تحميل رواية «☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني)» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تنويه ... يتم نشر الفصول بالتتابع مع أجزاء الجزء الأول والتي توقفت عند الفصل الخامس والثلاثون قبل شهر رمضان المبارك كل عام وأنتم بخير الفصل السادس والثلاثون بنصف عينٍ تطلعت أمامها محاولة إجبار نفسها على الاستيقاظ بعد ليلة مرهقة ذهنيًا وعصبيًا لها، غلبها النعاس واستكانت لبرهة، استشعرت "خلود" سطوع النهار من خلال تلك الإضاءة الخافتة المتسللة من نافذة الغرفة الموصودة، تقلبت على جانبها الآخر ويدها قد امتدت لتتحسس الفراش، لم يكن دافئًا مما أوقظ إدراكها، وباتت واعية تقريبًا، فتحت عينيها على الأخير، تلف...
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم Manal Salem
في البداية وجب تقديم التعازي الحارة لكل الأحبة والأهل في لبنان الشقيق، ربنا معاكو ويصبركم على مصابكم الأليم، ويحفظ بلاد جميعًا من كل سوء ..
تاني شيء، مبروك لطلاب الثانوية العامة لنجاحهم النهاردة، وربنا يكلل تعبكم دايمًا بكل خير
أسيبكم مع الفصل
الفصل الخامس والخمسون
وخزات مؤلمة انطلقت ضاربة أنحاء متفرقة من جسده تشعره بومضة من شيء لطالما افتقده، في البداية ظن أنها بضعة أوهام عابرة، لكن تلك الرغبة المتأججة جعلته يئن نوعًا لإشباع ما يتقد بجسده، ترك "آسر" حاسوبه المحمول على مكتبه، وانتفض متجهًا إلى الحمام، غاب بالداخل لدقيقة أو أكثر، ثم عــاد ورأسه محني في خزيٍ، وضيق، لاح الأمل وتبدد سريعًا، هذا ما ردده في عقله! سحب مقعده للخلف، وجلس عليه بإحباطٍ نطقت به ملامحه قبل أن يعبر عنه لسانه:
-حاجة تقرف!
تطلع بنظرات غاضبةٍ، إلى شريط الدواء، الموضوع في درج مكتبه المفتوح جزئيًا، دفعه في عصبيةٍ ليغلقه متابعًا حديثه اليائس:
-برضوه مافيش فايدة، ده إنت أحسن نوع جبته عشان أجربه، وخدت منك حبيتن، وزي ما أنا كده!!!
رفع بصره للشاشة الحاسوب المضيئة بصورة لوجه "فيروزة"، تلك التي حصل عليها بمراوغة بسيطة مع "علا"، وضعها على أحد برامج تعديل الصور الاحترافية، وواصل العبث بها، ليتم إضافتها على الصور غير الأخلاقية التي يستخدمها للترويج والدعاية لموقعه الإباحي، والذي يدر عليه ربحًا طائلاً لا حصر له، بسبب المتلهفين لتلك النوعية من المواقع المتجاوزة. ابتسم لنفسه في سخرية، وهو يعيد تشغيل ذاك الفيديو البدائي الذي أعده؛ حيث قام بتركيب صورة وجهها على إحدى الفتيات المنحرفات، لتبدو كما لو كانت تمارس الزريلة مع أحدهم، باستمتاعٍ شديد، غمغم في تنهيدة بائسة بطيئة:
-شكلي هاقضيها فُرجة بس!
وليبدو أيضًا كمن يشاركها المتعة الحسية، أضاف صورته على الرجل الظاهر في الفيديو، ليدعي أنه هو، وبدا متأثرًا لوهلة مما يحفز خلايا عقله، وظن مع التركيبة الدوائية الجديدة، أنه سيحصل على النتيجة المرجوة؛ حينما تنبت الإثارة من منابعها، ولكن قبل أن يمضي قدمًا في عبثه الماجن، سكن ما ظن أنه قادرًا على العطاء. لعن بغيظٍ، وأغلق الفيديو، ليقوم بنقله من موقعه الحالي، وحفظه في ملفٍ منفصل، وبدأ في تحميل مقاطع أخرى جديدة، وصلت إليه للتو. قطع انهماكه رنين الهاتف المسنود على سطح المكتب، نظرة خاطفة ألقاها على شاشته، دون أن يلمسه، انتظر بضعة ثوانٍ ليضغط بعدها على زر الإيجاب، وقال بجدية بحتة:
-أيوه يا سيدي، إيه جديدك؟
صمت لبرهة مصغيًا للطرف الآخر الذي قال بتوترٍ:
-الحاوية دخلت المينا، وخدت دور في التفتيش، أنا قلقان، وإنت مقولتليش حاطط الأمانة فين.
رد عليه بثقةٍ مريبة:
-اطمن أنا عامل حسابي كويس.
سأله المتصل بنبرته الحائرة:
-يعني كان لازم نستورد تفاح؟ ما كنا جبنا شحنة هدوم ولا حاجة تانية، كانت هتصعب الدنيا عليهم شوية.
قال في استرخاءٍ:
-ده عز الطلب.
بدت جملته غامضة، فسأله مستفهمًا:
-إزاي يعني؟
أجاب ببساطة شديدة:
-ريحة التفاح هتضلل الكلاب، وده يخدمنا.
ردد برجاءٍ:
-يا رب تفلح.
أكد عليه دون تشكيك:
-لأ دي طريقة متجربة.
أضاف المتصل على عجالةٍ:
-ماشي، وأنا هاكلمك لما نطلع من الجمرك، عشان ننسق مع رجالتنا يعدولنا الحاجة.
رد عليه منهيًا المكالمة:
-حلو أوي، مستنيك.
ثم حملق في شاشة حاسوبه متابعًا تدفق الأرقام المتزايدة لرؤية الفيديو الجديد في انتشاءٍ، لف ذراعيه خلف رأسه، وتوسد بها عليهما قائلاً بوهج خبيث تراقص في عينيه:
-وأنا أشوف شغلي هنا كمان.
................................................................
عملٌ متواصلٌ بلا توقفٍ لجني أكبر قدر من المال في وقت قصير، جعله يشعر كأنه آلة غير بشرية، تدور دون كللٍ أو ملل، لإشباع تلك الرغبة الطامعة، فلم يهتم سوى بهذا، إلى أن نضبت طاقاته المحفزة، وزاد الحنين للعودة للوطن، أعد العدة وارتحل عائدًا إلى بلدته، ساحبًا خلفه زوجة مطيعة، غير قادرة على عصيانه، وأطفالاً صغارًا بطونهم الجائعة تحتاج للملء.
مجيئه غير المتوقع تحول من فرحة وسرور، لكارثة وشرور، خاصة مع تعاظم الغضب، وحجب العقل عن التفكير بروية وبمنطقية، تصاعدت الشكوك، وأوغرت الصدور؛ لكن في الأخير وقع المراد، واُخترقت الأسرار. لم يحمل "فضل" نفسه اللوم، وبدا متفاخرًا بما أقدم عليه مع ابنة عمه، كان يحظو بمكانته المقدسة على رأس عائلته؛ وكأنه حاكم فريد من نوعه؛ هكذا يُعامل أغلب ذكور عائلات تلك البلدة، يمنحوا كافة السلطات، والحريات، ويُعتد بقوةٍ برأيهم؛ وإن كان على غير علم. رفع رأسه للأعلى في إباءٍ، بدت تعابيره مسترخية، لا يشوبها ذرة ندمٍ واحدة، حتى على ظلمه غير المنصف لها، ارتشف ما تبقى في فنجانِ قهوته، ثم سحب نفسًا طويلاً من سيجارته، ليلفظ الهواء عاليًا، قبل أن يتجشأ بعدها بصوتٍ مكتوم، أسند فنجانه على حافة أريكته الخشبية، والتفت نحو أبيه، ليقول له ببرودٍ متناهٍ، وهو يستند بمرفقه على ساقه المرفوعة للأعلى:
-أنا عملت الصح يا حاج، واطمنت على شرفنا.
علق عليه "اسماعيل" بوجهه العابس:
-"فيروزة" مش زي أي حد يا ابني، دي أمانة أبوها عندي.
أخفض ساقه في عصبية، وتوحشت نظراته نحوه، معترضًا على ما اعتبره لين قلبه:
-وعمي –الله يرحمه- لو كان عايش، كان بنفسه صمم يتأكد من شرف بنته، بلاش قلبك الطيب ده يابا مع الحريم، هيركبونا.
نظر له والده في أسفٍ، لكن "فضل" واصل القول بقساوة يتفاخر بها:
-اكسر للبت ضلع يطلعلها أربعة وعشرين، ولو خايف على زعلها يابا، هما يومين وهتنسى، وكأن مافيش حاجة حصلت، دي حاجة زي شكة الدبوس.
بامتعاضٍ منزعج ردد "خليل" عاليًا:
-ما كفاية كلام في السيرة دي، خلونا نشوف هنعمل إيه في التقاوي اللي الأرض عايزاها.
استدار نحوه "فضل" ليرد:
-أنا عندي واحد هيجيبلنا اللي عايزينه بسعر معقول.
رد "خليل" في استحسانٍ:
-كويس أوي.
أضاف عليه "اسماعيل" مشددًا:
-اعمل حساب عمك "فتحي" معانا، هو موصيني يا "فضل".
هز رأسه معقبًا:
-اللي إنت عاوزه يابا
تساءل "خليل" في فضولٍ:
-وإنت مش مسافر تاني؟
أجابه نافيًا:
-لأ يا عم "خليل"، أنا نزلت نهائي، ومش راجع تاني.
نظر له باستغرابٍ وهو يسأله:
-ليه بس؟ ده بيقولوا قرش برا حلو!
زفر مليًا ليرد بعدها:
-بس الغربة بتاخد من الواحد، وأنا عايز أفضل جمب أهلي، وخصوصًا بعد ما عملت قرشين حلو.
تشكلت بسمة طامعة على محياه، وهو يبدي رضائه:
-هو ده الكلام الموزون، ولو عوزت أي حاجة أنا موجود
هز رأسه بإيماءة ممتنة، قبل أن يشكره:
-تسلم يا عم "خليل".
.....................................................................
فرغت الغرفة إلا من والدتها الباكية، حاولت تهوين الأمر على ابنتها، مواساتها إن صح التعبير، لكن ظلت الأخيرة صامتة، مفصولة عمن حولها، تخوض حربًا خفية بينها وبين نفسها، لا تدري كم انقضى عليها من الوقت، وهي في تلك الحالة الساكنة! تضم ركبتيها إلى صدرها، تتكور على نفسها؛ وكأنها تبحث عن حماية مفقودة، لن تحصل عليها أبدًا، شردت من جديد تعايش ما مرت به، حيث أرادوا كسر كبريائها، إحناء هامتها، اغتيال روحها المتمردة، وتدمير نفسيتها، بتطفلهم غير الجائز على مواطن أنوثتها، للتأكد من شائعات مغرضة نشروها، ادعوا فيها أنها فتاة لعوب؛ فرطت في شرفها، وهي أبعد ما يكون عن هذا الاتهام الباطل. دمعة أخرى انضمت لشقيقاتها في صمتٍ، لتنساب على وجنتها، مسحت بظهر كفها مظاهر ضعفها البائنة على وجهها الحزين، أرادت فقط أن تجد من يصدقها بلا دليل، يمنحها ثقته غير المرهونة بشروط؛ ولكن ما رغبت فيه كان بالعسير عليهم. توقفت عن نحيبها الساكت ململمة شتات نفسها، لم تكن لتسمح لزوجة خالها الشامتة الحاقدة بإظهار انتصارها عليها، تذكرت بقوة تلك النظرات المغلولة، المليئة بشرور النفس، وهي تبرز من عينيها؛ وكأنها تتشفى بها، لو كانت النظرات تقتل حقًا لقتلها!
اهتز جسدها بقوةٍ، حين لامستها والدتها تسألها بخذلانٍ لازم شخصها الضعيف:
-إنتي كويسة يا بنتي؟
تطلعت لها بنظرات فارغة؛ وكأن وهج الحياة قد انطفأ بها، حتى أمها لم تكن لتسمح لها برؤيتها ذليلة، قست عينا "فيروزة" نحوها، وردت متسائلة:
-تفتكري إيه؟
نكست رأسها في أسفٍ وهي تعتذر منها:
-حقك عليا، أنا قلبي بيتقطع عشانك، بس غصب عني، مكونتش هاقدر أقف قصاد جبروتهم، وخصوصًا في الحكاية دي.
وضعت "فيروزة" يدها على ذقن والدتها، رفعتها برفقٍ إليها، وحدقت في عينيها الكسيرتين بقوة غريبة، لا تعرف من أين استدعتها، أو استجمعتها، ثم قالت بصوتٍ خبت منه لمحة الوهن:
-ارفعي راسك لفوق يا ماما، بنتك شريفة، وطاهرة، ليه زعلانة؟
هتفت بقلبٍ متألم، وعينان تبكيان:
-أنا زعلانة عليكي، من كسرة نفسك قصادهم، من آ....
انخفضت يدها عن لمس ذقنها، وقاطعتها بصرامةٍ، وقد احتدت نظراتها:
-لا عاش ولا كان اللي يكسرني أو يذلني...
ثم ابتعدت عنها، ودفعت جسدها لتهبط عن الفراش، لتتابع بصيغة آمرة:
-يالا بينا..
قتلت "فيروزة" اختناقة موجعة، حاولت الظهور في صوتها، حين أكملت:
-مافيش حاجة يتبكى عليها هنا.
لم تفكر "آمنة" حتى في مجادلتها، وردت في خنوعٍ:
-حاضر يا بنتي.
...................................................................
قطع محدودة من الثياب قامت بجمعهم في وقت ضئيل، بعد إعادة ترتيب الغرفة، لتبدو نظيفة، منسقة؛ وكأن أحدًا لم يطأها من قبل، تقدمت "آمنة" نحو الخارج أولاً، تاركة ابنتها خلفها، لتستعد نفسيًا للمغادرة، متوقعة إحساسها بالخجل، وربما الانكسار، مثلما تشعر هي؛ لكنها فاجأتها "فيروزة" حين تبعتها رافعة أنفها للأعلى، في شموخ عجيب؛ كمن لم يتعرض للإساءة أبدًا، مع فارق عظيم؛ نظراتها تبدلت من المحبة والدفء، للقسوة والعدائية، والسبب كان معلومًا. تفاجأت "سعاد" باتجاه الاثنتين نحو باب المنزل، فقطعت عليهما الطريق بجسدها، وتساءلت في جزعٍ:
-على فين العزم؟
بادرت "آمنة" مُجيبة نيابة عن ابنتها:
-مالناش قعاد هنا.
تعلقت بذراعها ترجوها:
-استني يا "آمنة"..
نظرت لها الأخيرة بعتابٍ، قبل أن ينطق لسانها:
-كتر خيركم على اللي عملتوه.
ردت "سعاد" مدافعة عن نفسها بحزنٍ يعتصر قلبها:
-أنا ماليش ذنب يا "آمنة"...
ثم اتجهت أنظارها نحو تلك المسكينة، ذات الملامح الواجمة، نظرت لها بإشفاقٍ، وهتفت ترجوها بصوتٍ غلفه العطف، وهي تمد يدها لتلمس كتفها:
-"فيروزة" يا بنتي!
انتفضت الأخيرة من لمستها، وتراجعت قبل أن تكرر ذلك، كارهة بشدة، وبسخطٍ متعاظم للغاية، أن يضع أحدهم يدها على جسدها، أو أن يدنو منها، أيًا كانت معزته عندها. اعتذرت منها زوجة عمها بقهرٍ واضح عليها، وقد بدت الأكثر تأثرًا بما حدث:
-حقك عليا يا بنتي، أنا عمري ما هسامح "فضل" على اللي عمله فيكي.
سدت "فيروزة" أذنيها بيديها، حتى لا تسمع ما يذكرها بما خاضته من تجربة مهينة لذاتها، واستدارت تقول لوالدتها بصوتٍ متشنج:
-يالا من هنا.
هناك شرخ جسيم -غير مرئي- نال من كل ما ظنت أنه ثابت لديها، ومن تلقاء نفسها تساءلت "سعاد" ببديهية:
-مش هتستنوا "خليل"؟
ردت "آمنة" بوجه عابس؛ كمن لا تدين لها بشرحٍ:
-هو حر مع مراته، يرجع وقت ما يحب.
لم تكلف "فيروزة" نفسها عناء الرد عليها، حتى محبتها الصافية لم تشفع لها عندها، وضعت حاجزًا وهميًا بين كل من تورط في أذيتها، بينما ألقت عليها "سعاد" نظرة أخيرة مطولة؛ وكأنها تودعها للأبد، وقلبها يبكي حزنًا على رحيلها المفروغ منه.
.........................................................
رؤيتها بثوبها الفضفاض، بعد كل سنواته العُجاف، أوقظ به تلك المشاعر الحسية المنسية مع كد الحياة الذي لا ينتهي، جعل رغباته المفترسة تثور وتزأر بقوة، تدعوه للتمتع بما حباه المولى من مواهب ذكورية مفرطة، طالما أنها تحدث في نطاقها الشرعي؛ خاصة أنه يعشق ترويض أمثالها، وامرأته لم تمنحه ذلك الشعور بالسطوة المطلقة؛ لكن هناك ما اعتبره عقبة شائكة، تمنعه حاليًا من إتمام ذلك، لا يوجد ما يُعيب زوجته مطلقًا، فهي تحمل السمات المثالية للزوجة المنشودة؛ الوفاء، الطاعة العمياء، لا تعانده، تكفي يومها بالقليل، ولا تطمع أبدًا فيما لا يرضيه، يُقال عنها باختصارٍ بأنها طوع بنانه؛ لذا إن تهور وباح برغبته بالزواج مجددًا، حتمًا سيلومه الجميع على هذا. إذًا ليتريث لبعض الوقت، على أمل أن تصر تلك العنيدة على رفضها، ويستغل ذلك لصالحه.
لمح "فضل" طريدته المثيرة وهي تندفع خارجة من المنزل، فتلفت حوله بنظرات خاطفة سريعة، ليتأكد من عدم رؤية أحدهم لهما معًا، وبلمح البصر، تقدم نحوها معترضًا طريقها، ألقى عليها نظرة بطيئة جالت على تفاصيلها، ليستهل حديثه بخشونة نفرت منها:
-ماشية كده وواخدة في وشك؟ مش معبرة حد فينا ليه يعني؟
رمقته "فيروزة" بنظرة نارية مغلولة، وأشاحت بوجهها بعيدًا عنه، استوقفها بشدها من ذراعها صائحًا بها بغلظةٍ:
-مش بأكلمك تردي عليا؟
انتزعت ذراعها من قبضته القوية، وحدجته بنفس النظرات الكارهة قبل أن تصرخ به، رغم جرح أحبالها الصوتية، رافعة سبابتها أمام وجهه:
-إنت آخر حد تفكر تكلم معايا بعد اللي عملته!
لم ينكر أنها لفتت أنظاره بعد تلك الفترة الطويلة من الغربة، حيث أنهكته دوامة الحياة، والسعي وراء جني المال في أقل وقت ممكن، لم يكترث لتواجد زوجته معه ودعمه في تلك المشقة. دقق "فضل" النظر في تفاصيلها الأنثوية، وتخيلها بدون ما يحجب الرؤية عنه، تغيرت كثيرًا عن آخر مرة رأها فيها، وكان ذلك قبل بضعة سنوات، بدت مختلفة في الوقت الحالي، برزت معالمها وتكورت، كانت مفعمة بالنشاط، والقوة، على عكس شريكته التي أهملت في نفسها، وكرست حياتها لخدمته ورعاية الصغار، فتناست أنوثتها، وباتت روتينًا مزعجًا خلال متابعته لسير حياته الرتيبة، عاد من شروده السريع ليبرر تصرفه البغيض قائلاً ببرود استفزها:
-وأنا عملت إيه، ده أنا كنت بأطمن على شرفي.
صرخت توبخه بقوةٍ، غير عابئة باحتمالية تكرار بطشه الأهوج عليها:
-أنا شريفة غصب عن عين أي حد!
التوت شفتاه ببسمة خبيثة، عابثة، وأضاف بغمزة من طرف عينه:
-ما احنا اتأكدنا يا بنت عمي.. زي الفل!
رمقته بنظرة استحقارٍ نافرة، وهي تهمهم بخفوتٍ، مولية إياه ظهرها لتشرع بعدها في السير:
-قذر.
لم يستمع بوضوح لما نعتته به، ولم يهتم، سار إلى جوارها بخطواتٍ متسعة ليلحق بها، هاتفًا من خلفها:
-إيه مش هتقعدي معانا؟ وترحبي بابنك عمك؟ ده أنا غايب بقالي زمن.
توقفت عن الحركة، واستدارت نحوه تحدجه بمزيد من النظرات الحانقة، خاصة تلك النظرة الاحتقارية التي اشتملته من رأسه لأخمص قدميه، قبل أن تهزأ منه:
-ابن عمي؟! ده بجد؟ ولا نكتة بايخة..
قست نظراته من ازدرائها الواضح، بينما تابعت "فيروزة" بنفس القوة؛ وكأن أياديهم لم تمسسها بسوء:
-عارف إنت كنت زمان حاجة كبيرة أوي في نظري.. دلوقتي بقيت ولا حاجة.
إهانتها المتطاولة أغضبته، فأشار لها بسبابته يحذرها:
-احفظي أدبك معايا.
وكأنه لم ينطق بشيء ذو قيمة، فأضافت بنفس الثبات والقوة:
-أنا مغلطتش فيك، بس دي الحقيقة.. وأوعى تفكر إن اللي حصل معايا ده هيكسرني، بالعكس، ده عرفني نوعية الناس اللي من دمي، وحقيقتهم.
رد بشدةٍ، وبوجه مُربد بحنقه الغاضب:
-أنا مافيش حرمة تعصى عليا، عندك "سها" مراتي لو بس فكرت تعارضني مش هتلاقي غير حزامي.
نظرة أخرى نارية نالها منها قبل أن تهتف منهية الحديث معه:
-ربنا يرحمها ويرحمنا... من اللي زيك.
توقف في مكانه ولم يتبعها، وقد أبصر زوجته تطل برأسها من النافذة، أراد إخفاء تأثره الواضح بها، فاستقام في وقفته، ونفخ صدره بالهواء، ليصيح بعدها بسخافةٍ:
-على مهلك وإنتي ماشية يا بنت عمي.. لأحسن الطريق وحش على اللي زيك.
ثم وضع يده على بطنه الجائع، ومسح عليه بحركة دائرية متكررة، لتنخفض بعدها نبرته هاتفًا لنفسه، بما يشبه الوعد، وتلك النظرة المفترسة تحتل حدقتاه:
-ما احنا مسيرنا هنتقابل ..
.............................................
