تحميل رواية «☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني)» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تنويه ... يتم نشر الفصول بالتتابع مع أجزاء الجزء الأول والتي توقفت عند الفصل الخامس والثلاثون قبل شهر رمضان المبارك كل عام وأنتم بخير الفصل السادس والثلاثون بنصف عينٍ تطلعت أمامها محاولة إجبار نفسها على الاستيقاظ بعد ليلة مرهقة ذهنيًا وعصبيًا لها، غلبها النعاس واستكانت لبرهة، استشعرت "خلود" سطوع النهار من خلال تلك الإضاءة الخافتة المتسللة من نافذة الغرفة الموصودة، تقلبت على جانبها الآخر ويدها قد امتدت لتتحسس الفراش، لم يكن دافئًا مما أوقظ إدراكها، وباتت واعية تقريبًا، فتحت عينيها على الأخير، تلف...
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الأول 1 - بقلم Manal Salem
تنويه ...
يتم نشر الفصول بالتتابع مع أجزاء الجزء الأول والتي توقفت عند الفصل الخامس والثلاثون قبل شهر رمضان المبارك
كل عام وأنتم بخير
الفصل السادس والثلاثون
بنصف عينٍ تطلعت أمامها محاولة إجبار نفسها على الاستيقاظ بعد ليلة مرهقة ذهنيًا وعصبيًا لها، غلبها النعاس واستكانت لبرهة، استشعرت "خلود" سطوع النهار من خلال تلك الإضاءة الخافتة المتسللة من نافذة الغرفة الموصودة، تقلبت على جانبها الآخر ويدها قد امتدت لتتحسس الفراش، لم يكن دافئًا مما أوقظ إدراكها، وباتت واعية تقريبًا، فتحت عينيها على الأخير، تلفتت حولها باحثة عن زوجها الذي على ما يبدو هجر فراشها، تساءلت مع نفسها:
-هو راح فين؟
بدا المكان ساكنًا من حولها، ظنت أنه ربما ذهب إلى عمله مُبكرًا، ولم يرغب في إيقاظها، اعتدلت في رقدتها واستدارت ناحية الكومود لتمسك بهاتفها المحمول حتى تنظر إلى الوقت، لكنها تفاجأت بوجود زجاجة الدواء التي قامت بتبديل أقراصها موضوعة عليه، انقبض قلبها في خوفٍ، وأحست برهبة موترة تجتاحها، مدت "خلود" يدها لتلتقطها، تفحصتها بعينين خائفتين، ابتلعت ريقها وتساءلت في توجسٍ:
-إيه دي؟ بتعمل إيه هنا؟
أحست بثقلٍ يجثم على صدرها، كما ازدحم عقلها بأفكار متواترة تشير إلى احتماليات مخيفة لم تحبذ التفكير بها لأنها ستحيل حياتها إلى جحيم، وجدت لسان حالها يلهج باسمه:
-"تميم"!
أزاحت الغطاء عنها، وهبطت عن الفراش لتفتش عنه في أرجاء المنزل لتتأكد من وجوده، توجهت ناحية الحمام، دقت على بابه قبل أن تفتحه، لم يكن متواجدًا بالداخل مما زاد من ريبتها، واصلت البحث عنه في كل غرف المنزل انتهاءً بالمطبخ، كان الاحتمال الأكبر أنه اتجه لعمله بالدكان، ظلت محتفظة بالزجاجة في يدها، ثم نظرت مطولاً إليها، وتساءلت، وكأنها :
-هو ساب الإزازة دي ليه هنا؟
....................................................
تردد في الذهاب إلى نفس الصيدلية التي يتعامل معها، خشي أن يكون هناك خطب ما في الدواء الذي بحوزته، لذا استقل سيارته واتجه إلى واحدة منزوية في مكانٍ بعيد عن منطقته، ترجل "تميم" من السيارة بعد أن صفها أمامها، تنحنح بصوته الخشن وهو يلج المكان، كان شبه هادئ، قليلٌ من الزبائن متواجدون به، اتجه نحو الزاوية وانتظر دوره .. ألقى نظرة عابرة على الرفوف الزجاجية المليئة بأصنافٍ مختلفة من الدواء وهو يقف مستندًا بقبضته على إحدى واجهات العرض المنخفضة، تحرك الصيدلي الذي انتهى من إحضار المكتوب في روشتة أحد المرضى نحوه لينظر له باهتمامٍ، بادر "تميم" مستهلاً حديثه:
-سلامو عليكم.
رد التحية برسمية بحتة:
-وعليكم السلام، اتفضل يا أستاذ.
أخرج "تميم" من جيبه القرص الذي غفلت "خلود" عن أخذه أو حتى تبديله ليضعه في كفه وهو يسأله بملامحه الجادة ونظراته الحائرة:
-لا مؤاخذة أنا كنت عاوز أسأل عن نوع برشام معين.
نظر الصيدلي إليه متسائلاً بهدوء:
-معاك اسمه؟
أجابه نافيًا وهو يفتح راحته ليريه إياه:
-لأ، مش معايا، بس شبه القرص ده!
تناوله منه وألقى نظرة متفحصة عليه، ألح عليه "تميم" بسؤاله:
-ها عرفته؟
مط فمه وقد بدا منشغلاً في تحديد ماهيته بالضبط، استدار خلفه ليفتح أحد الأدراج الرمادية، وأخرج منه علبة تحتوي على شرائط أدوية، فتحها والتقط واحدًا منهم ثم رفعه نصب عينيه، واستطرد بهدوءٍ مستريب:
-هو شبه الموجود في الشريط ده.
سأله بنفاذ صبر:
-أيوه، يعني عبارة عن إيه؟
أجابه بوجه جامد وقد انخفضت نبرته قليلاً:
-منشطات..
أصابه التخبط من الحقيقة الصادمة التي هبطت عليه كالصاعقة، اتسعت عيناه في ذهول وهو يغمغم بصوتٍ هامس:
-يخربيتك يا "خلود"! ودي هتعمل بيها إيه؟
سأله الصيدلي في اهتمامٍ:
-بتقول إيه يا أستاذ.
رد بصوته الأجش:
بسأل إن كنت متأكد من الكلام ده ولا آ.....
قاطعه موضحًا عن ثقة:
-يا فندم الحباية دي معروفة.
عبوسٍ واجم غطا قسمات وجهه، ورد بامتعاضٍ:
-ماشي.. متشكر.
حذره الصيدلي بجدية:
-خد بالك يا أستاذ، كتر الحاجات دي مش حلو عليك، يعني ليها تأثير و...
قاطعه بتحفزٍ، وهو ينذره بنظراته التي غامت:
-حد قالك إني خرع؟ ده مش بتاعي، وأنا مش محتاج للبرشام ده.
رد عليه بهدوء ليمتص غضبته قبل أن تندلع مستخدمًا يده في الإشارة:
-أنا قولتلك ما يملي عليا ضميري المهني، وإنت حر.
ظهرت العصبية في نبرته وهو يقول محتجًا على تلميحه الذي ينتقص من رجولته:
-بردك هايقولي بتاعي!!!
ثم ضرب بكفيه في تشنجٍ وهو يكمل:
-حاجة تجن العاقل، جاي اسأل على حاجة يلبسني تهمة.
أدرك الصيدلي أن الجدال معه لن يجدي، وربما قد يتهور ويُخرب في المكان جراء عصبيته، لذا قال مبتسمًا بنبرة عملية:
-أسف يا أستاذ، شرفتنا.
وأعاد وضع القرص أمامه على السطح الزجاجي ليلتقطه "تميم" ويدسه في جيبه قبل أن يخرج من المكان مبرطمًا بكلمات منزعجة.
....................................................................
بإجهادٍ واضح عليها وهي تجرجر ساقيها نحو باب المنزل الذي سمعت قرع جرسه قبل لحظاتٍ، خاصة وأنها أُنهكت في متابعة تنظيف المطبخ وغرف البيت ليلة أمس بمساعدة إحدى الخادمات، شهقت مصدومة حين أبصرت "محرز" واقفًا عند أعتاب الباب، تجمدت الدماء في عروقها، واندفعت نحو الخارج وجعلت بابها مواربًا حتى تتحدث معه، كزت على أسنانها تسأله في توترٍ خائف:
-إنت بتعمل إيه السعادي؟ الواد "هيثم" لسه جوا!
تباهى "محرز" في وقفته، وقال ببرودٍ، وكأن اكتشاف تواجده في تلك الساعة لا يعنيه:
-ما إنتي ما بترديش عليا، وموبايلك مقفول.
ردت بصوتها المتوتر وهي تتلفت حولها:
-تلاقيه فصل شحن، ما هو دايمًا بيعمل كده معايا.
غمز لها قائلاً بسماجة:
-ما تغيري العِدة يا خالتي!
حذرته بصوتها الخفيض ووجهها الذي احتلته تكشيرة عظيمة:
-بأقولك إيه الحكاية مش نقصاك، قول جاي في إيه بسرعة وخلصني.
دس يده في جيب سترته الجلدية ليخرج منها رزمة من النقود، مد ذراعه نحوها قائلاً بمكرٍ:
-ده نصيبك من التوريد إياه، شوفتي أنا حقاني إزاي.
اختطفت النقود من أصابعه ونظرت لهم بعينين طامعتين .. لسنوات كانت شريكة "محرز" السرية في سرقة "بدير" واختلاس الأموال والبضائع من خلال تجارتهما غير المعلومة، تربحت الكثير، وادعت فقرها لتستمر في مص دمائه واِكتناز الكثير .. رفعت وجهها إليه وسألته:
-كام دول؟
أجابها وهو يمسح على صدره:
-عشر بواكي يا خالتي.
ســال لعابها وقد شردت تحسب في عقلها إجمالي ما معها من نقود، راقب "محرز" ببسمة ساخرة نظراتها الطامعة، وسألها بتسليةٍ:
-قوليلي يا خالتي بقى معاكي كام؟ قفلتي الأرنب ولا لسه؟
رفعت كفها أمام وجهه لترد بحدةٍ:
-الله أكبر، هو أنا معايا حاجة، ده مصاريف البيت شافطة كله.
غمز بطرف عينه وهو يسخر منها:
-لأ ما هو واضح، الله يعينه الحاج "بدير"، مش ملاحق بردك.
خبأت النقود في حجابها المنزلي، واِربد وجهها بعلامات التجهم قبل أن تأمره بغلظة بالرغم من خفوت صوتها:
-يالا امشي قبل ما "هيثم" يشوفك.
هز رأسه ليقول ملوحًا بيده:
-ماشي.. هنياله!
راقبته "بثينة" حتى هبط الدرجات فعادت إلى الداخل، وأغلقت الباب بهدوءٍ، اشرأبت بعنقها وقد تسمرت للحظات في مكانها لتتأكد من عدم ملاحظة ابنها لما حدث، أرهفت السمع فالتقطت أذناها صوت انهمار المياه الخاصة بالدش، ابتسمت في انتشاءٍ، وســارت بخفة نحو غرفتها، وبحرصٍ مبالغ فيه أوصدت الباب بالمفتاح لتضمن عدم اقتحام "هيثم" للغرفة في غفلة منها .. اقتربت من الفراش وأزاحت حجابها ووضعت النقود على طرفه، ثم عند قائمته اليمنى الملاصقة للكومود أحنت جسدها لتزيح السجادة القديمة، استخدمت دبوسًا معدنيًا رفيعًا كانت تربط به شعرها في خلع إحدى البلاطات القديمة المتخلخلة، أمسكتها بعنايةٍ بيدها ووضعتها إلى جوار النقود على الفراش، ثم التقطت الرزمة ونظرت لها بوهجٍ متحمسٍ قبل أن تقبلها في سعادة، ضمتها إلى جوار مثيلاتها، و همست لنفسها وكأنها تتبادل الحديث مع أموالها:
-بكرة أروح أبدلكم بورق من أبو 200 جنية عشان ماتخدوش مكان!
وفي أقل من دقيقة، أعادت "بثينة" كل شيء إلى وضعه السابق لتبدو الغرفة على هيئتها القديمة .. اعتدلت في وقفتها، وجمعت حجابها الملقى بإهمالٍ على الأرضية لتستعد للخروج من الغرفة، وبقيت تلك الابتسامة المزهوة تغطي محياها.
..................................................................
خرجت من الحمام ورأسها يلتف بالمنشفة القطنية، سارت بخطواتٍ متهادية نحو التسريحة وجلست على المقعد أمامها، مدت يدها لتسحب علبة الكريم لتدلك به بشرتها، لم تنتبه لصوت فتح باب المنزل، التفتت "خلود" للخلف حين لمحت انعكاس وجهه القاتم في المرآة، لم تكن ملامحه طبيعية، ناهيك عن نظراته الغريبة المسلطة عليها، تعجبت من حضوره المبكر، وسألته باندهاش وقد انزوى ما بين حاجبيها:
-إنت متأخرتش برا يا حبيبي؟ ولا نازل تاني؟
باغتها "تميم" متسائلاً دون تمهيدٍ:
-قولتيلي البرشام ده بتاع إيه يا "خلود"؟
تجمدت في مكانها مصدومة من سؤاله المباشر، أحست برجفة تنتاب جسدها، وكأن دلوًا من الماء المثلج هبط فوق رأسها ليشل تفكيرها ويشوش ذهنها .. حاولت التماسك وبذلت مجهودًا كبيرًا لفعل هذا حتى لا ينكشف ملعوبها الحقير في جذبه للفراش تحت تأثير ذاك الدواء، لعقت شفتيها وأجابته بابتسامة باهتة وبصوتٍ مرتبك:
-فـ.. فيتامينات.
تقدم نحوها بوجهه الذي اِربد بغضبه المُلبك للأبدان، وأعاد تكرار السؤال عليها كما لو كان يحقق معها:
-إنتي متأكدة؟
بلعت ريقها، وجاهدت لتظل ابتسامتها المزيفة مرسومة على شفتيها حين ردت:
-أيوه يا حبيبي...
ثم أدارت رأسها في اتجاهه، وتابعت بقليلٍ من الثقة:
-دي ماما متعودة تجبهولي وآ...
قاطعها بنظراته الذكية المتشككة في أقوالها:
-بس الدكتور اللي في الصيدلية قالي غير كده!
هربت الدماء من عروقها، ورددت بصوتٍ متقطع في صدمة:
-د... دكتور مين ده؟
طوقت أصابعه معصمها ليشدها منه ويجبرها على النهوض، جذبها بعنفٍ محسوسٍ نحوه متابعًا باقي جملته، ونظراته النارية مرتكزة على عينيها المذعورتين:
-قالي دي لا مؤاخذة كده منشطات، وللرجالة!!!
هوى قلبها بين قدميها ارتعابًا، تطلعت عليه بعينين شاخصتين، أحست بأن نهايتها قد أوشكت، تجمدت الكلمات على طرف لسانها وهي تعتصر عقلها اعتصارًا لتختلق أي أكذوبة تنجدها من شره المستطير. هزها "تميم" بقسوة وهو يسألها بما يشبه التهكم:
-ما هو أكيد المنشطات دي مش ليكي يا "خلود"؟
تشنجت خوفًا من عدائيته الواضحة، وردت بتلعثمٍ مذعور:
-أنا.. كنت
استغربت من توجه تفكيره للظن بتعاطيها لتلك النوعية من الأدوية، لكنه صدمها بسؤالٍ كان وقعه عليها كمن لامس بدنه تيارًا كهربيًا شديد القوة:
-ولا دي ليا وأنا مش عارف؟
ألجمت الصدمة الممتزجة بالخوف لسانها، نظرت له في هلعٍ، بينما تابع هزه القاسي لها وهو يصرخ بها:
-انطقي.. سكتي ليه؟
ردت بصعوبةٍ، وعيناها تهربان من نظراته التي تكشفها:
-إنت.. فاهم غلط.
أرخى قبضته عن يدها التي اصطبغ جلدها بحمرة شديدة من ضغط أصابعه عليها، لوح بذراعيه في الهواء مكملاً صياحه الهادر بها ليستنطقها:
-طيب فهميني إنتي الصح بدل ما أنا واقف زي القرطاس كده قصادك.
برق عقلها بفكرة جهنمية، وكأن شيطانها يعمل بكامل طاقته لتطويع الأمور لصالحها، استجمعت جأشها لتدعي كذبًا:
-ده.. بتاع.. "هيثم".
ارتسمت أمارات الاستغراب المستنكر على وجهه وهو يقول في حيرة:
-"هيثم؟ وبيعمل إيه عندك؟
تنفست الصعداء حين رأت خدعتها تنطلي عليه، وتابعت مسترسلة في كذب:
-دي.. ماما لاقته عنده في الأوضة.. أيام المشكلة إياها مع البت خطيبته.. خافت يكون بيتعاطى حاجة، فقالتلي أعينه هنا.
نظر لها في شكٍ قبل أن يعقب متسائلاً:
-لا والله! طب وهي مرمتهوش في الزبالة ليه؟
تصنعت العبوس، وجاوبته بضيقٍ لتزعزع شكوكه نحوها، وكأنها ليست الملامة في تلك المسألة الخطيرة:
-معرفش.. اسألها.
علق بلهجة جادة أخافتها:
-ما أنا لازم هسألها.
تماسكت أكثر بعد تحويل دفة الأمور نحو والدتها، وأضافت بما يشبه الرجاء:
-ماتنساش يا "تميم" إن "هيثم" ده أخويا، وأنا خايفة عليه.. فمافيش داعي تكبر المسألة.
سدد لها نظرة غائمة وهو يقول بصوته المحتقن:
-وماله.. حقك، بس بتكدبي عليا ليه؟
ارتفع حاجباها للأعلى في توترٍ، بينما أكمل بتشنجٍ والاتهامات التي تدينها تتصاعد في عينيه:
-لأ وتقومي تتسحبي في نص الليل زي الحرامية عشان تبدلي الدوا، أل يعني مكفراني نايم على وداني، مش دريان بحاجة.
هتفت تلومه ومبررة تصرفها:
-خوفت تعمل مشكلة تانية معاه، ولا حتى تضربه، واحنا مصدقنا حاله ينصلح.
هدر في تهكمٍ ساخط:
-يا سلام على الطيبة!!
ارتخت أعصابها المشدودة قليلاً، شعرت أن الكفة رجحت مجددًا لصالحها مما أكسبها المزيد من الثقة، وردت بصوتها الذي غلفه الضيق لتبدو مقنعة في غضبها منه:
-إنت عارف احنا كلنا يهمنا مصلحته، أكيد مش هابقى عاوزة أضر أخويا، وإنت لو مكاني هتعمل اللي تحافظ بيه على أهل بيتك، ما تلومنيش لما أحاول أحميه.
نظر لها مطولاً بغموضٍ، لم تعرف إن كانت نظراته النافذة نحوها جعلته يصدقها أم لا، وباقتضابٍ قال لها:
-ماشي يا "خلود".
خشيت من تبعات ردة فعله غير المتوقعة، فالأمر تلك المرة اتخذ منحنًا آخرًا لم تُرتب له جيدًا، وكما عهدته لم يكن ليمرر تلك المسألة دون تحقق متعمق فيها، لهذا سألته وقد ضاقت عيناها:
-إنت مش مصدقني؟
أومأ برأسه قائلاً:
-هنشوف.
نظرت في عينيه قائلة بثبات:
-اطلب أمي لو عاوز تتأكد، وهتعرف منها الحقيقة..
ثم وضعت يديها على ذراعيه، ضغطت برفقٍ على عضلاته، وأسبلت عينيها نحوه، تنهدت ببطءٍ لتعاود تسول عواطفه وهي تهتف:
-"تميم"، أنا بأحبك ومقدرش أبعد عنك، نفسي نرجع زي أول جوازنا، الحياة بينا كانت أحسن من دلوقتي، كفاية تعذب فيا.
ولتظهر شغفها به طوقت جسده بذراعيها ليشعر بها عليه، وارتمت برأسها على صدره هامسة له بحرارةٍ:
-أنا محتاجة حضنك أوي.
نبذها عنه قائلاً بجمودٍ، والجفاء يظهر في نظراته نحوها:
-مش وقته.
أنقذه من دلالها غير المستساغ رنين هاتفه المحمول، أجاب على اتصال والده به قائلاً بزفيرٍ متعب:
-أيوه يابا، لأ أنا جاي على طول، كان ورايا مصلحة كده، تمام، مش هتأخر.
أنهى المكالمة معه، ونظر لها ليقول وهو يشير بسبابته:
-هنتكلم أما نرجع.
رسمت بسمة ناعمة على شفتيها حين ردت:
-حاضر يا حبيبي.
تبعته في خطواته متسائلة:
-عاوزني أطبخلك إيه على الغدا؟
رد بتجهمٍ:
-هاكل مع الرجالة، عندنا شغل كتير.
دعت له من خلفه، وتلك البسمة المتكلفة تزين محياها:
-ربنا يقويك يا حبيبي، أدها وإدود.
ظلت تسمعه بكلماتها المحفوظة عن ظهر قلب والتي تشد بها من أزره إلى أن خرج من المنزل وأغلق الباب ورائه، اندفعت عائدة إلى غرفة النوم بخطواتٍ أقرب للركض، أمسكت بهاتفها المحمول واتصلت بأحدهم، وضعت الهاتف على أذنها وصاحت بأنفاس مضطربة ودون مقدمات حين سمعت صوت والدتها:
-أيوه يامه، في مصيبة حصلت!!!!
.....................................................................
ألقت نظرة أخيرة مدققة على حقيبة ظهرها التي ملأتها بما تحتاج إليه من أدوات لتستخدمها في وظيفتها الجديدة مع رفيقتها "علا" التي عرضت عليها العمل معها في محل تغليف الهدايا الذي تديره في وقت فراغها، لم ترفض "فيروزة" عرضها، كانت بحاجة ماسة للنقود لتسدد الالتزامات الملاقاة على كاهلها .. رأتها والدتها فأقبلت عليها تسألها باهتمامٍ:
-مش هتفطري برضوه يا "فيروزة"؟
أجابت نافية وهي تشد السحاب لتغلقها:
-لأ يا ماما، ورايا كام مشوار كده هاخلصهم، وبعدين عاوزة ألحق أروح لـ "علا" عشان نجهز ديكورات السبوع، يدوب الوقت يكفي بحيث نسلمها قبل العصر.
ربتت على كتفها، وقالت كنوعٍ من الدعم لها:
-ربنا معاكو يا بنتي ويكرمكم.
ابتسمت تقول في تعبٍ:
-اه يا ماما إدعيلي، لو الشغل بتاعنا ده ظبط هنتشهر أوي، الحاجات دي بتاكل مع الناس.
ردت بحنو أمومي:
-أنا بأدعيلك من غير ما توصيني يا "فيروزة".
حركت رأسها في استحسانٍ، وعلقت حقيبتها على كتفها استعدادًا للذهاب، استوقفتها "آمنة" متسائلة:
-قوليلي، لسه زعلانة من أختك؟
تنفست بعمقٍ لتثبط ما يعتريها من مشاعرٍ مستاءة، وردت بوجومٍ:
-هي حرة، وأدرى بمصلحتها عني.
مسحت أمها برفق على ذراعها، وقالت لها بنظراتٍ متوسلة:
-إنتو بقالكو كتير متخاصمين، وهي مضايقة إنك واخدة جمب منها، وده آ....
قاطعتها بحدة ملحوظة:
-ولا واخدة جمب ولا حاجة، كل الحكاية إني ماليش دعوة بأي حاجة تخص الجوازة دي.
رجتها بغصة عالقة في حلقها:
-يا بنتي إنتي بس لو تسمعيها، تفهمي هي عملت كده ليه.
قالت بحسمٍ لتنهي النقاش في تلك المسألة:
-سمعت اللي أنا عاوزاه خلاص، كلامي مالوش لازمة معاها، ولا هيقدم ولا هيأخر، ويالا عشان اتأخرت على "علا".
تحركت في اتجاه باب المنزل، لكن اعترضت "همسة" طريقها، واستطرد تقول وعبراتها الرقراقة تحتجز في حدقتيها:
-"فيرو"، أنا ...
لم تنظر نحوها، بل تعمدت تجاهلها بقساوة اكتسابها نحوها بعد موقفها الأخير الذي أحرجها وأخذلها، تجاوزتها قائلة ببرود:
-سلام يا ماما.
تنهدت "همسة" في إحباطٍ حزين وهي تراها تخرج من المنزل صافقة الباب بقوةٍ خلفها، التفتت ناظرة إلى والدتها، وهتفت بصوت مليء بالشجن وقد انسابت دموعها:
-برضوه دماغها ناشفة، هي بس لو تديني فرصة أشرحلها أسبابي.
هونت عليها والدتها من الأمر، وعلقت بنبرة مواسية:
-معلش يا حبيبتي، يومين وهتهدى، وكل حاجة هترجع زي ما كان.
ردت بيأسٍ:
-يا ماما ده احنا داخلين في أكتر من أسبوعين من ساعة اللي حصل، وبرضوه هي مقطعاني، حتى معدتش بتنام معايا، وأنا قلبي واجعني أوي، احنا عمرنا ما اتخصمنا كل المدة دي
علقت عليها بنبرة مليئة بالعشم:
-هتكلم معاها تاني، وربك يهديها، ويصفي النفوس.
تحت طائلة من الضغوطات المتصاعدة التي استنزفت طاقاتها بالكامل وافقت "همسة" على عرض الزواج المتكرر لتنهي صراعها النفسي، لا أحد يشعر بذاك الخوف العظيم الذي ينتابها كلما اختلت بنفسها وتذكرت كلمات "بثينة" القاتلة لإحساس الأمومة الغريزي في أي فتاة.. افتقرت إلى الشجاعة لتوافق آنذاك على القيام بالتحليل الذي يثبت صحة ادعائها من عدمه.. خافت من الحقيقة التي يمكن أن تصدمها إن صدق قولها وكانت امرأة عقيم، رفضت ارتعابًا مما يمكن أن يصيبها جراء المعرفة التي ربما ستوصمها للأبد، سيطر عليها ضعفها وخوفها من المواجهة لتترك تلك المسألة المصيرية في طيات الغيب، ارتضت بـ "هيثم" عن طيب خاطر، فبالرغم من كل العقبات التي واجهها إلا أنه ما زال متمسكًا بها، يحبها بجنون، ويُريدها كزوجة ولن يتراجع عن رغبته بها.
........................................................................
لفت شرائط الزينة حول العلبة الكرتونية التي انتهت من تغليفها لتضعها على الجانب، مدت يدها لتمسك بالورقة الصغيرة وترفعها أمام عينيها لتراجع مهامها المتبقية، اتجهت نظرات "فيروزة" نحو الباب الزجاجي الذي فتح للتو، ابتسامة صغيرة تكونت على شفتيها وقد أطلت "علا" بوجهها البشوش عليها .. نظرت إلى ما تحمله يداها من أكياسٍ ممتلئة، أسندتها على الطاولة وألقت بثقل جسدها على مقعدها، سألتها الأولى مستوضحة:
-ها لاقيتي ورق السلوفان؟
أجابتها بعد زفير طويل:
-أيوه، ده بعد دوخة، لاقيته في الآخر عند المكتبة النوعية.
ردت وهي توزع نظراتها بينها وبين الأكياس الورقية التي تقوم بوضع الحلوى بها:
-أنا من الأول قولتلك روحي هناك، هما عندهم كل حاجة.
وافقتها الرأي، وقالت:
-معاكي حق، بعد كده اللي هايبقى ناقص عندنا هنشوفه هناك على طول بدل اللفة الطويلة.
التقطت "علا" أنفاسها ونهضت من مقعدها لتتجه إلى رفيقتها، وقفت قبالتها وسألتها:
-ها.. قوليلي، أساعدك في إيه؟
ابتسمت تجيبها موضحة من تلقاء نفسها:
-أنا خلاص قفلت هدايا عيد الميلاد بتاع البنوتة "سما"، وبأجهز دلوقتي في شنط السبوع، حطيت البونبونيرات بعد ما قفلتها، ولزقت الكروت، والشيكولاته ظبطتها، وآ...
قاطعتها في انبهارٍ:
-ماشاءالله عليكي، بتنجزي بسرعة.
ردت بتفاخرٍ، وعيناها تلمعان في فرحٍ:
-طبعًا، هو أنا جاية أهزر، أنا أستاذة في تقفيل الحاجة.
مدحتها "علا" قائلة:
-لأ برافو عليكي، أنا بأخد وقت طويل، وبصراحة إنتي مظبطة كل حاجة.
قالت "فيروزة" مجاملة دون أن تفتر ابتسامتها:
-حبيبتي، تسلميلي.
انتبهت كلتاهما لذاك الشخص الذي ولج لتوه للمحل، هللت "علا" في سعادة غريبة:
-مش معقول، شوفي مين جاي عندنا!
رفعت "فيروزة" أنظارها نحو "آسر" الذي صدمها بحضوره، رسم تلك الابتسامة اللبقة على ثغره، واستطرد يقول وهو يحمل باقة ضخمة من الورد الأبيض الملفوف بغطاءٍ بلاستيكي شفاف:
-صباح الورد عليكم.
على الفور ردت "علا" بمرحٍ زائد:
-صباحك جميل.
أضاف بلطافةٍ:
-الورد للورد.
تناولت "علا" الباقة منه بحذرٍ، وشكرته بابتسامتها الرقيقة:
-ميرسي أوي.
كان الوقت قد قارب الظهيرة تقريبًا، ولم تحبذ "فيروزة" الاستئذان مبكرًا بحجة كاذبة وإلا لبدا الأمر مكشوفًا لكونها لا تحبذ أسلوب "آسر" التطفلي في فرض شخصه عليها، أولته ظهرها وادعت انشغالها بتغليف إحدى الهدايا، عله لا يبادر بالحديث معها .. اقتربت منه "علا"، ورددت برقةٍ:
-أنا مش مصدقة، دي أول مرة تشرفني هنا يا "آسر".
تنحنح بصوتٍ خفيض، وعلق عليها:
-مبروك على المحل يا "علا"، أنا أسف، هي متأخرة شوية، بس كان لازم أجي بنفسي وأباركلك.
هتفت في حبورٍ:
-الله يبارك فيك.
ثم اتجهت إلى مكتبها الذي يحتل الركن الخلفي من المحل ووضعت الباقة عليه ريثما توضب لها مكانًا آخرًا يظهر اهتمامها بها، استدارت تشكره مجددًا:
-الورد شيك أوي.
قال وعيناه تتجولان على ظهر "فيروزة" علها تستدير وتنظر إليه:
-دي حاجة بسيطة، ويا رب ذوقي يعجبك.
تنهدت قبل أن تثني على هديته:
-تحفة يا "آسر"، عندك استايل في الهدايا مختلف.
-ماشي.. مقبولة منك يا "آسر".
حين لاحظ تجاهلها لها، تنحنح الأخير متسائلاً عن قصد:
-إزيك يا آنسة "فيروزة"؟
أجابت وهي تنظر له بطرف عينها:
-الحمدلله.
دنا منها متسائلاً باهتمام:
-وأخبار أختك إيه؟
أجابته باقتضابٍ موجز، وتلك النظرة المنزعجة تكسو عيناها:
-تمام.. بقت أحسن.
تساءلت "علا" بتهذيبٍ وقد تحركت من مكانها لتصبح قريبة منه:
-قولي يا "آسر" عاوز تشرب إيه؟
التفت برأسه نحوها، ورد مبتسمًا:
-لو قهوة يبقى تمام.
عضت على شفتها السفلى، وقالت بحرجٍ وتعبيرات وجهها توحي بخجلها:
-أوبس.. احنا معندناش قهوة.
علق دون تكليف:
-خلاص مش مشكلة يا "علا".
اقترحت عليه بعد تفكيرٍ سريع:
-بص في محل قريب بيعمل كابتشينو حلو، هاطلب أوردر بسرعة وأرجعلك على طول.
اعترض بلباقةٍ:
-ماتتعبيش نفسك يا "علا".
أصرت عليه بحماسٍ:
-لأ إزاي، دي أول مرة تشرفني هنا، أنا أصلاً مش مصدقة إنك موجود..
اتجهت بخطواتٍ شبه متعجلة نحو باب محلها، والتفتت نحوه ترجوه بدلالٍ مستحب:
-اوعى تمشي، بجد هزعل.
هز رأسه موافقًا وهو يرد:
-حاضر.
خرجت من المحل قاصدة المطعم القريب لتأتي بمشروبات ساخنة لثلاثتهم .. شعر "آسر" بالرضا، فقد بدت الفرصة سانحة لتبادل الحديث الودي مع "فيروزة" التي اتخذت الصمت سبيلها خلال تواجده، طرق بأصابعه على الطاولة مرددًا بصوتٍ شبه مرتفع ليثير انتباهها:
-لطيفة "علا".
لم تعلق عليه، واكتفت بتحريك رأسها بإيماءة خفيفة، سألها بتهذيبٍ:
-محتاجة مساعدة؟
رفضت بجمودٍ:
-شكرًا.
لاحقها "آسر" بنظراتها للحظاتٍ قبل أن يدنو أكثر منها لتشعر باقترابه الذي يزعجها، زفرت في ضيقٍ، وظهرت علامات التبرم على محياها، لم تملك من الصبر ما يجبرها على تحمله، لذا استدارت كليًا نحوه وأشارت بيدها الممسكة بمسدس الشمع الساخن:
-إنت ممكن تستريح لحد ما "علا" ترجع.
أسبل نظراته نحوها، وغمغم بابتسامة مرسومة بعناية:
-أكدب عليكي لو قولتلك إن جاي مخصوص عشانك.
لم تطق "فيروزة" ابتساماته السخيفة، ولا تعليقه الأخير، قطبت جبينها متسائلة بوجومٍ مستنكر:
-أفندم، مش فاهمة؟!
تابع موضحًا، وعيناه تتأملان تعبيراتها:
-يعني أنا هسافر بكرة، ورايا شغل ضروري أخلصه، وحبيت أسلم عليكي قبل ما أمشي، أصلي حابب إن الناس اللي بأعزهم يكونوا آخر حد أشوفهم.
فهمت تلميحه المتواري خلف تلك الكلمات المرتبة، تقلص وجهها وردت بحدة طفيفة قاصدة إحراجه:
-أستاذ "آسر" متزعلش مني لو قولتلك إنه مش فارق معايا اللي بتقوله ده.
بدا ردها فظًا ومخالفًا لما توقعه حين يبدي اهتمامه بها، تنحنح معتذرًا منها:
-احم... أنا أسف لو ضايقتك.
قالت ببرودٍ، وكأن اعتذاره لا يعنيها من الأساس:
-إنت حر في حياتك، ده شيء مايخصنيش.
حاولت تبرير اهتمامه، وهتف بتلعثمٍ:
-أنا بس كنت حابب يعني آ....
قاطعته بنبرة جافية ونظراتها الممتعضة مرتكزة عليه:
-يا أستاذ "آسر"، أنا واحدة دوغري ماليش في أي حوارات، فيا ريت توفر على نفسك أي كلام هتقوله.
ابتلع ريقه، ونكس رأسه قائلاً:
-أنا.. بأجدد اعتذاري منك..
تجاهلت التعليق عليه ورمقته بنظرة جليدية جافة، وجد "آسر" نفسه في موقفٍ حرج، تراجع مبتعدًا عنها وادعى تطلعه إلى الهدايا المعلقة على الأرفف .. ومع ذلك لا ينكر اهتمامه بتلك الحالة المتفردة والمناقضة للمعهود من الفتيات التي التقى بهن، استحوذت على تفكيره بالرغم من أسلوبها الجاف، عادت "علا" من الخارج، وهتفت متسائلة بصوتٍ شبه لاهث ووجه مشرق:
-اتأخرت عليكم؟
ردت "فيروزة" نافية وبابتسامةٍ سخيفة للغاية:
-لأ جيتي في وقتك يا "علا"، الأستاذ "آسر" كان يدوب هيمشي.
تحولت أنظارها نحوه، وسألته بعبوسٍ احتل قسماتها:
-إزاي؟ إنت لحقت؟ ده أنا قولتلهم يبعتوا الأوردر على هنا، تعالى نتكلم شوية.
نظر إلى "فيروزة" بضيقٍ قبل أن يرد متصنعًا الابتسام، وكأنه يتحدى بموافقته فظاظتها معه:
-عشان خاطرك بس يا "علا"، أنا مش هامشي.
رمقته "فيروزة" بنظرة باردة منزعجة قبل أن تشيح بعينيها بعيدًا عنه، هزت رأسها في سأم لتغمغم مع نفسها بكلماتٍ متبرمة تعبر عن استيائها:
-الحكاية مش نقصاك ..................................... !!!
....................................................................
يتبع>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الثاني 2 - بقلم Manal Salem
بناءً على رغبة القراء .. الفصل الجديد
قراءة ممتعة
الفصل السابع والثلاثون
زحــامٌ لا يطاق سيطر على الأزقة الضيقة والطرقات المؤدية إلى الدكان في ساعة الظهيرة مع ارتفاع درجة الحرارة نسبيًا، كذلك احتلت ناصية الشارع شاحنة ضخمة لتفرغ البضائع التي أتت بها، انهمك العمال في حمل الأقفاص ونقل الخضر والفاكهة إلى مكان تخزينها بالدكان، بينما تحرك "تميم" في اتجاه "محرز" الذي كان يقف على رأس العمال ليتابعهم، سأله الأول بصوتٍ مجهد:
-دي النقلة الكام كده؟
أجابه بوجه متعرق:
-الخامسة يا "تميم".
زفر قائلاً في تعب:
-كده مش فاضل غير نقلتين كمان ويبقى قفلنا التوريد، مظبوط؟
هز رأسه معقبًا:
-أيوه.
سأله "تميم" بجديةٍ ظاهرة على قسماته:
-الفواتير استلمتها؟ لو معاك هاتها، عاوز أرجعها.
تردد للحظة في إعطائها له، فهناك حمولة زائدة تخصه جاءت ضمن المنقول، وليست مسجلة في الأوراق، وربما إن قام بالمراجعة لاكتشف أمرهم، ابتسم "محرز" ليخفي توتره، وقال:
-حاضر يا أبو نسب، أخلص بس دول وهاشوفهم.
تعقدت تعابيره متسائلاً في استغراب:
-ليه؟ هما مش معاك؟
أجاب بنفاذ صبر:
-هما موجودين جوا، بس إنت شايف الشغل الكتير و..
أنجده من افتضاح أمره رنين هاتفه، ادعى بحثه عنه وتابع:
-هاشوف مين بيتصل.
التوى ثغر "تميم" في امتعاضٍ من سماجته ومماطلته، تلفت حوله ليتابع حركة العمال البطيئة، هدر بهم بضيقٍ:
-يالا يا رجالة، مش هانقضي اليوم كله في الكام قفص دول.
هتف "محرز" فجـــأة وقد تبدلت تعابيره للقلق:
-جاي على طول يا "هاجر"، هو واقف جمبي، إنتي بس متتحركيش.
انتبه له "تميم"، وسأله:
-في إيه؟
أجابه وتلك الربكة قد سيطرت عليه:
-"هاجر" بتولد، وأنا رايحلها.
ربت على كتفه قائلاً:
-الحقها، وأنا هاجيب أمي وأحصلكم على المستشفى.
رد عليه مؤكدًا:
-متتأخرش بالله عليك، لأحسن دي موصياني.
علق مبتسمًا:
-يا عم دي أختي، هي حد غريب؟ كفاية رغي وروحلها
-على طول، كملها بالخير معاها يا رب.
