تحميل رواية «☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني)» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تنويه ... يتم نشر الفصول بالتتابع مع أجزاء الجزء الأول والتي توقفت عند الفصل الخامس والثلاثون قبل شهر رمضان المبارك كل عام وأنتم بخير الفصل السادس والثلاثون بنصف عينٍ تطلعت أمامها محاولة إجبار نفسها على الاستيقاظ بعد ليلة مرهقة ذهنيًا وعصبيًا لها، غلبها النعاس واستكانت لبرهة، استشعرت "خلود" سطوع النهار من خلال تلك الإضاءة الخافتة المتسللة من نافذة الغرفة الموصودة، تقلبت على جانبها الآخر ويدها قد امتدت لتتحسس الفراش، لم يكن دافئًا مما أوقظ إدراكها، وباتت واعية تقريبًا، فتحت عينيها على الأخير، تلف...
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم Manal Salem
باعتذر في البداية عن التأخير الاضطراري ..
قراءة ممتعة مع الفصل
الفصل الخامس والستون
في نفس ليلة عقد القران، وتحديدًا قبيل الفجر تقريبًا؛ حيث الهدوء الطبيعي في تلك الساعة، والتزام غالبية سكان المنطقة لمنازلهم، ظهر هذا الغريب من بقعة ما، وبثيابه السوداء، وغطاء الرأس الذي أحكم وضعه عليه، بمقدمته المقوسة، ليخفي ملامحه عن عدسات كاميرات المراقبة، تسلل ذلك الملثم بخطوات حذرة نحو البناية التي يعرف مداخلها جيدًا، تلفت حوله يمينًا ويسارًا، ليتأكد من عدم تتبع أحدهم له، وكان الطريق خاليًا من المارة، مجهورًا إن دق التعبير، كما ساعدته الحُلكة السائدة على ستره من الأعين التي يُمكن أن تلمحه، انتظر لهنيهة قبل أن يحمل الجِوال الأزرق المصنوع من (الخيش) فوق ظهره، لم يكن ثقيلاً؛ لكنه بحاجة للانتباه لمحتوياته حتى لا تتبعثر، فتُحدث فوضى دون داعٍ.
توقف عند أعتاب المدخل، ورفع رأسه للأعلى ليلقي نظرة متأملة عن كثب، كل النوافذ مغلقة، لا إضاءة تقريبًا إلا من تلك المنبعثة من أعمدة الإنارة، السكون كان سيدَ الموقف، ابتسم من خلف الوشاح الذي يلثم به وجهه، وواصل السير الحثيث نحو الداخل، اعتلى الدرجات في حذرٍ شديد، عاونته المصابيح ذات الإنارة الباهتة على رؤية مساره، صعد قاصدًا ألا يتسبب وقع أقدامه في إصدار أقل صوت، وبحرصٍ مبالغ فيه، توقف عند الطابق الخاص بعائلة "بدير"، تركزت أنظاره القاتمة على اللافتة النحاسية المحفور عليها لقب "سلطان"، قست نظراته، وغلفها الضيق، وهمس لنفسه، بما يشبه الوعيد:
-النهاية قربت.
تجاوز الباب ليصعد للطابق الأعلى؛ لكنه توقف في منتصف الدرجات، ليسند الجِوال على البسطة الصغيرة التي تتوسط الدرج، استقام في وقفته، ووضع يده على الدرابزين، سمع حفيف أقدام قادمًا من الأسفل، يزداد وضوحًا كلما تقدم، قفز قلبه في رعبٍ، وانحنى متواريًا عن الأنظار، حبس أنفاسه، وانتظر في ترقبٍ، لم يتوقع قدوم أحدهم في تلك الساعة المتأخرة، وآخر من توقع رؤيته هو "تميم"، لمحه وهو يقف عند باب المنزل، يدس المفتاح في قفله، حرص كل الحرص على عدم التحرك، وتابعه بعينين متوترتين، آملاً ألا يشعر بوجوده، وما إن أغلق الباب حتى نهض من جلسته غير المريحة، والتي آلمت قدميه، ليفر هاربًا قبل أن يكتشف أمره، ومثلما جاء في الخفاء، اختفى في الظلمة، دون أن تظهر من ملامحه أي تفصيلة تدل عليه.
.......................................................
جلس في شرفة غرفته، بعد أن عاد متأخرًا من الخارج، على المقعد الخشبي، ممددًا ساقيه للأمام، مكث فيها حتى سطع النهار، يتذكر تلك اللحظات المؤلمة لقلبه، والتي أبت أن تتركه يهنأ بسلامه الزائف، حرك عنقه المتيبس للجانبين، وبين إصبعيه سيجارته المشتعلة، قربها من فمه، وسحب نفسًا عميقًا منها، كتمه بداخله لبرهةٍ، ليحرر بعدها دفعة جديدة من الدخان الحارق لصدره، قبل أن يتوقف عن تدخينها، ويطفئها في المنفضة التي امتلأت عن آخرها بأعقاب سجائره، واحدة تلو الأخرى تناولها، كوسيلة متاحة –ووحيدة- أمامه للتنفيس عما يخنقه، نظر إلى آخر سيجارة أخرجها من علبتها الكرتونية مقوسًا ثغره في سخرية، طوى العلبة بقبضته، وألقاها إلى جواره، وأمسك بالسيجارة بين شفتيه ليشعلها، وأغمض عينيه في إرهاق غطى كامل وجهه.
تصلب في جلسته غير المريحة، حين سمع صوتًا أنثويًا يأتي من الأعلى، وكأنه يتحدث مع أحدهم:
-دي قلة ذوق منه والله، إزاي يسيبها كده؟ ده أنا اتجننت لما ماما قالتلي.
استغرقته بضعة لحظاتٍ ليدرك أنه صوت "همسة"، تتحاور مع زوجها، اعتدل في جلسته، وركز كل حواسه مع جدالهما، فقد خمن أن لنقاشهما المشبع بأمارات الانزعاج علاقة قوية بليلة الأمس، خاصة بعد ترديد اسم طاووسه بقوة على لسانها:
-"فيروزة" ماتستهلش كده!
نهض "تميم" من مقعده، وتراجع للخلف، حتى لا يلاحظا وجوده، ويتوقفا عن سرد التفاصيل المبهمة التي يتطلع لمعرفتها بتلهفٍ واهتمام، أتاه صوت "هيثم" مبررًا بنبرة عادية:
-أكيد حصله مصيبة في شغله، الظروف ياما بتحصل.
ارتفعت نبرتها المتذمرة وهي تعقب عليه:
-ماما بتقولي إنه كان حاجز تذكرة الطيران من قبلها، يعني الموضوع مش مفاجأة بالنسباله.
حاول "تميم" أن يستجمع أطراف الخيوط معًا، ويربطها، ليصل في الأخير إلى صورة أولية تفسر حديثهما الغامض؛ لكن "هيثم" أنهى النقاش قائلاً:
-كبري دماغك يا "هموس"، هما أحرار مع بعض.
على مضضٍ قالت له:
-طيب، بعد ما أكمل نشير للغسيل، أنا هاروح أقضي اليوم مع "فيروزة"، هاخد بخاطرها، أكيد هي زعلانة.
رد عليه "هيثم" بنبرة شبه مستاءة:
-ماشي، بس عايزين نركز في بيتنا.
ردت بتبرمٍ:
-هو أنا هاقعد في الشارع؟ ده من بيت لبيت يا "هيثم".
اقتضب زوجها في رده قائلاً:
-ماشي.
شعور بالاستغراب والاسترابة في نفس الآن تسرب بقوة إلى "تميم"، وحثه على عدم تجاهل الأمر، ودون إعادة تفكير قال لنفسه بنبرة عازمة:
-لازم أعرف الحكاية فيها إيه!
......................................................
كناجٍ وجد طوق النجاة، بعد معاناة مع الغرق، تلكأ في خطواته بمجرد خروجه من المنزل، وإغلاقه لبابه، ظل "تميم" واقفًا أمام عتبته، منتظرًا نزول "هيثم" من الأعلى، ليسأله بنوعٍ من المراوغة، عن تفاصيل ما سمعه خلال حواره مع زوجته، استطاع أن يسمع صوته وهو يودعها، فاستعد للتحرك، ليبدو كما لو أنه التقاه مصادفةً على الدرج، تنحنح بصوتٍ شبه مرتفع، ليستهل حديثه بعدها، وهو ينظر في اتجاهه:
-صباح الخير.
رد وهو ينظر في اتجاهه:
-صباحك فل يا معلم.
سأله بفتور؛ وكأن التوق لا يحرقه لاستدراجه في الحديث، واستخراج المعلومات التي يحتاج لمعرفتها منه:
-جاي معايا يا "هيثم"؟
رد بنظراتٍ شردت في اتجاه الجِوال:
-أيوه...
ثم تساءل وعيناه مثبتتان عليه:
-هو الشِوال ده تبع حد؟
قطب "تميم" جبينه، ورد متسائلاً في استغرابٍ:
-أنهو شِوال؟
أشــار "هيثم" بيده وبعينيه نحوه موضحًا:
-اللي محطوط هنا.
تحرك ابن خالته في اتجاهه، مُرجئًا ما يفكر فيه لبعض الوقت، حتى يتبين الموضوع، وصعد على مهل بضعة درجاتٍ، ليقف أمام الجِوال المريب، دارت نظراته عليه دون أن يمسه، فحصه من الخارج، وهو يتساءل أيضًا:
-ده بتاع إيه ده؟ حاجة تخص جماعتك؟
نفى على الفور:
-لأ.. وبعدين ده مكانش موجود هنا بالليل.
استراب من جملته الأخيرة، وبدأت الهواجس تساوره، لذا قام "تميم" بفتحه من الأعلى، فوجد نشارة أخشاب جديدة تملأوه، تلك المستخدمة في صناديق نقل الأشياء الضخمة الثمينة، حتى لا تتحطم، مما زاد من دهشته، نظر إلى ابن خالته، وردد بقليلٍ من الحيرة:
-دي نشارة خشب!!!
زوى ما بين حاجبيه مغمغمًا:
-نشارة! وجايبينها هنا ليه؟
نظر لها بنظراتٍ حادة، قبل أن يعلق بسخطٍ:
-بتسألني أنا؟
لعق شفتيه، وقال وهو يهز كتفيه:
-ما أنا زي زيك مش عارف.
تساءل "تميم" في فضولٍ حائر؛ وكأنه يفكر بصوتٍ مسموع:
-مين اللي جابه من برا لهنا؟ وإزاي ماشفنهوش
ببلاهة أجاب "هيثم":
-مش عارف، وبالليل لما رجعنا مكانتش هنا.
ضاقت عينا "تميم" بشكٍ، فهذه الأنواع من الأجوال، تستخدم في بعض الأحيان، لتهريب المواد المخدرة والممنوعة، هتف مفصحًا عما يدور في رأسه فجأة:
-لأحسن يكون فيه حاجة من إياها!
تحولت تعابير "هيثم" للصدمة، وقال مذهولاً:
-أوبا، ده ابن .... اللي يفكر يعمل كده، لأ وعندنا كمان؟!!
-هنشوف
أوجز حديثه بتلك الكلمة، ولف ذراعه خلف ظهره، ليخرج من جيب بنطاله الخلفي مديته، أشهرها، ونغز بنصلها الحاد –وبعمقٍ- أماكن متفرقة في الجوال، ليكشف بتلك الوخزات عن وجود ما يعيق مرور نصله، وبالفعل علقت مديته في شيء ما، جذبها بخشونة ليحدث شقًا عريضًا في تلك المنطقة، ثم دس يده، وسحب العائق؛ وكانت المفاجأة، وجد كلاهما مغلفًا مريبًا، مصنوعًا من البلاستيك، مخفيًا داخله. تفحصه "تميم" بنظراتٍ دقيقة، واستعان بمديته مرة أخرى، ليفض الكيس المحكم، وهنا تم الكشف عن أشرطة دواء غريبة، تبادلا النظرات المصدومة، نطق "هيثم" أولاً وهو يزدري لعابه:
-يا صباح اللومان، لأ وعشماوي كمان.
وبخه "تميم" بصوته الأجش، وتلك النظرة الصارمة تكسو عينيه:
-إنت هتعدد؟ اسكت، مش ناقصين فضايح.
سأله بسذاجةٍ ليتأكد من صحة ما تفقه إليه ذهنه:
-ده برشام، مظبوط؟
أجاب ابن خالته بنفاذ صبر، وكأنه يزجره:
-أيوه، واهدى على نفسك مش عايزين شوشرة.
هوى قلبه في قدميه رعبًا، فمعنى وجود تلك المواد المخدرة معهما أنهما متورطان فيها، وإن قام أحدهم بالإبلاغ عن وجودها، لوقعا في المحظور، وأصبحا في أزمة خطيرة، لذا على عجالة تساءل في خوفٍ، معبرًا عن هواجسه:
-طب وهنعمل إيه؟
تجاهل "تميم" الرد عليه، ليكمل مهمته في فحص باقي الجِوال، بعد إسناده للمغلف على إحدى الدرجات، ليضمن خلوه من أي مواد مخدرة مخبأة فيه، اعتدل في وقفته، بعد أن أعاد نصل مديته إلى مكانه، ثم أشار بيده لابن خالته المتوتر، ملقيًا بأوامره عليه:
-خد الشِوال ده ارميه في المقلب اللي على أول الشارع، واطلع ورايا على السطح بعد كده.
بإيماءة موافقة من رأسه كذلك، قال "هيثم" بانصياعٍ:
-ماشي.
...........................................................
وبثباتٍ انفعالي يناقض طبيعة الموقف الموترة للأعصاب، صعد "تميم" لسطح المنزل، باحثًا عن إحدى صفائح علب الجبن المعدنية الفارغة، والمخزنة بالأعلى، ضمن الكراكيب المهملة فيه، ليضع بداخلها المغلف، ثم التقط زجاجة البنزين المملوءة بكمية بسيطة منه، والتي أحضرها من الدرج المخصص لأدوات النظافة الموجود أسفل الحوض في مطبخ منزله، ليسكب كل محتوياتها على المغلف، وأخرج ولاعته من جيبه، ثم أشعل النيران بالصفيحة، ليحرق ما بداخلها بالكامل، راقب ألسنة اللهب وهي ترتفع، وتخرج عن حافة الصفيحة؛ لكنها التهمت المغلف وما يحتويه، ضاقت عيناه أكثر، ولم يتوقف عقله عن التفكير للحظة في ذلك المجهول الأرعن الذي تجرأ، ودس مثل تلك الأشياء المهلكة في بيت عائلته، حتمًا لم يفعل ذلك مصادفةً، ولم يأتِ تصرفه الموجه لشخص العائلة من فراغ، هناك من يتربص في الخفاء قاصدًا إلحاق الأذى بأحد أفرادها؛ ولكن من يا تُرى هذا الوغد؟ قطع استغراقه في أفكاره التحليلة صوت "هيثم" اللاهث وهو يسأله:
-تفتكر مين اللي عايز يلبسنا تهمة تعلق رقبتنا على حبل المشنقة؟
أجابه "تميم" بغموضٍ:
-دلوقتي هنعرف.
تطلع إليه في عدمِ فهمٍ، ولاحقه بالسؤال:
-هتعمل إيه؟
رد على مهلٍ مُشيرًا لخطوته التالية، ونظراته موجهة إليه:
-هكلم الواد بتاع محل الكاميرات، يجي يشوفلنا الليلة دي بدأت إزاي.
لوح "هيثم" بذراعه، وتساءل مرة أخرى:
-طب والقرف ده؟
سكت عن الكلام لثوانٍ، ثم قال بصرامةٍ نافذة:
-اكفي على الخبر ماجور، محدش يعرف عنه حاجة، سامع.
أطبق على شفتيه وهو يعلن في صمتٍ عن اتباعه لأوامره، فهذه المسألة لا تحتاج لجدال أو لفت الانتباه، لكون الخطأ بها يودي للهلاك الحتمي.
..........................................
بعد أن فرغا من التخلص من تلك المواد المخدرة، ومهاتفة "تميم" للشاب المسئول عن تركيب كاميرات المراقبة، هبط كلاهما للأسفل، وتحديدًا في منزل "سلطان"، شدد الأول على ابن خالته بالتزام الصمت التام، وألا يتفوه بأي حماقة تخص ما اكتشفاه، حتى لا تثار أي ضجة، ونفذ "هيثم" ما أُملي عليه بالكامل، وجلس منتظرًا قدوم الشاب بأعصابٍ متوترة، جاءت "ونيسة" لتحيته متسائلة عن عمدٍ، وهي تضع كوب الشاي أمامه:
-أختك عاملة إيه دلوقتي يا "هيثم"؟
نظر أولاً إلى "تميم"، الذي على ما يبدو لم يكن مهتمًا بسماع رده، وقال بعدها ببسمة مقتضبة:
-الحمدلله أحسن.
تركزت عينا خالته على ابنها الصامت، وأضافت بوجه مقلوب:
-ربنا يصبرها على اللي هي فيه، ويعوضها خير.
علق بإيجازٍ:
-يا رب
تابعت؛ وكأنها تقصد بذلك إخبار ابنها بطريقٍ غير مباشر:
-أنا رايحة اطمن عليها عند أمك، بقالي كام يوم ماشوفتهاش، وهي يا حبة عيني من آخر مرة كانت مش عجباني.
تنحنح بخفوتٍ قبل أن يعقب عليها:
-تنوري البيت يا خالتي.
وجه "تميم" حديثه إلى والدته، فاستطرد قائلاً لها:
-احنا شوية ونازلين يامه، لو وراكي حاجة خلصيها، مش عايزين نعطلك.
نظرت له شزرًا، وبملامح عابسة متجهمة، قبل أن تشيح بوجهها بعيدًا عنه، ثم أخبرت ابن شقيقتها بابتسامةٍ صغيرة:
-إنت مش غريب يا "هيثم"، لو عوزت تاكل ولا تشرب، ماتكسفش، قولي.
تصنع الابتسام وهو يشكرها:
-تسلمي يا خالتي، دايمًا عامر، بس أنا كلت مع "همسة".
تنهدت وهي تعقب على كلامه:
-ربنا يهنيكم مع بعض.
-يا رب.
