحرقه؟ كور قبضته، وضرب بها الحاجز بغلظةٍ وهو يلوم نفسه من بين أسنانه:
-يا غبي!
آهٍ لو كان يملك الحق في استرضائها، لما تركها أبدًا تذهب هكذا! لكن جده أوصــاه ألا يبدو متلهفًا في وجودها، عليه بالتحلي بفضيلة الصبر، مع القليل من الجفاء حتى تكتشف بنفسها مشاعرها نحوه، عندئذ ستهون كل الصِعاب.
.................................................
ارتعدت تحت دفقات الماء المنهمر على جسدها وهي تستحم، كانت وسيلتها لإخفاء نوبة بكائها غير الطبيعية، كتمت بيدها لأكثر من مرة صوت نهنهاتها الغادر، أطالت في مدة اغتسالها حتى تستكين، ووضعت يدها على صدرها تتحس قلبها المتألم، أزاحت الماء عن وجهها، وتساءلت:
-إنتي زعلانة ليه؟
جففت جسدها، ولفته بالمنشفة، ثم تطلعت إلى ملامحها المشوشة في انعكاس المرآة، مسحت البخار عنها لتحدق في وجهها بنظراتٍ مهمومة، ثم أكملت تبريرها:
-المفروض الموضوع منتهي.
احتدت نظراتها، وبرز الغضب في عينيها بو ضوحٍ وهي تواصل الحديث مع نفسها:
-بس أنا مقولتش لأ، ده جدي "سلطان" هو اللي قال كده.
تهدل كتفاها في إحباطٍ، وأردفت عن يأس:
-مش كان صبر شوية.
أدارت جسدها للجانب لتنظر إلى التشوه في كتفها، رفعت يدها لتتحسسه، وهي تؤكد لنفسها:
-واستحالة يكون ده السبب عشان ما يرضاش بيا.
تردد صدى كلمات طبيبتها في رأسها لتذكرها بأنها ليست المُلامة في إفشال زيجتها، بل كان الطرف الآخر فاقدًا لمقومات إنجاح العلاقة الزوجية، واستغل إصابتها لمواراة علته الخطيرة. كررت على مسامعها بصوتٍ خفيض حتى لا تستبد بها هواجسها:
-دكتورة "ريم" معاها حق، العلاج موجود جوايا، مش لازم أسمح لحد يقلل من ثقتي بنفسي.
عاد طيف "تميم" يستحوذ على عقلها، وجفائه الأخير ما زال تأثيره منعكسًا عليها، انقلبت تعابيرها قائلة بنبرتها الهامسة:
-بس هو المفروض يبقى عنده ذوق ويكلمني كويس.
جمعت خصلات شعرها النافرة، وسوتها بيديها وهي ما زالت تخاطب نفسها:
-يمكن جده منبه عليه، هو آخر مرة قالي كده.
مطت شفتيها للحظةٍ، وتابعت كأنما استغرقت في أفكارها التحليلية:
-ما جايز كان مستني يسمع الرد مني، هو صحيح فاجئني، وأنا وقتها مقولتش رأيي، بس هو مصبرش، والنهاردة مادنيش فرصة أكلمه.
لكزت مقدمة رأسها بيدها في توبيخٍ شبه حاد:
-أنا معنديش مخ ولا إيه؟ ما هو لسه راجع من سفره الغريب ده، المفروض يكون عندي تمييز، هيلحق يكلمني إزاي يعني؟
عبست مرددة مع نفسها:
-على الأقل كان يسأل عني.
نفخت في سأمٍ، واستدارت مبتعدة عن المرآة وهي تكلم نفسها:
-أنا زهقت، ليه العذاب ده؟ عملت فيا إيه عشان أبقى كده؟
انتفضت مفزوعة على صوت والدتها المنادي من الخارج:
-يالا يا "فيروزة"، كل ده يا بنتي؟ بتعملي إيه عندك؟
ردت عليها بصوتها المرتفع:
-حاضر يا ماما خارجة أهوو.
أمسكت بالممسحة، وأزاحت بها الماء المتجمع بالأرضية نحو البالوعة، لتردد بهسيسٍ:
-مسيري اتقابل معاه تاني.
.....................................................
امتلأ قلبه بأطنانٍ لا حصر لها من الحنين والشوق إليها، هذا النوع من الهروب السخيف غير مجدي معه، أصبح على شفا الجنون من الانتظار الطويل، أنى له أن ينتهي؟ دار "تميم" في غرفة جده يذرعها جيئة وذهابًا وهو يشكو صبره غير النهائي:
-دخلنا في أسبوعين يا جدي، وأنا عامل فيها هندي، بس خلاص أعصابي تعبت ...
تطلع إليه "سلطان" بتمعنٍ، وفي صمت، وهو ما زال مستمرًا على شكواه:
-حتى الافتتاح بتاعها مش عارف أحضره، وأبويا نفسه مستغرب.
توقف عن الالتفاف حول نفسه ليجلس على طرف الفراش قائلاً بتبرمٍ:
-ده تلاقيه شاكك إني بحبها أصلاً.
بدا الجد هادئًا للغاية وهو يسأله بحاجبٍ مرفوع للأعلى قليلاً:
-طب وقاعد كده ليه؟
ظن أنه يهزأ منه، فأجابه في سخريةٍ مريرة:
-هنزل أروح فين؟ ما إنت عارف اللي فيها يا جدي.
أشار "سلطان" بعكازه نحو الدولاب يأمره:
-طلعلي القفطان الجديد من جوا.
نهض واقفًا، وسأله في حيرة:
-هتنزل ولا إيه؟
ابتسم الجد في سرورٍ وهو يجيبه:
-أيوه .. هاحضر الافتتاح.
ظهر الغيظ على ملامحه، وهمهم في خفوت:
-يا بختك يا جدي.
سرعان ما قفز قلبه يرقص في فرحةٍ عارمة، وجده يضيف:
-وإنت جاي معايا.
برقت عيناه، وأشرقت تعابير وجهه وهو يسأله ليتأكد مما سمعه:
-بجد؟
بنفس الهدوء الوقور أخبره:
-أيوه يا واد، ويالا عشان منتأخرش.
اندفع نحو ضلفة الدولاب لإحضار ثياب جده مهللاً في حماسٍ رهيب:
-على طول يا جدي.
...............................................
بعض الصفقات الرابحة مع عشرات الزبائن نالتها خلال الأيام الماضية؛ لكنها لم تشعرها بالسعادة، ظلت تفتقد لهذا الإحساس، للغرابة إن كان نجاحها في سوق العمل قبل بضعة أشهر لاختلف شعورها الآن! تنهدت "فيروزة" بعمقٍ، ونظرت إلى الحشد المتجمهر بداخل دكانها وخارجه، حمدت الله أنها استعانت بفتاتين من المنطقة لمساعدتها في إنجاز الأعمال، وإلا لأرهقها ما كُلفت به بالإضافة مع تفكيرها غير المتوقف عنه.
كان الافتتاح كبيرًا إلى حدٍ ما، حيث ازدانت الطرقات المؤدية إليه بالمصابيح الملونة، وأيضًا بالبالونات الضخمة المدون عليها عبارات التهنئة، والتي كانت غالبيتها من عائلة "سلطان"، فيما عدا قلة متناثرة من الجيران في المنطقة، أمام عند مدخل دكانها، فقد تم وضع بضعة أعمدة جرانيتية على الجانبين، ويملأ الفراغ بينهما سجادة طويلة من اللون الأحمر، لصنع ممر صغير إلى الداخل، كذلك صدح صوت الموسيقى من مشغل الأسطوانات بشكلٍ أزعج الجميع، إلا أنها طلبت من المسئول عنه إخفاض الصوت.
تراصت المقاعد الخشبية على طول الرصيف، وفي الشارع أيضًا، جلس "خليل" وإلى جواره "همسة"، ووالدتها، والصغيرة "رقية"، وهناك مقعد محجوز لـ "هيثم" حين يأتي للجلوس في وقتٍ لاحق. بدأ الزوار في القدوم للتهنئة، تارة تجد بعضهم بالداخل، وهناك من يجلس بالخارج؛ لكن استمتع الجميع بما تم تقديمه من حلوى ومشروبات غازية باردة، كتفصيلة أساسية وهامة خلال الافتتاح كما أمر الحاج "بدير".