هتف "محرز" بتلك الكلمات وهو يهرول ركضًا نحو سيارته ليستقلها، بين اتجه "تميم" عائدًا إلى والده ليطلعه بأمر شقيقته –وكذلك والدته- ليصطحبهما لاحقًا إلى المشفى بينما يتابع هو استكمال الأعمال الناقصة.
...................................................................................
زغرودة تبعتها بأخرى أكثر حماسة وسعادة لتملأ جنبات الغرفة بصوتها المهلل تعبيرًا عن ابتهاجها بولادة حفيدها الأول، اضطرت "ونيسة" مرغمة أن تتوقف عن ذلك بناءً على الاعتراض الجدي من إدارة المشفى لأجل توفير الهدوء للمرضى، غطت علامات الفرحة أوجه كل المتواجدين، ورغم أنين "هاجر" الخافت إلا أن فرحتها كانت لا توصف، فاليوم قد وضعت رضيعها، أدارت رأسها للجانب لتحدق في فراش المولود الملاصق لفراشها، مسحت والدتها على جبهتها بيدها، وانحنت عليها تقول:
-حمدلله على سلامتك يا قلب أمك.
تساءلت "هاجر" بصوتٍ واهن:
-وابني؟
أجابتها بفرحة تغمر صوتها ونظراتها نحوه:
-بخير يا حبيبتي، أهوو جمبك نايم زي الملاك، ربنا يحفظه من العين.
هلل "محرز" صائحًا ببهجة عارمة:
-الحمدلله ربنا رزقنا بأول حفيد للعيلة...
ثم دنا من حماه وأضاف بلؤمٍ ماكر:
-وبعد إذنك يا حاج "بدير" أنا ناوي أسميه "سلطان" عشان تحل البركة علينا.
ربت الأخير على كتفه مرحبًا:
-وماله يا ابني، ونقوط "سلطان" الصغير جاهزة.
هتفت "ونيسة" من خلفه معقبة:
-ده غير أحلى ليلة وسبوع هيتعمله، ده أول فرحتنا، بس تقوم أمه بالسلامة إن شاء الله.
اتسعت ابتسامة "محرز" المنتشية، وقال بامتنانٍ:
-ده ابنكم قبل ما يكون ابني.
بالطبع كان مترقبًا على أحر من الجمر لتلك اللحظات حتى يحصل على جزءًا آخرًا من تلك الثروة التي لا تنضب، يحتاج لملء جيوبه بالمزيد من الأموال، وإن كان بالتملق والتدليس، المهم ألا يخرج فارغ الأيدي.
.......................................................
لم تترك لها الخيار سوى الذهاب إليها، وإجبارها على الحديث معها في مقر عملها، فإن كانت ترفض مواجهتها وتتجنبها، وكأنها غير موجودة، فهي لن تستسلم وترتضي بعزوفها عنها، لن تترك الأمور معلقة بينهما هكذا، ستدفعها للإصغاء إليها وتقبل وجهة نظرها، تشجعت "همسة" واتجهت إلى محل الهدايا الذي تعمل به توأمتها، سحبت نفسًا عميقًا لفظته دفعة واحدة قبل أن تلج لداخل المكان، ألقت نظرة مترددة على من فيه، شعرت بقليل من الارتياح لعدم وجود زبائن فيه، ستكون على أريحيتها، التفتت برأسها للجانب حين نادتها "علا" بترحيب ودود:
-مش معقول، "همسة"! إيه المفاجأة الحلوة دي؟!
ابتسمت برقةٍ وهي تسألها مجاملة:
-إزيك يا "علا"؟
أجابتها بحيويةٍ وقد امتدت يدها لتصافحها:
-أنا تمام ..
ثم أحنت رأسها عليها لتقبلها من وجنتيها قبل أن تتراجع "همسة" لتقول ونظراتها تتجه ناحية شقيقتها:
-مش هاعطلكم كتير، أنا كنت جاية لـ "فيروزة".
هزت "علا" رأسها في تفهم، كانت على علم مسبق بالخلاف بينهما، دعتها للبقاء قائلة بلباقةٍ ومن تلقاء نفسها:
-تعالي يا "هموسة"، ده محلك، كده كده أنا طالعة أسلم أوردرات، خدوا راحتكم.
شكرتها بنظراتها الممتنة، وترقبت انصرافها لتبادر ممهدة للحديث بينهما:
-لسه برضوه زعلانة مني؟
تجهمت تعابير "فيروزة"، ورمقتها بنظرة حادة قبل أن تدمدم في ضيقٍ:
-جاية ليه؟
ابتلعت ريقها وردت:
-عاوزة أتكلم معاكي.
هتفت ببرودٍ، وكأنها تطردها:
-وده مش مكان للكلام، أنا ورايا شغل كتير.
وبالرغم من أسلوبها القاسي المليء بالجفاء إلا أنها تفهمت موقفها نحوها، وقالت بإصرارٍ رافضة الاستسلام:
-مش هامشي يا "فيرو"!
ضاقت عينا "فيروزة" بانزعاجٍ واضح، بينما تابعت "همسة" موضحة:
-ما هو أنا مش عارفة أتلم عليكي في أي مكان، وإنتي مش مدياني فرصة أشرحلك حاجة، وآ....
قاطعتها بحدةٍ لتغلق سبل الحوار معها:
-إنتي حرة في اختياراتك، أنا ماليش دعوة بيكي.
اعتذرت منها "همسة" برأسٍ منكس قليلاً، وعينين حزينتين:
-أنا أسفة يا "فيروزة" .. حقك عليا ...
سددت لها نظرات غاضبة، وأطبقت على شفتيها مانعة نفسها من الكلام، في حين أكملت "همسة" بنفس الوتيرة الهادئة، وتنهيداتها تسبقها:
-أنا مقصدش أحرجك قصادهم، بس فعلاً أنا عاوزة أكمل حياتي مع "هيثم" واتجوزه.. هو بني آدم كويس وبيحبني.
انفجرت صارخة فيها علها تفيق من الأوهام التي تظن أنها تملأ رأسها الفارغ:
-ده مش مناسب ليكي، إنتي تستاهلي الأحسن منه، إيه اللي يربطك بواحد زي ده؟ عشان كلام اتقال من أمه الحقودة ولا أخته الغلاوية؟
اعترفت لها بصدقٍ، ودون ادعاء:
-أنا بأحب "هيثم" زي ما هو بيحبني، دي الحقيقة.
ردت ساخرة منها:
-بتحبيه؟ على إيه بالظبط؟ إيه المميز فيه يخليكي تحبيه؟
أجابتها ببساطة:
-متمسك بيا رغم اللي حصل.
يأست "فيروزة" من محاولاتها الفاشلة لإزالة تلك الغشاوة التي تحجب الحقيقة عنها، وهتفت ترد بإحباطٍ ظاهر على ملامحها، وأيضًا ملموس في نبرتها:
-بصي أنا تعبت من الكلام في الحكاية دي، اعملي اللي إنتي عاوزاه، ميخصنيش.
ثم أولتها ظهرها لتكمل عملها في تغليف علبة الهدايا، ورغم الحزن البادي على وجه "همسة" من جمودها معها، إلا أنها تقدمت نحوها، وضعت يدها على ذراعها، وقالت بما يشبه الرجاء:
-أنا عاوزاكي جمبي زي زمان، احنا روح واحدة وآ...
هتفت مقاطعة جملتها المستجدية لمشاعر الأخوة:
-"همسة" أنا ورايا شغل، مش فاضية.
لم تجد الأخيرة بدًا من النقاش معها، ومع ذلك امتدت ذراعاها لتحتضنها من الخلف، أسندت "همسة" رأسها على كتف توأمتها، وأخفضت صوتها قائلة لها بصدقٍ:
-حقك عليك يا "فيرو"، مسمحاكي مهما زعلتي مني، وبأحبك على فكرة أوي.
اقشعر بدنها من كلماتها العفوية، كانت تفتقد إلى حضنها كثيرًا بالرغم من القساوة التي تدعيها، أدارت رأسها نحوها وردت بصوتٍ شبه مهتز محاولة إخفاء تأثرها:
-ممكن تسيبني أكمل شغلي.
أرخت ذراعيها عنها، وتنهدت قائلة:
-حاضر، بس هستناكي نتغدى سوا لما ترجعي البيت.. مش هاكل غير وإنتي معايا، ماشي؟
وقبل أن تعلق بالرفض انسحبت "همسة" من المحل تودعها:
-أشوفك على خير.
نظرت "فيروزة" مطولاً وبعينين مشفقتين نحو الباب الذي خرجت منه توأمتها وقد تهدل كتفاها، ثم نفخت مرددة باستياءٍ، وكأنها تبوح بمشاعرها المخبأة علنًا:
-أنا خايفة عليكي يا "همسة"، وزعلني منك عشان ترجعي عن اللي في راسك.
...............................................................
بنظراتٍ ماكرة ووجه تحتله أمارات الخبث أصغت "بثينة" –التي جاءت لزيارة ابنتها بعد بضعة أيامٍ- للتطورات الحادثة بين ابنتها وزوجها بعد الحادثة الأخيرة التي كادت تكشف مخططتهما اللئيم في استنزاف رجولته بالأدوية المنشطة .. اشتكت "خلود" لوالدتها من حالة الجفاء السائدة بينهما، وهجر "تميم" للفراش بشكلٍ أصابها بالخوف والحنق لليالٍ متواصلة. احترقت شوقًا لأحضانه، كما تلهفت بجنون لحبه النابع منه وليس بمفعول الدواء الذي يثير غرائزه، اغرورقت عيناها بالدمعات الكثيفة، وهتفت متسائلة في حيرة، والحزن العميق يخيم على قلبها:
-يامه ده مش عاوز يقرب مني من ساعة اللي حصل، وبينام في الأوضة التانية، وأنا هاموت ويرجع معايا زي الأول.
زمت شفتيها قائلة بتعابير جادة:
-كله هيتحل، وبعدين هو إنتي عملتي حاجة غلط؟!
أومأت نافية، فواصلت والدتها القول موضحة لها:
-إنتي اتصرفتي صح، وجدعة إنك رستيني على الحوار من أوله...
ثم شددت من نبرتها حين أضافت تنصحها:
-واتكي على النقطة دي كتير، إنك عملتي ده عشان تخلي أخوكي مايعملش الغلط مع بنات الناس، وما تزوديش معاه في الكلام.
ارتفع الكدر في عيني "خلود"، شهقت قائلة بأنفاسٍ متقطعة بسبب بكائها المتزايد:
-أنا قلبي واقع في رجليا من اليوم ده يامه، خايفة يكتشف الحقيقة، ولا أغلط بكلمة توديني في داهية.
قاطعتها حاسمة الأمر بالنسبة لها لتحثها على السيطرة على خوفها:
-يا بت اجمدي كده، وبعدين قولتلك أي مصيبة تحصل لبسيها في أخوكي والبومة اللي اتنيل خطبها، أل يعني هي عاوزة تخرب بينكم عشان تنتقم لأختها، وكتر خيرك إنك بتحاولي تجمعي بينهم.
برقت نظراتها بشكلٍ أظهر قبولها بكلماتها الخبيثة .. ابتسمت "بثينة" مضيفة في مكر:
-وأنا هافهم المحروس جوزك كده بالمحسوس إنه يراعي ربنا فيكي، إنتي ليكي حقوق عليه، والمفروض ما يقصرش معاكي.
هنا هتفت "خلود" ترجوها، وكأن حية لدغتها لتتوقف نوبة بكائها ذعرًا:
-لأ يامه، كده هتعمليلي مشكلة معاه، هو ما بيحبش نتكلم في المواضيع دي مع أي حد، ده لو عرف إني بأحكيلك أي حاجة هيولع فيا!!!!
هزت رأسها معلقة بامتعاضٍ:
-خلاص هاجيبهاله بشكل تاني، إني نفسي أفرح بعوضكم، أظن ده من حقي؟!
وافقت على ذلك، وردت بإيجازٍ:
-ماشي.
لكزتها والدتها في جانب كتفها، وأضافت:
-وبعدين كده روقي، ده إنتي ربنا ساترها معاكي عشان نيتك الصافية.
كفكفت عبراتها المحتجزة في عينيها لترد بعبوسٍ: موافق
-أيوه.. بس هو مش جمبي.
نظرت لها في ضيقٍ قبل أن تشرد لبرهة لتستغرق في أفكارها، وكأنها تسعى لإيجاد الحل السحري الذي يعيد روابط الود والوصــال بينهما، هداها عقلها بعد تفكيرٍ متعمقٍ لحل بسيط، كانت واثقة أنه سيفي بالغرض .. وبثقة واضحة استطردت تقول:
-محلولة يا بت، وحياة مقاصيصي هيلزق فيكي.
أوحت لها تعبيرات والدتها أنها على يقين كامل من صلاحية اقتراحها الغامض، لذا قطبت جبينها متسائلة في فضولٍ متلهفٍ:
-إزاي؟
أجابت مسترسلة:
-استغلي موضوع ولادة أخته وقوليله إنك عاوزة تقعدي مع خالتلك تساعديها، باعتبار إن البت "هاجر" أختك، وماينفعش تسبيها، وبكده إنتي هاتجبريه يبات معاكي في نفس الأوضة، ولما يبقى معاكي لوحده ادلعي عليه، وبكام حركة كده من إياهم هتلاقي الشوق جايبه.
انفرجت أساريرها مبتهجة لحلها، ودون انتظارٍ ارتمت في أحضانها تحتضنها قائلة بما يشبه الثناء:
-الله عليكي يامه، هي دي الحلول، من غيرك ماكنتش هاعرف أتصرف.
ربتت على ظهرها قائلة بتفاخرٍ:
-ده بنتي، هو أنا هابخل عليكي بحاجة؟
ثم أبعدتها عنها، وتابعت بتعبيراتها المهتمة:
-قومي يالا كلميه عشان تعرفيه إنك هتروحي هناك.
ردت واللهفة تملأ قسماتها:
-على طول.
..............................................................
على غير المتوقع، انتهت كلتاهما من إنجاز العمل المطلوب في زمن قياسي، وتبقى فقط جرد النواقص لشرائها في الغد، فرغت "فيروزة" من معاينة ما يخصها وسجلته في ورقة صغيرة، ثم أضافت عليها "علا" ما تحتاجه لتتولى الأخيرة بعد ذلك الاتصــال بالمكتبة للتأكيد على إرســال المطلوب كاملاً، وبعد نصف الساعة كانت الاثنتان تقفان أمام باب المحل بعد إغلاقه .. مدت "فيروزة" يدها بورقة صغيرة مطوية لرفيقتها، وقالت:
-دي ورقة بالحاجات الناقصة، هنراجعهم لما الطلبات توصل الصبح قبل مانستلم الحاجة.
ردت عليها "علا" بإيماءة صغيرة من رأسها:
-أيوه، المرة اللي فاتت كان ناقص الكروت الكبيرة والجليتر.
أكملت حوارها بجديةٍ وهي تعلق حقيبتها على كتفها:
-أنا عاملة حسابي، مش هاخلي صاحب المكتبة يغالطنا تاني.
تفحصت "علا" قفل المحل بدقةٍ لتتأكد من إغلاقه قبل أن تعقب بإيجازٍ:
-تمام.
ثم التفتت نحو "آســر" الذي تساءل عاليًا بمرحٍ:
-أوعوا تكونوا قفلتوا؟
شعت نظراتها بحيوية غريبة بالرغم من اندهاشها لتواجده، أجابته مبتسمة بفرحةٍ ظاهرة عليها:
-"آسر"! حمدلله على السلامة، إنت رجعت امتى؟
أوضح بهدوءٍ وعيناه تتحولان للنظر نحو رفيقتها المتجهمة:
-دي كانت سفرية يومين وخلصت، مالهاش لازمة الأعدة هناك.
حاولت "فيروزة" ألا تتطلع إليه، كان حضوره ثقيلاً عليها، غير مستساغٍ رغم لطفه الزائد، نظرت فقط إلى "علا" التي ردت بابتهاجٍ كبير:
-بصراحة فرحتني أوي يا "آسر"، وأنا مش واخدة على المفاجآت الحلوة دي.
سألهما مجددًا ونظراته تتوزع بينهما:
-إنتو رايحين فين كده؟
جاوبته بعفويةٍ:
-مروحين، خلصنا بدري النهاردة
على الفور استغل الفرصة ليقول بانتشاءٍ معكوس على ملامحه:
-طب اسمحولي أوصلكم.
هنا بادرت "فيروزة" بالرد بتكشيرة متعاظمة:
-ماشي يا "علا"، أنا هاطلع أركب من على أول الشارع، ورايا مشوار كده هاخلصه
نظرت لها في دهشةٍ، وعلقت:
-غريبة؟ إنتي مقولتليش على كده.
ادعت كذبًا:
-راح من بالي يا "لولو"..
ثم تصنعت الابتسام، وتابعت:
-وبعدين مش هاينفع يا "علا"، خليكي إنتي مع الأستاذ، وعشان معطلكوش.
التوت شفتا "آسر" بابتسامته العذبة، اقترح بلطفٍ مستخدمًا يده في الإشارة قاصدًا الضغط عليها لتقبل بعرضه:
-أنا فاضي يا آنسة "فيروزة"، شوفي إنتي حابة تروحي فين وأنا هاوصلك، وبعدين عربيتي موجودة، وأحسن من بهدلة المواصلات.
تقلصت تعبيراتها بوجومٍ أكبر، وقالت دون أن تبتسم:
-شكرًا، أنا طريقي غير طريقك.
رفع عينيه إلى وجهها، بدا فيهما تصميم عجيب على عدم التفريط بها، ثم هتف بإلحاحٍ:
-أنا مُصر، مش هاقبل بالرفض يا آنسة "فيروزة"، مش معقول هتكسفيني كده كل مرة، قولي لصاحبتك يا "علا".
غامت عيناها من أسلوبه المراوغ في إقناعها، بينما تعلقت رفيقتها بذراعها، أسبلت عينيها هامسة بما يشبه الرجاء:
-ماتبقيش بايخة بقى، تعالي يالا، واحنا هنركب سوا.
ضغطت على شفتيها لترد بصوتٍ خافت:
-يا "علا" آ.....
قاطعتها بتوسلٍ كبير:
-بليز.. عشان خاطري، أنا عاوزة نكون سوا.
تحرجت من الرفض أمام نظراتها المستعطفة، وقالت بسأمٍ لتعبر عن رضوخها:
-أوف.. طيب.
حلت تعابير السرور على وجه "آسر"، وهتف متغزلاً ونظراته ترتكز على "فيروزة":
-ده أنا أسعد واحد النهاردة، الجميلات هيركبوا معايا في عربيتي المتواضعة.
ورغم عبارته التملقية التي يمكن أن تسعد أي فتاة تتوق لسماع معسول الكلام إلا أن تعبيراتها اِربدت بالعبوس الواجم.
..................................................................
كل المؤشرات رجحت إدانته في مسألة تعاطيه لتلك المنشطات إلا أن "تميم" لم يحبذ مفاتحة ابن خالته في الأمر حتى لا يفقده الثقة في نفسه بعد أن تعهد له بدفن الماضي بما فيه من أمور مخزية، تحرج من سؤاله بشكلٍ مراوغ بعد ملاحظته لتعديل سلوكياته المنحرفة مؤخرًا وتركه لكافة الموبقات، ليدع الأمر جانبًا الآن إلى أن تأتي اللحظة المناسبة .. تحرك بسيارته نحو وجهة محددة، منزل عائلة "همسة" لدعوة أفراد أسرتها لحضور حفل الاحتفال بالمولود الصغير في منزل أبيه "بدير"، ذاك الحفل الذي يُصر الجميع على إقامته، ومع ذلك ذهابه لدعوتهم بشخصه زيارة غير مستحب تواجده فيها لأسبابٍ لم يحاول التطرق لها وإن كان بين نفسه .. فضل البقاء منتظرًا في سيارته على ألا يصعد للأعلى، ليس فقط تجنبًا لرؤية من تسبب له التخبط في أفكاره والارتباك في مشاعره، ولكن لكونه قد حسم الأمر بعدم السماح لنفسه بالالتقاء بـ "فيروزة" تحت أي عذر حتى لا يتمادى في تفكيره غير الجائز بها، أقنع نفسه بضرورة التركيز حاليًا مع ما يصيب استقراره الشخصي والعائلي، وخاصة المشكلات التي نشبت في الآونة الأخيرة مع "خلود"، انتشله من سرحانه المحير والمفعم بالتوتر والإرهاق الذهني صوت "هيثم" المتسائل:
-هتعمل إيه يا "تميم"؟
أجابه باقتضابٍ:
-زي ما أنا.
أعاد تكرار السؤال عليه بصيغة أخرى:
-يعني مش جاي معايا؟
رد نافيًا:
-لأ، مالوش لازمة أطلع.
أشـار بيده معترضًا عليه:
-طب ما إنت أخوها، ولما تيجي منك هاتبقى تقدير كبير ليهم، ودي فرصة نقرب حبال الود بين الجماعة.
زفر مرددًا بوجه مكفهر:
-معلش، أنا مش عاوز أتحشر في أي حاجة، مش ناقص مشاكل، وماتضغطش عليا.
تحدث "هيثم" من زاوية فمه قائلاً:
-براحتك.
امتقع وجهه أكثر وهو يأمره بلهجة خشنة:
-بس ماتطولش فوق، انجز معاهم، كلمتين في السريع.
هز رأسه بالإيجاب قبل أن يترجل من السيارة ليرد:
-طيب.
تتبعه بعينيه وهو يتجه للمدخل حتى اختفى بداخله، نفخ مجددًا في ضجرٍ ليتلفت بعدها حوله ناظرًا بغير تركيز، بحث عن ولاعته في جيبه بعد أن أخرج علبة السجائر .. أشعل "تميم" طرف السيجارة وترجل من سيارته ليستند بذراعه على بابها المفتوح، لفظ دخانها الحارق الذي تشبعت به رئتيه في الهواء، ثم استدار برأسه للجانب ليتابع حركة السيارة الأخرى التي تباطأت في سرعتها ليتمكن من لمح وجهها من النافذة الخلفية، خفق قلبه بقوةٍ وارتبك بدنه، دومًا لها تأثير السحر عليه بالرغم من كافة السبل التي يبذلها لمقاومتها، ازدرد ريقه ودقق النظر فيها وقد فتحت "فيروزة" بابها وأطلت بعنفوانها المحفز لحواسه، تحولت نظراته الفضولية لجمرات متقدة حين أبصر "آســر" يترجل من الأمام وتلك الابتسامة السمجة تزين وجهه، قست ملامحه وتوحشت عيناه سائلاً نفسه باستنكارٍ بيِّن:
-إيه ده؟ هي بتعمل إيه معاه .................................. ؟!!!!!
...........................................................
يتبع >>>>>>>>>>>>>>>>>>>
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الثالث 3 - بقلم Manal Salem
فصل جديد من الرواية لنختم به أيام العيد الجميلة، والفصل الجديد يوم الجمعة إن شاء الله
الفصل الثامن والثلاثون
لم تنخفض نظراته عنها طــوال الطريق المؤدي إلى منزلها، كان يراقبها بإمعانٍ، ابتسامته اللبقة احتلت قسمات وجهه وهو يدعي متابعته لحديث "علا" الأجوف، لكن عقله وكامل حواسه كانت تركز معها فقط، وكأنه يحفظ ما يخصها ليحفره في ذاكرته. شعر "آسر" بالانزعاج لكون مهمته قد انتهت بإيصالها، بدا ذلك مرئيًا على خلجاته، انتفض مترجلاً من سيارته حين ترجلت "فيروزة" منها، لحقها قبل أن تتجه للرصيف متسائلاً، ودون أن ينتبه لمن يقسو عليه من الخلف بنظراته المحتقنة:
-هاشوفك تاني؟
التفتت "فيروزة" نحوه متعجبة من سؤاله الغريب، غطى وجهها الوجوم وهي ترد باستنكارٍ:
-أفندم؟! مش فاهمة معنى كلامك؟
صحح مقصده ليقول مبتسمًا وقد دار حول مؤخرة السيارة ليصبح مواجهًا لها:
-يعني إنتي موجودة مع "علا" دايمًا، صح.
مطت شفتيها في امتعاضٍ، وزفرت ترد باقتضابٍ غامض:
-ربنا يسهل.
مــد يده ليصافحها قائلاً:
-عمومًا هيبقى من حظي إن أقابلك.
نظرت ليده مطولاً ونظراتها المنزعجة لم تفارق عينيها، وقبل أن تفكر في تبادل المصافحة معه منعًا لإحراجه، امتدت يد "تميم" لتقبض على كفه، اعتصره بأصابعه القوية مرحبًا به:
-منور حتتنا يا أستاذ.
اختفت مظاهر السرور من تعبيراته، وتطلع إليه في استغرابٍ مزعوج، ثم رد متسائلاً وهو يحاول سحب يده من قبضته الشديدة:
-إنت مين؟
دقق "آسر" النظر فيه متفرسًا في وجهه المألوف قبل أن يتابع:
-أنا تقريبًا شوفتك قبل كده! بس مش فاكر فين.
تعمد التحقير من شأنه كي لا يعطيه قيمة بالرغم من تذكره لملامحه المتجهمة، بينما حلت الدهشة على "فيروزة" التي تفاجأت هي الأخرى بوجود "تميم"، تلقائيًا انخفضت عيناها لتتأمل يده القابضة على كف "آسر"، والأخير يحاول جاهدًا جذبها منه في يأسٍ، تقوست شفتاها قليلاً بابتسامة ساخرة من إحراجه أخفتها سريعًا قبل أن يلاحظها أحدهما، فالاثنان يليقان ببعضهما البعض، تصنعت الجمود وتركزت عيناها مع "تميم" عندما استطرد قائلاً بصوته الأجش:
-افتكرني كويس، أنا المعلم "تميم سلطان".
هز "آسر" رأسه بإيماءة بدت مستهزأة به، وقال بنصف ابتسامة:
-تشرفنا.
ثم التفت نحو "فيروزة" ليخاطبها:
-لو عوزتي أي حاجة يا آنسة فأنا تحت أمرك.
نظرت له بحدة وهي ترد:
-شكرًا، مش محتاجة لحد.
تنحنح معقبًا:
-طيب عن إذنك.
تحركت عينا "فيروزة" نحو زجاج السيارة حين سمعت رفيقتها تودعها:
-باي يا "فيرو"، أشوفك بكرة.
ابتسمت مجاملة وهي ترد:
-إن شاءالله.
لوح "آسر" بيده لها قبل أن يستدير متجهًا إلى سيارته ليستقلها، بينما تحركت "فيروزة" مبتعدة عن "تميم" لتصعد على الرصيف، انتفضت كليًا في ضيقٍ عندما اعترض الأخير طريقها بجسده، رفعت عينيها إليه وهتفت فيه، وكأنها تأمره:
-في حاجة يا معلم؟ يا ريت وسع من طريقي
-يصح اللي عملتيه ده يا أبلة؟
كتفت ساعديها متسائلة بأسلوب هجومي، ونظراتها النارية تنفذ إليه:
-عملت إيه؟
أجابها بضيقٍ غير مفهومٍ بالنسبة له:
-ماينفعش تنزلي من عربية واحد غريب، احنا في حتة شعبية، ومليانة رجالة ولاد بلد.
انقلبت تعبيراتها لعبوس أكبر، وعلقت بتهكمٍ:
-لا والله!
تابع مبررًا بعبارات منتقاة بعناية حتى لا تسيء فهمه:
-مش عاوزين حد ياخد فكرة عنك وحشة لو شافك معاه..
صمتت "فيروزة" لتتأمله في دهشة مستنكرة، فالتقت النظرات المتوترة بالعينين العميقتين، اهتز كيانه بشكلٍ عاصف مما زاد من تخبطه، استجمع "تميم" أفكاره التي تطايرت من رأسه أمام نظراتها المباشرة والنافذة إليه، وقال بصوتٍ بدا مذبذبًا لكنه عبر عن صدق نواياه، وربما مشاعره:
-الناس مابترحمش، وأنا خايف عـ.. عليكي .. قصدي كلامهم ما آ.....
ارتخى ساعداها، وقاطعته قبل أن يتمادى في سرد أعذار ترفضها كليًا مشيرة بيدها:
-ولو إني مش المفروض أرد عليك ولا حتى أبررلك إنت أو غيرك تصرفاتي، بس أنا مكونتش لوحدي معاه ولا أعدة جمبه، صاحبتي كانت موجودة.. واضطريت أركب، ارتحت كده:
تنحنح مرددًا بنبرة موجزة سبقتها تنهيدة سريعة:
-كويس يا أبلة.
غمغمت في تبرمٍ:
-يادي كلمة أبلة اللي طالعلي بيها.
سألها والدهشة تعتريه:
-هي بتضايقك؟
عقدت حاجبيها في استغرابٍ وهي توجه الحديث لنفسها بنفاذ صبر وبصوتٍ مسموع:
-أنا وافقة معاك ليه، عن إذنك؟
تجاوزته لتعبر الرصيف وتتجه إلى مدخل بيتها، تابعها "تميم" حتى اختفت عن أنظاره ليتساءل مع نفسه بما يشبه السخرية:
-يعني أقولك إيه؟ "فيروزة" حــاف؟!!
التقى بها "هيثم" أثناء خروجه، رمقها بنظرة حذرة وهو يســرع الخطى ليتجنبها، تنهد في ارتياح وهو يقول:
-الحمدلله خلصت مهمتي قبل ما تيجي، كان زمانها قفلت كل السكك في وشي، ده إن مكانش طردتني.
رد عليه "تميم" معترضًا بأسلوب مازح:
-دي قلبها طيب.
هتف في استنكارٍ تام:
-دي؟ يا عم قول كلام تاني...
ضاقت عينا "هيثم" متسائلاً في اهتمامٍ فضولي:
-هو إنت اتكلمت معاها؟
أجابه نافيًا وقد ظهرت ربكة طفيفة عليه:
-كلام إيه يا ابني، هي بتدي فرصة لحد يبلع ريقه حتى!
وافقه الرأي معلقًا عليه:
-على رأيك.
وكزه "تميم" بخفة في جانب ذراعه ليحثه على التحرك قائلاً:
-بينا من هنا، وخلينا نشوف شغلنا.
-طيب.
قالها "هيثم" وهو يفتح باب السيارة ليستقر في مقعده قبل أن يجلس ابن خالته إلى جواره ونظراته لا تطاوعه، ما زالت تبحث عن طيفها لتشبع تلك الرغبة المتأصلة في إدراكه، تلك التي يسعى لكبتها قبل أن تتفاقم وتخرج عن السيطرة.
........................................................
نظرة متأنية ألقتها على المكان بمجرد أن وطأته مع خطيبها الذي أصر على دعوتها لتناول الطعام معه بالخــارج بعد استئذان والدتها، ثم القيام بنزهة سيرًا على الأقدام في منطقة الكورنيش، أشــار "هيثم" بيده نحو مائدة منزوية في نهاية المطعم وبالقرب من شاشة التلفاز، اتجهت "همسة" إلى حيث أرشدها وجلست قبالته، أمسك الأول بقائمة الطعام وتصفحها بنظرات سريعة وهو يسألها:
-نفسك تاكلي إيه؟
أجابته بحيرة ظاهرة عليها:
-أي حاجة؟ كله كويس.
نحى القائمة جانبًا، وقال ببساطة:
-بصي أنا ماليش في الأسماء المكلكعة اللي مكتوبة هنا، إيه رأيك ناكل مشكل مشاوي؟
ابتسمت وهي تومئ برأسها موافقة:
-ماشي.
استدعى "هيثم" النادل بإشارة من يده فأتى إليه الأخير وسجل في ورقة صغيرة طلبهما لينصرف بعدها، تنهدت "همسة" مضيفة بحماسٍ:
-على فكرة "فيروزة" رجعت تكلم تاني معايا.
لم يظهر على وجهه علامات الرضا وهو يستمع إلى جملتها الأخيرة، فرك طرف ذقنه متسائلاً بقليلٍ من التجهم:
-خير، وعلى كده هتحضر معاكي السبوع؟
هزت كتفيها تجيبه:
-مش عارفة، ماما هتقولها، وإن شاء الله توافق.
دمدم مع نفسه بصوتٍ خفيض:
-يكون أحسن إنها ماتجيش، مش ناقصة نكد.
أحضر النادل أصناف الطعام المطلوبة، وشرع كلاهما في تناوله مع تبادل الأحاديث الودية اللطيفة .. طرأ في بال "همسة" شيء ما، لذا تركت شوكتها واستندت بمرفقيها على الطاولة، ركزت أنظارها مع خطيبها، وقالت:
-أما جت في دماغي حتة فكرة، لو ظبطت معانا هتحسن علاقتك بأختي.
رمقها بنظرة حائرة قبل أن يسألها:
-فكرة إيه دي؟
أوضحت له بابتسامتها المتحمسة:
-دلوقتي "فيروزة" شغالة في محل بيعمل هدايا وبيجهز حاجات السبوع، إيه رأيك لو تخلوها هي اللي تعمل حاجة المولود قريبكم؟
بدا غير مستوعبٍ لما تقصده من إشراكها في الأمر، واستفهم منها:
-مش فاهم، يعني عاوزاها تعمل إيه؟
لوحت بكف يدها متابعة عن ثقة اكتسبتها وقد تخمرت الفكرة أكثر في رأسها:
-هاوضحلك أكتر، وصدقني ده هيفيدك جدًا، بس تعمل اللي هاقولك عليه بالظبط.
هز رأسه موافقًا وهو يرد:
-ماشي.
...................................................................
كان اقتراحها بسيطًا للغاية؛ الذهاب لمحل الهدايا الذي تعمل به توأمتها والإصرار على شراء ما يلزم المولود الجديد من أشياء تُستخدم خلال حفل (السبوع) منه، مع الإشادة بمجهود "فيروزة"، تفانيها، ودقتها في العمل لتشعر بالحرج من الإطراء الذي تتلقاه منه تحديدًا، وفي نفس الوقت تُمحى أي ضغائن سابقة ليبدأ كلاهما صفحة جديدة .. لم يكن من اليسير عليه أن ينفذ فكرتها بحذافيرها دون اللجوء لمساعدته، وبرجاءٍ أقرب للتوسل طلب "هيثم" مساعدة ابن خالته في تلك المسألة التي اعتبرها مصيرية، قَبَل "تميم" على مضضٍ الذهاب معه، ليس محبة فيه، لكن إشباعًا لتلك الرغبة المُلحة التي تستحثه على رؤيتها تحت أي ظرف، استنكر انسياقه وراء نزوة عابرة احتلت لا وعيه وباتت تنغص عليه وعيه، نزوةٌ خيالية هو طرفها الوحيد، يعيش تفاصيلها بمفرده وبين جوارحه خلسة وفي أحلامه المحظورة .. قاوم تلك المشاعر غير المألوفة عليه مُجبرًا نفسه على مواجهتها ليثبت أنها من محض خيالاته المحرمة. قبيل العصر اتجه الاثنان إلى المحل .. تطلعا إلى الواجهات المختلفة للمحــال التي تتجاور فيما بينها في ذلك الشارع الحيوي، تساءل "تميم" بجدية وإرهاق:
-هو ده المكان؟ متأكد منه يعني؟
حك مؤخرة عنقه قائلاً بترددٍ:
-مش عارف، بس مافيش إلا هو في الحتة...
ثم أشــار بيده نحو اللافتة، وواصل القول:
-مكتوب عليه هدايا أهوو.
كان يعلم أنها ضيقة الصدر، تميل للتشاجر، وربما رؤيته ستجدد تلك النزعات الكارهة نحوه، نفخ "تميم" بزفيرٍ طويل قبل أن يرد عليه متسائلاً:
-أنا مش عارف إنت ليه حاشرني معاك؟!
أجابه بمنطقية بحتة:
-المرادي لازم تبقى موجود، إنت خال المولود، يعني الكلام جاي منك على طول، مش من حد تاني ...
وضع يده على كتفه وأكمل بوجه بائس:
-وبعدين اقف جمبي في الخدمة دي، خلي الجوازة تكمل.
ضغط "تميم" على شفتيه قائلاً بضيقٍ:
-إنت بتورطني، وأنا مش عاوز كده.
رد عليه "هيثم" ونظراته مسلطة عليه:
-اعتبرها بجميلة معايا، ومردودالك.
تنفس بعمقٍ ليعلق بعدها بنبرة موجزة:
-يا مسهل.
شحذ "تميم" كامل قواه ليتقدم بعدها في اتجاه باب المحل، دفعه بيده، وولج للداخل ملقيًا التحية:
-سلامو عليكم.
بحثت عيناه سريعًا عنها، لكن كان المكان خاليًا من حضورها مما أصابه بالإحباط، التفت برأسه للجانب حين ردت عليه "علا":
-وعليكم السلام، أي خدمة؟
يبدو أنها لم تتعرف إلى شخصه بالرغم من تذكره لوجهها، تنحنح متسائلاً بوجهه الجاد:
-أومال فين الأبلة؟
زوت ما بين حاجبيها متسائلة في حيرة:
-أبلة مين؟
تدخل "هيثم" في الحوار ليوضح أكثر:
-بصي .. أنا خطيبتي "همسة" أختها شغالة هنا.
ابتسمت "علا" قائلة لكليهما ونظراتها تتجول عليهما:
-قصدكم "فيروزة"؟ هي في مشوار وجاية، تحبوا تستنوها؟ أنا ممكن أساعدكم لو في حاجة ضروري.
وقبل أن يكمل "هيثم" حديثه فُتح الباب مجددًا لتطل "فيروزة" بوجهها المشدود شاكية بتذمرٍ:
-يا ربي على الزحمة، مش ممكن، الواحد مش عارف الناس دي كلها جاية منين.
رفعت عيناها نحو الاثنين المحدقين بها، حلت بها الصدمة، ونطقت في دهشة عجيبة:
-إنتو؟
لا يدري لماذا تصيبه تلك الربكة في حضورها، كانت قادرة على إفساد ترتيباته، وكلما أعد نفسه للمواجهة فشل قبل أن يحاول، حتى أن تأثيرها قد امتد ليؤثر على جسده، شعر بتقلصات في معدته، بعدم انتظام أنفاسه .. تركزت أنظار "فيروزة" معه، حدقت فيه مطولاً، وكأنها تريد النفاذ لداخله، انتظرت أن يبادر بتفسير سبب تواجده، لكنه استطرد يقول ببلاهة:
-صباحك فل.
ضغطت على شفتيها تسأله بنبرة عملية بحتة:
-خير، في حاجة؟
رد عليها "هيثم"، وتعابيره توحي بانزعاجه:
-احنا جايين في شغل؟
رفعت حاجبها للأعلى مرددة في استغرابٍ وهي تتجه إلى الطاولة المستطيلة لتسند عليها الحقائب التي تحملها في يديها:
-شغل؟!!
هز برأسه مؤكدًا وهو يرد:
-أيوه، طبعًا..
ثم دفع بيده ابن خالته حين أضاف:
-ماتقولها يا "تميم".
خشي الأخير أن تتبين مدى الارتباك الواضح عليه، غالب حالة التخبط المتمكنة منه باحثًا عن خيط يبدأ به حديثه، وكأن الكلمات قد فرت من على طرف لسانه كفرار الطريدة من الأسد المتربص بها.. ساعده انشغالها بترتيب الحقائب على تصفية ذهنه، استنشق الهواء بعمقٍ، ثم قال بلجلجة محسوسة:
-بصي.. احنا عندنا سبوع و.. كنا عاوزين نشوف إيه المطلوب واللي المفروض يتعمل فيه.