بتعسفٍ وقسوة رفضت السماح لها بالتواجد معها طوال فترة إعدادها للطعام؛ وكأنها تعلن لها بشكلٍ ملتوٍ أنها لا تجيد الطهي من الأساس، رغم براعتها في تجهيز المأكولات، والتي يشهد الجميع عليها بذلك. ظلت "همسة" باقية في الخارج على مسافة معقولة، تمكنها من رؤية حماتها، وهي تعبث بأدوات الطهي، مخرجة كافة ما رتبته في الأدراج، لتزيد من الفوضى الحادثة به، كتمت ضيقها مرغمة، حتى لا تمنحها الفرصة لإفســاد ما بينها وبين زوجها، فالأخير قد حذرها من لجوء والدته لتلك الأساليب المستفزة لينشب الشجار بينهما. لمسة حنون منه على جانب ذراعها أجبرتها على إبعاد نظراتها المزعوجة عنها، التفتت ناحية "هيثم" الذي سألها:
-هي لسه مخلصتش؟
نفخت وهي تجيبه بضيقٍ:
-معرفش، بس قالبة المطبخ كله، ومافيش حاجة مطلعتهاش، كأنها قاصدة ده.
غمغم بتبرمٍ، وهو يفرك مؤخرة عنقه:
-أنا عارف أمي، هتنكد علينا النهاردة.
التفتت في اتجاهه تشير له بسبابته منذرة إياه:
-يكون في معلومك أنا مش هانضف ده كله لوحدي، بجد حرام أوي، دي ما سبتس حاجة مطلعتهاش من دواليب المطبخ.
أمسك بيدها ليخفضها، وقال مبتسمًا:
-هابقى أغسل الأطباق والحلل معاكي، مرضية؟
أومأت برأسها في استحسانٍ قبل أن ترد باقتضابٍ:
-ماشي.
سألها "هيثم" مغيرًا حوارهما:
-أمك رجعت من البلد ولا لسه؟
أجابت عليه بعد تنهيدة شبه مهمومة:
-أيوه .. كلمتها قالتلي هي في البيت، بس صوتها مش عاجبني، شكل في حاجة كده حصلت.
علق عليها بنبرة عادية:
-تلاقيها تعبانة من مشوار السفر
هزت كتفيها قائلة:
-جايز.
سألها في فضولٍ:
-وأختك اتقرت فاتحتها؟
أجابته بقليلٍ من التردد:
-باين كده.. الصراحة معنديش تفاصيل.
رد غير مبالٍ بمعرفة الأمر:
-متستعجليش، هنعرف كل حاجة، يا خبر بفلوس..
ابتسمت وهي تتم القول الشعبي الدارج:
-بكرة يبقى ببلاش.
وضع يده على ظهرها ليدفعها برفقٍ للأمام، وهو يتابع:
-تعالي أما نشوف أمي بتعمل إيه جوا.
سارت معه متمتمة:
-أوكي.
ولج كلاهما لداخل المطبخ، حيث أحدثت "بثينة" فوضى عارمة، عن قصد، وسوء نية، انعكست علامات النفور والضيق على ملامح وجه "همسة"، ولم يستطع "هيثم" التعليق، فالمكان ينطق عن نفسه، تقدم نحو والدته الواقفة أمام الموقد، سألها في اهتمامٍ:
-إيه يامه؟
استدارت نحوه مرحبة به:
-تعالى يا حبيبي، أنا خلاص هحمر البط، وأقفل الفرن على صينية البطاطس، زمان وشها اتحمر..
مط فمه في إعجابٍ قبل أن يقول:
-بط مرة واحدة
وكزته برفقٍ في جانب ذراعه، وهي تستكمل موضحة ما أعدته:
-لأ وحشيتهولك مَرتة من اللي بتحبها.
استنشق "هيثم" بعمقٍ رائحة الطعام الشهية التي عبقت المكان، وهز رأسه معقبًا عليها:
-ما هو باين من الريحة.
تساءلت "همسة" من خلفها، وهي تكبح غيظها المتنامي بداخلها:
-مش عايزة مساعدة يا طنط؟ أنا شاطرة في الطبيخ.
نظرت لها شزرًا، ثم أبعدت عينيها عنها، لترد بتهكمٍ:
-بأمارة إيه يا ادلعدي؟
أجابت عليها "همسة" بثقة، مستعيدة في مخيلتها العبارات المشيدة ببراعتها خلال فترة عملها بعربة الطعام:
-الناس كلها عارفة ده، وتقدري تسألي ماما.
علقت بنقمٍ سافر:
-من يشهد للعروسة غير أمها.
ورغم نبرة السخرية المحسوسة في صوتها، إلا أنها ردت بجأشٍ تُحسد عليه:
-تقدري تدوقي أكلي بنفسك وتحكمي.
على الفور احتجت باشمئزاز:
-لأ مش عايزة، وبصراحة كده أنا مضمنش تحطي لابني حاجة في الأكل.
بدت جملتها مليئة بالاتهامات الغامضة، ضاقت نظرات "همسة" نحوها، وسألتها بقلبٍ ينبض في توتر:
-حاجة؟
حيلة ماكرة رغبت في نشرها بين الزوجين للتفريق بينهما، لهذا ادعت عليها "بثينة" بأكاذيبٍ ملفقة، وهي تضع قناع البراءة على ملامحها:
-بص يا "هيثم"، أنا مردتش أقولك يا حبيبي، وأنا بأدور على التوابل، لاقيت علبة البرشام دي مستخبية وراهم..
ثم أظهرت من جيب صدرها علبة دوائية غريبة الشكل، دقق "هيثم" النظر فيها هاتفًا بدهشةٍ:
-برشام؟!!!!
تابعت كذبها المرتب قائلة:
-أيوه، شكله مريحنيش، وصفته للصيدلي اللي بأتعامل معاه في التليفون، وقولتله على اسمه، فقالي إنه منشطات من إياها.
شهقت فاضحة خرجت من جوف "همسة" على كذبها البيَّن، بينما ردد "هيثم" مصدومًا:
-نعم منشطات؟!!
حدجت "بثينة" زوجته بنظرات مقيتة، وأضافت بأسلوبها الحاقد:
-شوفت مراتك بتعمل إيه من وراك؟
نفت "همسة" كامل اتهاماتها بصوتٍ بدا مختنقًا بوضوح:
-والله ما حصل، دي أول مرة أشوف العلبة اللي في إيدك.
على الفور استغلت والدته كلماتها الأخيرة، وأعادت صياغتها بشكلٍ ملاوع لتتهمها من جديد:
-يعني أنا كدابة؟ بقى دي أخرتها، سامع مراتك بتشتمني إزاي؟
انفجرت "همسة" باكية من الظلم المجحف الواقع عليها، بينما استنكر زوجها ما تحاول والدته فعله قائلاً بتجهمٍ شديد:
-هي نطقت أصلاً؟
من بين بكائها الحارق، هتفت "همسة" بصوتها المتقطع:
-أنا عمري ما أعمل كده، صدقني يا "هيثم".
لم يكذبها للحظة، ودلل على ذلك بدعمها الصريح:
-مصدقك.
ثم استدار نحو والدته، ليختطف من يدها الدواء، وهو يقول بحدةٍ:
-هاتي العلبة دي يامه.
لم تتحمل "همسة" المزيد، وانصرفت راكضة من المطبخ لتنزوي بغرفة الأطفال مواصلة بكائها المرير، بينما صوت "بثينة" يرن في جنبات المكان عاليًا:
-بنات آخر زمن، والله أعلم بتهبب إيه تاني من ورانا.
تركزت أنظارها بعد ذلك على ابنها الذي انتزع قرصًا من شريط الدواء، ابتلعه بقليلٍ من الماء، وسط دهشة عارمة من والدته، برزت عيناها في صدمةٍ، وسألته:
-إنت بتعمل إيه يا واد؟
ابتسم بعبثية ليستفزها حين جاوبها:
-هاخد قرص أجرب مفعوله مع مراتي حبيبتي.
تبدلت تعابير الانتصار لغيظٍ كبير، وصرخت فيه وهو يبتعد:
-يا واد خد هنا، ماتبقاش دلدول!
تجاهل ألاعيبها المكشوفة لإفساد استقراره الأسري مع حبيبته، واتجه إلى زوجته الباكية، جلس إلى جوارها على طرف الفراش الصغير نسبيًا –بالمقارنة مع فراشهما المزدوج بالغرفة الأخرى- يربت على ظهرها، ويمسح عليه بنعومة، هون عليها حزنها قائلاً بلطفٍ:
-متزعليش نفسك يا "هموسة".
ردت عليه بنحيبٍ، وهي تنظر نحوه:
-مامتك بتفتري جامد أوي عليا، وأنا مقدرش أستحمل الظلم ده.
أحنى رأسه على جبينها ليقبله، ثم قال معتذرًا:
-حقك عليا، مسيرها تمشي، هي مش هتفضل هنا على طول.. وأنا هتكلم معاها عشان ترجع بيتها.
غمغمت دون تفكير:
-يا ريت.
شعر "هيثم" بتدفق الحرارة إلى جسده، مع تقاربهما الجسدي المشوق، فتنحنح متسائلاً بتسلية:
-هو الجو ماله بقى حر كده ليه؟
كفكفت زوجته عبراتها متسائلة في استغرابٍ طفيف:
-حر؟
أوضح لها بنزقٍ:
-مش معقول البرشام اشتغل بالسرعة دي! أنا مش "طرزان"!
تدلى فكها السفلي للحظة في صدمة استوعبتها بعد لحظاتٍ، برقت عيناها وهي تسأله بوجهٍ تخضب بمزيد من الحمرة الدافئة:
-إنت عملت إيه؟
مرر ذراعه حول خصرها ليحاوطها، وضغط بأصابعه على منحنياتها المثيرة، ثم غمز لها قائلاً بنبرة لعوب:
-شوفي إحنا نخلي أمي ملبوخة في البط، وخليني أنا هنا في العسل.
.....................................................................
أهملت في متابعة تلك الفترة الأولية في حملها، وعرضت نفسها للكثير من المخاطر، والمجهودات البدنية والعصبية غير المحمودة، وكأنها لا تهتم، إلى أن قررت الذهاب لطبيبها، بمفردها، تاركة والدتها تمكث عند شقيقها، لتفسد هنائه، ومتوقعة أن يكون جنينها على ما يرام، خاصة في عدم وجود عوارض مقلقة؛ ولكن جاءت المفاجأة كالصاعقة المميتة، حين تفقدها الطبيب، وفحصها بدقة، أضاءت شاشة أجهزته الحديثة بمعطيات غير طيبة، مع انخفاضٍ كبير لمعدل نبض الجنين، والذي يناقض ما يفترض أن يكون عليه في تلك الفترة الزمنية. لم يعرف كيف يستهل حديثه معها، ومع هذا عليه أن يكون أمينًا مع مرضـاه، طلب من الممرضة مساعدتها على النهوض وارتداء ثيابها، انتظرها خلف مكتبه، مدونًا بعض الأشياء في ملفها، وتطلع إلى نتائج التحاليل المخيبة للآمال أيضًا، والتي تؤكد على صعوبة حالتها. جلست "خلود" قبالته، واضعة حقيبة يدها على حجرها، وسألته:
-معناه إيه إن نبض الجنين ضعيف؟ ده وحش يعني؟
رفع عينيه نحوها، وأجاب بهدوءٍ تام:
-للأسف أه.. واحتمال كبير الحمل ينزل.
انفرجت شفتاها عن صدمة مرعبة، أحست بتلك الخفقة القابضة تعتصر قلبها مع صراحته المطلقة، رفض عقلها التصديق، وهتفت مستنكرة:
-إنت بتقول إيه؟ فال الله ولا فالك يا شيخ .. أنا ابني زي الفل، قول كلام غير ده!!!
تفهم طبيعتها الغاضبة، وحافظ على ثبات نبرته الرزينة متابعًا توضيحه:
-يا مدام المشيمة عندك فيها مشاكل، أشعة الـ (4D) مبينة ده قصادي.. استحالة يكمل.
صرخت به بعدائية، ووجهها التهب على الأخير:
-الله أكبر عليك، إنت هتحسدني؟
ضاقت عيناه في اندهاشٍ، وردد مذهولاً:
-أحسدك؟
-أيوه، ابني مافيش فيه حاجة.
رفضت بشكل قطعي تصديق ما قاله، بل تعذر عليها تفسير مصطلحاته الطبية التي حاول بها توضيح طبيعة حالتها المرضية المهددة بإجهاضٍ وشيك. منحته تلك النظرة النارية، فأضاف على مهلٍ، متجاوزًا عن عصبيتها:
-الجنين عشان يتكون بيتغذى من الحبل السري، وبيكون ده متصل بالمشيمة، اللي بتمده بالدم، وبكل العناصر اللي محتاجها والأكسجين، و.....
قاطعته بلوعةٍ:
-طيب شوف لي دوا أخده، وتتصلح البتاعة دي.
عقد حاجباه مكررًا في استغرابٍ:
-تتصلح!!
قالت ببساطة شديدة:
-أيوه .. زي أي حاجة، مش إنت دكتور، ولا دي شهادة مضروبة؟
للمرة الثانية تهينه بشكلٍ فج، وحاول قدر المستطاع ألا تنفلت أعصابه، لذا تنفس ببطءٍ، وقال لها:
-حضرتك برضوه مش فهماني يا مدام، معدل نبض الجنين في الفترة دي أقل بكتير جدًا من اللي المفروض يكون عليه
سألته ببلاهة:
-يعني أخد إيه ويزوده؟
أدرك أنها حالة ميؤوس منها لتستوعب حقيقة إجهاضها، فلجأ لطريقة أخرى لإقناعها، واستطرد قائلاً:
-طب أنا هسألك شوية أسئلة، ممكن؟
تقوست شفتا "خلود" عن امتعاضٍ واضح، وردت على مضضٍ:
-اتفضل.
أخفض نظراته ليسجل إجاباتها دون تأخير، وهو يسألها:
-حضرتك وزوجك أقارب؟
أجاب دون تفكيرٍ مطول:
-أيوه ولاد خالة، من دم بعض.
زم شفتيه قليلاً، ثم تسأل بحذرٍ:
-تمام.. طيب في الفترة الأخيرة حصل بينكم تواصل جسدي، علاقة يعني؟ غير المرة اللي جيتلي فيها وعندك نزيف!
قطبت جبينها نافية:
-لأ.
تابع تساؤلاته المحققة في حالتها:
-لما الممرضة قاست ضغطك، القراءة كانت عالية في الجهاز، زي كل مرة، حضرتك بتعاني من الضغط؟
هتفت باستنكارٍ:
-هو إنت عاوز ضغطي مايعلاش من الهم والقرف اللي بأسمعه
-حصلك نزيف تاني؟ بقع دم؟
شردت للحظة متذكرة تلك القطرات التي لطخت ثيابها الداخلية، وتكررت بشكلٍ دوري على مدار الأيام الماضية، تجاهلتها معتقدة أنه شيء طبيعي، أن يلفظ جسدها بقعًا من الدم الداكن. استراب الطبيب من صمتها الطويل، وأعاد سؤالها:
-يا مدام حصلك نزيف تاني؟
ادعت كذبًا لتضلله:
-هو مش نزيف أوي، دي كانت مرة ولا اتنين، كنت مجهدة وكده.
بات كذبها مفضوحًا، مع محاصرتها بالمزيد من الأسئلة الطبية الدقيقة التي تكشف عن عوارض الإجهاض، وما إن فرغ من أسئلته المستفيضة معها حتى قال بصراحةٍ، وبناءً على الاستنتاجات المؤكدة التي جمعها عن حالتها:
-طيب يا مدام، حضرتك لازم تكوني مستعدة لأي طارئ الأيام الجاية، لأن في احتمالية كبيرة إن الجنين يموت في بطنك.
صرخت بوجهه وهي تضرب بيدها على سطح مكتبه:
-إنت الظاهر عليك ما بتفهمش، عايز تموت ابني، وهو لسه عايش.
ابتلع إهانتها بأعصابٍ مشدودة، ثم تنفس ببطءٍ، ليتابع بعدها:
-حضرتك تقدري تروحي لأي دكتور تاني أحسن مني، وأنا متأكد إنه هايقولك نفس الكلام.
هبت واقفة ترمقه بتلك النظرة الناقمة، ثم دفعت بيدها محتويات سطح مكتبه في عصبيةٍ، لتتناثر على الأرضية، وتسبب الفوضى، صرخت داعيه عليه بسخطٍ كبير:
-منكم لله يا ظلمة، ربنا يهدكم.. إنت ولا تفهم حاجة في الطب.
تدخلت الممرضة لتساعد في إبعادها عن مكتبه، نجحت في إخراجها منه، ولم تتوقف "خلود" عن نعته بألفاظٍ شبه نابية تعبر عن سخطٍ عظيم وسط ذهول الجالسين بالخارج.
......................................................................
لم يجد مكانًا يصلح لركن سيارته، سوى تلك البقعة القريبة من إشارة المرور، والمحاذية في نفس التوقيت للشارع المؤدي لطريق الكورنيش. أوقفها "تميم" تاركًا إشارة الانتظار مضيئة، وألقى نظرة عابرة على السائرون من حوله قبل أن يلتقط هاتفه المحمول، وضعه على أذنه، بعد عبثه برقم أحدهم، مترقبًا رده، وما إن سمع صوته حتى بادر بسؤاله:
-إنت فين يا عم "ناجي"؟
جاءت نبرته لاهثة وهو يرد:
-دقيقة وهاكون عندك، إنت فين بالظبط
جاوبه بزفيرٍ متعب:
-قبل الإشارة بشوية..
عقب بلهاثٍ:
-تمام، أنا جايلك.
غــاص "تميم" في مقعد سيارته، وأراح رأسه للخلف، مغمضًا عينيه للحظاتٍ، لم ينكر أن التهائه المتعمد بالعمل الزائد لم يفلح في إيقاف عقله عن التفكير فيها، ما زالت تستحوذ حتى على أصغر فراغات عقله، وتجبره بشتى الطرق على الاستغراق في التفكير مجددًا فيها، ورغمًا عنه –بعد كلام خالها الأخير معه- تخيلها ترتدي خاتم الخطبة، وابتسامة ساحرة سعيدة تظهر على شفتيها، أحس بكآبة تثقل صدره، فنفض المشهد الوهمي عن مخيلته، لكن ما لبث أن لاح على زاوية فمه ما يشبه البسمة الساخرة، كانت "فيروزة" نادرًا ما تبتسم له، معه دومًا متجهمة، عاقدة لحاجبيها، مقتضبة الجبين، ومع هذا كان تأثيرها جليًا عليه! بيأس انتزع نفسه من شروده الحزين، لا جدوى من التفكير فيها الآن، أصبحت رسميًا لغيره، ولمن لا يستحقها أبدًا، وهذا ما وخز قلبه بشدة، من ينالها عليه أن يكون الأفضل في كافة النواحي، يميل للكمــال.
فتح "تميم" عينيه ليتفاجأ بطيفها متجسدًا عبر زجاج سيارته الأمامي، للحظة توهم أن ذلك من وحي عقله المرهق؛ لكنها كانت بشحمها ولحمها، تقف تقريبًا على بضعة خطواتٍ من سيارته، تركز كامل انتباهها على الطريق لتعبره، انقطعت أنفاسه؛ وكأنها سرقتها منه. قفزات متحمسة أصابت قلبه، فأحس به ينتفض بقوةٍ بين ضلوعه، تصلب في جلسته، وحملق فيها بفمٍ مفتوح، لم يدرك أنه يبتسم لمجرد رؤيتها، تأملها محاولاً التطلع لتفاصيل وجهها من زاويته، تعذر عليه هذا، المثير في الأمر أن حواسه تحفزت بشكلٍ رائع، قضى على ما يشعر به من إحباطٍ ويأس، ومع هذا تبددت سعادته المؤقتة مع استعدادها للانتقال للجانب الآخر معتقدًا أنها ستلتقي بزوج المستقبل. حل الوجوم التعيس على خلجاته، وتهدل كتفاه باستياءٍ ناقم، قضى على رجفة مزعجة تسربت إليه حين اقتحم "ناجي" سيارته ليسأله:
-اتأخرت عليك يا ريس؟
أجاب بتعابير مكفهرة للغاية:
-لأ.
نظر إليه في استغرابٍ، وسأله:
-مالك يا "تميم"؟ في حاجة حصلت؟
سحب الأخير نفسًا عميق يخمد به ما انتفض في صدره من طقطقات الغيرة ليرد:
-مافيش
أشــار له بيده لينطلق:
-هنطلع على الوكالة ولا رايحين فين؟
تعلقت نظرات غير طائعة، من عينيه القاتمتين، نحو بقايا أثرها المتسرب في زحام الطريق، قبل أن يدير المقود، ويندفع مبتعدًا عما يؤلم قلبه، ليقضي ببطءٍ، وبلا رحمة، على مشاعره النابضة لأجلها ..................................................... !!!
.............................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم Manal Salem
الفصل السادس والخمسون
ومضــات خاطفة غزت لحظتها الشاردة، حين توقفت لبرهة على قارعة الطريق، منتظرة هدوء حركة السيارات، لتعبر للجهة الأخرى، استعادت لقطات من حديثها المحتدم مع والدتها، موجة الغضب الحارقة التي اجتاحتها منذ تلك اللحظة المشؤومة لا يمكن أن تُمحى آثارها القاسية بسهولة، هي فقط حاولت الخروج من ذاك المكان الملعون بأقل الخسائر الممكنة، خاصة مع لقائها المنفر بابن عمها، فلا يعرقل ذهابها بتسلطه المقيت، وما إن عادت إلى منزلها –القابع بنفس البلدة- بصحبة والدتها فقط حتى ثارت ثائرتها، وتقاذفت حمم غضبها في كل مكان، التفتت ناظرة إلى أمها تلومها:
-إنتي اللي عملتي فيا كده مش أنا!
ردت "آمنة" متسائلة بوجهها العابس:
-أنا يا "فيروزة"؟
أكدت عليها ابنتها، بكل ما يعتريها من حنق:
-أيوه، لو كنتي خدتي موقف من الكلام اللي اتقال في حقي، مكانش حد اتجرأ ولمسني..
جاهدت لتخنق تلك الغصة التي احتل نبرتها، وقالت بمرارةٍ، وانكسار تكاد تراه في عينيها:
-عارفة يعني إيه يكشفوا سترك؟ يجردوكي من كل حاجة عشان بس نفوسهم المريضة صدقت كدبة مالهاش أساس..
أطرقت والدتها رأسها، ولم تعقب، فأكملت "فيروزة" حوارها أحادي الجانب، مفرغة تلك الشحنة الجاثمة على أنفاسها فيها:
-جايز معملتيش حاجة معاهم، بس سكوتك واستسلامك خلاني في نظرهم كده، مذنبة من غير دليل، خاطية وأنا معملتش حاجة خالص.