بعد مُضي ما يزيد عن الساعة، وقفت "فيروزة" خلف الطاولة الموضوعة في الواجهة بنهاية مساحة دكانها، تراقب الوافدين بعينين تتقدان في لهفةٍ حين تسمع صوت الترحيب بأحدهم متوقعة أن يكون ضمن القادمين؛ لكن ما لبث أن يختفي هذا الوهج مع اكتشاف عدم حضوره، أطلقت زفرة ثقيلة من صدرها وهي تتساءل بين طيات نفسها:
-مش معقول كل المدة دي ومظهرش فيها؟ للدرجادي ندمان إنه آ..
توقفت عن تفكيرها التشاؤمي حين سألتها إحدى السيدات:
-بكام دي؟
أدارت رأسها للخلف، وتطلعت إلى البلورة التي تشير إليها، ثم أجابتها وهي تعاود النظر إليها:
-بـ 25 جنية.
رأت السيدة تناقش واحدة واقفة إلى جوارها
-سعرها حلو، احنا ممكن نجيب منها ....
أبعدت أنظارها عنها لتهمس بصوتٍ بالكاد فارق شفتيها:
-حتى الافتتاح مجاش فيه.
ناداتها إحدى الفتاتين بصوتٍ شبه مرتفع لتتغلب على الصخب المنتشر:
-يا أبلة "فيروزة"!
ندائه الحصري الذي بات محببًا إليها كان مختلفًا عن كل مرة، غيره يناديها به، فكان فاترًا، غير مستساغٍ على أذنها، التفتت ناظرة إلى البائعة الأخرى وهي تسألها بعينيها دون كلام، فأخبرتها البائعة:
-بكام اللفة دي؟
أجابت بعد نظرة فاحصة لما تشير إليه:
-بـ 30 جنية.
تحركت عينا "فيروزة" نحو الباب مجددًا، تتطلع إليه في وجومٍ، شعرت بلمسة رقيقة على ذراعها، فاستدارت للجانب لتجد والدتها تكلمها في توجسٍ:
-إنتي مش مركزة خالص النهاردة، في حاجة يا بنتي؟
ابتسمت وهي ترد:
-لأ يا ماما، أنا كويسة.
تفرست "آمنة" في ملامحها وهي تقول:
-بس وشك مش باين عليه، على طول شاردة.
اتسعت حدقتاها في توترٍ، خشيت من اكتشاف أمرها، فتنحنحت قبل أن تختلق كذبة سريعة:
-ده بس عشان الواحد هبطان طول اليوم، من الوقفة الطويلة وكده.
ربتت على ظهرها في حنوٍ وهي تدعو لها:
-ربنا يقويكي يا حبيبتي، أدها وأدود.
اتجهت أنظارها مع والدتها التي خاطبت ابنة شقيقها:
-خدي بالك يا "كوكي" مش عايزين حاجة تتكسر.
توقفت الصغيرة "رقية" عن التحرك بفوضاوية، وقالت في عبوسٍ طفولي:
-متخافيش يا عمتو.
تشتت كل أنظارها عنها عندما سمعت والدتها تهتف مرحبة بحرارة:
-حاج "سلطان" اتفضل.
وكأن ترف الحياة ومتعها قد مُنح لها في اللحظة التي تحول بصرها نحو الباب لتجده واقفًا خلف جده في عِزة وشموخ، لم تستطع إبعاد عينيها عنه، كأنما تعوض ما فاتها بغيابه المريب، ولدهشتها كان يبادلها النظرات الدافئة المليئة بشيء نفذ قبل دهرٍ إلى داخلها! تلك النظرات التي اعتادت عليها منه، ولم تكن ممانعة من تحديقه، بالكاد باعدت عينيها عنه والجد يخاطبها:
-أنا جايب العيلة كلها معايا يا "فيروزة".
سرعان ما شملت من جاءوا بصحبته بنظرة جمعت بين الحرج والتوتر، كيف لم تنتبه إلى مجيء أفراد عائلته؟ ألتلك الدرجة حجب عنها "تميم" بحضوره الطاغي من سواه؟ اكتسبت بشرتها حمرة خجلة، وقالت في صوتٍ شبه مهتز:
-يا أهلاً وسهلاً، نورتم.
بادرت "ونيسة" بتهنئتها أولاً، ثم لحقت بها "هاجر"، ومن بعدهما "سراج"، ليمد "بدير" يده لمصافحتها قائلاً في فرحةٍ:
-مبروك يا بنتي، يجعله فاتحة خير عليكي يا رب.
قالت وهي تبادله المصافحة:
-الله يبارك في حضرتك.
تكلم الجد بصيغة من يقرر، وهو يدفع بذراعه المتأبط حفيده للأمام، ليبدو قريبًا منها:
-بصي بقى، احنا من عوايدنا لما يبقى حد عزيز أوي علينا، وربنا كرمه ندبحله حاجة كده، ونطلعها لله.
انفرجت شفتاها في دهشةٍ، وهتفت معترضة:
-ده كتير يا جدي.
أشار بيده للخلف حاسمًا جدالها قبل أن يبدأ:
-ولا كتير ولا حاجة، الرجالة هتنزل العجلين جمب الدكان وتفرق على الغلابة، خلي الكل يفرح معانا.
فردت "آمنة" ذراعها لتشير إلى ضيوفها بالجلوس:
-اتفضلوا يا جماعة.
انسحبوا واحدًا تلو الآخر ليظل "تميم" باقيًا معها، ظهر التردد عليها، خاصة مع نظراته الشغوفة ناحيتها، بلعت ريقها وسألته وهي تتجنب النظر إليه عن هذا القرب الخطير:
-إزيك؟
أجاب وهو يستقيم في وقفته ليبدو أكثر طولاً:
-الحمدلله، مبروك عليكي الافتتاح، وربنا يوفقك.
ردت ببسمة صغيرة وهي ترمش بعينيها:
-الله يبارك فيك.
توقعت أن يتجاذب أطراف الحديث معها؛ لكنه ظل صامتًا، نظرت إليه من طرف عينها، لمحته وهو يتطلع إليها بإشراقة تجبرها على الاستدارة والنظر إليه ملء عينيها، مثلما تحب أن تراه دومًا، ضغطت على إبهامها بسبابتها، بدت متحيرة في اتخاذ قرارها الآن، قاومت ترددها باستبسالٍ غريب، فربما لن تواتيها الفرصة لإخباره برأيها النهائي. لفظت كتلة من الهواء سريعًا، واستطردت قائلة في تعجلٍ لا يخلو من التلعثم:
-آ.. كنت عايزة آ..
شجعها على الكلام قائلاً في هدوء:
-اتفضلي، سامعك.
لم تمتلك من الجراءة ما يحثها على النظر إليه في هذه اللحظة وهي تخبره:
-إنت كنت سألتني عن حاجة من فترة، وأنا مردتش عليك.
سمعت صوت تنهيدته وهو يرد:
-أيوه، وآ...
قاطعته قبل أن يتم جملته قائلة في دفعة واحدة، ودون أن تنظر ناحيته:
-أنا موافقة، شوف هتكلم خالي إمتى.
استحثها فضولها على رؤية تعابير وجهه، لذا اختطفت نظرة سريعة إلى ملامحه، فرأت في قسماته سعادة الدنيا بأسرها، هربت من حصار نظراته الناطقة بصنوف الحب، لتقول وهي تبتعد:
-عن إذنك.
ردد "تميم" مذهولاً في عدم تصديقٍ، وعيناه تشعان بالهيام:
-دي قالت موافقة.
استدار باحثًا عن جده ليجده خلفه، فارتمى في أحضانه يضمه بشدة، وهو يصيح بابتهاجٍ متعاظم:
-وافقت يا جدي.