شيع "هيثم" خالته بنظراته خلال انصرافها من المكان، ثم مـال برأسه نحو "تميم" ليسأله بمزاحٍ حذر، بعد أن لاحظ التوتر السائد بينهما:
-هي خالتي مقطعاك ولا إيه؟
رد الأخير بدون مبالاة:
-متخدش في بالك.
أضــاف "هيثم" بنفس الأسلوب الساخر:
-ماتحسسنيش إن "خلود" السبب.
تجمدت عينا "تميم" عليه، وقال بتحفظٍ:
-ربنا يهديها لحالها.
فهم ابن خالته من جملته المقتضبة، أنه لا يحبذ أبدًا، التطرق لما كان بينهما في يومٍ ما، من شأن خاص، واحترم تلك الرغبة فيه، وانشغل بالتفكير في كشف غموض واقعة المواد المخدرة.
........................................................
على وجهِ السرعة، جاء الشاب لمنزل "تميم" ليفحص بحاسوبه النقال، ما تم تسجيله على أشرطة كاميرات المراقبة، جلس الثلاثة بغرفة الصالون، وحرص مُضيفهم على توفير الخصوصية، ليتم مراجعة ما دار بسريةٍ؛ كان الأمر واضحًا كالشمس في كبدِ السماء، ذلك الملثم يعرف جيدًا ما يفعله، أخفى وجهه بشكلٍ احترافي، فلا تظهر ملامحه، وتعمد التحرك بظهره، ليزيد من حرصه، ما أدهش "تميم" وصدمه بشدة، وجعل الدماء أيضًا تغلي في عروقه، إظهار الفيديو لوجود الملثم في الطابق العلوي، ومراقبته له بتحفزٍ؛ وكأنه يتربص به، للانقضاض عليه، في حين غفلة، خلال عودته المتأخرة للمنزل، كز على أسنانه مدمدمًا في حنقٍ:
-ابن الـ..... كان مرقدلي في الضلمة!!!
رد عليه "هيثم" بنبرة مغلفة بالقلق:
-الحمدلله إنه معملش فيك حاجة، ده شكله ابن ليل!
التفت برأسه نحوه، ورد بتوعدٍ، وأصابعه قد تكورت على بعضها البعض لتشكل قبضة قوية، تستعد للكم:
-أه لو كنت لمحته، كنت علقته زي الدبيحة.
تأمل "هيثم" هيئته المتحفزة، كان على وشك الفتك بأحدهم، أدار رأسه بعيدًا عنه، ليحدق فيما تعرضه شاشة الحاسوب، لمح شيئًا بدا مألوفًا له خلال مشاهدته، فصاح بغتة، وهو يلكز بيده على كتف الشاب:
-استني كده، وقف الكاميرا هنا.
على الفور تساءل "تميم" في اهتمامٍ كبير:
-في إيه؟
رفع رأسه في اتجاهه، وقال:
-عايز أتأكد من حاجة..
ثم مال على الشاب ليبدو قريبًا من الشاشة، وأمره:
-رجعها لورا..
بقيت نظراته تراقب تفاصيل المشهد بدقةٍ، إلى أن هتف فجأة، عند مقطع بعينه:
-بس وقف.
أوقف الشاب التسجيل، لتتجمد الصورة، وتحتل الشاشة بأكملها، هنا أشــار "هيثم" بسبابته، نحو بقعة فيها، وهتف موضحًا:
-الطقية دي بتاعة الواد "نوح"!
حين أفصح عن هويته، تجهمت تعابير "تميم" بشدةٍ، وسأله بوجهٍ مقلوب، وقد احتدت عيناه:
-إنت متأكد؟
أتاه جوابه الواثق، بما لا يدع أي مجالٍ للشك:
-أيوه أنا اللي جايبهاله، وكانت مقطوعة من الجمب.
توعده ابن خالته بلهجة تحولت للقتامة:
-هيتروق عليه الواد ده، هايشوف النجوم في عز الضهر، والله لهخليه عبرة لمن لا يعتبر.
تعلق "هيثم" بذراعه ليستوقفه قبل أن يتحرك، وأضاف بنبرة شبه مهتزة:
-استنى كده يا "تميم"، دي مش مشيته، ولا ده جسمه، أنا متأكد.
الذبذبة التي استشعرها في صوته، جعلته يرتاب منه، لذا انتزع "تميم" ذراعه من قبضته بعصبيةٍ، واستنكر دفاعه عنه بقوله الفظ:
-ولا عشانك اتأكدت إنه صاحبك؟ وشبهك؟
كان تلميحه –رغم عفويته- وقحًا، ويحمل الاتهام في طياته، بأنه مثل رفيقه، ارتكب من الأمور الطائشة والمخجلة، ما يضعه في موضع شبهة، ابتلع "هيثم" إهانته، وقال بنظرات معاتبة:
-الله يسامحك.. مش هارد عليك، بس عشانه زي ما قولت صاحبي، فأنا عارفه كويس، ودي مش مشيته!!
لم يبدُ "تميم" مقتنعًا بما اعتبره لغوًا فارغًا، بينما أصر "هيثم" على توضيح مقصده، فأردف:
-ولما قولت إنها طقيته، مقصدش إنه هو، بس ده واحد غيره لابسها.
زم شفتيه للحظة، قبل أن يعقب بتهكمٍ:
-هنشوف إن كانت بتاعته ولا لأ..
ثم خاطب الشاب قائلاً له، وقد أخرج من جيبه حفنة من النقود:
-خد حسابك يا ابني، ومحدش يعرف سيرة بده.
أغلق الشاب حاسوبه، ورد بهدوءٍ:
-تمام يا معلم.
..........................................................
استغرقهما الأمر خمس دقائق ليصلا إلى عنوان منزله، أوقف "تميم" سيارته على ناصية الطريق، بسبب الزحام الغريب في المنطقة، في هذا التوقيت المبكر، حشدٌ متداخل يسد الشارع تقريبًا، وهمهمات صاخبة تتحدث عن حادثة قتل مروعة تعرض لها أحدهم، ترجل الاثنان من السيارة، وتحركا في اتجاه هذا التجمع، بادر "هيثم" متسائلاً، وهو يشق طريقه بين الأجساد البشرية المتلاحمة:
-في إيه يا جدعان؟ إيه اللي بيحصل هنا؟
أجاب أحد ساكني البناية بقليلٍ من الأسف:
-الواد "نوح" اللي ساكن في السطوح لاقوه مقتول.
تخشب في مكانه مصعوقًا، وحملق فيه بعينين متسعتين في ارتعابٍ، شل وقع الخبر المفجع تفكيره، وأيضًا لسانه، ففقد قدرته على النطق أو التعليق، على عكسه كان "تميم" أقل تأثرًا، وأكثر تماسكًا، فتساءل مستفسرًا عن ملابسات مقتله:
-عرفتوا منين؟
استرسل الساكن يسرد له:
-واحدة من إياهم كانت الظاهر طالعة عنده، ولاقته مقتول وسايح في دمه، صويتها جاب التايهين، ولم كل السكان.
تعقدت تعابير "تميم" في استغرابٍ مليء بالاسترابة والشكوك، وسأله في اهتمامٍ، آملاً أن يعرف منه المزيد:
-وإزاي ده حصل؟
رد الساكن بنبرة عادية:
-محدش عارف لسه! في ناس بتقول واحد ابن حرام اتخانق معاه عشان بت شمال، وناس بتقول ولاد الليل طلعوا عليه، إكمنه ليه في الشم والكيف، قتلوه لأنه ماسددش اللي عليه.
هز "تميم" رأسه في تفهمٍ، وعلق عليه:
-الكلام كتير يعني.
أضــاف الساكن مؤكدًا:
-أيوه، والبوليس والنيابة فوق، ويا خبر بفلوس!
اختتم معه حديثه هاتفًا:
-متشكرين يا سيدي.
ثم استدار في اتجاه ابن خالته، وجذبه بقليلٍ من القوة بعيدًا عن الحشد، متراجعًا به للخلف، وهو شبه يأمره:
-اتحرك معايا يا "هيثم".
كان الأخير متثاقلاً في خطواته، يجر قدميه تقريبًا، رافضًا التحرك، ونطق من بين شفتيه، بنبرة مصدومة:
-"نوح" اتقتل يا "تميم"، اتقتل.
بدون شفقة ظاهرة عليه، غمغم ابن خالته:
-الله يرحمه.
تساءل "هيثم" في صدمةٍ؛ وقد بدا غير قادرٍ على استيعاب ذلك:
-طب قتلوه ليه؟
لم يشاركه "تميم" في إظهار عواطفه نحوه، كان تفكيره مشغولاً بشيء آخر، وردد مع نفسه في حسرةٍ انعكست على ملامحه العابسة:
-مفتاح أول الخيط كان عنده، ودلوقتي ضاع!!!!!
...........................................................
وقع المفتاح من يده، وهو يحاول دسه في القفل، ليفتح باب منزله، ما زالت أطرافه ترتجف، بعد تلك الليلة العصيبة التي خاضها، استجمع جأشه، وتمكن أخيرًا من فتح الباب، ولج للداخل، وأغلقه خلفه بهدوءٍ، حاول "محرز" أن يضم طرفي سترته السوداء معًا، ليخفي آثار اللطخات التي تلوث قميصه الكريمي، وطوى في قبضته الأخرى الطاقية التي استعارها، توقع أن يجد زوجته غافلة؛ لكنه تفاجأ بها تتجول في صالة المنزل، حاملة لرضيعهما بين ذراعيها، تهدهده في لطفٍ وحنو حتى يغفو، اندهشت "هاجر" من رؤية زوجها على تلك الحالة الفوضوية، وسألته؛ وكأنها تحقق معه:
-مالك يا "محرز"؟ جاي مبهدل كده ليه؟
ارتبك من حضورها، وجاهد ليبدو هادئًا فلا تستريب في أمره، تشتت نظراتها عنه للحظة حين بكى الرضيع، فلاطفته بكلماتها الرقيقة، قبل أن تركز عينيها من جديد عليه، وهي تلاحق بمزيدٍ من أسئلتها:
-وبعدين إنت مش كنت قايلي هترجع بالليل، إيه اللي أخرك لحد الصبح؟ وقافل تليفونك ليه؟
ادعى كذبًا بصوتٍ مضطرب:
-مش أنا قايلك صاحبي عامل عقيقة لابنه، وهافضل معاه طول الليل.
زمت شفتيها في امتعاضٍ، وأعادت تكرار السؤال عليه بسخطٍ، ونظراتها الغاضبة موجهة لشخصه:
-وموبايلك؟ إيه مكانش عندك وقت تكلمني فيه؟
استمر في كذبه قائلاً:
-موبايلي فصل شحن، وأنا نسيت الشاحن، ما كفرتش يعني.
تباعد طرفا سترته عنه، فظهرت البقع الملوثة على قميصه، شهقت "هاجر" مرددة في استنكارٍ:
-إيه اللي حصل للقميص يا "محرز"؟
لا إراديًا انخفضت نظراته نحوه، وجمع طرفي السترة معًا، ليخفي الآثار الجافة للدماء عنها، لعق شفتيه، وهتف بصوتٍ متلعثمٍ:
-ده.. الخروف، أصل بعد ما .. دبحناه كان لسه فيه الروح، وقام جرى، فأنا مسكته، وبهدلني زي ما إنتي شايفة
كانت على سجيتها، فلم ترتاب مطلقًا في أمره، لهذا اقتنعت بسهولة بكذبته، التي بدت منطقية للغاية، وصدقتها دون أدنى تشكيك في صحة أقواله، وبتلقائيةٍ طلبت منه:
-غير هدومك، وسيبهالي على جمب، وأنا لما أنيم "سلطان" هغسلها وآ....
قاطعها بصوتٍ شبه مرتبك:
-لأ.. متغسلهاش.
تطلعت إليه باستغرابٍ، والحيرة تغلف نظراتها نحوه، في حين بلع ريقه، وواصل كذبه:
-أصلها اتبهدلت، وريحتها تقرف، هرميها، وأبقى أجيب جديد غيرها.
ببساطةٍ ردت عليه:
-ما هي لما هتتغسل هتنضف.
أصر على رأيه مرددًا بعنادٍ غريب:
-مالوش لازمة يا "هاجر"، هي قلة فلوس يعني!!
هزت كتفيها في استسلامٍ، وقالت بفمٍ ملتوٍ:
-براحتك، ما أنا اللي كنت هاغسلها، إنت كنت هتتعب في إيه؟
رسم ابتسامة متكلفة على محياه، وعلق عليها بنوعٍ من الدعابة:
-أنا عايز راحتك يا "أم سلطان"، إنتي غاوية شقا ليه؟
-ماشي يا "محرز"، هاروح أحط الواد في سريره
قالتها "هاجر" وهي تتجه نحو الردهة الطويلة لتضع صغيرها بغرفته، بينما أسرع زوجها في خطاه نحو الحمام، أوصده من ورائه، ووقف في المنتصف ينزع سترته عنه، ثم حل أزرار قميصه، وخلعه بتعجلٍ، امتدت بقع الدماء للفانلة الداخلية، فأفسدت لونها الأبيض، مما أفزعه بشدة، بالكاد سيطر على أعصابه أمامها، جمع كل ما ارتداه من ثيابٍ معًا، في كومة واحدة، ليتخلص منها لاحقًا، ثم تحرك في اتجاه المرآة التي تحتل ظهر باب الحمام، وقف مطولاً خلفها، يتأمل في انعكاسها قسمات وجهه الشاحبة، كانت تعابيره توحي بخطبٍ جلل، لم ينبس بكلمة، وظل جامدًا في مكانه، مسترجعًا في ذاكرته، ومضاتٍ من مشاهدٍ عنيفة غير متوقع حدوثها؛ لكنها، وللأسف الشديد، أفضت للقتل في الأخير.. ازدرد "محرز" ريقه، وحدث نفسه بهسيسٍ لا يحمل الندم:
-إنت اللي اخترت نهايتك يا "نوح" ............................................ !!
......................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم Manal Salem
في البداية ممكن طلب بسيط من حضراتكم
الدعاء بظاهر الغيب لأخويا بالشفاء لأنه مريض جدًا، لعل الله يشفيه ويشفي جميع مرضانا
واعذروني لو كان الفصل قصير شوية
الفصل السادس والستون
قشعريرة قارصة نالت من بدنه المبتل، رغم دفء المياه المتدفقة على جسده؛ لكن كان لذكرى مقتل "نوح" على يده، الأثر الكبير في توتر أعصابه، وربما خوفه أيضًا. أغمض "محرز" عينيه، وشرد بمخيلته لساعات مضت، حيث كان قلب ضحيته ما زال ينبض بالحياة، كانت التعليمات صريحة ومباشرة، التخلص كليًا من أي شيء أو شخص له صلة بالمواد المخدرة، لقطع كافة الخيوط التي من المحتمل أن تؤدي إليه أو لـ "آسر"، ولهذا بذل ما في وسعه، وأعمل عقله الداهية من أجل القضاء على كل التهديدات المحتملة .. وقف كلاهما خلف أحد الأكشاك المغلقة، ومعهما الجِوال الأزرق، تساءل "نوح" في فضولٍ، بصوتٍ شبه هامس، والقلق يتراقص في نظراته المراقبة لما حوله:
-هو احنا بنعمل هنا إيه؟
أجابه "محرز" مقتضبًا، وهو يفتح مقدمة الجِوال:
-شغل.
نظر "نوح" أمامه، وسأله مرة أخرى برنة القلق الظاهرة في صوته:
-بس احنا قريبين من بيت المعلم "تميم" وآ...
قاطعه الأول متسائلاً بتهكمٍ منزعج، وقد تضرج وجهه بأمارات الحنق:
-هو محرم علينا نبقى في الشارع اللي هو فيه؟
بلع ريقه، ثم رد نافيًا:
-لأ.. بس بعد الكلام إياه، واتفاق حرق الدكان، آ.....
قاطعه مجددًا، وكأنه يوبخه:
-بأقولك إيه؟ أنا مش جايبك معايا عشان ترغي وتصدعني، ده شغل اللي بنعمله.
سأله مستوضحًا:
-هتعمل إيه طيب؟
لم يكن "محرز" راضيًا عن تردده الواضح، ومع هذا قال له بهدوءٍ زائف، وهو يدس اللفافة بداخل جِوال النشارة:
-هخزن البضاعة فوق السطح، لحد ما ألاقي تصريفة ليها.
تساءل بنفس الصوت القلق:
-واشمعنى هنا بالذات؟
ثم توقف هنيهةٍ ليضيف بعدها بنزقٍ:
-ما جايز يكون مغرز منك، وبعدها هتبلغ عنه.
فاض به الكيل من خوفه البائن، وصاح في ضجرٍ:
-البيت فيه كاميرات يا أبو مخ ذكي....
بدت نظراته غريبة نحو "نوح"؛ وكأنه يُعيد تقييم موقفه معه، لم ينكر أن الهواجس قد بدأت تساوره ناحيته، تردده غير المشكوك فيه، عزز من ذلك الإحساس، لهذا حاول التصرف بعقلانية، حتى ينهي ما جاء لأجله، فاسترسل موضحًا له:
-شوف يا "نوح"، لو فكرت بشوية عقل، هتلاقي إنهم هيعرفوا مين اللي جاب البضاعة، كل الحكاية إني هتاويهم كام يوم، لحد ما أشوف مكان تاني آمن.
تطلع إليه بنظراتٍ حائرة، فأكد عليه "محرز" بابتسامته السمجة:
-ماتبقاش خرع كده، ده احنا متودكين في الشغلانة بقالنا ياما.
رد عليه بلهجةٍ محذرة:
-أيوه، بس مش مع المعلم "تميم"!
اغتاظ "محرز" من إعطائه لكل تلك الأهمية لـ "تميم"، ناهيك عن خوفه الزائد منه؛ وكأنه من ذوي السلطة المطلقة، لا يجرؤ أحدهم على المساس به، أو حتى التفكير في الإساءة إليه، ورغم ذلك كظم حقده مرغمًا، وهتف من بين أسنانه المضغوطةٍ بنبرة آمرة:
-بأقولك إيه.. هات الطاقية بتاعتك.