هزت رأسها في تفهم لترد دون أن تنظر إليه:
-تمام.
أضـاف "هيثم" موضحًا أكثر ليظهر جديته في الأمر مثلما أخبرته "همسة":
-السبوع ده بتاع ابن أخته حبيبنا كلنا..
وتابع موجهًا سؤاله لـ "تميم":
-صح ولا إيه يا خال؟
لعق شفتيه وحرك رأسه قائلاً:
-مظبوط.
ردت باقتضاب تهنئه وقد استدارت كليًا لتنظر إليه:
-مبروك.
وكأن طاقة عظيمة من المشاعر المستثارة قد نفذت إليه لتضاعف من الاضطراب الدائر بداخله، اكتفى بإشارة خفيفة من رأسه، بينما تساءلت "فيروزة" باهتمامٍ وهي تدون ما يقوله في مفكرة صغيرة:
-طيب إنتو عايزين إيه بالظبط؟
تبادل "تميم" مع "هيثم" نظرات حائرة وهمهمات خافتة لتعبر عن تخبطهما .. تدخلت "علا" في الحوار مقترحة:
-في أوبشنز كتير عندنا، ممكن أقولهالكم باختصار لو تحبوا.
التفت "هيثم" نحوها ليعلق:
-احنا عايزين أحسن حاجة.
أشارت "علا" بيدها متابعة:
-أوكي، في حاجات ممكن أوريهالك وإنت تقولي رأيك تنفع أو لأ.
قال في استحسانٍ:
-إن كان كده ماشي.
ثم مال على ابن خالته يسأله:
-هاتيجي معايا يا "تميم".
تنحنح قائلاً بصوت متحشرج:
-أيوه.
منحها نظرة أخيرة مهتمة قبل أن يسير بخطوات متكاسلة نحو الجانب الآخر من المحل حيث المعروضات التي تخص المواليد الذكور، ساعدتهما "علا" كثيرًا في مسعاهما، وبقيت تلك النظرات الخاطفة عليها من آن لآخر وسيلته المتاحة ليملي عينيه منها، وكأن القلب ينتعش بها. أفسد متعته السرية مجددًا حضور "آسر"، والذي على ما يبدو اعتاد المجيء إلى المحل، اِربد وجهه بالضيق الشديد حين هتف بسماجة ليمدح الشابتين:
-قمرات المكان.
تركت "علا" ما في يدها بعد أن رأته، اعتذرت مبتسمة بتلهفٍ ونظراتها تتجه إليه:
-آ..خدوا فكرة وأنا رجعالكم، عن إذنكم.
استدار "هيثم" لينظر إلى حيث تحدق، وتساءل بصوتٍ خفيض:
-هو مش ده الرخم إياه؟
رد عليه "هيثم" بعبوسٍ غلف كامل تعابيره:
-أه هو.
وقفت "علا" أمامه تتغنج في مرح قبل أن تقول:
-"آسر"، أنا كده هاتغر، إنت كل يوم عندي.
ابتسم موضحًا بأسلوبه اللبق في الحوار:
-أصلي حبيت المكان هنا، وكمان لما بألاقي نفسي فاضي بأعدي عليكم، يعني معرفش غيركم بصراحة.
هتفت بأنفاس منفعلة في سرور:
-أنا بصراحة مبسوطة أوي إنك بتعمل كده.
انخفضت عيناها نحو يده التي أخرجت بلَّورة بها ثنائي متحابين يجلسان على فرع شجرة تدور وتنير حين تضغط على زر صغير بأسفلها، قدمها لها قائلاً:
-اتفضلي.
عضت على شفتها السفلى في رقة، وسألته بوجه متورد:
-إيه دي؟
أخرج "آسر" واحدة أخرى من الحقيبة، وثبت عيناه على "فيروزة" متابعًا بهدوءٍ:
-دول هدايا كنت جيبهالكم من آخر سفرية بس ملحقتش أديهالكم.
ردت "علا" تشكره بامتنانٍ:
-ميرسي أوي يا "آسر"، مكانش ليه لزوم.
ابتسم مجاملاً لها، وسار نحو رفيقتها ليقدم لها هديتها قائلاً بتهذيبٍ:
-اتفضلي يا آنسة "فيروزة"، دي عشانك.
نظرت له بحدةٍ، ورفضت بجمودٍ:
-شكرًا مش عاوزة.
ألح عليها بلباقةٍ وقد أسبل عيناه:
-مش هاقبل تكسفيني، ده تذكار بسيط، والنبي قبل الهدية.
تابع "تميم" المشهد من الخلف وذلك الغليان يستعر بداخله، كان يتعاظم مع سماجة "آسر" المتزايدة، بدت كالحنط في الجوف، همس لنفسه بحنقٍ متوعد وهو يكور قبضته:
-خديها منه وإديهاله في نافوخه.
أسند "آسر" البلَّورة على الطاولة التي تخصها، لم تبتسم له، وحذرته بلهجة لا تمزح:
-كتر خيرك، بس يا ريت متكررهاش.
-حاضر.
قالها وقد تقوست شفتاه عن بسمة صغيرة، ثم استدار ليتحدث مع "علا" التي كانت تستعلم منه عن مسألة ما، في حين ارتكزت أنظار "تميم" على البلَّورة، استحوذ على تفكيره المزيد من الأفكار السوداوية تجاهه، تنتهي كلها بتحطيمها فوق رأس ذاك السخيف، أحس بشيء مزعج يجثم على صدره ويستحثه على تنفيذ ما يدور في رأسه ليفرغ تلك الشحنة العدائية المتعاظمة بداخله، خرج من تحديقه الغاضب بالبلَّورة على صوت "فيروزة" المتسائل:
-عاوز كام كارت كبير؟
نظر بترددٍ لابن خالته، مال الأخير عليه يهمس له:
-إنت عاوز كام تقريبًا.
حاول "تميم" بحسبة سريعة إجرائها في عقله احتساب العدد المطلوب تقريبًا، ثم تقدم نحوها وتلك الابتسامة العبثية ترتسم على شفتيه، ففكرة أخرى ماكرة راودته للتو، ونفذها ببساطة، وقف قبالتها ولوح بظهر كفه قائلاً:
-تقريبًا خمسين كارت..
حينها دفع –وعن قصدٍ- البلَّورة لتسقط عن الطاولة ويتهشم زجاجها ليبدو وكأنه لم يفعل ذلك عمدًا، أحدث صوت تحطيمها ضجة كبيرة، ناهيك عن الفوضى التي عاثت في المكان، وبابتسامة منتصرة هتف معتذرًا:
-لا مؤاخذة، مقصدش.
انتفض "هيثم" مرددًا في صدمة:
-يا ساتر، في إيه؟
ردت فيروزة عليه بوجهٍ غير غاضب، وكأنها استراحت لتخلصها منها:
-حصل خير.
أضــاف "تميم" بعفويةٍ:
-يالا أهي خدت الشر وراحت.
تحرك "آســر" في اتجاهه ليتفاجئ بتهشيم بلَّورته، تشنجت عروقه، واختلج وجهه بغضبٍ مبرر، ثم صـــاح يسأله في حدة حانقة:
-إنت عملت إيه؟
رد "تميم" ببرود استفزه:
-ولا حاجة
هدر به في غيظٍ تضاعف بعد نظراته الشامتة الظاهرة عليه:
-إنت أصلاً بتعمل إيه هنا؟
أجابه "تميم" بسخطٍ، وعيناه تحذراه من غضبته الوشيكة إن استمر في مناطحته الند بالند:
-هو ممنوع ولا نيجي هنا ولا حاجة يا كابتن؟
رد عليه بوقاحةٍ متعمدًا ازدرائه بنظراته الاحتقارية:
-لأ.. بس واضح إن في ناس مابتفهمش في الذوق
لكزه "تميم" في كتفه بقساوة وهو يرد:
-نعم ياخويا؟ الكلام ده ليا؟
تدخلت "علا" في الحوار قبل أن يتطور لمشادة كلامية:
-دول زباين يا "آسر"، أنا هاشوف طلباتهم، متضايقش نفسك..
والتفتت تنظر إلى "فيروزة" لتتعامل مع الموقف، خاصة أنهما على صلة بها، ادعت الأخيرة الابتسام، واعتذرت بلطفٍ بدا مصطنعًا:
-خلاص يا أستاذ "آسر"، حصل خير، أكيد مايقصدش.
تنفس بعمقٍ ليكبح غضبه، وقال وعيناه تقدحان بالشر لـ "تميم":
-مافيش مشكلة، هاجيبلك مكانها.
أشــارت بكفها رافضة:
-متكلفش نفسك.
تنحنحت "علا" بصوتٍ مرتفع، وقالت وهي تشير بيده:
-اتفضل معايا يا أستاذ عشان نعمل الفاتورة.
-طيب.
قالها دون أن يبعد نظراته المتشفية عن وجه ذاك السمج، وقبل أن يتبعها مال عليه برأسه ليخبره بصوتٍ خفيض، وبما يشبه النصيحة:
-خدها مني كلمة، الحاجات اللي زي كده آخرها الزبالة.
اشتعلت عينا "آسر" على الأخير عقب جملته تلك، بينما بدا "تميم" مستمتعًا بتخريب هديته وتعكير مزاجه، راقبه بصدرٍ مغلول إلى أن ابتعد عنه ليغمغم بين أسنانه يسبه في حقدٍ ظاهر عليه:
-بني آدم مستفز ................................................... !!!
................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الرابع 4 - بقلم Manal Salem
إن شاء الله تكونوا جميعًا بخير
باعتذر إن الفصل قصير شوية، عمر ابني تعبان وأنا ملبوخة بيه، وللأسف مش عارفة أكتب .. أرجو تقبل اعتذاري
الفصل التاسع والثلاثون
سحبت شعرها الذي تناثر أسفل بلوزتها المنزلية لتجمع خصلاته معًا وعقدته كعكة أعلى رأسها، ثم التفتت نحو الفراش لتلتقط ثيابها الملاقاة عليه ووضعتها في السلة الخاصة بالملابس المتسخة. لمحت "فيروزة" توأمتها وهي تختلس النظرات من باب الغرفة، بالطبع كانت تتشوق لمعرفة نتائج المقابلة المدبرة مع "هيثم" وابن خالته، جلست على طرف الفراش تطالعها بنظراتها المتفرسة فيها، تقدمت "همسة" نحوها وهي تفرك يديها معًا، في حين استطردت الأولى تفاتحها في الحديث:
-مكانش ليها لازمة الحركة دي يا "همسة"، باينة أوي على فكرة.
ابتلعت ريقها، وعلقت بتباطؤ محاولة البحث عن كذبة جيدة لتنطلي عليها:
-هو "هيثم" كان.. بيسأل.. عن حد بيعمل هدايا السبوع.
قالت بتهكمٍ:
-على أساس إن مافيش غيرنا في البلد؟!
عضت على شفتها السفلى في ربكة أكبر، وهتفت مبررة:
-ما هو.. يعني.. إنتي أولى.. والحكاية جت بالصدفة.
لوت ثغرها مرددة بنفس الأسلوب الساخر:
-بجد؟ صدفة؟
ابتسمت "همسة" مضيفة وهي تجلس إلى جوارها:
-إنتي مكبرة الموضوع ليه يا "فيروزة"؟ دول زباين زي أي حد.
رمقت توأمتها بنظرة متشككة نفذت إليها، وردت عليها بجدية:
-عمومًا بلغيه يجي يستلمها بنفسه، مش لازم البودي جارد بتاعه.
تطلعت إليها في حيرة، وسألتها مستفهمة:
-قصدك مين؟
أجابتها بنبرة تعمدت تفخيمها لتسخر منه:
-هايكون مين غيره، سبع الليل المعلم "تميم".
دافعت عنه "همسة":
-تعرفي إن "هيثم" على طول بيشكر فيه وبيقول عليه جدع وابن بلد وآ....
قاطعتها بنبرة ناقمة وقد قست نظراتها:
-"همسة" الظاهر إنك بتنسي بسرعة، اللي بتقولي عليه جدع ده هو السبب في كل المشاكل اللي وقعنا فيها.
نظرت لها توأمتها في خجلٍ، كانت مصيبة في قولها، بينما تابعت "فيروزة" الإفراج عن مكنونات صدرها لتذكرها بما غفلت عنه:
-عاوزاني أصدق إنه ابن بلد وإنتي شوفتي البلطجية بتوعه عملوا فينا إيه؟ دول حرقوا عربيتنا ومحدش قدر يفتح بؤه، مش عشان هو جدع وابن أصول، لأ عشانه بلطجي ودي العينة اللي مصاحبها..
غلف صوتها المزيد من المرارة والألم وهي تكمل:
-حتى حقي مخدتهوش منه، ده أنا اتنازلت عنه مُجبرة بعد ما خالك عدمني العافية..
نكست "همسة" رأسها في خزيٍ، وأضافت "فيروزة" بصوتها الذي اختنق:
-وإنتي نفسك خطوبتك مكانتش بالرضا، فاكرة حصلت إزاي؟ بالإجبار يا "همسة"، بالإجبار!
انتفضت واقفة لتقول برجاءٍ:
-كفاية يا "فيروزة".
نهضت واقفة هي الأخرى، وأمسكت بها من كتفيها لتديرها إليها، ثم نظرت في عينيها لتقول بجمود اكتسبته نبرتها:
-دي الحقيقة اللي إنتي بتحاولي تخليني أنساها، وأتعامل معاهم عادي، بس للأسف مش نافع.
ورغم إحساس القهر الذي يعتريها إلا أنها ردت:
-انسي الماضي باللي فيه، وجايز اللي جاي يكون أحسن.
تساءلت في استنكارٍ:
-بأمارة إيه معلش؟!!!
تبادلت كلتاهما نظرات مطولة متناقضة، فالأولى رافضة لمبدأ التسامح مع من تسبب لها في الأذى، والثانية تميل للخنوع والاستكانة .. وقفت والدتهما عند أعتاب الغرفة متسائلة في استغرابٍ حين رأتهما على تلك الحالة:
-في إيه يا بنات؟
التفتت "همسة" برأسها نحوها، وأنهت المناقشة قائلة:
-مافيش يا ماما.
تراجعت "فيروزة" عن توأمتها لتعاود الجلوس على طرف الفراش، وظلت الأخيرة واقفة تستمع إلى والدتها التي استأنفت كلامها:
-طب تعالوا .. مرات خالكوا برا
وضعت "حمدية" يدها على كتف شقيقة زوجها، وقالت مبتسمة بسماجةٍ:
-ويجوا ليه؟ هو أنا غريبة، دول بناتي.
سلطت أنظارها عليهما قبل أن تلج للغرفة لتلقي نظرات متفحصة على محتوياتها، وهتفت في لؤمٍ:
-سمعت إنكم رايحين السبوع حفيد المعلم "بدير"، وطبعًا احنا معاكو.
نفخت "فيروزة" في ســأم، وعلقت هامسة بتبرمٍ:
-يا ربي، أنا مش نقصاها.
وضعت "حمدية" ذراعها على "همسة"، وسألتها بنظرات غريبة غامضة:
-"هموستي" حبيبتي، هو إنتي هتلبسي شبكتك؟
لم تفهم المغزى من سؤالها، وأجابت وهي تهز كتفيها بالنفي:
-معتقدش.
برقت عيناها بوهجٍ ماكر وهي تستأذنها بلطفٍ مبالغ فيه لا يتماشى مع شخصيتها:
-طب أنا كنت عاوزة أستلف منك السلسلة ألبسها يومها؟ ماشي يا حبيبتي ..
ثم تصنعت العبوس، وأكملت بأسلوبها الناعم الملتوي المراوغ في الحديث لتحصل على مبتغاها:
-لأحسن معنديش حاجة تليق، برضوه لازم نظهر قصاد نسايبنا إننا نملى العين،ولا إيه رأيك يا "آمنة"؟
اندهشت "همسة" من وقاحتها التي لا يضاهيها شيء، ونظرت إلى والدتها منتظرة تدخلها لحسم الأمر حتى لا تختلق مشكلة معها من لا شيء، لكن الأخيرة ألقت الكُرة في ملعبها حرجًا منها، واستطردت تقول:
-مش عارفة يا "حمدية"، دي حاجة "همسة"، هي اللي تقول.
زوت ما بين حاجبيها بقوةٍ، وغمغمت محتجة بتأفف:
-هو أنا هسرقها؟ ده الحاجة معايا تزيد يا "آمنة".. جرى إيه؟
لم تجد "فيروزة" بدًا من إحراجها حين رأت التردد على وجهي كلتيهما، فتشدقت متسائلة بما يشبه السخرية:
-تفتكري يا مرات خالي لما نسايبنا المبجلين يلاقوكي لابسة شبكة "همسة" هيقولوا إيه؟!
تجاهلت الرد على سؤالها، وصاحت بتذمرٍ:
-قولوا إنكم مستخسرينها فيا؟
ردت عليها تواجهها ونظرات الازدراء تعلو حدقتيها:
-لأ يا مرات خالي، بس مش هاينفع، فكري فيها كويس.
سددت لها "حمدية" نظرة نارية مغتاظة منها تود خنقها، وهتفت بتكشيرة عظيمة:
-ماشي بشوقكم.
ثم اتجهت للخــارج فتبعتها "آمنة" على الفور لتسألها:
-رايحة فين يا "حمدية"؟ ده أنا علقت على الشاي و...
قاطعتها بتجهمٍ كبير ملوحة بذراعها:
-طالعة بيتي، نفسي اتسدت.
ضربت "فيروزة" كفها بالآخر مبتسمة في سخطٍ قبل أن تعلق على الموقف برمته:
-أنا مشوفتش في بجاحتها الصراحة.
شاركتها "همسة" الابتسام وردت:
-معاكي حق.
............................................................
يومــان آخران انقضيا عليها في المحل وقد أكملت كل ما كُلفت به من مهام لتصبح كافة الطلبيات جاهزة للتسليم، تركتها "علا" بمفردها في المحل لتبتاع النواقص، وتابعت "فيروزة" ترتيب الرفوف العلوية بالجديد من المعروضــات لتلفت أنظار الزبائن حين يزورون المحل، لم تنتبه لذاك الذي وطـأ المكان في ميعاده المحدد مُسبقًا لرؤيتها وهي تقف على الكرسي الخشبي توليه ظهرها، وكأن تركيزها بالكامل منصب على ما تفعله .. خفقة موترة داعبت قلب "تميم" حين رأها بجسدها المشدود أمامه بمجرد دخوله وبحث عيناه عنها، أخفض نظراته في حرجٍ، وتنفس بعمقٍ ليثبط تلك المشاعر التي استيقظت فجــأة بداخله، وحدها من تفعل به ذلك رغم الجهد العنيف الذي يبذله لوأد تلك الأحاسيس التي أصبحت ملازمة له في حضورها، وكلما قاومها أصرت ألا تستسلم وتعاود الظهور كل مرةٍ بشكل يفوق المرة السابقة ليصبح أكثر انجذابًا إليها .. لعق شفتيه وازدرد ريقه في حلقه الجاف متسائلاً مع نفسه في تخبطٍ ملحوظٍ عليه:
-أناديها يا أبلة زي تملي ولا أقولها يا.. عروسة؟
التوى ثغره بابتسامة صغيرة متابعًا حديث نفسه بمرحٍ:
-وساعتها هتفتكرني بأعاكسها وتسود عيشتي، وأنا واخد كفايتي منها.
تأهب في وقفته وتحفزت حواسه حين هتفت فجأة دون أن تنظر إليه وذراعها ممتد للخلف:
-امسكي يا "علا".
اكتست تعابيره بعلامات التردد، تفقه ذهنه لكونها تعتقد أنه رفيقتها في العمل، وليس أحد العملاء، كان يخشى من ردة فعلها إن أدركت وجوده خلفه، ربما سيختل توازنها وتسقط عن المقعد إن صحح خطئها، أو ربما ستقذفه بشيء في وجهه لتشتيت انتباهها .. تدارك الموقف ولازم الصمت، ثم مد يده ليتناول منها العلبة دون أن ينطق بكلمة واحدة تعبر عن كينونته، بينما تابعت "فيروزة" من تلقاء نفسها:
-كده عاوزين نجيب صمغ لمسدس الشمع، خلص الموجود عندنا.
أطبق على شفتيه وهو يهز رأسه، كأنه يشاركها الحوار بلغة الصمت .. هبطت عن المقعد لتستدير كليًا نحوه، تفاجأت بوجوده على مسافة قريبة منها؛ يفصل بينهما طاولتها المستطيلة .. ضاقت عيناها في انزعاجٍ، وكزت على أسنانها مرددة:
-إنت؟
تنحنح مبعدًا نظراته عن وجهها المتشنج، وقال مرحبًا بأسلوب ودود:
-سلامو عليكم.
استندت ضاربة بكفيها بقوةٍ طفيفة على الطاولة لترد بوجومٍ:
-وعليكم السلام .. جاي ليه؟
تعجب من سؤالها الفظ وكأنه يتسول منها، غلف وجهه تعبيرات ضائقة، وعلق في استنكارٍ:
-أفندم؟ أنا جاي زي ما بلغتونا بالميعاد على فكرة.
زمت شفتيها قبل أن تصحح له، وقد لاحظت ضيقه:
-أقصد ما بعتش "هيثم" قريبك بدل ما تكلف نفسك وتيجي؟
تقدم نحوها ليقول بنبرة ذات دلالة واضحة:
-أنا خال النونو....
لكن تحول أسلوبه الجاد للمزاح وهو يتابع:
-والمثل بيقول جحا أولى بلحم توره.
أخفت ابتسامتها على طرفته، وأولتها ظهره لتقول بجديةٍ:
-أها .. تمام ..
انحنت "فيروزة" لتحمل العلب الكرتونية الضخمة التي وضعت بها ما تم طلبه من قبل واحدًا تلو الآخر لتسنده على الطاولة أمامها، وقالت:
-اتفضل، كل حاجة جاهزة.
ألقى نظرة فاحصة لما تضمنته العلب وهو يسألها:
-والحساب؟
أشــارت بيدها نحو المكتب الفارغ قبل أن تجيبه:
-مع "علا" الفاتورة بتاعتك.
التفت برأسه للجانب لينظر إلى حيث أشــارت، عاود التحديق في وجهها متسائلاً:
-وهي فين؟ أنا مش شايفها!
أجابته ببساطةٍ:
-هي في مشوار وجاية دلوقتي، تقدر تستناها عند مكتبها.
هز رأسه معقبًا عليها:
-ماشي، بس هاودي الحاجة العربية.
-أوكي.
اقتضبت في الحديث وهي تجلس على المقعد لتراقبه خلال ذهابه وعودته بعينين نافذتين حتى انتهى من وضع كافة الصناديق، ورغم يقينه من انزعاجها لوجوده إلا أنه كان مستمتعًا باللحظات المحدودة التي يقضيها بصحبتها، خاصة حينما تكون ساكنة، رائقة المزاج، وبدون من يقاطعه.
................................................
مـــر بعض الوقت ولم تعد "علا" بعد من الخارج، وظل كلاهما في المحل بمفردهما دون أن يدخل إليه أحد، وكأن العالم خلا إلا من وجودهما .. جلس "تميم" على المكتب قبالتها يتطلع إليها بنظرات حذرة محاولاً التمتع بتأمل ملامحها دون أن تمسك به، بضعة أسئلة شغلت تفكيره كلما أطال النظر إلى وجهها وشرد في تعبيراتها العابسة، ما زالت لمحة الحزن تغلف قسماتها، تشجع ليقول وهو يضغط على أصابع يده:
-هو أنا مضايقك في حاجة؟
اعتدلت "فيروزة" في جلستها خلف طاولتها، سلطت أنظارها عليه وسألته بجمودٍ وكامل عيناها عليه:
-تفتكر إيه؟
سحب شهيقًا عميقًا يضبط به تلك الزوبعة الدائرة فيه، واسترسل معبرًا عما يشعر به حين يلتقي بها:
-يعني .. حاسس إنك مش طيقاني، وأنا ما بحاولش أفرض نفسي عليكي.
ابتسمت في استخفافٍ من جملته تلك، وتنهدت تجيبه بلمحةٍ ساخرة:
-باختصــار لو فكرت فيها كويس هتلاقي إنك سبب كل مصيبة حصلتلي..
برقت عيناه مصدومًا من صراحتها غير القابلة للتزييف، نكس رأسه في أسفٍ، وسمع صوتها تقول له:
-أظن كده الإجابة وصلت؟
لم يستطع الرد عليها أو حتى التبرير، كانت محقة في اتهامه مباشرة بأنه المتورط الأساسي في كل ما حل على رأسها من أذى وخراب، شعر بغصة مؤلمة تجتاحه حين تابعت بنفس أسلوبها الجاف والقساوة تنطلق من عينيها:
-سوري عندي شغل، مش فاضية للكلام معاك، ده أكل عيشي.
أشــاح بوجهه كليًا عاجزًا عن رفع أنظاره نحوها، شعر بنغصة تضرب قلبه لتزيد من إحساسه بالذنب نحوها .. مشاعر أخرى ناقمة تنضم للكراهية والعدائية نحوه تحديدًا، لا أمل للتصالح أو النسيان، أكدت له نبرتها ذلك وإن لم تبوح بهذا علنًا.
...................................................................
في تلك الأثناء، صف "آســر" سيارته على الجانب المقابل لرصيف المحل لعدم وجود مكانٍ شاغر لركنها به، كانت السعادة تتراقص بين ضلوعه لذهابه إلى هناك، خاصة أنه رغب في رؤيتها بشدة، اختفى الحماس المليء باللهفة حين لمح "تميم" عبر الزجاج جالسًا بالداخل، تقلصت عضلات وجهه، واِربد بالضيق الواجم، ظلت عيناه المنزعجتان ترتكزان عليه خلال عبوره للطريق وهو يسأل نفسه:
-بيعمل إيه جوا البني آدم ده؟
تجاهل صوت البوق الصــادح الذي ينبهه للسيارة القادمة بسرعتها من على بعدٍ، حاول قائدها تفاديه لكن لمساحة الشارع الضيقة لم يتمكن من فعل ذلك، فما كان منه إلا أن صدمه ليتدحرج "آسـر" على الطريق وسط صرخات وصدمة الجميع ..
انتفض من جلسته "تميم" لينظر من الزجاج للحادث المروري الذي جرى على مقربة منه مرددًا:
-يا ساتر يا رب.
ومن تلقاء نفسها خرجت "فيروزة" لتتفقد الحادث، ذهول صادم حل بها حين أبصرت جسده مسجى على الأسفلت، تحركت شفتاها لتناديه بارتعابٍ طبيعي من هول المنظر:
-ده "آسر"، حصله إيه؟
نظر لها "تميم" بعينين مزعوجتين لترديدها اسمه، أحس بمشاعره الحانقة تطفو على السطح لتغطي أي مشاعر نادمة أو حزينة، تبعها متجهًا إليه وسط الحشد الذي تجمع حوله، تعالت الأصوات اللائمة فقال أحدهم:
-يا عم في بشر ماشيين على الأرض، مش حيوانات عشان تدوسونا.
احتج قائد السيارة المتهم ليدافع عن نفسه:
-وربنا هو اللي غلطان، أنا ضربتله كلاكس من أول الشارع وهو مصمم يعدي، ولا كأن في حد بيزمرله.
لكزه أحدهم في كتفه قبل أن يلومه:
-دوس فرامل يا جدع إنت.. وخلونا نشوف هو مين ولا آ....
جثت "فيروزة" على ركبتها قبالة "آسر" لتقول عاليًا:
-أنا عارفاه يا جماعة..
ثم انخفضت نظراتها نحوه لتسأله في قلقٍ:
-إنت كويس؟ حاسس بإيه؟
اندفعت حمية "تميم" الذكورية لتغزي عروقه في ضيقٍ سافر وهو يتابع المشهد الدائر، غالب ما ينتفض في كيانه وسلط نظره على "آسر" الذي صرخ متأوهًا بألمٍ وهو يتحسس ساقه:
-آه.. مش قادر.
سألته "فيروزة" بعينين تدوران على وجهه لتتفحص بنظراتها مدى خطورة إصابته:
-طب قادر تتحرك؟
هز رأسه بالنفي وصرخاته تعلو في الهواء، اقترح عليه المتسبب في الحادث بعد الاعتذار منه:
-يا أستاذ أنا والله ما أقصد، ولو تسمحلي أوديك أقرب مستشفى نطمن عليك، والتكاليف على حسابي.
ردت عليه "فيروزة" دون تفكير:
-أنا هاجي معاه، أنا أعرفه كويس.
هنا تدخل "تميم" ليقول وهو يدفع الرجل للخلف ليقف مكانه في الصدارة:
-لأ خلاص يا كابتن، الموضوع مش مستاهل، وأنا معايا عربية وهوديه.
واصل "آســر" صراخه الموجوع، واستنجد بها بعد أن قبض بيده على ذراعها ليتشبث أكثر بها وليضمن عدم تركها له:
-الحقيني يا آنسة "فيروزة"، أنا بموت ولا إيه؟
هزت رأسها ترد وهي تنتزع يده عنها:
-متقلقش، احنا كلنا جمبك..
ألقت نظرة غريبة على "تميم" الذي مرر ذراعيه أسفل جسد "آسر" ليرفعه عن الإسفلت، اعتدلت في وقفتها وأشــارت نحو الخلف متابعة حديثها بأنفاسٍ شبه مضطربة:
-أنا هاقفل المحل وأجي معاك، اطمن.. هاتبقى كويس يا أستاذ "آسر".
ضغط "تميم" بقبضتيه على ضلوع الأخير الذي يسنده، وكأنه يريد تفتيتها وهو يتابع مدى اللهفة والخوف في عينيها، شعورٌ خانقٌ للصدور تمكن منه، ولم يستطع كبحه أو إيقافه، بل تركه يسري في بدنه ولسان حاله يردد بغيظٍ:
-هي واخدة بالها أوي منه كده ليه
-آآآه
صــرخ "آسر" متألمًا من ضغطاته العنيفة على أنحاء جسده الذي يئن بآلامها المستحدثة، ونظر له باشمئزازٍ من طرف عيه كما لو كان يوبخه، ولكن بلهجة آمرة:
-بالراحة، هو إنت معندكش دم، مش شايفني متبهدل إزاي؟
توحشت نظرات "تميم"، وكز على أسنانه ليرد بوقاحة:
-ابقى اتعلم تمشي إزاي في الشارع بدل ما تكوم كده، واللي زيي في الآخر بيشيلك.
ثم لف ذراعه حول كتفيه ليتمكن من السير به إلى سيارته، فتح له الباب الخلفي وأجلسه على المقعد ليمدد ساقه المتألمة في المساحة المتسعة، لم يكف "آسر" عن الصراخ والشكوى، أغلق "تميم" الباب ونظراته المزدرية نحوه لا تفارقه، استدار ليجد "فيروزة" مقبلة عليه فسد بجسده الباب الخلفي مقترحًا عليها:
-تعالي قدام هنا، مش معقول هتلزقي فيه، وإنتي شايفة حالته عاملة إزاي؟
شبت على قدميها محاولة النظر من خلف كتفه، وقالت في تفهمٍ:
-معاك حق.
بدا كمن أزيح عن صدره ذلك الثقل الجاثم بعدم اعتراضها على طلبه، ودمدم مع نفسه بارتياحٍ:
-كويس..
وفي لباقة غريبة منه فتح لها الباب الأمامي لتجلس على المقعد، استقرت فيه، وأغلقه ليدور حول مقدمة السيارة هامسًا لنفسه في سرورٍ بدد ضيقه المسيطر عليه قبل لحظاتٍ:
-أخيرًا عملت حاجة عدلة في حياتك يا برميل الرخامة.
..............................................................................
-مالك مكلضمة كده ليه؟
سألت "بثينة" ابنتها بتلك الكلمات المهتمة وهي تتمعن في وجه ابنتها المكفهر بداخل غرفة نوم "تميم" في منزل أختها، وكأن السعادة قد فارقتها منذ أدهرٍ، وتركت فقط آثارها على ملامحها نفخت "خلود" في زفيرٍ ممل وطويل لتشرد أمامها بنظرات فارغة جوفاء، أدارت رأسها ناحية والدتها التي كانت تنتظر ردها، وقالت بيأسٍ:
-كنت مفكرة إن "تميم" هيبات معايا لما جينا هنا..
وضعت إصبعيها أسفل ذقنها، وردت تسألها في إنكارٍ:
-أومال بيبات فين؟!!
أجابتها بإحباطٍ:
-يا في الوكالة يا في البيت ..
ثم زمت شفتيها لتتابع بتذمرٍ:
-وأنا اتهد حيلي هنا، طلبات عمال على البطال، وهو طول النهار برا أما خلاص هاشق هدومي من الغيظ.
ربتت على ظهرها في حنوٍ، وشدت من أزرها قائلة:
-معلش يا بت، بكرة تتعدل معاكي.
انتبهت كلتاهما للدقات الخافتة على الباب فتوقفتا عن الحديث، أطلت "ونيسة" برأسها وهي تسأل في فضولٍ:
-واخدين جمب كده ليه يا "بثينة" وقافلين عليكو الباب؟
أجابتها الأخيرة ببسمة مفتعلة مستخدمة يدها في الإشارة:
-مافيش ياختي، ده احنا عاملين بنرتب للسبوع، بنشوف هنعمل فيه إيه.
ردت عليها والحماس يملأوها:
-ماتشلوش هم، الحاج "بدير" هيعمل كل حاجة.
هزت "بثينة" رأسها في استحســانٍ، وأضافت:
-ربنا يبارك في عمره.
دنت "ونيسة" من ابنة أختها لتمسح على جانب وجهها الهادئ بحنوٍ، نظرت إليها بنظرات أموميةٍ قبل أن تدعو لها:
-وعقبال ما نفرح بعوض حبيبة قلبي.
انطلقت تنهيدات عاشمة من بين شفتيها وهي تغمغم برجاءٍ متزايد:
-يا رب يا خالتي، ادعيلي كتير.
قالت مبتسمة:
-بأدعيلك ربنا يديكي على أد نيتك
علقت "بثينة" في تهكمٍ:
-ما بلاش الدعوة دي، ادعيلها ربنا يفتحها في وشها.
كركرت "ونيسة" ضاحكة لترد بعدها بسجيتها الطيبة النابعة من فطرة لم تدنسها الضغائن:
-حاضر يا حبيبتي، هو أنا عندي أغلى من مرات ابني، دي بنتي التانية ................................................... !!
.....................................................................
يتبع >>>>>>>>>>>>>>
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الخامس 5 - بقلم Manal Salem
الفصل الأربعون
جلسا متقابلين على المقاعد المتاحة في الردهة بالمشفى بعد إيصــال "تميم" لذاك السمج الذي تعرض لحادث السير وتولي الطاقم الطبي مهمة التعامل مع حالته، لم تتركه "فيروزة" وظلت باقية تنتظر بتوترٍ نتائج فحص حالته، بالطبع اضطرت أن تهاتف رفيقتها "علا" لتطلعها على الأمر، لكونها أيضًا لا تعرف أصدقاء له أو حتى أي أقرباء سواها، نفخت في سأمٍ وهي تنظر لساعة هاتفها المحمول، مر الوقت بطيئًا عليها، وكانت في حالة قلقٍ واضحة، خشيت من وقوع الأسوأ. راقب "تميم" ما يصدر عنها بنظراتٍ حذرة آملاً ألا تمسك به وهو يتطلع إليها خلسة، كان على دراية بحدة طباعها، وعصبيتها الوشيكة، ناهيك عن تحفزها للانقضاض في التو على من يتجرأ عليها.
لاحظ الإرهــاق البادي على ملامحها، ما زال بها ذاك الشيء الغامض الذي يستحثه على النظر إليها دون ضجرٍ وفي صمتٍ لذيذ، حتى عيناها كانتا متعبتين، كل بضعة لحظات تفركهما بأناملها، تأهب في جلسته وقد نظرت إليه بغتةٍ لتسأله:
-في حاجة؟
تنحنح بخفوتٍ قبل أن يجيبها متعللاً:
-مكانش ليها لازمة تتعبي نفسك وتيجي، أنا بأعرف أتعامل في المواقف اللي زي دي و...
قاطعته وهي تشيح بوجهها للجانب:
-شكرًا.. كان لازم أجي، أنا أعرفه، بس إنت لأ.
ورغم إحراجها الواضح له إلا أنه لم ينزعج من صراحتها، لكن أغضبه اهتمامه الزائد بذلك الغريب الذي على ما يبدو لم تلتقِ به سوى بضعة مراتٍ ليستحوذ على ذلك القدر من قلقها، شعوره بالغيرة منه تعاظم بداخله، انصــرف عن التفكير في تصرفاتها معه حين أطل عليهما الطبيب، نهض واقفًا لينظر إليه، وقبل أن يبادر بالسؤال عن أحواله كانت "فيروزة" تتساءل بتلهفٍ:
-خير هو عامل إيه دلوقتي؟
كان "تميم" كالقابض على جمرٍ في راحته، كظم تلك الأحاسيس المنزعجة في صدره وحاول أن يبدو هادئًا، ما زال ذلك السؤال الغريب يلح عليه في رأسه، لماذا هو حانق هكذا بشأن اهتمامها بغيره؟ أليست غريبة عنه وأمرها لا يعنيه؟ كيف تنتابه تلك المشاعر المستاءة وتكاد تفتك بصدره؟ انتبه لسؤال الطبيب الروتيني المستفهم:
-إنتو قرايب المريض؟
تبادلت معه "فيروزة" نظرة مترددة قبل أن تعاود التحديق في وجه الطبيب لتجيبه:
-أيوه.. أنا أعرفه، وكلمت معارفه وهما في الطريق.
استفاض في شرح حالته موضحًا:
-عمومًا هو بخير، مافيش غير كسر في الساق، وهيتحط في الجبس لمدة شهر، مع شوية رضوض وكدمات طبعًا ده نتيجة الارتطام العنيف بالأرض، احنا عملناله أشعة مقطعية على المخ، والحمد لله مافيش ضرر.
تنهدت في ارتياحٍ وهي تجيبه:
-الحمدلله.
تابع الطبيب حديثه قائلاً:
-هو دلوقتي واخد مسكنات ونايم، وعلى الصبح هايكون فاق وتقدروا تتكلموا معاه.
هزت رأسها في تفهمٍ وهي ترد:
-تمام .. شكرًا يا دكتور.
قال مجاملاً قبل أن ينصرف:
-ربنا يطمنكم عليه.
ظلت "فيروزة" متسمرة في مكانها وقد بدت إلى حد ما شــاردة ومستغرقة في أفكارٍ تخصها .. حك "تميم" مؤخرة عنقه متسائلاً في اهتمامٍ، ونظراته مرتكزة عليها:
-أومال هتعملي إيه بعد كده؟
على ما يبدو أنها لم تنتبه له، صمتت مطولاً فلوح بيده أمام وجهها قائلاً:
-يا أبلة سمعاني؟
تقلصت تعبيراتها من حركته تلك، وعلقت بتهجمٍ:
-في إيه؟
تحدث من زاوية فمه قائلاً:
-بأقولك هو إنتي آ....