اشتهى حفيده تذوق السعادة بعد مشقةٍ، وجَلْد، وطول انتظار، وها هو يحظى في نهاية المطاف بجائزته الكبرى، لما لا يفرح وقد استحق ذلك؟ ربت الجد على ظهره ضاحكًا حتى برزت نواجذه، قبل أن يتراجع عنه ليمازحه:
-طبعًا الحضن ده كان لحد تاني مش ليا .............................................. !!!
.......................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم Manal Salem
مساءكم فل
عندي بس سريعًا كام ملحوظة هرد عليهم على السريع، وده بناء على تعليقات حضراتكم سواء هنا على الواتباد، الصفحة، أو جروب مناقشة الأعمال ..
*مافيش كروتة في التفاصيل*كل حاجة هتاخد حقها*تنزلي لصور كوميكس ودعوة لاقتراب الزفاف مش معناه إنه هيحصل حالاً وإني أغفل عن بعض الجزئيات الضرورية .. ده أنا بحفزكم عشان تجهزوا معايا، ده فرح تيموووو ..وبعدين بالعقل كده دي جوازة بقالها سنتين تقريبًا، كانت مليانة كمية مشاكل وكوارث وكلاكيع الحمدلله انقضت على خير، مش هنكروتها في النهاية*الرواية لن تنتهي بالزواج .. احنا مكملين فيها لحبة، ماشي يا حلوين ..*وأخيرًا مافيش كروتة ..
الفصل المائة واثنان وأربعون
بدت وكأن فراشات الحب تحلق فوق رأسها، فتوارت سريعًا عن الأنظار التي تلاحقها، خشية اكتشاف أمر قبولها غير المتوقع. اختبأت "فيروزة" وراء مكتبها، فجلست على المقعد، وتركت مهمة متابعة الزبائن وتلبية رغباتهم للفتاتين العاملتين معها. الزاوية الجالسة عندها لم تمكنها من رؤية "تميم" ومن معه، أمالت رقبتها لأكثر من مرة محاولة مراقبة ما يحدث؛ لنكها لم تتمكن رغم الفضول المستثار بها لتأمل تعابيره المبتهجة.
طردت الهواء من صدرها، وابتسامة نضرة تتراقص على ثغرها، يا ليت ذلك الشعور العارم بالفرحة يدوم للأبد! تحفزت في جلستها حين أقبلت عليها "همسة" تسألها بتطفلٍ:
-هو إنتي عملتي إيه يا "فيرو"؟
ادعت السذاجة، وردت متسائلة بنظراتٍ ثابتة:
-عملت إيه في إيه؟
سحبت المقعد من الجانب وألصقته بها خلف المكتب، وأجابتها على عجلٍ:
-عاملين على خالك رباطية كبيرة، والموضوع شكله يخصك.
استمرت "فيروزة" على ادعائها، وتساءلت:
-موضوع إيه؟ ويخصني إزاي؟
هزت كتفيها قائلة بتجهمٍ بسيط:
-ما أنا مش عارفة بالظبط، وعشان كده جاية أسألك.
ابتسمت في مكرٍ، ثم أجابتها بنظرة غامضة؛ لكنها مثيرة:
-شوية وهتعرفي.
زمت "همسة" شفتيها للحظةٍ، ثم دمدمت في حيرة:
-يا خبر بفلوس.
حافظت "فيروزة" على هدوئها الزائف، رغم الضجيج الثائر بداخلها، فالإقدام على مِثل تلك الخطوة الهامة في حياتها احتاجت لجهدٍ جهيد لاتخاذها، وها قد فعلتها!
...............................................
ساعد وجود بضعة مقاعد شاغرة إلى جواره على استقرار الجد "سلطان"، و"بدير"، ثم "تميم"، بعد اتفاقٍ سريع بين الثلاثة أولاً على مفاتحة خال العروس في مسألة خطبتها، ليكون طلبه وفقًا للتقاليد والأعراف المتبعة في مثل تلك المواقف الأسرية. جال "خليل" ببصره على وجوههم متسائلاً في تحيرٍ:
-خـ..ير؟
أجابه "تميم" ابتسامة أذابت ما اعتمر قلبه من لوعة سابقة:
-كل خير يا عم "خليل".
هتف "سلطان" قائلاً في حماسٍ:
-سمعونا الأول صلاة النبي.
ردد الجميع رغم تفاوت نبراتهم:
-عليه الصلاة والسلام.
أجلى "سلطان" أحبال صوته بنحنحة مسموعة، قبل أن يستأنف كلامه مخاطبًا "خليل" على مهلٍ وهو يشير بعينيه نحوه:
-شوف يا سيدي، حفيدي اللي قدامك ده، استخار ربنا، واتوكل عليه قبل ما يكلفني أفاتحك في موضوعه.
تحولت أنظاره نحوه قبل أن يرد بلعثمةٍ ملحوظة في نبرته:
-إنتو .. تـ..ؤمروا.
ابتسم الجد وهو يرد:
-الأمر لله وحده ...
ثم خاطب ابنه بلهجةٍ شبه آمرة؛ لكنها مازحة:
-ما تكمل إنت يا "بدير"، مش ابنك ده؟
أطلق "بدير" ضحكة قصيرة قبل أن يرد مبتسمًا:
-وده يصح يا حاج في وجودك، البركة فيك، ده إنت كبرنا.
كاد "تميم" أن يفقد صبره من المماطلة والمراوغة التي يقوما بها لإتلاف أعصابه، وقد انعكس هذا في نظراته العابسة نحوهما. عاد الجد ليتكلم في تريثٍ:
-ماشي .. احنا ملقناش أغلى ولا أعز من بنت أختك عشان حفيدي يتقدملها ويطلبها للجواز.
بديهيًا خمن عقله من المقصودة، ونطق لسانه باسمها، كأنما يفكر بصوتٍ مسموع:
-"فـ..فيروزة"؟
أومأ "سلطان" برأسه مؤكدًا:
-أيوه، هي اللي عليها العين والطلب.
في حين أضــاف "بدير" وهو يشير بيده:
-النهاردة بس مجرد فتح كلام، ونحدد معاك ميعاد مناسب نطلبها فيه رسمي حسب الأصول.
علق عليه والده مؤيدًا إياه:
-مظبوط، ما هو الأصول ماتزعلش حد.
ظهرت أمارات السعادة على وجه "خليل"، وأردف يخبرهم وهو يدور بنظراته على ثلاثتهم:
-احـ..نا نتشــ..رف بيكم.
رد عليه "تميم" في الحال، وقلبه يدق في لهفةٍ:
-الشرف لينا يا عم "خليل".
نظر إليه الأخير معقبًا بحذرٍ:
-بــ..س مش نـ..اخد رأيها الأول؟
هنا رد عليه "سلطان" مؤكدًا من جديد بتعابيره الجادة:
-طبعًا، ده لازم، هو في حاجة هتم من غير رضا العروسة؟ احنا نستأذن الحاجة والدتها تاخد رأيها، ولو ربنا رايد هنيجي نزوركم ونبل الشربات.
أراح صدره أجواء التفاهم السائدة، فالتفت برأسه للجانب لينادي على شقيقته:
-يا "آمـ..نة"!
جاءته الأخيرة سائرة بخطواتٍ شبه سريعة، نظرت إليه في استرابةٍ، قبل أن تسأله، وعيناها تتحركان على وجوه عائلة "سلطان" المحاوطة له:
-أيوه يا خويا.
تكلم ببطءٍ ليوضح لها:
-الحـ..اج "ســ..لطان"، والحـ..اج "بــ..دير" عاوزين يـ..خطبوا "فيروزة".
بمجرد أن سمعت نهاية جملته تبددت كافة مخاوفها السابقة بشأن احتمالية إلغاء "تميم" لعرضه، بدت قسماتها في تلك اللحظة تشع بالسرور، كما لو أنها حظت بالجائزة الأولى في اليانصيب، فهللت تلقائيًا في فرحةٍ كبيرة:
-يا نهار أبيض!
بالكاد منعت نفسها من إطلاقا الزغاريد ابتهاجًا بالنبأ السار، وحاولت السيطرة على انفعالاتها السعيدة وضبطها قدر المستطاع. استدارت "آمنة" برأسها نحو "بدير" عندما خاطبها:
-معلش يا حاجة هنتعبك معانا، تشوفي رأي العروسة إن كانت مرحبة عشان نمشي تبع الأصول.