ضاقت عينا "نوح" باستغرابٍ وهو يسأله:
-ليه؟
علق ساخرًا قبل أن يختطف غطاء رأسه من عليه عنوة:
-هتغندر بيها..
ارتداها "محرز" على رأسه، ووضع الجِوال على ظهره، ليقول بلهجة الآمر الناهي:
-بطل رغي، وراقب المكان.
دعك "نوح" رأسه الذي لفحه الهواء البارد بيده، ليعيد إليه دفئه المفقود، وقال على مضضٍ:
-طيب
.....................................................
-أنا قلبي وقع في رجلي لما شوفته طالع عندك...
بأنفاسٍ لاهثة ردد "نوح" تلك العبارة، وهو يلج إلى منزله بعد إنهاء "محرز" لمهمته السريعة ببناية عائلة "سلطان"، تمكن الخوف منه، وشعر بالرهبة من احتمالية كشف أمره، وبمجرد أن لمح "محرز" يخرج، حتى قطع الاثنان الطريق عدوًا كاللصوص، ليهربا قبل اكتشاف أمرهما، تسللا عبر الأزقة الضيقة، والشوارع الجانبية ليصلا في الأخير إلى منزل الأول، ظلت بقايا آثار القلق معكوسة على ملامحه، رغم انقضاء المهمة بسلاسةٍ .. استوى "نوح" على الوسائد التي يفترش بها أرضيته، وتابع إفصاحه عما يعتريه من مخاوف، بنبرته التي جمعت بين الجدل والهزل:
-أنا خوفت لتتمسك، وساعتها كنت هاقر للمعلم "تميم" بكل حاجة من طأطأ لسلامو عليكم، قبل ما يعلقني.
استشاطت عينا "محرز" على الأخير، بدت تعبيرات وجهه متغيرة للغاية، يغلفها الحقد والقساوة، وسأله، وكأنه يحقق معه:
-للدرجادي عمله حساب ومش خايف مني؟
بنوعٍ من الاستخفاف، وعدم الاحتراز، أجابه:
-إنت تمامك معروف؛ لكن هو نابه أزرق.
مع تلك الكلمات بلغ "محرز" ذروة غيظه، لم يتحمل احتقاره المتواري؛ وإن لم يقصد ذلك عمدًا، فعقب بصوتٍ بالكاد كان مسموعًا، وبنبرةٍ موحية، تحمل في طياتها شرًا عظيمًا:
-يبقى متعرفنيش كويس.
وقعت أنظاره على السكين الموضوع في طبق الطعام المتسخ، التقطه بيده، ونظر إليه ليتأكد من عدم ملاحظته له، ثم أخفاه عنه، وتقدم نحوه بخطواتٍ ثابتة متسائلاً بكذبٍ:
-الفحم فين؟ خلينا نولع حجرين.
كان سؤالاً مخادعًا، ليلهيه عن عمدٍ عن التركيز معه، أو تتبع خطواته، وبحسن نيةٍ أرشده "نوح" إليه، معتقدًا أنه يريد مشاركته المزاج، وليس الغدر به .. التف "نوح" من ورائه، وجثا على ركبته، ليتخذ موضعه خلفه، ثم رفع ذراعه الممسكة بالسكين للأعلى، وقام بوضع نصلها القاطع على جلد عنقه، لينحره بغتةٍ، وبشراسةٍ عنيفة، وهو يهمس في أذنه:
-إنت اللي اخترت نهايتك، ماتزعلش يا صاحبي.
خرج صوت "نوح" كالخوار من جوفه، وهو يسد بيده المرتعشة أنهر الدماء التي تدفقت من عنقه المذبوح، قبل أن يتبع ذلك شهقة مميتة، لتلقيه طعنة نافذة في قلبه، ارتخت أطرافه بالكامل، وسقط رأسه للخلف بعد أن جحظت عيناه، ليستكين بعدها جسده للأبد، تأمله "محرز" بنظراتٍ مليئة بالاستهجانٍ والغضب، ثم نهض واقفًا من جلسته خلفه، استدار حوله، وبحث عن قطعة قماشٍ يمسح بها آثار أصابعه من على السكين الذي بقي مغروزًا في قلبه، سدد له نظرة أخيرة، ثم استطرد قائلاً له، بما يشبه الشماتة:
-أشوفك في جهنم!
مضى بعض الوقت بالمكان ليتأكد من إزالة ما له علاقة به، ليتسلل بعدها خارجه، لينتقل إلى رفاقِ سوءٍ آخرين، أراد الاستعانة بهم في إكمال باقي مخططه، وأيضًا التخلص من عقبة لا تُذكر؛ تدعى"حاتم".
عاد "محرز" إلى محيطه الواقعي، وقد فرغت المياه الدافئة من السخان، انتبه لانخفاض الحرارة به، فأحس بالمزيد من البرودة تنخر عظام جسده المتجمد، أغلق الصنبور، وخرج من المغطس، ثم لف جسده بالمناشف القطنية، وجمع كل ثيابه في كومةٍ واحدة، ليضعها في أحد أكياس القمامة السوداء، حين يرتدي ملابسه النظيفة ويخرج من الحمام، فيتخلص منها لاحقًا، ابتسامات انتصار متنوعة غزت وجهه الذي كان غائمًا قبل قليل، وما ضاعف من شعوره بالنشوة، رنين هاتفه برسالةٍ تؤكد له إيقاع ضحيته التالية في الفخ، دندن مع نفسه بانتشاءٍ:
-هو ده الكلام!
.................................................................
في سابقة لم تبدُ له غريبة، طلب منه أحد الأشخاص، توصيل أحد الطرود خارج المنفذ الجمركي، بعد أن نما إلى مسامعه، قيامه بمثل تلك الأمور بسلاسةٍ ويسر، ولكون التوصية من "محرز"، فلم يتردد في قبول العرض السخي، كان الطرد يحوي بطاريات خاصة بتشغيل ساعات اليد؛ لكنها من النوع الباهظ، ومع ذلك لم تكن مهمته بالصعبة، بل بدت من أيسر عمليات التهريب التي يقوم بها، تحمس "حاتم" لتنفيذها، نظير ذلك المبلغ المالي المغري، يا لسعادته! ربحٌ سريع سيجنيه في بضعة ساعات! وبحماسٍ واضح عليه، قسم الطرد على دفعاتٍ سينقلها بالتتابع، من خلال حقيبة يد جلدية سيعلقها على كتفه، لن تثير الشكوك مطلقًا، سيظن مسئولي الجمارك أنه أحد مندوبي الشركات، أو موظف ما في مصلحة حكومية ينتقل من مكان لآخر، لإنجاز بعض الأعمال، كان واثقًا من نجاحه، سريعًا ما تبدد شعوره بالثقة إلى الخوف والارتياب، خاصة مع رؤيته لكم أفراد التفتيش المرابطين على جميع بوابات المنفذ، بلع ريقه، وواصل تقدمه نحو الحافلات المخصصة لنقل الركاب للخارج، مؤكدًا لنفسه أنه قادر على إتمامه.
لاحظ خلال سيره تزايد القوات الأمنية، فبدا متوترًا بشكل كبير، يناقض اعتياده على تنفيذ مثل تلك المهام غير القانونية، أقنع نفسه أن تلك المرة مختلفة، المبلغ المعروض عليه مغري للغاية، ويستحق المحاولة. تنفس بعمقٍ، ليستعيد انضباطه، ثم تسلل بحذر نحو المنفذ الجمركي، مترقبًا بأعين كالصقر اللحظة المناسبة للتحرك والخروج منه، صوت أنفاسه كان مسموعًا له، بحث عن منديل ورقي في أحد جيبه، وجد واحدًا، فرفع يده الممسكة به للأعلى، حركه على جبينه، ماسحًا حبات العرق الغزيرة المتجمعة عليه. طال الوقت وهو ينتظر اللحظة المناسبة، وما إن تأكد "حاتم" من هدوء الأجواء، حتى استعد للتحرك بحرصٍ، اقترب من حافلة شبه ممتلئة بالركاب، تستعد للمغادرة؛ لكنه شعر بألمٍ موجع يصيب كتفه، مصحوبًا بصوت آجش خشن يسأله بلهجته الرسمية:
-على فين؟
التفت برأسه للجانب، ليجد شخصًا يفوقه طولاً، هتف متسائلاً بنبرة مذعورة:
-إنت.. مين؟
نظر له الضابط "وجدي" بنظراته القوية النافذة، قبل أن يسأله بتهكمٍ ملموس في نبرته:
-معاك إيه بقى المرادي؟
خمن هويته سريعًا بعدما جاب بأنظاره على ثيابه الرسمية، نظرة خاطفة ألقاها على هؤلاء الرجال المحيطين به من كل اتجاه؛ وكأنه هارب من العدالة، ارتجفت نبرته للغاية وهو يجيبه بتلعثمٍ:
-أنا.. مش معايا حاجة، ده أنا طالع أركب مكروباص و....
قاطعه "وجدي" ساخرًا:
-علينا يا "حاتم"؟
صدم من معرفته لهويته، فسأله بنزق:
-إنت عرفت اسمي منين؟!!!
أجابه مبتسمًا ابتسامة انتصار، وهو ينظر له بتفاخر:
-ده إنت متوصي عليك جامد!
انفرجت شفتاه للأسفل بهلع كبير، فتابع الضابط متسائلاً:
-ورينا مهرب إيه المرادي يا نجم؟!
اهتز جسده من فرط الخوف، باتت نهايته وشيكة إن اكتشف ما معه، جاهد ليخفي توتره الكبير؛ لكنه فشل كليًا، أكمل الضابط بتشفٍ:
-ماهو كله اتكشف خلاص، واللي مشغلينك اتمسكوا معاك!
ردد لنفسه في ذهولٍ:
-اتمسكوا!
توقف عقله عن التفكير، فمن يعمل لصالحهم كُثر، وسقطوه، والإمساك بهم، يعني قضايا لا حصر لها، هنا أدرك الحقيقة المريرة، مصيرًا مظلمًا ينتظره خلف القضبان الموحشة، لعق شفتيه الجافتين، وغمغم مع نفسه مصدومًا، ونادبًا حظه التعس:
-روحت في داهية يا "حاتم"!
...........................................
كان الوقت قد اقترب من الظهيرة، حين تواجد كلاهما بالدكان، بدا "هيثم" شاردًا، واجمًا، حزينًا بصدقٍ على مقتل صديقه؛ وإن كانت علاقتهما –مؤخرًا- غير وطيدة، دفعه "تميم" برفقٍ نحو أحد المقاعد الخشبية الشاغرة بالمكان، أجلسه عليه، وصاح مناديًا على أحد عماله، بصوتٍ جهوري:
-حد يجيبلنا قهوة يا رجالة.
رد عليه أحدهم من الداخل:
-فوريرة يا معلم.
رفع "تميم" بذراعه مقعدًا آخرًا، ووضعه في مواجهة ابن خالته، ثم استهل حديثه معه مواسيًا إياه:
-الله يرحمه يا "هيثم"، ادعيله، مافيش في إيدينا حاجة نعملها.
سأله وهو يحبس الدموع في عينيه:
-مين قتله يا "تميم"؟
لم يملك ابن خالته الإجابة على سؤاله، فأبعد نظراته الحزينة عنه ليتابع:
-أنا عارف إنه دايمًا منفض دماغه، وتايهة منه معظم الوقت، بس مالوش في السكة دي.
ربت "تميم" على كتفه مهونًا عليه أحزانه، وقال بهدوءٍ:
-مسير كل حاجة تبان.
ثم التفت باحثًا بعينيه عن زوج شقيقته، لم يظهر بسماجته السخيفة على الساحة، ليتقصى الأخبار، لهذا تساءل بنبرة مرتفعة:
-يا رجالة! أومال فين الريس "محرز"؟
أجابه أحدهم من الداخل وهو يرفع أحد أقفاص الفاكهة:
-مجاش يا معلم لحد دلوقتي.
تعقدت ملامحه متسائلاً في اندهاشٍ كبير؛ وكأن مسألة تأخره مستبعدة كليًا:
-خالص؟ ولا حتى ساب خبر إنه هيتأخر؟
رد العامل نافيًا:
-لأ يا معلم، مافيش خبر عنه، وطلبناه مردش!
مط "تميم" فمه في استغرابٍ أكبر، وغمغم مع نفسه:
-غريبة!!
انصرف العامل ليتابع عمله، بينما عقب على ذلك الأمر، مفكرًا بصوتٍ مسموع:
-ده عمره ما عملها من سنين، الدنيا تتشال وتتهبد، وهو ولا فارقة معاه، بيجي الدكان في ميعاده، إيه اللي حصله بقى.
حديثه كان منفردًا، لم يشاركه "هيثم" التعليق، أو حتى أظهر اهتمامه، حزنه كان طاغيًا على أي شيء آخر، صدح رنين هاتفه، فتجاهله، تكرر الاتصــال، ولم يحرك ساكنًا، مما دفع "تميم" لإخباره، بصيغةٍ آمرة:
-رد على تليفونك.
قال بوجومٍ، وكتفاه متهدلان للأسفل:
-ماليش مزاج.
هز رأسه في تفهم، وهو يرد:
-براحتك.
تركه بمفرده، لينهض من مكانه، متجهًا إلى عماله، ليتابع معهم سير العمل بالدكان، مر بعض الوقت على انشغاله، اهتز هاتفه المحمول في جيب بنطاله، أخرجه منه، ونظر فيه، وجد اسم والده يملأ شاشته، أجاب عليه دون تأخيرٍ، فقال:
-أيوه يا حاج.
سأله الأخير بصوتٍ بدا جادًا للغاية:
-إنت فين؟
بتلقائيةٍ أجاب:
-في الدكان يا حاج.
رد عليه بلهجةٍ صارمة:
-طب سيب كل حاجة، وتعالى بسرعة على البيت.
سأله "تميم" بتوجسٍ، وهو يشير بيده لأحد عماله ليخرج رصة الأقفاص من الثلاجة:
-خير في إيه؟
أخبره على عجالةٍ:
-البوليس عندنا، ومشقلب كيان البيت، ولو "هيثم" عندك، خليه يجي، بيفتشوا في بيته، وأنا واقف مع مراته.
تبدلت تعابيره للقلق والانزعاج، وهتف مرددًا بتلهفٍ:
-على طول هنكون عندك يابا.
اندفع خارجًا من الدكان، وجاذبًا "هيثم" من ذراعه بغتةً، اندهش الأخير من تصرفه الغليظ معه، وسأله وهو يحاول التحرر من قبضته:
-في إيه؟
التفت نحوه، وأجابه بغموضٍ؛ لكن عيناه نطقتا بالكثير من التوقعات:
-اللي كنت خايف منه حصل!!!!
.........................................................
في حالة فوضوية، تُرك الأثاث الخاص بالمنزلين؛ وكأن حربًا اندلعت بالمكانين، بسبب تفتيش أفراد القوة الأمنية الدقيق، بحثًا عن المواد المخدرة المخبأة في أحدهما، كل شيءٍ كان نظيفًا، لا وجود لما يُدين ساكنيه، تحفز "بدير" في وقفته، وقد رأى نظرات الاتهام واضحة في أعين المتواجدين، اتجه إلى الضابط المسئول ليقول له، بضيقٍ كبير، معكوس على تقاسيم وجهه قبل نبرته:
-يا باشا ده أكيد بلاغ كيدي، احنا طول عمرنا ماشيين في السليم، مالناش في شغل الهَبو، ولا البودرة.
رمقه بتلك النظرة المتفحصة، قبل أن ينطق بأسلوبٍ متهكم:
-واحنا بنشوف شغلنا يا حاج.
رد عليه في استياءٍ شديد:
-وأنا معترضش، بس سمعتنا نضيفة، واللي بتعملوه ده يشبهنا.
قال له الضابط بلهجةٍ رسمية:
-يا حاج احنا مش بنتحرك كده عشوائي، في بلاغات وتحريات وآ...
قاطعه "تميم" قائلاً عن ثقة، رغم الحنق البادي عليه:
-براحتك يا باشا، فتش في كل مكان، احنا عارفين نفسنا.
التفت نحوه الضابط، ونظر له بتعالٍ، ليشيح بوجهه بعيدًا عنه، تحرك نحو أعتاب باب المنزل، ورفع رأسه للأعلى ليلمح الكاميرات المعلقة بزوايا الدرج، تساءل عاليًا وهو يشير بيده نحوها:
-الكاميرات دي شغالة؟
من تلقاء نفسه أجاب "بدير":
-أيوه.
رد عليه آمرًا:
-عايز كل تسجيلاتها!
أخفى "تميم" ابتسامة صغيرة، كادت تلوح على زاوية فمه، فما سجلته عدسات الكاميرات سابقًا تم محوه، بأوامر منه للشاب المتخصص في تركيبها، للبت في الأمر بنفسه، تصنع قلة الحيلة، وأجاب وهو يتقدم نحو الضابط:
-مش شغالة يا باشا بقالها كام يوم، وأنا مكلم الواد اللي ركبها يشوف مالها.
غامت عينا الضابط، وعلق عليه بصوتٍ حاد:
-أنا اللي أقرر وأشوف إن كانت شغالة ولا لأ، مش إنت.
رفع كفيه للأعلى في استسلامٍ، وهو يرد:
-خد راحتك يا باشا.
على الجانب وقفت "همسة" مع زوجها، بعد أن هبطت للطابق السفلي، لتمكث في منزل "بدير"، ولاحقته بأسئلتها في خوفٍ لم تسعَ لإخفائه:
-هو في إيه؟ بيعملوا فينا كده ليه؟ هو في حاجة حصلت؟
لم يجبها، وأشار لها بإيماءة من رأسه لتصمت، أطبقت على شفتيها بامتعاضٍ، والتزمت السكوت مرغمة؛ لكن بقي بالها مشغولاً بما يحدث حولها من أمور مُريبة، فالطرقات العنيفة على باب منزلها، وصوت الضابط الشرطي الصارم جعل الرعب يدب في قلبها، ولولا وجود "بدير" لازدادت فزعًا من حضورهم المفاجئ، وغير المرحب به.
...........................................................