لم يتمكن للأسف من إتمام عبارته بسبب صياح رفيقتها المزعج:
-إيه الأخبار يا "فيروزة"؟
نظر لها في ضيقٍ وهي تلاحقها بأسئلتها:
-"آسر" عامل إيه دلوقتي؟ كويس ولا جراله إيه؟
ربتت على كتفها في رفقٍ، وأجابت بابتسامة صغيرة حتى تهدأها:
-اطمني يا "علا"، الدكتور لسه مخلص كلام معايا، وقالي حالته كويسة وتمام.
تنفست رفيقتها بعمقٍ لتزيح تلك الكتلة المقلقة الجاثمة على صدرها، وقالت بتضرعٍ وهي تضم قبضتيها معًا:
-الحمدلله يا رب.
غمغم "تميم" مع نفسه في سخطٍ:
-إيه المبالغة دي؟ هو داسه قطر وأنا معرفش؟!
بينما رفعت "فيروزة" أنظارها نحو أخيها الذي جاء بصحبتها، وسألته من تلقاء نفسها:
-إزيك يا "ماهر" بيه؟
سألها الأخير بصوتٍ جاد:
-إيه اللي حصله يا "فيروزة"؟
هزت كتفيها في عفوية وهي تجيبه:
-مش عارفة بالظبط، بس الظاهر إنه كان بيعدي الشارع وماخدش باله من العربيات، لأن شوفناه مرمي جمب الرصيف والناس حواليه.
حرك رأسه معقبًا عليها بلهجته شديدة الجدية:
-دلوقتي هنتكلم معاه ونفهم بالظبط إيه اللي حصل.
ردت عليه مشددة:
-لأ مش هاينفع، الدكتور قال على بكرة هنقدر نشوفه.
وضعت "علا" يدها على ذراع رفيقتها لتقول بنبرة ملتاعة، وعيناها تحبسان الدمع فيهما:
-كويس إنك كلمتينا.. أنا هاتجنن بصراحة عليه.
عضت "فيروزة" على شفتيها مبررة تصرفها في حرجٍ طفيف:
-ما هو أنا معرفش قرايب ليه، وبما إنه عارفكم فأكيد هتعرفوا تتعاملوا.
هزت رأسها في استحسانٍ وكأنها تشكرها على لجوئها إليها لمساعدته في أزمته المفاجأة، بينما تحولت كافة الأنظار إلى "تميم" الذي أشــار إلى وجوده حين استطرد هاتفًا:
-شدة وتزول.
ضاقت عينا "ماهر" بشكٍ وهو يسأله بما يشبه التعالي:
-هو إنت؟
لوح "تميم" بيده بحركة عسكرية مرحبًا بالضابط:
-مساءك فل يا باشا
قال باقتضابٍ وترفع:
-أهلاً..
أشــار "تميم" بيده إلى صدره متابعًا:
-أنا اللي لفحته على كتفه وجيبته هنا على فكرة.
التفتت "علا" نحوه لتشكره ببسمة متكلفة:
-ميرسي على تعبك.
رد عليها بفتورٍ:
-مافيش فيه حاجة خطيرة، هيعدي منها على خير يا أستاذة.
اكتفت بهزة خفيفة من رأسها قبل أن تنظر ناحية شقيقها لتطلب منه برجاءٍ كبير:
-عاوزين نطمن عليه ونشوفه يا "ماهر"، بليز خليهم يوافقوا ندخله.
استسلم أمام إلحاحها فقال على مضضٍ:
-حاضر.
شعرت "فيروزة" أن وجودها لم يعد مجديًا، بالإضافة إلى تأخرها كثيرًا في العودة إلى منزلها، وحتمًا ستقلق والدتها، لذا تشدقت قائلة:
-طيب أنا هستأذنكم هامشي دلوقتي، مش هاينفع أقعد أكتر من كده، وفي البيت قلقانين عليا.
ردت عليها "علا" وقد تفهمت أسبابها الشخصية:
-مش عارفة أقولك إيه يا "فيروزة"، وجودك فرق معاه حقيقي.
ابتسمت وهي ترد:
-ربنا يقومه بالسلامة.
اقترح عليها "ماهر" بلباقةٍ:
-تحبي أوصلك؟
اعتذرت بتهذيبٍ:
-المشوار مش بعيد ولا حاجة يا "ماهر" بيه، خليكوا إنتو مع الأستاذ "آسر"، وإن شاء الله يبقى كويس.
تضرعت "علا" مرددة في رجاءٍ:
-يا رب.
حافظت "فيروزة" على ابتسامتها المرسومة على شفتيها، وقالت:
-هاكلمك آخر النهار يا "لولو".
ردت وهي تومئ برأسها:
-أوكي.
تبادلت الاثنتان القبلات على الوجه لتعلق بعدها "فيروزة" حقيبتها على كتفها، اتجهت بخطواتٍ شبه سريعة إلى الدرج لتهبط عليه، ولكن استوقفها "تميم" الذي لاحقها مناديًا:
-يا أبلة..
استدارت لتنظر نحوه بوجومٍ:
-خير.
مرر يده على رأسه في ربكةٍ ظاهرة نسبيًا عليه، وقال مقترحًا عليها بأسلوب جاهد ليبدو لطيفًا للغاية:
-أنا رايح على الدكان، ممكن أوصلك في سكتي لو مش هيضايقك.
نظرت له بغرابةٍ قبل أن ترد معتذرة:
-شكرًا، هاركب من على أول الشارع.
وكأن برحيلها يصيبه فارغًا عجيبًا، فأصر عليها ممازحًا:
-يا ستي الطريق واحد، اعتبريني تاكسي لو ده يريحك.
التزمت برفضها، وعلقت عليه:
-مش هاينفع.. عن إذنك!
لم تتمهل في خطواتها وهي تهبط الدرجات سريعًا لتختفي من أمامه، تباطئ "تميم" في سيره مرددًا لنفسه بما يشبه المدح، وملامحها القريبة المليئة بالتفاصيل المشوقة قد باتت محفورة في ذاكرته:
-دماغك حجر .. بس بنت بلد وجدعة.
.........................................................................
على الأريكة المريحة أمام شاشة التلفاز العريضة جلست "خلود" بشرودٍ واجم تحدق بعينين غير مكترثتين المشاهد المتتابعة التي تُعرض أمامها، حادثتها خالتها لأكثر من مرة، وكأنها ترغب في مشاركتها التعليق على الأحداث، لكنها ظلت صامتة، تسرح في عالم خاصٍ بها، انتبهت لها "ونيسة" واعتدلت في جلستها لتسألها مباشرة، ونظراتها مثبتة عليها:
-مالك يا "خلود"؟ مضايقة من إيه؟
زفيرٌ مهموم خرج من جوفها قبل أن ترد باقتضابٍ:
-مافيش.
أثارت في نفسها الشكوك بردة فعلها الحزينةة التي تحمل الكثير من الدلالات المقلقة، لذا أصرت عليها علها تنجح في سبر أغوارها:
-إزاي مافيش؟ هو أنا عامية مش شايفة شاكلك عامل إزاي؟
نكست "خلود" رأسها لتبدو أكثر حزنًا، واستندت بوجهها على راحة يدها دون أن تنطق فتثير من فضول خالتها، تحركت الأخيرة من مكانها لتجلس إلى جوارها، مسحت برفقٍ على كتفها وجانب ذراعها، ثم قالت:
-قولي يا حبيبتي، في إيه اللي حصل؟
حاولت أن تستدعي عبراتها لتحجزها في محجريها وهي تجيبها:
-أنا حاسة إن "تميم" واخد جمب مني.
قطبت "ونيسة" جبينها متسائلة في قلقٍ:
-ليه بتقولي كده؟
استرسلت مستفيضة في توضيح أسباب استيائها:
-معرفش.. بس من ساعة ما جيت هنا وهو زي ما يكون مصدق، طول النهار برا، لا بيجي ياكل ولا حتى بيعدي يسأل عليا..
قصدت أن يظهر صوتها مختنقًا وهي تكمل شكواها:
-ويدوب لو جه يغير هدومه آخر يوم بينزل تاني على طول..
انفجرت باكية لتواصل حديثها بصعوبة فتقنع من يصغي إليها:
-ده أنا مابلحقش أشوفه ولا اتكلم معاه، زي ما أكون غريبة عنه، ده غير إنه قاصد يبات برا، وأنا زعلانة منه بصراحة، هو أنا مش مراته ومن حقي أقلق عليه؟!
ربتت مهونة عليها حزنها، وقالت بنبرة مواسية:
-يا عيني يا بنتي .. كل ده شيلاه في قلبك وساكتة.
أخفت عينيها الباكيتين عنها براحة يدها، وعللت بلؤمٍ:
-ما أنا خايفة اشتكي تزعلوا مني.
ردت عليها خالتها بحزمٍ، وقد بدت داعمة لها:
-لا مالوش حق، إنتي مراته مش حد غريب، أنا هاكلم عمك "بدير" وهاخليه يشد عليه.
رفعت أنظارها نحوها، ثم ادعت النحيب وهي ترجوها بأسلوبٍ ماكر خبيث:
-لأ بلاش يا خالتي، "تميم" يزعل مني إكمني اتفكيت معاكي بكلمتين.
ابتسمت تقول عن ثقة وقد سقطت بسذاجةٍ في فخها البسيط:
-متخافيش، مش هاجيبله سيرة، أنا أمه وليا لي كلام معاه، والليلة هايكون في حضنك.
على الفور احتضنتها في امتنانٍ زائف وهي تشكرها:
-ربنا ما يحرمني منك يا خالتي.
تراجعت عنها الأخيرة لتنظر إليها وهي تكفكف عبراتها، ثم قالت بوداعةٍ:
-ده إنتي غالية عندي..
وربتت على كتفها مجددًا قبل أ، تداعبها في ودٍ:
-شوفي الضحكة نورت في وشك إزاي.. ربنا ما يجعلها تفارقك
تنهدت معقبة عليها:
-يا رب يا خالتي.. يا رب.
..................................................................
أتت شكواها بنتائجها المرجوة، فحين حل المســاء، كان "تميم" عائدًا بصحبة أبيه إلى منزل الأخير ليقضي ساعات الليل به، بالطبع تلقى توبيخًا لا بأس به من أبويه، ولم يبرر لهما تصرفه في الانزواء عن زوجته، كان كعادته يُبقي ما يخصه سرًا لا يبوح به لكائنٍ من كان .. ولج إلى غرفته بتباطؤٍ، أزاح سترته عنه وأسندها على المِشْجب ليلتفت نحو زوجته التي باغتته باحتضانه وضمه إليها، بدا كالصنم للحظة من المفاجأة غير المرغوبة، لم يحاول حتى محاوطتها، تجمد في مكانه وهي تقول له باشتياقٍ:
-وحشني حضنك أوي.
أبعدها عنه برفقٍ ليقول ببرودٍ واضح في نبرته ونظراته إليها:
-أنا لسه ماصفتش من ناحيتك.
غالبت غيظها من قساوته، وسألته بنبرة مستكينة تدعي من خلالها براءتها:
-وهو أنا غلطت في إيه يا حبيبي؟
أجابها بما يشبه الهجوم:
-إنك تخبي عليا حاجة ولا تستغفلني ده أنا مقبلوش!!!!
عادت لتضمه، واستندت برأسها على صدره معتذرة منه بصوتها النادم:
-حقك عليا، أنا عمري ما أقدر أزعلك، إنت حبيبي وبس.
مل "تميم" من سماع مثل تلك العبارات المستهلكة، خاصة أنها لم تكن تلامس مشاعره، ولم يصل مضمونها الصادق إليه، أزاح ذراعيها عن جسده وتحرك نحو الدولاب ليأتي بملابسه، تبعته مختلقة المزيد من الأكاذيب:
-إنت عارف "هيثم" أخويا، مستهتر ومابيهموش حد، وإنت أكيد اتكلمت مع أمي وقالتلك على عمايله، أنا نفسي حاله يتصلح.
دمدم مع نفسه بصوت خفيض ظن أنها لن تسمعه:
-ما جايز تكونوا مطبخينها سوا، الله أعلم بنواياكم!
انقبض قلبها مما التقطته أذناها، ورددت والخوف يكسو تعبيراتها:
-نعم.. مش فهماك؟
التفت ليواجهها قائلاً، وتلك النظرة المتشككة تملأ حدقتيه:
-شوفي أخوكي فيه كل العبر، بس سكة المنشطات دي غريبة عليه، ومالوش فيها.
لعقت شفتيها، واستطردت مدافعة عن كذبتها:
-إنت.. بتقول إيه؟ يعني .. أنا هاكدب؟
لوى ثغره مرددًا بجمودٍ:
-الله أعلم..
وحدث نفسه في شكٍ دون أن يبعد نظراته النافذة عن وجهها المرتبك في تعبيراته:
-مسيرى هسأله في مرة.
استندت "خلود" بيدها على ضلفة الدولاب وقد شعرت بدوارٍ عجيب يلف رأسها، ترنحت في وقفتها، وقالت وهي تضع يدها على جبينها:
-مش عارفة مالي.. أنا دايخة كده.
علق "تميم" في تهكمٍ وهو يبتعد عنها:
-ما إنتي كنتي زي القردة من شوية.
ردت بأنفاس مضطربة، وهي بالكاد تحاول الوقوف ثابتة:
-لأ.. مش قادرة أقف على حيلي.
دقق النظر في هيئتها، لم تكن طبيعية بالمرة، عاد إليها وعاونها على السير ليمددها على الفراش، تأوهت أكثر من التعب، ألقى نظرة حائرة عليها، ثم قال:
-استني أشوفلك برشام ولا حاجة في الدرج.
فتح الكومود الملاصق لفراشه فوقعت عيناه على منديل الرأس والمشبكين، تلبك بشكلٍ متوترٍ وأغلقه على الفور، سلط أنظاره القلقة على زوجته المستلقية في حالة من الإعياء محدثًا نفسه:
-دي لو شافتهم هتقلبها حريقة.
تنحنح يقول لها:
-مافيش هنا، أنا هاطلع أشوفلك دواء يناسبك عند أمي.
ردت بوهنٍ وبصدر متهدجٍ:
-ماشي.. يا حبيبي.
خرج "تميم" من الغرفة و"خلود" تتطلع إليه بنصف عين، وما إن اختفى حتى اتسعت حدقتاها وزفرت كتلة من الهواء دفعة واحدة، وكأنها تخلص من شيء يجثم على أنفاسها، تحسست وجهها المتعرق بعرقه البارد قائلة بصوتٍ خفيض:
-كنت هاتكشف.. ربنا عداها على خير.
.............................................................
لليوم الثاني على التوالي، ولم تظهر على الساحة، اكتفت بمكالمة عادية لرفيقتها لتطمئن منها على وضعه دون القيام بأي زيارة استثنائية له مبررة بأنها المسئولة حاليًا عن إدارة المحل في غياب صاحبته التي تفرغت للبقاء بجواره.. ظهرت علامات الإحباط واضحة على وجه "آسر"، ورغم تعافيه قليلاً إلا أن انزعاجه كان واضحًا، حاولت "علا" تسليته، فاقترحت عليه:
-تحب أجيبلك شطرنج؟ أنا عارفة إنك بتحب تلعبه، أنا ممكن أغلبك كمان و..
قاطعها في فتورٍ:
-لا ماليش مزاج.. أنا عاوز أفضل كده.
ضمت شفتيها بيأسٍ وصمتت لتراقبه في صمتٍ، حملق "آسر" في الفراغ مستعيدًا في ذاكرته مشهد تشجع قليلاً ليسألها بأسلوب مراوغ:
-مافيش حد سأل عليا؟
هزت رأسها بالنفي وهي ترد:
-لأ..
ابتسم قائلاً بما يشبه المزاح:
-صاحبتك مش جدعة على فكرة، مفكرتش تيجي تزورني مرة، كإنها مصدقت خلصت مني.
أوضحت له بعفويةٍ:
-غصب عنها، هي شايلة الشغل كله مكاني، وأنا مابروحش خالص، بس كذا مرة اتصلت تسأل عليك.
انتبه لجملتها الأخيرة فتأهبت حواسه، وسألها بتلهفٍ:
-بجد؟ سألت عليا؟
ردت مبتسمة في رقةٍ:
-أيوه..
ثم عمدت إلى تغيير مجرى الحوار، وسألته:
-قولي مش عطشان؟ أجيبلك عصير؟ في نكهات كتير هنا.
تنهد معلقًا بحماسٍ:
-شوفي اللي يعجبك، أنا راضي بيه.
أحست "علا" بفيضٍ من السعادة يتسلل إليها لاستجابته لطلبها بأسلوبه المعتاد الذي يجذبها دومًا إليه .. لم تعلم أن حماسه الغريب راجعًا لاهتمامه بـ "فيروزة"، تلك التي شغلت تفكيره أكثر مما مضى بإنقاذها لحياته.
.................................................................
بعينين طامعتين يملأهما الشره والجشع حدقت "حمدية" في صواني الطعام المعبأة بالأطباق الشهية وهي تتجه نحو بناية عائلة "سلطان"، زمت "حمدية" شفتيها لأكثر من مرة ولعابها يكاد يسيل طمعًا في الاستحواذ على كل تلك الخيرات، مالت برأسها على زوجها ليبدو صوتها قريبًا من أذنه وهي تقول بحقدٍ:
-باين عليهم صارفين ومكلفين، شايف الأكل يا "خليل".
جاب زوجها بنظراته على الأوجه المألوفة المتراصة على المقاعد الخشبية حول المدخل في تجمعات بشرية ليرد عليها بانتشاءٍ:
-اللهم صلي على النبي، لأ وكبار التجار منورين كمان..
انخفضت نبرته محدثًا نفسه بنوعٍ من التفاخر:
-وقريب هابقى قاعد معاهم ومنهم لما نوضب الدكان وأتعرف عليهم.
توقفت "حمدية" عن السير لتخبره بما يشبه الأوامر:
-طيب أنا هاطلع مع الحريم فوق وإنت خلي العيال معاك بدل ما يلبخوني.
هتف معترضًا بنبرة متذمرة:
-بس دول هيصدعوا دماغي.
زجرته قائلة بصوتٍ خافت وبضيقٍ وهي تكز على أسنانه:
-يا خويا بأقولك عشان أعرف أعبي الأكل براحتي، إنت مش واخد بالك من الهلومة دي ولا إيه؟!
رد على مضضٍ وهو يحك رأسه:
-طيب.
نظرت "حمدية" من خلف كتف زوجها لتأمر أخته بنبرة مهتمة:
-مدي رجليكي شوية يا "آمنة"، هنتأخر على الجماعة.
لوحت لها الأخيرة بذراعها مرددة بابتسامتها الودودة:
-أنا وراكي أهوو.
نفخت "فيروزة" معلقة بقليلٍ من السخط:
-هي مستعجلة على إيه؟
مازحتها "همسة" بضحكة حذرة:
-تكونش نسايبها واحنا منعرفش!
أضافت توأمتها ساخرة منها بأسلوبها المتهكم:
-هي مرات خالك كده، تحب تتحشر في اللي مالهاش فيه، وفي الآخر بتاخد على دماغها لما تتزنق.
أخفضت "همسة" من صوتها لتقول:
-طب أقولك تلاقيها جاية مخصوص عشان تاكل وتلغ.
ردت عليها مؤيدة إياها في الرأي:
-أيوه، وتعبي في شنطتها، هي عادتها ولا هتشتريها.
استمعت "آمنة" إلى ثرثرتهما الخافتة فنهرتهما محذرة:
-بطلوا يا بنات بدل ما تسمعكم
كتمت الاثنتان ضحكاتهما العابثة ولحقتا بوالدتهما لتصعد ثلاثتهن الدرجات على مهلٍ حتى وصلن إلى منزل "بدير" .. استقبلت "ونيسة" ضيفاتها فاتحة ذراعيها في الهواء، وهي تردد بصوتها المهلل:
-يا مراحب بالغاليين.
مدت "حمدية" يدها لمصافحتها، وقالت بعشمٍ مبالغ فيه:
-مبروك يا حاجة "ونيسة" يتربى في عزكم، وربنا كأنه ابننا بالظبط، ده احنا من ساعة ما سمعنا الخبر واحنا الفرحة مش سيعانا.
جاملتها في الرد هاتفة:
-الله يبارك فيكي، تعالي عشان تسلمي على أم العريس.
ربتت على ذراعها في لطفٍ وهي تقول بضحكة مفتعلة:
-طبعًا، دي الغالية أم الغالي، عريسنا الصغير.
ثم أسرعت في خطواتها لتقدم التهنئة لـ "هاجر"، وقفت "آمنة" عند أعتاب باب المنزل تقوم بدورها في المباركة، ابتسمت مستطردة حديثها معها:
-إزيك يا حاجة، ربنا يبارك في الحفيد الصغير.
انحنت عليها "ونيسة" لتقبلها من خديها بعشرات القبلات المتتابعة قبل أن تشكرها:
-الله يبارك فيكي، وعقبال ما تفرحي بالبنات وعوضهم.
هزت رأسها معقبة:
-إن شاء الله.
قدمت كلاً من "فيروزة" و"همسة" مباركاتهما لها قبل أن تستقر الاثنتان بجوار والدتهما على المقاعد الشاغرة .. توالى دخول البقية ملقين التحيات والتهنئات ليبدأ بعدها الحفل المعتاد بترديد أغاني السبوع الشهيرة بواسطة فرقة شعبية ملأت الأجواء صخبًا وحماسة .. بعد ما يزيد عن نصف الساعة هدأت الضوضاء لتبدأ "ونيسة" وقريباتها في توزيع الحلوى والفول السوداني على الحضور كتقليد متبع عند الاحتفاء بالمولود الجديد .. انتظرت "حمدية" ريثما اقتربت منها صاحبة المنزل لتسألها بوقاحة ودون أدنى تمهيد:
-بأقولك إيه يا حبيبتي؟ عاوزين كده نبص على الشقة اللي هتتجوز فيها عروستنا، مش بردك هي هنا في العمارة؟
ورغم استغرابها من طلبها الذي لا يعد مناسبًا في مثل هذا الظرف العائلي إلا أنها ردت بتهذيبٍ:
-أيوه .. إديني لحظة أقول للحاج "بدير" يجيبلي المفتاح.
سألتها "حمدية" مستفهمة وقد ضاقت نظراتها:
-هو إنتي مش معاكي نسخة؟
جاوبتها بالنفي وموضحة أيضًا:
-لأ، هو اللي متولي موضوع الشقة من الألف للياء .. مش كان متفق معاكو على كده؟!
رفعت "حمدية" حاجبها للأعلى، وأضافت بوقاحةٍ سمجة:
-طب احنا كمان عاوزين نسخة.. يعني العروسة محتاجة تطل كل شوية عليها تشوف ناقص إيه وتحطه، مش معقول في الراحة والجاية هنعدي عليكم.. زدي حقها بردك! ولا أنا غلطانة؟!
استنكرت "ونيسة" طريقتها المبتذلة في التوضيح، وردت بوجهٍ عابس:
-ماهي بتاعتها، محدش قال غير كده.
قالت "حمدية" مُلطفة حين لاحظت تبدل تعبيراتها للضيق:
-أنا مش عاوزاكي تضيقي مني يا حاجة، ده إنتي على راسي من فوق والله...
ثم سحبتها من ذراعها بعيدًا عن الضوضاء والأعين المراقبة لها لتهمس بمكرٍ مخادع:
-بس هاعمل إيه أخت جوزي عمالة تزن عليا، وأنا الصراحة محروجة منك وفي نص هدومي.
هزت رأسها في تفهمٍ دون أن تنطق، بينما ابتسمت لها الأولى قائلة بخبثٍ:
-تعيشي يا حاجة، وعقبال ما نفرح بعوض المعلم "تميم".
ردت مجاملة باقتضابٍ:
-يا رب.
نظرت "فيروزة" شزرًا إلى تلك السمجة التي تتطفل بلا داعي فيما يخص شئون عائلتها، وانزعجت أكثر حين رأتها تنفرد بمضيفتهن، تمتمت بضيقٍ معكوسٍ على قسماتها المشدودة:
-الولية دي إيه اللي حاشرها معانا، مش فاهمة بصراحة، لولا الفضايح كنت قومت اتخانقت معاها.
قالت "همسة" بصوتٍ خفيض محاولة تهدأتها:
-كبري دماغك منها، هي حابة تعمل نمرة قصادهم، ما إنتي عارفاها، ماتستهلش إننا نسأل فيها، دي تلاقيها متغاظة مني عشان موضوع السلسلة.
نفخت عاليًا وباستياءٍ ضجر منها، انتبهت "فيروزة" لتلك الاهتزازة في حقيبتها، فتحتها لتخرج منها هاتفها المحمول، نظرت إلى شاشته فوجدت اسم رفيقتها يحتله، نهضت واقفة ووضعت حقيبتها مكانها لتقول بوجهٍ جاد في تعبيراته:
-ثواني هاشوف "علا" بتتصل، هاطلع أكلمها من برا.
أومأت "همسة" برأسها:
-طيب يا "فيرو".
بحثت وسط الزحام المتزايد في المنزل عن منفذٍ يمكنها من الخروج، لكن بدا الطريق مسدودًا بسبب المقاعد الكثيرة المتراصة حتى المدخل، التفتت تبحث عن مخرجٍ آخر لها، فلمحت الردهة، اتجهت إلى هناك لتقف عند بقعة شبه خالية من الضيوف، وقبل أن تجيب على الاتصــال بدأت الفرقة الشعبية تشدو أغانيها من جديد مما أفسد عليها الفرصة لسماع الطرف الآخر بوضوح، تابعت سيرها في الردهة الطويلة حتى نهايتها عند غرفة ما بابها موارب، سدت أذنها بيدٍ، ووضعت الهاتف على الأذن الأخرى تُجيبها بعبارات متلاحقة:
-ألو.. أيوه يا "علا" معلش يا حبيبتي مش عارفة أسمعك كويس، أنا برا مع آ...
بترت عبارتها وقد اعتلى تعبيراتها صدمة كبيرة، ثم قالت في ذهولٍ:
-أستاذ "آسر"؟
وعلى ما يبدو أنها لم تدرك وجودها بالقرب من غرفة الجد "سلطان" حيث كان حفيده بالداخل معه يدثره في فراشه بعد أن قضى الأول بعض الوقت بالخارج مستقبلاً المهنئين مع ابنه ليتمكن منه التعب فيستأذن ليستريح .. فتح "تميم" باب الغرفة على مصرعيه ليتفاجأ بها قبالته، خفقة كالصاعقة ضربت قلبه وانتشر كامل تأثيرها في كيانه، ابتسمت شفتاه تلقائيًا، ولمعت عيناه بشكلٍ عجيب، ما لبث أن اختفى ذلك في لحظة وقد التقطت أذناه اسم هذا اللزج تردده، وبكل ما اعتراه من مشاعر مغتاظة اندفعت بغتةٍ لتغزي عروقه تجرأ ونادها مجردة من أي ألقــــاب:
-"فيـــروزة" ................................................ !!
.....................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل السادس 6 - بقلم Manal Salem
القراء الكرام ..إن شاء الله تكونوا جميعًا بخير وفي أحسن حال ..هستأذن حضراتكم إن يوم الجمعة مافيش فصل بسبب أخويا محتاج اللاب توب عشان الأبحاث الخاصة بكليته، وهاستعيده منه بعد أسبوع إن شاء الله، يعني فصلنا هايكون في موعده على الثلاثاء ما لم يجد جديد ..ودلوقتي أسيبكم مع الفصل
الفصل الحادي والأربعون
على ما يبدو أنها لم تنتبه إلى صوته المنادي باسمها مجردًا من أي ألقابٍ بسبب الضوضاء الصاخبة المحيطة بها مما منح "تميم" الفرصة لتدارك نفسه قبل أن يحدث ما لا يُحمد عقباه مع شخصية مندفعة مثلها، في حين استغرقت "فيروزة" في مكالمتها غير المريحة محاولة الإصغاء لصوت الطرف الآخر مما اضطره –وبناءً على رغبة ملحة بداخله- للتجرأ قليلاً والنقر بإصبعه على كتفها الأيمن لتشعر بتلك اللمسة الغريبة عليها، ربما لم يكن ليفعل ذلك مُطلقًا لولا سماعه لاسم هذا الكائن اللزج ينطلق من بين شفتيها، استشاط غضبًا وكأن بينهما عداوة غير مفهومة، استدارت كليًا للخلف لتتفاجأ به واقفًا ورائها، سريعًا ما احتل قسماتها الضيق، تحفزت لاختلاق المشاكل معه، وسألته بتلقائيةٍ:
-إنت بتعمل إيه هنا؟
ابتسم لرؤيتها محدقة به، وأجابها ببساطة، وبنبرة أقرب للمزاح:
-على حد علمي ده بيت أبويا.
تذكرت "فيروزة" أين هي، وشعرت بالحرج الشديد، ابتلعت ريقها ورددت معتذرة منه:
-سوري .. مخدتش بالي...
كذلك انتبهت أيضًا للمكالمة الدائرة مع "آسر" فأشارت بسبابتها لـ"تميم"، وأضافت:
-لحظة كده.
حافظ الأخير على ابتسامته اللطيفة مرسومة على محياه إلى أن استطردت قائلة بشكلٍ آلي:
-حمدلله على السلامة يا أستاذ "آسر"، مش هاينفع أتكلم مع حضرتك، لا الوقت ولا المكان مناسبين لده، بس دعواتي ليك بالشفاء، سلامو عليكم.
أحس "تميم" بالارتياح لأسلوبها الجاف في التعامل معه، وكأن كلماتها الجامدة قد أثلجت صدره، نظرت إليه مجددًا في استغراب حائر، بدا مستمتعًا على عكس طبيعته، انتبه لنظراتها الفضولية، واقترح عليها وتلك الابتسامة البلهاء تشكلت على ثغره:
-لو عاوزة تتكلمي براحتك فأوضتي القديمة هناك، مافيهاش حد وتقدري تاخدي راحتك.
لوحت بهاتفها المحمول أمام وجهه لتقول حاسمة الأمر:
-شكرًا.. المكالمة خلصت.
من تلقاء نفسه علق ساخرًا:
-أحسن برضوه.
لم تفهم كلماته المبرطمة فسألته وقد انعقد حاجباها:
-بتقول حاجة؟
حك جبينه قائلاً بأسلوب مموه:
-بأقول إن الطريق من هنا عشان ماتهويش.
هزت رأسها في تفهمٍ وهي ترد:
-أها.. شكرًا.
انتظر في مكانه ونظراته ترافقها إلى حيث اتجهت، خرج من صدره تنهيدة بطيئة مليئة بمشاعر أصبحت من طقوسه المميزة حين يراها، تحفز في وقفته وانتصب كتفاه حين سمع والدته تناديه عاليًا:
-"تميم"! تعالى عاوزاك.
اقترب منها متسائلاً، وعيناه تبحثان في خلسة عن "فيروزة" بين الحضور:
-خير يامه؟
أمسكت به "ونيسة" من ذراعه واشرأبت بعنقها للأعلى لتهمس له في أذنه بنبرة آمرة:
-انزل لأبوك قوله يجيب مفتاح الشقة اللي فوق، نسايب "هيثم" عاوزين يشوفوها.
توقف عن الدوران بعينيه حين حدد مكان جلوس "فيروزة"، عادت الابتسامة لتشرق على تعابيره وهو يرد:
-طيب.. هنزله.
ألقى "تميم" نظرة أخيرة عليها لينصرف بعدها لينفذ ما أملته عليه والدته من طلبات، بينما مالت "همسة" على توأمتها تسألها في اهتمامٍ بعد أن هدأت الضوضاء قليلاً:
-في حاجة مهمة حصلت مع "علا"؟
ردت نافية:
-لأ يا "همسة".
-أومال اتأخرتي ليه؟
أجابتها باقتضابٍ:
-هابقى أحكيلك لما نروح البيت.
هزت رأسها في تفهمٍ:
-ماشي.
......................................................
على الجانب الآخر، وبداخل المطبخ المزدحم بعشرات الصحون المليئة ببقايا الطعام والتي تم تجميعها في الحوض لغسلها لاحقًا بعد جمع الأوساخ في القمامة جلست "خلود" في حالة من الإعياءِ وإلى جوارها والدتها تمسح على ظهرها برفقٍ، حاولت الأولى رفع رأسها المحني للنظر إليها، لكن ظل ذاك الدوار المزعج ملازمًا لها مما أجبرها على تنكيس رأسها أغلب الوقت، تحسست بيدها بشرتها، وهتفت شاكية:
-مش قادرة يامه، من الصبح بطني قالبة عليا.
سألتها "بثينة" بجديةٍ:
-كلتي إيه؟
التقطت أنفاسها بصعوبة لتهبط من إحساس الغثيان الذي يعتريها، وجاوبتها نافية:
-ولا الهوا..
تأوهت من الألم، وتابعت القول:
-شكلي خدت برد.
نهضت والدتها لتتجه للدواليب الخاصة بأدوات المطبخ باحثة عن أعشاب ما في داخل البرطمانات المتراصة به، وقالت بنوعٍ من التبرم:
-دلوقتي اعملك حاجة سخنة تهدي معدتك، ما إنتي يا حبة عيني مفحوتة معاهم، إياكش يقدروا!
شعرت "خلود" أنها على وشك التقيؤ من تلك الرائحة النفاذة التي تزعج أنفها وتزيد من تحفيز تقلصات معدتها، عبرت عما ينتابها من تقلبات غريبة قائلة:
-في ريحة كده غريبة .. مخلياني كده قرفانة.
انتصبت "بثينة" في وقفتها بعد أن تركت ما في يدها لتستدير نحوها، دنت منها متسائلة في لؤمٍ وقد انخفضت نبرتها:
-لأحسن يا بت تكوني آ....
بترت عبارتها عن عِمد ليتفقه ذهن ابنتها لما ترمي إليه من كلمات مقتضبة ذات دلالات صريحة غير قابلة للتشكيك، برقت عينا "خلود"، وهمست بقلبٍ يدق في توترٍ:
-قصدك إنه حصل يامه؟
ظهرت ابتسامتها من خلف تلك الضحكة الماكرة وهي تؤكد لها:
-مش بعيد، كل كلامك يتفهم كده.
خفق قلبها بشدة وقد راقتها الفكرة كثيرًا، قبضت "بثينة" عن رسغها مشددة عليها بلهجة لا تقبل بالهزل وقد غامت نظراتها:
-بأقولك إيه إخفي على الخبر ماجور لحد ما نتأكد، واللي يسألك قوليله كلتي حاجة قلبت معدتك.
سألتها باسترابةٍ:
-ليه؟
أجابتها بنفاذ صبرٍ:
-عاوزانا نعمل هوليلة على الفاضي، ويطلع في الآخر مافيش حاجة، لازم نتأكد وبعد كده نرمي الخبر زي القنبلة.
هزت رأسها توافقها الرأي وهي ترد:
-حاضر يامه.
تابعت قائلة بصوتها الخافت، وكأنها تملي عليها أوامرها:
-ومن بكرة الصبح هعدي أخدك نعمل تحليل.
-طيب
قالتها وهي تعتدل في جلستها على المقعد، ناولتها والدتها كوبًا من الماء لترتشفه، وحذرتها مشيرة بنظراتها:
-وإنتي ماتخليش المحروس يقرب منك لحد ما نطمن.
تقلصت تعبيراتها بقليلٍ من الانزعاج، وتساءلت في ضيقٍ رافضة إطاعتها في مسألة علاقتها الحميمية بزوجها:
-ولو سألني؟ وكان عاوز آ.....
قاطعتها بفظاظة حاسمة المسألة عليها:
-ياختي حوش حوش كان مغرقك بحبه، ده ما هيصدق يا ادلعدي إنه يخلع.
وكأنها لامست وترًا حساسًا في علاقتها به، غلف وجهها تعابيرًا غاضبة، وردت بحزنٍ غطى صوتها:
-الله يامه، إنتي هتعتتي (توبخ) جتتي!
قالت لها بجمودٍ:
-لأ ياختي، عاوزة مصلحتك..
ثم ركزت أنظارها عليها لتتابع بنبرة أقلقتها:
-اسمعي كلامي وإنتي هتكسبي، غير كده هتخسري، وساعتها هتجيلي أصلحلك اللي فات.
لم يكن أمامها بدًا من الاعتراض أمام تعليماتها الواضحة، اضطرت أن ترضخ لها وتنفذ ما طلبته على غير رضا منها.
.....................................................
لمحه وهو يصطف بسيارته النصف نقل على مسافة قريبة من الحشد المرابط أمام مدخل البناية، لوح بذراعه لبعض المهنئين الذين قدموا لمباركة المولود الجديد .. لحظاتٍ واتجه "تميم" إلى ابن خالته وقد حصل على مفتاح المنزل من والده، انتظره حتى أوقف المحرك وترجل من السيارة ليسأله باهتمامٍ:
-إتأخرت ليه يا "هيثم"؟
أجابه مسترسلاً في الإيضاح بعد أن أوصد الباب:
-كان في شوية عكوسات في التوريد في المينا، بس ظبطت الدنيا.
أثنى عليه قائلاً وهو يربت على كتفه:
-الله ينور.
سأله "هيثم" مبتسمًا:
-السبوع خلص ولا إيه؟
رد نافيًا:
-لأ .. لسه شغال ..
ثم مد يده بالمفتاح ليقول له:
-خد المفتاح واطلع لنسايبك وريهم الشقة.
أشرق وجهه المرهق وهو يسأله بسعادة غريبة كست كامل ملامحه:
-هما جوم؟
تعجب من تبدل أحواله، ورد مشيرًا بيده:
-من بدري.
هندم "هيثم" من هيئته ليتأكد من ضبط ثيابه عليه، وقال بحماسٍ أكبر وقد همَّ بالتحرك:
-طيب هاطلعلهم على طول.
-ماشي
قالها وهو يستدير ليتبعه بخطواتٍ متهادية وهو ما زال متعجبًا من تأثير الوقوع في العشق عليه، إن لم يكن يعرف "هيثم" جيدًا لظن أنه يخادعه، ولكن إحقاقًا للحق خلال الفترة المنصرمة أظهر تغييرًا جذريًا في شخصيته المستهترة ليتحول للنقيض، أيمكن أن يفعل الحب المستحيل؟
......................................................
عبأت حقيبتها بما استطاعت حمله من أطعمة شهية حتى لم تعد قادرة على غلق سحابها، ابتسمت "حمدية" لفسها في انتشاء لكونها قد اختارت تلك الحقيبة الجلدية المتسعة لتستخدمها خلال الحفل، استعانت أيضًا بحقيبة بلاستيكة سوداء وضعت بها الحلوى والفول السوداني متعللة أنهم لصغارها الأبرياء، ولم تبخل عليها مضيفتها في منحها المزيد حتى تألمت عضلات ذراعيها من حجم الثقل الذي تحمله، ورغم الوزن الزائد أصرت على الصعود للطابق العلوي لتتفقد المنزل مع البقية، ارتفع حاجباها للأعلى في اندهاش من مساحة المنزل المتسعة، حاولت أن تخفي غيرتها بوضع قناع الجمود، لكن بقيت نظراتها الحاقدة ظاهرة عليها، غمغم مع نفسها في غيظٍ:
-يا بنت المحظوظة، كلي دي هتبقى بتاعتك.
تساءل "هيثم" عن الانطباع الأولي لما أجراه من تعديلات وهو يراقب ردة فعل خطيبته:
-إيه رأيك؟
وبنظراتٍ متأففة متعالية بادرت "حمدية" بالرد:
-مش بطال.