هزت رأسها بالإيجاب قائلة:
-أيوه يا حاج "بدير"، هاروح أسألها.
شدد "سلطان" رافعًا سبابته نحو وجهها:
-على جمب كده، عشان ماتتحرجش.
قالت في طاعة:
-حاضر.
أدار "سلطان" وجهه نحو حفيده هامسًا له:
-ربنا يجعلها من نصيبك.
رد "تميم" بنفس الخفوت، وبابتسامة متسعة على الأخير:
-يــــا رب.
استمر أربعتهم في الحديث عن بعض التفاصيل الخاصة بالعمل في العموم، إلى أن أقبلت عليهم "هاجر" تاركة جانب النسوة، لتتساءل في فضولٍ وهي تميل نحو والدها:
-في إيه؟
بوجه بشوش وصوتٍ منخفض جاوبها "بدير":
-أخوكي نوى والنية لله إنه يتجوز.
برقت عينا "هاجر" في دهشة لا تخلو من فرحة، وسلطت كامل نظراتها على شقيقها متسائلة في مكرٍ عابث:
-مين يا ترى؟
ضيق "بدير" عينيه معقبًا بصوته الخفيض:
-يعني مش عارفة؟
ضحكت في تسلية قبل أن تعلق:
-لأ، بس حابة اتأكد.
هنا تكلم "تميم" في غيظٍ طفيف ظاهر على ملامحه:
-هي يا أم العريف.
حالة من الانتشاء والرضا غمرتها، لذا لم تمنع نفسها من تحرير زغرودة سعيدة لأجله، مما جعل الأنظار الفضولية تتجه نحوهم لمعرفة سببها. عاتبها "تميم" في نظرة صارمة وهو يكز على أسنانه:
-يا بنتي لسه، مافيش حاجة رسمي.
مازحته في استمتاعٍ وهي ترمقه بتلك النظرة المتسلية:
-ده أنا بزغرط لافتتاح المحل.
انضمت إليهم "ونيسة" بعد أن رأت ما فعلته ابنتها في العلن، مررت عينيها على أسرتها متسائلة في استغرابٍ:
-في إيه يا جماعة؟
اقتربت "هاجر" من والدتها، وأخبرتها في أذنها بعبارات موجزة بهذا الخبر السعيد، سرعان ما انعكست آثاره السعيدة على كامل وجهها، حينئذ التفتت ناظرة إلى ابنها بكل محبةٍ، وهتفت تسأله لتتأكد من صحة الأمر:
-بجد؟ خلاص يا ضنايا نويت؟
رد بهزة سريعة من رأسه:
-أيوه يامه ...
وقبل أن تستمر "هاجر" في استفزازه بأسلوبها العابث، هتف محذرًا وهو يقصدها تحديدًا بكلامه:
-نهدى بقى يا جماعة، ونستعين على قضاء حوائجنا بالكتمان، عشان الناس بدأت تبص علينا.
ردت وهي تبتسم ملء شدقيها:
-خلونا نفرح ونفرح الحبايب.
رمقها بتلك النظرة الجادة وهو يخبرها:
-هيحصل بس ننول الرضا الأول.
..................................................
تحركت حدقتاها مع إشارة الإصبع المرفوع أمام وجهها، والمصحوب بصوت تحذيرها الصارم بعدم الهبوط عن الرصيف، والاستمرار في اللهو بجانب مدخل الدكان، أومأت "رقية" برأسها في انصياع واضح لعمتها قبل أن تستأنف لعبها المرح مع مثيلاتها من بنات الجيران، في حين هرولت "آمنة" للداخل متجهة إلى ابنتها الجالسة وراء مكتبها هاتفة في حماسة متزايدة:
-يا "فيروزة"!
توقعت الأخيرة سبب لهفتها الواضحة، وحافظت على ثبات ردة فعلها، نظرت إليها متسائلة ببرودٍ؛ كأنها لا تعلم عن الأمر شيئًا:
-خير يا ماما؟
بينما تابعت "همسة" الحوار بينهما في بدايته بفتورٍ وغير اهتمام. واصلت "آمنة" التقدم حتى أصبحت مجاورة لها لتميل ناحيتها مرددة بلهاثٍ بائن في صوتها:
-عرفتي يا حبيبتي إن ابن الحاج "بدير" طالبك للجواز.
هنا شهقت "همسة" ذاهلة، وسلطت أنظارها المصدومة على توأمتها متمتمة في عدم تصديق:
-مش معقول؟ "تميم"!
استدارت ناظرة إليها بغموضٍ، وهذا السؤال الغريب ينطلق في عقلها، لماذا ينطق الناس بأسماء غيرهم دون ألقابٍ في حين يتعذر عليها هذا؟ أم أن للمسألة علاقة بالحب؟ حينها مجرد ترديد حروف الاسم على اللسان يعد كجهاز كشف لدرجات العشق في العاشق نفسه! انتبهت "فيروزة" لصوت والدتها المُلح عليها:
-ها يا بنتي رأيك إيه؟ الجماعة عاوزين يتقدموا رسمي، بس مستنين رأيك وموافقتك.
لم تعطها الجواب المباشر، وردت متسائلة ببرود أحرق أعصاب والدتها المتلهفة شوقًا لإتمام هذه الزيجة العظيمة:
-وخالي رأيه إيه؟
أخبرتها بتعابير احتوت على علامات القلق والترقب:
-هو اللي قال مش هيرد غير لما يسمع موافقتك الأول.
صمتت للحظاتٍ تتطلع إليها في هدوءٍ، أراحها قرار خالها الذي حافظ على حرية اختيارها، وفي نفس الوقت عزز من مكانتها، تنهدت مليًا قبل أن يأتيها ردها مصحوبًا ببسمة صغيرة ناعمة:
-قولي لخالي يتفضلوا في أي وقت.
لم تتمالك "آمنة" نفسها، ومالت على ابنتها تضمها إلى صدرها وهي تهتف في فرحةٍ شديدة:
-حبيبتي يا بنتي، ربنا يتمم على خير، صبرتي ونولتي.
ابتعدت عنها لتسرع في خطاها نحو الخارج حتى تُعلمه بقرارها السار، بينما حاوطت "همسة" شقيقتها بذراعها مرددة في حبورٍ كبير:
-الله! أنا فرحانة أوي عشانك يا "فيرو"، إنتي تستاهلي كل حاجة حلوة.
ثم تفرست في وجهها ورأت فيها لمحة من الغرور والثقة، فرفعت حاجبها للأعلى تسألها بنظرة متشككة:
-بس قوليلي، إنتي كنتي عارفة قبلها؟
هزت رأسها تجاوبها في ابتسامة ماكرة:
-يعني، حاجة زي كده.
قهقهت ضاحكة في سعادةٍ، لتردد بعدها بما يشبه الإعجاب:
-طول عمرك مش ساهلة يا "فيرو"!
أصوات أبواق السيارات الصادحة خارج الدكان، جعلت الأنظار كلها تتجه إلى حيث مصدر هذه الضوضاء الصاخبة. وضعت "فيروزة" يدها على ذراع شقيقتها تستحثها على النهوض بقولها، وعيناها تنظران نحو الحشد الذي زاد في تجمهره:
-تعالي نشوف في إيه.
.................................................
التعليمات كانت بسيطة ومحددة، تكليفه بابتياع اثنين من أجود أنواع المواشي وبمواصفات معينة من أجل ذبحها، وتوزيع لحمها على الفقراء، بعد الاتفاق مع أمهر الجزارين ومساعدين للقيام بهذه المهمة. نفذ "هيثم" المطلوب منه، وعاد إلى الزقاق في عربة ربع نقل تتبع المزرعة التي اشتراهما منها، وما إن بلغ وجهته حتى ارتفع صوت بوق السيارة ليعلن عن وصوله.