لم يتوقف لسانها عن الثرثرة لوالدتها، وتوأمتها، بكل التفاصيل المهمة، وغير الهامة، عن زيارة أفراد الشرطة لمنزلها، ولمنزل عائلة "بدير" صباحًا، لتفتيشهما، وكيف انقضى الأمر على خير، دون وجود سبب فعلي للاتهام الباطل، تنهدت "همسة" في تعبٍ، واختتمت حديثها عن هذا الموضوع، وقالت:
-ده اللي حصل، والمحضر اتحفظ.
ردت عليها والدتها في ارتياحٍ:
-الحمد لله إنها عدت على خير.
أضافت باهتمامٍ، مستخدمة يدها في الإشارة:
-بس أنا برضوه شاكة زي المعلم "تميم" إن الحكاية دي مخرجتش برا حد يعرفوه.
ازدرت ريقها، وقالت بتخوفٍ:
-كلامك يقلق بصراحة.
حركت "همسة" رأسها في اتجاه شقيقتها المتابعة في صمت، وسألتها:
-وإنتي إيه رأيك يا "فيرو"؟
بفتورٍ علقت عليها:
-حاجة متخصنيش.
لم تسترح لتعبيراتها الجامدة، تفرست فيها متسائلة بفضول:
-يا بنتي مالك؟ من ساعة ما اتكتب كتابك، وإنتي مش مبسوطة.
حاولت أن تبتسم قبل أن ترد عليها:
-أنا كويسة، اطمني.
لم تقتنع بجوابها المقتضب، نظراتها الشاردة، عزوفها عن البوح بما يختلج صدرها كان جليًا، أرادت "همسة" الضغط عليها مجددًا، علها تفرج عن مكنونات قلبها؛ لكن منعها من فعل ذلك قرع جرس المنزل، فتساءلت في استغرابٍ قليل:
-مين اللي جايلنا؟
ورغم ذلك أجابت بنفسها على سؤالها:
-ماظنش إنه "هيثم"، قالي وراه مصالح مع ابن خالته.
أومأت والدتها برأسها، وأردفت قائلة:
-تلاقيها مرات خالك.
سخرت معلقة على تطفلها السمج:
-أيوه صحيح، هو في غيرها بيحشر نفسه معانا؟!
زمت "فيروزة" شفتيها، وردت بتعابيرها المتجهمة:
-اللي فيه طبع بقى.
وبخطواتٍ متكاسلة، نهضت "همسة" من على الأريكة، واتجهت إلى باب المنزل، فتحته بابتسامتها المرحة، والتي تلاشت كليًا، فور رؤيتها لآخر من توقعت تواجده بالمكان، حلت أمارات المفاجأة على قسماتها، واتسعت حدقتاها في ذهولٍ كبير، ثم تحركت شفتاها لتنطق باسمها، في صدمةٍ متوترة للغاية:
-"خلود" ......................................... !!!
...............................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم Manal Salem
شكرًا جزيلاً على دعواتكم الطيبة لأخي .. وباعتذر عن تقصيري الفترة اللي فاتت ..
وربنا يشفي كل مريض
الفصل السابع والستون
ظهرت هكذا بجراءة -وبحضورها غير المرحب به- دون ميعاد سابق أمام باب منزلها، اكتسب وجه "همسة" تعابيرًا مصدومة، سريعًا ما تحولت للقلق الممتزج بالانزعاج، لكونها تعلم أن وجودها سيكون مصحوبًا بمشاكلٍ جمة، واربت الباب، وسألتها بلعثمةٍ ظاهرة في نبرتها:
-خير في إيه؟
بوجهٍ غائم، ونظرات تكسوها القتامة ردت عليها "خلود":
-عايزة اتكلم مع أختك.
ظلت "همسة" تسد بجسدها الباب، وممسكة بيدها الأخرى حافته، لتمنعها من رؤية من بالداخل، وقالت لها بلهجةٍ يشوبها التوتر:
-مافيش بينك وبين "فيروزة" حاجة، لو سمحتي آ..
قاطعتها بإصرارٍ عنيد:
-مش إنتي اللي هاتقولي!
ثم استخدمت قوتها الجسدية في إزاحتها عن طريقها، لتقتحم المكان، وصاحت منادية، بصوتٍ أقرب للصراخ:
-"فــــيروزة"!!!!!
خرجت الأخيرة على إثر صوتها المرتفع لتتفاجئ بها تحتل صالة المنزل، رمقتها بتلك النظرة الحادة، قبل أن تسألها بجمودٍ:
-إنتي؟ بتعملي إيه هنا؟
لانت تعابير "خلود"، وغطتها تعاسة مبالغ فيها، لتقول لها بتوسلٍ، مستجدية مشاعرها:
-عشان خاطري رجعيلي جوزي.
تعقدت تعبيراتها بشدة، وسألتها باستنكارٍ واضح:
-جوزك؟ إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟
انحنت للأمام لتمسك بيدها، جذبتها منها بقوةٍ، وادعت محاولتها لتقبيل ظهر كفها، وهتفت بنفس الأسلوب الرخيص في استنزاف عواطفها:
-أبوس إيدك، أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان أخليه يرجعلي...
لكن سريعًا ما لبث أن تحولت نظراتها للإظلام، وملامحها للقساوة، وهي تكمل باقي جملتها:
-وتبعدي عنه!
انتشلت "فيروزة" يدها بأعجوبة منها، تراجعت للخلف لمسافة آمنة، ثم صاحت معترضة على ما قالته:
-وأنا مالي بيه أصلاً؟ إنتو أحرار مع بعض!
استقامت "خلود" في وقفتها، ورمقتها بتلك النظرة الحقودة، قبل أن تنطق بغلٍ شَاب نبرتها:
-هو مش شايف غيرك دلوقتي، إنتي إيه؟ عملاله سحر؟!!!
ردت عليها "همسة" في لهجة مستنكرة:
-مايصحش اللي بتقوليه ده!!
تدخلت "آمنة" في الحوار المحتدم، وقالت:
-عيب يا بنتي الكلام ده، بنتي متربية، مالهاش دعوة لا بجوزك ولا بغيره...
توقفت للحظة لتقترب منها، وأنذرتها:
-وماتنسيش إنك هنا في بيتنا!
التفتت "خلود" لتواجهها، وهدرت:
-لأ، ليها!
ضاقت عينا "فيروزة" في رفضٍ تام لما صرحت به، ورغم صدمتها من وقاحتها الفجة، واتهامها غير المقبول، إلا أنها هتفت تحذرها بلهجةٍ صارمة، مستخدمة سبابتها في الإشارة نحوها:
-مش هاسمحك تقولي كلام زي ده عني، أنا واحدة متجوزة وآ...
قاطعتها "خلود" صارخة بهياجٍ منفعل:
-جوزي بيحبك، وإنتي واقفة في طريق سعادتنا!
تفاجأت من كلماتها المعترفة بحبٍ لا تعلم عنه شيءٍ، وممن؟ من آخر من يمكن أن تربطها به أي علاقة! ورغم هذا خفق قلبها بتوترٍ، حافظت "فيروزة" على جدية تعبيراتها المشدودة، وردت محتجة عليها، رافضة التفكير في احتمالية صدق أقوالها المزعومة:
-إيه؟ بيحبني؟ إنتي أكيد غلطانة!
أصرت على تأكيد حديثها بقولها المتعصب، وشرارات الحقد تتطاير من مقلتيها:
-لأ أنا متأكدة من اللي بأقوله، ده اعترفلي بحبه ليكي، عايزة أكتر من كده إيه؟
كان صوت أنفاسها مختنقًا وهي تسترسل بمرارةٍ وحنق، ملفقة المزيد من الأكاذيب:
-جوزي بيعترف لي وهو نايم على فرشتي، بأنه عاشق لواحدة تانية غير مراته، إيه جبروتك ده؟ شيلي السحر اللي عملاه ليه!!!
كلماتها كانت باعثة على الغضب، والاستياء، زجرتها "فيروزة" بقوةٍ، نافية كل ما اتهمتها به بعصبيةٍ واضحة:
-الكلام ده مش مظبوط، إنتي بتخرفي؟
ودون تحذيرٍ، انقضت عليها "خلود" لتمسك بها من ذراعيها، غرزت أظافرها في لحمها، وهزتها منهما بعنفٍ، وهي تسألها بكل ما يعتريها من غيظٍ وانفعال:
-قوليلي عملتيله إيه عشان يحبك بالشكل؟
بأعجوبةٍ، انتزعت "فيروزة" نفسها من براثنها، ودفعتها بعيدًا عنها، لترد بتشنجٍ:
-إنتي مجنونة؟
عادت لتمسك بها من جديد، وسألتها بنفس الصوت الحانق:
-اشمعنى إنتي يحبك وأنا لأ؟!!!!
رفضت "فيروزة" تجرأها عليها، وهدرت دافعة إياها للخلف لتتخلص منها:
-ابعدي إيدك عني.
رفضت "خلود" تركها، وأصرت على الاعتداء عليها قائلة لها:
-وأنا مش هاسيبك إلا لما ترجعيه ليا...
ثم أطبقت حول عنقها بقبضتيها قاصدة خنقها، غلف نظراتها ظلامًا مهلكًا، وردت بشرٍ عظيم:
-حتى لو كان فيها موتك!
لم تستمر كلاً من "همسة" و"آمنة" في موقف المتفرج كثيرًا، تدخلتا لإبعادها عنها، والفض بينهما، وصوت "فيروزة" يتردد عاليًا:
-إنتي إنسانة مريضة في عقلك، استحالة تكوني طبيعية.
أومأت "خلود" برأسها لتؤكد لها صفات الجنون بها:
-أيوه، وهاقتلك، ومحدش هيحاسبني.
شحذت "فيروزة" كامل قواها الدفاعية، واستخدمتها لتنجو ببدنها منها، فجذبتها من حجاب رأسها للخلف، وعرقلتها بقدمها، لتطرحها أرضًا، ثم جثت فوقها لتثبتها، وهي تضربها بضربات عشوائية، في أماكن متفرقة، أصابتها بالألم، وجعلت مقاومتها لها تضعف، بينما أسرعت "همسة" لإحضار هاتفها المحمول، بحثت عن رقم زوجها، ودون أي مقدمات، استغاثت به فور إجابته على اتصالها:
-ألوو، الحقنا يا "هيثم"، أختك موجودة عند ماما، وماسكة في أختي، هاتقتلها لو مجاتش بسرعة!!!!
....................................................
كالأفعى المنتظرة في جحرها المظلم، مترقبة بتلهفٍ لحظة هجومها على طريدتها، تتبعت "حمدية" خطوات زوجها، بحرصٍ شديد، راقبته من مسافة جيدة، لم تمكنه من رؤيتها؛ لكنها منحتها الأفضلية للحاق به، ادعت تصديقها بسذاجةٍ لكذبه المكشوف بشأن تلك المأمورية الطارئة، أتقنت في تمثيل دورها، وأوهمته أنها اقتنعت بكل ما ملأ به أذنيها، حتى صدق أن خدعته انطلت عليها، خرجت ورائه بعد ذهابه، استأجرت عربة أجرة، وأمرت السائق بالسير ورائه، مقابل المبلغ المادي الذي سيطلبه، استغرقها بضعة ساعات حتى وصل زوجها الخائن إلى وجهته الأخيرة، منطقة شعبية ضيقة، تتجاور فيها العمارات القديمة بشكل لا يترك مساحة كافية لمرور سيارتين معًا.
دفعت للسائق أجرته دون مفاوضة أو اقتطاع، ثم ترجلت من السيارة، وعيناها تلاحقان زوجها، رأته يعرج نحو أحد محال البقالة، انتظرته "حمدية" في مكانها، وتساءلت مع نفسها بصوت خفيض:
-يا ترى مخبي عني إيه تاني يا "خليل"؟!
بعد برهةٍ خرج منه، وقد ابتاع الكثير من الأشياء، في أكياسٍ بدا عاجزًا عن حملها، بسبب وزنها الثقيل، كزت على أسنانها تلعنه بسخطٍ:
-إن ما عملتها ودخلت عليا قبل كده، بشنط كتير زي دي، زي باقي مخاليق ربنا!
ظلت محاصرة في مكانها، إلى أن واصل حركته نحو بناية لم تكن بالبعيدة، اختفى عند مقدمتها، لذا لم تكن متأكدة من ولوجه بداخلها، تحفزت للمضي قدمًا، والتحري عنه من صاحب محل البقالة، وقفت أمامه، وألقت عليه التحية بهدوءٍ عجيب، مغاير لبراكين الغضب المتأججة بها حاليًا:
-سلامو عليكم.
بادلها مالكه الترحيب متسائلاً:
-وعليكم السلام، طلباتك يا حاجّة؟
حدجته بنظرة مغتاظة من نعتها بالسيدة العجوز، فهمهمت بنقمٍ:
-كل ده وحاجّة؟ أعمى البصر بصحيح!!
على ما يبدو لم يفهم ما تفوهت به، فسألها بنبرة رسمية:
-لا مؤاخذة مش سامعك، أجيبلك إيه؟
تصنعت الابتسام، واستطردت متسائلة:
-أنا كنت عايزة أسأل عن الأستاذ "خليل"، اللي كان هنا من شوية.
أتبعت جملتها الأخيرة بإشارة من يدها للخلف، لتشير إلى اتجاه سيره؛ لكنه رد بغلظةٍ، وكأنه يحقق معها:
-إنتي قريبته؟
أجابت بابتسامتها المتكلفة:
-أنا من جيرانه القدام، وبقالنا ياما مشوفناهوش من ساعة ما عزل من حتتنا.
علق بسخافةٍ:
-خلاص روحي اسأليه، أنا مش شغال في الشئون الاجتماعية عشان أشغل بالي بكل من هب ودب!
لم يكن الرجل من النوع الثرثار المتطفل، وظهر هذا بوضوح من خلال أسلوبه الجاف، استشاطت "حمدية" غضبًا من وقاحته، وانعكس ذلك في نظراتها النارية نحوه، ما خفف من وطأة الأمر، قيام إحدى السيدات بالمبادرة بحديثها عنه بما يشبه المدح، من تلقاء نفسها، ودون دعوة لفعل ذلك:
-الأستاذ "خليل" هو في زيه! ونعم الجيرة والله!
ردت عليها تؤمن على كلامها، فأضافت:
-معاكي حق، ده راجل طيب وفي حاله.
دفعت المرأة ثمن ما اشترته، وحثت "حمدية" على التحرك معها خارج محل البقالة، لتثرثر كلتاهما بأريحيةٍ، فعقبت الأولى مسترسلة:
-الحق يتقال ياختي، معمرناش سمعنا عنه حاجة وحشة هو أو مراته!
رفعت "حمدية" حاجبها للأعلى، ورددت باندهاشٍ، صحبه المزيد من الغضب:
-مراته!!!
سألتها المرأة باستغرابٍ، حين لاحظت علامات الصدمة الجلية على محياها:
-هو إنتي متعرفيش إنه اتجوز ولا إيه؟
ادعت جهلها، وقالت:
-لا ياختي، ما أنا بقالي فترة مشوفتوش، بس كان قايل إنه هيخطب.
تأبطت المرأة ذراعها، وواصلت السير المتهادي معها، وهي تخاطبها:
-أهوو ربنا كرمه، واتجوز واحدة سُكرة، تتحط على الجرح يطيب.
بجهدٍ عظيم حافظت على ثبات بسمتها، ودعت لهما كذبًا:
-ربنا يباركله فيها.
استأنفت المرأة حديثها قائلة:
-من يوم ما سكنوا حارتنا، وهما قافلين بابهم على نفسهم، محدش يعرف عنهم حاجة.
علقت ساخرة من جملتها الأخيرة، والتي بدت صحيحة:
-مظبوط.
تنهدت المرأة، ثم زادت في قولها:
-إنتي عارفة، قليل في الزمن ده اللي في حاله.
على مضضٍ نطقت لتُجاريها:
-أيوه.
مصمصت شفتيها، وأثنت أيضًا على طفلته بعفويةٍ:
-ولا بنته، زي العسل، طالعة لأمها، أدب، وجمال، وتربية.
لكن ما لبث أن تبدل صوت المرأة للأسف وهي تغمغم:
-ربنا يعوض عليه بالولد، مراته بتحاول أديلها زمن تجيبله ابن يشيل اسمه.
عقبت باقتضابٍ، ونيران غيرتها وحقدها تزأر بداخلها:
-معلش
أكملت المرأة مضيفة:
-كل شيء بآوان.
ردت، وكأنها تؤيدها:
-أه طبعًا..
ثم لعقت شفتيها، وسألتها مباشرة:
-هو ساكن فين هنا عشان أعدي عليه؟ ما أنا لازمًا أزوره، وأسلم على جماعته.
بتلقائيةٍ أرشدتها إلى عنوانه:
-بيت نمرة 12، اللي هناك ده، الدور التالت، الشقة اللي على اليمين.
ابتسمت "حمدية" لتسهيلها الأمر عليها، وشكرتها:
-كتر خيرك يا حبيبتي، ماتحرمش منك.
قالت المرأة ببساطةٍ:
-على إيه، هو أنا عملت حاجة؟
أقبلت "حمدية" عليها لتحتضنها، وتعمق من روابط الود العجيبة بينها وبين تلك الغريبة التي تجهل حتى اسمها، وقالت بزيفٍ:
-والله قلبي اتفتحلك، ده إنتي وشك سِمح!
ربتت المرأة على كتفها، وأردفت بامتنانٍ:
-القلوب عند بعضها، قوليلي إنتي ساكنة فين بقى؟
راوغتها "حمدية" في جوابها حين عقبت:
-لأ، أنا مش من هنا، ده أنا كنت جاية في زيارة لجماعة قرايبي، وعديت بالصدفة من حارتكم وشوفت "خليل"، قصدي الأستاذ "خليل"، بس حظي حلو إني أشوفك وأتعرف عليكي
ضحكت المرأة، وشكرتها:
-كل ذوقك يا حبيبتي، ده أنا الأسعد ..
اختتمت "حمدية" حديثها معها بوعودٍ كاذبة بلقاءٍ آخر، لتبتعد بعدها عنها، ثم دمدمت بوعيدٍ مرعب، وعيناها تقدحان بحمم حارقة:
-متجوز ومخلف! ماشي يا "خليل"، هاتشوف!!!!!
............................................................
-بالعافية أخوها جابها هنا!