انتحبت والدتها وهي تعقب عليها:
-خلاص بقى ذنبي دلوقتي؟
نظرت ابنتها في عيني والدتها بنظراتها الجريحة، ثم تابعت بألمٍ شديد:
-أنا اتكسرت من جوايا يا ماما، مع إني مظلومة، في حاجة اتهزت فيا، مابقتش زي الأول، حتى لو اللي اتعمل ده فيا إنتو شايفينه عادي!
ربتت "آمنة" على كتفها بحنوٍ، وهونت عليها عذابها قائلة لها:
-متقوليش كده، اللي حصلك مش سهل عليا برضوه.
رغم بكائها الصادق، إلا أنها لم تشعر بتعاطفها الحقيقي معها، أفسدت سلبيتها المميتة رباط الثقة بينهما. بلعت "فيروزة" ذاك العلقم المرير في حلقها، وتنهدت متابعة بأنفاسها المنفعلة:
-شوفتي نظرات "حمدية" ليا، مع إنها عارفاني كويس، بس كانت أول واحدة لفت حبل المشنقة حوالين رقبتي.
علقت عليها بنواحٍ:
-والله أنا حاولت أتكلم مع عمك، جايز مايسمحش ده يحصلك وآ....
قاطعتها "فيروزة" بحزنٍ جلي، وحسرة مقروءة في نظراتها:
-عمي.. يا خسارة عليه!
زاد اختناق صوتها مع قولها:
-النهاردة اتأكدت إن السند راح من زمان!
حاولت أن تكبح عبراتها لتبدو متماسكة، لكنها فشلت، فالأمر يفوق قدرة أي إنسان طبيعي على الاحتمال، كفكفت دموعها الحارقة، واستأنفت معبرة عن قسوة أقاربها:
-وعمي وقت الجد خد صف ابنه، ونسى إني متربية تربية أصيلة، ما عملش العيبة ولا فيها موتي!!
احتضنتها والدتها، ومسحت على ظهرها معتذرة منها:
-حقك عليا يا بنتي.
انسلت من أحضانها متسائلة في قهرٍ:
-هترجع الكلمة دي إيه ولا إيه؟!
تنفست "فيروزة" بعمقٍ لبضعة مرات حتى تقتل ضعفها الذي طغى على السطح، وقالت بحزم، وبقساوة كست نظراتها:
-بالنسبالي كل حاجة ربطتني في يوم بالبلد دي انتهت!
تساءلت أمها في حيرة:
-يعني إيه؟
قالت حاسمة أمرها نهائيًا، كمن يقرر، لا من يُخير:
-أنا مش هارجع هنا تاني يا ماما .. حتى لو مت!
عند تلك الكلمات الختامية استفاقت "فيروزة" من سرحانها المفطر للقلوب على صوت البوق المزعج لإحدى السيارات، انطلقت عابرة للجهة الأخرى، مانعة نفسها من ذرف أي عبرات، كانت كراهيتها لما مرت به خلال الفترة الأخيرة قد وصلت لمنتهاها، ليبقى ضعفها مخبئًا بداخلها، غير مسموح لأحدٍ، برؤية الهزيمة التي نالت من روحها وسحقتها.
.........................................................
كان لسيرها المرهق الأثر المحمود في تخفيف وطــأة معاناتها، دارت لوقت طويل في الشوارع، آملة أن تفرغ شحنتها المكبوتة في صدرها، تمكن التعب من قدميها، فاتجهت أخيرًا إلى محل رفيقتها؛ وكانت آخر من تحبذ اللقاء بها في تلك الظروف، استقبلتها "علا" بتلهفٍ متحمس، ما إن رأتها حتى قفزت عن مكتبها، واتجهت إليها لتحتضنها مستهلة حديثها المرح معها بتهنئة حــارة:
-نقول مبروك بقى؟!
ضاقت نظراتها الملتهبتين نحوها باستهجانٍ بائن، وسألتها بما يشبه الاتهام:
-يعني كنتي عارفة؟
بتلقائيةٍ أجابتها رفيقتها:
-أكيد.. "آسر" ليه مكانة مميزة عندي وآ...
قاطعتها "فيروزة" متسائلة بنوعٍ من الهجوم:
-ومحذرتنيش؟ أو حتى عرفتيني باللي ناوي يعمله؟
تطلعت إليها في استغرابٍ، لم تبدُ سعيدة بتاتًا، مظاهر الفرحة الطبيعة كانت معدومة من على ملامحها الواجمة، لم تبعد عينيها المتفرستان في وجهها، وقالت مبررة تصرفها، بدهشةٍ غلفت نبرتها:
-هو معملش حاجة غريبة، طلبك للجواز من أهلك، كأي حد عايز يرتبط ببنت بشكل رسمي.
احتقنت عينا صديقتها، وبدت وكأنها تقاتل شيء ما بداخلها، بينما أكملت "علا" ببساطة شديدة؛ وكأنها لم تفعل ذلك حقًا:
-ولو إنتي مش راضية أرفضيه عادي.
هنا صرخت بها "فيروزة" بصوتٍ متهدج:
-"علا" بسببه أنا اتأذيت!
وضعت رفيقتها يدها على فمها، كبتت شهقة تنازع للخروج من بين شفتيها، وقد كانت في حالة صدمة، أخفضت يدها لتسألها في قلقٍ:
-إزاي؟ هو عملك حاجة؟
ندمت الأخيرة لاندفاع لسانها الأخرق، في البوح بما لا يفترض قوله، فصححت بحزنٍ ملموس بقوة في تعبيراتها الذابلة:
-لأ مش هو.
ألحت عليها متسائلة في فضولٍ شديد:
-أومال؟
تجنبت منحها الإجابة الحقيقية بنوعٍ من المراوغة:
-حاجة مش مهمة، بس كان لازم على الأقل تعرفيني يا "علا"، إنتي صاحبتي.
شعرت رفيقتها بغرابة تصرفاتها، بوجود ما تخفيه عنها، وردت في توجسٍ:
-"فيروزة" أنا متوقعتش إنك تزعلي كده خالص، افتكرت هتفرحي بجو الخطوبة والحب والرومانسية، الحاجات اللي أي بنت بتحلم بيها.
نظرت لها بعينين فارغتين، خالية من المشاعر تقريبًا، يغطيهما الحزن والهم، حاولت "علا" الابتسام، وأضافت بنعومةٍ، عل رفيقتها ترى الجانب الدافئ في شخصيته، مثلما تراه هي:
-وعلى فكرة "آسر" بيحبك أوي، تقريبًا مش شايف غيرك، عايزة إيه تاني غير كده؟
اعترفت دون ندمٍ:
-وأنا مش بأحبه!
ورغم كون ردها الصريح قد أراح "علا"، إلا أنها احتفظت بسعادتها في الخفاء، استمعت إلى رفيقتها وهي تواصل قولها:
-ومش عايزة جواز صالونات، ولا حد يجبرني على حاجة مش عايزاها.
تصنعت البراءة، وسألتها لتتأكد من فتور مشاعرها نحو "آسر":
-أنا بجد مش فهماكي، حد يجيله عريس لُقطة زي ده، ويرفضه.
أجابت بلا شكٍ:
-لُقطة بالنسبة لغيري؛ لكن مش أنا.
انفلتت تنهيدة حالمة من بين شفتي "علا"، تبعها نظرات ساهمة، وهي تردد في جنبات نفسها برجاءٍ عظيم:
-يا ريتني كنت مكانك!
............................................................
امتزجت حرارة الجو، مع الرطوبة العالية، والتي غطت معظم رصيف الميناء، بشكلٍ غريب، لتمنح المتواجدين إحساسًا كبيرًا بارتفاع درجات الحرارة عن المعتاد، أصبح الطقس خانقًا بشكل غير اعتيادي، خاصة والمكان يعج بزحامٍ شديد، بسبب تكثيف الإجراءات الأمنية لتفتيش كافة البضائع الواردة والصادرة. أظهر "تميم" تصريحه المروري ليلج للداخل بسيارته، بينما تساءل "ناجي" في تذمرٍ:
-مش شغل الميناء والفواتير بتاع "هيثم"؟ مالنا احنا ومال القرف ده كله؟
قال ببسمة باهتة مرتكزة على زاوية فمه:
-عريس يا سيدي.. والفواتير دي لازم ناخدها قبل ما نسلم التوريد الجديد.
علق ساخرًا من مكوثه الطويل بالمنزل:
-هو هياخد الشهر كله وإلا إيه؟ ده كل الرجالة بتطفش من تاني يوم!
رد عليه "تميم" ممازحًا:
-سيبه كام يوم، بكرة النكد يلبس فيه.
تجرأ صديقه ليسأله بوقاحة طفيفة، وذلك الفضول يبرز في نظراته نحوه:
-صحيح الناس بتقول إن الجماعة بتوعك أعدين معاك في بيت العيلة، هو إنتو رجعتوا لبعض ولا إيه؟
انعطف "تميم" بسيارته نحو الموقف المخصص لركن السيارات بداخل الميناء، رمقه بنظرة محذرة قبل أن يوبخه بخشونةٍ:
-ومن امتى أنا بأتكلم يا "ناجي" في حاجات تخص أهل بيتي مع حد؟
برر له على الفور:
-أنا يا سيدي عاوز أباركلك لو رجعتوا لبعض، وبعدين ده الناس اللي بتقول، إكمن شايفين الجماعة عندكم ليل نهار.
زجره بحدةٍ، وتلك الشراسة المقلقة تغزو حدقتاه:
-خلينا في شغلنا اللي جايين عشانه أحسن.
لعق شفتيه، ورد دون تفكير:
-اللي يريحك.
في تلك الأثناء، وعلى مسافة غير بعيدة منهما، كان "محرز" يجري مكالمة هاتفية مع أحدهم، لإطلاعه بآخر مستجدات إنهاء إجراءات تخليص الحاوية التي تحوي ثمار التفاح المستوردة، أنهاها واستدار ببطءٍ ليتفاجأ بتواجد الاثنين في الميناء؛ وكأن مسألة حضوره إلى هنا مستبعدة عن ذهنه، بهتت ملامحه، وأصابته لوسة موترة، كان كمن تعرض للصعق كهربيًا، فهتف بصوتٍ خفيض:
-يادي المصيبة، إيه اللي جابه هنا؟!!
بحث سريعًا بعينيه عن حاجز ما ليتوارى خلفه، قبل أن يلمحه شقيق زوجته، مرددًا لنفسه:
-ده كده الحكاية كلها تتكشف لو عرف إني هنا!
وجد ضالته المنشودة، سيارة نقل كبيرة، اختبئ عند مقدمتها، مانحًا عينيه زاوية رؤية جيدة، وضع الهاتف على أذنه ليهاتف نفس الشخص الذي حادثه قبل قليل، وردد بصوتٍ مضطرب:
-بأقولك إيه يا أستاذنا، أخو مراتي هنا، كده مش هاعرف أتحرك براحتي..
جاء صوت "آسر" من الطرف الآخر ناطقًا بذهول:
-"تميم"؟ وده إيه اللي جابه؟ إنت مش قايلي إنه مالوش في شغل المينا؟
رد في حيرةٍ:
-معرفش، أنا زيي زيك اتفاجئت بيه هنا.. ها أأجل الحكاية ولا أعمل إيه؟
أجابه معترضًا:
-لأ استنى
هتف متسائلاً:
-لحد امتى؟
جاوبه بهدوءٍ عاد ليسيطر على نبرته:
-شوية، جايز يكون جاي في حاجة في السريع وماشي.
على مضض عقب عليه:
-طيب.
سأله "آسر" في اهتمامٍ:
-والأمانة فين؟
بابتسامة واثقة، لا تنم عن كونها المرة الأولى أبدًا، أجاب:
-في الحفظ والصون، مستني راجلي يعدي عليا ياخدها.
حذره بلهجةٍ شديدة:
-حاول ماتظهرش قصاد "تميم"، مش عايزين حد يشك فيك
خطر لـ "محرز" خاطر سريع، ذكره بليلة عرس "هيثم"، حين تفاجأ برؤية "آسر" في حفل الزفــاف، كان أمرًا صادمًا تواجده في المكان، ومع هذا عمد إلى التعامل معه كشخص غريب، لم يسبق له رؤيته أبدًا، والأخير تصرف بنفس الأسلوب؛ وكأن تعاملاتهما لا تمتد لسنواتٍ سابقة.. نفض ما يشوش صفاء تفكيره حاليًا، ليرد بزفيرٍ ممتعض:
-حاضر يا سي الأستاذ.
................................................................
لم يمضِ الكثير من الوقت على تواجده بالميناء، فمجرد حصول "تميم" على الأوراق المطلوبة انصرف من هناك، ليستعيد "محرز" ضبط نفسه، ويخرج للعلن بعد أن كان يختبئ كالجرذان .. اتجه نحو المخرج، حيث ينتظره أحد أتباعه المخلصين، ممن يقومون بالتهريب مقابل ربح مادي سريع، لوح له الأخير بيده مرحبًا بهتافٍ مادح:
-عمي وعم الناس كلها
لوى "محرز" ثغره مرددًا بسخطٍ طفيف:
-فين أراضيك يا "حاتم"؟ أنا افتكرتك بطلت الشغالة، ومابقتش محتاج!
هتف نافيًا:
-حد يرفس النعمة بردك يا ريسنا؟ بس كان عندي شوية مشاكل كده ولبخ
سأله بنظرات قاسية:
-حاجة ليها علاقة بشغلنا؟
نفى "حاتم" على الفور:
-لأ خالص، احنا في السليم.
تأبط "محرز" ذراعه، وجذبه بعيدًا نحو زاوية خالية من البشر، ثم أخفض صوته ليقول له:
-طيب عاوزك في تهريبة خفيفة، بس يا تطلعك لفوق، يا تجيبك أرض.
ابتسم وهو يقول دون تفكيرٍ:
-معاك يا ريس.
شدد عليه بلهجةٍ لا تمزح:
-خد بالك، دي حاجة مهمة أوي، ولو نفع تجيب المدام معاك يبقى زي الفل، منها تزغلل عين بتوع الجمارك، ومنها لو اتقفشت ماتروحش في تُوكر، إنت بتاعنا وراجلنا.
صمت للحظة في ترددٍ، قبل أن يستجمع جأشه ليعترف له:
-مش هاينفع أجيب الجماعة معايا!
ضغطت أصابع "محرز" على ذراعه، وقست نظراته متسائلاً
-ليه؟ هي كانت أول مرة؟ ده إنت في جيتها بدل الطاق طاقين، يعني مافيش حاجة بتروح عليك
قال موضحًا بنزقٍ:
-أنا طلقت "نيرمين" من فترة، وبصراحة كده كانت وش بومة، جايبة لأمي الفقر!
بدت علامات الحيرة والانزعاج ظاهرة على وجه "محرز"، والذي أردف قائلاً في استنكارٍ:
-يا شيخ، دي كانت نفعانا في حاجات كتير.
لم يكن مكترثًا بضيقه، وأضاف مقتضبًا:
-اللي حصل بقى.
فرك "محرز" طرف ذقنه، وقد بدا كمن يفكر في عمقٍ:
-الليلة دي محتاجة حريم عشان نعرف نعديها.
رد عليه مقترحًا:
-أنا هاتصرف، هأجر واحدة من غير ما نديها تفاصيل.
سأله بنبرة مهتمة:
-عندك اللي يعمل كده؟
أجاب مؤكدًا:
-أيوه، الواد "ناصر" صاحبي عارف نسوان بعدد شعر راسه.
شدد "محرز" من قبضته عليه، ليحذره مجددًا، من مغبة التصرف برعونة، في هذا الوضع الحرج:
-احنا مش هنوسع الدايرة يا "حاتم"، الحكاية مش ناقصة شوشرة، ده احنا عمالين نقول يا حيطة دارينا، كده هتفتح العين علينا، وباليزيد.
أوضح له معللاً:
-أنا مش هاقوله حاجة، هافهمه إنها عملية تهريب هدوم عادية، زي ما بيحصل كل مرة، ويشوف واحدة كده من إياهم تساعدني، إكمن الشغل كتير، هلاوعه!
استغرق "محرز" لدقيقة في تفكيره، يدير الأمر في رأسه، قبل أن يمنحه رده النهائي:
-استنى ماتعملش حاجة غير لما أشور على كبيرنا
تساءل "حاتم" بقلقٍ، وقد بدا في حاجة ماسة للمال:
-هو ممكن يعترض؟
رد عليه بوجه يكسوه الجدية:
-أه طبعًا، ده كل خطوة بنعملها في شغلتنا دي محسوبة بالورقة والقلم.
.......................................................................
دقــات ثابتة على باب المنزل، حثت الصغيرة –ذات الجديلتين، والأعوام الخمسة- على التحرك نحوه لفتحه، ارتسم على شفتيها ابتسامة طفولية فرحة لرؤية والدها الغائب، فردت ذراعيها تدعوه للإقبال عليها واحتضانها. ترك "خليل" ما في يده من أكياس ممتلئة بالطعام والفواكه على الأرضية، لينحني حاملاً إياها، بعد غلقه للباب، ضمها إليها هاتفًا بحنوٍ، رغم اللهاث المصاحب لصوته:
-حبيبة بابا.
سألته الصغيرة بعتابٍ:
-اتأخرت ليه؟
أجاب "خليل" مبتسمًا:
-كان عندي شغل أد كده.
عبست الطفلة، وقالت ببراءتها غير الملوثة:
-أنا بأزعل لما بتسافر.
رد عليها بحنوٍ كبير، وهو يمسح على صدغها بكفه:
-معلش يا حبيبتي، ده عشان أجيبلك لعب حلوة.
ظهر أمامه امرأة عشرينية، حسنة الوجه، قمحية البشرة، تلتصق ثيابها المنزلية ببدنها بشكلٍ مغرٍ، انفرجت شفتا "خليل" عن رغبة جائعة، خاصة مع دلالها الأنثوي وهي ترحب به:
-حمدلله على السلامة يا "خليل".
تقدم نحوها، والتف ذراعه الآخر حول كتفيها ليضمها إليه، وليشعر بمنحنياتها الجذابة على جسده، تنهد قائلاً لها بلوعة الاشتياق:
-وحشتيني يا "سماح".
لكزت كتفه برفقٍ، وتغنجت بجسدها معاتبة إياه في عبوسٍ رقيق:
-كده بردك ماتتصلش بينا الفترة اللي فاتت يا سي "خليل"؟
رد معللاً سبب غيابه:
-ما إنتي عارفة "حمدية"، كانت فوق دماغي.. مش مخلياني أشم نفسي حتى.
تأففت كمن تذوق شيئًا لاذع المذاق، لتقول بعدها بنفورٍ، وهي تضع يدها على صدرها:
-أعوذو بالله منها، لما تيجي سيرتها قلبي بيتقبض.
قال مؤيدًا بسخطٍ كبير:
-بومة طول عمرها، ربنا ياخدها ويريحني، وبعدين أنا جاي أقعد معاكي إنتي كام يوم.
تمايلت "سماح" بجسدها بدلالٍ أكبر، وهي تحمل الطفلة عنه، لتسأله بعدها:
-صحيح، إنت سيبتها في البلد لوحدها؟
أجاب نافيًا بصوتٍ مرهق:
-لأ، مع العيال، وبعدين هيجرالها إيه يعني؟
ردت بتوجسٍ:
-لأحسن تشك فيك، سفرك بقى كتير وكده.
انتزع ساعة يده، وأزاح سترته المتعرقة عنه، ليرد بغير مبالاة، وهو يلقي بثقل جسده على الأريكة العريضة:
-أنا قولتلها مأمورية طارئة، زي كل مرة.. تصدق ما تصدقش تتفلق، أنا هربان من مشاكل الدنيا كلها عشان أجيلك يومين أروق دماغي.
هتفت بتدللٍ:
-أحلى دلع هتشوفه معايا، ده أنا مراتك حبيبتك..
ثم تحولت نبرتها لقليلٍ من الجدية، حين سألته:
-إنت كنت قايلي قبل ما تسافر إن في خطوبة بنت أختك، عملتوا الخطوبة؟
أخبرها بعد زفيرٍ بطيء، صرف معه إنهاكه:
-لأ .. لسه.
جلست الطفلة في حجره، وأحاطت بجسد والدها، بينما تساءلت "سماح" بفضولٍ:
-ليه؟
راوغها "خليل" في الرد، وقال:
-بعدين بقى، أنا دماغي أد كده من الطريق.
اعتذرت منه بابتسامةٍ، كانت لعوب إلى حد ما:
-دلوقتي أنسيك التعب وهدة الحيل.
اتسعت ابتسامته العابثة، وقال لها مستخدمًا يده في الإشارة:
-هتلاقي في الشنط اللي هناك دي كباب وكفتة، أنا جايبهم عشان ناكل ونروق على نفسنا.
سال لعابها مع إحضاره لذاك الطعام الشهي، وارتفع زئير بطنها الجائع، لتصيح في حبورٍ:
-الله .. وأنا هاجهز السفرة على طول.
أمرها بما يشبه الرجاء:
-أوام يا "مووحة"، لأحسن أنا واقع من الجوع.
ردت عليه بلؤم ممتزج بالخجل:
-ما أنا زيك، محطتش الزاد في بؤي من ساعة ما اتصلت عليا وقولتلي أنا جاي، هو أنا يجيلي نفسك أكل ولا أشرب من غيرك؟
هتف في انتشاءٍ:
-أصيلة يا ست البنات.
أحنت "سماح" جسدها للأمام لتجمع الأكياس التي أحضرها، بطريقة شبه مغرية، متعمدة أن تبدو مقوماتها في مرمى بصره، ليظهر تأثيرها عليه، وسألته، دون أن تعتدل في وقفتها:
-صحيح عملت إيه في تأشيرة أخويا؟
أجابها على الفور، ونظراته لم تفارق منحنيات جسدها:
-كلمت الراجل معرفتي وهيخلصهالي قريب، متقلقيش.
اعتدلت ببطءٍ في وقفتها، وردت تشكره في امتنانٍ
-ماتحرمش منك يا غالي.. مسافة ما تغسل إيدك هتلاقي الأكل محطوط على التربيذة.
هز رأسه مرددًا بابتسامة متحمسة، ويداه تلاطفان طفلته الصغيرة الجالسة في أحضانه:
-ماشي يا عسل.
........................................................................
صعدت إلى سطح المنزل، في ذلك الوقت المتأخر من الليل، وقفت عند حافته، عاقدة لساعديها معًا أمام صدرها، تتأمل بعينين متعبتين الأمواج المتلاطمة وهي تتكسر على الشاطئ، كانت روحها مثلها، تتكسر مع القساوة التي تختبرها من آن لآخر، وكلما حاولت لملمة شتاتها المبعثر، يظهر ما يحطمها من جديد، لم تختر أن تكون الضلع المنوط بتحمل عبء المسئولية كاملة؛ لكن فرض عليها رعاية أسرتها، في ظل طبيعة شخصية والدتها المسالمة، ومع رهافة مشاعر توأمتها، ووجود خالها الطامع وزوجته الحقود، وعائلة تسكن بعيدًا عنها، لا تلتقي بهم إلا في المناسبات السارة.