صححت "همسة" على الفور ببسمة رقيقة:
-ماشاء الله جميلة.
بينما احتدت نظرات "فيروزة" نحوها، لم تحبذ أبدًا وجودها المستفز، ناهيك عن تعليقاتها السخيفة المحبطة، حاولت قدر المستطاع تجاهلها حتى لا تتسبب في إفساد الوضع، لتبقى على الحياد كما اختارت إلا إن تطلب الأمر تدخلها، تجولت في أرجاء الشقة متفقدة غرفها، في حين تولى "هيثم" مهمة شرح ما تم إجرائه من تعديلات مؤخرًا فيها، فقال بصوتٍ مرتفع نسبيًا مستخدمًا يده في الإشارة:
-النجارين غيروا حلقان الأبواب والشبابيك، وخدوا مقاسات الشبابيك الجديدة وهيدهنوا ويكونوا جاهزين كمان كام يوم.
ردت "همسة" تجامله:
-تمام .. تسلم على تعبك.
وأيدتها والدتها الرأي فقالت:
-ربنا يعينك يا ابني، الحاجات دي بتاخد وقت ومجهود.
ابتسم لهما في سعادةٍ، وتابع بنفس النبرة المتحمسة:
-احنا عملنا البلاط فاتح عشان يدي وسع للشقة.
علقت عليه "حمدية" بشفاهٍ مقلوبة وهي تتجول بين الصالة والردهة:
-مايضرش.
رمقتها "همسة" بنظرة منزعجة منها، والتفتت نحو "هيثم" الذي واصل حديثه قائلاً:
-والعفش في أي وقت نروح المعرض ننقي ونشتال على طول.
زمت "حمدية" شفتيها معقبة عليه:
-وماله.
ظهر الضيق على "هيثم" من تدخلها غير المقبول في الحوار، وتساءل:
-في حاجة مش عجباكي يا "همسة"؟ حابة تغيري في الألوان؟
أجابته مشيرة بيدها نحو الحائط:
-ممكن نخلي الصالة بيج، مش بأحب الألوان الغامقة.
هز رأسه قائلاً:
-اللي تعوزيه، هاعدي عليكي بعد بكرة يكون البوهيجي جابلي الكتالوج نختار منه اللي يعجبك.
ابتسمت في حبورٍ وهي ترد:
-شكرًا.
وقفت "حمدية" أمام النافذة المفتوحة فضربت نسمات الهواء العليلة وجنتيها، تنفست بعمقٍ وأخرجت الهواء من صدرها مرددة بما يشبه الحسد:
-الشقة شرحة، وبرحة، وهواها بحري يرد الروح.
علق عليها "هيثم" بعفوية:
-ولسه لما تتقفل.. هتبقى حاجة تانية خالص.
ردت عليه "آمنة" في استحسانٍ:
-تتهنوا بيها إن شاءالله يا ابني.
ضجرت "فيروزة" من الانتظار فقالت:
-مش يالا بقى.
حدجها "هيثم" بنظرة حادة قبل أن يعترض عليها:
-أنا لسه مخدتش رأيها في الإيشاني بتاع المطبخ.
نفخت الهواء دفعة واحدة لترد عليه:
-أوكي ..
ثم وجهت حديثها لتوأمتها ووالدتها قائلة:
-أنا هانزل أستناكو تحت.
ردت عليها "آمنة" بإيماءة صغيرة من رأسها:
-ماشي يا "فيروزة".
خرجت الأخيرة من المنزل متجهة إلى الدرج لكنها تفاجأت باتصالٍ متكرر من "علا"، ظنت أن "آسر" هو من يحاول التودد إليها مجددًا، وبحزمٍ قررت أن توبخه، لكن خاب تخمينها مع سماعها لصوتها المألوف، بادرت بمعاتبتها بضيقٍ:
-ينفع كده يا "علا"؟ هو أنا بتاعة الحركات دي؟
صمتت لتصغي إلى تبريرها:
-هو طلب مني إنه عاوز يشكرك بنفسه..
هتفت فيها بقليلٍ من الضيق:
-ده أنا كنت هاحرجه والله.
احتجت على جفائها قائلة:
-يا "فيرو" أنا شايفة الموضوع عادي.
أيقنت أنها لن تصل إلى نتيجة معها في ذلك النقاش لكونها متساهلة بعض الشيء فيما يخص علاقتها بالجنس الآخر، على عكسها دومًا متحفظة فيما يخص شئون الرجال، زفرت ببطءٍ قبل أن تنطق:
-حصل خير.
استأذنتها "علا" في رقةٍ:
-بصي يا قلبي، أنا بكرة مش هاينفع أروح المحل، أنا عارفة إني تقلت عليكي اليومين دول و...
تفهمت أسبابها وقاطعتها قائلة:
-خلاص ولا يهمك، أنا هتعامل وهاخلص المطلوب
شكرتها بحماسٍ رهيب:
-حبيبتي يا "فيرو"، ربنا يخليكي ليا.
....................................................................
في تلك الأثناء، ظهر رفيقه القديم على الساحة ليقدم التهنئة له، تعامل معه "تميم" بفتورٍ واضح، وكأنه لا توجد صداقة بينهما امتدت لسنواتٍ كثيرة، ما زال صدره يحمل له الضغينة جراء تهوره الأرعن، رأى بصحبته كلاً من "حمص" و"شيكاغو"، كلاهما قد جاءا لتقديم المباركات، وبنفس الأسلوب الحذر المقتضب تعامل معهما، حاول "ناجي" ممازحته ليذيب الجليد السائد بينهما، فسأله بابتسامة عريضة:
-إيه يا عم لا بتعدي ولا بتسأل؟
رد عليه متسائلاً بوجومٍ، ونظراته تجوب على أوجه الثلاثة:
-عاوز إيه يا "ناجي"؟ وجايب جوز المقاطيع دول معاك ليه؟
تلقائيًا استدار برأسه للخلف لينظر إلى تابعيه، وعاد ليحدق فيه موضحًا بنفس الأسلوب المازح:
-قولنا نعمل الواجب مع الحاج "بدير"، مبروك يا خال، وعقبال فرحتنا بولادك.
اقتضب في الرد قائلاً:
-متشكر.
ثم تركه ليرحب بآخرٍ قبل أن يتجه إلى مدخل البناية، استوقفه "ناجي" الذي تبعه عند أعتاب المنزل صائحًا بنبرته الجادة:
-شكلك لسه زعلان مني من ساعة الحكاية إياها.
التفت نحوه "تميم" ليرد بحدةٍ:
-بصراحة أه...
لم يدرك الأخير بوجود "فيروزة" في تلك البقعة المعتمة نسبيًا حيث كانت تهاتف رفيقتها، انتبهت للأصوات المرتفعة خاصة حين تابع "تميم" بنبرته اللائمة:
-إنت لبستني ليلة ماليش فيها يا "ناجي"، والجماعة مفكرين إني حرقت عربية الأكل بسبب جوز البهايم اللي معاك
تقدم صديقه نحوه متحججًا:
-مكانوش يقصدوا يا سيدي، كانوا مفكرين إنهم بيوجبوا معاك لما حرقوها.
هدر به في غيظٍ:
-وهو أنا طلبت منك تعمل كده؟
أجابه نافيًا وقد نكس رأسه قليلاً:
-الصراحة لأ.
حذره مجددًا بلهجة يشوبها الصرامة:
-فهم الجوز اللي معاك إني مش عايز منهم أي مصلحة، مشاكلي بأحلها بنفسي!
حلت الدهشة المصدومة على تعبيرات "فيروزة" بعد أن عرفت الحقيقة كاملة بمحضِ الصدفة، وقالت مستنكرة حكمها المجحف في حق من نصبته عدو مصلحتها:
-معقول .. يعني أنا ظلمته؟
حاول "ناجي" تلطيف الأجواء، فقال بنبرته الهازئة وهو يربت على كتفه:
-طب روق يا خال، ده الليلة فل وحاجة آخر جمال.
رد عليه بجمودٍ:
-"ناجي" شوفلك سِكة دلوقتي عشان أنا مش رايقلك.
تفهم عزوفه عن مجاراته في الحديث، وقال بيأسٍ:
-ماشي يا صاحبي، مش هعاتب عليك، لينا أعدة سوا بعدين، سلام!
لوح له بيده باستخفافٍ:
-سلامين يا سيدي.
استدار "تميم" ليتابع سيره نحو الدرج ليتفاجأ بوجود "فيروزة" قبالته، نفس تلك الحالة المتخبطة تظهر من العدم لتربكه، استغرب من نظراتها التي تتأمله بشكلٍ غريب لم يألفه منها، أحس بانقباضة تضرب قلبه، وباهتمامٍ زائد سألها:
-خير يا أبلة؟ في حاجة حصلت فوق؟
باغتته بسؤالها المباشر، وعيناها مثبتتان عليه:
-إنت محرقتش العربية؟
تدلى فكه السفلي في صدمة لحظية من سؤالها، خاصة مع لمعان حدقتيها المتسعتين، تشوش تفكيره لثوانٍ، لم يتوقع أبدًا أن تكون حاضرة خلال تلك المحادثة التي ربما رتبها القدر له، وسألها كما لو كان يفكر بصوتٍ مسموع:
-إنتي سمعتي الحوار؟
تنحنحت مبررة وجودها بنبرة هادئة حتى لا يُساء فهمها:
-بالصدفة، مكونتش قاصدة يعني.
بدا مسرورًا للغاية من استكانتها العجيبة التي نادرًا ما يراها في حضوره، وكأنها ازدادًا فتنة وسحرًا بتلك الهالة غير الاعتيادية من الرقة الخفية، وجد نفسه يبتسم في ابتهاجٍ وهو يرد:
-مش مشكلة، المهم تتأكدي إني ماليش دخل في العوأ ده كله.
تصنعت الجدية وعقبت عليه:
-هو موضوع واتقفل، وأنا ما ببصش ورايا.
تشجع ليطلب منها قبول تعويضه فبحث عن الكلمات المناسبة لخلق جملة مرتبة، لكن على ما يبدو خانه لسانه من جديد، وبربكةٍ ظاهرة عليها حاول أن يقول:
-طب إن كان ينفع آ.....
فسدت جملته قبل أن تكتمل واكتسب وجهه لمحة عابسة حين سمع الصوت الأنثوي المنادي من الأعلى:
-نادي على خالك يا "فيروزة" لو شايفاه عشان احنا ماشيين.
أدارت رأسها للخلف، وردت:
-حاضر يا ماما.
عادت "فيروزة" لتحدق في وجهه المتجهم بشكلٍ غريب قائلة:
-عن إذنك، عاوزة أروح لخالي.
لم ينتبه "تميم" لجسده الذي سد الطريق عليها، وفهم من نظراتها وحركة يدها أنها تريد المرور، عاد عقله ليعمل بكامل إدراكه بعد حالة التخبط المستحوذة عليه ليقول بصرامة ونظراته الجادة توحي بعدم تقبله للرفض:
-خليكي إنتي.. هو قاعد وسط الرجالة، مايصجش تخشي وسط الزحمة.
فاجأته للمرة الثانية بردها الهادئ المغلف بالشكر:
-اوكي .. شكرًا يا معلم
ابتسم قائلا في انتشاء وقلبه يقفز طربًا بين ضلوعه، وكأن حفلة صاخبة تُقام الآن فيه:
-العفو.
أملى عينيه بتأمل وجهها في تلك الثواني المعدودة قبل أن يستدير خارجًا من مدخل البناية وهو يفرك رأسه ومؤخرة عنقه، بدا كالمراهق في تصرفاتها الغريبة تلك، ومع هذا كان مستمتعًا لأقصى الحدود بما يفعله.
.................................................................
ليلة كئيبة محبطة نالتها مرة أخرى بعزوفه عنها وقضائه معظم الوقت بصحبة الحفيد الجديد يدللـه ويداعبه، كظمت "خلود" كمدها في صدرها صاغرة لأوامر والدتها بعدم محاولة جذبه إلى أحضانها بالغنج أو بغيره، عليها أن تتخذ حذرها حتى تتأكد إن كانت تحمل في أحشائها طفله أم مجرد حالة إعياءٍ عابرة، وبأعصابٍ مشدودة انتظرت وحيدة في فراشها حتى أشرق عليها النهار، حينها نهضت وارتدت ثيابها لتقابل والدتها متعللة بحاجة الأخيرة للمساعدة في تنظيف وترتيب المنزل بعد اعتذار الخادمة عن المجيء، وفي المكان المتفق عليه التقت بها. توجهت كلتاهما إلى المختبر للقيام بتحليل للحمل، لم تفهم إحداهما نوعية التحليل المطلوب فوقع الاختيار على ذلك الذي تظهر نتائجه بعد نصف ساعة .. استلمت "بثينة" النتائج وقلبها ينبؤها بصدق حملها، أطلعتها الموظفة الموجودة بالمكان على إيجابية النتائج فغمرتها فرحة لا توصف، ومع ذلك أصرت على التوجه بابنتها التي بلغت عنان السماء بتلقيها مثل تلك الأخبار السارة إلى الطبيب النسائي، انتظرت الاثنتان دورهما الذي استغرق المزيد من الوقت، وبعد نظرة سريعة من الطبيب على ما في يده من تحليل استطرد يقول بهدوءٍ مريب:
-المدام فعلاً حامل.
أطلقت "بثينة" زغرودة عالية كتعبير عن اكتمالِ فرحتها قبل أن تهلل:
-الله أكبر.
أشار لها الطبيب بيده راجيًا:
-اهدي يا حاجة، احنا في عيادة.
بررت له "خلود" معتذرة، وسعادتها تتراقص في عينيها:
-معلش يا دكتور أمي فرحنالي، ودي عوايدنا.
هز رأسه في تفهمٍ قبل أن يضيف بلهجة روتينية:
-تمام، كل ده مفهوم، بس أنا عاوزك تعملي التحليل الرقمي.
تكشيرة عظيمة احتلت وجه "بثينة" التي بدت كمن تهاجمه حين سألته:
-وإيه الفرق؟ هي مش طلعتش حامل؟
رد موضحًا بتمهلٍ حتى تستوعب مقصده:
-أيوه، بس ده بيقول إن كانت حامل ولا لأ، لكن التاني بيطلع النسب المئوية بالظبط، وبيوضحلنا هرمون الحمل بيزيد ولا لأ.
تعذر عليها تفسير مقصده، فعلقت بتوجسٍ:
-إنت كده قلقتنا، يعني البت حامل ولا لأ؟
سحب شهيقًا عميقًا لفظه بتريثٍ وهو يخبرها دون أن يظهر الانزعاج على وجهه:
-يا حاجة التحليل بيقول حامل، لكن أنا عاوز أطمن إن الحمل ماشي في مراحله الطبيعية، مافيش فيه خلل.
زمت شفتيها لترد:
-طيب.. أما نشوف أخرتها إيه!!!
التفت الطبيب برأسه نحو "خلود" طالبًا منها وهو يدون شيء ما في الأوراق الموضوعة قبالته:
-هتطلعي من عندي تعملي التحليل الرقمي، وأنا كاتب اسمه في الروشتة هنا، وبعد يومين هتكرري التحليل تاني، وترجعيلي بالنتائج كلها.
ثم مد يده بالورقة لتأخذها منه وهي ترد:
-ربنا يسهل.
تبادلت "خلود" نظرات حائرة مع والدتها التي انتظرت انتهاء المقابلة لتردد بتزمتٍ:
-شكل الضاكتور ده مابيفهمش حاجة، هي كتر فلوس؟ تحاليل إيه دي اللي طالعلنا فيها؟
ردت عليها مفسرة الأمر لها:
-خلينا نطمن يامه، المهم إني حامل.
تنهدت تضيف في سأم وقد تعكر مزاجها:
-أيوه.
بضعة خطوات سارت بها نحو الأمام قبل أن تتوقف فجـــــأة لتعاود تذكير ابنتها وقد قست نظراتها نحوها بشكلٍ لئيم:
-بت يا "خلود"!
تطلعت إليها الأخيرة في اهتمامٍ والهموم المحبطة تنعكس عليها، فأوصتها والدتها مؤكدة من جديد بنبرة شديدة اللهجة حتى تلتزم بإبقائه سرًا:
-اوعي تتهفي في عقلك وتحكي عن اللي عملناه النهاردة! زي ما اتفقنا ماتقوليش لحد ما نقطع الشك باليقين، وساعتها هتبقي فوق دماغ الكل ................................................ !!!
........................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل السابع 7 - بقلم Manal Salem
الغاليين في كل مكان .. يا رب تكونوا بخير
عودة للنشر من جديد، وإن شاءالله يعجبكم الفصل
في انتظار تعليقاتكم ..
الفصل الثاني والأربعون
يبدو أن رفيقتها استغلت الفرصة لتحصل على عطلة طويلة الأجل امتدت لأيامٍ متعاقبة دون أن تكبد نفسها مشقة المجيء لتفقد مالها، ووحدها من باتت مسئولة عن كل ما يتعلق بالعمل، لم تمانع "فيروزة" بالقيام بمسئولياتها على أكمل وجه، ربما أكسبها ذلك المزيد من الخبرة حين تدير عملها الخاص في المستقبل، انتهت من توضيب صندوق آخر مليء بالمطلوب لأحد الزبائن، راجعت محتوياته لمرة أخرى حتى تتأكد من عدم إغفالها لما يخص العميل، اتجهت بعدها لمكتب "علا" لتخرج دفتر الفواتير منه، انتبهت للفاتورة التي لم تحصل بعد، رفعتها لتقرأ الاسم، كانت مسجلة باسم "تميم سلطان"، تبدلت تعبيراتها للضيق، حكت مقدمة رأسها وهي تتساءل في حيرة:
-مش معقول، ده فاتورته لسه هنا؟
اعتصرت ذهنها لتستعيد سبب غفلتها عنها، بدت وكأنها تتناقش مع نفسها بصوت مسموع حين تابعت:
-أيوه.. من ساعة حادثة "آسر"، معنى كده إن الفلوس مادفعتش.
ضربت جبينها وهي تتابع بنبرة لائمة:
-ده الموضوع راح من بالي خالص، العمل إيه دلوقتي؟
أسندت الفاتورة على سطح المكتب، ونقرت بأصابعها عليه في لزمة متكررة لتفكر مليًا في حلٍ ملائم لتلك المعضلة، خاصة بعد أن مر على انقضاء حفل السبوع ما يقرب من ثلاثة أيام، رددت مع نفسها في ضيقٍ حرج:
-ما هي لو كانت فلوسي كنت عديت الموضوع، ودفعت الفرق حتى من جيبي، بس الفلوس اللي معايا ماتكفيش ربع المبلغ ده .. المفروض اتصرف إزاي؟
أراحت ظهرها للخلف وقد ظهرت عليها أمارات الحيرة أكثر، نفخت في استياءٍ قبل أن تقول لنفسها:
-بيتهيألي مافيهاش حاجة لما أفكره بده، أكيد هو زيي ناسي..
ثم ابتسمت لنفسها وهي تعلق بتهكمٍ:
-ما هو كان معايا أصلاً!
طوت "فيروزة" الفاتورة ووضعتها في حقيبتها وقد باتت شبه حاسمة لأمرها بعد تفكيرٍ عميق، ستذهب إليه خلال فترة استراحتها عند دكانه في زيارة ودية، قصيرة وسريعة تطالبه فيها بسداد ثمن البضائع دون حرجٍ .. هكذا أقنعت نفسها ببساطة!
....................................................
قدمت خطوة وأخرت الثانية وهي تسير في اتجاهها نحو الدكان، نظرة مدققة ألقتها على من يمرون أمامه علها تجده بينهم، لم تتمكن من إيجاده فتابعت تقدمها نحو المكان وهي تعيد ترتيب أفكارها، كانت متحرجة من الموقف برمته، فليس من المفترض أن تطالبه بسداد شيء ما وهي في الأصل تدين له بمال المشفى، وإن كان ينكر ذلك، لكنها متيقنة من كونه الوحيد الذي راوغها خلسة وخدعها بطريقة ما لا تعلمها ليعيد بها المال المال، أفاقت "فيروزة" من سرحانها السريع في أفكارها على صوت أحد العمال المنادي لزميله، تنبهت لوجودها أمام المدخل، استعادت زمام أمرها، والتفتت برأسها للجانب لتجد الحاج "بدير" يتطلع إليها بوجهه البشوش، هتف الأخير مرحبًا بها:
-صباح الخير يا بنتي.
بادلته ابتسامة ودودة وهي ترد:
-صباح الخير يا حاج..
ثم ألقت نظرة عابرة على من بالداخل وهي تواصل القول:
-هو المعلم "تميم" موجود؟
أجابها نافيًا:
-لأ .. في مشوار.. خير في حاجة؟.
مطت شفتيها في حيرةٍ، فأصر عليها "بدير" بنظراته الجادة المسلطة عليها:
-قولي ماتتكسفيش.
تشجعت لتقول بحذرٍ:
-أصل الحكاية ومافيها إنه كان اشترى حاجات من المحل اللي أنا شغالة فيه عشان سبوع حفيدك، والفاتورة.. لسه مادفعتش.
سألها مباشرةٍ:
-هي فين؟
أخرجتها من حقيبتها لتعطيه إياها، نظر لها بإمعانٍ بعد أن تناولها منها، شعرت "فيروزة" بمزيدٍ من الحرج مع تدقيقه الواضح فيها، وقالت:
-أنا مكسوفة من حضرتك أوي.
رد عليه بابتسامةٍ عادية:
-حقك يا بنتي، أنا بس بأراجع الحسبة عشان لو في غلطة ولا حاجة، متأخذنيش اتعودت على كده.
علقت عليه بتوترٍ طفيف مستخدمة يدها في الإشارة:
-المشكلة دي فلوس ناس، ومش بتاعتي، وأنا المفروض كنت أخد بالي.
قال ببساطةٍ:
-الاتفاق اتفاق.. هو كلام عيال ولا إيه؟
نهض من جلسته مستندًا على عكازه، ثم دعاها بترحابه الودي:
-اشربي حاجة عقبال ما أجيبلك الفلوس.
ردت بتهذيبٍ وهي تجاهد لتحافظ على بسمتها العملية قبالته:
-مالوش لازمة.
ألح عليها بجديةٍ:
-لأ إزاي.. مايصحش، تبقي عندي وتتعاملي زي الغريب..
هزت رأسها بإيماءة موافقة، فأضاف في حماسٍ:
-وبعدين أكون وصيتهم يجهزوا كام حاجة يبعتوها على البيت.
شعرت بحرجٍ أكبر من كرمه الزائد، واعتذرت منه بلباقةٍ:
-خيرك سابق يا حاج، مافيش داعي و...
قاطعها "بدير" بإصرارٍ مشيرًا لها بنظراته:
-ده واجب عليا، ده إنتو من العيلة..
ثم رفع من نبرته ليأمر أحد عماله:
-كرسي بسرعة يا وله.
أحضر لها العامل مقعدًا خشبيًا بعد تلميعه لتجلس عليه، ابتسمت وهي ترد:
-شكرًا يا حاج "بدير".
غاب في الداخل لبضعة دقائق، وانتظرت "فيروزة" بترقبٍ تتابع في فتور حركة المارة العابرين من أمامها، استرعى انتباهها أصوات الشاحنات التي تنقل البضائع من وإلى الدكان، وكأن العمل لا يتوقف للحظة، عاد إليها "بدير" يمد يده ناحيتها أولاً بمفتاحٍ معلق به ميدالية فضية موضحًا:
-دي نسخة من مفتاح الشقة عشان أما تروحوها في أي وقت.
ضاقت عيناها مرددة في استغرابٍ:
-شقة؟!
تعجب من الحيرة الظاهرة عليها، وقال بمزيدٍ من الإيضاح:
-بتاعة أختك.
الآن تفقه ذهنها للأمر، ووضعته في حقيبتها لتقول متصنعة الابتسام:
-أيوه.. تمام.
استرسل في الحديث ليضيف من تلقاء نفسه:
-كانت الحاجة قالتلي إنكم عاوزين نسخة تبقى معاكو، وأنا كنت مستني قرب ما العمال تخلص شغل فيها عشان اخلي النجار يغير طبلة الباب وتبقوا معاكو النسخ الجديدة.
ورغم دهشتها من ذلك الطلب إلا أنها ردت مادحة إياه، فإذ ربما دار الحوار بينهما في عدم وجودها:
-مش مشكلة، كفاية اللي حضرتك عامله عشانا.
.........................................................
على الجانب الآخر، هبطت كلتاهما الدرجات الرخامية من تلك البناية –حديثة الطراز في تصميمها- بعد انتهائها من الكشف النسائي بعيادة الطبيب الذي قررت المتابعة معه، تأكدت "خلود" من سير حملها في مراحله الأولى بشكلٍ طبيعي من خلال نتائج التحاليل الرقمية التي أجرتها، حينها فقط قررت الإفصــاح عما تحمله أحشائها، اتجهت مع والدتها التي لازمتها إلى الطريق الرئيسي حيث ستنحرف منه عند الناصية للزقاق الجانبي لتصل منه إلى الدكان، بدا الوجوم بائنًا على ملامح "بثينة" التي عاتبتها بضيقٍ:
-بردك مصممة تعملي اللي في دماغك يا "خلود"؟ خلينا نرجع البيت، وابقي قوليله هناك.
أصرت عليها بحماسٍ، والسعادة تتراقص في حدقتيها:
-فرصة يامه واحنا خلاص بقينا قريبين من الدكان، عاوزة أطل عليه، وبالمرة أفرح حمايا، ويعرف إن حفيده الحقيقي جاي.
ضاقت نظرات والدتها بشكٍ نحوها، وكأنها تنفذ إليها لتكشف عن أغوارها، تنهدت تسألها في مكرٍ:
-حماكي بردك؟ ولا عاوزة تفتشي ورا جوزك؟
ثم مصمصت شفتيها لتدافع عنه بصدقٍ:
-مع إنه مالوش في اللف ولا الدوران.
تطلعت إليها ابنتها بنظرة غامضة، فوالدتها الوحيدة التي تقرأها بوضوح وتعرف نواياها، حاولت التهرب من إجابتها بصراحةٍ، وقالت.
-أنا عارفة، بس هوديني وخلاص، مش هنخسر حاجة.
زفرت ترد على مضضٍ:
-أما نشوف أخرتها إيه، بس عاوزين نجيب الفيتامينات والمثبتتات اللي قال عليها الضاكتور ده
ابتسمت قائلة لها:
-هنعدي على الصيدلية في طريقنا..
وقبل أن تنحرف الاثنتان عند الناصية لمحت كلتاهما "بدير" وهو يمد كفه بمظروف به نقودٍ ليعطيه لـ "فيروزة"، على ما يبدو كان يحصيهم قبل غلقه للتأكد من العدد، شخصت أبصارهما في ذهولٍ، وفي لحظة اختفت علامات الفرحة لتظهر مكانها القتامة والكراهية .. كزت "خلود" على أسنانها في غيظٍ كبير، وهتفت بأنفاسٍ شبه منفعلة تشكو والدتها:
-شوفتي، أهوو أنا قلبي كان حاسس، بنت الأبلسة واقفة هناك أهي!!
تساءلت "بثينة" في فضولٍ متزايد، وعيناها تلمعان بشكلٍ مقلق:
-ودي جاية ليه؟
أجابت نافية وشعورها بالغيرة قد تعاظم بداخلها:
-مش عارفة، بس أكيد عاوزة تشغل جوزي، أنا إحساسي ما بيكدبش.
أضافت عليها والدتها في امتعاضٍ حاقد:
-لأ وشوفي حماكي بيطلع بواكي فلوس ويديها، وهي ما هتصدق تغرف طبعًا، ما هو مال سايب وأتة محلولة
ردت عليها "خلود" بنبرة عبرت عن غِلها:
-أكيد جاية تبلفه بكلمتين وتضحك عليه بوش العقارب ده.
أيدتها الرأي، وأضافت عليها في حنقٍ:
-أومال إيه؟ لزوم تكاليف توضيب الشقة، ويبقى ما صرفوش حاجة، وابني عمال يدفع ويصرف على البت دي.
شحذت "خلود" قواها الغاضبة لداخلها، ونطقت من بين شفتيها تتوعدها:
-أنا رايحلها أعرفها مقامها.
حذرتها والدتها بجديةٍ وقد شدت على رسغها لتوقفها:
-اوعي تعملي حاجة مجنونة يا بت، ماتبوظيش الطبخة على شوية ملح.
استلت يدها من أصابعها، وقالت بكل غيظها المتجمع بداخلها:
-سيبيني يامه، لازم أوقفها عند حدها.
اعترضت طريقها بجسدها، وحذرتها من جديد بلهجة صارمة وهي تشير لها بعينيها الخبيثتين:
-ماتخليش واحدة زي دي تعلي عليكي وتكسب الراجل ده.
صاحت بها في عصبيةٍ:
-حاسبي يامه، كله إلا جوزي.
دفعتها لتواصل تقدمها وشرارات الغضب تنطلق من حدقتيها المشتعلتين، دمدمت والدتها من ورائها:
-استر يا رب.
نفخت كتل الهواء من جوفها طوال سيرها المتعصب نحو الدكان، ثم استنشقت دفعة أخيرة بعمق لتحجم بها انفعالاتها الثائرة، للحظة تداركت نفسها ومنعتها من التهور برعونة، حاولت أن تبدو لطيفة، طيعة، ودودة حين قالت بابتسامة لطيفة:
-سلامو عليكم، إزيك يا عمي؟
استدار نحوها "بدير" ليتفاجأ بوجودها، تساءل بعفويةٍ:
-"خلود"، خير يا بنتي؟ جاية هنا ليه؟
ضغطت على كل كلمة تتلفظ بها وهي ترد، وعيناها تنظران إلى "فيروزة" بحقدٍ رغم وداعتها المصطنعة:
-جاية أبشرك بأخبار حلوة، بس "تميم" جوزي فين؟ عاوزاه يسمع معاك يا عمي.
أجابها "بدير" بتمهلٍ:
-وراه مصالح بيخلصها.. عاوزة تقوليلي إيه؟
احتدت نظرات "بثينة" التي أتت ركضًا من خلفها، همست لنفسها برجاءٍ آملة في نفسها ألا تفسد ابنتها ما تخطط له:
-اوعي يا بنت المجنونة! كده هتبوظي كل حاجة!
ماطلت "خلود" في حديثها قائلة:
-أصل أنا كنت تعبانة اليومين اللي فاتوا دول أوي يا عمي، مكونتش قادرة أقف على حيلي أبدًا، والحمدلله اطمنت وعرفت السبب.
انتبه لجملها الغامضة، وتساءل والفضول مرسوم على ملامحه:
-خير يا بنتي؟ إن شاءالله مافيش حاجة خطيرة.
ابتسامة ماكرة احتلت شفتاها وهي توضح:
-يا عمي كلها كام شهر وتبقى جد لحفيد من صلبك، أنا قولت أبشرك قبل أي حد..
هلل "بدير" بفرحة حقيقية:
-اللهم لك الحمد والشكر، إنتي متأكدة يا بنتي؟
ردت بابتسامة أكثر اتساعًا:
-أيوه، حتى جوزي الغالي لسه مايعرفش.
رددت "فيروزة" مع نفسها بنبرة متهكمة ساخرة منها وهي تصغي لكم الزيف في حديثها الأجوف:
-أه طبعًا جوزي حبيبي قرة عيني.
تابعت "خلود" حديثها قائلة بتملقٍ مليء باللؤم:
-البشارة يا عمي لازم تكون عندك الأول، ده إنت الغالي عندي.
وكأن سعادة الدنيا قد تجمعت في نظراته نحوها بعد أخبارها المشوقة تلك، امتداد اسم عائلته سيكون من خلال الحفيد المنتظر، عبر "بدير" عن فرحته العارمة قائلاً:
-اللهم صلي على النبي.. هي دي الأخبار اللي تفرح، يا خير ما عملتي.. ربنا يكملك على خير..
ربتت "بثينة" بيدها في قوةٍ ملحوظة على كتف "فيروزة" تستحثها بنبرة ذات مغزى:
-مش تباركلي لـ"خلود" يا حلوة.
نظرت لها الأخيرة شزرًا من طرف عينها قبل أن توجه نظراتها نحو ابنتها السمجة، وقالت باقتضابٍ:
-مبروك.
ردت عليها "خلود" بترفعٍ، كأنها تجبر نفسها على الحديث معها:
-متشكرة.
تنحنح "بدير" مقترحًا:
-ما تمشوش، أنا هابعت معاكو حد يوصلكم البيت عشان بهدلة المواصلات، وأول ما "تميم" يرجع هبعته عندك تفرحيه.
ردت "خلود" تشكره بتعبيراتٍ مبتسمة:
-كتر خيرك يا عمي.
ابتعد "بدير" للحظاتٍ لتفرغ الساحة لثلاثتهن حيث تتكشف الأقنعة وتظهر الأوجه الحقيقية، ألقت "خلود" نظرة احتقارية شملت "فيروزة" من رأسها لأخمص قدميها قبل أن تنطق بوقاحةٍ:
-عقبالك إنتي وأختك... ولو إن مافيش حاجة مضمونة اليومين دول، صح يامه؟
دعمتها "بثينة" في حديثها السمج، وقالت:
-أيوه.. كله مغشوش يا بت، وياما كتير اتغفلوا أونطة
تحفزت "فيروزة" في وقفتها لتنظر لكلتيهما باستخفافٍ، دلت كلماتهما على حقدها الدفين، بدت أكثر ثباتًا وغرورًا عن زي قبل وهي تعمق من نظراتها نحوهما، ثم علقت حقيبتها على كتفها لترد ببرود استفزهما:
-معاكو حق.. حتى الحامل نفسها، مش مضمون يكمل حملها ولا لأ.. وخصوصًا لو كانت منفسنة وبتغِل في نفسها كتير.
استشاطت "خلود" غضبًا، وردت عليها بحدةٍ، وكأن الدماء تكاد تنفجر في عروقها:
-إنتي بتقولي إيه؟
تابعت "فيروزة" القول بنفس البرود الهادئ دون أن تتبدل تعابيرها:
-خافي على صحتك يا .. مدام وبلاش هري كتير، مش كويس عليكي.. إنتي لسه في الأول!
أتبعت جملتها بضحكة مستهزأة بها، فاغتاظت "خلود" أكثر من نبرتها الهازئة، وهمَّت بلعنها بصوتٍ محتد:
-يا بنت الـ .....
منعتها والدتها من التفوه بحماقة لتهمس في أذنها:
-اهدي يا "خلود"، ليها يومها
ردت عليها بنظراتها المشتعلة:
-إنتي مش شيفاها يامه؟
توعدتها بكلمة حاسمة كانت واثقة أنها ستنفذ ما تنتويه:
-اصبري، ماتبوظيش الدنيا.
ضغطت "خلود" على أسنانها هامسة بسخطٍ:
-عقبال ما نعزي فيها قريب.
خطت "فيروزة" مبتعدة عن الاثنتين قبل أن تتورط معهما في مشكلة حتمًا ستنتهي في القسم الشرطي بعد ضربهما بشراسة، اتجهت إلى داخل الدكان لتقول لـ "بدير" الذي كان مشغولاً بالحديث في هاتفه:
-هامشي أنا يا حاج عشان لسه ورايا شغل.
أبعد الهاتف عن أذنه ليرد:
-استني ده أنا جاي أقعد معاكي.
اعتذرت بلطفٍ:
-تتعوض وقت تاني، ومبروك ..
قال في ابتهاجٍ:
-الله يبارك فيكي.
تعمدت "فيروزة" أن تخرج من الباب الآخر للدكان لتتجنب رؤية تلك الوقحة وأمها، اتجهت صوب الشارع الفرعي لتختصر المسافات لتعود إلى عملها، في حين انتظرت "خلود" بالخارج وحقدها متفشي فيها، تساءلت في مكرٍ محاولة إخفاء غضبها حين عاد إليها حماها:
-أومال أخت عروسة أخويا جاية ليه؟
رد "بدير" متهربًا من الإجابة لكون الأمر لا يعنيها:
-كانت جاية في مصلحة كده وانتهت.
ابتلع ريقها على مضضٍ، وقالت ونيران غيظها تكاد تنفث من أذنيها:
-أنا هاقوم يا عمي، هارجع بيتي بقى، لأحسن تعبانة.
رد في تفهمٍ:
-ماتعمليش حاجة، وأنا أول ما "تميم" يرجع هابعته عندك.
ابتسمت بودٍ زائف وهي تقول:
-بإذن الله.
استندت على ذراع والدتها لتسير معها وقد تبددت اللطافة الظاهرة عليها، وبختها "بثينة" بوجهها العابس:
-اتسحبتي من لسانك وقولتي قصادها ليه؟ دي ممكن تحسدك!
نفخت قائلة في سأمٍ:
-أهوو اللي حصل..
ما لبث أن تحولت نبرتها للحقد عندما تابعت:
-وبعدين كان لازم أوقف البت دي عند حدها يامه، عشان لو بترسم على جوزي.
زجرتها أمها قائلة:
-وأنا مليون مرة أفهمك جوزك مالوش في الملاوعة، وشغل الحريم الصيع.
ردت بإصرارٍ وقد امتلأ صدرها بأضعافٍ مضاعفة من الغل والكراهية غير المبررة ناحيتها:
-لأ يامه إنتي مش فاهمة البت دي...
غامت عيناها أكثر وعكست حدقتاها ظلامًا واضحًا عندما أكملت:
-زي الحرباية، بتتمسكن لحد ما تتمكن!
...........................................
ألقت بنفسها في أحضانه بمجرد أن عاد إلى المنزل -بعد يوم مرهق كالعادة- مغلقًا الباب من خلفه، مرغت "خلود" رأسها في صدر زوجها، وضغطت على جسده بذراعيها لتُشعر نفسها بأنه يحتويها ويضمها إليها رغم كونه لا يزال جامدًا في مكانه، رفعت رأسها لتنظر إليه بعينين يملأوهما الشغف، ابتسمت قبل أن تتنهد بعمقٍ لتقول له باشتياقٍ:
-حبيبي، وحشتني أوي.
هز "تميم" رأسه مبتسمًا، وكأن الكلمات تأبى الخروج من جوفه لتنطق كذبًا معبرة عن مشاعر لا يشعر بها نحوها، ما زال عالقًا في منطقة الحياد فيما يخص أمرها .. خللت أناملها في أصابعه لتسحبه خلفها وهي تتابع بحماسٍ:
-تعالى عشان هافرحك.
تساءل في اهتمامٍ قليل وهو يتبعها:
-خير، أبويا قالي إنك عاوزة تقوليلي حاجة مهمة.
أجلسته على الأريكة القريبة وجلست في حجره، مسحت بيدها على ذقنه النابتة وعيناها المسبلتان تتجولان على تفاصيل وجهه، بادلها نظرة حائرة مستغربًا مما تفعله، فاستطردت تقول بابتسامة عريضة أظهرت نواجذها:
-أنا .. حامل.
تأهب في جلسته وردد مصدومًا:
-حامل؟!
أومأت برأسها مُسهبة في الحديث معه:
-أيوه، روحت للدكتور واتأكدت، والحمدلله ربنا كرمنا، وهتبقى أب يا حبيبي.