كان "سراج" في طريقه أيضًا لحضور الافتتاح، بعد أن أبلغته "هاجر" بمكانها، أراد إشباع عينيه من رؤيتها، والاطمئنان على صغيرها. استقبلته الأخيرة ببسمة مشرقة، وخفضت من رأسها في خجلٍ، خاصة حينما غازلها بالقرب من أذنها:
-وحشاني يا حتة من قلبي.
تصنعت الضيق، وقالت في عتابٍ، وهي تنظر إليه من الجانب:
-حتة بس؟
وضع يده على رضيعها يمسح على وجهه بحنوٍ ورفق وهو يخبرها:
-ما الباقي للصغنن اللي إيديكي الحلوة شايلاه.
توردت خجلاً من معسول كلماته الذي قلما سمعته، وحذرته بتوترٍ انعكس عليها:
-طب بس بقى لرجالة العيلة يعلقوك.
سرعان ما تطلع أمامه ليلقي نظرة خاطفة عليهم، ولحسن حظه كانوا منهمكين في تفقد البهائم، استقام واقفًا، وخاطبها بتلك النظرات العبثية المترقبة:
-هانت، كلها كام يوم ويتقفل علينا باب، وأقولك أحلى كلام.
ابتعدت عنه "هاجر" لتأنى بنفسها من هذا الحرج الذي يزيدها تلبكًا ويرضي مشاعرها كأنثى.
......................................................
أثناء لهوها الطفولي، لم تصغِ "رقية" للتعليمات على أكمل وجه، لعبت الغميضة مع بقية الفتيات والأولاد، وهبطت عن الرصيف لتختبئ خلف واحدٍ من الأكشاك المغلقة، كررت الأمر لبضعة مرات بعد أن اعتادت على الذهاب والمجيء بمفردها وبغير خوفٍ مثلهم؛ لكنها توقفت مع البقية عن ممارسة ألعابهم الطفولية لينظروا إلى ما يوجد أعلى عربة النقل. تركزت أنظارها مع "تميم" الذي أقبل على أحد الأشخاص يأمره:
-بالراحة وإنت بتنزل العجل، وخليه واحد ورا التاني.
جاءه رد الرجل بنبرته الجافة:
-ماشي يا ريسنا.
حانت منها التفافة جانبية تلقائية نحو صراخ أحد الأطفال المرتفع، لتعاود التحديق بعدها في عربة الربع نقل وما فيها وهي ما زالت واقفة في مكانها، تراقب ما يحدث في اهتمامٍ وفضولٍ غريزي.
أثناء محاولة إنزال مساعدي الجزار للثور الضخم، كان الواقف خلفه يدفعه بخشونة وهو يلوي ذيله على كف يده ليؤذيه بلا رحمة فيحثه على التجاوب معه، والهبوط عن العربة؛ لكن الألم الصارخ في مؤخرة جسد الثور جعله يتخذ موقفًا دفاعيًا، فركل مُعذبه في صدره بقدميه في عنفٍ واضح، ليندفع هابطًا عن العربة بما يشبه الهجوم مما جعل الحاضرين يصرخون متفرقين في فزعٍ.
جحظت عينا "رقية" في ارتعابٍ شديد، وقد رأت هذا الثور الحانق ينحرف عن مساره ليتجه إليها، تجمدت كالصنم في مكانها، غير قادرة على الحركة، لتطبق بعدها على جفنيها بقوةٍ متوقعة أن يصدمها في أي لحظة.
..............................................
مثلها مثل غيرها، تحركت نحو المدخل الخاص بدكانها، لترى ما الذي يتسبب في تهليل الناس وصياحهم .. تمكنت "فيروزة" من اختراق الصفوف المتزاحمة، والوقوف عند المقدمة، لتتابع إنزال رأسي الماشية من العربة، استرعى انتباهها سؤال والدتها التلقائي:
-البت "كوكي" فين؟
حينها توقفت عن المتابعة وأخذت تفتش عنها بعينين متوجستين وسط الواقفين. البقاء ساكنة والنظر فقط لن يكون كافيًا، تحركت "فيروزة" بغزيرتها المنطلقة بداخلها للبحث عنها، وجدتها تقف عند بقعةٍ شبه خاوية لترى كالآخرين هذا الحدث المشوق. تنفست الصعداء، والتفتت تخبر والدتها:
-لاقيتها يا ماما.
وضعت "آمنة" يدها على صدرها ولسانها يلهج بالشكر:
-الحمدلله يا رب، خوفت تكون تاهت ولا حاجة.
أسرعت "فيروزة" في خطواتها متجهة إليها، شعرت بالرضا عن حالها، لكونها قد انتقت في تلك المناسبة كنزة بيضاء فضفاضة، لترتديها على بنطالٍ أسود من القماش، حتى يمنحها حرية وخفة في الحركة؛ لكنها خلال سيرها المتعجل التفتت تنظر بنظراتٍ ضيقة مليئة بالترقب والخوف إلى الثور الغاضب الذي ثار على محتجزيه بثورة عارمة.
قصف قلبها في رهبةٍ من المشهد الخاطف للأنظار، وركضت نحو ابنة خالها ترفعها من خصرها بعيدًا عن مرمى هذا الحيوان الثائر، لتختبئ بها عند هذا الكشك الجانبي. تفرق الحشد الفرح في كل اتجاه، وتحول المتجمهرون إلى أفراد يركضون في عشوائية، ومرتاعين من اهتياج الثور. في تلك اللحظة، بدا وكأن الثور قد اشتم رائحة خوفهما ليتجه إلى حيث تقفان، فارتفع صراخهما المذعور.
وسط حالة الهرج والمرج، اندفع رجال عائلة "سلطان" نحوهما، الأسبق في الوصول كان "تميم"، حيث توقف أمامهما، يزود بجسده عنهما، ثم فرد ذراعيه صائحًا بما يشبه الزئير، لطمه في جانبه بصفعة قاسية، مما أجبر الثور على تغيير اتجاهه، وهنا حاوطه كلاً من "هيثم"، و"سراج"، من الناحية الأخرى ليتمكن الجزار المخضرم من التقاط الحبل الذي يطوق عنقه، ويشده منه، ليتجمع حوله مساعديه وينجحوا في طرحه أرضًا، وتكبيل قدميه الخلفيتين لئلا يتمكن من النهوض وتكرار هذا الهجوم الغاشم.
صاح الجزار بعد أن تم استعادة السيطرة على الموقف، وضبط مجريات الأمور:
-عاش يا رجالة.
نهره "هيثم" في غلظة وتشنج:
-كنت هترتاح لما تقلب بكارثة؟
أجابه بسماجةٍ وهو يربت على ظهر الثور بقوةٍ:
-ده دايمًا بيحصل معانا في المدبح.
وبخه "تميم" من مكانه بصوتٍ غاضبٍ للغاية:
-ده عندك في المدبح مش في قلب الشارع!
من زاويتها الضيقة، ورغم الذعر الذي ما زال منتشرًا بأوصالها، إلا أن "فيروزة" لم تمنع نفسها من النظر إلى "تميم" بهيئته الشامخة، وإبداء إعجابها بشجاعته المغلفة برجولة تدعو للفخر، أحست في تلك اللحظات المفعمة بالأدرينالين أنها كانت تُعايش موقفًا خطرًا، ربما قد تراه معروضًا على شاشة التلفاز، أو مكتوبًا في إحدى الروايات؛ لكنها استبعدت أن تكون بطلته، على ما يبدو منحها القدر ذكرى جديدة تثبت لها أنه جديرٌ بها!
تأملت عن هذا القرب ما ارتداه من تيشرت يميل للون الأزرق الفاتح، سرعان ما التصق بعضلات جسده ليبرزها أكثر، جراء المجهود العنيف الذي بذله في أقل من دقائق، كان اختياره متماشيًا مع بنطالٍ جديد من الجينز، لوهلةٍ اكتشفت أنه بسماته تلك يبدو وسيمًا بشكلٍ خطير، له طريقته الغامضة في جذبها إليه. رمشت بعينيها في تلبكٍ عندما استدار ناحيتهما ليتساءل في لهفةٍ وخوف، ويداه موضوعتان أعلى منتصف خصره:
-إنتو كويسين؟
أومأت برأسها قبل أن تجيبه:
-أيوه.