أطالت "فيروزة" النظر في السواد الحالك على مرمى البصر، وهي تسمح لحزنها بالطفو بعيدًا عن الشامتين، بكت في صمت، نحيبها الخافت اختلطت مع أصوات المياه العالية، لم ترغب في مشاركة أحدهم ضعفها، لم تفعل ذلك من قبل، ولن تفعله الآن. انتفضت بقوةٍ مع رنين هاتفها الموضوع في قبضة يدها، لم تعتد على اهتزازه في مثل تلك الساعة، حدقت في الشاشة بالرقم الغريب الذي احتلها، تجاهلت الرد عليه؛ لكنه أصر على المواصلة، فاض بها الكيل، وأجابت بحدةٍ:
-ألو.. أيوه
صوتًا رجوليًا عميقًا رحب بها بلطفٍ:
-مساء الورد يا "فيروزة".
تحفزت في وقفتها، وتقلصت تعبيراتها متسائلة:
-إنت مين؟ وعرفت اسمي إزاي؟
في خضم ما عايشته قبل لحظات لم تتبين من الوهلة الأولى صوته الناعم المألوف؛ ولكنه أجاب بهدوء، حتى لا يُطيل حيرتها:
-أنا "آسر".
ذكر اسمه كان كفيلاً باتقاد النيران فيها، لم تبادله الترحيب أبدًا، بل تسابق في عقلها الذكريات المؤلمة التي ارتبطت به، وهتفت تهاجمه بضراوة، دون أن تعطيه الفرصة لقول نصف كلمة على الأقل:
-إنت جبت رقمي منين؟ ومين سمحلك تكلمني أصلاً؟ أنا مافيش بيني وبينك حاجة، ومش موافقة أتجوزك، يا ريت تكون فهمت.
لحظة من الصمت حلت عليه، حاول أن يستوعب فيه ما اعترفت به توًا، قبل أن يرجوها:
-طب ممكن تسمعيني؟
صاحت بعصبية لافظة أي محاولة للتودد لها بمعسول الكلام:
-ده اللي عندي، ويا ريت ماتتصلش تاني، لأني هاعمل بلوك لرقمك، ولأي رقم تفكر تتطلبني منه.
ثم قطعت الاتصــال فجــأة، وصدرها ينهج بقوة، كافة الانفعالات الثائرة التي لطالما قاومتها، اندفعت ككتلة حارقة في تلك اللحظة تحديدًا، لم تهدأ ثروتها إلا بطرده من حياتها، وإن لم يرتكب شيئًا سيئًا في حقها؛ لكن وجوده اقترن بشرور لم تتعافَ منها بعد.
....................................................
بضعة أيامٍ أخرى انقضت عليها، في منزل خالتها، وهي تعافر آلام رحمها الصارخة، بدأت علامات الإجهاض تظهر عليها، من تقلصات موجعة تضرب أسفل بطنها؛ وكأنه يلفظ بشراسةٍ ما احتواه في الأسابيع الماضية، مع نزيف متزايد جراء اتساع عنق الرحم، ورغم هذا رفضت تصديق حدوثه، وأنكرت ما أخبرها به الطبيب عن تدهور حملها، واحتمالية خسارتها لجنينها، قاومت التقلصات الموجعة، واستعانت بالدواء المسكن لتكتم أنين جسدها المستنجد، تشبثت بقوةٍ، بالأمل الأخير الباقي لها، لاستعادة طليقها.
اتجهت "خلود" للشرفة لتستنشق الهواء، أو الأحرى أن يُقال أنها تحاول عدم لفت الأنظار إليها، فقد ظهر عليها الإعياء، مع التعرق الغزير، وارتفاع درجة حرارة جسدها، استندت براحتيها على حافة الشرفة، لم تركز في أوجه المارة، كانت تعتصر عقلها محاولة البحث عن حل بديل لمأساتها، الأكيد ستدعمها والدتها وخالتها، موقف شقيقها على الحياد؛ لكن ماذا عن الجد وابنه؟ كلاهما عقبتان بارزتان في طريق إكمال سعيها، زفرت في سأم، وقالت لنفسها:
-لازم يبقى ليها حل.
تجمدت عيناها على وجه لم تحبه يومًا، حيث رأت "فيروزة" تسير متأبطة ذراع والدتها عند ناصية الشارع، تجمعت كراهية العالم بأسره في مقلتيها، نعتتها بصوتٍ خفيض بكلمات نابية عدائية:
-بنت الـ (...) !!!
تتبعت سيرها بغيظٍ طفح على ملامحها، توحشت عيناها، ولم تطرف بجفنيها، ومضة خاطفة شيطانية دارت في رأسها، عندما وجدت كلتيهما تتجهان نحو المدخل، حتمًا ستزوران "همسة"، فالأخيرة تسكن بالطابق العلوي، تحفزت أكثر وقد برزت معالم خطتها الجهنمية، لما لا تستغل مأزقها، وتورط تلك البائسة بشكلٍ أو بآخر معها، وتجبرها على الاشتباك البدني، لتكون السبب الرئيسي في إلحاق الأذى بالجنين، فتثأر لنفسها، وتنتقم منها.
لم تتردد للحظة، أو تفكر مرتين، استدارت خارجة من الشرفة، لتقول بصوتٍ عالٍ بالكذب:
-أنا هاطلع الزبالة يا خالتي، بدل ما تعمل ريحة في المطبخ
أتاها صوت "ونيسة" معترضًا:
-ماتتعبيش نفسك، "تميم" هيجي كمان شوية، يبقى ياخدهم مرة واحدة يرميهم في المقلب.
أصرت على طلبها، وإلا لفسدت خطتها:
-ولا تعب ولا حاجة، دي شنطة صغيرة.
التقطت الكيس –شبه الفارغ- من الصندوق الملاصق لحوض المطبخ، واتجهت بخطواتٍ متعجلة نحو باب المنزل، تركت الكيس في مكانه بالخارج، وتلكأت وهي تدنو من الدرابزين لتتلصص على الأصوات الأنثوية الأتية من الأسفل، سمعت "آمنة" وهي تقول:
-احنا مش هنطول عند "همسة"، هنطمن عليها، ونمشي.
ردت "فيروزة" باقتضابٍ:
-طيب.
تراجعت "خلود" للخلف قبل أن تلمحها إحداهما، وهي تتجسس عليهما، استعدت لمواجهتهما، تفاجأت "آمنة" بوقوفها على حافة الدرج، ونظرت لها بغرابةٍ مرددة عليها التحية:
-سلامو عليكم.. إزيك يا بنتي؟
ردت عليها "خلود" بوقاحة:
-أنا مش بنتك.
حمرة حرجة تشعبت بها بشرة الأخيرة، بينما تقاذف الغضب في حدقتي "فيروزة"، وبادلتها نظرة قاسية محذرة، ومع هذا تعمدت "خلود" إحراج الضيفتين، واستفزازهما لأقصى الحدود، ليتم تنفيذ خطتها الوضيعة بحذافيرها، فأردفت بوقاحة:
-طالعة أرمي الزبالة، لاقيتها في وشي، صحيح العمارة لازم تنضف كل شوية.
أمسكت "آمنة" بذراع ابنتها التي بدأت في التشنج، وضغطت عليه تستحثها على التحرك، هامسة لها:
-سيبك منها يا "فيروزة"، وخلينا نطلع.
تابعت "خلود" قائلة بسخرية، وهي تضع يدها على أنفها:
-ريحة زفارة وحشة، يا ساتر يا رب، هاجيب اللي في بطني.
لم تصمت "فيروزة" عن إهانتها، وردت بقوةٍ، وبنظراتٍ احتقارية:
-ماتبقيش تقفي جمب الزبالة كتير.. لأحسن ريحتها لازقت فيكي.
التقطت الشرارة من هنا، ورفعت نبرة صوتها لتصرخ بها، وهي تلوح بذراعها في الهواء:
-زبالة مين يا (...)، تعالوا وشوفوا مين بتكلم.
حالت "آمنة" بينها وبين ابنتها، فقد عمدت الأخيرة للتطاول اليدوي لاستفزاز "فيروزة" بصورة فجة، وقالت برجاءٍ:
-خلاص يا بنتي، عيب كده!
استدارت "خلود" بجسدها، وتحركت بخطوات محسوبة لتغدو بالقرب من حافة الدرج، لتصبح مسألة انزلاق قدميها أكيدة، وتابعت صياحها المهلل بصوتٍ أعلى، وهي تصفق بيديها:
-عيب؟ هو إنتو لسه شوفتوا العيب؟ ده أنا هاخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكم!
ردت عليها "فيروزة" وهي تمنع يدها من الإمساك بها، أو جذب ثيابها:
-إنتي قليلة الأدب، ومش محترمة، وفعلاً تستاهلي الواحد يقل أدبه عليكي.
ارتمت "خلود" بجسدها على "آمنة" قاصدة الاعتداء على "فيروزة" موجهة لها وابلاً من السباب الحقير، مستغيثة بخالتها:
-تعالي يا خالتي شوفي اللي بيحصل برا.
وفي لحظة معينة، عند لمحها لخالتها "ونيسة"، دفعت نفسها بارتدادٍ عنيف للخلف، سامحة لقدمها، بالتخلي عن قمة الدرج الواقفة عليه، لتبدو وكأنها مدفوعة عن عمدٍ، من قبل "فيروزة"، وصوت صراخها المفزع يزلزل جدران البناية:
-الحقووووني ........................................................... !!
........................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم Manal Salem
الفصل السابع والخمسون
قبيل الكارثة التي وقعت بلحظاتٍ، تأكدت من إعادة تنظيف الصــالة، ونفض الأسطح الزجاجية، وإزاحة أي عالق من الأتربة، ليبدو المكان مرتبًا، نظيفًا، وطيب الرائحة. انتقلت بعد ذلك لغرف النوم لتبدل الأغطية، وإعادة وضع الوسائد على الأَسرة بشكل جمالي رقيق، تأكدت "همسة" من اللمسات الأخيرة لمنزلها، وانتظرت بترقبٍ مجيء والدتها. مشط "هيثم" شعره، وعدَّل من ياقة الزي الرياضي الذي ارتداه، تركزت نظراته على زوجته حين أردفت قائلة بتنهيدةٍ متوترة:
-ماما على وصول، وبصراحة كده أنا خايفة يحصل خناقة مع مامتك...
ضاقت نظراته بقليلٍ من القلقٍ أيضًا، بينما أكملت "همسة" بنفس الصوت المتوتر:
-هي أسلوبها صعب أوي، وآ...
قضمت شفتها السفلى؛ وكأنها تستعد نفسيًا للبوح بالبقية، زفرت الهواء على مهلٍ، وعلقت:
-و"فيروزة" مش هاتسكت لو سمعت حاجة معجبتهاش.
فرك "هيثم" مؤخرة عنقه، كانت محقة في ذلك، لم يبعد نظراته عنها، وهتف مرددًا في حيرة وقلق:
-مشكلة الصراحة.
سألته بترقبٍ:
-هنعمل إيه؟ هنفصل القوات إزاي؟!
أجابها بأسلوبه المازح:
-أقولك على حاجة حلوة..
هزت رأسها في اهتمامٍ، فأضاف مبتسمًا:
-احنا نسيبهم يخبطوا في بعض، ونقعد نتفرج، جايز أمي تطفش في النهاية، ونرتاح.
أطلقت ضحكة ساخرة من طرافته التي تهون عليها صِعاب الأمور، لكن ما لبث أن تلاشت بسماعها لصياح والدته المتذمر:
-الحق يا "هيثم"، شوف المصيبة اللي حصلت؟
حيث قامت الأخيرة بإيقاف دورة الغسيل، غير عابئة بالمياه التي أغرقت الأرضية، وحَشرت زي الصلاة الخاص بها -والذي يمتاز بلونه الأحمر القاني- ضمن الثياب البيضاء، وأعادت تشغيل البرنامج، ليتم غسلهم جميعًا، على تلك الحرارة العالية، فجاءت النتيجة البديهية لمزج اللونين معًا؛ اكتساب غالبية الملابس للون الوردي، واختفاء اللون الأبيض تقريبًا عن قطع بأسرها. أمسكت بإحدى القطع في يديها، وعلى الفور ألقت بلومها على "همسة"، وهي ترفعها للأعلى لتريه إياها:
-بص شوف مراتك، وعمايلها!!
نظر لها "هيثم" متسائلاً في اندهاشٍ:
-هي عملت إيه؟
حدجتها "بثينة" بتلك النظرة الحقود، وأجابت وهي تلوح بالثياب الوردية:
-الغسيل كله باظ.
انفرجت شفتا "همسة" عن ذهولٍ، وعيناها تتابعان الثياب التي فسدت، في حين واصلت حماتها إلقاء التهم عليها:
-يعني عامية مش شايفة الغسيل الأبيض من الألوان؟ ارتاحتي كده لما باظوا؟
نفت تلك التهمة الباطلة عنها، وردت بصوتٍ شبه مختنق:
-والله أبدًا، أنا بصة كويس قبل ما أحطهم في الغسالة..
لمحت تلك البسمة الصغيرة المتشفية فيها على ثغر "بثينة"، فقست تعبيراتها نحوها، فطنت للخدعة الدنيئة التي لفقتها، وتساءلت ببساطة؛ وكأنها تتحقق من صدق قولها الباطل:
-وبعدين أنا مشغلة البرنامج، ومتأكدة إن كل حاجة تمام، يبقى إزاي ده حصل؟ إلا إن كان حد بقى وقف البرنامج وعدل عليه، عشان ينكد علينا.
صاحت بها "بثينة":
-قصدك إيه؟ إني عملت كده؟
ردت بجراءة:
-الله أعلم! لكن مش أنا.
تدخل "هيثم" في الحوار، ليفض بينهما، وقال:
-خلاص يامه هلبسهم بامبي، أنا مش زعلان..
ثم استدار نحو زوجته، وأضاف بابتسامة عريضة؛ كمن يتغزل بها:
-وأهوو الحياة تبقى بامبي بيني أنا ومراتي.
زجرته والدته في تهكمٍ مستفز، كعادتها:
-ياخويا أنا عارفة بتحبها على إيه، دي نحس، مافيش منها رجا!
حذرتها "همسة" مشيرة بسبابتها أمام وجهها:
-لو سمحتي بلاش الكلام ده، أنا مبغلطش في حد، فيا ريت متغلطيش فيا!
دعم "هيثم" حديثها قائلاً:
-يامه كده عيب، وآ...
صرخت به في حدةٍ:
-اخرس إنت، هتاخد في صفها كده على طول
وقبل أن توبخ زوجته بعدائية بغيضة، انتبه ثلاثتهم لصوت الصراخ الصادر من الخارج، تعرفت "بثينة" على الفور على صوت ابنتها الغاضب، واندفعت لاكزة "همسة" في جانبها بغيظٍ، لتتجه نحو باب المنزل، لترى ما يحدث مع "خلود"، تبعها "هيثم" متوقعًا حدوث مصيبة ما، ولم تتأخر زوجته في اللحاق بهما.
.................................................................
أمسكت "بثينة" بحافة الدرابزين بكلتا يديها، وأحنت رأسها للأسفل لتتطلع إلى "خلود" المتلاحمة بشراسة شديدة مع "فيروزة"؛ وكأنها تود الفتك بها، ووقفت إلى جوارها "همسة" المذهولة مما يحدث، فليست من طبيعة توأمتها افتعال المشاجرات مع تلك المستفزة، في حين هبط "هيثم" الدرجات سريعًا، ليتدخل فورًا، قبل تفاقم الشجار الذي لا يعلم سبب نشوبه. أرخت "بثينة" إحدى قبضتيها عن الحافة، ولوحت بذراعها تحذر ابنتها بصوتها الصادح:
-خدي بالك يا بت!
وكأن الأخيرة فاقدة لحاسة السمع، لم تتجاوب مع أي أصوات تناديها بالتوقف، بدت أكثر عزمًا على إتمام مخططها للنهاية، التفتت برأسها للوراء، لتلقي نظرة أخيرة على الثماني درجات من خلفها، لن تكون الإصابة جسيمة؛ إن تدحرجت عليه، خاصة مع بَسّطة السلم المربعة، ستفترشه بأريحية. رأها "هيثم" بوضوحٍ، من زاويته، وهي تتراجع ببطءٍ دافعة نفسها للخلف، دون أن تمسها أي يد، لتزلّ قدمها –بعمدٍ- عن حافة الدرج، وتسقط سقوطًا مروعًا عليه، أصاب المتواجدين بالصدمة والارتعاب الشديدين.
..................................................
غامت الصور في عينيها قبل أن تتحول لإظلام كامل، والأصوات الصارخة تجتاح عقلها الذي يتخلى عن وعيه تدريجيًا، بعد تلك السقطة العنيفة، التي حتمًا لن تتعافى منها بسهولةٍ، كان آخر ما أبصرته وجه شقيقها المرتاع، والذي قفز الدرجات قفزًا ليكون إلى جوارها، لامها بصوتٍ حزين:
-عملتي كده ليه يا "خلود"؟
لم تجبه، ومنحته تلك النظرة الأخيرة، لتطبق على جفنيها، مستسلمة للخدر الإجباري، الذي تفشى في جسدها، ورغم الرجفة المرعبة التي نالت منها لرؤيتها تسقط على الدرج بهذا الشكل الشنيع إلا أنها لحقت بها لتتفقدها، جلست "فيروزة" على ركبتيها أمامها، وصاحت تأمره في خوفٍ:
-متحركهاش، أنا هاطلب الإسعاف.
أومأ "هيثم" برأسه، وهو ينظر إلى شقيقته الفاقدة للوعي، جذبة عنيفة من كتف "فيروزة" طرحتها أرضًا بعيدًا عنها، وأسقطت الهاتف من يدها، تبعها سباب مهين، التفتت للمتسببة في ذلك، فرأت "بثينة" وهي تعنفها بنواحها المزعج:
-أوعي يا بوز النحس عنها، عاوزة إيه تاني من بنتي؟ خلاص ارتاحتي لما جبتي أجلها؟
هتفت "فيروزة" نافية التهمة عنها:
-محدش جه جمبها، بنتك اللي عملت كده في نفسها، وكلكم واقفين وشاهدين.
ردت "آمنة" مدافعة عن ابنتها بغرابةٍ لم تتوقعها الأخيرة:
-أنا كنت ماسكة بنتي، وبعداها عنها، هي من الأول اللي قاصدة تشتبك معها!
اندهشت "فيروزة" من موقف والدتها، وجالت بنظراتها على الحشد المتجمع من حولهم، فبالرغم من الشجار الحاد بينها وبين "خلود"، إلا أنها لم تغفل عن بعض التفاصيل الهامة، فحين رفعت رأسها للأعلى على إثر الصوت الحاد، القادم من فوقها، رأت "بثينة" وهي تتدلى بنصف جسدها للأسفل، لتحذر ابنتها بشكلٍ صريح، من الاقتراب من حواف الدرج، ووالدتها كانت شبه مقيدة لذراعيها، وحين أدارت رأسها للجانب، ظهرت "ونيسة" وهي تندفع خارجة من باب منزلها مع نبرتها المتسائلة عن سبب الجدال، فكيف لها أن تدفعها وهي منشغلة عنها –ذهنيًا وبدنيًا- في تلك اللحظة المصيرية؟
انضمت "ونيسة" لأختها، وجلست على الدرجة الأخيرة تبكي وهي تقول:
-استرها يا رب، دي في بطنها عيل، احميها يا رب.
ردت عليها "بثينة" بصراخها:
-مافيش غيرها إلا عايزة تجيب أجل بنتي واللي في بطنها.
تحولت نظراتها المغلولة نحو "فيروزة"، بادلتها الأخيرة نظراتٍ غريبة مستنكرة ما تقذفه من اتهامات مجحفة، وضعت "همسة" قبضتها على ذراع توأمتها، لتنتشلها من تحديقها الناري بها، شدتها بعيدًا عن حماتها الغاضبة، والتي من المتوقع أن تتطاول باليد عليها، لتفرغ حنقها الأسود بها، وهتفت ترجوها:
-تعالي معايا يا "فيرو".
ردت عليها توأمتها بإصرار:
-مش هامشي .. هو أنا جيت جمبها أصلاً؟
همست لها بصوتٍ مضطرب:
-أنا عارفة، بس بلاش تبقي في وشها السعادي.
كانت تقصد بحديثها تلك المرأة، وبهدوءٍ انسحبت "فيروزة" لتفسح المجال للجد "سلطان" الذي هبط عن قمة الدرج، ملقيًا نظراتٍ مستريبة على "خلود" قبل أن ينطق بلهجته الصارمة:
-كلم الإسعاف بسرعة يا "هيثم"، مش هانستنى لما روحها تطلع عشان نتحرك.
هز رأسه قائلاً بحزنٍ:
-حاضر يا جدي.
.........................................................................
-كلمت عمك "بدير"؟
تساءل "سلطان" بتلك العبارة الجادة، وهو يجلس على المقعد المعدني –غير المريح- في بهو الاستقبال، بعد أن تم نقل "خلود"، بواسطة عربة الإسعاف، إلى أقرب مشفى، ووضعها بقسم الطوارئ للتعامل مع حالتها الحرجة، حرك "هيثم" رأسه بالإيجاب، وأضاف:
-أيوه يا جدي، وهو جاي على طول على هنا، وقالي إنه هيعرف "تميم" باللي حصلها، وهيجيبه في سكته.
زم شفتيه قليلاً، ليعقب بعدها مرددًا في هدوءٍ، وهو يستند بكفيه على رأس عكازه:
-ماشي يا ابني..
صمت للحظة، وأمر حفيده، وعيناه ترتكزان على "بثينة":
-روح اطمن على أمك، وقولها بلاش تقلبها مندبة.
وجه "هيثم" نظراته نحو والدته التي كانت تلطم على صدرها، وفخذيها، في حسرةٍ، للفاجعة التي آلمت بشقيقته، وصوتها اللائم لم يتوقف عن العويل:
-كان مستخبيلك ده كله فين يا بنت بطني؟ رديتي بالهم والهم مرضاش بيكي ياحبة عين أمك!
ربتت "ونيسة" على حجر أختها، وواستها قائلة:
-استهدي بالله ياختي، إن شاءالله تعدي منها على خير.
هتفت في استنكارٍ ناقم:
-خير منين يا "ونيسة"؟ هنضحك على بعض؟ ده البت كانت متكومة لا حس ولا خبر، ولا اللي في بطنها؟
تنهدت ترد في رجاءٍ متضرع:
-استرها عليه يا رب، ارمي حمولك على ربنا، وهو هينجيها.
قالت في عدم رضا:
-إنتي مش حاسة باللي أنا فيه ياختي.