للحظة ظل على حالةٍ من الذهول الصادم، مزيح من المشاعر العجيبة اقتحمته فجأة، حلمًا لم يكن تحقيقه في الحسبان بعد، لم يعرف كيف يعبر عما انتابه في تلك اللحظة، أو حتى يوصف حالته في مثل ذلك الموقف.. راقبت "خلود" ردة فعله الفاترة، وسألته بتوجسٍ وقد خبت سعادتها نسبيًا من صمته المستريب:
-هو إنت مش فرحان ولا إيه؟
أخفض "تميم" يده ليتلمس بطنها ومسح عليها برفقٍ، ثم نظر إليها مبررًا ربكته:
-فرحان طبعًا، أنا بس مش مصدق، يعني مش عارف أقولك على اللي جوايا، بس أنا مبسوط يا حبيبتي.
رغم انزعاجها من رده العادي الذي خالف ما تخيلته في عقلها من حماسٍ مفرط فور تلقيه ذاك الخبر السار، أو حتى قيامه بالرقص ابتهاجًا وتعبيرًا عن فرحته، وربما تقبيلها بعشرات القبل الحميمية إلا أنها أخفت ضيقها منه، ابتسمت مستأنفة حديثها معه:
-ولسه لما تشيله بين إيديك، مش هتصدق نفسك، هيبقى حتة منك.
لجأت كذلك للحيلة لتطلب منه:
-مش عاوزاك تزعلني بقى، الزعل مش حلو على اللي زيي، وإلا هاشتكيك لعمي "بدير".
سألها في اهتمامٍ:
-أبويا عرف؟
ردت مؤكدة وذلك البريق الغريب يكسو نظراتها:
-أيوه، وطاير من الفرحة، ده الحفيد اللي بجد يا حبيبي.
هز رأسه في حبورٍ قبل أن تكمل بمكرها الخبيث المغلف بمعسول الكلام:
-طبعًا، ده حفيده اللي هيشيل اسم العيلة من بعد عمر طويل، ولسه لما جدي "سلطان" يعرف.
مسح على وجنتها قائلاً:
-ربنا يباركلنا في عمرهم.
أسبلت "خلود" عينيها نحوه لتقول بغير احترازٍ:
-إنت مش عارف أنا كنت مستنية اللحظة دي إزاي، زي ما يكون حلم واتحقق، ده أنا كنت مستعدة أعمل أي حاجة عشان أخلف منك.
بدت جملتها الأخيرة نزقة بعض الشيء، فسألها مستوضحًا:
-مش فاهم؟ تعملي إيه بالظبط؟
أدركت زلة لسانها، وقالت مراوغة لتغطي على غبائها:
-ده أنا حاسة إني بأحلم، عاوزة أملى البيت ده كله عيال، يكونوا شبهك في كل حاجة.
تغاضى عن ردها الغريب ليمازحها:
-هيتهد حيلك معاهم.
هتفت غير مبالية وقد بدت أكثر حماسة عن ذي قبل:
-مش مهم، كفاية إنهم منك، وهيشيلوا اسم العيلة.
أزاحها "تميم" برفقٍ عنها ليتمكن من الوقوف، نظر لها بتفاؤلٍ وهو يعقب عليها:
-قومي من الحمل ده على خير الأول، وبعد كده ربك يسهل.
احتضنته من جديد لتقول بتنهيدة عميقة، ورأسها مستند على كتفه:
-يا رب.
عند تلك اللحظة الفاصلة قرر "تميم" أن يُغالب تلك المشاعر غير الاعتيادية التي غزت وجدانه، أن يُوأدها في مهدها، أن يقتلع جذروها قبل أن تتغلل أكثر فيه، فزوجته لا تستحق منه ذلك، وإن كانت أحاسيسه لا تتخطى حاجز خيالاته، لكنه ملتزم بالإخلاص لها، بالتفكير فيها وحدها، سيسعى جاهدًا لمنحها الاهتمام، سيعطيها الحب الذي لا يستطيع الشعور به نحوها، سيوجد من العدم مشاعرًا جديدة تشملهما، وربما سينجح في ذلك من أجل أسرته.
.........................................................................
اصطفت سيارة النقل الصغيرة أمام مدخل البناية لتنقل المنقولات التي تخص العروس، تعاونت "فيروزة" مع توأمتها في حمل الصناديق واحدة تلو الآخر، وتولت والدتهما مهمة إفراغ ما بهم لرصهم على الفور في أماكنهم، بالطبع كانت الأسبق في الحضور "حمدية" لتقف على رؤوس الأشهاد في تلك المناسبة، توقفت الأختان لالتقاط أنفاسهما للحظاتٍ، وتساءلت "همسة" في تعبٍ بعد ذلك المجهود الشاق الذي بذلته في فترة وجيزة:
-فاضل كام كرتونة؟
أجابتها "فيروزة" وهي تنظر لورقة صغيرة في يدها:
-احنا طلعنا 15 واحدة، ناقص 10.
علقت عليها توأمتها بما يشبه المدح:
-كويس إنك مرقماهم، عشان مانتلخبطش.
أضافت موضحة أيضًا وقد أبرزت مفكرة صغيرها احتفظت بها في جيب بنطالها:
-وكل كرتونة مكتوب فيها ايه، ده هيسهل علينا كتير.
اقترحت عليها "همسة" بنوعٍ من التذمرٍ:
-مش كنا قولنا لـ "هيثم" كان جه وساعدنا
رمقتها بنظرة حادة قبل أن ترد:
-"همسة" إنتي عارفاني، عاوزين نكون على راحتنا، مش ناقصين دوشة ومُحن من خطيبك ده، وجايز يبقى جايب أمه معاه، صدقيني مش هنخلص، ده غير حرقة الدم.
قالت على مضضٍ، وقد بدت شبه عابسة:
-طيب.
التفتت كلتاهما للخلف معًا حين سمعا الصوت المتسائل:
-إنتو هنا من بدري؟
ملأ السرور تعابير "همسة"، فخطيبها قد جاء –ليس بمحض الصدفة- لرؤيتها، نظرت له بخجلٍ، وردت مبتسمة ابتسامة صغيرة:
-يعني.. مش أوي.
سددت "فيروزة" لتوأمتها نظرة حادة متشككة، وأخفضت صوتها لتقول بتبرمٍ:
-ده بيجي على السيرة ولا إيه؟
ألقى "هيثم" نظرة متفحصة للصناديق التي احتلت ركنًا من الصالة، وتساءل:
-طلعتوا دول لواحدكم؟
أجابته "همسة" على الفور مستخدمة يدها في التلويح:
-أيوه، ولسه في شوية تحت وهانروح نجيب شنط الهدوم وآ...
قاطعها بحزمٍ:
-طيب كفاية عليكو كده، ارتاحوا، وأنا و"تميم" هنطلع الباقي.
اعترضت عليه "فيروزة" بلهجة أظهرت انزعاجها:
-لأ كتر خيرك، مالوش لازمة تعرفه، احنا هنعرف نظبط أمورنا.
استغرب "هيثم" من عزوفها عن مساعدته، وقال بإصرارٍ:
-ما هو شايف العربية اللي سادة المدخل، وبعت جاب عمال من عندنا كمان عشان ننجز وننقل حاجتي بالمرة.
احتجت بمزيدٍ من العناد المعارض لقدومه:
-وليه يتعب نفسه من الأساس؟
مالت "همسة" على شقيقتها لتهمس لها في أذنها:
-إنتي ناسية إن ده بيت عيلته؟ أكيد هيبقى عارف.
ردت عليها بصوتها الخافت:
-ماشي، بس مش مبرر يعني.
نظرت لها برجاءٍ قبل أن تُصر عليها:
-معلش بقى، وبعدين كده هنلحق نخلص بدري عشان نطلع على الأتيليه ونشوف الفستان يا "فيروزة".
كانت محقة في الجزئية الأخيرة، الوقت محدود للغاية لإنجاز الكثير فيه، تنهدت قائلة في استسلامٍ:
-إن شاء الله.
تدخل "هيثم" في حوارهما مشددًا:
-زي ما اتفقنا يا "همسة"، مش بأحب الحاجات العريانة ولا المكشوفة.
توردت بشرتها وهي تعلق عليه:
-اطمن، أنا أصلاً مش كده.
اضطرت "فيروزة" أن تتراجع خطوة للخلف وتتنحى للجانب حين لمحت "تميم" صاعدًا على الدرج، لم تحبذ رؤيته، خاصة بعد الصدامات غير اللطيفة مع زوجته، والتي لا تتوانى عن مضايقتها إما بحديثٍ أرعن أو تلميحاتٍ سخيفة، انسحبت نحو الردهة مدعية انشغالها بتفحص الصناديق .. وبهدوءٍ يناقض طبيعة دقات قلبه المتحفزة بشكلٍ عجيب استطرد "تميم" ملقيًا التحية:
-سلامو عليكم.
أفسح له "هيثم" المجال ليمرق وهو يدعوه للدخول:
-اتفضل يا "تميم".
تساءل الأخير في حيرة:
-أحط الكرتونة دي فين؟
أجابته "همسة" ببساطةٍ:
-اسندها في أي حتة، احنا لسه هنشوف هنرص الحاجة إزاي.
وكأن بالقلب بوصلة تقوده إلى حيث المرفأ والوطن الحقيقي، اتجه عفويًا إلى المكان الذي تقف به "فيروزة" وتلك الابتسامة المرحة تزين شفتيه، وكأنها تتحداه، لم يدرك أنه يبتسم لها، لكن قُوبل وجوده بنفورٍ صريح على تعبيرات وجهها مما أجبره على العبوس والتزام الصمت، لم يكن ليفرض نفسه أبدًا عليها، انحنى ليضع الصندوق دون أن ينبس بكلمة، كان جلَّ ما يكفيه منها ابتسامة عادية تسعد روحه المعذبة مؤخرًا، ابتسامة ساخطة ظهرت على جانب شفتيه وهو يشعل تلك السيجارة ليدخنها بالقرب من النافذة، وكأن الحياة تعانده بخلق الفرص بينهما، فكلما قاوم حضورها كلما ظهرت وطغت بقوةٍ عليه لتستحوذ على فراغ عقله، ووحدها فقط من تغدو المسيطرة عليه.
هتفت "آمنة" من الداخل بنبرة عالية:
-تعالوا يا بنات شوفوا الرصة اللي في الدولاب دي كويسة.
استدارت "همسة" برأسها لترد بصوتٍ شبه مرتفع:
-حاضر يا ماما.
انتبهت "حمدية" للأصوات الذكورية التي تصدح في الصالة، حثها فضولها على الخروج من غرفة النوم لتفقد المتواجدين وهي تتساءل مع نفسها:
-هما بيرغوا مع مين برا؟
تجمدت نظراتها على "هيثم"، وقالت بشفاه مقلوبة:
-الله، ده العريس هنا.
تبعته بنظراتها الماكرة وهو يمد يده ليصافح "آمنة" قائلاً لها بودٍ:
-إزيك يا حماتي؟
ردت عليه بإيماءة صغيرة من رأسها:
-بخير يا ابني.
تقدمت "حمدية" في خطواتها لتصبح على مرأى ومسمع مما يحدث، ثم بادرت تشكو بتنمرٍ مفتعل:
-احنا طالع عينا من بدري، وريقنا ناشف، ومافيش حتى لقمة ترم عضمنا.
التفتت نحوها "فيروزة" لترد بضيقٍ وقد تحرجت كثيرًا من طريقتها السخيفة في التسول:
-في إيه يا مرات خالي؟ ما احنا اتغدينا قبل ما ننزل، ولا هي طفاسة؟
ردت ببرودٍ:
-الله، إنتو كلتوا، أنا ملحقتش احط لقمة في بؤي، ولا أخرت خدمة الغز علقة؟
لاحظ "هيثم" التوتر السائد بين الاثنتين، واقترح بلطفٍ:
-طب ارتاحوا شوية وأنا هابعت أجيب أكل
مدحته "حمدية" بابتسامةٍ متكلفة:
-يدوم العز.
في حين حدجتها "فيروزة" بنظرة نارية من عينيها وهي تردد بتبرمٍ:
-واحدة جعانة فعلاً، بطنها مابتشبعش!
تلقائيًا تحركت نظراتها مع "هيثم" الذي صاح:
-بصي يا "همسة" أنا حطيت صورة أبويا هنا في الصالون، لو مضيقاكي نغير مكانها.
ردت باستحسانٍ:
-لأ تمام.
تابع "هيثم" مكملاً وهو يشير لها لتتحرك نحو زاوية أخرى:
-وأما نتجوز نبقى نحط صورة فرحنا في الحتة دي.
-ماشي.
ظلت أنظار "فيروزة" مثبتة على الصورة الفوتوغرافية الكبيرة التي احتلت مساحة لا بأس بها من الحائط، دنت أكثر منها لتمعن النظر في تفاصيلها غير الغريبة عليها، لم تحد ببصرها عنها وهي تتساءل في حيرة:
-الشكل ده مش غريب عليا.
اعتصرت عقلها بجهدٍ كبير محاولة تذكر أين رأت ذاك الرجل، برقت عيناها فجأة في ذهولٍ ملبك لبدنها، للحظة توقف الزمن عن الدوران لتعود عقارب الزمن بها للوراء لسنوات مضت، عند تلك اللحظة الشنيعة التي عاشتها بكيانها، وجوارحها، بل وظلت مخلدة في وجدانها .. لا تفارقها أبدًا .. تراودها في صورة ومضات تقتحم عقلها بين الحين والآخر .. انخفضت أنظار الصغيرة "فيروزة" نحو السبرتاية التي نشرت شرارات لهبها المتطاير حولها لتصل إلى ما يحاوطها، رأت كيف اندلعت النيران بغتةً في دلوٍ مليء بزيت الطلاء، ذعرت وتراجعت للوراء وقلبها يخفق بقوة، كانت صغيرة بالقدر الذي يمنعها من إدراك الموقف والاستغاثة فورًا، راقبتها متوقعة أن تخبو، لكن حدث العكس، في أقل من دقيقة انتشرت النار بشكلٍ مخيف، ضاقت نظراتها مع احتدام ألسنة النيران وازدياد قوتها، وبعفوية هتفت وهي تقاوم السعال الجارح لحلقها مستخدمة يدها في الإشارة نحو الحريق:
-عمو، في نار كتير هنا.
انتفض "غريب" خوفًا مع رؤيته لذلك المنظر المرعب، هب ركضًا للداخل محاولاً إنقاذ ما يمكن إنقاذه وهو يردد:
-يا ساتر يا رب، وده حصل إزاس؟
التفت الفتى الذي بدت ملامحه مألوفة لها، ولكن في عمرٍ أصغر مما عليه الآن، حين صرخ بها:
-ابعدي عن النار..
قبض على رسغها ليجذبها بعيدًا عن كتلة اللهب الحارقة، دفعها في عنفٍ طفيف نحو الخارج ونظرته الصارمة ناحيتها ما زالت تَذكرها، أحضر "غريب" ملاءة قديمة حاول بها إخماد اللهب الذي وجد ضالته الثمينة في الانتشار بسرعةٍ أكبر وهو يصيح بصوتٍ بدا مختنقًا من كثافة الدخان الخانق:
-نادي على أبوك بسرعة يا "تميم"، قوله المحل بيولع.
رد عليه الفتى يحذره بأنفاسٍ لاهجة:
-خد بالك يا عم "غريب".
تحولت نبرته لصراخٍ قوي حتى يلفت انتباه الجميع:
-انجدونا يا جدعــــان، النار هبت في المحل.
لحظة واحدة مميتة طالت فيها ألسنة اللهب جسد "غريب" الذي اشتعل بالكامل وسط صرخات الصغيرة وهلع الفتى، هرع إليه الأخير لينقذه وقد التقط دلوًا مليئًا بالماء ليطفئ ما استعر في جلده المتآكل من نار حامية، لكن سقطت تلك الكتلة الخشبية عليه فطرحته أرضًا، انتفضت "فيروزة" في مكانها جزعًا، لكنها هرولت بشجاعة متهورة تناقض سنوات عمرها الصغيرة نحوه لتهب لنجدته بعد أن سكن جسده كليًا، وكأن غريزة البقاء كانت ما تستحثها، جثت على ركبتيها تهزه بعنفٍ.. لا استجابة على الإطلاق! تلفتت حولها باحثة عمن يساعدها، الكل مشغولٌ بإخماد الحريق الهائل، نهضت مستندة على كفيها لتقف عند قدميه، انحنت عليه بجسدها الهزيل لتمسك به من عقبيه، حاولت جره بعيدًا عن النيران لكنها لم تستطع، فقد كان وزنه ثقيلاً بالنسبة لها. لهثت وتعرقت وتسارعت أنفاسها، ومع ذلك لم تيأس، استمرت في المحاولة مستنزفة كل قواها، بدأت في السعال المتألم بعد أن ازدادت كثافة سحب الدخان الذي عبأ المكان وملأه. توقفت عن سحبه لتضع يدها على أنفها مانعة نفسها من استنشاق المزيد من الأدخنة الخانقة، جابت بنظراتها المرتاعة المكان الذي تحول لكتلة من الضباب وهي معتقدة أنها النهاية، لا مخرج.. لا نجاة، تهاوت جاثية على ركبتيها وقلبها يكاد ينخلع من عنف دقاته، وضعت يديها المرتعشتين حول عنقها المتيبس تتحسسه في عجزٍ، وكأنها تستجدي بذلك آخر نفسٍ لها في الحياة.
ظلت عالقة لبرهة في تلك الذكرى المؤسفة، بل بدت كما لو كانت تعايشها الآن بكامل حواسها، انتبهت "همسة" لشرودها الغريب، تقدمت نحوها ونادتها بخفوت علها تستفيق مما هي فيه، لكنها بقيت على جمودها المريب، تُطالع الصورة بوجه شاحب أرعبها، أدركت على الفور أن توأمتها تعاني من نفس حالة الصدمة التي لازمتها لوقت طويل، صرخت بها وقد لاحظت تلك التشنجات التي أصابت جسدها:
-"فيـــــــــروزة" ................................. !!
............................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الثامن 8 - بقلم Manal Salem
الفصل الثالث والأربعون
دفعة من الدخان الحارق تحررت من رئتيه ليتبعها بأخرى تلفظها عله بذلك يذهب غيظ قلبه قبل أن يلقي بعقب سيجارته أسفل قدمه ليدعسه وهو يقف خارج المنزل مترقبًا وصول عامل توصيل الطلبات، لم يحبذ التواجد بالداخل ونفورها منه واضحًا، نأى بنفسه بعيدًا عنها وبقي مستندًا بظهره على الدرابزين .. شكره "هيثم" على كرمه الزائد مع عائلة خطيبته وتحمله تكاليف تلك العزومة الطارئة، لم يكترث "تميم" للأمر كثيرًا، لكونه من طباع أسرته إكرام الضيف وحسن ضيافته، استغل تلك الفرصة الجيدة لينصح ابن خالته بما يفيده ولا يضره، فاستطرد يقول له:
-عاوزك تخف البرشام إياه.
نظر له "هيثم" في حيرة قبل أن يسأله:
-برشام إيه؟
أجابه مباشرةً وقد أشعل سيجارة أخرى لينفث دخانها:
-الحباية الزرقا.
امتعضت تعبيرات "هيثم" بشكل منزعج، وعلق بما يشبه التهكم:
-مش للدرجادي أنا واقع وخرع!
ازداد عصبيًا وهو يضيف:
-كمان هاخد حباية منيلة زي دي، على أساس إني مش راجل؟
استغرب من حدته في تلك المسألة التي تعتبر عادية بالنسبة له بناءً على الادعاءات السابقة من زوجته عليه؛ بأنه يتعاطى المنشطات الجنسية بصورة شبه مستمرة، قرر استدراجه في الحديث ليكشف الحقيقة الغائبة عنه، وتابع بأسلوبٍ مراوغ:
-أومال أنا سامع كلام إنك على طول بتاخده.
انفجر فيه محتجًا بحدة أكبر:
-ده مين ابن الـ ..... اللي قال كده؟ هاتهولي أخزقله عينيه.
ورغم الضيق البادي على ملامح "تميم" لتأكده من كذب زوجته عليه إلا أنه حافظ على جمود ملامحه، وعلق عليه:
-يا عم دي نصيحة لله.
رد عليه ابن خالته بنفس النبرة الغاضبة:
-حد الله بيني وبين الهباب ده، صحيح عملت حاجات كتير غلط، بس البرشام أزرق ولا أخضر ماليش فيه...
تجهمت ملامح "تميم" بشكلٍ يدعو للريبة، بينما أكمل "هيثم" حديثه قائلاً:
-هما يدوب نفسين كده بأخدهم في ساعة رواقة، وكمان بطلتهم من ساعة ما ربنا هداني.
هز رأسه معقبًا عليه وقد غامت نظراته:
-كده الكلام بقى حلو أوي.
سأله في عدم فهمٍ:
-كلامه إيه يا عم؟ بأقولك مابخدش برشام.
ربت على كتفه ليقول متصنعًا الابتسام:
-مصدقك يا سيدي.
لكن نظراته أوحت بغيظٍ متعاظم بداخله لكونه قد صدق كالأحمق كذبة زوجته التي نشطت ذهنه بمشاعرٍ حسية كانت تنتابه بشكلٍ شبه منتظم تستنزف قواه الذكورية رغم عدم رغبته في ممارسة مثل تلك الأمور الغرائزية.
............................................................
وكأنها قد رأت شبحًا قادمًا من عالم الموتى متجسدًا أمامها بألسنة اللهب التي تأكل جلده حيًا، انحبس صوتها في حلقها رغم محاولاتها المستميتة للصراخ ونجدته قبل أن يتفحم، فشلت مجددًا والدموع الحارقة تنساب بغزارة من مقلتيها، كانت "فيروزة" عالقة بين اليقظة والهذيان، انخرطت في نفس الذكرى بتأثيرها المؤلم بشكل يكاد يكون حسيًا عنه معنويًا، انفصلت عمن حولها وعاشت أسوأ أيامها إلى أن انتشلها صوت "همسة" المذعور من تلك الدوامة القاتلة لتغرق في ظلام آخر ربما يكون الأمن لها حاليًا .. ترنح جسدها ومال بثقله على توأمتها التي تلقفتها بذراعيها وهي تصرخ خوفًا عليها:
-"فــــيروزة"!
وبحذرٍ تام تمددت بها على الأرضية وهي تحاوطتها، استغاثت منادية والدتها بنبرة آثارت فزع البقية:
-يا ماما الحقيني بسرعة!
تنبه كلاً من "تميم" و"هيثم" لصوت صراخها فتوقفا عن التدخين، هرول الاثنان للداخل ليجدا "فيروزة" مستلقية على الأرضية وشقيقتها تحاول إفاقتها، حالة من الخوف الممزوجة بالقلق الشديد سيطرت على "تميم" لمجرد رؤيتها هكذا، وكأنه تناسى كليًا الوعود التي قطعها على نفسه بعدم الاقتراب منها، أو التواجد في محيطها، اندفع جاثيًا على ركبته بعد أن أبعد توأمتها عنها ليرفع جسدها إليه بعد أن مرر ذراعيه من أسفل ذراعيها ليسحبها نحوه، وللمرة الأولى ترتطم رأسها بصدره ليشعر بتلك الخفقة المؤلمة التي وخزت قلبه هلعًا عليها، أمعن النظر في ملامحها الباهتة التي غلفها الإعياء، تدخل " هيثم" هو الآخر ليعاونه في رفعها، حيث أمسك بها من ساقيها، رغم كونها خفيفة الوزن حملها الاثنان واتجها بها نحو الأريكة الجديدة الموضوعة بردهة المنزل المتسعة، لم يكن ليتركها "تميم" أبدًا لولا ما قد يُقال بالباطل عنها إن ظل ملتصقًا بها، وخوفه الزائد عليها بائن على ملامحه، تراجع للخلف مفسحًا المجال لوالدتها لتمر، جلست قبالتها على مقعدٍ أحضره لها "هيثم"، وأسرعت "همسة" بإخراج زجاجة عطرها من حقيبتها لتستخدمه في إفاقتها من تلك الإغماءة التي قلما تتكرر.
كانت الفرصة مناسبة لـ "تميم" للتحري بدقة عن حالتها، لعل وعسى يخرج بمعلومة مفيدة من خلال "حمدية" التي أظهرت امتعاضها، دنا منها متسائلاً باهتمام:
-هي الحكاية دي بتجيلها كتير؟
أجابته بعد زفيرٍ بطيء:
-ساعات كده، مش دايمًا...
ثم أخفضت نبرتها لتضيف بخبثٍ:
-بعيد عنك وعن السامعين الظاهر لابسها جن من ساعة الحادثة إياها.
لم يكترث للهراء الفارغ الذي تفوهت به، استرعى انتباهه كلمة واحدة بدت بالنسبة له محور كل شيء، ضاقت نظراته وهو يعاود سؤالها بفضولٍ:
-حادثة إيه دي؟
هزت كتفيها وهي تجيبه مسهبة في الحديث معه:
-مش فاكرة بالظبط، بس أبوها الله يرحمه هو اللي كان معاها وقتها.. أصلها كانت عيلة صغيرة بضفاير ساعتها، بس اللي افتكره إننا غُلبنا معاها عشان تطلع من الهم ده، ولف بيها من دكتور للتاني عشان تتعالج، وفين وفين لما بقت كويسة، بس الظاهر إن الحالة رجعتلها من تاني.
لم يتبين من حديثها ما يشبع فضوله، ولم تكن "حمدية" من ذاك النوع الواضح في الإجابات، مجرد ردود عادية لا تسمن ولا تغني من جوع، حرك رأسه متسائلاً:
-هي بتاخد الدوا ده لسه؟
لوت ثغرها قائلة بتأفف:
-مش عارفة، اسأل أمها.
تأكد "تميم" أنه لن يحصل منها على ما يرضيه، مجرد ثرثرة فارغة تحشو بها أذنيه، تركها واتجه بعيدًا عنها باحثًا عن زاوية جيدة تمكنه من رؤية وجه "فيروزة" الذي بات محجوبًا عنه، عل قلبه الملتاع يهدأ قليلاً.
............................................................
بدت وكأنها تغرق في سباتٍ عميق، وديعة، هادئة، لا تعاني من شيء، دومًا كان ينتهي ذلك الكابوس المؤلم بنوبة من السكينة العجيبة، شعرت "همسة" بالارتياح بمجرد خبوت تلك التشنجات واستغراق توأمتها في النوم، أحضرت لها غطاءً وضعته على جسدها ومسدت برفق على رأسها، بينما ظلت والدتها باقية إلى جوارها تقرأ لها من المصحف الصغير الذي تحتفظ به دائمًا في حقيبتها.. أشــار "هيثم" بيده لخطيبته لتأتي إليه، سألها بنوعٍ من المزاح:
-أول مرة أعرف إن أختك بهفة!
رمقته بنظرة حادة وهي تعاتبه:
-"هيثم" لو سمحت مافيش داعي للكلام ده، إنت مش عارف حاجة.
قال معبرًا عن اندهاشه مما رأه:
-أصل اللي يشوفها وهي طايحة في خلق الله ما يشوفهاش وهي كده.
قالت على مضضٍ وهي تضغط على شفتيها:
-حكمة ربنا هنعمل إيه بقى.
ابتسم معقبًا عليها:
-ولا حاجة،
حاول أن يصلح زلة لسانه التي بدت سمجة ليقول ملطفًا:
-متقلقيش، دلوقتي هتبقى كويسة.
تنهدت قائلة في رجاءٍ:
-يا رب
مصمصت "حمدية" شفتيها قبل أن تنطق بفظاظة، وقد ضجرت من جلوسها هكذا لا تفعل شيئًا، ناهيك عن تقلصات معدتها التي أشارت لجوعها:
-هي عادتها ولا هتشرتيها، لازم الشويتين دول يتعملوا عشان الصعبنيات.
ردت عليها "همسة" ترجوها بنبرة منزعجة:
-الله يكرمك يا مرات خالي، الحكاية مش ناقصة.
لوحت لها بيدها متابعة قولها:
-طب تعالي كده اشربيلك حاجة بدل ما شكل الدم هربان من وشك.
نفخت مرددة في سأم:
-شكرًا، ماليش نفس.
علقت عليها بتذمرٍ:
-يعني وقفتك جمبها هتفوقها؟ يا بت خلينا ناكل حاجة بدل ما الأكل يبرد، الناس صارفة ومكلفة.
نظر لها "هيثم" بغرابةٍ، بينما تحرجت "همسة" من أسلوبها غير اللطيف في التعبير عن شراهتها للطعام، وبضيقٍ ملموس في صوتها ردت:
-روحي إنتي يا مرات خالي..
تطلع "حمدية" إلى "هيثم" تسأله، وتلك الابتسامة السخيفة مرسومة على ثغرها:
-أومال إنت حاطط الأكل فين يا عريس؟
أجابها مستخدمًا يده في الإشارة:
-هناك يا حاجة.
ربتت على كتفه تشكره في امتنانٍ، وقد سال لعابها:
-تسلم وتعيش.
ظلت أنظاره تتابعها وهي تتفحص أكياس الطعام لتنتقي الأفضل وهو يقول لخطيبته بما يشبه السخرية:
-عسل أوي قريبتكم!
سألته في استخفافٍ:
-ده بجد ولا تريقة؟
أجابها بصراحةٍ غير قابلة للتشكيك:
-تريقة طبعًا، هو حد طايقها أصلاً.
........................................
انعزل عن البقية ليفكر بتروٍ فيما عرفه مصادفةً عن تلك الحالة المرضية الغريبة التي تصيبها، وكأن الأمر ينقصه ليفكر فيها وحدها دونًا عن بقية النساء، كانت كاللغز المشوق بالنسبة له، لا يمل منها أبدًا، كلما اكتشف جزءًا فيها ظهر في طريقه آخر استحثه على اكتشاف المزيد، تابع "تميم" والدتها التعيسة التي لم تتركها للحظة، أحضر لها علبة عصير لتتناول محتوياته بعد أن انخفضت مستويات السكر لديها تأثرًا بحال ابنتها المقلق، آه لو تعلم ما الذي يعتريه حاليًا رغم ادعائه بالصلابة والتماسك! أصر عليها "تميم" لتكمل شربه، وسألها باهتمامٍ اعتبرته كرمًا فائضًا من ناحيته:
-لو عاوزاني أبعت أجيب دكتور أنا جاهز.
ردت تشكره بتنهيدة متعبة:
-كتر خيرك يا ابني، شوية وهتفوق وهتبقى عادي..
استطاع أن يرى لمحة الحزن في نظراتها وتعبيراتها وهي تكمل بحسرةٍ:
-احنا مصدقنا عدينا الحكاية دي، أنا مش عارفة إيه اللي رجعهلها تاني.
بدا كل ما يسمعه يسثير جنونه ويدعوه لمعرفة المزيد، ومع ذلك تساءل باحترازٍ:
-هي حادثة كبيرة؟
حركت "آمنة" رأسها بالإيجاب وهي توضح له:
-تقريبًا، وقتها وقبل ما نستقر هنا، كنت بأجي من وقت للتاني عند بيت أبويا، نقعد أسبوع كده ولا 10 أيام قبل ما نسافر بلدنا.
حافظ على جمود تعبيراته متسائلاً:
-وبعدين؟
تابعت بزفيرٍ مهموم:
-زي ما إنت عارف، احنا كنا جيران الحاجة "ونيسة" زمان، في البيت اللي قصادها، وفي اليوم المشؤوم ده الحتة كلها اتقلبت عشان حريقة كبيرة حصلت.
هتف مدهوشًا:
-حريقة؟
تأهبت حواسه وتنشطت خلايا عقله بعد تلك الكلمة الخطيرة، فالحريق الوحيد الذي أفزع الجميع كان له صلة به، وظل الحديث عنه ممتدًا لسنوات، ما زال يتذكر صورة مبهمة غير واضحة المعالم لطفلة صغيرة التقاها فيه مصادفة لمرة واحدة لم تتكرر، آنذاك حاول إخراجها قبل أن تحرقها النيران الجائعة، خفق قلبه بقوة، وشعر بوجود رابط خفي ربما يجمعه بها، لكنه لم يكتشفه بعد .. المشهد لا يزال ناقصًا، أضافت "آمنة" بحزنٍ، وكأنها تعافر لنسيان الماضي وآلامه المفطرة للقلوب:
-أيوه، معرفش إيه اللي فكرنا بالماضي ده، الله يرحم عبيده..
كان على وشك سؤالها لولا رنين هاتفه الذي منعه من ذلك، اعتذر منها وهو يخرجه من جيبه لينظر إلى شاشته:
-هستأذنك أشوف التليفون اللي معايا.
ردت بتفهمٍ:
-اتفضل يا ابني.
وضع الهاتف على أذنه ليجيب بجدية بحتة:
-ألو، أيوه يا حاج "عوف".
...........................................................
كانت كمن تُلاعب أحدهم في لعبة أحجية غامضة دامت لسنوات استهلكت فيها تفكيرها ولا وعيها إلى أن ظنت أنها تغلبت عليه وانتصرت، لكن الحقيقة الصادمة أزاحت الغطاء عن كل شيء، اكتمل الناقص الآن، وباتت الأوجه معروفة لها، الفتى الغاضب الذي تسبب في إحراق المحل هو "هيثم" حين سرق والده في غفلة منه، وأسقط السربتاية أرضًا لتشتعل النيران وتحرق كل ما طالته حتى أبيه "غريب" صاحب الصورة الفوتوغرافية، والفتى الآخر الذي سعت لإنقاذه بعد أن فقد وعيه هو من تُشاجره حاليًا؛ "تميم" .. لم يعد هناك أي مفرٍ من الإنكار، أصبحت تدرك الحقيقة بملابساتها المؤلمة، بدأت تستفيق ببطءٍ وهي تحرك رأسها للجانبين، استغرقت بضعة لحظاتٍ لتستعيد كامل وعيها، اعتدلت في رفقدتها وأنزلت قدميها على الأرض، تأوهت "فيروزة" بصوتٍ خفيض مقاومة ذلك الصداع الهائل الذي يدور في رأسها، رفعت أنظارها نحو توأمتها التي ابتسمت لرؤيتها بخير، سألتها الأولى في حيرة:
-هو إيه اللي حصل؟
تلمست براحتيها وجهها وهي ترد متسائلة:
-إنتي كويسة يا حبيبتي؟ حاسة بحاجة؟
أجابت نافية، وكأنها تستغرب خوفها عليها:
-لأ أنا تمام.. مافيش حاجة فيا.
ألحت "همسة" في إصرارٍ:
-طمنيني عليكي؟
أكدت عليها بهدوءٍ:
-أنا بقيت أحسن، متقلقيش..
لم يخبُ الخوف من نظرات توأمتها، فحاولت طمأنتها وقالت ساخرة من الأمر برمته:
-ما إنتي عارفة اللي فيها، دايمًا كل فترة كده يحصلي حاجة غريبة، شكل مرات خالك حسدتني.
تنفست بعمقٍ لتعبر عن ارتياحها بعد سماعها لتلك العبارات، بينما ألقت "فيروزة" نظرة مدققة تجوب على المكان وما فيه، وكأنها تفتش عن شخص بعينه قبل أن تنطق فجأة بنبرة عازمة وهي تهم بالنهوض:
بصي أنا هنزل وكملوا إنتو شغل.
وقفت "همسة" على قدميها، وقالت بتلهفٍ:
-طيب استني هاجي معاكي، مش هاسيبك لوحدك.
اعترضت بابتسامة فاترة:
-لأ أنا بخير.. وكمان عشان تلحقوا تخلصوا، ده لسه في الفستان، ويدوب تلحقوا ميعاد الأتيليه.
ردت عليها بجدية وهي تومئ بعينيها:
-طيب، هنادي ماما، هي دخلت مع مرات خالي جوا يكملوا توضيب حاجة الدولاب، هما تلاقيهم خلصوا و...
قاطعتها بحسمٍ:
-لأ خليها .. وقوليلها أنا بقيت كويسة لو سألت عليا، وشوية وهاتصل بيها.. كفاية الخضة اللي عملتها
ردت بنوعٍ من التعاطف:
-متقوليش كده، هو احنا عندنا حد أغلى منك
احتضنت "فيروزة" توأمتها في حبٍ قبل أن تنسل من أحضانها لتوصيها:
-خدوا بالكم من نفسكم، وربنا يعينكم
ابتسمت قائلة برقة:
-حاضر.
................................................................
أرادت الهروب من ذاك الجو الخانق الذي يطبق على أنفاسها، بل ويضغط عليها للبوح بما لا تستطيع قوله حتى بينها وبين نفسها، شبهت حالتها المضطربة بالفأر المذعور الذي وُضع في متاهة لا خروج منها، تدور في نفس الدوائر المغلقة من معاناتها الصامتة حتى تخور قواها على أمل أن ينتهي ذلك العذاب، ومع ذلك تمنت في نفسها أن يظل الماضي حبيس أعماقها فقط، لا يعاني سواها من تبعاته المدمرة، التفتت كالملسوعة برأسها للجانب حين سمعت صوت "تميم" الرخيم يسألها:
-يا أبلة! إنتي كويسة؟
تفاجأت "فيروزة" بوجوده خارج المنزل -على الدرج تحديدًا- في مواجهتها، تحاشت النظر إليه وأجابته بصوتٍ فشلت أن يكون ثابتًا:
-آ.. أيوه.
صعد إليها ليبدو قريبًا منها معترضًا طريقها بجسده فلا تتمكن من المرور إلا بدفعه، ورغم هذا لم تكن بالجسورة التي تناطحه الند بالند، كانت مختلفة كليًا، تعبيراتها واجمة، شاردة، ربما متعبة، إن صح التعبير مرتاعة قليلاً .. تعجب من نظراتها المتوترة التي تتجنبه، لم تكن أبدًا بالنافرة منه إن تم مقارنتها بالمعتاد منها، بدت وكأنها تخشاه، تحاول المناص منه بكافة السبل، كذلك لاحظ تلك الربكة الخفيفة في طريقة إمساكها بالدرابزين وضغطها عليه بأصابعها بعصبيةٍ طفيفة، وزاد هذا من فضوله، سلط كامل عيناه عليها مستطردًا:
-هو كان في حاجة عاوز أسأل عنها وآ...
قطعت جملته قبل أن يتمها لتقول متهربة منه عن عمدٍ:
-معلش.. ورايا شغل، عن إذنك.
حتى أنها لم تنظر إليه ليتحرك، بل تنحى للجانب من تلقاء نفسه ونظراته تصاحبها خلال ابتعادها المريب، تخبط كل ما يدور في رأسه حاليًا بشأنها، لكن رحيلها بتلك الصورة ترك أثرًا عميقًا في نفسه، انتبه "تميم" لصوت والدته التي خرجت من منزلها لترفع رأسها نحوه تسأله:
-خلصتوا يا "تميم"؟
ابتسم وهو يجيبها ليخفي حيرته:
-فاضل حاجة بسيطة.
ردت في تفهمٍ:
-ربنا يعينكم، ولو الجماعة فوق عايزين حاجة قولي، أنا جاهزة أطلع أساعدهم.
قال بفتور:
-كله تمام يامه.
للحظة طرأ بباله أن يتحرى عما يشغله ممن عاصروه، لذا بادر متسائلاً باهتمامٍ:
-بأقولك هو جدي صاحي؟
أجابت والدته بكلمة واحدة:
-أيوه.
هبط الدرجات متابعًا بعزمٍ:
-طيب أنا داخله.
رحبت به أمه قائلة بوجهها البشوش:
-تعالى يا ابني، إنت بتستأذن في بيتك؟
.............................................................