انسلت "رقية" من حضنها، لتركض ناحيتها وهي تخبره بعفوية من بكائها الطفولي:
-كان هيموتنا.
رفعها بذراعه إليه، وأعطاها قبلة صغيرة على وجنتها وهو يمسد بيده الأخرى على شعرها المتناثر، ليؤكد بعدها كنوعٍ من بث الطمأنينة في نفسها الجزعة:
-متخافيش طول ما أنا موجود.
مع نهاية جملته، كانت كامل عينيه مرتكزة على وجه "فيروزة"، منحها ابتسامة عذبة وهو يرى تلك النظرة المليئة بالانبهار تتلألأ في قطعتي الفيروز، لعقت الأخيرة شفتيها متسائلة في لعثمةٍ خفيفة:
-مش كان ممكن يهجم عليك ويموتك؟
تأكد من إبقاء نظراته الثابتة على وجهها، وهو يخبرها بلا ترددٍ، وعن صدق مستبد التشكيك فيه:
-وارد، بس مايهمش طالما إنتي هاتكوني في أمان وبخير.
نفذت كلماته المحملة بأعمق مشاعره إلى داخل قلبها، وانتشرت فيه كما ينتشر اللون الزيتي في إناء من الماء ليحتله، هكذا اقتحم كيانها، وأوجد لنفسه مكانًا في روحها، بأفعاله قبل أقواله! لم تشعر "فيروزة" بشفتيها وهما تلتويان لتشكلا ابتسامة امتلأت ببهجة مُغرية بعثت النشوة في جوارحه، وأكدت له أن اجتماعهما تحت سقف واحد بات وشيكًا .. للغاية .............................................. !!
................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثلاثون 30 - بقلم Manal Salem
مساءكم ورد
الفصل المائة وثلاثة وأربعون
في أقل من دقيقتين، عاد الوضع إلى ما كان عليه، وبدأ أهالي المنطقة في الاحتشاد من جديد، بعد أن تم إحكام السيطرة على الثور الهائج، وتأمين الآخر بشكلٍ يضمن عدم تكرار الأمر معه. لم يدم حوار "تميم" مع "فيروزة" كثيرًا، حيث جاءت "آمنة"، ومن ورائها "همسة" للاطمئنان على الاثنتين، استطردت الأولى قائلة في لوعةٍ، وعيناها تنذران بوعيد للصغيرة "رقية":
-لطفك يا رب، مش أنا منبهة عليكي ماتنزليش من على الرصيف يا بت؟
تدخل "تميم" قائلاً بهدوء، بعد أن اشتدت قبضتي الصغيرة حول رقبته؛ كأنما تنشد حمايته:
-جت سليمة الحمد لله.
كزت "آمنة" على أسنانها هاتفة بتجهمٍ شديد:
-طبعًا، الحمدلله وكل حاجة، بس آ...
قاطعها رافعًا يده في الهواء أمام وجهها، وبنبرة صارمة، لا تقبل بالنقاش:
-خلاص يا حاجة، مش هنزعلها.
تراجعت عن تأنيبها قائلة بابتسامة بدت مصطنعة للغاية:
-اللي تقوله يا معلم.
صــاح صوت أحدهم من الخلف مرددًا:
-يالا يا جماعة، جاهزين عشان ندبح.
اتجهت كل الأنظار نحو الثور المقيد على بُعد عدة أمتار، وحوله عدد لا بأس به من الرجال وأهالي المنطقة. رأى "تميم" ابن خالته يلوح له مناديًا:
-تعالى يا "تميم"، مستنينك.
بادله الإشارة بذراعه الطليق وهو يرد:
-جاي.
أنزل الصغيرة على قدميها، استعدادًا لذهابه، ليتفاجأ بـ "فيروزة" تسأله في غرابةٍ:
-إنت هتدبحه بنفسك؟
نظر إليها بثقةٍ يشوبها التفاخر، قبل أن يجيبها مبتسمًا:
-أيوه.
سألته في تشككٍ دون أن تبعد عينيها عنه:
-هو إنت بتعرف أصلاً؟
رمقها بتلك النظرة الغامضة المليئة بشيء من الاعتداد بالنفس، قبل أن يغادر بغير جوابٍ، عبست "فيروزة" بملامحها، وهمهمت في تبرمٍ –وبنبرة شبه خافتة- وهي تضبط حجاب رأسها، لتلقي بطرفه المتدلي خلف كتفها:
-مردش عليا ليه؟
شتت نظراتها عنه لتدير رأسها نحو الجانب عندما تكلمت "همسة" قائلة بخوفٍ ظاهر عليها:
-تعالوا على جمبك بدل ما يفك منهم تاني ويهرب.
علقت "فيروزة" في استخفافٍ ساخر:
-هيفك إزاي وهما مرقدينه على الأرض؟
دققت النظر في الثور المقيد، وردت مؤيدة إياها:
-صح، بس الحرص واجب.
.....................................................
على مسافةٍ معقولة، وبعد أن تم تجهيز الثور لنحر عنقه، كان "تميم" يقف عند رأسه، منتظرًا الإشارة للبدء، اتجهت أنظاره نحو جده الذي رفع عكازه له، فأخفض الأول يده القابضة على السكين، ليبدأ في ذبحه بخفةٍ وسرعة، وسط تهليل المتجمهرين. انزعجت الصغيرة "رقية" من المشهد، وخبأت رأسها في حضن "فيروزة"، التي كانت مرتكزة بحواسها قبل عينيها عليه، ابتسمت ابتسامة صغيرة وقد وجدت الرد عمليًا على سؤالها، كان خبيرًا في ذبح الأضاحي، كأنما اعتاد ممارسة تلك المهنة منذ فترة طويلة، أو ربما لأنها حديثة العهد بالاهتمام بشئونه، أصبح العادي من تصرفاته مبهرًا لها!
رفرفت بجفنيها في حرجٍ حين أمسك بها تنظر إليه، ومع ذلك لم ترغب في الظهور بمظهر الشابة الخجول، حافظت على ثبات نظراتها نحوه، ولدهشتها لم يحد بعينيه عنها، بل كان يمنحها نفس النظرة الهائمة الساهمة، مما أجبرها في النهاية على إخفاض عينيها، والنظر إلى "رقية"، رأتها متشبثة بها، فمسحت على ظهرها بحنوٍ، وطمأنتها قائلة:
-خلاص يا "كوكي".
نظرت "رقية" بنصف عين إلى الثور الغارق في دمائه، وهتفت في خوفٍ غريزي:
-عايزة أمشي.
تفهمت عزوفها عن المتابعة، وحملتها من خصرها على ذراعها قائلة بلطفٍ:
-ماشي يا حبيبتي، تعالي نقعد في المحل.
استوقفتها "همسة" متسائلة في استغرابٍ:
-مش هتتفرجي ولا إيه؟
أجابتها بإيماءة من رأسها نحو الصغيرة:
-لأ، عشان كوكي.
هزت رأسها متابعة بعد تنهيدة سريعة:
-طيب أنا جاية معاكو، مش قادرة أقف.
عقبت عليها بنوعٍ من النصح:
-المفروض ترتاحي.
تأبطت "همسة" ذراع توأمتها الآخر، وراحت تخبرها في مرحٍ، بما يشبه التحذير:
-أيوه، بس عريسك طلع مش سهل، خدي بالك لتزعليه!
ردت عليها "فيروزة" باستنكارٍ مازح:
-أومال عملتيه عريسي؟
قالت في حماسٍ:
-طبعًا يا بنتي، ده أنا مستنية اليوم اللي أفرح فيه بيكي.
تحولت تعابير "فيروزة" للجدية، وهي تؤكد عليها:
-ماشي، بس أنا قادرة أزعله لو زعلني، أنا مش هينة!
برقت عينا "همسة" في قلقٍ، وهي تتطلعت إلى شقيقتها لتردف بعدها:
-ربنا يستر، شكلها كده هتحصل بينكم معارك لو اتخانقتوا.