أنكرت عدم تقديرها، معاتبة إياها برفقٍ:
-متقوليش كده، ده معزة "خلود" عندي زي معزة "هاجر" بنتي وزيادة.
واصلت ندبها المتحسر مضيفة:
-آه يا حرقة قلبي عليكي، يا ريتني كنتي أنا، ولا إني أشوفك كده بين الحياة والموت.
رددت "ونيسة" في أسفٍ:
-لا حول ولا قوة إلا بالله.
قست نظرات شقيقتها، وكزت على أسنانها مغمغمة بغلٍ:
-لأ وشوفي القادرة، جاية تقعد هنا عشان تشمت في بنتي.
التفتت "ونيسة" ناظرة نحو "آمنة" التي اتخذت مقعدًا معزولاً عن المحيط المزدحم، شتت نظراتها عنها، وقالت مدافعة عنها:
-بالعكس دي جاية تطمن عليها.
عنفتها "بثينة" بحدةٍ، وقد تلونت عيناها بحمرتها الغاضبة:
-إنتي بيخيل عليكي كُهن النسوان ده؟ أشوف قلبها محروق على بناتها قريب.
وضعت يدها على فمها تهتف في ارتعابٍ:
-حرام كده.. بلاش الدعوة دي!
ارتفعت نبرتها الساخطة إلى حد ما وهي تقول:
-لأ مش حرام مع الأشكال دي، هو أنا عندي أغلى من عيالي الاتنين؟ دخلتها كانت شوم علينا هي وبناتها الفقر!
التقطت أذنا "هيثم" سبابها الأخير، فقال راجيًا والدته، كي تكف عن ازدرائها العلني:
-خلاص يامه، المستشفى بيتفرجوا علينا.
زجرته "بثينة" بغيظٍ:
-غور من قدامي يا واد إنت، مش طايقاك.. عيلة مراتك جابوا أجل بنتي
كان يعلم كراهيتها لـ "فيروزة"، لكنه رأى الحقيقة كاملة، فرد ببرودٍ:
-بلاش افتراء، أنا كنت واقف وشايف اللي حصل بعيني دول، "خلود" اللي حدفت نفسها وآ....
قاطعته بوقاحةٍ، رافضة الإصغاء له:
-هو إنت بقيت بتشوف أصلاً؟ من ساعة ما اتبلينا بالجوازة الشوم دي!
..............................................................
طابق تلك الفواتير التي تحصًّل عليها، بالأخرى المدونة في الدفتر الخاص بتسجيل المعاملات التجارية، لاحظ "تميم" اختلاف بعض الأرقام، لفواتير سابقة، وإن كانت النسب طفيفة، حك مؤخرة رأسه في حيرة، وواصل المراجعة الدقيقة، ليعرف سبب ذلك الخلاف؛ لكن قطع تركيزه نداء والده الصـارم:
-يا "تميم"! سيب اللي في إيدك وتعالى معايا.
رفع رأسه عن المكتب، وتطلع إليه بنظراتٍ حائرة، قبل أن يسأله مهتمًا:
-في إيه يا حاج؟
بدا صوته أكثر حدية وهو يرد:
-من غير ليه، هتيجي معايا حالاً في المشوار ده.
أغلق "تميم" الدفتر، وأعاد وضع الفواتير بعد طيها في الدرج السفلي، ثم أغلقه بالمفتاح، وعلق عليه معترضًا:
-ده أنا لسه هاطلع على سوق الجملة، في بضاعة هناك وآ....
قاطعه "بدير" بتجهمٍ، لم يخفه:
-خلي حد من الرجالة يروح مكانك، الموضوع ده مايستناش.
تطلع إليه باسترابةٍ، وسأله مباشرة:
-وغوشتني يابا، حصل إيه؟
أجاب على مضضٍ، ونظراته تتفرس في وجه ابنه، ليعرف ردة فعله:
-بنت خالتك وقعت من على سلم البيت، واتنقلت على المستشفى.
لم تتأثر ملامحه بما سمعه، بدت غير مقروءة، ومع هذا تساءل في اهتمامٍ:
-يا ساتر، وده حصل إزاي؟
أجابه بعد زفيرٍ:
-مش عارف لسه، خلينا نروح نطمن عليها، و...
تباطأت نبرته حين أكمل:
-وعلى ابنك اللي في بطنها.
أدرك من تبدل نبرته وجود خطب ما خطير، وليس الأمر مجرد حادثة عابرة، تبعه متجهًا إلى سيارته، بعد أن أملى على أحد رجاله أوامره لينفذها، جلس والده في المقعد الأمامي، واحتل "تميم" مقعده خلف الموقد، ليتجه بعدها إلى عنوان المشفى المعروف، وهو يغمغم بتضرعٍ:
-عديها على خير يا رب
...............................................................
تناقلت الأخبار سريعًا في تلك المنطقة الشعبية، وعَلم الجميع بالحادث المأساوي الذي تعرضت له "خلود"؛ لكن التفاصيل الحقيقية للحادثة، شابها الكثير من الأغلاط والأقاويل غير الصحيحة، لإضفاء التشويق على تلك النوعية من الأخبار. وصــل "محرز" إلى المشفى، واتجه إلى الاستقبال ليستعلم عن حالة المريضة، دلته إحدى الممرضات على عائلتها الجالسة في ردهة الانتظار المتسعة، وهناك اقترب من الجد "سلطان" ليسأله بلهاثٍ زائف؛ وكأنه جاء ركضًا:
-ها يا جماعة، إيه الأخبار؟
رمقه الجد بنظرة غريبة، قبل أن يشيح بوجهه بعيدًا عنه، فأجاب "هيثم" عن جده، وهو يدعك بيده وجهه المتعب:
-لسه مافيش جديد.
رد عليه بقليلٍ من التفاؤل:
-دلوقتي الدكتور يطلع ويطمنكم عليها.
هز رأسه معقبًا عليه:
-يا رب يا "محرز".
تسلطت كافة الأعين على الطبيب الذي خرج لتوه من الداخل، مرتديًا زيه الأخضر، وذلك القناع الطبي يتدلى عن فكه، قاصدًا الاتجاه ناحيتهم، سألهم بنبرته الروتينية، وعيناه تتحركان على وجوههم القلقة:
-حضراتكم أهل المريضة؟
هبت "بثينة" واقفة بمجرد سماعها لصوته، وهرولت نحوه صارخة به:
-أيوه .. أنا أمها يا ضاكتور.
وقام "هيثم" بالتعريف أيضًا بنفسه:
-وأنا أخوها.
أشــار الطبيب بيده نحو موظفي الاستقبال؛ وكأنه يوجههم للذهاب إلى هناك، وهو يتابع قوله:
-طيب عايزين توقيع حضراتكم على إجراء العملية.
تساءلت "بثينة" بصدرٍ ملتاع، وملامح واجلة:
-عملية إيه ياخويا؟ هي حالتها خطيرة للدرجاي؟
أطرق رأسه قليلاً، وأجاب بحذرٍ:
-للأسف، حصل إجهاض للجنين اللي في بطنها!
لطمت بعنفٍ على صدغيها، لتصيح بعدها في عويلٍ صارخ:
-يالهوي! يا لهوي! يا لهوي!
أوقف "هيثم" والدته عن التصرف بتلك الطريقة المؤلمة، وهتف بحزنٍ صادق على شقيقته:
-اهدي يامه.. ماينفعش كده.
انضمت إليها "ونيسة"، ورجتها بصوتها الباكي:
-حرام عليكي ياختي، ده أمر الله!
التفتت "بثينة" نحو "سلطان" لتشاركه مصابها وصوتها لم يتوقف عن الصراخ المزعج:
-سمعت بنفسك يا حاج، حفيدك مات قبل ما يشوف الدنيا!
هز الجد رأسه للجانبين في أسفٍ واضح، وردد بصوتٍ خفيض:
-لله الأمر من قبل ومن بعد.
بينما أردفت "آمنة" معلقة على ما تراه، ودون أن تتدخل بشكلٍ مباشر لمؤازرة "بثينة":
-جيب العواقب سليمة يا رب.
................................................
-جوزك قالك حاجة؟
وجهت "فيروزة" سؤالها المهتم لتوأمتها، والتي فرغت لتوها من مكالمة عاجلة مع "هيثم"، لتستعلم منه عن آخر المستجدات الخاصة بحالة شقيقته، رمت بجسدها المتعب على الأريكة إلى جوارها، ورفعت ساقيها عن الأرضية لتضمها إلى صدرها، وشبكت ساعديها حول ركبتيها، وأجابتها بحزنٍ بائن في نبرتها:
-أيوه، "هيثم" قالي الحمل مكملش.
ضغطت "فيروزة" على شفتيها في أسفٍ، توقعت حدوث ذلك، بعد سقطتها القوية، ثم حركت شفتيها لتنطق بهدوءٍ:
-ربنا يصبرها.
ردت عليها "همسة" بصوتٍ بدا مختنقًا نسبيًا؛ وتلك اللمحات الخاطفة عن معاناتها السابقة تدور في عقلها:
-يا رب، صعب بصراحة على أي واحدة تخسر ابنها، وخصوصًا لو كانت مستنياه...
ثم انخفضت نبرتها إلى حد ما، لتكمل بخفوتٍ؛ وكأنها تُحادث نفسها:
-ما بالك بقى اللي نفسها في عيل، واحتمال ده ما يحصلش.
أرهفت "فيروزة" السمع لكلامها الأخير، وبدت غير راضية عن حزنها الواهي، لذا علقت عليها بنبرةٍ موحية:
-اللهم لا شماتة، شوفي هي عملت فيكي زمان إيه، وربنا أراد تجرب نفس الحكاية، سبحانه! ليه حكمة في اللي حصل!
تنفست "همسة" بعمقٍ، لتخنق تلك الغصة العالقة في حلقها، وتساءلت في حيرةٍ:
-الواحد بس مستغرب، هي عملت كده ليه في نفسها؟
أجابت وهي تفرد ذراعها على حافة الأريكة، لتغوص أكثر بها:
-معرفش، بس من الأول يا "همسة" كانت قاصدة تتخانق معانا، كأنها بتقول شكل للبيع، أنا وماما كنا طالعين عادي عندك، وهي زي ما يكون واقفة مستنيانا، وقلت أدبها جامد علينا، بصراحة كده أنا حاسة إنها كانت مستقصداني بالحكاية دي.
عقدت "همسة" حاجبيها في اندهاشٍ، واستنكرت تفكير "خلود" اللئيم، لتقول معترضة:
-مش للدرجادي، ربنا يهديها لنفسها.
أضافت عليها "فيروزة" بتنهيدةٍ:
-ويبعدها عننا..
ســاد الصمت للحظاتٍ بين الاثنتين، قبل أن تقطعه "همسة"، وهي تحل وثاق ساعديها، لتسترخي في جلستها:
-قوليلي إنتي مالك؟ من ساعة ما رجعتي وأنا حساكي في حاجة، بس مش عارفة إيه هي!
ادعت الابتســام لتخفي ما يعتريها من ضيق وانكســار، لتقول بفتورٍ:
-أنا بخير.. متقلقيش عليا.
غمزت لها متسائلة في إلحاحٍ:
-وأخبار قراية الفاتحة إيه؟ أنا عايزة أعرف كل التفاصيل، وبعدين العريس جابلك دبلة ولا لأ وآ....
قاطعتها بعبوسٍ غريب:
-مافيش نصيب يا "همسة".
بهتت ملامحها تقريبًا من ردها الصادم، وسألتها وقد اعتدلت على الأريكة، لتبدو أكثر قربًا منها:
-ليه؟
غطت على ما تريد البوح به بمراوغتها:
-بعدين نبقى نتكلم عني .. المهم حماتك عاملة إيه معاكي؟ أنا اتفاجئت إنها لسه موجودة هنا.
نفخت "همسة" مرددة باستياءٍ شديد:
-أعوذو بالله منها، دي ماسبتناش للحظة من يوم السبوع، زي ما يكون قاصدة تخرب عليا أنا و"هيثم".. ولسه قبل ما تيجوا دابة خناقة معايا، بوظت الغسيل، ومتهماني فيه.
علقت عليها "فيروزة" بتهكمٍ صريح:
-وطبعًا بنتها نسخة عنها، وجوزك بيعمل إيه بقى؟
أجابت دون تشكيك في موقفه الداعم لها:
-الصراحة "هيثم" واقف على طول في صفي، تقريبًا مامته هتتنقط منه.
ردت عليها توأمتها بإيماءة خفيفة من رأسها:
-ربنا يبعد شرها عنكم.
-يا رب، أنا هاكلم ماما أطمن برضوه منها على الوضع.
قالت "همسة" جملتها تلك، وهي تنحني للأمام، لتمسك بهاتفها المحمول، وتعبث بأزراره، في حين هتفت شقيقتها ترد باقتضابٍ:
-ماشي.
........................................................
بنظراتٍ حذرة جالت على الرواق المزدحم، انتظر هدوء الحركة من حولها، ليتقدم ناحيتها؛ وكأنه يتفقد أحوالها، بشكلٍ طبيعي، لا يدعو لإثارة الريبة حول تصرفه، مال "محرز" نحو "بثينة"، ليبدو صوته قريبًا من أذنها، وهو يهمس لها:
-عاوزك على جمب في كلمتين يا خالتي.
حملقت فيه بغرابةٍ، ولم تجادله، تبعته إلى حيث توقف، بالقرب من مدخل المشفى، واستطردت تنوح له بشكواها:
-شوفت اللي حصلنا يا "محرز"؟
رد مواسيًا:
-أيوه، وقلبي عندك يا خالتي.
حركت كامل جسدها في اهتزازة ثابتة للجانبين، متابعة ندبها الشاكي:
-خسرنا كل حاجة .. كله في ثانية راح!
هز رأسه مؤكدًا:
-ربنا هيعوضها قريب، البطن اللي شالت مرة هتشيل عشرة
هتفت باستنكارٍ جلي:
-إزاي؟ والمعدول ابن خالتها رافض يرجعلها، والعيل خلاص نزل، إيه اللي هيجبروه يرجعلها تاني؟
برقت عيناه بوهجٍ عجيب، وقال عن ثقة واضحة:
-أنا عندي الحل..
وكأنه امتلك زمامها في غمضة عين، هتفت مستنجدة به:
-قولي بسرعة عليه يا "محرز"، إلهي يسترك.
رد مبتسمًا بغرورٍ:
-متقلقيش..
ثم قست عيناها وهي تتابع بغلٍ، ونظراتها مثبتة على "آمنة":
-نفسي أشوف الولية اللي هناك دي متحسرة على بناتها قريب
لاحت بسمة ماكرة على زاوية فمه، حين رد بنفس النبرة الواثقة:
-هيحصل يا خالتي، وبكرة أفكرك...
تحولت نبرته للغموض الجاد، وهو يكمل:
-بس ده لو سمعتي اللي هاقولهولك، ونفذتيه بالحرف!!
لم تجادله، وهتفت مبدية استعدادها التام للانصياع له:
-قول!
للحظة تلفت "محرز" حوله، ليتأكد من عدم مراقبة أحدهم له، قبل أن يرد قائلاً:
-مش هاينفع نتكلم هنا، الحيطان ليها ودان، لازم نمشي الأول من المكان ده.
تقلصت تعابير وجهها بشدة، وعلقت في استهجانٍ؛ وكأن طلبه لم يروقها:
-وأسيب بنتي لوحدها؟! ده كلام بردك؟!
أصــر عليها بجديةٍ أشد غلفت نبرته، وغطت ملامحه:
-مش هنتأخر كتير، إنتي أصلاً محتاجة تجيبلها غيار عشان لازمًا هتبات في المستشفى، مش هيرضوا يطلعوها على طول.
لانت تعابيرها قليلاً، وردت بزفيرٍ مهموم:
-أيوه، في دي معاك حق، منهم لله البُعدة.
وضع يده على جانب كتفها، ليحثها على التحرك، وتابع:
-تعالي هوصلك، ونتكلم في الطريق.
ســارت معه إلى حيث قادها، ولسانها يسأله:
-ماشي.. بس عايز مني إيه؟
جاء رده عاديًا، وهو ينظر في اتجاهها:
-دي حاجة عادية، أمانة تبع الناس اللي ممشيالنا شغلنا في الدكان التاني، هاشيلها عندك كام يوم.
رفعت حاجبها للأعلى في تعجبٍ، وسألته بوقاحةٍ:
-وماتسيبهاش ليه في بيتك؟ ما إنت عندك خزنة أد كده!
استنشق الهواء بعمقٍ، ولفظه مليًا، ليثبط مشاعر السخط بداخله. برع في رسم تلك الابتسامة السمجة على محياه، وهو يحاول إقناعها بالقبول مبررًا:
-يا "أم هيثم"! ده كلام بردك؟ وأنا اللي بأقول عليكي مخك نِور، أسيبها عندي، و"هاجر" تخشلي في سين وجيم؟
تلمست طرف حجابها الذي استرخى عن كتفها، وألقته عليه مجددًا، وهي ترد:
-معاك حق.
قضى "محرز" على ابتسامة انتشاءٍ تداعب ثغره، وردد صوته الرخيم:
-تعالي عشان ما نتأخرش، وأقولك هنعمل إيه في سكتنا.
برزت تلك النظرة البغيضة في عينيها، وهي تدمدم بإيجازٍ:
-طيب.. أما نشوف أخرتها.
...............................................
ربتة خفيفة من جده، تلقاها على كتفه، كنوعٍ من المواساة، بعد أن أخبره بفاجعة إجهاض طفله الذي لم تكتب له النجاة، من تلك الحادثة العرضية المؤسفة، وقاصدًا عدم التطرق –مؤقتًا- لتفاصيل سقوطها عن الدرج، إلى أن تهدأ مهاجه الحزينة. لم يجد "تميم" ما ينطق به معبرًا عما يشعر به حاليًا، فواحدٌ غيره، لانفطر قلبه لمُصابه العظيم، وهاج وماج لخسارته أعز ما ينتظره؛ ولكن رغم مشاكله الأخيرة مع طليقته، بكل ما فيها من سخط وبغض، طغت أحاسيسه المتأثرة عليه، وكان تقبل خسارته المؤلمة، هو الخيار الوحيد المتاح له، استدار برأسه نحو والده الذي عزاه قائلاً:
-ربنا يعوض عليك يا ابني، ده حكمته وقضائه.
لعق شفتيه، وهتف بنبرة تعسة، وتلك اللمعة الرطبة تتسلل إلى طرفيه:
-ما يعزش على اللي خلقه.
علق الجد "سلطان" بجدية:
-مسيرك تتجوز تاني وتجيب العيال اللي نفسك فيهم.
نظر إليه بعينين مليئتين بالحزن، وقال بلمحة متأثرة:
-خلينا نطمن الأول على بنت خالتي، أيًا كان اللي حصل بينا، هي بردك كانت مراتي في يوم من الأيام، واللي في بطنها كان ابني.
رد والده في امتنانٍ:
-طول عمرك بتفهم في الأصول يا ابني.
من المعروف في الشريعة الإسلامية، وحين يتم إجهاض أحد الأجنة، أن يقوم فرد من الأسرة، بدفن البقايا، ولهذا كان من البديهي أن يتصرف "تميم" وفقًا لذلك. ابتلع غصة مريرة كالعلقم في جوفه، وأضاف بصعوبة، محاولاً إظهار صلابته وتماسكه:
-هاروح أسأل استلمه منين عشان أدفنه.
-أنا جاي معاك.
هتف "هيثم" بتلك العبارة وهو يقترب منهم، ثم تبادل بعض الجمل المقتضبة مع ابن خالته، كنوعٍ من المواساة، وعرف منه بعض التفاصيل المتكررة، حيث اختلت قدم "خلود" عن حافة الدرج، خلال تواجدها عليه، وغفل الأول عن ذكر المشاحنة المفتعلة التي وقعت، ظن أنه لا طائل من تناول الحديث عنها الآن؛ لكن الجد أردف قائلاً فجأة، ليضع النقاط على الحروف، وليكمل المشهد المنقوص:
-بس غريبة حكاية خناقة أختك مع جماعة مراتك يا "هيثم"، إيه اللي خلاها تطلع من البيت عندنا، وتقفلهم على السلم؟
برزت عينا "تميم" على اتساعهما في صدمة، وحملق في جده باندهاشٍ ذاهل، بينما رد عليه "هيثم" بعفوية"
-ولا أعرف يا جدي، هي كانت ماسكة في أخت "همسة"، وحلفانة ما تسيبها
تضاعفت دهشة "تميم"، وانتفضت كامل حواسه الكامنة، لتعمل بكل طاقتها، وجد نفسه يهمس بتلقائية، بصوتٍ بالكاد خرج من بين شفتيه؛ مستشعرًا تورطها –رغمًا عنها- في الأمر:
-"فيروزة"!
تابع "هيثم" موضحًا بنبرة حائرة، ومستخدمًا يده في الإشارة والتوضيح:
-احنا سمعنا صوت الخناقة على السلم، طلعنا كلنا نشوف في إيه، بس كان حصل اللي حصل بقى، و"خلود" ملحقتش نفسها.
المزيد من التفاصيل الغائبة عادت لتحتل المشهد، وتملأ رأسه بالشكوك، كان لديه عشرات الأسئلة يريد الاستفهام عنها؛ لكن تعذر عليه فعل ذلك بسبب مجيء الطبيب، توقفوا عن الثرثرة ليبادر "هيثم" متسائلاً:
-إيه الأخبار يا دكتور؟
أجاب مُبينًا طبيعة وضعها الصحي:
-الحمدلله الحالة دلوقتي مستقرة، لكن العمود الفقري عندها اتعرض لحاجة بنسميها "الكسور الانضغاطية"، وده حصلها نتيجة وقعتها العنيفة.
تبادلوا نظرات حائرة فيما بينهم؛ لكن كان "تميم" الأسبق في الاستفسار:
-يعني إيه؟
التفت الطبيب برأسه نحوه، وأوضح له:
-يعني مش هاتقدر تمشي بشكل طبيعي في الأول!
وقبل أن يسيئوا فهمه، بادر مستفيضًا:
-لكن ده مش معناه إنها عاجزة لا سمح الله، هي بس هتضطر في البداية تستخدم حزام طبي، مع الأدوية المسكنة، وأدوية مرخية للعضلات، بحيث تقدر الفقرات تقوم بعملها من تاني، ولازم الراحة التامة، ويكون في متابعة مع دكتور متخصص في العلاج الطبيعي، وده عشان يساعدها في تخفيف الآلام اللي عندها، وكمان يقوي العضلات بحيث ترجع تمشي وتتحرك عادي جدًا.
رد "تميم" دون تفكير:
-هنعمل كده يا دكتور.
تصنع الطبيب الابتسام، وقال وهو يمسح بيده على ذراعه:
-وربنا يطمنكم عليها.
رد "هيثم" مجاملاً:
-متشكرين.