نفخت "بثينة" في إنهاكٍ، بعد أن قالت تلك العبارة، لتنهي سردها تفاصيل ما حدث من ابنتها من تصرفات مليئة بالرعونة لـ "محرز، حيث اقتحمت منزل عائلة "فيروزة"، واشتبكت معها بالأيدي، بعد وابلٍ من الاتهامات المجحفة، وبصعوبة نجحت نساء المنزل في تقييد حركتها، وإفقادها للوعي، مترقبات على أحر من الجمر وصول شقيقها لإخراجها منه، قبل أن ينتهي التشابك العنيف بكارثة دموية أخيرة، لتعود إليها في حالة انهيار تامة، أجبرتها على ابتلاع بعض الأقراص المهدئة لتغفل بعد عناء .. كان ضيفها قد جاء لزيارتها، في وقت مبكرٍ، وعلى غير العادة، متعللاً بحجج واهية، لتبدو شاهدة على تواجده، إن حدث ما لم يتوقعه، وخرجت الأمور عن السيطرة، خاصة بعد قتله لـ "نوح"، صرف عن ذهنه مشهد موته، وأصغى باهتمامٍ لها، ثم علق معترضًا على طيشها:
-معلش، ما هي بردك مش تصرفات ناس عاقلين.
ردت عليه في حدةٍ:
-وهو المعدول خلى فيها عقل؟ داهية تاخده مطرح ما هو قاعد.
قال مبتسمًا ببرود:
-يا رب.
ثم أكمل تناول قهوته السادة، في هدوءٍ؛ وكأنه لم يقترف ما يجعل الولدان شيبًا، انتفاضة دبت في جسده، وقد سمع طرقًا عنيفًا عليه، ترك فنجانه، وشيع بنظراته "بثينة" التي اتجهت إليه لتفتحه، وصوتها اللائم يرن في جنبات الصالة:
-بالراحة يا اللي بتخبط، إيه هتهد الباب على دماغنا؟!
نظرات السخط والكراهية احتلت وجهها، عندما رأت "تميم" يقف قبالتها، في حالة تحفزٍ، وغضب مكتوم، وبكل برودٍ سألته:
-خير؟
تخلى عن أسلوب الوقار المصحوب باللين في التعامل معها، ودفعها ليدخل، وصوته المزمجر يسألها:
-بنتك فين؟
تعلقت خالته بذراعه لتبطئ من حركته، وهدرت به:
-اقف هنا وكلمني؟ عايز من "خلود" إيه؟
رمقها بنظرة لا تبشر بأي خيرٍ، وقال بوقاحةٍ:
-كلامي معاها مش معاكي.
هتفت محتجة بشراسةٍ:
-وأنا أمها يا ادلعدي!
في البداية لم يلمح "تميم" زوج شقيقته، حيث كان متواريًا في ظهر الأريكة العريض، استجمع الأخير شجاعته، ونهض من مكانه، ليظهر على مرمى بصره مُلطفًا بسماجته المعتادة:
-ما تصلوا على النبي يا جماعة.
ردت "بثينة" بامتعاضٍ، وهي تسد بجسدها الطريق على زوج ابنتها السابق:
-عليه الصلاة والسلام.
اعتلت الدهشة تعابير وجهه المشدودة؛ لكنها تلاشت سريعًا، ليسود الوجوم على قسماته وهو يسأله:
-"محرز"! بتعمل إيه هنا؟
عمدت خالته لصرف انتباهه عنه، وهتفت فيه بحدةٍ، وهي تلوح بيدها:
-ملكش دعوة بيه.
تركزت عينا "تميم" بالكامل عليه، فنفذت إليه؛ وكأنها تعريه من كافة الأقنعة، ثم علق بشكٍ واضح:
-أصلها غريبة إنك تكون هنا، وغايب عن الدكان!!
بلع "محرز" ريقه، وقد شعرت بالتخبط من نظراته المستريبة، واستنكر بعبوسٍ مفتعل:
-هو ممنوع أزور الجماعة ولا إيه؟
أجابه بوجهه الغائم، قاصدًا بث الخوف في نفسه الأمارة بالسوء:
-لأ مش ممنوع، بس أحوالك مش مريحاني، فيك حاجة مش فاهمها.
حاول أن يبدو مستقيمًا في وقفته خلال مجابهته، ورد بهدوءٍ، لم يكن مقنعًا:
-أنا زي ما أنا يا معلم، وبعدين الحاجّة كانت قصادني في الخير، وأنا الصراحة مقدرش اتأخر عنها.
أضافت عليه "بثينة" لتشد من أزره، فلا يظهر بمظهر الضعف أو التردد قصاده:
-ربنا يكرمك يا "محرز" يا ابني، ما هو أنا معنديش رجالة يقفوا في ضهري، ابني مراته بلفاه في عبها، متعرفش تاخد منه لا حق ولا باطل، أروح للغريب يعني؟
لم يحد "تميم" بنظراته القاسية عن وجهه، واقتضب معهما مرددًا بنبرة غير مبالية:
-براحتكم!
ضبط "محرز" طرفي ياقة جلبابه، وأطرق رأسه مخاطبًا مضيفته:
-طيب استأذن أنا، ولو احتاجتي أيتها حاجة كلمني على طول يا ست الكل.
ربتت على جانب ذراعه تشكره بامتنانٍ، متعمدة استفزاز ابن شقيقتها:
-تسلملي يا ابن الأصول! يا غالي!
لوح بيده، وهو يمرق سريعًا من أمام "تميم"، هاتفًا بأنفاس مضطربة:
-سلامو عليكم!
أوجز في رده إليه؛ وكأنه لا يستحقه:
-وعليكم..
ثم استدار برأسه في اتجاه خالته يأمرها بلهجة حاسمة:
-خشي نادي بنتك من جوا، ده لو عايزة اليوم يعدي على خير.
لم يكن بالمازح في تهديده، ازدردت ريقها، وضمت شفتيها في غيظٍ مكبوت، لم تعقب عليه، أو تجادله، بل انصرفت هاربة من نظراته النارية، لتذهب إلى غرفة ابنتها الغافلة، حتى تحثها على الاستفاقة، وكلها يقين أنها لن تتوانى عن النهوض من أجله.
.........................................................
أمنية حالمة، شكَّلها لا وعيها، فغابت في تفاصيلها الوردية، وعايشت ما تضمنته من لحظات رومانسية عميقة، مليئة بالجموح والرغبة، سعادة مزيفة؛ لكنها مزيلة بالآمال والأطماع، انتهت فجأة بهزة عنيفة اجتاحت جسدها، وانتشلتها رغمًا عنها من أحضانه الدافئة، لتعيدها إلى واقعها المؤلم، أفاقت "خلود" من غفوتها على صوت والدتها المتكدر، كادت أن تفرغ غضبها عليها، لولا أن أخبرتها بوجوده الفعلي، تبددت الانفعالات الثائرة، بمشاعرٍ متلهفة، مشتاقة، تواقة إليه، هبت ناهضة من فراشها، وشددت على والدتها عدم التدخل بينهما، مهما اشتد الجدال، تحركت سريعًا، غير عابئة بمظهرها، وركضت نحو الخارج لتلتقيه .. وبنظراتٍ والهة تطلعت إلى وجهه، تأملته مطولاً، وتقدمت نحوه متسائلة، بصدرٍ ينهج:
-"تميم"! إنت هنا؟
اقتربت أكثر منه، لم تهتم بأمارات الحنق الظاهرة عليه، ورفعت يدها لتتلمس وجهه وهي تقول بابتسامة متسعة في سعادةٍ:
-أنا مش مصدقة إنك موجود، افتكرت نفسي بأحلم ...
وبكل جراءة ألقت بنفسها في أحضانه، محاولة الالتصاق به، أغمضت عينيها قائلة بتنهيدة اشتياقٍ:
-حبيبي، إنت رجعتلي، أنا بأحبك.
بغلظةٍ أبعدها عن صدره، ودفعها للخلف، فكادت تُطرح على ظهرها؛ لكنها تمالك نفسها، كان رافضًا اقترابها غير الجائز منه، ولو بدافع الشفقة، سلط نظراته القاتمة عليها، وهدر بخشونةٍ:
-هو سؤال واحد وعايز أعرف إجابته منك.
لم تنصدم من إقصائه لها، أبدت استعدادها التام لتحمل جفائه، ظلت ابتسامتها المتسعة مرسومة على محياها وهي ترد:
-أنا كلي ليك يا حبيبي.
لم يرف له جفن، وقست ملامحه أكثر، عندما سألها:
-روحتي عندها ليه؟
تجاهلت سؤاله، ولم تكترث لرنة الغضب المغلفة لصوته، بل تقدمت من جديد نحوه، وعاودت الكرة، ورفعت يدها متلمسة بأناملها ذقنه النابتة، تحسستها وهي تتنهد قائلة، ونظراتها تحوم على قسماته:
-يـــاه، إنت وحشتني أوي
بقسوةٍ أزاح يدها عنه، وتجاهل بوحها بمشاعرها، ليرد متسائلاً بلهجته الصارمة المليئة بالحنق الشديد:
-كنتي عند "فيروزة" ليه؟
استفزها ترديد لسانه لاسمها، فتبدل هدوئها الناعم لعاصفة غاضبة، وصرخت في وجهه:
-برضوه بتنطق باسمها قدامي؟ ليه عايز تعذبني؟ إنت بتتبسط لما بتشوفني كده؟
رد عليها بنبرته المرتفعة:
-بطلي أوهامك دي، وجاوبي على السؤال، ليه روحتيلها؟
أجابت ببساطةٍ، ونظراتها عليه:
-عشان أرجعك لحضني.
عنفها بغيظٍ:
-وتقوليلها كلام محصلش؟
هزت كتفيها قائلة بأنفاسٍ هادرة:
-مش فارق معايا، أنا مستعدة أسف التراب، وأذلل نفسي ليها أو لغيرها، المهم تكون ليا في النهاية، وترجع لحضني، أنا بأحبك يا "تميم".
نظر لها بازدراء، وصاح بنبرة متصلبة:
-مهما عملتي يا "خلود"، استحالة نكون سوا، اللي بينا انتهى خلاص
ردت عليه بعنادٍ، وبصوتها الصارخ:
-لأ مانتهاش يا "تميم"، إنت جوزي، وأبو عيالي.
سدد لها نظرة احتقارٍ، قبل أن ينطق بوجهه المتجهم:
-كنت.. يا بنت خالتي..
ثم أشار بإصبعه يحذرها بلهجة قوية:
-ولآخر مرة بأقولك إياكي تقربي من "فيروزة"، لأني ساعتها هاخش فيكي اللومان!!!!
تغاضت عن ذكره لاسمها، حين رأته يدير ظهره، ويستعد للذهاب، هرولت ركضًا نحوه، وحاوطته من الخلف، لتحتضنه، اختنق صوتها وهي ترجوه:
-استنى! رايح فين؟ ماتسبنيش، أنا مصدقت إنك هنا.
من جديد انتزع قبضتيها عنه، وقال في سأمٍ واضح:
-كلامي معاكي مالوش أي فايدة، بأدن في مالطة!!!
رفضت تركه، والتصقت كالعلقة بذراعه، مما جعله يسحبها خلفه، اخترق صوتها المستفز أذنه وهي تردد على مسامعه عباراتها المستهلكة:
-إنت لسه بتحبني، كفاية قساوة عليا.
استل ذراعه منها، ودفعها بعنفٍ بعيدًا عنه، ولسانه ينطق باستياءٍ:
-أعقلي بدل ما أحطك بنفسي في السرايا الصفرا!
فتح الباب، واندفع خارجًا من منزلها، ليصفقه بعصبيةٍ من ورائه، ارتمت "خلود" على الكتلة الخشبية وهي تنتحب في إحباطٍ حزين، انهارت جالسة على الأرضية، لتجد والدتها تنظر إليها بسخطٍ، لم تتأثر ملامحها وهي ترجوها:
-ماتخليهوش يمشي يامه.
تجمدت "بثينة" في مكانها، تراقبها بعينين حاقدتين، تعكسان غلاً يتعاظم يوميًا بداخلها تجــاه "تميم"، بسبب ما يفعله في ابنتها الرافضة لتصديق أنهما ليسا معًا.
...........................................................
خلوة جديدة، انفرد بها مع نفسه، عند تلك الكتل الصخرية، حيث تتحطم من أسفلها، أمواج البحر العاتية، فهناك المتنفس الوحيد لكل ما يعتريه من مشاعر، يأبى تحريرها بسهولة، خرج من صدره زفيرًا بطيئًا، محملاً بالهموم والأثقال، وكلام "هيثم" يصدح في رأسه، عن ادعاء شقيقته بحبه الشغوف بـ "فيروزة"، لم تكذب حين أخبرتها –وسط دوامة غضبها الأعمى- بمشاعره المقدسة ناحيتها، واستثيرت أعصابه لاستباحة ما يخصه علنًا، ما أزعجه حقًا، أنه تمنى لو امتلك من الشجاعة، القدر الكافي، لينطق شخصيًا باعترافه، وأمامها، وليس على لسان غيره، بذلك الأسلوب الرخيص، ألقى "تميم" بحصوة صغيرة ابتلعتها المياه في لمح البصر، متخيلاً أنه مثلها، غارقًا في قساوة الحياة، وهو يلوم نفسه:
-يا ترى هاتقول عني إيه بعد ما عرفت منها الحقيقة؟
توقع ألا تطيق النظر في وجهه مطلقًا، أن تزدريه، وتستحقره، وترفض حتى ملاقاته مصادفةً في عرض الطريق، زفير آخر تعيس لحق بما سبقه، قبل أن يدمدم في حزنٍ:
-ليه كده يا "خلود"؟ ضيعتي مني حتى حلمي المستحيل!
.......................................................
استلت نفسها من أحضــان والدتها، لتنظر إليها بعينين تلمعان بعبراتٍ كثيفة، قاتلت لمنعها من الانسياب؛ لكنها طفت على أهدابها، وعلى عكسها انخرطت "آمنة" في بكاءٍ مؤلم، لتوديعها ابنتها عند المطار، وتساءلت بنشيجٍ:
-الوقت أوام كده عدى؟
خنقت "فيروزة" غصتها، وردت بابتسامةٍ، سعت لتكون مشرقة:
-غصب عني والله يا ماما إني أمشي، بس متقلقيش، أنا راجعة تاني.
جذبتها أمها لحضنها من جديد، شددت من ضمها لها، وهي تمسح على ظهرها، ثم أردفت قائلة:
-هتوحشيني أوي يا "فيروزة".
رغبت بشدة أن تظل هكذا، تحتويها أحضانها الحانية، بدلاً من الغربة التي تنتظرها؛ لكنها باتت الخيار الأمثل، لتهرب من كل التهديدات المدمرة لبقايا أطلال سلامها النفسي، والوجداني، تنفست ببطءٍ، ثم همست بنبرة أظهرت حبها الغريزي لوالدتها:
-وإنتي أكتر يا ماما.
ابتعدت عنها والدتها، وسألتها بصوتها الباكي:
-مكانش ينفع تفضلي شوية.
كانت صادقة حين أخبرتها بنبرة ذات مغزى:
-كده أحسن للكل.
تفهمت توأمتها رغبتها في الابتعاد عن محيط المشاكل المحاصرة بها، وآخرها اتهام "خلود" لها، بتورطها في تخريب علاقتها بزوجها السابق، لم تجد "همسة" من الكلمات ما تنطق به، دون أن تهطل دموعها، فالتزمت الصمت، مدعية الابتسام، وركزت عينيها مع صوتها القائل:
-وبعدين ما أنا هاكلمكم كل يوم، وكل شوية، لحد ما تزهقي مني.
عاتبتها "آمنة" برقةٍ:
-وحد يزهق من ضناه؟
توسلتهما "همسة" بعبوسٍ:
-كفاية بقى عشان هاعيط منكم.
وضعت "فيروزة" يدها على كتف توأمتها، وشجعتها بضحكة مبتورة:
-لأ اجمدوا كده.
مسحت "همسة" عبراتها المتسللة من طرفيها، وتساءلت:
-هو "آسر" عارف ميعاد وصولك؟
أجابتها "فيروزة" بإيماءة من رأسها.
-أيوه، وهيقابلني أول ما أنزل من الطيارة.
أكدت عليها والدتها بعينيها التعيستين:
-كلمينا يا "فيروزة" عشان نطمن عليكي.
حافظت على ثبات بسمتها المهزوزة، وهي ترد:
-حاضر يا ماما.
ثم مالت عليها، واحتضنتها لمرة أخيرة، لتقول بعدها، بابتسامةٍ أرادت أن تظل آخر ما يلمحاه في وجهها:
-هاسيبكم بقى، عشان يدوب ألحق أخلص الإجراءات جوا.
مسحت والدتها على وجنتها بنعومةٍ، ودعت لها بتضرعٍ:
-ربنا يحفظك يا حبيبتي، ويسلمك من كل شر.
-يا رب
ثم أضافت مختتمة حديثها معها:
-لا إله إلا الله.
ردت والدتها ببكاء مرير:
-محمد رسول الله!
رجتها "فيروزة" بصوتٍ متأرجح بين الضعف والجدية:
-عشان خاطري كفاية.
بررت لها صعوبة تماسكها، فقالت:
-غصب عني يا حبيبتي.
داعبتها بكلماتٍ لطيفة قاصدة تهوين الأمر عليها، قبل أن تجر حقيبة سفرها خلفها، وتختفي بداخل بوابة المطار، وضعت "همسة" ذراعها على كتفي والدتها لتحتضنها، وهتفت بابتسامةٍ منقوصة:
-أنا متفائلة خير يا ماما.
لم تنظر "آمنة" في اتجاهها، وظل بصرها متعلقًا بطيفها الذي رحل، وهي ترد:
-أنا لأ، قلبي مقبوض.. أول مرة بنتي تبعد عني المسافة دي كلها، يا ريتها كانت ساكنة هنا، ده بينا بلاد!
-إن شاءالله هترجعلنا قريب.
-يا رب.
انضم إليهما "هيثم" متسائلاً، بعد أن ترك لثلاثتهن مساحة من الخصوصية للحديث بأريحية، دون أن يتطفل عليهم:
-ها يا جماعة خلاص سلمتوا عليها واطمنتوا؟
ردت عليه "همسة" بهزة خفيفة من رأسها:
-أيوه.