ضحكت عاليًا في تلقائية وقد تخيلت المشهد، حين يتجادلان معًا على أمر ما، وهي بطبيعة الحال ليست من ضعاف الشخصية لترضى بالأمر الواقع وتصمت، وهو مثلها، لن يمرر الأمر على خير، حتمًا سينشأ الصدام بينهما، وسيكون البقاء فيه للأقوى! توقفت عن القهقهة لتنطق بعدها بصوت شبه لاهث، وعيناها تدمعان من الفرحة:
-طب يالا بينا.
مكث ثلاثتهن في داخل الدكان غالبية الوقت، وطارت النظرات المداعبة بين الحين والآخر في الهواء بين عصفوري الحب، فتشعل الرغبة في نفس المعذب بطاووسه الأبيض، وتثير التوق في كيان الحائرة بفارس أحلامها المنتظر.
مضى حفل الافتتاح على خير، وعاد الجميع إلى منازلهم، بعد اتفاقٍ مسبق على القدوم لبيت العروس في غضون أسبوع.
.....................................................
أيام ما قبل مجيء أهل العريس إلى المنزل، للتقدم لها رسميًا وخطبتها، جلبت عليها المزيد من الضغوطات، والصدامات الشفهية مع والدتها، فالأخيرة كانت تصر على بقائها في المنزل، والاستعداد كأي فتاة تخوض نفس الظرف السار، من شراء ثوبٍ جديد، زيارة مصففة الشعر، والعناية ببشرتها في أحد مراكز التجميل، بالإضافة إلى تنظيف كامل غرف المنزل وإعداد الصالون لاستقبالهم بالشكل الذي يليق بالحدث.
لكن رغبات أمها لم تتوافق مع شغفها لإنجاح عملها، فكان النقاش بينهما ينتهي بغير خير، ويزيد من المشاحنات وتوتر الأجواء. اقتربت "آمنة" من ابنتها تنهرها في ضيقٍ كبير:
-حتى النهاردة نازلة كمان؟
ربطت "فيروزة" طرفي حجابها الأخضر بمشبكٍ معدني وهي تجيبها:
-أيوه.
استندت والدتها على إطار باب غرفتها تسألها بتعابيرٍ حانقة:
-وهتروحي إمتي للكوافيرة؟
قبل أن تبادر بالرد، كانت "آمنة" الأسبق في التهكم:
-والعريس وأهله هنا في البيت؟
ابتسمت "فيروزة" في برودٍ وهي تعلق عليها:
-ما أنا مش هروح.
شهقت والدتها صائحة في صدمةٍ، وسبابتها تتحرك صعودًا وهبوطًا في الهواء وهي تشير إليها:
-أومال هتقابليه بالمنظر ده؟
بنفس الهدوء المستفز قالت "فيروزة" وهي تغلق زرار ياقة بلوزتها المائلة للاصفرار:
-ما هو عارف شكلي.
هتفت والدتها تنهرها في ضجرٍ بعد أن تقدمت نحوها:
-يا بنتي اهتمي بمظهرك، الناس هتقول إيه؟
ردت غير مبالية وهي تتفقد ما بداخل حقيبة يدها بعد أن انتهت ارتداء كامل ثيابها:
-اطمني، ولا يفرقوا معايا الناس.
استنشقت "آمنة" الهواء بعمقٍ، لتثبط به من نوبة انفعالٍ وشيكة، لتسألها بعدها بترقبٍ:
-طيب جبتي فستان جديد؟
اتجهت عينا "فيروزة" نحو خزانة ثيابها عندما أجابتها باسترسالٍ هادئ:
-لأ، هلبس واحد كان عندي في الدولاب، شكله مناسب.
هنا خرجت عن طور سكونها لتصرخ فيها بتزمتٍ:
-كمان! اعمل فيكي إيه بس يا "فيروزة"؟ إنتي هتجننيني معاكي؟ مش عايزة تسمعي كلامي نهائي.
تجهمت تعبيرات ابنتها، ورمقتها بنظرة مزعوجة وهي ترد:
-في إيه يا ماما؟ إنتي مكبرة الموضوع ليه؟
بحنقٍ متزايد أخبرتها في بساطة:
-ده جواز.
صححت لها بابتسامة صغيرة كادت تضاعف من جنونها:
-لسه خطوبة.
ردت عليها في غيظٍ، والشرر الغاضب ينتفض في حدقتيها:
-ما هو أخرتها جواز، والعريس ده لقطة، مليون واحدة تتمناه، إيه هتضيعيه من إيدك؟
مطت شفتيها معلقة في ثقةٍ، وهي تتجه نحو باب الغرفة:
-لو مش عجباه وأنا كده يشوف غيري، احنا فيها لسه!
ضربت "آمنة" بيديها على فخذيها، كتعبيرٍ عن نقمها من تصرفتها غير المبالية، وصاحت فيها باستياءٍ:
-أنا غلبت معاكي.
تغاضت "فيروزة" عن نوبة حنقها اليومية لتتطلع إلى ابنة خالها التي أمسكت بطرفي ثوبها الذهبي تسألها:
-شكلي حلو؟
رمقتها بنظرة مدققة شملتها من رأسها لأخمص قدميها، فرأته يبرز غالبية ساقيها، وينحصر عند ردفيها بشكلٍ غير مستحب، كما أن تناسق أكتافه لم يكن متماشيًا مع عُرضها، ومع هذا حافظت "فيروزة" على بسمتها وهي ترد:
-عسل أوي يا "كوكي"، يالا غيريه عشان مايتبهدلش.
ركضت الصغيرة إلى الغرفة الأخرى، حينها التفتت إلى والدتها تكلمها في جدية:
-الفستان مش قصير شوية يا ماما؟
ردت عليها "آمنة" بوجهٍ شبه مهموم:
-هي ماشاءالله طولت، ومكونتش واخدة بالي إنه مش هايكون مناسب ليها، في الليلة الكبيرة هاشتريلها واحد جديد، المهم خلينا فيكي إنتي.
عادت "رقية" لتقول في براءة:
-عمتو، مش عارفة أقلع الفستان.
أدارت "آمنة" الصغيرة للناحية الأخرى، لتتمكن من حل أشرطة الثوب المعقودة، بينما خاطبت الطفلة ابنة عمتها:
-أنا هالبس زيك يا "فيرو".
جثت "فيروزة" على ركبتها أمامها، وطبعت قبلة رقيقة على وجنتها، ثم قرصت بيدها خدها الآخر وهي تؤكد لها:
-ما إنتي أحلى عروسة عندنا.
حدجت "آمنة" ابنتها بنظرة صارمة وهي تؤكد عليها:
-متتأخريش.
نظرت إليها "فيروزة" من فوق كتف الصغيرة قائلة بامتعاضٍ:
-طيب.
ثم ودعت الصغيرة قبل أن تنهض واقفة وتخرج من الغرفة، متجهة إلى باب المنزل، بمجرد أن فتحته وجدت توأمتها تصعد الدرجات الأخيرة لتبلغ البسّطة. اتسعت عينا "همسة" في دهشةٍ، وهتفت متسائلة بنبرة ذاهلة:
-إيه ده؟ معقولة إنتي نازلة النهاردة؟
تدلى فكها السفلي في تعجبٍ من استخدامها لنفس أسلوب والدتها، وردت بتذمرٍ:
-في إيه جماعة؟ إنتو مستغربين ليه؟ ده لسه ربط كلام، واتفاقات، مش حاجة يعني مهمة.
جاءها ردها المبرر لاستنكارها:
-أصل اليوم ده بالذات، الواحدة بتبقى مشغولة فيه من صباحية ربنا.
كبتت "فيروزة" ضيقها من تضخيم الأمر، وردت في سخافة:
-الكلام ده لو أنا فاضية للتفاهات دي.
على ما يبدو سمعت والدتها تنمرها الواضح على الأمر، واستهزائها بالمعتاد من تصرفات في مثل هذا اليوم، فصاحت من خلفها في حدةٍ:
-تعالي يا "همسة" لأحسن أختك هترفع ضغطي بعمايلها.
ولجت الأخيرة لداخل المنزل، وقالت مُلطفة:
-سبيها على راحتها يا ماما.