كان من السخيف أن يلح "تميم" بأسئلته في الوقت الحالي على "هيثم"، نحى فضوله جانبًا، فهناك أوقات حرجة لا تصلح سوى للصمت، تناول الوصفة الطبية من الطبيب ليأتي بالأدوية المطلوبة، ليعود بعدها، ويجلس بجوار والدته، والتي لم تتوقف عن الشكوى، وإلقاء اللوم عليه لتقصيره في حق رعاية من كانت في يومٍ ما زوجته.
...................................................................
نظرة أخيرة ألقتها على هاتفها المحمول، وقد أصبح الوقت متأخرًا لتعود بمفردها إلى المنزل، ومع هذا لم تحبذ "آمنة" الرحيل مبكرًا، آملة بتواجدها أن تخفف من وطأة الأمر على أصحابه، بدأ جسدها في الأنين من جلوسها غير المريح، فاضطرت أن تنهض من مقعدها، وتتجه إلى أفراد العائلة لتستأذنهم في الذهاب، تنحنحت لتزيح تلك الحشرجة عن أوتارها، ووجهت حديثها للحاج "بدير"، ووالده، مرددة بتلعثمٍ:
-حمدلله على سلامتها.
رد بإيماءة بسيطة من رأسه:
-الله يسلمك يا حاجة.
بينما عقب عليها "سلطان" بصوته الأجش:
-كتر خيرك، تاعبة نفسك طول اليوم معانا.
دون أن تبحث عن الإجابة، ردت بعفوية:
-دي زي بنتي، وربنا يتمم شفاها على خير.
شكرها "بدير" بلطفٍ:
-يا رب، وتسلمي يا حاجة مرة تانية.
ثم نادى عاليًا:
-روح يا "تميم" مع الحاجة وصلها البيت.
نظرت في اتجاه ابنه الذي نهض من جوار والدته على مهل، فاستدارت تنظر إلى "بدير"، واعترضت عليه بحرجٍ ظاهرٍ عليها:
-مالوش لزوم، أنا هاخد تاكسي من هنا وآ....
قاطعها بإصرارٍ:
-لا مايصحش، ده العربيات كتير عندنا.
تقدم "تميم" نحوها، وأشار لها بالتحرك بيده، وهو يدعوها:
-اتفضلي.
حاولت أن تبتسم وسط حرجها، وقالت وهي تهم بالسير:
-كتر خيرك يا ابني.. أنا مش عارفة أقولك إيه؟!
هز رأسه قائلاً بصوتٍ عبر عن حزنه:
-الحمدلله، ده قضاء ربنا.
.....................................................................
لم تكن بالمسافة الكبيرة التي تحتاج لسيارة أجرة لتقلها إلى منزلها، قطعت "فيروزة" الطريق عائدة إلى هناك سيرًا على الأقدام، دهشة عجيبة نالت من تعبيراتها الواجمة حين رأت إحدى عربات الشرطة تسد المدخل، أسرعت في خطاها، وتساءلت بصوتٍ شبه لاهث، وعيناها تدوران على أفراد الشرطة المتواجدين من حولها:
-إنتو مين؟ بتسألوا على حد معين هنا؟
اتجهت نظراتها نحو صاحب الصوت الخشن الذي سألها برسمية بحتة:
-أيوه .. ده بيت "فيروزة أبو المكارم"؟
لم تفكر وهي تجاوبه مُعرفة بنفسها:
-أيوه.. دي أنا.
قبضته القاسية، انقضت دون إنذارٍ، على ذراعها تجذبها بعدائية غريبة، وتجرها نحو السيارة، وصوته يأمرها:
-اتفضلي معانا، الظابط عايزك في القسم.
قاومته متسائلة في جزعٍ:
-ليه في إيه؟ أنا معملتش حاجة أصلاً.
ولحسن حظها –ربما- كان قد وصل بوالدتها إلى منزلها، لمح الأضواء المميزة لسيارتهم، فتوقف قلبه عن الخفقان في هلعٍ، سد "تميم" بسيارته الطريق على عربة الشرطة، وترجل منها دون أن يوقف محركها، ليهجم بلا تفكيرٍ على الضابط، منتشلاً ذراعها من قبضته، ومُكونًا بجسده حائلاً بينها وبينه، قبل أن يهتف بنبرةٍ كانت أقرب للزئير:
-إيه اللي بيحصل هنا؟ وواخدينها على فين
رمقه الضابط بنظرة نارية، وهو يعنفه:
-إنت إزاي تتجرأ تعمل كده؟ ليلتك سودة
سيطرت عليه رغبة عارمة في حمايتها من الخطر؛ وإن كان يعني هذا وقوعه في المشاكل مع الجهات الأمنية المسئولة، بجهدٍ كبير حافظ على جمود تعابيره، وقال بتحفظٍ، ومدافعًا عنها بشكل غريب:
-يا باشا مقصدش، بس في أكيد سوء تفاهم هنا، الأبلة طول عمرها ماشية في السليم.
تفاجأت "فيروزة" من دفاعها عنها، رغم عدم معرفته مثلها بملابسات إلقاء القبض عليها، في حين احتضنت "آمنة" ابنتها، وحاوطتها بذراعيها، وتساءلت في رعبٍ جلي:
-حصل إيه؟ وواخدين بنتي ليه؟
أجاب الضابط ببسمة ساخطة، وبعد نظرة بطيئة فاحصة، تجولت على أوجه ثلاثتهم:
-ده استدعاء رسمي للقسم، في بلاغ متقدم ضدها، بمحاولة قتل "خلود غريب".
بمجرد أن تلفظ باسم طليقته، انفرجت شفتا "تميم" عن صدمة كبيرة، تخطت ما قد يخطر في باله مُطلقًا، وهتف مستنكرًا قوله، بقلبٍ توقف لحظيًا عن النبض، ونظراته تلتفت نحو طاووسه:
-بتقول مين .............................................. ؟!!!!
................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم Manal Salem
الفصل الثامن والخمسون
قبضة الغريب على ذراعها، بدت بالنسبة له، كجمرات متقدة، تحرق جلده بقساوةٍ، وأشد ألمًا من طعنه بغتةً في صدره، لم يتردد للحظة للدفع بنفسه أمام المخاطر المهلكة، في سبيل عدم إلحاق الضرر بها. تشوش تفكيره في صدمةٍ؛ وكأنه أصيب بعطبٍ ما، حتى استوعب عقله ما صاغه الضابط من اتهامٍ صريح من قِبل زوجته السابقة لها، التفت "تميم" تلقائيًا برأسه نحوها، ليحدق في وجهها المغطى بعلامات الذهول، ثم عاود التحديق في الضابط، ونفى التهمة عنها دون الحاجة لسماع أدنى مبرر منها، مصدقًا إياها بكامل جوارحه:
-استحالة الأبلة تعمل كده! أكيد في غلط في الحكاية!
نظر له الضابط شزرًا، قبل أن يوبخه بخشونةٍ:
-هو أنا جاي أهزر معاكو هنا؟ ده استدعاء رسمي يا حضرت.
لم تخفت الحدة من نبرة "تميم"، وهو يجادله:
-يا باشا، أنا عارفها كويس، الأبلة دايمًا في حالها، وعمرها ما أذيت حد ...
استمعت له "فيروزة" بصدمة، أأنكر حقًا النزاعات السابقة بينهما، وكأنهما على وفاق منذ اللقاء الأول؟ تدلى فكها السفلي في مزيدٍ من الدهشة، في حين تلعثم "تميم" نوعًا ما، وهو يتابع إعطائه تلك المعلومة المزعجة:
-دي غير اللي بتتهمها تبقى .. بنت خالتي و..... طليقتي.
رمقه الضابط بنظرة طويلة مهتمة، ليضيف بعدها، وهو يفرك راحتيه معًا:
-حلو أوي .. هنشوف الكلام ده في القسم، لكن دلوقتي لازم الأستاذة تتفضل معايا.
لم يكن حديث الضابط بالمازح مطلقًا، نظراته وحركته أكدت على احتمالية جره لها بإهانةٍ، ما لم تتجاوب معه، أدار "تميم" رأسه نحو "فيروزة" التي نظرت إليه بملء عينيها، وقالت بصوتٍ لاهث مضطرب نافية التهمة مجددًا عنها:
-أنا معملتش حاجة اقسم بالله.
عمق نظراته في عينيها المرتاعتين؛ وكأنه لا يرى سواها حوله، ورد بقلبه قبل أن ينطق لسانه:
-من غير ما تحلفي، أنا مصدقك.
لم تشعر "فيروزة" مطلقًا بأنه يخدعها، أو يكرر تلك العبارات الروتينية المستهلكة التي توحي بالدعم الزائف، بل منحتها نظراته المتلهفة، والمليئة بشيء لم تفهمه بالضبط، إحساسًا مريحًا بالطمأنينة والصدق، هذا الشعور الذي نزع منها مؤخرًا، بينما هتفت "آمنة" مدافعة عنها:
-بنتي بريئة، مظلومة يا حضرت الظابط، مراته هي اللي وقفت قصادنا على السلم وآ...
قاطعها الضابط بلهجته الرسمية، ونظرته الحادة مسلطة عليها:
-هناخد أقوالكم كلكم كده هناك...
ثم أشــار بكفه موجهًا حديثه الصارم لـ "فيروزة":
-بس الأستاذة لازم هتيجي معانا الأول، يالا، مش هنقضي الليل واقفين هنا!
على الفور صــاح "تميم" وهو يفرد ذراعيه في الهواء، محافظًا على بقاء جسده، كحائل بشري، يمنع أي فرد من الاقتراب بها:
-هي هتركب من غير ما حد يتعرضلها.
بدا الضابط على وشك فقدان صبره من تلك المماطلات السخيفة، ومع هذا تقبل بصعوبةٍ محاولة "تميم" إقنــاع "فيروزة" بالامتثال للأوامر، والصعود لعربة الشرطة، ســار إلى جوارها، وكامل عيناه عليها، حتى أنها لم تبعد نظراتها عنه، بل بدت أكثر إصرارًا على التحديق به وهي تكرر على مسامعه:
-أنا مجتش جمبها، والكل كان موجود وشاهد.
رد بكلمة واحدة عنت لها الكثير:
-عارف..
ثم أشــار لها لتصعد بالسيارة، وتابع بصوته القلق:
-اطمني، أنا وراكي بالعربية، مش هاسيبك لوحدك.
هتفت بنبرته التي مالت للاختناق:
-ماعملتلهاش حاجة.
هز رأسه بإيماءات متعاقبة وهو يخبرها بتوترٍ خائف عليها، حاول أن يخفيه عنها:
-أنا متأكد من غير ما أسمع.
حاولت "آمنة" اختراق أفراد الأمن لتصعد إلى السيارة مع ابنتها، لكن أبعدها أحدهم، فواصلت صراخها الملتاع، وهي ترجوهم بشدة:
-سيبو بنتي، هي مظلومة، والله ما عملت حاجة.
وضع "تميم" يده على كتفها ليلفت انتباهها إليه، وقال على عجلٍ مشيرًا بعينيه نحو سيارته:
-تعالي معايا يا حاجة، احنا رايحين وراها بالعربية.
ردت بامتنانٍ عظيم، وعيناها تبكيان بشدة:
-الله يكرمك يا ابني ماتسيبناش لوحدنا، ده احنا غلابة وآ...
قاطعها مرددًا بنبرة عازمة:
-أنا معاها للآخر.
ثم هــرول ركضًا نحو سيارته التي تسد الطريق على عربة الشرطة، استقلها، وانتظر للحظة حتى ركبت "آمنة" إلى جوارها، تتبع سيارة الشرطة، والهاتف على أذنه، بعد أن هاتف محامي العائلة، انتظر أن يأتيه رده على أحر من الجمر، ليهتف بمجرد سماعه لنبرته:
-ألوو.. أيوه يا أستاذ، عايزك تيجلي على قسم (...) حالاً، هافهمك لما أشوفك هناك.
وفي تلك الأثناء، أخرجت "فيروزة" هاتفها المحمول من جيبها، بمجرد أن استقرت في العربة، لتطلب بأنامل مرتعشة، رقمًا احتفظت به، ولا تحبذ حتى استخدامه عند الطوارئ؛ لكنها باتت مرغمة على اللجوء لصاحبه، لتعرف أبعاد الكارثة الجديدة التي تخوضها، ارتجف صوتها بوضوح، وهي تنطق بنبرتها التي ظهرت للطرف الآخر متوسلة:
-أيوه يا "ماهر" بيه، أنا أسفة إني بأطلب حضرتك، بس في مشكلة كبيرة حصلتلي، ومافيش غير سعادتك يقدر يقف جمبي.
..........................................................
لم تكن عيناه على الطريق أبدًا، طوال سيره الملازم لعربة الشرطة، وهو يقود من خلفها، ارتكزت نظراته القلقة على مراقبة ما يحدث معها، آملاً ألا تتعرض لأي نوعٍ من المضايقات السخيفة من قبل أحدهم، أبعد حدقتيه عنهت مضطرًا، حين توقفت السيارة أمام القسم الشرطي، ففتش، بصبرٍ مفقود، عن بقعة خالية، ليصف سيارته عندها، وهذا ما أدى لتعطيله لدقائق تُعد على أصابع اليد الواحدة، مضت عليه كأنها سنوات، أما قلبه فكان في جزع يفتك به.
ركض "تميم" في اتجاه المدخل الرئيسي، سابقًا بخطواته والدتها، انحرف نحو الرواق الضيق، حيث يتواجد مكتب الضابط النبطشي، كان أحد العساكر قد وضع في يدها الأصفاد المعدنية، وكأنها محكوم عليها، استشاطت نظراته لرؤيتها في وضع المدانة، وهي أبعد ما يكون عن ذلك، تصلب جسده، وبصعوبة بدت على ملامحه قاتل ما يعتريه من مشاعر غاضبة، ودنا من الضابط الذي ألقى القبض عليها وهو يعطي أوامره لآخر:
-هنحطها في الحجز لحد ما يجي الباشا "محمود".
مجرد تخيلها وسط تلك الحفنة من النساء الغليظات، والتي لن تسلم من تعليقاتهن المتهكمة، وربما بعد المناوشات المسيئة معها، أصابه بالغضب المحموم، اكتسبت نبرة "تميم" حدة أكبر وهو يعترض بشدة على قراره:
-ماينفعش تنزل هناك.
تحفز الضابط ضده، وهتف فيه بوجه عابس للغاية:
-إنت هتعرفني شغلي ولا إيه؟!
رد "تميم" معترضًا بأنفاسٍ حارقة، ونظراته الملتاعة تتجه نحو "فيروزة":
-لأ يا باشا، بس دي بنت ناس، ومش وش بهدلة.
علق عليه الضابط ساخرًا منه:
-آها .. قولتلي بقى، وإنت المحامي بتاعها كمان وأنا معرفش؟!
بذل أضعاف ما يستطيع من جهدٍ ليكبت غضبه الذي يأكله، ليظهر على السطح، وقال بصوتٍ خرج هادرًا رغم هذا، والشرر يتطاير من عينيه:
-يا باشا آ ...
قاطعه الضابط بغلظةٍ، وتلك النظرة الساخطة موجهة إليه:
-دي جريمة قتل، مش لا مؤاخذة خبطت عربية حد!
نفى عنها التهمة بإصرارٍ تعجبت "فيروزة" منه:
-وهي بريئة معملتش حاجة.
لكزة الضابط بخشونة قاسية في صدره وهو يرد بأسلوبه الساخر:
-الكلام ده مش إنت اللي تقوله يا فتوة.
ثم التفت أمرًا أحد رجاله:
-خدها يا ابني على التخشيبة، لحد ما يجي الباشا "محمود".
فشل "تميم" في منعهم من اصطحابها للحجز النسائي، ومع هذا ردد متعهدًا لها بصوته العالي ليضمن وصوله إليها:
-مش هاسيبك هناك، هاطلعك!
تفاجأ حين ردت عليه، وهي تحاول النظر إليه، خلال سحبها لنهاية الردهة الطويلة:
-معملتش حاجة، هي السبب والله، هي اللي قاصدة تعمل كده في نفسها.
ضرب "تميم" الحائط بقبضته بقوةٍ، حتى أن صوت الضربة العنيف لفت الأنظار إليه، لم يعبأ بأي أحد، ووضع الهاتف على أذنه صارخًا في محاميه؛ منذرًا إياه بتهديد شرس:
-ألوو.. إنت فين يا أستاذ؟ جاي من المريخ ولا إيه؟ تعالى أوام، وإلا الدنيا هتخرب هنا!!!
أتاه صوت الأخير لاهثًا:
-حاضر يا معلم "تميم"، دقايق وهاكون عندك في القسم.
......................................................
-رد يا "خليل"، مافيش مرة أطلبك وألاقيك ترد عليا!
قالت كلماتها في غمغمة خافتة بلوعةٍ حزت بشدة في قلبها، ودموعها المتحسرة تهبط بغزارة، سعت للاتصــال بشقيقها؛ لكن تعذر عليها الوصول إليه، لم يكن هاتفه بالمتاح، شعرت باختناق أنفاسها، بعجزها، وبقلة حيلتها. انزوت "آمنة" عند الحائط الرمادي كئيب اللون، تستند بجسدها المهتز عليه، شعرت بارتخاء ساقيها، لو لم تكن تلك الكتلة الأسمنتية موجودة، لربما تكورت على الأرضية الباردة، ندبت حظها التعس ووحدتها قائلة لنفسها:
-لا إله إلا الله، طب أعمل إيه يا ربي؟ بنتي هاتروح مني؟ وأنا هافضل كده ساكتة..
لم يكن أمامها سوى الاتصــال به، هكذا قالت لنفسها بصوتٍ مسموع، مبررة نكثها بوعدها لابنتها:
-مقدميش إلا هو... مهما كان الدم عمره ما يبقى مياه.
وجدت رقم هاتفه، وضغطت على زر الاتصــال به، انتظرت إجابته على مكالمتها لتهتف مستنجدة دون استهلالٍ:
-أيوه يا حاج "اسماعيل".. أنا واقعة في عرضك.. الحقنا قبل ما بنتي تضيع مني.
سألها بصوته الرخيم:
-خير؟ حصل إيه؟
أجابت بصوتٍ بالكاد بدا مفهومًا له، من بين دموعها الغريزة:
-"فيروزة" خدوها على القسم، واقعة في مصيبة كبيرة، وأنا مش عارفة أعمل إيه.
أمرها بلهجته الشديدة:
-قوليلي فين العنوان، ومتتحركيش من عندك، وأنا مسافة الطريق هاكون عندك، ومعايا "فضل".
هزت رأسها، كأنه واقفٌ أمامها، وردت بصدرٍ ينهج:
-ماشي يا حاج، متتأخرش عليا الله يكرمك.
................................................................
دفعة قاسية من كتفها نحو ذلك المكان المعتم نسبيًا، إلا من مصباحٍ يتيم يتدلى بسلكٍ قصير، من سقفية الغرفة المطلية بلون رماديٍ داكن، تفسده بعض الخربشات والكتابات الخجلة. حاولت "فيروزة" أن توازن خطواتها فلا تنكفئ على وجهها، زكم أنفها تلك الرائحة العطنة المنفرة، وأصابت على الفور معدتها بالغثيان، فالجو خانق بصورةٍ لا تحتمل، لذا وضعت يدها عليه لتسد الرائحة، وحاولت التقدم للأمام. نظرة بطيئة، لن تنكر أنها خائفة أيضًا، منحتها للسجينات المحتشدات من حولها، دارت ببطءٍ على أوجههن المختلفات في تعبيراتهن نحوها؛ رأت من تدخن السجائر، ومن تعبث بخصلات شعرها المصبوغ باللون الأصفر الفاقع، ومن تعلك في ثغرها علكة بصوت مزعج، ومن تضع أحمر الشفاه على فمها، بشكلٍ سافر.
توقفت عيناها عن الدوران، والتفتت لجانبها، حينما سألتها إحداهن بنبرة تهكمية:
-الحلوة جاية في إيه؟ آداب ولا تعاطي؟!!
بينما علقت أخرى بسخرية، وتلك الضحكة الرقيعة تسبق إجابتها:
-شكلها آداب يا أوخة.
مصمصت شفتيها مضيفة، ونظرتها نحوها تؤكد أنها كذلك:
-باين كده.
ثم دنت منها لتفحصها عن قربٍ، انكمشت "فيروزة" على نفسها، وتقززت من لمستها الوقحة التي أرادت بها اكتشاف مفاتنها، وصرخت بها:
-ماتلمسنيش.
دارت المرأة حولها، وحذرتها بنبرة ذات مغزى:
-لأ بالراحة علينا يا مُزة، ده احنا لو اتكاترنا عليكي هنفرمك.
تلك التحرشات اليدوية بجسدها، نشطت ذاكرتها بقوةٍ، بمشهد لم يكن بالبعيد عنها، انتفضت بقوةٍ، ودفعت تلك المرأة بعيدة عنها، بقوةٍ لا تعرف من أين انطلقت، صارخة بحدةٍ، حتى جرحت بها أحبالها من ارتفاعها الشديد:
-سيبوني في حالي.
لوحت لها إحدى السجينات بيدها، قبل أن تعقب:
-نظام خدوهم بالصوت مايكلش هنا ...
ثم أمرت النساء من حولها:
-صوتي يا بت منك ليها
ارتفع الصخب النسائي الساخر من حول "فيروزة"، وشكلوا دوائر تضيق عليها، فباتت تقريبًا محاصرة من قبلهن؛ لكن الصوت الرجولي الصـــارم، أوقفهن قبل أن يسيئن إليها:
-ارجعي يا حُرمة ورا.
امتثلن لأمره، وابتعد عن محيط "فيروزة" ليرمقن إياه بنظرات جمعت بين العدائية والبغض، خاصة أنه يحمل عصا مهددة بيده، مرر الضابط نظراته عن كل واحدة على حدا، وكأنه يدرس ملامحها، قبل أن ينادي:
-"فيروزة أبو المكارم"!
وكأن نجدة هبطت من السماء إليها، أجابته بلسان يلهج:
-أيوه أنا.
أمرها وقد اتجهت أنظاره نحوها:
-تعالي معايا، البيه الظابط عايزك.
ابتسمت لخروجها من ذلك المكان الحقير، والذي بدا أشبه بمعجزةٍ تقرأ عنها؛ ولكن صوتًا أنثويًا متهكمًا جاء من ورائها يحقد عليها:
-إنت لحقتي؟ حتى في البُورش بقى فيها كوسة!!!
...................................................................