أشــار بيده نحو موقف السيارات، وأضاف:
-طيب يالا بينا عشان ألحق أوصلكم، قبل ما أطلع على الدكان.
.......................................................
لحظات تمنى أن تنقضي سريعًا، حتى لا يقتله هذا الشعور المُهلك بالفقد، بذل المستحيل ليلتهي عن التفكير فيها؛ لكن كل خلية فيه تعي جيدًا أنها راحلة اليوم، وما أقساه من إحساسٍ تعاني فيه وحدك –وبجميع جوارحك- من ألم الفراق، دون أن يعلم الطرف الآخر عن عذابك شيء! تحولت الأرقام في عينيه إلى سرابٍ، تداخلت البيانات، وتلاشت قدرته على تفسير ما احتوته الأوراق، توقف "تميم" عن المطالعة، وحملق بشرودٍ –وبعينين تحبسان الدمع فيهما- في الفراغ المعتم أمامه، بعد أن أطفأ المصباح، لم يرغب في رؤية أحدهم لدموعه العزيزة، التي دومًا ترفض الانصياع له، وتبوح بما يعجز اللسان عن قوله، وفي غمرة كل هذا، لم ينتبه للمتربص به في الظلام، جاء خلسة بعد انصــراف جميع العمال ليراقبه، منتظرًا بحقدٍ اللحظة المناسبة لقطع رأسه، والتخلص للأبد من تهديده الواضح.
وبخطواتٍ متسللة، ســار "محرز" على أطراف أصابعه في اتجاهه، بعد أن أخفى وجهه بوشاحٍ أسود، فيما عدا عينيه، استمر في تقدمه الحذر نحوه، رافعًا تلك العصا الغليظة للأعلى، بكلتا قبضتيه، ليضربه بها على رأسه، قاصدًا تهشيم جمجمته، في اللحظة التي هوى بها عليه، تحرك "تميم" من تلقاء نفسه، بضعة سنتيمترات للجانب، غير مدرك للشيطان المتواجد حوله، لتهبط العصا على كتفه، بدلاً من رأسه، فأصابه بإصابة مؤلمة، جعلته يصرخ من شدة الوجع المباغت، التفت مقاومًا آنات ألمه، فتلقى ضربة أخرى على جبهته، أحدثت شرخًا نازفًا فيها، وطرحته أرضًا، مستلقيًا على ظهره، ومع ذلك جاهد لمقاومة المعتدي، مُغالبًا كل آلامه، استطاع أن يقف على قدميه، وهو يصيح به، بتوعدٍ؛ وكأنه الفائز في تلك المشاجرة المفاجأة، وغير المرتبة:
-فاكر نفسك غلتني؟ ده أنا هوريك!
اتخذ "تميم" موقفًا هجوميًا؛ لكن ضربة عنيفة مباغتة أصابته في معدته، من آخرٍ ظهر من العدم من خلفه، فـ "محرز" لم يأتِ بمفرده، استعان بأعوانه من حلفاء الشر، ومع هذا تصدى له "تميم"، تاركًا الشعور بالألم للضعفاء، وانتزع العصا من يد مهاجمه، وضربه بشراسةٍ بها، أحاط به ثلاثة آخرين، فاستدار في مكانه محاولاً التعرف على ملامحهم وسط تلك العتمة، وهدر بهم يلعنهم، بشجاعة منقطعة النظير:
-يا ولاد الـ ......، مش "تميم سلطان" اللي يكش ويخاف من شوية (...)!
وبالرغم من الصحوة التي دفعت الأدرينالين في عروقه، إلا أن كثرة المعتدين عليه، من زوايا متفرقة، جعلت كفة الميزان ترجح لصالحهم، فأصبحت الغلبة لهم، وتدحرج أرضًا مستقبلاً المزيد من الضربات المحطمة للضلوع، والكاسرة للعظام. شيئًا واحدًا فقط أبصرته عيناه رغم الغمامة التي اندفعت زاحفة إلى عقله، لتحجب الرؤية عنه، حين كان المعتدي الأول عليه جاثيًا على ركبته بالقرب منه، ليتأكد من هلاكه؛ حرقًا مميزًا يشبه الثقب، يحتل خياطة الجيب الأمامي لجلبابه، جعله يتعرف إليه، ويدرك حرفيًا أن وراء هذا القناع، شخصية نجسة، خائنة، لا أمان لها مطلقًا، وليؤكد له أنه قد علم هويته، همس "تميم" باسمه بأنفاسٍ واهنة:
-"مــ.. محرز"!
رأى عينيه تتسعان بغتةً في صدمة، قبل أن ينتفض مبتعدًا عنه، حتى وهو في حالته غير الواعية يهابه؛ كان آخر ما لمحه "تميم"، واشتم أنفه رائحته أيضًا، سكب هؤلاء الأوغاد للكروسين بأركان الدكان، الملاعين يريدون إحراق جسده حيًا! تفقه ذهنه المتأرجح بين اليقظة والهذيان لتصرفاتهم، من خلال الجلبة والصياح الآمر:
-عايزكم تجيبوا عاليه واطيه، يبقى كوم تراب!
عجز عن إجبار أطرافه المتآذية بشدة على التحرك، استسلم مرغمًا للسواد الذي تغلغل وانتشر في عقله، ليكون آخر ما احتل مخيلته لمحةً من ماضٍ بعيد، جمعته آنذاك بها ............................................. !!!
...............................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم Manal Salem
الفصل الثامن والستون
القلب، ليس فقط موطنًا لشخص عزيز، وإنما منبعًا لكل ما هو نفيس، من مشاعر وأحاسيس، يحيا بهم الكيان، ولأنها تدخر تلك المكنونات الغالية لشخص بعينه، يستحق ما احتفظ به القلب طوال تلك السنوات، توهمت أنها ستمنح كنز مشاعرها المرهف لمن أصبح زوجها، رغم ما يعتريها من قلق وخوف. وحيدةٌ في مقعد ثلاثي، استقرت عليه "فيروزة" بجوار النافذة، صامتة، يشوب ملامحها الشرود، فبعد أن أنهت الإجراءات الخاصة بسفرها، صعدت على متن الطائرة، وشعورها بالريبة يتضاعف بداخلها.
قاومت طوال الأيام الماضية التفكير فيما أعلنت عنه "خلود" خلال نوبة غضبها، عن حبٍ بدأ وانقضى بعيدًا عنها، تحولت السحب من حولها لما يشبه شاشة العرض السينمائية، تعرض لقطاتٍ قصيرة، تُذكرها بمشاهدٍ جمعتها مع آخر من ظنت أن قلبه دق لأجلها؛ اتهامات متبادلة بسبب عملها الذي لا شـأن له به، صفعة قاسية منها أمام دكانه، وعيدٌ برد الاعتبار، واستعادة الكرامة المنتهكة، حفل خطبة لتوأمتها وجدال عند عتبة مطبخها، مناوشات كلامية دارت بينهما في المطعم، مصادفة عابرة في الطريق ليلة الاحتفال بميلاد رفيقتها، لقاءاتٌ غير مرتبة في محل بيع الهدايا، دفاعه عن شقيقتها في المشفى، وتهذيبه لزوجته للسانها السليط، إصراره على التواجد في محيطها كلما سنحت له الفرصة بذلك، دعمه غير المشروط لها في مأزقها الأخير، حين كاد يزج بها في السجن، بتهمة لا تمت لها بصلة، وقبل كل هذا ذكرى حادث الطفولى المأساوي.
كان رغم الكراهية المبررة منها نحوه شهمًا معها، محافظًا على حدود علاقته به، لم يمسها بسوء، دومًا متواجدًا عندما تحتاج إليه، والآن اكتملت قطعة اللغز الناقصة، كان ولا يزال يفعل ما يفعله .. لأنه فقط أحبها، في غفلة منها، وبدون علمها .. لم يكذب ذاك الصوت الصارخ بداخلها، عندما أشعرها أن اهتمامه بها لا يرجع لرجولة متأصلة به، وإنما لمشاعر غالية يكنها القلب لها.
بات عسيرًا عليها الآن الاستمرار في التفكير في أمره، وعيناها تقاتلان للاحتفاظ بدموعها في محجريهما، لم تعرف "فيروزة" لماذا تبكي! كان عليها أن تشعر بالفخر لكونها –كأنثى- باتت محط أنظار الجنس الآخر، حازت على اهتمام أحدهم؛ لكنها بدت أكثر تعاسة عن ذي قبل، وجاهدت لتبتعد كليًا عما يمكن أن يعرضها لمواجهة معه، لترحل كما خططت؛ وإن ملأ الأسى قلبها، عقدت العزم على أن تصنع سعادتها بنفسها، وأوهمت عقلها أنها قادرة على ذلك، اختفت شجاعتها اللحظية، وتبددت دفعة واحدة، كما اجتاحتها رعشة باردة تغلغل بقوة في أطرافها، عندما سمعت صوت المذياع الداخلي ينطق:
-برجاء الجلوس في أماكنكم، وربط الأحزمة، استعدادًا للإقلاع، الكابتن وجميع أفراد طاقم الطائرة يتمنون لكم رحلة جوية سعيدة وآمنة.
زاد إحساسها بالرهبة، وكان هذا أكثر ما يُربكها، ألا تعلم ما تخبئه الحياة لها، لاكت في جوفها علكةً لتخفف به وطأة تغيير الضغط عليها، ودعت الله في نفسها:
-استرها يا رب معايا في اللي جاي..
خبا صوتها الداخلي وهي تنهي حديث نفسها الصامت:
-مش هاقدر استحمل أذية تانية.
.....................................................
بحرفية قائدٍ خبير، انحرف بشاحنته الكبيرة عند ناصية الشارع غير المعبد، فحجمها الضخم لا يسمح بمرورها بين المباني القديمة المتجاورة، ليقترب من الدكان، فأبطأ من سرعتها بالقرب من تلك المساحة الخالية المسموح له فيها بالاصطفاف، دون أن يعيق حركة المارة، ليصدح صوت زئير المكابح المزعج عاليًا، ويرن صداه في الأجواء الهادئة. أوقف "سراج" تشغيل المحرك، والتفت إلى الحاج "عوف" الجالس في مقعد الراكب بجواره، واستطرد يقول له، بوجهه المتجهمٍ، وعلامات العناد تنعكس في نظراته كذلك:
-لا مؤاخذة يا عم الحاج، أنا مش جاي معاك المشوار ده.
استدار الأخير نحوه، ورجاه بصوته الهادئ:
-يا ابني متعقدش الأمور، مش النفوس خلاص هديت؟
رد عليه بامتعاضةٍ ظاهرة على محياه:
-الكلام ده صوري يا حاج "عوف"، فض مجالس يعني، وإنت وأنا عارفين ده كويس، مافيش حد بيتصافي!!
سأله مستفهمًا، وقد أدرك أنه ما زال على موقفه العدائي نحوه:
-هو "تميم" ضرك في حاجة من وقت ما اتصالحتوا؟
أجابه بصدقٍ، رغم رنة الانزعاج المحسوسة في صوته:
-الشهادة لله لأ، ملتزم باتفاقه، وحق البضاعة بالكامل بيوصل قبل ما يستلمها حتى.
ابتسم الحاج "عوف" وهو يُصر عليه، عله يتخلى عن عناده، ويقنعه:
-طيب، فيها إيه لما تيجي معايا، ونظهر حسن النوايا؟
أبقى على رفضه معتذرًا منه:
-إنت عارف يا حاج إني مابحبش أكسرلك كلمة، بس اعفيني أنا..
نظر له "عوف" بأسفٍ، فأكمل "سراج" بنوعٍ من العتاب اللطيف:
-وبعدين لو كنت قولتلي من الأول إنك جاي عنده، مكونتش جيت معاك منطقته، ووفرت على نفسنا الإحراج ده.
سحب الأول عصاه التي يتكئ عليها، واستعد للترجل من الشاحنة مغمغمًا بيأسٍ:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يهدي النفوس.
استقام واقفًا بعد هبوطه منها، وأغلق الباب خلفه، ثم رفع أنظاره إليه ليردف بعدها:
-عمومًا أنا مش هتأخر عليك، هسلمه فلوس التوريد، وراجعلك، عشان نلحق نطلع مشوارنا.
هز رأسه في تفهمٍ، وهو يريح ذراعه على المقود، ليقول بوجه جامد:
-ماشي يا حاج.
...............................................
سار بخطواتٍ متمهلة، في الزقاق المختصر، والمؤدي إلى دكان عائلة "سلطان"، متوقعًا تواجد "تميم" بالخارج، في انتظاره، كما اتفق معه في مكالمة هاتفية قبل ساعةٍ تقريبًا، تسمر "عوف" في مكانه مصدومًا، وقد رأى اثنين من الغرباء يحومان حول المكان بشكل يبعث على الاسترابة، بسبب الأوشحة التي تخفي معالم وجهيهما، ضاقت عيناه بشكٍ كبير، حينما وجد أحدهما يسكب سائلاً غريبًا على واجهات الدكان، فهدر بصوتٍ أجش:
-إنت بتعمل إيه؟
التفت الملثم نحوه بشكلٍ مفاجئ، وحالة من الارتباك المختلط بالفزع تسيطر عليه، وكأنه يخشى التعرف عليه، بسبب تواجده غير الموضوع في الحسبان، هرع الوضيع يركض فرارًا منه؛ لكنه ألقى بقداحته على السائل المسكوب، لتنتفض ألسنة النيران كالحمم، بعد ملامسة شرارتها له، صــاح "عوف" لاعنًا إياه بغضبٍ شديد:
-يا ابن الـ ......! الله يخرب بيوتكم!
هرول في اتجاه باب الدكان الذي تحول لكتلة من اللهب المستعر، وصراخه المذعور يهدر في أركان المنطقة الشعبية:
-حريقة يا نـــــــاس! دكـــان الحاج "سلطان" بيولع!
لم تسعفه سنوات عمره المتقدمة، في التصرف كالشباب في خفتهم وسرعتهم، لذا كانت وسيلته المتاحة الصيـــاح الهادر، جلبة سريعة انتشرت بأرجاء المنطقة، مصحوبة بأصوات صراخ فزع للنســاء، حاول "عوف" اختراق ألسنة النيران الحارقة، والمرور للداخل، حين رأى جسد "تميم" مسجي على الأرضية، وربما فاقد لوعيه؛ لكنه عجز عن تنفيذ هذا، فواصل صياحه المستغيث:
-الحقوا المعلم "تميم"، ده محبوس جوا دكانه! انجــــدوه يا رجالة!
وفي غمضة عينٍ ازدحم المكان بعشرات المواطنين ممن هبوا لإطفاء الحريق، باستخدام الدِلاء، أو الرمل، أي شيء يمكن أن يخمد النيران الجائعة .. أكثر ما كان يخشاه "عوف" وسط تلك الفوضى المخيفة! هو احتمالية خسارة "تميم" لحياته، جراء فعلة خبيثة لأحد شياطين الإنس، وقبل أن تسود النهايات السيئة في رأسه، لمح "ســراج" وهو يضع تلك البطانية -والتي أغرقها بدلوٍ مملوء بالمياه- فوق كامل جسده، لتغطيه، وتحجب عنه الألسنة الحارقة والتواقة لإشباعها، اندفع دون ترددٍ وسط النيران، ملقيًا بنفسه داخل الدكان، رغم امتلاء جسده وضخامته، لم يظهر عليه الخوف، وأبدى استعداده التام لإنقاذه رغم الصراعات الدموية بينهما، في حين شرع من بالخارج في إخماد النيران التي تقاتل لتبلغ عنان السماء.
.....................................................
جثا على ركبته أمامه، وسعل باختناقٍ، وحشرجة مؤلمة، وهو يكمم أنفه، ليمنع رئتيه من استنشاق المزيد من الدخان الخانق، طقطقات الخشب المحترق أنذرته بانهيارٍ وشيك، لهذا وجب التصرف على قدرٍ من السرعة والحذر، أحنى "سراج" جزعه على جسد "تميم"، رأى علامات الضرب الموحشة تاركة آثارها عليه، أدرك أنها لم تكن مشاجرة متوازنة القوى تلك التي خاضها حتمًا بمفرده، اقترب برأسه من وجهه ليهتف به وهو يهزه:
-"تمــيم"! سامعني؟!
حاول استراق السمع لصوتٍ ربما شق طريقه إليه؛ لكن لا استجابة حيوية منه، تدل على بقائه على قيد الحياة من عدمه، ومع هذا حسم أمره بإخراجه من هنا مهما تكلف الأمر، رفع ثقل جسده بذراعيه، ثم استدار ليمدده على ظهره، ومرر ذراعيه المرتخيتان من حول عنقه، ليتمكن من رفعه للأعلى، ثم ألقى بالبطانية فوقهما، كوسيلة حماية ضرورية أثناء تحركهما للخــارج، استقــام "سراج" واقفًا، ونظر في اتجاه باب الدكان، صوتًا ضعيفًا نما إلى مسامعه هامسًا:
-"فـ...فيروزة"!
تجمد مشدوهًا للحظةٍ في مكانه، وتساءل:
-"تميم"! إنت فايق؟
لم يجبه، فظن أنها ربما تكون هلوسة ما جراء ما تعرض له، واصل سيره الحذر تجاه الباب، متحاشيًا الكتل الخشبية التي تتساقط بغتةً فوق الرؤوس، توقف "سراج" مرة أخرى، وقد سمعه ينطق بصوتٍ بدا واضحًا له:
-"مــ..".. "محرز"!
هتف متسائلاً في استغرابٍ:
-"محرز"؟ ماله؟ موجود جوا ولا إيه؟
كرر عليه اسمه بصعوبةٍ وضعف:
-"مـ..حرز"!
تغاضى "سراج" مؤقتًا عن الإنصات إليه، وركز حواسه مع الصراخ الآتي من الخارج، حيث بات مدخل الدكان –إلى حد ما- مهيئًا لخروجهما بعد مساعدة أهل المنطقة، وما إن اقتربا منه، حتى تشجع اثنان آخران لمعاونتهما .. بعد لحظاتٍ كان الجميع خارج الدكان المحترق، تمدد "تميم" على الأرضية المغبرة، وانحنى عليه "عوف" ليتفقد أنفاسه، وقلبه يدق في خوفٍ وارتعاب، ما إن شعر بحركة ضئيلة لصدره، مع هواء ضعيف يخرج من جوفه حتى هلل مكبرًا:
-الله أكبر، لسه فيه النفس.