-خير يا "تميم"، جيتك السعادي مش لله، ولا أنا غلطان؟
تساءل "سلطان" بتلك العبارة بعد أن استأذن حفيده في المكوث معه لبعض الوقت دون أن يبدي أسبابًا واضحة لذلك خاصة في هذا التوقيت المتأخر غير الاعتيادي، ولكون جده على دراية بما ينتابه من حالات تخبط يلجأ فيها إليه، استهل "تميم" حديثه معه قائلاً بأريحية:
-إنت صح يا جدي، أصل في حاجة كده شاغلة بالي، وكنت عاوز أتأكد منها منك.
رد عليه بنبرته الخشنة:
-قول عاوز تعرف إيه.
دون مراوغة أو مماطلة سأله على الفور:
-هو في حريقة حصلت زمان غير بتاعة محل عم "غريب"؟
شرد مليًا للحظة ليفكر في الجواب المناسب قبل أن يدمدم موضحًا له:
-على حسب علمي، مافيش إلا هي.
ضاقت حدقتاه بشدة وهو يلاحقه بسؤاله التالي:
-ماتفتكرش حصل إيه بالظبط؟
استراح في رقدته على الفراش بعد أن وضع الوسادة خلف ظهره ليقول بعدها بتنهيدة بطيئة:
-عمك "غريب" الله يرحمه كان طماع، عاوز يتغنى بسرعة، معندوش صبر على حاجة، وخالتك زي ما إنت شايف ماتوصتش، مش تقوله بلاش ولا كفاية، لأ كانت بتشجعه يعمل أي حاجة إن شاءالله بالغش، المهم يبقى معاه فلوس كتير.
تحدث من زاوية فمه قائلاً:
-ما كل ده أنا عارفه.
تطلع "سلطان" إليه في حيرة، وسأله:
-أومال بتسأل عن إيه؟
تشجع ليبوح له بما يدور في رأسه من أمور تشغله بشأنها:
-يوم الحادثة يا جدي، كان معايا بت صغيرة، مظبوط؟
ظهرت علامات التفكير العميق على وجهه وهو يرد:
-تقريبًا، كانوا لاقوها جمبك، ماسكة فيك.
تضاعفت خفقات قلبه القلقة وهو يسأله بنبرة بدت إلى حد ما متلهفة:
-وكانت عايشة ولا ميتة؟
أجاب منهيًا حيرته:
-إنتو الاتنين بس اللي ربنا نجاكم من الحريقة.
أخرج "تميم" نفسًا عميقًا من صدره أزاح به كل التوترات التي أرهقته، ثم عاد ليسأل باهتمامٍ وقد أضاءت عيناه بوهجٍ غريب:
-ماتعرفش هي مين؟
هز رأسه نافيًا:
-مش فاكرها يا ابني .. السِن بقى وأحكامه، ودي حاجة عدت عليها سنين.
تقدم "تميم" نحو جده ليحني رأسه عليه، قبله من جبينه وهو يدعو له بتضرعٍ:
-ربنا يديك طولة العمر يا جدي.
ربت الأخير على كتفه بودٍ قبل أن يكمل مستفيضًا بتلقائية:
-بس على ما أظن أبوها كان راجل في حاله، طيب مش بتاع مشاكل، كان شغال صياد، مراكبي، حاجة زي كده، واسأل أبوك هو فاكر عني...
اكتفى حفيده بالابتسام، لكن تفرس " سلطان" في ملامحه وهو يسأله بدهشة مبررة:
-بس إنت إيه اللي فكرك بالحكاية دي دلوقتي؟
تعلل كاذيًا ليخفي ما لا يريد الإفصاح عنه له:
-يعني كنت بأدردش أنا و"هيثم"، وافتكرنا حكاية موت أبوه.
بدت إجابته مقنعة، فلم يشك بأمره، وقال:
-ربنا يرحمه، ويحسن ختامنا جميعًا.
-يا رب.
أضــاف "سلطان" بنبرة عادية:
-الواد ده نبتته كويسة، بس مالوش كبير يحاسبه، ده غير أمه، كتلة شر.
ابتسم لصراحته مؤيدًا إياه:
-صدقت يا جدي.
عمق "سلطان" من نظراته نحوه وهو يقول:
-وبنتها عاملة إيه معاك؟ كويسة ولا شبه أمها؟
أجاب بعبوسٍ كسا وجهه:
-يعني .. ربنا يهديها.
رد عليه في سخرية:
-هما كل الحريم كده، مافيش من وراهم راحة.
وكأنه أظهر المزيد من انزعاجه على تعابيره عندما قال بزفيرٍ طويل:
-على رأيك يا جدي.
مازحه الأول مبتسمًا ليبدد الوحشة التي ملأت محياه:
-ولسه لما تخلف كمان، هاتشوف العجب منهم، هتطفش يا واد يا "تميم" وتيجي عندي..
ضحك على طرفته، فأكمل "سلطان" بنوعٍ من التمني:
-ربنا يمد في عمري وأشوف عيالك.
رد عليه برجاءٍ كبير:
-إن شاء الله يا جدي، ويتربوا تحت طوعك
صدرت إيماءة خفيفة من رأسه حين قال معقبًا:
-يا رب.
..........................................................
انزوى بالشرفة جالسًا في كرسيه الخشبي يشعل سيجارة تلو الأخرى دون أن يحصي عدد ما دخنه، كان عقله مشحونًا، ومشغولاً بالكثير، من ناحية رغبته في معرفة هوية الطفلة الصغيرة التي تواجدت معه خلال الحريق المروع، وهواجسه نحو واحدة بعينها، ومن الناحية الأخرى شكوكه في زوجته، كيف يخبر الأخيرة ببساطة أن كذبتها التي برعت في إحكامها عليه قد انكشفت؟ خدعته لتخفي أمرًا لئيمًا حاكته من ورائه، إن كان الدواء المنشط لا يخص أخيها فإذًا هو لمن؟ إجابة السؤال كانت واضحة كالشمس في كبد السماء، بالطبع ليس لها! في البداية تحير كثيرًا ورفض تصديق الأمر إلى أن تجلت الحقائق في عقله كمشاهد متعاقبة ترشده إلى نهاية لا مناص منها؛ كان هو المغفل الذي يتجرعه ليلة بعد أخرى لتتحرك شهواته باهتياج تعجب منه شخصيًا، قوته الذكورية كانت مفرطة معها رغم فتور مشاعره نحوها، يندفع غرائزيًا لا وجدانيًا، يمنحها ما تريد ويخبو لهيب الرغبة فجأة كما اندلع فجأة .. ظل السؤال الذي يراوده كيف يتم الأمر؟ ومن أين واتتها الجراءة لتفعل ذلك به؟ لكن عاد عقله لينذره بهاجس مريب لم يستسغه؛ ألا يتسرع في إصدار الحكم عليها لمجرد إنكار "هيثم" لذلك، أليس من المحتمل أن يكون هو الطرف الكاذب؟ ربما أراد تحسين صورته أمامه وهو مقبلٌ على الزواج، انتشلته من حيرته المتعبة على صوتها المتدلل:
-مش هتاكل يا "تميم"؟
نظر لها مليًا بنظرات غريبة، مطولة، مليئة بالشك، وكأنه يريد النفاذ إلى داخل رأسها الداهية ليكشف عن خباياه، تعجبت "خلود" من تحديقه المطول بها وأعادت تكرار السؤال عليه ليرد بوجومٍ:
-لأ.. ماليش نفس.
دققت النظر في ملامحه المكفهرة وهي تتساءل:
-هو إنت كلت برا؟
أجاب باقتضابٍ:
-لأ..
ألحت عليه بشدةٍ:
-أومال إيه؟ ده أنا محضرالك الأكل اللي بتحبه، يالا عشان تاكل ونقعد سوا تحكيلي عملت إيه.
استاء من ضغطها المستمر عليه، خاصة وهو مهموم بشأن كذبتها، لذا صاح بها بعصبيةٍ
-مش عاوز يا "خلود".
استغربت من صياحه المنفعل، وقالت بتبرمٍ:
-براحتك.
لم يعلق عليها وظل يرمقها بتلك النظرات الغامضة التي لم تسترح لها، جلست "خلود" على الكرسي المقابل له تسأله بفضولٍ، وكأنها تشك في أمر ما:
-"هيثم" كان قال لأمي إنك كنت معاه لما نقلتوا حاجته النهاردة.
انحنى للأمام ليطفئ سيجارة أخرى وهو يرد موجزًا في الحديث:
-أيوه.
برقت نظراتها حين سألته في خبث:
-على كده خطيبته وأمها كانوا هناك؟
قال بهدوءٍ:
-أيوه
احتدت نظراتها حين انتقلت للسؤال التالي:
-والبت "فيروزة"؟
تحفز في جلسته وبادلها بنظرة شبه مزعوجة وهو يرد:
-مالها؟
أجابت متسائلة وقد بدت متأهبة لسماع رده:
-كانت معاهم؟
لم يمنحها ما تريد، وراوغها بالقول:
-بتسألي ليه؟
حاولت الابتسام وهي ترد:
-عادي يعني، عاوزة أعرف.
وكأنه يُعيد اكتشاف طباع زوجته الحقيقة لأول مرة دون زيف أو تجميل، لم تكن نظراتها مريحة، ولم تكن تعبيراتها مسترخية، قناع الغيرة الذي ترتديه لم يستلذه مطلقًا، نفخ في الهواء قبل أن يجيبها بسأم واضح عليه:
-أكيد.. طالما أختها هناك هتبقى معاهم.
ركزت عينيها عليه عندما سألته مباشرة:
-وإنت شوفتها؟ أعدت معاها؟
ضاقت نظراته هاتفًا في استنكار:
-"خلود" هو ده تحقيق وأنا مش عارف؟
تصنعت الضحك وهي تبرر أسئلتها المتعاقبة:
-لا يا حبيبي، أنا بس بأدردش معاك، وبعدين مافيهاش حاجة لما أطمن على جوزي حبيبي.
هب واقفًا ليجمع علبه سجائره وولاعته قبل أن ينطق بتزمتٍ:
-وأنا مش شايف أي دردشة، ولو عاوزة تعرفي حاجة كلميني دوغري، بلاش شغل التلت ورقات ده.
نهضت هي الأخرى لتقول بتأففٍ:
-أصل أنا مابستريحش للبت دي، سهونة كده وخبث الدنيا فيها، وجواها إسود كده، ربنا يحفظنا من اللي زيها.
وكأنها تحرضه على وغر مشاعره ضدها أكثر، نظرة استحقارٍ استطاعت أن تراها في عينيه وهو يحدق بها ليعقب بعدها:
-أنا رايح أنام، تصبحي على خير.
لاحقته بنظراتها الفضولية المتعجبة قبل أن تسأل نفسها في حيرةٍ:
-هو ماله ده ..........................................؟!
.................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل التاسع 9 - بقلم Manal Salem
القراء الكرام .. في البداية وجب الاعتذار عن التأخير، الفصل أخد مجهود عشان يطلع بشكل مقبول، وأعدت تعديل كذا جزئية أكتر من مرة بحيث تصلح للقراءة بدون خوض في التفاصيل ..لكن أرجو في النهاية إن المكتوب يلاقي الإعجاب والاستحسان والتقدير من حضراتكم ..قراءة ممتعة
الفصل الرابع والأربعون
بدافعٍ من الحب الغريزي نحو شقيقتها قررت إبقاء الأمر طي الكتمان حرصًا على سعادتها البادية عليها، وحتى لا يُقال أنها أفسدت عليها فرحتها قبل اكتمالها، خاصة في مثل هذا التوقيت الحرج .. دفنت ما عرفته ضمن صفحات الماضي، لا داعي لإثارة الجدل بعد ما اكتشفته مصادفة، لتكن وحدها من يحمل السر إلى القبر .. تلقت أيضًا توبيخًا تستحقه لهروبها خلسة قبل أن تراها والدتها وتطمئن عليها، وكأنها ارتكبت ما تخجل منه، لم تلقِ بالاً لحدة أمها معها، أرادت فقط تخطي تلك الليلة بما احتوته من ذكريات مؤلمة. طوقت "همسة" توأمتها بذراعيها من كتفيها لتحتضنها وهي تتنهد قائلة:
-مش عاوزاكي تزعلي يا "فيرو"، والله ماما بتحبك، وأنا حاولت أفهمها إنك بقيتي كويسة.
ردت بتفهمٍ قبل أن تحرر من حضنها الدافئ:
-عادي يا "هموسة"، ماتحطيش في بالك.
أمعنت الأخيرة النظر في تعبيراتها الساكنة متابعة تبريرها لشدة والدتها معها:
-هي مكانتش حابة إنك تبقي لوحدك بعد اللي حصل، طبيعي تخاف عليكي وتقلق.
كانت "فيروزة" متفهمة لأبعد الحدود، بل بدت مسترخية أكثر من اللازم بما يدعو للشك، استلقت على الفراش، وعلقت:
-الموضوع مش مستاهل.
-طيب.
عادت "فيروزة" لتسألها لمرة أخيرة:
-قوليلي إنتي فعلاً بتحبي "هيثم" ده؟ يعني واثقة إنه هيسعدك؟ يستاهل حبك ليه؟
لاحت بسمة ناعمة على ثغرها وهي تجيبها بتأكيد:
-أيوه.. أنا بأحس معاه إني واحدة تانية، وهي بيعمل كل حاجة عشان يفرحني.
كان ردها كفيلاً بإعلانها الرسمي بالتزامها بما عاهدت عليه نفسها، تحركت شفتاها لتظهر ابتسامة لطيفة حين عقبت عليها:
-ربنا يفرحك يا "هموس"، إن شاء الله تبقي أحلى عروسة.
............................................................
من تطلع إليه في تلك اللحظة ودقق النظر في تعبيرات وجهه المتقلصة لأدرك أنه يخوص الآن حلمًا يعايشه بكل طاقاته اللا شعورية، سحبته آلة الزمن المتحكمة في أحلامه المكبوتة –بإرادته- إلى سنوات مضت؛ حيث الحريق المشؤوم، في البداية بدا كل شيء متداخلاً، ومضات تروح وتجيء بشكلٍ غير مفهومٍ إلى أن استقر المشهد على طفلة تشير بيدها نحو حريق بالخلف، انعقد حاجباه بقوةٍ وهو يحاول تبين ملامحها، كانت مألوفة بدرجة جعلت قلبه يخفق، ونبضاته تتلاحق، نفس النظرات الحادة، والوجه الصارم، حتى أنه تذكر الجديلتين، أما رسمة الطاووس الملفتة التي احتلت صدر ثوبها عززت من إحساسه حول معرفته الشخصية بها، تذكر أيضًا تلك اللمسة الخشنة منه على رسغها الضعيف وهو يجرها للخارج ليمنع ألسنة النيران من الإمساك بجسدها الضئيل.
انتفض "تميم" محاولاً إنقاذ زوج خالته، لكن شرارات النار الجائعة كانت أسبق منه إليه، نالت من جسده وأحرقته حيًا وسط صرخات مفزعة مميتة للقلوب، شخص بأنظاره من هول المنظر المرعب، أحضر دلوًا مليئًا بالمياه لإطفاء ما استعر به، لكن عرقتله الكتلة المؤلمة التي انهالت على كتفه فتدحرج الدلو من يده، وطُرح أرضًا لا يقدر على الحركة، كان في حالة أقرب للإغماء وهو يرى من خلف ضلالاته المشوشة رسمة الطاووس المزركش وهي تدنو من عينيه تحاول شده إليها وسط حشرجة صوته الذي اختنق بالدخان القاتل، غزاه الظلام وهو يشعر بحركة عاجزة من الطاووس يحاول بها جره، أدرك أنها النهاية، لن ينجح ذلك الكائن الضئيل في نجدته، جاهد ليفتح عينيه ليلقي نظرة أخيرة على ما حوله وسط سحب الدخان الرمادية الكثيفة، كان وجهها ملاصقًا له، ساكنًا، مرتخيًا، ملامحها أصبحت واضحة، امتدت أصابعه المرتجفة لتلامس وجنتها المشتعلة بحمرة نتجت من عنف مجهود يفوق قدراتها الجسمانية، لم تتحرك .. بقيت هادئة، حينها فقط خرج صوته هامسًا يحمل أنينًا حزينًا وكأنه يناديها:
-"فيروزة"!
التقطت أذناها صوته الخافت وفتحت عينيها على اتساعهما، حملقت "خلود" في السقفية باندهاشٍ غاضب قبل أن تدير رأسها في اتجاه زوجها النائم إلى جوارها لتحدق فيه بكل ما يتقاذف من عينيها من شرارات الغضب والغل، أرهفت السمع لتتأكد إن كان ما سمعته صحيحًا أم مجرد خزعبلات وهمية أصابت رأسها غير الواعي حين غفلت بعد عناءٍ .. ظل "تميم" صامتًا، لم يتفوه بشيء، راقبته جيدًا وتابعت انتظام حركة أنفاسه، على ما يبدو ما زال مستغرقًا في النوم، انسحبت من الفراش وهي تشعر بقلبها المذبوح يتمزق لعشرات القطع، أيعقل أن يحلم بغيرها وهي تنام في أحضانه على الفراش؟ ربما كان يمنحها حبه الجسدي ويغدق على تلك البغيضة بما ضن عليها به! ضبطت بمجهودٍ عنيف أعصابها حتى تخرج من الغرفة لتستنشق الهواء بعد أن شعرت أنه يطبق على صدرها ويكاد يكتم أنفاسها .. اتجهت للمطبخ لتشرب كوبًا من الماء البارد، ما زالت الشكوك تلعب برأسها بشــأن وجود ما يخفيه عنها.
هجرانه لها أم جفائه معها لا تستطيع أن تحدد تغير معاملته رغم كونها تحمل في أحشائها طفله، يكاد ذلك يصيبها بالجنون، وما ظنت أنها سمعته عظم من إحساسها بالغضب المحقون، تسللت "خلود" بحذرٍ لتجلس في غرفة النوم الأخرى ومعها هاتفها المحمول بعد أن ألقت نظرة عابرة من الخارج على الفراش المتكومة أغطيته معتقدة في قرارة نفسها أن زوجها ما زال مستغرقًا في نومه العميق، يغط في أحلامه المحرمة تاركًا إياها تعاني ويلات برود مشاعره، واربت الباب خلفها واتجهت بخطواتٍ شبه متعصبة نحو الفراش، جلست على طرفه وظلت تهز ساقها في عصبية، لم تستطع صرف ذهنها عن التفكير في "فيروزة"، تلك الحقيرة التي تنسج الخيوط حول زوجها لتجره إليها جرًا، البغاء في أقذر صوره متجسدًا في شخصها اللعوب، التقطت هاتفها بيدها، ووضعته على خاصية السماعة الخارجية ليبدو صوت والدتها واضحًا نظرًا لتعذر سماعها بدون تلك الخاصية بسبب العطب الذي أصاب جهازها، وإغفالها عن إصلاحه، تنفست بضيقٍ قبل أن تنطق:
-أيوه يامه
أجابت عليها "بثينة" باستغرابٍ:
-في إيه يا بت؟ إنتي صاحية ليه السعادي؟
أجابتها بقنوطٍ:
-خلاص معنتش قادرة استحمل، أنا شوية وهاتجنن، جبت أخري.
اختفت نبرة النعاس من صوت والدتها وهي تسألها بانتباهٍ:
-ليه حصل إيه تاني؟ جوزك عرف بحكاية البرشام إياه؟
في تلك الأثناء، نهض "تميم" من نومه على كابوسه المفزع، لكنه منحه إجابات كانت تنتظره حتى ينبش فيها، هو متأكدٌ أنه لم يخطئ في حدسه، "فيروزة" هي الطفلة الصغيرة التي كانت معه، وَلهَها بنقوشات الطاووس وأشكاله المختلفة لا يزال مرتبطًا بشخصها، نفس الملامح لم تتغير كثيرًا، حتى النظرات الحادة التي دومًا توحي بغضبها كما هي، التفت لجانبه ليتفقد زوجته فلم يجدها، دعك رأسه وفرك عينيه وهو ينهض عن الفراش حتى يستفيق، اتجه للخارج باحثًا عنها، صوت همهمات متعصبة كان يصدر من غرفة النوم الأخرى المضيئة، تحرك صوبها وقبل أن يضع يده على الباب الموارب كانت أذناه قد التقطت -بمحض الصدفة- جملةً جعلته يتصلب في مكانه مصدومًا، انزوى في بقعة معتمة حتى لا ترى انعكاس خيال ظله ليسمع بوضوح حديثهما الخطير .. نفخت "خلود" قبل أن ترد بنبرتها المنزعجة:
-لأ، "تميم" مايعرفش حاجة.
ردت "بثينة" ساخرة بعد ضحكة رقيعة مستمتعة:
-وهيعرف إزاي وإنتي كنتي بتحطهوله في الأكل؟ ما تجربي ده تاني، أنا هاجيبلك كام حباية كده تداريهم بمعرفتك.
اتسعت عينا "تميم" في ذهولٍ وقست تعابيره بشكل ينذر بعواقب غير محمودة أبدًا، أطبق على قبضتيه بقوةٍ حتى ابيضت مفاصله من غضبه المكبوت، حافظ على ثباته عله يكتشف المزيد، في حين كزت "خلود" على أسنانها قائلة:
-الموضوع ده عدى وانتهى، ومش هاينفع أعمل كده تاني.
سألتها والدتها بجدية:
-هو مسألكيش تاني عنه؟ يعني دخلت عليه حكاية إنه بتاع "هيثم"؟
أجابت على مضضٍ:
-أيوه.
عاد الفضول ليشغل تفكيرها وهي تسألها:
-أومال في إيه؟
أجابت بضيقٍ وهي تقضم أظافر يدها بأسنانها في توترٍ:
-شكله متغير عليا.
نهرتها والدتها بضجرٍ:
-هو إنتي غاوية تجيبي النكد لنفسك؟ هو كان لونه أصفر وقلب أخضر! يا بت اركزي وخدي بالك من اللي في بطنك، ماتبقيش حمأية وغبية كمان.
هتفت محتجة عليها دون أن ترفع من نبرتها:
-لأ إنتي مش فاهمة يامه، مابقاش زي الأول كده عاوزني وملهوف عليا.
ردت ببرود شبه مستفز غير مبالية بمشاعر ابنتها المحتقنة:
-وإيه يعني؟ مصلحة! ما الدكتور قايلك مافيش داعي للكلام إياه الفترة دي.
استاءت من فهم والدتها المنحصر في مسألة العلاقات الجسدية فقط، كانت تريد الأعمق من ذلك، الاستحواذ عليه في كل شيء يتضمن المشاعر، التفكير، وحتى في اختياراته البسيطة، حاولت أن تفسر الأمر لها، فاسترسلت بتنهيدة مهمومة:
-مش ده اللي بتكلم فيه، أنا حاسة بيه، هو متغير معايا، جمبي أه بس عقله بعيد عني.
علقت ببساطة متجاهلة أحاسيسها:
-ما جايز في حاجة في الشغل قرفاه.
اعترضت بألمٍ شعرت به ينغص صدرها:
-لأ، قلبي بيقولي غير كده.. وأنا شاكة إن البت العقربة إياها ورا قلبته عليا
تحفز "تميم" في وقفته وقد انخلع ما بين ضلوعه في توترٍ بعد استماعه لشكوكها، لكنه لا يقارن أبدًا بغضبه المتأجج فيه جراء الحقيقة المخجلة، ضغط على شفتيه بقوةٍ ليمنع نفسه من التهور، ما زالت الأمور في أولها، تساءلت "بثينة" بصوت وصل إليه:
-تقصدي مين؟
أجابت بغيظٍ واضح:
-الهبابة "فيروزة"! هو في غيرها؟
سألتها والدتها من جديد في استغرابٍ مستنكر:
-وهي مالها بيه؟
ردت بغلٍ بائن في صوتها قبل نظراتها:
-إنتي ناسية يامه المحروس أخويا وشبكته السودة، ما هما ساكنين فوق خالتي، طبعًا في الطالعة والنازلة هتشوف "تميم" وترسم عليه وتشاغله، ونظراته ليها مش مريحاني.
سخرت أمها من خيالها الجامح، وهتفت بتهكمٍ:
-وربنا كتر فرجتك على التلفزيون لحست مخك، جوزك ده زي القطر، مايعرفش لا حب ولا غيره.
تغاضت عن استخفافها بها، وأصرت على ما تقول:
-الحاجات دي تتحس يامه.
هتفت بها تحذرها من تماديها في أوهامها الحمقاء:
-بأقولك إيه اهتمي بصحتك اليومين دول، خلي حملك يكمل على خير، والبت دي سبيهالي، أنا هاشوف شغلي معاها.
أوغر صدر "تميم" في حقدٍ وكره ناقم من المؤامرات الماكرة التي تُحاك من وراء ظهره، والأدهى من يدبرها؟ زوجته بمساعدة خالته! استشاط غضبًا لكونه في موقف الأبله الذي منح ثقته لمن لا تكف عن إيذائه، ناهيك عن إفشاء أسرار بيته مخالفة عهدها معه .. توسلت "خلود" لوالدتها:
-بالله عليكي يامه اقفي جمبي، أنا مش هاستحمل واحدة تانية تشغل بال جوزي ولا تاخده مني، هو بتاعي أنا وبس، أنا صبرت ده كله واستحملت أسلوبه وطريقته عشان نبقى لبعض.
نصحتها والدتها بلهجةٍ شبه حازمة:
-طيب.. قومي نامي في فرشتك جمب جوزك بدل ما يقوم ومايلاقيكش.
تنهدت ببطءٍ قبل أن ترد:
-حاضر.
أنهت معها المكالمة بعد بضعة وصايا أخرى تخص الانتباه لصحتها وتناول الطعام الصحي لتنهض من الفراش وهي غير متوقعة من يقف لها بالخارج، انتفضت متراجعة للخلف في ارتعابٍ حين فتحت الباب وأطلت برأسها لتتفاجأ بزوجها يسد الطريق عليها، شبحت بشرتها، وأحست بتلك الخفقة العنيفة المرعوبة تضرب قبلها، اهتزت شفتاها ناطقة:
-"تميم"..!
لعقت شفتيها واستجمعت نفسها لتبدو طبيعية أمامه، اجتهدت لتبتسم لكن خرجت بسمتها مهزوزة يشوبها الخوف، سألته بعينين تدوران على وجهه القاتم بترقبٍ متوجسٍ:
-إنت هنا من امتى؟
لم يجبها، لكن تعابيره القاسية حذرتها من شيء مهلك، لوحت بالهاتف أمام وجهه موضحة بصوتها المرتبك:
-أنا.. كنت بأكلم ماما .. بتطمن على صحتي، مشغول بالها عليا و.. محبتش أعمل دوشة وإنت نايم، ماهي طلبتني.. وإنت عارفها بتحب ترغي وآ.....
ابتلعت باقي جملتها الكاذبة في جوفها حين صرخ بها بصوتٍ هز أركان الغرفة:
-يعني كنت أنا المغفل اللي بتحطيله الهباب ده؟
تراجعت بخطواتٍ مرتجفة للخلف لتتحاشى اقترابه الغاضب منها، وهتفت ترد في هلعٍ:
-إنت فاهم غلط
واصل صياحه المتشنج وعروقه تنتفض غضبًا وحنقًا:
-وفي الأكل يا قادرة؟
جحظت بعينيها حتى كادت تخرجان من محجريهما من شدة خوفها أمام شراسته المتعاظمة، تابعت تراجعها للخلف وقلبها يدق في عنفٍ، بينما أضــاف "تميم" بصوتٍ متهدج من انفعاله الكبير:
-شغل ولاد ليل بصحيح، أل وأنا اللي مفكر إن أخوكي بيبلبعه عمال على بطال.. طلعت أنا الخرع اللي بأخده ليل نهار.
هزت رأسها نافية وهي تشير بيدها أمام وجهه:
-لا يا "تميم"، إنت غلطان..
شعرت أن قلبها على وشك الاقتلاع من صدرها حين سألها بصوته الجهوري، ونظراته النارية:
-وكنتي بتحطهولي كام مرة في اليوم؟
ارتعشت وانكمشت على نفسها وهي بالكاد تحاول الصمود أمام بطشه المهدد، ابتلعت ريقها وردت بصوتٍ لاهث:
-مش كده خالص..
هدر بقوة أرعبتها أكثر:
-مجاش في بالي أبدًا إن مراتي بتديني برشام عشان أنام معاها لأنها شيفاني منفعش!!
نفت بصوتها الذي بح من شدة خوفها من وحشيته المتجسدة أمامها:
-أبدًا والله، إنت سيد الرجالة كلهم.
ارتطم ظهرها بالدولاب، لم يعد هناك مهربًا لها، خبأت بذراعيها وجهها خوفًا من اعتداءٍ سافر عليها جراء مصيبتها، لكنه قبض على رسغيها يشدها منهما بعد أن قيدهما بكفه ليظهر وجهها، وبيده الأخرى أطبق بغلظةٍ على فكيها يعتصره تحت قوة أصابعه، هزها بخشونة مؤلمة وهو يسألها:
-عملتي كده ليه؟
ردت من بين شفتيها وهي بالكاد تحاول الكلام:
-أنا .. كنت.. بس آ...
بدت كمن يحاول اختلاق كذبة سريعة علها تنطلي عليه، صفعة أولى قوية هوى بها على خدها أصابتها بألم شديد قبل أن يتبعها بأخرى فقدت خلالها إحساسها بذلك الجانب، كما نزفت خيطًا رفيعًا من شفتها التي جرحت بأسنانها، وقبل أن يفكر في إكمال ضربه لها، صرخت ترجوه:
-حرام عليك.. هاموت في إيدك، أنا حامل ماتنساش ده، عاوز ابنك يموت؟
ألجمته تلك الجملة فتجمد في مكانه دون أن يحررها، وكأنه يعيد التفكير في شأنها لأجل مصير ذلك الجنين، لكنه لعنها بكلمات نابية جرحت كرامتها بشدة:
-يا بنت الـ.........، مافيش (...) منك!
اعتذرت منه ببكاءٍ اعتقدت أنه سيجدي نفعًا معه ويسترق قلبه بعد نجاحها في كبح غضبه المندلع:
-أنا أسفة، أنا غلطت.. بس والله ما أقصد أضرك.
دفعها بعنف لتصطدم بضلفة الدولاب التي آلمت كتفيها، انصرف من الغرفة يلعنها وهو بالكاد يكافح لضبط أعصابه قبل أن يعود وينحر عنقها لكونها قد عبثت واستهانت برجولته غير القابلة للتشكيك.
........................................................
ما يقرب من الساعة مكث فيها بالشرفة يحرق سيجارة وراء الأخرى حتى نفذ ما بعلبته، ضرب بقبضته على حافة السور لأكثر من مرة، فكلما تذكر كلماتها كلما تجدد حنقه عليها، ظلت مشاعره الثائرة تغلي في صدره حتى أوشكت أن تجهز عليه، اعتقدت "خلود" من سكونه الزائف أنه هدأ قليلاً، وربما يمنحها ذلك فرصة لتبرير الحقيقة وإعادة سردها بشكلٍ يخدمها أكثر، بدلت قميصها المنزلي القطني بآخر حريري بنفسجي اللون يبرز مفاتنها، وأفرطت في وضع عطرها المغري لتضمن تأثيرها الأنثوي على تحفيزه جسديًا، وضعت الروب على كتفيها لتغطي بشرتها، ثم وقفت عند أعتاب الشرفة تناديه بتنهيدة بطيئة:
-"تميم"
امتقع وجهه من حضورها المقيت، وشعر بالغثيان من صوتها المنفر وهو يهدر بها مهددًا:
-ابعدي عن وشي السعادي.
تلمست جانب عنقه بأناملها بحركة مغرية ومحفزة في نفس الوقت هامسة له:
-حبيبي، خليني أشرحلك الحكاية، إنت فاهم غلط.
استدار نحوها يرمقها بنظرة احتقارية قبل أن يغرز أصابعه في لحم ذراعها ليدفعها للداخل وهو يصيح بصوته الأجش:
-حكاية؟ ده إنتي كدبتي عليا لما سألتك! لأ وأنا الحمار اللي صدق كل حرف قولتيه، طلعتلك الملاك الغلبان، وأنا المفتري الظالم.. يا شيخة ده إنتي إبليس يتعلم منك.
كان لا يزال في ذروة غضبه، لم يتبدد أو ينتقص شيئًا، لكنه لم يؤذها، مجرد دفعات بسيطة، أو سباب مهين لها، وذلك طمأنها أكثر .. لذا استعادت جأشها لتقول:
-غصب عني يا "تميم"، أنا بأحبك أوي.. أنا عاوزاك ليا وبس.. نفسي في حضنك أوي.
مل من سماع نفس العبارات المستهلكة التي لم يشعر بصدقها أبدًا، كيف لرجل أن يقبل ببساطة أن تدس له زوجته في طعامه دواءً قد يقضي على رجولته لمجرد أنها وسيلتها لجره للفراش واستنزافه؟ استنكر بشدة ما فعلته، وهاجمها بكلماتٍ عدائية:
-بالطريقة الـ ..... ده؟ فكرك إن البرشام هايجبني ليكي راكع؟ هيخليني تحت رحمتك، ما جايز إنتي أصلاً ماتمليش عيني؟ وأكيد كنت هادور على واحدة تانية غيرك.. أخونك معاها.
أهانها بكلماته الجارحة التي ذبحتها، وردت محاولة جمع ما بعثر من كبريائها النازف مؤكدة على إخلاصه:
-إنت مش كده، إنت بتحبني لوحدي زي ما أنا بأحبك.
ربما لم يقدم على الخيانة فعليًا، لكنها لا تستحق شفقته أو عطفه، استمر في ضغطه على ذراعها حتى أنت من الألم وهو يواصل تعنيفه بها:
-لأ وأمك.. اللي هي خالتي، بدل ما تقولك لأ، موالسة معاكي في الليلة دي من الأول، وأنا ليه مستغرب؟ ما هو طبعًا إنتي بنتها وتربيتها فكان ده المتوقع منكم..
دافعت عنها بوقاحةٍ استفزته وجعلت الدماء تثور في عروقه:
-هي عايزة مصلحتي، ماتلومهاش
رمقها بنظرة تحتقرها وهو يرد:
-ماهو باين.. جوز أبالسة!
واجهته بأسلوبٍ اعتبره فجًا للغاية:
-"تميم" قدر موقفي بقى.. أنا استنيتك كتير، محبتش حد في حياتي غيرك، اتولدت عشان أحبك إنت وبس، رضيت ببعدك، واستحملت كل حاجة عشان تبقى ليا، وكنت مستعدة أعمل أي حاجة تخليك على طول جمبي وليا لي لوحدي.
ترك ذراعها الذي التهب، ثم أولاها ظهره رافضًا النظر إليها، كأنها عاهرة رخيصة ارتكبت فاحشة مبينة، وقال بسأم دون أن تخبو نبرته المنفعلة:
-يادي أم الأسطوانة المشروخة دي! زهقت، غيري منها.
لحقت به، وقالت بجراءةٍ، ويدها قد امتدت لتلمس ذراعه المشدود في عضلاته:
-"تميم" استنى، أنا معملتش حاجة حرام.
انتفض في نفورٍ جلي من اقترابها، وكأن قاذورات قد ألقيت عليه، ثم صاح بها:
-بس.. ماتلمسنيش! أنا مش عايز أقولك أنا حاسس بإيه دلوقتي ناحيتك!
ترقرقت العبرات المقهورة في مقلتيها بعد عبارته تلك، استطاعت أن ترى بوضوح مدى بغضه لها، ومع ذلك قاتلت لتستجدي عشقه بتسولٍ:
-أنا بأحبك يا "تميم"، ليه بتعذبني؟ ليه قاصد دايمًا تجرحني وتقلل من حبي ليك؟
اكتسبت نبرته المزيد من الخشونة عندما سألها باستنكارٍ:
-هو اللي إنتي عملتيه ده بتسميه حب؟
قالت على الفور:
-أنا بأعشقك.. إنت بس لو تسمعني هـ...
قاطعها بحدةٍ رافضًا السماح لها بخداعه:
-يا شيخة ده أنا كان ممكن أموت من البرشام ده ومش دريان.
هتفت نافية والدموع تُذرف من عينيها:
-استحالة كنت أذيك.. إنت حياتي..
ثم كفكفت عبارتها، وأضافت موضحة بغباءٍ مستحكم:
-ده كان كل كام يوم لما بأحط قرص، ومش كله.. بيكون مطحون.
لم يعلم "تميم" إن كان من المفترض أن يضحك على جملتها تلك أم ينقض على عنقها يخنقه، رد في تهكمٍ ووجهه يكسوه علامات الغضب الشديدة:
-والمفروض أنا أفرح كده؟
ردت ببساطةٍ:
-اعتبره فيتامين.. لو ده يريحك، مش عيب إن الواحد ياخد حاجة تخلي صحته أفضل
كان من المستحيل أن يظل ساكنًا دون ردٍ رادع يؤدبها، كل ما كان يفعله هو كبح جموحه العنيف قبل أن ينفجر فيها ويزهق روحها بلا ندمٍ، شعرت باحتدام عدائي مهدد يغلف نبرته عندما قال وهو ينظر لها باستهجانٍ:
-يا برودك، الموضوع عادي بالنسبالك.. إنتي تحمدي ربنا إنك حامل، لأن لو مكونتش كده، أنا مش عارف كنت هاعمل فيكي إيه!
تطلعت إليه في خوفٍ محسوسٍ، وسألته:
-قصدك إيه؟
أجاب ملوحًا بذراعه:
-جوازتنا من الأول غلط.
تناست في لحظة ما ارتكبته من إهانة رجولته، وحولت الأمر لاتجاه مغاير بالقول بصراحةٍ ملقية اللوم كله على "فيروزة":
-إيه؟ أنا كده فهمت! إنت عاوز تلبسني الغلط عشان الست هانم بتاعتك!
غامت نظراته وتجهم وجهه أكثر وهو يرد بإنكارٍ:
-نعم؟ هو أي هبل بتقوليه والسلام، هانم مين دي؟
قالت بضحكة مفتعلة متهكمة، وكأنها أصابت بصحة افتراءها:
-إيه وجعك الكلام؟ فكرك أنا مش واخدة بالي من اللي بيحصل؟
تدلى فكه السفلي في امتعاضٍ عجيب من قدرتها الرهيبة في قلب الحقائق وتزييف الأمور، بدت كما لو كانت قرينة للحرباء المتلونة، سألها بصوته المليء بالدهشة:
-إنتي بتتكلمي عن إيه؟
بوقاحةٍ فظة أجابته:
-عن الزفتة اللي اسمها "فيروزة"، بترسم عليك وبتشاغلك وإنت مبسوط بكده، عاوز تحس إن في واحدة غيري مهتمة بيك، لأن اللي قايدة صوابعها العشرة مش مكفياك ولا مالية عينيك!!
تجدد غضبه أضعافًا مضاعفة، لم يتحمل أبدًا أن تمسها بالسوء، أو أن تزج باسمها في أكاذيبها، اندفع "تميم" نحوها كالمجنون ليمسك بها من ذراعها، ضغط عليه بقوةٍ وكأنه يريد خلعه من كتفها وهو يسألها:
-إنتي مجنونة؟ إنتي سامعة نفسك؟
حاولت التملص منه، وردت تهاجمه وقد أقنعت عقلها بذلك اقتناعًا تامًا لتبدو في نظر نفسها كالمجني عليها لا الجانية:
-وطبعًا هتلاقيلها أي مبرر، المهم إنك تحس بنفسك معاها.