تم الاستعانة بعلاقاته الوثيقة بالمسئولين رفيعي المستوى، لتحسين أسلوب التعامل معها، ريثما يتم البت في قضيتها المعلقة، اصطحبها أحد أفراد الأمن، إلى غرفة أشبه بمكتبٍ لعقد الاجتماعات المحدودة، ولجت "فيروزة" للداخل، وألقت نظرة سريعة خاطفة عليه، كان المكان مفروشًا بالأرائك الجلدية العريضة، فيما عدا اثنتين متجاورتين، ومنضدة صغيرة خشبية تتوسطهم، وطلائه فاتح، غير ذلك القابض على الأنفس، استدارت كليًا للخلف حين سمعت صوته المألوف يسألها في اهتمام بائن في نظراته إليها:
-هنا أحسن مظبوط؟
تحرجت "فيروزة" من وجود "تميم" خلفها، ومع هذا شعرت بالارتياح لتواجده معها، الحق يُقال أنه بات مصدر أمنها المؤقت، باندفاعه غير المشروط لزود أي مخاطر عنها، تراجعت للخلف لتفسح له المجال، تاركة مسافة بينهما، كتفت ساعديها أمام صدرها، وباعدت نظراتها عنه، محاولة التحديق في أي شيء، إلا وجهه، أجبرت شفتاها على الابتسام، فظهرت ابتسامتها منقوصة وهي تشكره:
-أيوه.. كتر خيرك.
ولكونه يعلم طبيعة النساء المحتجزات بالقسم الشرطي، فانتابه هاجس مزعج، من احتمالية تعرضها لبعض المضايقات، أو التحرشات المنفرة من هؤلاء النسوة، لم يترك نفسه لحيرته، وسألها مباشرة، وعيناها تدرسان تفاصيلها الواجمة:
-قوليلي حد عملك حاجة من الواغش اللي في الحجز؟
قالت بنوعٍ من السخرية، وتلك الابتسامة المزدرية تتدلى على زاوية شفتيها:
-لأ ملحقوش.
منع سبة مزعوجة من الإفلات من فمه، وسحب الهواء بعمقٍ ليثبط به تلك الحمم التي تحرقه من الداخل، ثم لفظ الهواء المحمل بغضبه، وقال بوجه مقلوب:
-بصي إنتي هاتفضلي هنا، محدش هيضايقك نهائي!
كانت ممتنة لكل ما يفعله لأجلها دون أن يضطر حقًا لهذا، وذاك ما أصابها بالتخبط، فالماضي بينهما لم يكن بالجيد، ليدين لها بشيء، انتشلها من دوامة شرودها السريع موضحًا لها طبيعة ما يتم من إجراءات رسمية:
-دلوقتي المحامي بيطلع على تفاصيل المحضر، وهنفهم بالظبط في ايه.
نفت على الفور تلك التهمة المجحفة عنها، فلا يسيء الظن بها:
-أنا مقربتش منها.
ودون أن يضيع لحظة في التفكير، أخبرها بإحساس لا يعرف الزيف، وعيناه تبحران في تأمل حدقتيها التعيستين:
-والله مصدقك.
سألته بلمسة قهر محسوسة في نبرتها؛ وكأنها تستكثر على نفسها قيامه بذلك:
-بالبساطة دي؟
تراءى له بوضوحٍ معاناتها في اكتساب ثقة الآخرين، وقال دون تشكيك:
-أيوه، أنا مصدقك.
فقط حدقت في عينيه المتطلعتين إليها بثبات، وكأنها تتبين مدى صدقه، فاسترسل متسائلاً بأريحية طفيفة:
-ليه مش مقتنعة بكلامي؟
أجابته مبررة ترددها:
-أصلها غريبة إنك تكون معايا بدل ما تكون في صف مراتك! وخصوصًا بعد ما...
صمتت للحظة لتضيف بأسفٍ لم تخفه:
-خسرت طفلك اللي في بطنها.
ودّ "تميم" لو تحسست قلبه النابض في تلك اللحظة، لتشعر بما يضمره لها من مشاعر لم تكذب يومًا، مع اكتشافه المثير لرهافة مشاعرها الرقيقة، والمخبأة خلف قناع القوة الذي على ما يبدو لم تخلعه كثيرًا، لم يحد بنظراته عنها، وأجابها بهدوء:
-ده نصيب.. ومقدر ومكتوب...
ثم عمق من نظراته نحوها، مشددًا بابتسامة راضية، رغب أن يبدد بها التعبير الحزين المحتل لصفحة وجهها:
-بس لازم تعرفي إنها معدتش مراتي، هي بنت خالتي وبس.
حملقت فيه بحيرة، بدا ما قاله تصريح عنه توضيح، لكن تشتت نظراتها عنه وصوت الفردي الأمني يقتحم حديثهما:
-تعالى يا حضرت بدل ما تعملنا مشكلة.
أشــار له "تميم" بيديه قائلاً على مضضٍ:
-طيب يا دُفعة.
عــاد ليتطلع إلى وجه "فيروزة" ممعنًا النظر فيها، مستغلاً فرصة لن تعوض في التواجد بقربها، قبل أن يخبرها، بنبرة أقرب لقطع وعدٍ نافذ، لا يمكن المناص منه أبدًا:
-أنا راجعلك تاني.
...................................................
انتشر الدواء المخدر في خلايا جسدها، ليُسكن تلك الأوجــاع التي تصرخ في عظامها من آن لآخر، لتذكرها بما اقترفته، من أجل التخلص ممن اعتبرتها عدوتها، ورغم شراسة ما فعلته، لم تندم "خلود" للحظةٍ، على إقدامها على تنفيذ تلك الخطة الشنيعة، ففي كل الأحوال، خسارة جنينها كانت أكيدة؛ لكن تحويلها لملحمة درامي،ة تظهر فيها الضحية المضطهدة، والمجني عليها، أفضل بكثيرٍ، على أن تكون المُطلقة التعسة، ناهيك عن خلق تلك الفرصة الذهبية للمساومة مع حبيبها، واستعادته بالتأكيد، بعد لقاء والدتها المثمر بـ "محرز".
أسند "هيثم" كيسًا بلاستيكيًا مليئًا بالعصائر الطبيعية، على المنضدة الملاصقة لنافذة المشفى، وتحدث إلى والدته متسائلاً في اهتمامٍ:
-"خلود" عاملة إيه دلوقتي يامه؟
ردت بتهكمٍ صدمه:
-هاتقول تتحزم وترقص دلوقتي.
انفرجت شفتاه في ذهول، بينما تابعت قولها بأسلوبها الناقم:
-إنت مش شايفها مدشدشة قصاد عينك.
علق "هيثم" بامتعاضٍ:
-خلاص يامه، أنا غلطان إني سألت.
رمقته بتلك النظرة الحقود قبل أن تأمره:
-بأقولك إيه، استنى ماتمشيش، عاوزاك.
لوى ثغره متسائلاً، وهو يضم كفيه معًا:
-خير يامه
أشارت له بعينيها ليجلس إلى جوارها، وهي تتابع بنبرة لانت تقريبًا معه:
-كل خير يا حبيبي.
رمقها بتلك النظرة المتشككة وهو يقول:
-مش مستريحلك يامه، حاسس إن في حوار.
تصنعت العبوس، وهي تنظر له بانكسارٍ مفتعل، قبل أن تغمغم بنوعٍ من المراوغة:
-حوار إيه بس؟ ده كل اللي بنعمله عشان مصلحة أختك الراقدة دي.
اعترض عليها مصححًا:
-هي اللي عملت كده في نفسها، محدش قالها احدفي نفسك من على السلم، وموتي اللي في بطنك
قالت في حزنٍ:
-كانت ساعة طيش من الشيطان.
سألها بنظرة ثاقبة:
-والمطلوب مني إيه؟
ابتسامة ماكرة ممزوجة باللؤم تكونت على شفتيها، وهي تجيبه:
-كل خير يا ضنايا.
ما زال متشككًا من أسلوبها المتلوي غير المريح، نفخ في ضيقٍ، وسألها:
-قصدك إيه؟ قوليلي على اللي في دماغك يامه على طول.
مالت عليه لتخبره بصوتٍ هامس بتحرير محضرٍ، ضد شقيقة زوجته، تتهمها فيه، بمحاولة قتل الأخيرة، خلال الشجار الذي نشب بينهما على الدرج، وطلبت منه -دون حياءٍ- إنكار الحقيقة كليًا، والشهادة في صالح أخته لمساعدتها في تقوية موقفها. حدق فيها بعينين متسعتين في عدم تصديق، وسألها بصوتٍ بدا غاضبًا:
-عاوزاني أشهد زور يامه؟
أجابته مبتسمة؛ وكأنها تجمل الأمر له:
-مش زور يا واد، دي كلمتين كده لا راحوا ولا جوم...
ثم لجأت إلى أسلوب الاستجداء، وتسولت عواطفه بنحيبٍ مكشوف:
-وبعدين أختك غلبانة، وحالها يصعب على الكافر، يرضيك اللي هي فيه؟
استنكر ما تطلبه منه، وأصر على رفضه بعنادٍ:
-لأ مش هاعمل كده، وده اختيارها، وأنا مش هاقول غير الحق
اختفت ملامح اللين من وجهها، واِربد بالغضب وهي تعنفه:
-إنت جاي تتوب دلوقتي يا عين أمك؟ ده إنت مكونتش بتعمل إلا الحرام طول حياتك!
ورغم لسانها السليط إلا أنه قال مبتسمًا ليستفزها، وهو يقبل ظهر كفه وباطنه بفمه:
-والحمدلله يامه ربنا هداني، جاية تبوظي ده تاني، بدل ما تدعيلي بالثبات؟
قالت بوقاحةٍ، ونظراتها الحانقة مسلطة عليه:
-لأ، أنا هادعي عليك طالما بتعصاني، ومش عايز تسمع كلامي.
ردد مذهولاً:
-إيه اللي أنا باسمعه ده، في أم كده؟
عقبت عليه "بثينة" ببرودٍ مستفز:
-أه ياخويا، وبعدين يرضي مين ما تدافعش عن أختك؟
أجابها بصدقٍ:
-عشان خايف من ربنا.
ردت باستهجانٍ وقح:
-وهو أنا قولتلك اكفر لا سمح الله؟ دي كدبة بسيطة، لا راحت ولا جت.
هز رأسه في استياء شديد، وتعابيره تنطق بلسان حاله:
-حقيقي يامه مش عارف أقولك إيه.
وضعت يدها على كتفه تستحثه على الرضوخ لها:
-وافق يا "هيثم" عشان أرضى عنك، ويتفتحلك أبواب الخير.
قال في سخرية:
-ده كده هتتقفل في وشي بالضبة والمفتاح.
لكزته بغلظةٍ، وصاحت فيه بتشنجٍ، وقد فاض بها الكيل من رفضه العنيد:
-قوم ياض غور من هنا، قلبي مش راضي عنك، واعرف إن كل مصيبة هتجرالك، بسبب إني مش مسمحاك.
نهض من جوارها، وأضــاف وهو يضرب كفه بالآخر:
-لا إله إلا الله! هو في كده؟
بصقت في وجهه، كتعبيرٍ عن ازدرائها المستحقر له؛ لكنه رد بنوعٍ من الممازحة:
-ده لو الشيطان كان واقف مكاني هنا، وسامعك وإنتي بتوسوسيله، كان اعتزل الشغلانة من زمان، وسبهالك.
مدت "بثينة" يدها لتمسك بالكوب البلاستيكي المليء بالماء، قذفته به في وجهه، فأغرقه، وتناثر على كامل ثيابه، قبل أن تطرده من الغرفة بغضبٍ أكبر استبد بها:
-امشي من هنا!
غمغم في تهكمٍ، وهو يمسح الماء عن وجهه:
-يعني بأطرد من الجنة؟ أنا طالع من غير قلة قيمة.
نعتته بسبابٍ من خلفه؛ لكنه لم يستدر أو يهتم بغيظها المتزايد فيها، ومع هذا لم يعلم أن المسألة قد اتخذت بالفعل مسارها الخطير.
..............................................
عاد إليها بعد برهة، محملاً بأكياس الطعام الشهي، رغم فقدانها للشهية؛ لكنه أصر –وبشدة- على حثها على تناوله، وإن كان قدرًا بسيطًا، ليمكنها من استعادة طاقتها المفقودة، اعترضتٍ بلطفٍ، واكتفت بالغوص في الأريكة الجلدية، متنهدة بتنهيدات طويلة، راقبها "تميم" باهتمامٍ، وقال بلهجة حازمة:
-مش هاينفع يا أبلة، لازم تاكلي..
ثم قرب الأطباق الشهية منها، بعد أن أفرغ ما تحتويه الأكياس، على الطاولة المنخفضة الفاصلة بينهما، وأضاف بنوعٍ من المداعبة:
-ده حتى يعتبر عيش وملح بينا.
قالت في سخريةٍ:
-المفروض عيش وحلاوة.
أكد لها بعينين لم تطرفا:
-إنتي مش هتطولي هنا.
لم تخفت ابتسامة "تميم" معها، كان يبتسم بتلقائية، رغم عدم إدراكه لهذا، تطلعت إليه في استغرابٍ، وسألته:
-للدرجادي إنت مصدقني؟ وواثق إني مش هاتسجن؟
كان أول حوار هادئ بينهما، رغم تأزم الموقف، وبمزيد من الجدية جاوبها:
-أيوه .. مع إنك كدبتي عليا في حاجة.
ضاقت عينيها في استرابةٍ، فأوضح لها سريعًا، حتى لا تدور في رأسها الهواجس:
-الحريقة.
أرجعت "فيروزة" ظهرها للخلف، وقالت وهي ترفع رأسها للأعلى بتعبٍ:
-إنت لسه فاكر، ده موضوع واتقفل.
بقيت عيناه مثبتة عليها، وقال بوجهٍ شبه متقلصٍ:
-عمومًا مش وقته، مدي إيدك وكلي..
نظرت إليه مليًا، دون خجلٍ، وكأنها تحلل طبيعة شخصيته، كان لطيفًا للحد الذي أشعرها بالغرابة والخوف معًا؛ الغرابة من عدم اعتيادها على تصديقه لما قالته هكذا دون تعقيد، وبلا دليلٍ قاطع على عدم زيف ادعائها، والخوف من انسياقها -غير المتردد- وراء مشاعرها الغامضة التي تستحثها –وبقوة- على الوثوق به.
وعلى الرغم من المواقف الخشنة، والمليئة بالمشاحنات التي جمعت بينهما فيما مضى؛ من صفعةٍ حرجة أمام العامة، من إهانة وقحة في منزلها خلال خطبة توأمتها، من صدام بالكلمات في المطعم، إلا أنه كان وديعًا معها، على نحوٍ غير مألوف، وكأنهما على وفــاق دائم، ولم يحدث بينهما أي صدام في يوم من الأيام؛ وهذا ما وترها نسبيًا!
"تميم"؛ الوحيد الذي لم يشكك في قولها أبدًا، صدقها منذ الوهلة الأولى لاتهامها، ودون الحاجة لبرهان بيّن، مقارنة واقعية سريعة انعقدت في رأسها، بين أقاربها، وبينه؛ وكانت النتيجة في صالحه، الغريب عنها بدا أحن بكثيرٍ عمن تربطهم بها صلة الدم.. انتعش عقلها بذكريات غير سارة؛ خذلان والدتها، عنف خالها، إهانات زوجته الحقودة، قساوة عمها، ووحشية ابن عمها، فاستنزفت روحها بالتدريج، وظل الوحيد الذي طعنته علنًا، وانتقصت من رجولته أمام العامة، هو الدرع الواقي لها بعد فراق والدها المؤلم، برحيله شعرت بخواء الحياة، وتناقص متعتها، حتى بدا الشقاء ملازمًا لها.
ورغما عنها تسلل إلى عقلها المتكدر ذكرى أخرى تخشاها، سرحت فيها بكامل حواسها؛ جسد "غريب" المشتعل، تجسد المشهد من جديد أمامها؛ وكأنه يُعرض في شاشة سينمائية ضخمة، تحتل الفراغ بأكمله أمامها، حملقت بعينين غائرتين، تدوران في دوائر من التيه والتخبط، ومتسائلة بقلبٍ متألم، ينزف في صمت،
لماذا لم تفنَ روحها في الحريق؟ لو حدث حقًا هذا، لكانت أراحت الجميع من همها، واستراحت من الأعباء القاسية التي مزقتها، في معترك الحياة، تزايد إحساسها باليأس، وامتزج مع إحباطها الشديد، وبدأ ينعكس ذلك ظاهريًا عليها، حيث أحست بالهواء ينسحب من رئتيها، يصعب استعادته، بأن صدرها قد بات ثقيلاً، وقلبها يصرخ في ألم، أدركت "فيروزة" في تلك اللحظة، أنها أصبحت على وشك الدخول في إحدى نوباتها المهلكة، وتلك المرة أرادت بشدة أن يكون الموت رحيمًا بها، وتتمكن من التخلص من حياتها خلال معاناتها ........................................ !!
.........................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم Manal Salem
الفصل التاسع والخمسون
حول مائدة مستديرة، اجتمعت القيادات الأمنية، برتبها المختلفة، لمناقشة تطورات قضايا التهريب، وما يحدث خلالها من تجاوزات تضر المجتمع والمواطنين. رن هاتف "وجدي"، فأوصده على الفور معتذرًا عن ضجيجه الذي أزعج الحاضرين، وضعه على وضعية الصامت، وحرص على تدوين الملحوظات الهامة، من قبل رؤسائه المخضرمين، للاستعانة بها في تحرياته الدقيقة، خاصة بعد انتقاله لمكتب مكافحة المخدرات، وما يتطلبه ذلك من يقظة وفطنة شديدة، لاكتشاف أساليب المهربين الملتوية، لإدخال تلك المواد المخدرة، عبر حدود البلاد، أو الموانئ المختلفة.
انفض الاجتماع، وخرج منه ليجد عدة مكالمات فائتة من صديقه "ماهر"، أيقن وجود خطب ما، فهاتفه على الفور، ليأتيه صوته الجاد متسائلاً:
-إنت فين يا باشا؟
أوضح له بتريثٍ، ونبرته يشوبها زفير مرهق:
-كان عندي اجتماع مهم مع سيادة اللواء والقيادات في مديرية الأمن.
علق في تفهمٍ:
-عشان كده مردتش عليا.
قال مقتضبًا:
-أيوه ..
سأله "ماهر" كتمهيدٍ في الحديث:
-والدنيا تمام معاك؟!
منحه ردًا حياديًا حين أجاب:
-يعني أهوو.. بس إنت عارف شغل المكافحة، لازم تحريات دقيقة عن أي بلاغ يجيلنا، واحنا اليومين دول شغالين على حاجات من دي.
تنحنح وهو يكمل بنبرة شبه حرجة:
-الله يعينك، معلش يا باشا هاطلب منك خدمة على السريع، إنت عارف أنا في أجازة، ومش هاينفع أنزل دلوقتي وآ...
قاطعه معترضًا على خجله منه:
-أؤمر يا "ماهر" .. ومن غير ما تبرر يا باشا.
شكره مجاملاً:
-تسلملي يا غالي،..
ثم دخل في صلب الموضوع متسائلاً:
-فاكر البنت اللي جيت أتوسطلها قبل كده في القسم عندك، وقت ما كنت شغال هناك؟
فرك جبينه؛ وكأنه ينشط بذلك ذاكرته، قبل أن يرد:
-مش واخد بالي أوي.
أعطاه إضافة أخرى ليتذكرها بقوله:
-صاحبة "علا"، كان اسمها "فيروزة".
على الفور تذكر مشاجرتها المميزة، خلال خدمته في ذلك القسم، وقال ببسمة جانبية صغيرة:
-افتكرتها، مش دي بتاعة خناقة عربية الأكل؟ اللي كانت على الكورنيش؟
أكد عليه صحة جوابه قائلاً:
-أيوه هي دي.
سأله "وجدي" في سخرية:
-مالها؟ اتخانقت مع مين تاني؟
أجابه بحيرةٍ لم يخفها عنه:
-هي مش خناقة، حاجة تانية أهم، بس معنديش تفاصيل أوي عنها.
أومـأ رفيقه برأسه، وقال:
-خلاص، أنا هاطلع على القسم دلوقتي، أنا عارف "محمود" بيه، هتواصل معاه، وأعرفلك الليلة فيها إيه، وأكلمك بعدها.
هتف في امتنانٍ أكبر:
-حبيبي، مش هنسالك الخدمة دي.
ابتسم معقبًا عليه:
-احنا في الخدمة معاليك، النهاردة عندي، بكرة عندك، وكده
ضحك "ماهر" معلقًا على كلماته الأخير:
-بالظبط يا باشا، يالا مش هاعطلك بقى، وهستنى مكالمتك
-بإذن الله .. سلام.
قالها "وجدي" وهو يختم اتصاله معه، قبل أن يبحث في هاتفه عن رقم الضابط "محمود"، ليطلبه وهو يتابع سيره خارج المبني الأمني، حيث تتواجد سيارته.
.................................................................
الجلوس معها -بمفردهما- كان يُعد حلمًا مستبعدًا، غير قابل للتحقيق، على أرض الواقع مُطلقًا، خاصة بعد معرفته بمسألة خطبتها بذاك البغيض، الذي فهمه بمجرد التطلع إليه؛ ولكن لقائه بها حدث، وإن كانت الظروف غير مناسبة، فماذا عن مشاركتها لقيمات معدودة من الطعام؟ شعور لا يوصف بالسعادة العارمة تخلل تحت جلده، تسبب له في تأثيرات حسية ظاهرية عليه، جعلته في حالة من الانتشاء والطرب، حتى دقات قلبه خفقت بقوةٍ، من حماسه المتلهف، كقرعٍ عنيف على طبول أفريقية في احتفال قبائلي عظيم، وياله من إحساسٍ رهيب يخوضه الآن! لم يعشه من قبل أبدًا، ورغب بشدة ألا ينتهي شعوره به. اختلس "تميم" النظرات الحذرة نحوها، كان مفتونًا بابتسامتها الهادئة، وإن كان يشوبها الحزن، ورغم هذا كانت تمنحها جمالاً ناعمًا غير متكلف، وحين لجأت "فيروزة" للصمت، تولى زمام الحوار عنها، وأخبرها بهدوءٍ، ليواصل سلاسة حديثهما:
-متقلقيش على الحاجة والدتك، أنا وصلتها البيت...
تنحنح بخفوتٍ، وتابع بحرجٍ طفيف:
-يعني ما يصحش ست محترمة زيها تفضل هنا، وتتبهدل من الأعدة في المكان ده، فاطمني عليها..
كان حذرًا في اختيار كلماته، حتى لا يتسبب في إزعاجها، بدا مترددًا بعض الشيء وهو يكمل:
-وأنا وعدتها هفضل معاكي..
رفع عينيه نحوها ليراقب ردة فعلها، كانت محدقة به بغرابةٍ، فأبعد نظراته معتقدًا أنها أساءت فهمه، وبادر بالتوضيح بلجلجة خفيفة:
-قصدي يعني إني موجود لحد ما تطلعي من هنا، كل حاجة هتتحل .. مش عايزك تشيلي هم يا أبلة.