رمقت "فيروزة" والدتها بنظرة غير راضية، لم تتخلَ عن هدوئها وهي ترد بابتسامة متسعة:
-مش أول مرة أتخطب فيها يا ماما، مش لازم نكبر الموضوع.
كادت أن ترد عليها "آمنة"؛ لكنها أسرعت بالخروج وإغلاق الباب خلفها، لتهبط السلم وهي تدمدم بامتعاضٍ، وبصوتٍ مرتفع نسبيًا:
-ما هي جوازة زي أي جوازة والسلام.
لم تتوقع مُطلقًا أن يسمع "تميم" تذمرها الواضح وهو يصعد أول الدرج المؤدي إلى بيتها، حاملاً في يديه علبة حلوى مغلفة، ليقول لها بنبرة أقرب للعتاب، وهو ينظر إليها بعينين تحويان لمحة من الحزن:
-لأ مش زي أي جوازة.
حلت الصدمة على كامل قسماتها، فاندفعت كتلة من الدماء إلى بشرتها، لتلهبها بحمرةٍ حرجة للغاية، تمنت لو كانت قد أطبقت على شفتيها، واحتفظت لنفسها برأيها، فلا تفصح عنه هكذا علنًا، وتتعرض لمثل هذا الموقف المخجل. حمحمت مبررة بما يشبه الاعتذار:
-أنا .. مقصدش، دي زلة لسان، عادي يعني.
أراد أن يكون القادم في نقاشهما إن اختلفا في الرأي قائمًا على الاحترام والتقدير، لا الإجبار والترهيب، لذا سعي تلك المرة أن يكون صارمًا معها لا غاضبًا، حتى تدرك خطئها غير المتعمد في حقه، انقلبت تعابيره الصافية لأخرى منزعجة وهو يرد:
-حصل خير.
ظلت أنظارها عليه وهو يكمل صعوده إلى أن توقف قبل درجتين منها، تفرست في وجهه متسائلة بترددٍ:
-إنت زعلان؟
أكثر ما كان يؤرقه في هذا الموقف، أن يكون قبولها به، مبنيًا على العقل لا المشاعر؛ فحبه العميق لها يستحق أن يحظى بفرصته كاملة، وتدركه بكل جوارحها. تنهد "تميم" بعمقٍ قبل أن يجاوب على سؤالها بآخرٍ موجز؛ لكنه عني الكثير:
-هتفرق؟
ضغطت على شفتيها في ندمٍ، واشتدت قبضتها على يد حقيبتها المعلقة على كتفها، لتنطق بعد هنيهة في تلعثمٍ خفيف:
-صدقني معرفش إنك طالع على السلم.
أسبل عينيه قائلاً في وجومٍ:
-عشان مكتوبلي أعرف رأيك ناحيتي، وإني مش مهم عندك.
هتفت مدافعة على الفور وهي تشير بسبابتها:
-أنا مقولتش كده على الفكرة، الحكاية إن ماما ضاغطة عليا بحاجات كتير، وأنا مش حابة كده، عايزة الأمور تمشي بسلاسة، ده بس والله اللي مخليني متوترة، وبأقول أي كلام من زهقي؛ بس أكيد إنت مهم عندي، وإلا مكونتش وافقت.
جاءت جملتها الأخيرة مُرضية له بشدة، وأبعدت عنه أي هواجس مقلقة، ورغم هذا قرر ألا يبدو لينًا متساهلاً معها، لهذا بدا أسلوبه رسميًا للغاية وهو يعقب عليها:
-خلاص يا أبلة.
رمشت بعينيها تسأله في شكٍ:
-شكلي عكيت الدنيا جامد، صح؟!
صمت ولم يجبها، فبادرت معتذرة بروتينية:
-متزعلش، خلاص.
اغتاظ من أسلوبها الجامد الخالي من اللطف، واستمر في تعامله الجاف معها، بقوله الجاد وهو يمد يديه بالعلبة:
-أنا كنت جايب دول، اتفضلي.
ناولها العلبة كما لو كان يعطي أحدهم قفصًا من الفاكهة، بالكاد نجحت في الإمساك بها قبل أن تسقط من يديها بسبب ثقلها، انزوى ما بين حاجبيها في إنكارٍ مزعوجٍ، كما انفرجت شفتاها عن صدمةٍ غريبة لطريقته شبه الوقحة. هتفت تناديه بتعابيرٍ ضائقة:
-يا معلم "تميم" آ..
تجاهل الإصغاء لها عن عمدٍ، وأولاها ظهره ليهبط الدرج وهو يقول:
-نتقابل بالليل، سلام عليكم.
شيعته بنظراتٍ مليئة بالذهول حتى غاب عن أنظارها، لا تصدق ما حدث للتو، جلست على الدرج موبخة نفسها في حدةٍ:
-أوف، إيه اللي هببته ده؟
انخفضت نظراتها على العلبة المغلقة، كانت الماركة التجارية المحفورة عليها تشير لأشهر محال صنع قوالب الحلوى شهية المذاق، نفخت مجددًا في ضيقٍ أكبر؛ لكن ما لبث أن تحول الزفير إلى شهقة خافتة مصدومة عندما ظهر "تميم" على الدرج من جديد ليخاطبها بملامحه الجامدة:
-معلش، في كلمة محشورة في زوري وعاوز أقولها.
رمقته بنظرة متسائلة، فأجاب بعنجهية ملموسة في نبرته، وهو يصعد السلم ببطءٍ:
-بكرة لما أتجوزك هتعرفي مين هو "تميم سلطان"، وإني مش زي أي حد.
حين بات قريبًا منها، أحنى جذعه للأمام، ليبدو وجهه على بُعد مسافة شبرين من وجهها، اتسعت حدقتاها ذهولاً من قربه الموتر لها، نظر مباشرة في لؤلؤتيها، لتشعر بنظراته تخترقها، أراد مناوشتها، اللعب بأعصابها، لئلا تظن أن العبث معه يسهل تمريره.
رأت "فيروزة" في نظراته التي احتوتها -مع هذا التقارب الجسدي الموتر- شيئًا من العبثية، ضمت شفتيها، وازدرت ريقها، وهي ما تزال تحملق فيه بنفس التعابير المصدومة من جرأته غير المتوقعة. استطرد "تميم" يخاطبها في همس ومعترفًا بقصدٍ، وبنفس النبرة الواثقة، حتى شعرت أنها توقفت عن التنفس في وجوده:
-وبقولك أتجوزك مش نتجوز، عشان أنا عايزك ليا أكتر ما إنتي عاوزاني بمراحل.
منحها قبلة سريعة في الهواء بشفتيه، شعرت على الفور بتأثيرها على بشرتها التي اصطبغت بحمرة ساخنة للغاية، وبالطبع لن تكون غير ملحوظة له! ارتخت تعابيره الجادة، ولانت نظراته نحوها قبل أن يستقيم واقفًا ويهبط الدرج مغادرًا مثلما جاء في خفةٍ. استغرقها الأمر لحظة لتستعيد انتظام أنفاسها المقطوعة، أحست بدقات قلبها تتلاحق في توترٍ أكبر، بلعت ريقًا غير موجودٍ في جوفها وهي تتساءل في غرابة ممتزجة بالدهشة:
-مغرور ده ولا إيه؟
هزت رأسها للجانبين، وهي ما تزال على وضعيتها المدهوشة، لتكمل متسائلة:
-مين يعني "تميم سلطان"؟
أتاها صوته محذرًا من الأسفل:
-أنا سامعك على فكرة، فبلاش نغلط بدل ما أطلعلك!
انتفضت قافزة من مكانها في حرجٍ مضاعف، كادت فيه أن تفقد اتزان علبة الحلوى، متوقعة أن يقوم بشيء متهور، تجمدت للحظات وهي تنظر من فرجة الدرابزين، إلى أن تأكدت من ذهابه، حينئذ استقرت جالسة في مكانها، لتضع يدها على فمها تكتمه، وصوت بعقلها يردد في حيرة لا تخلو من شعورٍ بالمرح:
-هو إيه اللي عمله ده، أنا مالي اتكسفت كده ليه ....................................... ؟!!!
.............................................................