رفع سبابته يحذرها بوجه قاتم تحولت فيه نظراته للإظلام:
-"خـــلود"! لحد دلوقتي أنا ماسك أعصابي بالعافية، مش عايز أتغابى عليكي!
استفزته بسؤاله:
-قولي؟ اتجوزتني ليه طالما مش طايقني؟ اتجوزتني ليه؟ رد عليا؟
اعترف بصدقٍ مزيحًا ذلك الثقل الجاثم على صدره:
-غلطت يا ستي، مكانش المفروض أتنيل أعمل كده!
حز بشدة في قلبها ما قاله، كأنه طعنها بخنجر حاد النصل قاصدًا قتلها، ومع ذلك رفضت تصديقه موهمة نفسها أنه يفعل ذلك لتعذيب روحها العاشقة له، وبكل غيظها تابعت ادعاءاتها:
-أقولك أنا، لأني الغبية اللي مشيت ورا قلبها، ورضيت تتجوزك وإنت مش بتحبها.. ما أنا اديتك فرصة وقولتلك سيبني وبلاش تظلمني معاك، بس إنت وعدتني تفضل معايا ورضيت بيا على عيوبي، ماتجيش دلوقتي تقولي غلطة، إنت بتحبني لوحدي.
نظر لها بازدراءٍ، بدت في تلك اللحظة كاللعنة المهلكة، وقال بنبرة مفعمة بالندم:
-مكونتش أعرف إن كل ده هيحصل!
أصرت على تصديق ما رسمه عقلها، وأضافت.
-لأ .. وإنت عارف كويس إني زي ما أنا، بأحبك من زمان، وحبي ليك مانقصش حاجة، ومستعدية أضحي بنفسي عشانك.
ضاق ذرعًا بأسلوبها المذل لاستجداء مشاعره، ورد بقساوة:
-كل الأفلام دي عشان تداري على عملتك السودة، مافيش واحدة محترمة تعمل كده في جوزها!
علقت بمرارةٍ وقهر، وقد تجمعت الدموع بكثافة في مقلتيها:
-أنا عاوزاك ليا، غلطت في إيه؟ قولي.
لم يجد ما يعلق به عليها، لكن سريعًا ما اِربدت قسماته بالمزيد من الغضب الثائر حين بررت بوقاحة:
-كل ده عشان كام مرة حطيتلك فيها برشام جايز تحس بمشاعري وتديني حبك؟ ما أنا كنت زي زيك؟ مقصرتش معاك، وشوفت مزاجك على الآخر!
أسلوبٍ رخيصٍ لا يصدر إلا من امرأة بائسة تحصر مشاعر المودة والحب في تلاحم الأجساد، لوح بإصبعه أمام وجهها ينذرها وقد تمكن منه غضبه الأعمى:
-ماتستفزنيش بكلامك، بدل ما رد السجون اللي جوايا يطلع، وتشوفي الوش التاني!
نظرت له بعينيها الدامعتين وقد ارتفع نحيبها، منحها نظرة باردة قبل أن ينطق بعزمٍ:
-ولا أقولك أنا سايبلك البيت وهاغور في داهية!
لم تتحمل فكرة ابتعاده، وانفجرت ثائرة فيه بيأسٍ غير مبالية بتبعات لسانها السليط:
-أيوه، عاوز تروح عندها.. جايز تحسسك إنك راجل وتنفع من غير برشام.
تخشب في مكانه مستنفرًا ودمائه المغلولة تندفع بغزارة لكامل جسده تزأر بقوة وطالبة بالثأر لرجولته التي استهانت بها وحطت من قدر إمكانياته، تخطى ذروة غضبه ليلفت نحوها قائلاً بزمجرة قادمة من أعماق الحجيم:
-إنتي طلبتيها ونولتيها!
انخلع قلبها من نظراتها التي توحشت، وتعابيره التي تحولت للشراسة، سألته والذعر يقفز من عينيها:
-إنت... هتعمل إيه؟
توحشت عيناه أكثر قبل أن يجيب بصوتٍ أجفل كامل بدنها:
-هاعرفك أنا راجل إزاي.. ومن غير برشام!
..................................................................
أطبقت على جفنيها بقوةٍ وهي تئن من الألم الذي انتشر في جسدها، لم تبكِ آسفًا على حالها بعد تعامله البربري معها، اعتبرت تلك الحالة الغرائزية الوحشية التي أطلق فيها العنان للحيوان القابع في الظلام بداخله تجربة شعورية جامحة غير اعتيادية بالنسبة لها، وأن لقائه الحميمي بها بالأمس توثيقًا آخرًا لمشاعره الذكورية المفرطة، وإن كان على حساب إهانتها وتحقيرها لتعامل كامرأة لإشباع الشهوة وليس زوجة محبة، المهم أنها نالت مرادها واستنزفت قواه أيضًا، ظنت أنها خرجت من تلك المعركة المؤسفة منتصرة بجره إلى الفراش بعد هجران طويل، هكذا أقنعت نفسها! رغم كون الحقيقة أنه لم يقدم لها حبًا عاصفًا، وإنما وحشية لا إنسانية تحت غطاء الغرام، أجبرت نفسها على النهوض والسير بتمهلٍ لتتفقده بعد أن رحل عنها، كان بالخارج يرتدي حذائه، تصنعت الابتسام، وقالت:
-صباح الخير.
نظر لها باشمئزازٍ قبل أن يشيح بوجهه بعيدًا عنها، دنت منه قائلة ببرود امتقع منه أكثر:
-ها.. اتبسط معايا امبارح؟
تحفز في وقفته، وحاول ألا ينساق في حوار معها، لكنها تابعت بنفس الأسلوب المنفر:
-ده أنا مراتك وقومت بواجبي معاك، مش المفروض تشكرني؟
كانت بائسة للحد الذي تتباهى فيه باعتدائه عليها، سدد لها نظرة احتقارية قبل أن ينطق بصوت اقشعرت من مجرد تخيل تكرار الأمر:
-حلو.. عشان من هنا ورايح هابقى كده!
ابتلعت ريقها الذي تحول لعلقمٍ مرير، ورغم خفقات قلبها المفقهور إلا أنها حافظت على ثبات ابتسامتها الباردة وهي ترد:
-وماله يا حبيبي، طالما يرضيك.
رمقها بنظرة دونية مشمئزة منها، لم يتخيل أن ينتهي بها الحال لتقبل ذلك وإن كان على غير رضاه، أطلق سبة لاعنة قبل أن يخرج من المنزل صافقًا الباب خلفه بعنفٍ انتفضت فيه على إثر قوة الصوت، تخلت "خلود" عن جمودها الزائف لتتحول تعبيراتها للاحتقان، ونظراتها للاشتعال، تهدل كتفاها في خزيٍ ونهج صدرها علوًا وهبوطًا في انكسارٍ، أي حياة وضيعة ارتضت بها الآن لتضمن أن يكون لها وحدها بجسده لا بروحه!
..........................................................
لم يتخيل مطلقًا أن يتصرف كذئب مفترس ينهش طريدته بلا رحمة، خاصة في طقوس الحب الحميمية، اخترق جسدها لا لمنحها الرضا والسعادة الأبدية، وإنما لإذلالها، لجرح كبريائها أكثر معتقدًا بذلك أنه يلقنها درسًا لاستهانتها برجولته التي تعد خطًا أحمرًا لا يُسمح بالمساس به أو تخطيه، ظلت المشاهد العنيفة حاضرة في ذهنه بالرغم من ابتعاده عن محيط المنزل وما يذكره بوحشيته المفرطة، تلك التي طالما استخدمها في محبسه لدرء الخطر، وكأن لـ"خلود" تعويذة مميتة لا تنتهي إلا حينما تزهق الأرواح البريئة، بدا الترياق الشافي لنفسه المعذبة هو رؤيتها، ودون ندمٍ تواجد منذ الساعات الأولى أمام محل عملها آملاً أن يتحدث معها، شعر بتلاحق دقاته فجأة قبل أن يلمحها، استشعر وجودها بالقرب منه، وصوتها الرنان عبر الهاتف داعب أذنيه كنغمة مخصصة لتحفيز الحواس، أدار رأسه في اتجاهها، وتلك الابتسامة الحزينة قد شقت طريقها في وجهه، تعجب "فيروزة" من وجوده، ورددت بدهشةٍ حين وقفت قبالته:
-إنت!
ارتكزت كامل نظرات "تميم" على وجهها ليملي عينيه منها متأكدًا بنفسه من كونها الصغيرة صاحبة الملامح المبهمة التي كانت تزوره من آن لآخر، تجددت بسمته بقليلٍ من الإشراق حين رأى حقيبتها مزدانة برسمة الطاووس المميزة وهي تدس بها هاتفها وتخرج المفاتيح منها، هزت رأسها في استغرابٍ من تحديقه المطول، لم تنكر أن طريقته في التطلع إليها باسترابةٍ قد أقلقها، توترت من احتمالية كشف هويتها، لامس قلبها تيارًا خفيًا جعل تلك الرجفة تسري في عروقها من تلك النظرة العميقة التي نفذت إليها من عينيه .. انفرجت شفتاها في صدمة وهو يسألها مباشرة ليبدد شكوكه:
-إنتي كنتي موجودة في حريقة محل عم "غريب" أو نقول "أبو هيثم" الله يرحمه .................................................................. ؟!
...........................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل العاشر 10 - بقلم Manal Salem
بأعتذر أولاً عن التأخير .. كان عندنا حملة ترتيب للهدوم اللي في الدولاب، معرفش مضيقاهم في إيه وهي على الكرسي في كومة واحدة
مش هاطول عليكم .. الفصل جاهز.. وقراءة ممتعة
الفصل الخامس والأربعون
تقاذفت شارات الفضول المتقد من عينيه وهو يترقب بتلهفٍ تأكيد ما استشعره بكامل لا وعيه قبل إدراكه، لكنها لم تهتز قيد أنملة، أجادت الحفاظ على ثبات تعبيرات وجهها فبات غير مقروءٍ بالنسبة لها حين صدمها بسؤاله غير المتوقع، فقط رجفة خفيفة من رموش عينيها تداركتها سريعًا، مع خفقة لحظية متوترة عصفت بضلوعها، تصلبت "فيروزة" في وقفتها وبقيت ساكنة للحظة، فإن لانت قليلاً لربما أدرك أنه أصابها في مقتل، وباستغرابٍ مفتعل رددت تسأله، وكأنها تسمع عن الحادثة المريبة للمرة الأولى في حياتها:
-حريقة إيه؟
اغتاظ "تميم" من ادعائها الإنكار، وقال مباشرة:
-إنتي فهماني كويس.
أصرت على إنكارها قائلة:
-أنا مش عارفة حريقة إيه دي!
ثم أولته ظهرها لتقوم بفتح باب المحل وهي تتابع دون أن تنظر إليه حتى لا يكشف كذبها المرتب بعناية:
-شوف يا معلم "تميم"، الموضوع ومافيه إني تعبت شوية...
ولجت للداخل وأشعلت الإنارة لتضيء المكان ريثما تزيح الستائر الحاجبة للضوء، استرسلت في حديثها مضيفة بهدوءٍ:
-يعني زي ما إنت شايف الشغل كله هنا على دماغي، مابخدش أجازات ولا بارتاح، كل الحكاية إرهاق وبس.. لا أكتر ولا أقل.
انتظر إلى أن استدارت نحوه لينظر في عينيها بتشككٍ، وسألها بنظراتٍ ذات دلالة خاصة:
-إنتي متأكدة؟
وللمرة الأولى ركزت عينيها في عينيه لترد مبتسمة بثبات:
-أيوه.
ربما فشل في الحصول على إجابات لتساؤلاته الحائرة، لكنه فــاز بنظرة خالية من الكراهية من عينيها مع ابتسامة رقيقة جعلته لوهلة يرتعد من احتمالية أن يكون مفتونًا بأي ما يصدر عنها، بادرت بسؤاله بطريقة عملية بحتة:
-لو في حاجة تبع الشغل ممكن تطلبها، فـأنا تحت أمرك
بدت مهذبة معه أكثر من المعتاد مما أربكه بشكل غير اعتيادي، أخفض نظراته وتصنع الجدية معتذرًا:
-لا مؤاخذة عطلتك
ابتسمت في لطافةٍ وهي ترد:
-ولا يهمك
لم يجد "تميم" ما يعلق وسط ما تمنحه اليوم له من وداعة غير مسبوقة جعلته بشكل أو بآخر لا يتوقف عن التفكير فيها متناسيًا ليلة الأمس المشحونة بالكراهية والوحشية .. انسحب في هدوء خارجًا من المحل، لكن العواصف الدائرة بداخله لم تخبت للحظة، التفت برأسه ليلقي عليها نظرة أخيرة عبر الزجاج، لم يشعر بنفسه وهو يبتسم .. ما أفسد عليه تلك اللحظات القيمة التي لا يجد من الكلمات المناسبة ما يوصفها هو ظهور اللزج "آسر"، منحه الأخير نظرة استعلاءٍ واضحة وهو يمرق بجواره ليدلف من المحل غير عابئ بإلقاء التحية عليه، شعر الأول بغليان يستعر في صدره، بصعود الدماء المحتقنة إلى رأسه تحثه على افتعال التشاجر معه من العدم لكونه لا يروقه دون سبب معلوم .. أسرع في خطاه محاولاً كبح أفكاره العدائية الجامحة آملاً في نفسه أن يستمر طاووسه الأبيض في التعامل مع أمثال ذلك السخيف بجفاء وصرامة.
..........................................................
تركت ما في يدها لتتجه بخطوات متعجلة إلى رفيقتها فور أن رأتها تدخل المحل برشاقة وضحكاتها المتحمسة الرنانة تسبقها إلى المكان، نادتها بترحيب وهي تقبل عليها لتحتضنها في اشتياقٍ واضح:
-"علا"، نورتي مكانك.. أخيرًا قررتي تيجي.
تراجعت عنها لتقول بحماسٍ وهي تدير رأسها للجانب:
-مش هاتصدقي مين جاي معايا ومصمم يشوفك.
تطلعت إليها في حيرة سريعة تلاشت فورًا حين رأت "آسر" يتقدم نحوها وهو يستند على عكازه المعدني، اندهاشة طفيفة كست تعبيراتها ما لبث أن تحولت لابتسامة فاترة وهو يقول لها:
-صباح الخير يا آنسة "فيروزة".
ردت تهنئه بخروجه من المشفى وتعافيه من إصابته:
-حمدلله على السلامة أستاذ "آسر".
تقدم خطوة أخرى نحوها ليقلص فارق المسافات بينهما، وتابع بنبرة متعشمة:
-ولو إني ليا لي عتاب عندك عشان مافيش ولا مرة فكرتي تيجي تشوفيني فيها.
اعتذرت منه بحرجٍ:
-مكانش ينفع والله، أنا .. كنت مشغولة، وبعدين "علا" كانت متواجدة باستمرار مع حضرتك.
علق على كلمتها الأخيرة مرددًا باستنكارٍ:
-حضرتي؟ طب ليه الرسميات دي؟
غيرت مجرى الحوار معه، وسألته بنبرة ادعت فيها اهتمامها به وهي تستدير عائدة لطاولتها المستطيلة لتختبئ خلفها:
-خرجت امتى؟
أجابها بعد زفيرٍ متعب وقد أحضرت له "علا" مقعدًا ليجلس عليه:
-النهاردة.
أضافت "علا" بمرحٍ:
-ده زي العيال الصغيرة يا "فيرو"، كل يوم يشتكي ويزن عاوز يطلع من المستشفى، وإنه زهق من الأعدة، وكلام كتير كده.
تجاهل عباراتها السخيفة وثبت نظراتها على "فيروزة" ليقول بابتسامةٍ ذات دلالة خاصة:
-كان لازم تكوني أول حد أشوفه.
ضاقت عيناها باسترابةٍ بعد سماعها لتلك الجملة الموحية، تجاهلت التعليق عليها لمنع أي فرصة للتودد معها، ادعت انشغالها بتغليف أحد صناديق الهدايا، لكن صوت "علا" القريب منها سألها:
-بيتهيألي مش فاضل كتير على جوازة "همسة" يا "فيرو"، صح؟
أجابت بلهجة جادة محاولة ألا تنظر في اتجاه "آسر"، حيث حرك الأخير مقعده ليدنو قريبًا من طاولتها:
-لأ .. على الأسبوع الجاي، وخالي سافر البلد يعزم قرايبنا.
تنحنح "آسر" مهنئًا، وتلك الابتسامة المرسومة تحتل شفتاه:
-ألف مبروك، وعقبالك.
ردت فقط على الجزء الأول من مباركته قائلة:
-الله يبارك فيك..
أراح "آسر" ذراعه على طاولتها متعمدًا أن تلمس يده كفها الذي يغلف الصندوق وهو يقول:
-وشكرًا على مساعدتك.
سرت في جسدها قشعريرة منزعجة بمجرد أن شعرت بملمس يده المباغت على بشرتها، سحبت يدها كالملسوعة من أسفل كفه وهي ترمقه بنظرة محذرة، ثم أولته ظهرها قائلة بنبرة رسمية:
-أنا ما عملتش حاجة، وأي حد مكاني كان هيتصرف كده.
نقر بأصابعه على السطح الخشبي مصححًا لها بنظرة نافذة ليؤكد لها أنه يقصدها:
-بس إنتي مش أي حد.
كانت تملك من الذكاء ما يخولها لفهم ما يرمي إليه ضمن حديثه، ومع ذلك فضلت أن تظل صامتة لتقتصر في الكلام معه، سألها بهدوءٍ:
-آنسة "فيروزة"، تسمحيلي أحضر الفرح، ده لو مش هيضايقك.
صوتٍ تردد في عقلها يستنكر تطفله:
-يحضر بصفته إيه إن شاءالله؟!!
حمدت الله في نفسها أن تفكيرها غير مسموعٍ وإلا لشعر بنبرة الازدراء الظاهرة في صوتها، انتبهت لـ "علا" حين دعته دون انتظار ردها النهائي:
-أنا رايحة وش يا "آسر"، وأكيد إنت معايا، "فيرو" ومامتها مش هايمنعوا، احنا تبع العروسة، وده عادي..
ولتظهر دعم رفيقتها لدعوتها سألتها منتظرة تأييدها:
-صح يا حبيبتي؟
تنحنحت قبل أن ترد عليها بجدية، وقد باتت في موقف حرج بسبب تسرعها:
-طبعًا.. هتنورونا يا أستاذ "آسر"، وكمان كل العيلة الكريمة.
أسبل نظراته قائلاً بتنهيدة سعيدة:
-وأنا مش هتأخر..
حاولت ألا تنظر ناحيته طوال الفترة الطويلة التي مكث بها في المحل لكونها لا تشعر بالارتياح من نظراته الموجهة لشخصها فقط، وحتى حديثها كان محدودًا مقتضبًا، لا تعلق إلا في أضيق الحدود، على عكس "علا" التي لم تتوقف عن الثرثرة والضحك معه، وكأنها مستمتعة بكل لحظة تقضيها في حضوره.
..............................................................................
أراحت ظهرها في المغطس بعد أن ملأته بالمياه الدافئة، آنات خافتة موجوعة انفلتت من بين شفتيها وهي بالكاد تحاول استعادة قوتها البدنية التي استنزفت بالأمس، ما زالت آثار وحشيته مطبوعة على بشرتها، ومع ذلك بدت راضية كليًا عما وصلت إليه، اعتبرت ما حدث من زوجها من لقاء غرائزي بحت يخلو من أدنى المشاعر بأنه الوجه المرادف للحب الشغوف الذي يتضمن في طياته رغبات عنيفة، لا مانع من بعض القسوة طالما أنه يجدها قادرة على تلبية احتياجاته، لاقت فكرة كونها زوجته المطيعة حيث مباح له أن يفعل بها ما يشاء استحسانًا كبيرًا في تفكيرها المريض، لتفعل المستحيل حتى لا تسرقه منها غيرها، لتكن معه كالعاهرة في الفراش إن كان يستهويه الأمر، لا يهم! ففي النهاية استحوذت عليه، وقضى ليلته معها يطارحها الغرام.
عززت تلك الفكرة كثيرًا لتبرر تصرفه بل وربما تمتدحه على قدراته الفائقة، لم تهتم بإهانتها، بإذلالها، بتقليل منزلتها واحتقارها بتلك الصورة البشعة، المهم ألا تتحول لبضاعة راكدة في عينيه، نهضت "خلود" من المغطس لتلف نفسها بروبها القطني حتى يجف بدنها، خرجت من الحمام متجهة إلى غرفها نومها، تأملت الفراش غير المرتب الذي ما زال يحتفظ بأغطيته، ابتسمت في انتشاء وعيناها تتوهجان بوميض غريب، لم تكن بحاجة لجرعات المنشط لتحصل على غايتها منه، فالليلة السابقة كانت جامحة ومختلفة، توقعت أن يكرر الأمر للتباهي بفحولته العظيمة، وهيأت نفسها للتجاوب معه متناسية تحذيرات الطبيب بضرورة تجنب اللقاءات الزوجية في تلك الفترة حرصًا على اكتمال الحمل، توقفت عن التحديق في الفراش حين سمعت قرع جرس الباب، ترددت في فتحه قبل أن تبدل ثيابها، ومع ذلك خرجت لتتفقد الطارق من العين السحرية، وضعت يدها على المقبض لتديره وتستقبل والدتها التي هتفت تسألها بأنفاسٍ لاهثة:
-إنتي فين يا بت من بدري؟ ما بترديش ليه على التليفون؟
ابتسامة صغيرة جانبية تشكلت على شفتيها وهي تدعوها للدخول:
-خشي الأول يامه، هنتكلم واحنا واقفين؟
خطت للداخل وهي تتأمل روبها وشعرها المبتل، سألتها بفضولٍ:
-هو إنتي كنتي بتستحمي ولا إيه؟
للحظة طرأ ببال والدتها أن تكون ابنتها قد خالفت تعليمات الطبيب لتستجيب لرغبة زوجها، فنطقت على الفور معبرة عما يدور في رأسها بصوتٍ مستنكر:
-اوعي تكوني يا بت نمتي مع جوزك وآ....
بترت عبارتها عن عمد وهي تنظر مليًا لابنتها لتتأكد من هواجسها، أصابت هدفها فتبدلت تقاسيم وجهها للغضب، قبضت على ذراعها تجرها منه خلفها وهي توبخها:
-إنتي عاوزة تضيعي اللي في بطنك بجريك ورا حبيب القلب.
تأوهت "خلود" من الألم الشديد الذي انتشر في عضلات ذراعها مع هز والدتها العنيف له قبل أن تتوسلها:
-بالراحة يامه، مش قادرة، جسمي مكسر.
استغربت "بثينة" من ردة فعلها رغم كونها لم تتعامل بعدائية معها، وسألتها:
-في إيه يا بت مالك؟
ولكونها تتطفل على ما يخص علاقة ابنتها الحميمية بزوجها استطاعت أن تستدرجها في الحديث لتفهم سبب أوجاعها، شهقت لاطمة على صدرها لتهتف باستهجانٍ:
-يخربيت عقلك؟ وإزاي توافقي على كده؟ إنتي مش حاسة بنفسك عملتي إيه؟
قالت ببرودٍ استفز والدتها بشدة:
-أنا مراته، وبأشوف مزاجه.
لم تتحمل غبائها فلكزتها بغيظٍ في جانب صدرها وهي تعنفها:
-الله يحرقك، كنتي كلمتني نصحتك تعملي إيه بدل الوحلة السودة دي.
شهقة أخرى مفزوعة امتزجت مع ما يشبه العويل وهي تشير بعينيها نحو الأسفل:
-يا نصيبتي، إيه ده؟
أخفضت ابنتها نظراتها نحو بقعة الدماء الصغيرة التي انزلقت من بين ساقيها لتلوث الأرضية، جحظت أمها بعينيها، وصرخت في وجهها تلومها:
-شوفتي جنانك وصلنا لإيه؟ ضيعتي الواد اللي كان هيقش كل حاجة!
جزع قلب "خلود" بشدة وأحست بانقباضة مميتة تعتصره وقد توقعت الأسوأ، إجهاض جنينها قبل أن يكتب له الحياة، اهتز جسدها بشدة، وبدأت فاصلاً من اللطم والعويل على صدغيها بعد أن تداركت تبعات كارثة تلك الليلة المحفولة بالمخاطر والإهانات .. أسرعت "بثينة" تجذبها من معصمها نحو غرفة النوم قائلة بحزمٍ، ودون أن تمنحها أي فرصة للاختيار:
-انجري قدامي غيري هدومك عشان نروح أوام للدكتور يشوفلنا حل..
بالطبع لم يكف لسانها عن لعنها فأضافت:
-منك لله يا شيخة، تخطيطي كله بـــاظ!!
......................................................................
نظرة عميقة لا حدود لنهايتها تركزت على أمواج البحر المتلاطمة وهو يستند بجسده على سيارته التي صفها بالقرب من منطقة الصخور الحجرية في نهاية الشاطئ الرملي، تأملها بعقلٍ شارد، حيث تكالبت مشاهد ليلة أمس في رأسه لتنغص عليه الصفاء الوقتي الذي حاز عليه بصحبة طاووسه قبل قليل، عاد الحزن ليحتل قلبه ويستأثر به من جديد، لم يحبذ "تميم" أبدًا أن يصبح مع زوجته الشخص الذي كان عليه بالأمس، وإن كانت فعلته بغرض الثأر لرجولته المنتهكة على يد من أئتمنها على نفسه قبل جسده، لكنه نبذ تصرفه الجامح بشدة .. خنقته الدموع ندمًا، لن ينساق وراء تناطحت أفكاره ما بين ثائرة ورافضة لما ارتبكه، تحفزت أنفاسه وامتلأ صدره غضبًا لمجرد أن رنت كلمات "خلود" المستفزة في عقله، وكأنها لم ترتكب أي خطيئة تُلام عليها، فرك وجهه في تعبٍ وهو يزفر ببطءٍ طامعًا أن يتمسك ببقايا عقله المشحون، لم يذهب إلى عمله، ولم يرغب في رؤية أحدهم، لينفرد لبعض الوقت بنفسه عل ثورته التي تحرق أحشائه تستكين.
ألقى نظرة فاترة على شاشة هاتفه المحمول حين رأى اسم والدته ينير عليها، تجاهل الرد عليها في المرة الأولى، لكن حين ألحت عليه اضطر أن يجيب حتى لا تقلق، وبصوتٍ متحشرج قليلاً قال:
-أيوه يامه، في حاجة مهمة؟
لاحقته بأسئلتها القلقة:
-إنت فينك يا "تميم"؟ أبوك قالب عليك الدنيا، لا بترد ولا بتكلم حد، حصل حاجة؟
تنهد مليًا قبل أن يدعي كذبًا:
-ورايا كام مصلحة بأخلصها.
سألته مستفهمة:
-تبع الدكان؟
رد نافيًا:
-لأ، حد من صحابي قاصدني في خدمة، وأنا معاه بأنجزها
قالت بتفهمٍ:
-وماله يا ابني، خلاص أنا هاطمن أبوك، ولما تفضى عدي عليا، عملالك ورق العنب اللي بتحبه، هستناك.
حك ذقنه مغمغمًا بفتورٍ:
-ربنا يسهل.
ألحت عليه بطريقتها الأمومية الناجحة في اجتذابه:
-والله ما هادوقه إلا لما تيجي، يرضيك أمك تفضل جعانة؟
وكأنه بحاجة ماسة إلى أحضانها الدافئة لتزيح عنه همومه، لم يرفض طلبها، وابتسم يعدها:
-طيب.. هاجيلك يامه.
.....................................................................
-يا حاج "بدير"!
نـــادت بصراخ مرتفع تعمدت أن تلفت به أنظار المارة وتحشد به المتواجدين بالزقاق ليكونوا على رؤوس الأشهاد فيما ستفعله لاحقًا، تلك النظرة الخبيثة الماكرة توهجت في عينيها وهي تتأكد من تحقيق مسعاها الذي أتت لأجله، وبالرغم من كون حالة ابنتها بعد فحص دقيق لرحمها وأنسجتها من قبل طبيبها المتابع لحملها كانت لا تستدعي كل تلك الضجة إلا أنها كانت الفرصة المثالية لتحقيق أطماعٍ لئيمة، فالطبيب أخبرهما ببساطة أن بقع الدماء النازفة هي ردة فعل طبيعية بعد لقاء حميمي جامح من غير المفترض أن يتم في تلك الظروف، لكن ما زالت حالة الجنين مستقرة لا تدعو للخوف (حاليًا) .. ومع تكرارها لذلك النداء الغاضب تجمع الكثيرون أمام أبواب الدكان، خرج إليها صاحبه وعلامات الاندهاش تكسو وجهه، وقف قبالتها ينظر إليها بحدةٍ، لكنها تابعت ملقية اللوم بأكمله على ابنه البكري:
-هي دي الأمانة اللي ابنك المفروض يحافظ عليها؟!
سألها "بدير" في ضيقٍ بصوته الأجش الحازم:
-في إيه يا "بثينة؟ جاية بزعابيب أمشير ليه؟
زمجرت هادرة بكل ما فيها من عصبية لتبدو صاحبة حق تطالب بالقصاص العادل لفلذة كبدها المكلوبة على أمرها:
-بقى أنا يا حاج يا بتاع ربنا أجوز بنتي لابنك بعد ما استنته بالسنين ورفضت تقابل أي حد اتقدملها عشان سواد عيونه، وهو يعمل فيها كده؟!!
تطلع بعينين مزعوجتين سريعًا في أوجه الحضور وقد لاحظت الهمهمات الفضولية الدائرة من حوله قبل أن يرد بحدة:
-أنا مش فاهم حاجة، ما بتقولي "تميم" عمل إيه؟
تابعت ندبها الساخط مستخدمة ذراعيها في التلويح:
-طب بلاش نقول إنها مراته قبل ما تكون بنت خالته، يرحمها عشان اللي في بطنها، خلاص الرحمة اتعدمت من قلبه!
نفذ صبره من مماطلتها المتعمدة لتشويه سمعة ابنه على مرأى ومسمع من الحضور، وصاح بها:
-ما تنطقي وتقولي في إيه بدل ما إنتي بتكلمي بالألغاز كده!
أرادت أن تبدو منكسرة، مهيضة الجناح حين أجابته بنواحٍ
-يرضيك إنه يضربها ويعدمها العافية عشان اتمنعت عليه لأجل مصلحة ابنه اللي في بطنها..
تعقدت تعابيره في استنكارٍ حائر وهي تراوغه بالكلمات المثيرة للشكوك، فسألها بصوتٍ خبت حدته قليلاً:
-قصدك إيه؟
أجابت مسترسلة بأسلوب فج استطاعت به الحصول على همهمات ولمزات مستنكرة غاضبة ممن حولها:
-إيش حال ما كان الدكتور منبه إنه مايقربش منه وأنا موصيها يراعي ربنا فيها، يطنش ده كله ويركب دماغه إن شاء تسَقَط فيها!
كانت وقحة بشكلٍ يدعو للنفور للبوح بأسرار البيوت علنًا دون رادعٍ، عنفها بنبرة اخشوشنت على الأخير.
-ده كلام مايصحش يتقال هنا يا "بثينة"! عيب كده، تعالي نتكلم عندنا في البيت.
اعترضت عليه بشدةٍ:
-أنا مش رايحة معاك في حتة يا حاج، وبنتي هتفضل عندي لحد ما تشوفلي صرفة مع ابنك.
انضم "هيثم" إلى المشادة المحتدمة متسائلاً بغرابةٍ:
-هو في إيه يامه؟ جاية عند الدكان ليه؟
وجهت أنظارها النارية نحوه لتجيبه قاصدة استثارة مشاعره الأخوية:
-فيه إن ابن خالتك الفتوة ضرب أختك وعدمها العافية، ها يا ابن بطني، هاتسكت عن اللي عمله؟
نكست رأسها في أسف وادعت أنها تمسح دموعها غير الموجودة بطرف حجابها قبل أن تكمل:
-دي يا حبة عيني كانت هاتروح فيها، لولا ستر ربنا ...
تنهنهت بنواحٍ عالٍ مكملة استفزازها لمشاعره الذكورية وتحفيزه ضده للثأر منه:
-أل والمعدول ابنط يوم ما "هيثم" اتهف في عقله واتصرف بطيش وغلط عدمه العافية! ده مخلاش فيه حتة سليمة.
نجحت بمكرها الداهية في قلب ابنها على زوج أختها، انتفض "هيثم" ثائرًا ليقول بوعيد شرس:
-وربنا ما هاسكت، هي أده عشان يمد إيده عليها
تلك النظرة الخبيثة الفرحة برقت في عينيها قبل أن تخفيها لتولول بانكسارٍ:
-يا بهدلتنا من بعدك يا "غريب"، الكل عاملنا ملطشة للي رايح واللي جاي.
هتف بها "بدير" بصرامة:
-لمي الدور يا "بثينة" .. بنتك زي بنتي، وأنا اللي هاجيبلك حقها.
احتج عليه "هيثم" بعنادٍ أظهر فيه عدائيته الصريحة:
-حق أختي هاخده منه يا جوز خالتي، هي معدمتنيش!
كالأفعى السامة نجحت "بثينة" في وغر صدور الجميع وشحنهم بالكراهية والغضب، بل وقلب الطاولة على رأس "تميم" لتضعه في موقف حرج متخاذل مع أبيه أولاً قبل صدامه الشرس مع "هيثم"، كانت نظراتها المنتصرة تؤكد إحساسها بالنشوة من أدائها لدورها ببراعة، والحق يُقــال أن "محرز" من قدم لها المشورة لتطيح بالابن المفضل عن عرش قوته في ضربة واحدة سهلة مستغلة وحشيته مع ابنتها لصالحها.
..................................................................
اكتفى بتناول القليل من ورق العنب الذي أعدته والدته إرضاءً لها وتقديرًا لتعبها في إعداده، كان شهيًا بالقدر الذي جعله يرغب في المزيد، لكن حالته المزاجية لم تسمح له بالاستمتاع بتذوقه، اقتضب في الحديث معها رغم محاولاتها المتنوعة لاستخراج الكلمات من جوفه لتعرف سبب عبوسه والهموم المقروءة في عينيه، كان على وشك الانصراف حين تلقى مكالمة هاتفية من ابن خالته يطلب فيها رؤيته في التو والحال، توقع "تميم" أن يكون للأمر صلة بتجهيزات العرس، ولم يطرأ بباله مطلقًا تسبب خالته في جلبة من شأنها تدمير سمعته وشهامته بين أوساط رجال منطقته الشعبية.
فتح الباب لاستقباله لكنه تلقى لكمة عنيفة من "هيثم" أصابت فكه السفلي وهو يسبه:
-بتتشطر على أختي يا (...)؟
في البداية ترنح من المفاجأة، لكن ما لبث أن استعاد تماسكه ليرد متسائلاً بخشونة وقد توحشت نظراته:
-إنت اتجننت؟
رد غير مبالٍ وهو يقبل عليه متحفزًا للتضارب معه:
-ده الجنان الأصلي هايطلع عليك دلوقتي!
رفع "هيثم" ذراعه ليلكمه مجددًا، لكن قبضته وجدت ذراع "تميم" تصدها وتحول دون وصولها لوجهه، بل وبيده الأخرى المتكورة سدد له واحدة طرحته أرضًا إلى خارج المنزل من شدة قوتها، تأوه "هيثم" من الألم وهو يستند على مرفقه لينهض، بينما اندفع "تميم" للخارج مغلقًا الباب من خلفه ليمنع والدته من مشاهدة شجارهما العنيف، وإن كانت تصرخ من ورائه في جزع وصدمة.
انحنى على ابن خالته ليجذبه من تلابيبه، والآخر يسبه ويلعنه، كان "تميم" يفوقه في الطول، والقوة الجسمانية، ناهيك عن معرفته الجيدة بأساليب العنف ومواضع الإيلام التي يجيدها جراء بقائه في السجن لسنواتٍ طويلة، وبكل غيظه وغضبه المتجمع فيه دفعه دفعًا للطابق العلوي للانفراد به هناك بعيدًا عن عائلته، وحفظًا لماء الوجه حاول "هيثم" عرقلته والتصدي له بالركل تارة، وباللكم تارة أخرى في معركة غير متكافئة بينهما لفارق القوى الجسمانية ولصالح "تميم".
تجاذب الاثنان بشراسة وتلاحما جسديًا فوق سطح المنزل، هدر "هيثم" منفعلاً يلومه:
-بتتغابى عليها ليه؟ لو فاكرها من غير ضهر تبقى غلطان!
حال دون وصوله إليه بالإمساك بقبضته ولف ذراعه خلف ظهره ليعيقه مرددًا:
-إنت مش فاهم حاجة.
رد يتوعده بكامل عصبيته العمياء:
-ولا عايز أفهم غير إنك مديت إيدك على أختي! وأنا مش هاسيبها تعدي كده.
نجح "تميم" في لف ذراعه حول عنقه، أحكم سيطرته عليه وجعله مقيدًا غير قادرٍ على الإفلات منه قبل أن يدافع عن نفسه هاتفًا:
-إنت عارف أصلاً هي عملت إيه؟ ولا عرق الرجولة نط فيك فجأة فجاي تجربه فيا؟
اغتاظ "هيثم" من استخفافه به، وصاح في غضبٍ متعاظم وهو ينتفض بجسده ليتخلص من قبضتيه:
-أنا راجل غصب عن عين أتخن تخين في الحتة دي!!
تحرر منه وتراجع وهو يلهث في انفعالٍ، فواصل "تميم" القول بنوعٍ من السخرية المطعمة بالسخط:
-لأ جدع ياخويا، مافيش أرجل منك، بس قبل ما تيجي تغلطني مع مراتي، اللي بينا حاجة ماتخصكش.
رد عليه بعينين يتطاير منهما الشرر:
-لأ يخصني طالما عاوز تنام معاها عافية!
غامت عينا "تميم" وغلفهما غضب مخيف، انقض عليه يجذبه من ياقتيه وهو يصيح مستنكرًا وقاحة ما تنطق به، خاصة فيما يتعلق بحياته الزوجية الخاصة:
-إنت بتقول إيه؟
قال غير مبالٍ بردة فعله العنيفة:
-اللي سمعته.. "خلود" ليها أهل يعرفوا يجيبوا حقها من حيوان زيك مرعاش ربنا فيها ولا اللي في بطنها!
تفاجأ "تميم" من تلميحه الصريح عن ليلته الحميمية مع زوجته، وكأنه حوارًا مباح الكلام فيه بأريحية، وإن كان ما يعرفه قدرًا بسيطًا فقط لاستفزازه إلا أنه لم يكن -مطلقًا وأبدًا- ليقبل بتداول حياته الشخصية على ألسن الغرباء قبل الأقرباء .. كز على أسنانه متسائلاً بأنفاس مختنقة، ووجهه يلمع بوهج كأنه يفح نارًا حامية:
-هي وصلت لكده؟
بجراءة وعزم رد عليه "هيثم" غير معتقد بتفكيره الضيق بأنه يمنحه الحل السحري في نهاية المطاف بعد صراع وتخبط عظيمين بالقول دون احترازٍ وبنية صريحة:
-أه، و"خلود" مش رجعالك تاني.. اللي ما يصونش أختي ويقدرها ما يلزمناش ........................................... !!
................................................................