وبصوتٍ لاهث هتف "سراج" مشيرًا نحو الدكان:
-كان بينادي على "محرز"، مش عارف إن كان جوا ولا لأ.
صاح "عوف" عاليًا ليحث أهل المنطقة على تفقد المكان مجددًا، للتأكد من خلوه من أي شخص:
-شوفوا في لسه حد جوا الدكان ولا لأ، الظاهر "محرز" كان مع "تميم" فيه.
هبطت ألسنة النيران وانحصرت عند الباب الجانبي، فحث ذلك أحد الرجال على اقتحام الدكان، وإلقاء نظرة متفقدة على ما به،
-لازمًا نوديه المستشفى حالاً يا حاج، إنت مش شايف عامل إزاي
رد بإذعانٍ تام:
-أيوه مظبوط.
رفض "سراج" تركه في حالته الحرجة، دون أن يتخذ موقفًا رجوليًا معه، مُنحيًا الخلافات السابقة جانبًا، وأصــر على التواجد بصحبته أثناء نقله للمشفى، بادر أحد سكان المنطقة بإحضار سيارته لإيصاله في التو والحال، وتشارك عدة رجــال في حمله بحرصٍ، والاتجاه به نحوها، ليتم إسناد جسده المتأذي بالمقعد الخلفي، وأصوات فرقعات الزجاج المتهشم، من الحرارة العالية، بداخل الدكان، تسود في الخلفية.
...............................................................
نفسًا عميقًا سحبته لتملأ به صدرها، بعد أن وطأت ساحة الوصول بالمطار، استعانت "فيروزة" بالعلامات الإرشادية الموضوعة في كل مكان لتصل إلى الخارج، بعد إتمام تسجيل دخولها للبلاد، توقفت عند المكان المخصص لاستقبال المسافرين من ذويهم، وبحثت بعينيها عن زوجها، اشرأبت بعنقها للأعلى تفتش عنه، عله يقف في زاوية غير واضحة الرؤية لها، لن تنكر أنها شعرت بالخوف يتفشى في أوصالها، عندما لم تجده في انتظارها، زاد إحساسها بالضياع؛ لكنه تناقص تدريجيًا مع رؤيتها له بطلته المهندمة، وهو يتقدم نحوها، حاملاً باقة من الزهور الحمراء في ذراعه، ابتسامة عريضة ظهرت على شفتيه، قبل أن يلاطفها بكلماته الرومانسية:
-حبيبتي، وعمري كله، حمدلله على السلامة.
بادلته ابتسامة ارتياحٍ، وإيماءة خفيفة من رأسها، تصلبت بالمعنى الحرفي، واتسعت حدقتاها مصدومة، حين خطا في اتجاهها، ولف ذراعه حول جسدها ليضمها إلى صدره، ويحتضنها، لم تستطع فعل المثل معه، ربما لخجلها، أو عدم اعتيادها على تصرفاته الجريئة معها، تراجع عنها، وذراعه لا يزال مستقرًا على خصرها، نظر لها ملء عينيه، ليضيف متسائلاً:
-الرحلة كانت كويسة؟
أجابت باقتضابٍ بعد ابتلاع ريقها:
-أيوه.
أعطاها الباقة قائلاً:
-ده عشانك
تناولتها منه، واحتفظت بابتسامتها وهي ترد:
-شكرًا
مــد "آسر" يده، وسحب حقيبة سفرها بذراعه الآخر، ثم أكمل بعذوبة، وغمزة سريعة من عينه تلازم كلامه:
-إن شاءالله نقضي أحلى شهر عسل هنا.
ضغطت على شفتيها في ارتباكٍ، وقالت بجدية، لتغطي على هذا:
-أنا عايزة أكلم ماما أطمنها عليا.
بوجهٍ غير مقروء، أخبرها:
-هيحصل، بس لما نوصل البيت.
خبت بسمتها المتكلفة، وتطلعت أمامها، وهو يقودها للتحرك في اتجاه المخرج، حيث يصف سيارته بالموقف المخصص لهذا، حاولت أن تسترخي في حضوره، لكن جسدها ما زال محتفظًا بتصلبه، مع لمساته غير المستحبة عليه.
........................................
بدون دعوةٍ، اقتحمها شعورًا جديدًا بالاغتراب، غالبته بمجهودٍ لتدعي ابتهاجها بالنقلة الكبيرة في حياتها، راقبت الطرقات النظيفة، والشوارع المنظمة بعينين نهمتين للتطلع إلى ما لا تألفه، وتساءلت في جملٍ مقتضبة عن أسماء بعض الأماكن الجاذبة للأعين، ومنحها زوجها الرد عن كل استفســار بإسهابٍ زائد، فبدا ذلك جيدًا –من وجهة نظره- لإذابة الجليد، وكذلك للتقارب بينهما. عند ضاحية راقية، تضم مبانٍ مصممة على طراز عالمي، وفريد من نوعه، تأملت "فيروزة" الإبداع الفني الذي خطف أنظارها، وأيضًا أنفاسها، فتساءلت عفويًا:
-هو إنت ساكن هنا؟
أجابها "آسر" بابتسامة لبقة:
-لأ، بس احنا قريبين من هنا.
انتقل عبره إلى ضاحية أخرى، كانت جيدة؛ لكنها ليست بمستوى الرقي المبهر الذي رأته، ومع هذا بدت معجبة بما تراه من علامات التحضر الواضحة، وعند مدخل أحد الأحياء، عرج "آسر" بسيارته، نحو موقف خاص، يتسع لعشرات السيارات، ليصفها بينهم، ثم أشــار بعينيه نحو إحدى البنايات المصممة على الطراز الفرنسي، وقال:
-احنا ساكنين هنا.
ثبتت أنظارها على المبنى وهي تسأله:
-دي شقتك؟
رد نافيًا:
-لأ يا "فيروزة"، دي شقق سكنية للإيجار، زي عندنا كده.
اعترى ملامحها تعبيرًا غامضًا، ولمس "آسر" الشك في عينيها، تنحنح، ثم أخبرها بلهجة جمعت بين الجدل والهزل:
-عشان أقدر أشتري حاجة فخمة هنا، محتاج يكون عندي ثورة بالملايين، وده طبعًا صعب عليا، أنا مش أمير عربي....
ثم مد يده ليمسك بكفها، خلل أصابعه في أناملها، وأسبل عينيه نحوها مضيفًا بغموضٍ، جعلها تتوتر:
-بس معاكي مش هايكون مستحيل.
رفع "آسر" كفها الذي يحتضنه إلى فمه، قبله ببطءٍ، وعيناه تتطلعان إليها بنظرات حالمة، تعبر عن تلهف كبير إليها، اعتقدت أنه سيكون تصرفًا فظًا منها إن سحبت يدها منه، وهو له كامل الحق في التمتع بها، فاكتفت بالابتسام الزائف له.
.......................................................
على عكس ما رسم لها من وصفٍ مبالغ فيه لمنزله الفخيم، في أحد أهم أحياء المدينة، بدا الأثاث عاديًا، مقارنًا بما تخيلته، نعم يتسم بالحداثة، والتصميم المختلف؛ لكنه ليس باهظًا كما أوهمها، شعرت "فيروزة" أن غالبية ما يتعلق بزوجها يتخلله الغموض، ابتلعت أسئلتها الفضولية مؤقتًا، لتتجه إلى الحمام، القابع في نهاية رواق متوسط الطول، بعد أن دلها عليه، كانت بحاجة للاغتســال من آثار مجهود السفر العالقة بجسدها، فلا يصح أن تكون ليلتها الأولى مع زوجها يشوبها شائبة، التفتت برأسها نحو "آسر" عندما خاطبها:
-هابعت أجيب عشاء، حاجة على ذوقي، هتعجبك أوي.
قوست شفتيها لتبتسم، وهي تعلق عليه:
-تمام.
ولجت إلى الحمام، وأغلقت الباب خلفها، استدارت لتتأمله، وكانت صدمتها الثانية، ليس حديثًا على الإطلاق، المغطس مغطى بستارة زرقاء، تبدو مستهلكة، فمعظم الحلقات المعلقة بالحامل المعدني مفقودة، كما ظهر الإصفرار على الفواصل الأسمنتية الممسكة بالبلاط الأزرق كمرأى الشمس في كبد السماء، تحولت أنظارها نحو المرحاض، وكان يتشارك مع باقي محتويات الحمام في قدمه، اقتضبت عضلات وجهها، وحلّ التجهم عليها، من المستحيل أن يكون ذلك مطابقًا للوصف الذي صدع به رأسها كثيرًا، تغاضت عن شعورها بالنفور والضيق، لتستحم وتبدل ثيابها، وحدسًا قويًا بداخلها، يخبرها بأن هناك المزيد من المفاجآت -غير السارة- تنتظرها.
....................................................................
جالت عيناه بخوفٍ كبير، على الأوجه التي ترمقه بنظرات ما بين جادةٍ ورسمية، لا أحد يبدو مازحًا على الإطلاق، ولماذا يمزحون وقد قبض عليه متلبسًا بالجرم المشهود؟ استمع "حاتم" إلى قائمة الاتهامات التي تنتظره بعقوباتها الصارمة، مرتعشًا في جلسته، نظر بارتعابٍ إلى الضابط "وجدي"، حين ضرب على كتفه، قبل أن يقول له بتحذيرٍ مستتر:
-هاعيد كلامي عليك تاني يا "حاتم"، عشان تطمن، ومتخافش...
لم يعلق عليه الأخير، فقط راقب تحركاته في صمتٍ، غير قادرٍ على الاعتراض بنظراته حتى، استأنف "وجدي" حديثه مرددًا:
-كل اللي هاتقوله هيتاخد في عين الاعتبار، وده هيحسن من موقفك في القضية.
تساءل "حاتم" في تلعثمٍ مغلف بأملٍ زائف، وهو يرف بجفنيه:
-يعني ... هطلع براءة؟
رد ضاحكًا بما يشبه التهكم:
-براءة إيه بس؟ إنت ممسوك متلبس!!
نظر "حاتم" إليه بنظراتٍ ضائعة، وقد تيقن من سوء خاتمته، عاد الأمل ليبث فيه عندما أعلمه الضابط:
-لكن احتمال يتخفف الحكم عليك، وجايز تاخد إفراج بدري .. في حاجات كتير ممكن تحصل ...
ثم تحولت لهجته للجدية، ونظراته للوعيد، وهو يكمل بأسلوبٍ حمل التهديد في طياته:
-ولو فضلت ساكت، وعملت فيها مخلص، الحيتان الكبيرة هتتنعم في خيرات ربنا، وإنت هتدفن بالحيا جوا السجن، وإنت عارف كويس إن يوم السجن بسنة، وجايز يسلطوا عليك اللي يجيب أجلك.
التزم "حاتم" الصمت لدقائق، مستغرقًا في أفكاره التحليلية؛ وكأنه يعيد تقييم الموقف برمته، ليحتسب مكاسبه فيه من خسائره، وكانت النتيجة أن حسم رأيه قائلاً بنزقٍ:
-خلاص سعادتك، أنا هاقول يا باشا على كل حاجة.
ابتسامة انتصــار احتلت ثغر "وجدي" وهو يرمقه بنظراته الواثقة، جلس خلف مكتبه، في مقعده الوثير، مسترخيًا عليه، ثم مدح قراره، فقال له:
-كده إنت بتفكر صح.
ركز "حاتم" كامل نظراته، على وجه الضابط المتابع له بإمعانٍ، لم يتعجل الأخير استجابته، تركه يأخذ كل ما يريد من وقتٍ، ليخبره بما يرغب في معرفته بالأخير، تنفس الأول بعمقٍ، ليستعيد انضباط انفعالاته المذعورة، وباسترسالٍ غير مقطوعٍ، هتف مُفصحًا عن أحد شركائه:
-اللي كان بيديني الأوامر، لنقل الممنوعات يا سعادت الباشا، واحد اسمه.. "محرز" ........................................ !!!
...................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم Manal Salem
الفصل التاسع والستون
طرقة خافتة التقطها بأذنيه، فاتجه على الفور –بخطوات سريعة- إلى باب منزله، وقد عرف هوية القادم، ابتسامة مقتضبة تشكلت على محياه، وهو يراجع سريعًا فاتورة الطعام الجاهز الذي أرسل في طلبه، دفع لعامل التوصيل المبلغ المطلوب، وزاد عليه قليلاً، كنوعٍ من البقشيش، ثم أغلق الباب، وهو يدندن بصافرة مبتهجة، فمن المفترض أنه سيحتفل بقدوم عروسه الليلة، اتجه "آسر" إلى مائدة الطعام المربعة –ثنائية المقاعد- والتي تحتل الصالة، أفرغ عليها ما احتوته الحقائب، ثم ســار نحو المطبخ الصغير الذي يحتل مقدمة الجانب الأيسر من الصالة، وبحث عن أكواب نظيفة في الرفوف العلوية، ليصب فيها المشروب البارد، ابتسم لنفسه في انتشاءٍ، وقال:
-كده تمام أوي.
لم ينسَ "آسر" الاستعانة بإحدى تلك الحبوب العجيبة، حيث أكد له من منحه إياها بأنها الوصفة السحرية –والمضمونة- لعلاج (عجزه)، ورغم عدم اقتناعه بنتيجتها، إلا أنه لم يمنع نفسه من التجربة، فمنذ اكتشافه لعلته، نتيجة خلل عصبي، أصابه منذ الطفولة، في تلك المنطقة الحرجة، لجأ للأطباء، وكانت الصدمة الكبيرة، بعد سعي دؤوب، بعدم فاعلية العلاج طويل المدى، أو حتى بالتدخل الجراحي، وبات حله المتاح تجربة الجديد من الأدوية، عل أحدهم يحقق له المعجزة المنتظرة .. ابتلع بآمال معلقة في الخيال القرص الدوائي بشربةِ ماء، ثم عاود أدراجه ليبدأ في تنظيم الطعام بشكلٍ مرتب، ليبدو مناسبًا خلال تناوله للعشاء المتأخر مع زوجته، وربما أثناء حديثهما الرومانسي المحمل بالأشواق والرغبات، تستجيب خلاياه المستكينة منذ فترات طويلة للتأثير الوهمي للدواء، زفرة بطيئة خرجت من جوفه، قبل أن يتمتم، بقليلٍ من التفاؤل:
-جايز تظبط معايا ...
ثم حملق أمامه بنظرات هائمة، ليتابع حديث نفسه:
-المزة المرادي تستاهل، وحاجة مختلفة!
تبخرت الخيالات الجامحة التي عكست ابتسامة بلهاء على ملامحه، لتتحول لعبوس منزعج بسبب الرنين المتكرر من "محرز"، لم يرغب "آسر" في الرد عليه حاليًا، فسماجته، مع سخافته الزائدة، لا يمكن تحملها في تلك الساعة المميزة، أغلق هاتفه، وتجاهله كليًا، حتى أعماله العالقة أرجأها لوقت لاحق.
..............................................................
السقوط في الهاوية، لن يكون مصيره، إن تخلى عنه الجميع، خاصة من يؤدي عنهم أعمالهم القذرة، وغير القانونية، جلّ ما يرعبه حاليًا، هو نجاة خصمه من الحادث المدبر، وبالطبع إن تكلم ضاع ما رتبه طوال السنوات المنصرمة سُدى، لهذا توارى "محرز" عن الأنظار مؤقتًا، ريثما تتضح الصورة كاملةً، وتنقشع تلك الغمة عنه، فبعد أن دفع المال المتفق عليه لأعوانه، بحث عن مخبأ يأويه، ووجد واحدًا تتوافر في الشروط المناسبة، في مكانٍ بعيد؛ لكنه لن يبقى فيه للأبد، وبدا الاختيار المتاح له الآن مخابرة "آسر"، ليحميه ويعاونه في مأزقه، لذا حدث نفسه بعزمٍ:
-أنا ياما ساعدته، جه دوره عشان يطلعني من الوحلة دي.
اضطر أن يخرج من مخبأه، وسار بحذرٍ شديد بين المارة، متخذًا من الطرق الجانبية مسلكًا له، بحث عن أحد المحال الخاصة ببيع كروت شحن الرصيد، من أجل إجراء تلك المكالمة الدولية الهامة، وبعد عناءٍ من اللف، والاستعانة بإرشادات بعض المواطنين، تمكن أخيرًا من تعبئته بالمال اللازم، توقف عند بقعة هادئة، ووضع الهاتف على أذنه مترقبًا بأعصاب متلفة رده عليه، استشاط غيظًا حين تجاهله أكثر من مرة، وبلغ ذروة غضبه في لحظة عندما وجد هاتفه مغلقًا، تذكر امتلاكه لرقمٍ آخر يستخدمه عند الطوارئ، لهذا فتش عنه متوعدًا إياه:
-قسمًا بالله لو ما رديت عليا، لهكشف المستور كله!
قالها "محرز" لنفسه، وكتبها في رسالة نصية قصيرة، قاصدًا بها التشديد على جدية تهديده.
.................................................................
كنوعٍ من الهروب، غابت بداخل الحمام لوقت حاولت استطالته؛ لكن في الأخير، كان عليها الخروج، والالتقاء به، لم تحبذ "فيروزة" أن يراها زوجها للمرة الأولى بالفاضح من الثياب، لهذا انتقت قميصًا حريريًا من اللون الأبيض، ومن فوقه أحكمت ربط روبه، فلم يظهر إلا وجهها، وكفيها، تنفست بعمقٍ، وأقنعت نفسها أنها مهيأة نفسيًا لبدء حياتها مع شخصٍ يملك من السمات الجيدة، ما يحسدها عليه غيرها، وما إن فتحت باب الحمام، حتى عبقت رائحة الشامبو القوية -والذي دلكت به فروة رأسها لعدة مرات- الهواء بكثافة، لازمت أنفها رائحته النافذة، وتمكن زوجها أيضًا من استنشاق عبيره المميز، ليقول لها بكلماتٍ ذات مغزى، وهو يدنو منها:
-نعيمًا يا حبيبتي، حمام الهنا.
وقبل أن ترد عليه، ضمها إلى صدره ليحتضنها، ويشعر بدفئها المنعش يغزوه، حاولت أن تنسل من بين ذراعيه المطبقين عليها، وردت بنوعٍ من المجاملة:
-شكرًا.
استمر في ضمه له، وهو يشتم رائحة شعرها، مستحضرًا في ذهنه، كل الأفكار الجامحة في العلاقات الزوجية، ليحفز المستكين من خلاياه المستعصية في استجابتها؛ لكنها أبت الانصياع له، وفشل كالعادة في استحضار ما لا يملكه، في نفس الوقت تراجعت عنه "فيروزة"، وقد استشعرت جموده المريب، تاركة مسافة خطوتين بينهما، ورفعت رأسها لتتأمل باهتمام تفاصيل المكان، الذي لم تكن منتبهة له جيدًا، وإن كانت غير راضية عما رأته بالداخل، ليس رغبة منها في الثراء؛ لكن لكونه قد خدعها بطريقة ملتوية، وهذا ما لم تقبله! تجنبت نظراته الدائرة على تفاصيلها الأنثوية، وحدقت فيه بتشجعٍ، لمحت في عينيه الرغبة، وذلك ما أصابها بالتوتر، باعدت أنظارها عنه، وانشغلت بتأمل لوحة زيتية على الحائط لمنظر من الطبيعة، استدارت ناظرة نحو حين قال لها، وهو يشير بيده يدعوها للجلوس:
-الدليفري جاب الحاجة، وأنا جهزت السفرة.
ردت بهدوءٍ، وابتسامة متحفظة:
-تسلم إيدك.
أضاف وهو يضع يده على خصرها ليدفعها نحو الطاولة:
-إن شاءالله يعجبك، المطعم ده معروف بأكله هنا.
اكتفت بهزة من رأسها، وسحبت المقعد لتجلس في مواجهته، فأخبرها وهو مسبل عينيه نحوها:
-حقيقي البيت نور بوجودك فيه...
امتدت يده لتمسك بكفها، ومال نحوها بعد أن رفعه إلى فمه ليقبله، نظر لها بعينين متطلعتين في اهتمام، وأخفض من نبرته قائلاً، بلهجةٍ ذات مغزى:
-أد إيه أنا كنت مستني اللحظة دي.
قشعريرة موترة سرت في أوصالها، وبلطفٍ حذر استعادت يدها من قبضته، لم يبعد "آسر" نظراته المعلقة بها، وتابع:
-أنا عارف إنك مستغربة الوضع شوية، بس كل ده مؤقت.
أجبرت "فيروزة" شفتيها على الابتسام، وردت بتفهمٍ:
-مافيش مشكلة..
للحظة حاولت ألا تتطرق لتزييفه للحقائق؛ لكنها لم تستطع، فأدرفت قائلة:
-هو في سؤال محيرني شوية
بدأ في إزاحة ورق السلوفان عن أطباق الطعام، وسألها، بعينين محملقتين في تعبيراتها:
-إيه هو؟
دارت بنظراتها في المكان، وتوقفت عنده، لتسأله مباشرةً:
-يعني الشقة دي كنت عايش فيها قبل كده؟
توقف عما يفعل، واستقام في جلسته، ليقول بصوتٍ هادئ، وبكلماتٍ مرتبة:
-اتنقلت فيها من قريب، هي مش بطالة، تقضي الغرض، ومناسبة للإيجار بتاعها، يعني أنا.. أصلي كنت عايش في حتة تانية، بس أقل من دي بكتير، حاجة شبه العشوائيات.
صدمها بصراحته، ومع ذلك حافظت على جمود تعبيراتها، تطلع إليه بنظراتٍ تُعيد دراسته، وأخبرته دون تجميلٍ:
-أنا مش قصدي حاجة، بس كان في دماغي صورة عنك غير دي.
رد عليها متسائلاً:
-عشان مظهري ولبسي؟
ضمت شفتيها للحظة، وحركتهما قائلة بصراحةٍ:
-مكدبش عليك.. أيوه.
قال ببرودٍ، ولمحة من الغطرسة تشوب صوته:
-دي شكليات، يعني لزوم شغلي، مش معقول هالبس مقطع ومبهدل، أنا بأتعامل مع علية القوم، والحياة هنا غالية جدًا، لما تاخدي على الوضع، هتفهمي كلامي.
هزت رأسها بإيماءة صغيرة، لتعلق باقتضابٍ، وتعبيراتها يكسوها الامتعاض.
-تمام.
أشـار لها بيده قائلاً:
-يالا بقى عشان الأكل ما يبردش.
دفعت "فيروزة" مقعدها للخلف، وقالت وهي تنهض:
-طيب أنا هاقوم أجيب مياه.
أوقفها صائحًا؛ كما لو أنها على وشك ارتكاب جريمة خطيرة:
-لأ استني، احنا مش بنشرب من الحنفية، دي مياه خزان.
ضاقت عيناها في استغرابٍ، سألته، والدهشة تعلو قسماتها:
-وإيه يعني؟
أوضح لها ببساطةٍ، مستخدمًا يده في التلويح:
-لأ مياه الخزانات للنضافة، للحمام؛ لكن الأكل والشرب بنستخدم القوارير المعدنية...
ثم نهض من مكانه، وطلب منها بلهجةٍ شبه آمرة:
-استريحي إنتي يا حبيبتي، وأنا هاجيبلك
استجابت لطلبه، وتابعته بنظراتها المهتمة، وهو يتجه نحو الثلاجة الموجودة خلفها، لم تكن قد لاحظتها في البداية، وها هي مع الوقت تكتشف المزيد عن تفاصيل المكان الذي ستعيش فيه القادم من أيامها، استدار "آسر" ليواجهها، وقال وهو يحمل في يده زجاجة بلاستيكية، نصف ممتلئة بالمياه:
-تقريبًا مافيش عندي أزايز معدنية كفاية، بكرة هنزل الصبح أجيب من السوبر ماركت.
ضغطت على شفتيها في استياءٍ، لم تستطع إخفائه، وردت عليه بإيجازٍ:
-أوكي.
أفرغ ما تبقى من المياه المعدنية في كوبٍ أحضره لها، وناولها إياه، ابتسمت له بامتنانٍ، وتجرعت ما فيه لتبلل حلقها الجاف، واستأذنت منه بابتسامة بذلت فيها الجهد لتبدو طبيعية:
-ينفع أكلم ماما بقى أطمنها عليا.
بادلها ابتسامة زائفة، ورد متهربًا منها:
-إن شاءالله، ناكل بس الأول.
أومأت برأسها وهي ترد:
-طيب.
عاد ليلوك الطعام في جوفه بنهمٍ، وأكمل حديثه معها مغيرًا الموضوع:
-الأكلات هنا مقولكيش، هندي، وصيني، وكوري، وكل اللي نفسك فيه.
تطلعت بنظراتٍ مهمومة إلى أطباق الطعام، وتنهدت معلقة عليه:
-أنا مش أكيلة أوي.
اقتطع قطعة من الدجاج المشوي الموجودة في صحنه، وغرسها في شوكته، ثم مد بها ذراعه نحوها، ورجاها:
-دوقي بس ..
على مضضٍ تقبلت تناول ما لم تستسغه من طعامٍ، وابتلعته مضطرة، وهي تصغي لثرثرته عن مواضيعٍ مختلفة ومتشعبة، وقبل أن يفرغ كلاهما منه، صدح رنين هاتف "آسر" الآخر، والذي نسي كليًا إغلاقه، زفر في ضيقٍ، ثم نهض من مكانه معتذرًا منها:
-سوري يا حبيبتي.
اتجه بخطواتٍ متعجلة إلى غرفة النوم، وانتزع الهاتف من شاحنه، لينظر إلى رسالة تهديدية مرسلة من "محرز"، إن لم يجب فيها على مكالمته، سيحدث ما لا يحمد عقباه، غامت ملامحه، واسودت نظراته، بدا مرتبكًا إلى حد كبيرٍ من كلماته القوية، أطلق لعنة خافتة، قبل أن يرتدي قناع الهدوء، ثم استطرد معللاً بنبرة كذبة:
-مش هاخلص من الشغل وقرفه.
سألته باهتمامٍ:
-في حاجة مهمة؟
تحدث من زاوية فمه قائلاً بأسلوبٍ مراوغ:
-لا مش مهم ..
ثم ارتشف ما تبقى من كوب مياهه دفعة واحدة، وهتف متنحنحًا:
-حبيبتي، أنا هنزل أجيب حاجة ساقعة من تحت، وطالع على طول.
تعقد حاجباها في استغرابٍ وهي تكرر عليه، بنوعٍ من التساؤل المندهش:
-دلوقتي؟
ضحك بسخافةٍ، وأردف:
-عشان نهضم.
لم يكن أمامها سوى الرد بتنهيدة ملولة:
-خد راحتك.
اقترب منها، وانحنى برأسه نحو خدها، ليطبع قبلة صغيرة عليها، وكرر من جديد على مسامعها:
-مش هتأخر يا حبيبتي.
رغم ترديده لذلك اللقب الحميمي، وإرفاقه بنوعٍ من المداعبة اللطيفة، إلا أنها لم تشعر بقربه الودي منها، شيعته بعينين جمعت بين الحيرة والتوتر، انتفاضة خفيفة انتابتها بمجرد خروجه من المنزل، تسرب إليها شعورًا جديدًا، ومخيفًا في نفس الوقت، إنه ذلك الإحساس العظيم بالاغتراب، والوحدة، شعورٌ لم تألفه بعد؛ لكنه سيكون ملازمًا لها –وبقوةٍ- خلال الأيام القادمة.
.........................................................................
"الأخبار السيئة تصل سريعًا".. مقولة صح معناها، فور أن علمت الحاج "بدير" بالمصاب الذي طال ابنه، حتى هرع إلى المشفى، تاركًا باقي أسرته خلفه، ليلحقوا به لاحقًا، لم يعبأ بحريق دكانه، فليفنى عن بكرة أبيه، المهم ألا يفقد وليده، من ضحى لأجل العائلة، انتحب في صمتٍ عاجز، وانسابت عبراته المكلومة كالأنهر، تشق طريقها على صفحة وجهه المجعد، أما والدته فنواحها المفجوع، وعويلها الصارخ كانا كفيلان بتليين القلوب المتحجرة، واستعطاف الغرباء قبل الأقرباء، آسفًا على حالها المفطر للفؤاد .. انهارت، ولم تعد قادرة على الحركة، فالمصاب أقوى من استيعاب إدراكها له، الوحيد الذي بقي متماسكًا كان الجد "سلطان"، آمن بقوةٍ أن مصيره بين يدي الله، ووحده -تعالى- من يعلم الغيب، وما عليه إلا الدعاء والتضرع له .
وبخطوات غير متماسكة، تسندها عصا مهتزة، أسرع "بدير" في خطاه عبر الردهة الطويلة، في المشفى الخاص، الذي انتقل إليه "تميم"، قاصدًا الطريق المؤدي لغرفة العمليات، اعترض "سراج" مساره حينما لمحه، آخر من توقع وجوده بالمكان، بل وإنقاذ ابنه رغم الخصومة العنيفة بينهما، استوقفه الأخير بجسده قائلاً بنبرة أظهرت مؤازرته له:
-متقلقش يا حاج، إن شاءالله هايبقى كويس.
رفع رأسه المنكسر لينظر إليه بكل هموم الدنيا ونصائبها الثقيلة، بلع ريقه المشبع بالعلقم، وهتف بصوتٍ فشل أن يكون صلبًا:
-عايز أشوف "تميم".. ده ابني!
ربت على كتفه بلطفٍ، وأكد له بهدوءٍ:
-هيحصل، لما الدكاترة يخرجوا من جوا، ويطمنونا عليه، ادعيله يا حاج.
تهاوى كتفاه، وظهر انحناء ظهره، وربما انكسار هامته، وهو يرد عليه برجاءٍ خاشع، وعيناه تبكيان بألمٍ:
-يا رب سمعنا كل خير عنه.
.............................................................
ادعت أسفها وهي تتلقى من شقيقتها الأخبار المؤسفة عن حادث "تميم"، وحريق الدكان، ذرفت عبرات التماسيح الكاذبة تضامنًا معها، ووعدتها بالمجيء فورًا للتواجد معها، ومساندتها في هذه الكارثة الرهيبة؛ لكن ما إن انهت "بثينة" المكالمة معها، حتى مسحت بلا ندمٍ البقايا العالقة من دموع عن صدغيها، وارتسمت ابتسامة مسرورة على شفتيها، استرخت على الأريكة، وهزت هاتفها المحمول المتدلي من يدها، لتغمغم في انتشاء:
-طلعت أد كلمتك بصحيح يا "محرز".
ضحكة عالية سعيدة أطلقتها، ودمدمت بمزيد من الكلمات الشامتة، استغربت "خلود" من حالة الابتهاج المسيطرة على والدتها، حين خرجت من غرفتها، فسألتها في فضولٍ، وأخبرتها الأخيرة بنبرة فاترة عن السبب؛ وكأنها حادثة عابرة، انخلع قلب ابنتها، وهوى بين قدميها في ارتعابٍ مهلك، جرفتها مشاعر الرهبةِ، وسألتها في عدم تصديقٍ:
-إنتي بتقولي إيه؟ "تميم"؟ استحالة! ده كدب!
مصمصت والدتها شفتيها، وقالت ببرود وجفاء:
-ده اللي خالتك بلغتني بيه.
أجهشت بالبكاء، وصرخت منفعلة، بصدرٍ ناهج من شدة انفعالها، وعقلها رافضٌ استيعاب الأمر بشكلٍ كلي:
-مش معقول، جوزي! أكيد ده كدب.
بقساوةٍ علقت عليها، غير مبالية بحالة الانهيار الوشيكة، والظاهرة عليها:
-يا بت فوقي من أوهامك، ده مش جوزك، والبعيد يستاهل اللي حصله! إياكش نسمع خبره قريب.
هزت رأسها بهستيرية، ولسانها يصيح ببكاءٍ:
-"تميم".. حبيبي!
لعقت "بثينة" شفتيها، وقالت بتنهيدة بطيئة، عبرت عن شماتتها:
-يالا، أهوو ربنا بيسلط أبدان على أبدان.
وكأنها مفصولة عنها، ركضت بلا وعي في اتجاه باب المنزل، وهي تصرخ:
-أنا لازم أروحله حالاً، هو موجود فين؟
تمكنت والدتها من إيقافها بصعوبةٍ، وقبضت على ذراعها لتشدها للداخل، أغلقت مزلاج الباب، واستندت بظهرها عليه، ثم رمقتها بتلك النظرة الصارمة، وسألتها بغضبٍ بدأ يتشكل على تقاسيم وجهها:
-تروحي فين؟ يا بت اهدي كده واقعدي، إنتي عايزة تفرجي الناس علينا؟
انهارت على ركبتيها أمامها، ولطمت على صدغيها مواصلة صراخها المتوسل:
-سبيني يامه، ده "تميم" ... جوزي!
ركلتها أمها بقدمها في ركبتها، لتجبرها على النهوض .. كالمغيبة، استندت "خلود" على يديها لتقف، رمقتها بنظرة نارية من عينين ملتهبتين بحمرتها الغاضبة، لتنفجر صارخة باهتياجٍ شديد، واتجهت إلى منقولات البيت، بدأت في إلقاء ما تطاله يديها، وتحطيمه، وصراخها المتعاقب يكاد يصم الآذان، زجرتها "بثينة" بخشونةٍ، ودون أدنى تعاطف مع حالة الهياج العصبي التي تمكنت منها:
-هي ناقصة جنان؟!!!
.........................................................
في عالمٍ رسم فيه الخيال لقائهما المستحيل طوعًا، كان معها بكل وجدانه، ودقات قلبه تنتفض لأجلها اشتياقًا، ركز "تميم" عينيه العاشقتين عليها، لم يرغب للحظة في إغماضهما، ليبقى هكذا للأبد، يتأملها، يحفظ أدق تفاصيلها الساحرة .. كانت معه في ظلمته، تنير له عتمته، تبتسم له بنعومةٍ، وتنظر إليه في ولهٍ، لطالما حلم به منها .. وجودها الوهمي أغناه عن قساوة العالم الآخر، المليء بالنكبات، والصدمات المحبطة، حاول وسط ضلالاته أن يمد ذراعه إليها، يتلمس تلك البشرة اللامعة التي أسكرته بتعويذة جمالها، يخبرها أنه لم يعشق غيرها، أن القلب نبض بحبها؛ لكنه لم يتمكن!
شعر بشللٍ غريب مسيطر عليه، حركته معدومة، أخفض نظراته، وتفقد جسده، فأدرك أنه مكبل اليدين والقدمين، قاوم في يأسٍ القيود التي تعوقه عنها، خاصة وطيف البغيض "آسر" يحوم من حولها، اتسعت عيناه هلعًا، ونظر إليها في جزعٍ، حرك شفتيه لينطق ويحذرها، لم يفعل، كرر المحاولة بقوة أكبر ليناديها؛ لكنهما كانتا مضمومتان بشدة، ملتصقتان بخيوط قوية، وكأن أحدهم أجرى له عملية جراحية ليمنعه عن الكلام، رمقته بنظرة تعيسة، تحمل اللوم في طياتها، ليس لأنه خذلها، لكن لعجزه الواضح عن إنقاذها، برزت مقلتاه في فزعٍ أشد، ويدٌ غادرة تطوق عنقها لتخنقها منه، انتفض، وتشنج، وصرخ بصوتٍ مكتوم، لم يسمعه أحد، عله ينجح في تحرير نفسه، وإبعاد شروره عنه، تلاشى طيفها تدريجيًا أمام ناظريه، وظلت تلك اللمحة الحزينة هي آخر ما علق في ذهنه، قبل أن يغرق في سواد لا خروج منه، ولسانه المحبوس قهرًا يناديها، بحسرةٍ لا طائل لها:
-"فيروزة" ............................................. !!!
..................................................................
-نهاية الجزء الثاني-
يتبع >>>>>>>