لم يجرؤ على النظر إليها، خشية أن يرى علامات الضيق في عينيها، بعد أن كانت مليئة بشيء مختلف، ظل مطرقًا لرأسه وهو يختم حديثه معها في ذلك الموضوع الشائك:
-هو الغلط من عندنا احنا .. وبنت خالتي مكانش ينفع تعمل كده..
بلع ريقه، واعتذر موجزًا:
-فحقك عليا.
انتظر أن يأتيه الرد منها، ولو كان على سبيل المجاملة؛ لكنها بقيت صامتة، رفع رأسه نحوها، وتطلع إليها بنظراتٍ حذرة، لم تكن تنظر ناحيته، بل كانت محدقة أمامها في الفراغ، وذلك الوجوم المريب يغطي وجهها، ناداها باهتمامٍ قلق:
-يا أبلة!
لم تعقب عليه، وبقيت جامدة في مكانها، لم تهتز لها عضلة، أو يتحرك لديها طرف من أطرافها، تحفز في جلسته، وضاقت عيناه بشكٍ، ثم سألها بتوجسٍ ظاهر في صوته:
-مالك؟ إنتي كويسة؟ في حاجة تعباكي؟
نهض من مكانه ليتأملها عن كثب، وكانت المفاجأة التي انخلع فيها قلبه؛ رؤيتها على نفس الحالة االمرضية التي عايشتها من قبل، مع فارق تأثيرها الأقوى، أزاح بيديه الطاولة التي تعوقه عن الوصول إليها، ثم وضع ركبته على الأريكة بجوارها، ليلقي بثقل جسده عليها، انحنى نحوها يربت على وجنتها برفقٍ، وهو يناديها بلهفةٍ ملتاعة:
-"فيروزة"، ردي عليا.
لم تتجاوب مع ضرباته الخفيفة، بل تراخى جسدها كليًا، وباتت في حالة من اللا وعي، تضاعف خوفه، وتراجع عنها مخفضًا ركبته، ليساعدها على التمدد على الأريكة، كان قريبًا من وجهها، ناداها بأنفاس مضطربة:
-"فيروزة"، سمعاني؟
خفق قلبه بقوةٍ، حين استجابت لحظيًا لندائه، والتفتت ناظرة إليه. منحته نظرة حزينة سريعة، عكست مدى الألم الذي تعانيه، وتخفيه عمن حولها، قبل أن تطبق على جفنيها، وابتسامة باهتة ظهرت على شفتيها، لتختفي مع هروب عقلها المؤقت عما يؤذيه. تركها في مكانه، واستدار مهرولاً نحو باب الغرفة طالبًا للنجدة، صاح بنبرة أقرب للصراخ المفزوع:
-يا جدعــان حد يلحقنا.
ولج إلى الغرفة على إثر صوته بعض أفراد الأمن، وكان على رأسهم أحد الضباط، فتساءل في جديةٍ، وهو يدنو منها ليتفقدها:
-حصلها إيه؟
أجابه بقلقٍ، وقد تضرج وجهه بحمرته المنفعلة:
-دي نوبة بتجيلها كل شوية
سأله الضابط بسذاجةٍ:
-صرع يعني؟
نفى ذلك كليًا، موضحًا له، بناءً على تصريح توأمتها السابق:
-لأ، حاجة نفسية.
هز رأسه في عدم اقتناعٍ، وهو يرد:
-طيب .. هاشوف.
رمقها الضابط بنظرة أخرى مدققة، وقد بدا مستخفًا بحديثه عن مرضها، انتظر "تميم" أن يتخذ ذلك الضابط الخطوة الملائمة للتعامل مع حالتها، لكنه لم يكن مهتمًا بالقدر الكافي، لذا هتف قائلاً بحدة ملموسة:
شكلها مايطمنش، أنا هطلبلها الإسعاف وآ...
قاطعه الضابط بلهجة رسمية:
-هي مش سايبة عشان تعمل كده من نفسك، ما جايز تمثيلية منها وآ....
رد عليه مقاطعًا بصوتٍ شبه قاتم، ونظراته الحانقة مسلطة عليه:
-خلاص هاتلها دكتور يا باشا يشوفها، بدل ما ناخد وندي، وهي قصادنا كده مفرفرة.
علق بسماجة باردة، تناقض طبيعة الموقف:
-لازم الظابط يشوفها الأول، ويقرر.
احتج بعصبية بائنة في نبرته، ونظراته، وأيضًا حركة جسده:
-وأنا قولت إيه غير كده؟ هات حتى المأمور، بس نتصرف!
علق الضابط ساخرًا منه:
-إنت واخد بالك أوي منها، تكونش متجوزها؟
رد بحنقٍ، وعروقه تنتفض بغضبه المكبوت:
-لأ..
بدا صوته كالهسيس وهو يحادث نفسه:
-بس يا ريتني كنت متجوزها، على الأقل مكونتش سمحت لحد يتعرضلها ولا حتى دخلتها مكان زي ده!
سأله الضابط السخيف بفضولٍ:
-إنت بتكلم نفسك؟
رد بوقاحةٍ:
-ليه شايفني مجنون؟
زجره بخشونةٍ:
-اتكلم عِدل، ماتنساش نفسك، إنت هنا في قسم!
تدخل "وجدي" مقاطعًا الاثنين بجديةٍ بحتة، ويتبعه شخص آخر، تبدو هيئته رسمية:
-في إيه بيحصل هنا؟
أجاب "تميم" موضحًا على الفور:
-يا حضرت الظابط الأبلة تعبانة جدًا.
مد الضابط الأول المتواجد بالغرفة مصافحًا زميله، وقاصدًا تجاهل ما أفصح عنه "تميم"، ليشعره بعدم أهميته:
-"محمود" بيه، نورت معاليك.
ثم انتقل للترحيب بزميله السابق، بمصافحة حارة أيضًا:
-أهلاً "وجدي" بيه..
تساءل "محمود" في اهتمامٍ، وهو يتجول بنظراته على جسد "فيروزة" المسجي أمام الجميع على الأريكة:
-هي دي قريبة "ماهر" بيه اللي مكلمك عشانها؟
تلك النظرات العادية، أو حتى غير المهتمة، من بعضهم على جسدها، كانت بمثابة السهام القاتلة التي تخترق صدره، وتفتك بأعصابه، لم يكن راضيًا أبدًا عما يحدث، احترقت أحشائه وتقطعت وهم يمررون عليها أنظارهم الفضولية، وعلى قدر المستطاع حاول حجبها عنهم بجسده، يتحرك مع اتجاه أي وجه ينظر إليها ليمنعه من النظر إليها، وليحافظ على خصوصيتها، انتبه إلى صوت "وجدي" المتسائل:
-حصلها إيه؟
أجابه محذرًا بأعصابٍ شبه تالفة من حنقه الشديد:
-مش عارف، بس لو فضلت كده هيجرالها حاجة.
التفت "وجدي" للضابط الأقل رتبة، وقال بلهجةٍ آمرة:
-بعد إذنك يا "محمود" بيه، هتخلي حد من رجالتك يطلب الإسعاف.
رد عليه بإيماءة من رأسه:
-تمام يا "وجدي" بيه، وفي قوة أمنية هتروح معاها المستشفى...
ضاقت عينا "تميم" بحدةٍ، لكن الضابط تابع كلامه موضحًا:
-بحيث لما تفوق ناخد أقوالها هناك..
ثم تركزت نظراته على "تميم" وهو يكمل باقي حديثه:
-وبالمرة نتكلم مع الضحية، ونعرف بالظبط تفاصيل الواقعة.
نظرات الاتهام كانت ظاهرة في عيني الضابط "محمود"، وقوبلت بزفيرٍ ثقيل من "تميم" الذي كان يكز على أسنانه، مانعًا نفسه من التصرف برعونة، فقط من أجل الوصول إلى الحقيقة، وإثبات براءتها.
...........................................................
أصر على نقلها لأكثر المستشفيات حرصًا على تقديم الرعاية الطبية القصوى لمرضاها، ولا يدري إن كان ذلك لحسن حظه أم لسوءه، فقد تواجدت في نفس المشفى مع طليقته السابقة؛ ولكن كان الفارق في مكوث "فيروزة" بالطابق الخاص بالشخصيات الهامة، على عكس "خلود" التي مكثت بغرفة أقل تكلفة، وانتظر بترقبٍ خروج الطبيب المكلف بفحص حالتها لطمأنته عليها، جالت نظراته على القوة الأمنية المتواجدة أمام باب غرفتها، وبدا هذا مزعجًا له بحدٍ كبير، فلم يثبت بعد إدانتها، لتعامل بتلك الطريقة؛ لكن نصيحه محاميه الخاص، بعدم الاحتكاك بهم، حتى لا يتعقد الموقف، والانتظار ريثما تنتهي التحريات والإجراءات القانونية المتبعة في مثل تلك الظروف.
مضى ما يزيد عن النصف ساعة، وهو ما زال واقفًا بالخارج، تحركت عيناه مع الطبيب الذي خرج لتوه من الداخل، أقبل عليه دون تأخير، وعيناه تحاولان التطلع إلى "فيروزة" من تلك الفرجة الصغيرة في موضع الباب، ليتمكن من رؤية ما يحدث لها، ثم سأله في اهتمامٍ واضح:
-عاملة إيه دلوقتي؟
أجابه بهدوء، ونظراتٍ ثابتة:
-حالتها مستقرة حاليًا.
سأله بترددٍ، وهو يشرأب بعنقه للأعلى ليلمحها بعد أن حجبت الممرضة -المتواجدة أمام فراشها- الرؤية عنه:
-طب يعني أقدر أشوفها؟
جاوبه بالنفي القاطع:
-لأ..
انخفضت عينا "تميم" على وجه الطبيب، فاستأنف موضحًا أسبابه:
-هي هتفضل نايمة بسبب المهدئات اللي واخدها، وده أحسن لها الفترة دي.
هز رأسه قائلاً بضيقٍ انتشر على تعابيره الواجمة:
-طيب يا دكتور، طالما فيه الفايدة ليها.
التفت الطبيب برأسه نحو المحقق الشرطي الذي سأله:
-ها يا دكتور، ينفع نتكلم مع الأستاذة ولا ..؟
تنحنح موضحًا من جديد:
-لا يا فندم، هتضطر تنتظر شوية، المريضة مش في وعيها، ونايمة تحت تأثير المهدئ.
حك الضابط "محمود" ذقنه؛ وكأنه يفكر في حديثه، لم يكن راضيًا عن رد الطبيب، ونظراته لم تفارق وجه "تميم" أيضًا، بينما طالعه الأخير بنظراتٍ متشفية؛ لكن الأول عاد ليقول بسماجةٍ رسمية:
-عمومًا هنروح نشوف المجني عليها، وناخد أقوالها، بيتهيألي هاتكون فاقت.
وارتسمت على قسماته ابتسامة باردة مستفزة، متوقعًا أن يعارضه زوجها الأسبق؛ لكنه خالف توقعاته، وقال مرحبًا:
-يا ريت، وكمان تاخد أقوال الشهود كلهم اللي كانوا موجودين.
انزعج الضابط من مناطحته الرأس بالرأس، وعنفه بلهجة قوية:
-إنت مش هتعرفني أمشي شغلي إزاي؟
بهدوءٍ تام علق عليه "تميم"، وهو يشير بيده:
-وأنا أقدر يا باشا، تعالى أما أوديك بنفسي.
حدجه الضابط "محمود" بنظرة قاسية، تعكس حنقه منه، وقبل أن يتكلم مجددًا ليعنفه، توقف أمامه أحد أفراد القوة الأمنية، انتبه إليه، عندما نطق برسميةٍ بحتة:
-سعادت الباشا، مكالمة لحضرتك من الباشا المأمور.
تناول الهاتف المحمول منه، وهو يرد على مضضٍ:
-طيب.
تحرك الضابط مبتعدًا عن محيط "تميم"، شيعه الأخير بنظراته القاتمة وهو ينصرف، ليردد في نفسه بقنوطٍ:
-اتبسطتي كده لما خربتيها يا "خلود"؟
............................................................
-يعني إيه مكونتش عايزيني أعرف؟
تساءلت "همسة" بتلك العبارة، وبصوتها الحاد، وهي تسحب والدتها بخطواتٍ متعصبة في اتجاه المصعد، فزوجها هاتفها ليطلعها على آخر المستجدات، والتي لم تكن على علمٍ بها، لتهرع بعدها إلى أمها، وتأتي بها إلى المشفى، في حالة انفعالية مفهومة. حاول "هيثم" إيقافها، وتهدئة ثروتها قائلاً:
-ما هو ده اللي كنت خايف منه، تجي وتجيبي أمك على ملى وشها.
رمقته بنظرة نارية وهي ترد عليه:
-مش أختي يا "هيثم"؟ ولا عايزني أعرف اللي هي فيه وأنام على المخدة، ولا كأن في حاجة حصلت؟
رد بوجه مقلوب، وتكشيرة جانبية:
-ماشي، بس الأمور تتاخد بالعقل، مش قفش كده!
صاحت بنفاذ صبر، وقد فُتح بابي المصعد:
-معدتش في عقل..
ولجت كلتاهما للداخل، وظلت "همسة" تردد بصوتها المنفعل:
-ده احنا كلنا كنا واقفين وشايفين أختك عملت إيه.
صاحت فيهما "آمنة" ليكفا عن الجدال:
-خلاص يا ولاد، مش وقت خناق، لا ده مكانه، ولا حتى وقته، وخلوني أطمن على بنتي.
رد "هيثم" وهو ينضم إليهما بداخل المصعد:
-اتفضلي يا حماتي.
منحت "همسة" زوجها نظرة لا تبشر بخيرٍ، وقد خبت نبرتها حين قالت له مهددة:
-الكلام بينا لسه مخلصش يا "هيثم"!
نظر لها بقلةٍ حيرة، وهو يردد في نفسه:
-ده اللي أنا كنت خايف منه، هاتقلب الليلة عليا في الآخر، ويتقال أختي وأختك!
...........................................................
اصطحب كلتاهما إلى غرفتها بالطابق المميز، ورغم المحاولات المضنية لمنعهما من رؤيتها، إلا أن والدتها وتوأمتها نجحتا في الأخير في الدخول لها، والبقاء بجوارها، بعد اللجوء لوساطات لا طائل لها من مسئولين ذوي مناصب هامة، كلمتهم مسموعة، ونافذة. انتظر "تميم" بالخارج مع ابن خالته، لم يحاول اقتحام خصوصية العائلة، وطلب من "هيثم" التواجد معه؛ لكن تلك النظرة المختلسة على وجه "فيروزة" النائمة، وهي تدير رأسها للناحية الأخرى، أشعرته بالارتياح. انغلق الباب، فاستدار "تميم" في اتجاه شقيق طليقته، ليمسك به من ياقته، جذبه بعيدًا عن أعين أفراد القوة الأمنية المراقبة لهما، ليشرع في توبيخه بغلظةٍ، وهو يكز على أسنانه:
-إنت غبي يا ابني؟ كلمتهم ليه؟ لازمتها إيه الشوشرة دي؟
حاول "هيثم" انتزاع ياقته من قبضته المحكمة عليه، وقال مبررًا تصرفه:
-ما كده كده كانوا هيعرفوا، دي أمها ودي أختها، يعني مش حد غريب...
ثم بلع ريقه، وأضاف بتمهلٍ؛ وكأنه يفصح عن عيبٍ خطير:
-وبصراحة كده أنا مابعرفش أمسك لساني مع مراتي!
أرخى "تميم" أصابعه عنه، ومنحه تلك النظرة الحادة، قبل أن ينطق بغيظٍ:
-ما هو باين!
سأله "هيثم" وهو يضبط هيئته:
-ها قالك إيه الدكتور؟
أجاب على مضضٍ، وبزفيرٍ سريع:
-واخدة مهدئ، نفسيتها مش حلوة.
أكمل "هيثم" مسترسلاً في الحديث بتوترٍ مختلط بالمزاح:
-آه لو أمي عرفت إنها هنا، يا لهوي، هتولع الدنيا.. وهي أصلاً والعة لواحدها.
نظر له "تميم" بطرف عينه، وقال:
-ومين هيقولها غيرك؟!
رفع ابن خالته كفيه معترضًا:
-لأ مش للدرجادي، أنا برضوه بأفهم.
ساد الصمت للحظات لم تدم كثيرًا ليبوح بعدها "هيثم" بمناقشته المحتدمة مع والدته:
-ده أنا مرضتش أشهد زور
التفت "تميم" كليًا نحوه، وسأله بوجه حائر:
-تشهد زور في إيه؟
رد بكتفين متهدلين:
-ما هي عايزاني أخد صف "خلود"، وأقول إن أخت مراتي وقعتها من على السلم.
تحفز ابن خالته في وقفته بعد سماعه لذلك، وسأله بقلبٍ يدق بقوةٍ:
-والأبلة معملتش كده، صح؟
أتاه دليل براءتها واضحًا حين جاوبه:
-أنا شايف أختي وهي قاصدة تحدف نفسها من عليه، محدش لمسها، ده غير إن كان في مسافة كبيرة بينهم، ومراتي شافت ده كمان، بس أمي الله يسامحها ضميرها ميت.
سكت "تميم" لبرهة ليستعرض في عقله ما يدور ويحلله، قبل أن يخبره:
-وطبعًا هتجبرك تشهد معاها.
حرك "هيثم" رأسه موضحًا موقفه النهائي:
-ما أنا قولتلها لأ.. وقلبت بخنافة معها...
ثم لفظ الهواء المحبوس في صدره ليطلب منه، بما يشبه النصيحة:
-حاول إنت تحل الليلة دي كلها يا معلم، لأنها لو فضلت على الشكل ده مش هنخلص أبدًا، والحكاية هتوسع وهتبقى محاكم، وجايز يبقى فيها سجن.
غامت عيناه بشكلٍ غريب، حاليًا لم يلم بعد بالأبعاد القانونية لتلك المسألة العويصة؛ لكن لا يضمن عواقب تركها معلقة، فخالته ليست بالشخص الهين الوديع، وابنة خالته لا تقل خطورة عنها، تنفس بعمقٍ، وتحدث بعدها بغموضٍ:
-فعلاً لازملها حل، ويجيب من الآخر كمان.
...........................................................
وجودهما بغرفتها، وإلى جوار فراشها، كان بدون طائل، ما زالت في سباتها الإجباري، ومع صرامة الضابط "محمود" الواضحة، اضطرت والدتها وتوأمتها للذهاب، وتركها بمفردها، وسط الحراسة المفروضة عليها، بدون أسباب معلومة؛ وكأن الضابط يشك في احتمالية هروبها، وإدعائها لتلك التمثيلة السخيفة، بعد ما وَرد إليه من معلومات، أو بمعنى أدق أوامر مشددة، بتضييق الخناق عليها، وزيادة القوة التأمينية، إلى أن ترد أوامر جديدة بشأنها.
ألقى الضابط "محمود" نظرة متأملة عليها، بعد أن قرأ ما كتبه الطبيب في اللوح المعدني المعلق على فراشها، أمعن النظر فيها مرة أخرى وهو يسألها، رغم يقينه بعدم استطاعتها الرد عليه:
-إنتي مزعلة مين من الكبارات؟
الغريب في الأمر أن التوصيات التي جاءت لصالحها، تفوق تلك التي تشدد على إبقائها محتجرة، بدا الوضع متناقضًا، محيرًا، ومُريبًا بالنسبة له، يُظهر صراعًا خفيًا، محوره تلك الشابة غير الواعية، خرج من غرفتها، وأعطى أوامره للأفراد قائلاً بلهجةٍ صارمة:
-محدش لا يدخل ولا يخرج من هنا بدون إذني، مفهوم؟
أدى الفرد الأمني التحية العسكرية له، وقال:
-تمام يا باشا.
انصــرف بعدها الضابط "محمود" من المشفى، وقد تعذر عليه أيضًا الالتقاء بالطرف الآخر في قضيته المنوط بها؛ "خلود"، بسبب ظروف حالتها الصحية، ليعود إلى منزله، ويأخذ قسطًا من الراحة، قبل أن يأتي مجددًا لهذا المكان، ويبدأ في تحقيقه الدقيق، ويملأ تلك الفراغات المحيرة فيه.
...........................................................
بوجه مكفهر، ونظرات متنمرة، وأنفاس مدمغة برائحة التبغ، من السيجارة المتدلية من بين شفتيه، التقط "فضل" بعينيه مساحة خالية، في المنطقة المخصصة لركن السيارات بالقرب من مدخل المشفى، تصلح لإيقاف السيارة العتيقة التي استأجرها، دفع جسده دفعًا للخروج من المقعد الجلدي المشقق، وهو يلعن بكلماتٍ قانطة، التفت نحو والده الذي ترجل من السيارة أيضًا، وإجهاد السفر يبدو واضحًا على تعابيره، وحركته الثقيلة، صــاح الأول فجــأة بما يعتريه من حنقٍ:
-خلينا كده نلف ورا الهانم من الأقسام للمستشفيات!
رد عليه "اسماعيل" بصوته الأجش:
-دلوقتي نقابل مرات عمك، ونفهم في إيه بالظبط.
لامه بنوعٍ من الهجوم، مستخدمًا يده في التلويح:
-إنت اللي غلطان يابا، كان لازم تفضل معانا في البلد، مش مطلوقة كده لا ليها كبير ولا عاملة اعتبار لحد.
نظر له بنظراتٍ متشددة، وقال على مضضٍ:
-مش وقته الكلام ده.
رد بعنادٍ، ونظراته لا تنم عن لمحة خير:
-لأ وقته يا حاج، عايزني أسكت زي الحريم؟
تطلع إليه والده في انزعاج، فتابع ابنه كلامه الناقم:
-هانستنى إيه بعد كده؟ ده تلاقي أهل البلد واخدين سيرتها لبانة في بؤهم.
علق باستهجانٍ، وهو يهم بالتحرك بعيدًا عن الموقف:
-وحد يعرف في إيه لسه؟!
تبعه بخطواتٍ شبه متعجلة، وبرر له سبب حمئته المتعصبة:
-الناس بتألف على مزاجها، ومش هتقدر تمنع حد مايتكلمش، وحتى لو مش في وشك، هيتكلم من وراك، والكلام يمس سمعتنا.
توقف "اسماعيل" عن السير، واستدار نحوه، ليزجره بنفاذ صبرٍ:
-"فضل"! متخلنيش أندم إني جبتك معايا!!
لوى ثغره معقبًا باستنكارٍ متهكم:
-يعني كنت هاسيبك تروح لوحدك تدور وراها؟
ثم نفخ عاليًا، لافظًا بقايا سيجارته المحترقة، وأكمل:
-تعالى يا حاج نشوف راقدة في أنهو أوضة.
تنهد أباه مرددًا بصوته المغلف بالتعب:
-بينا.
واتجه كلاهما إلى مدخل المشفى، الذي كان على بُعد بضعة خطوات، ليبادر "فضل" بالسؤال عن مكان حجرة "فيروزة"؛ حيث ترقد بها، أو الأحرى تحتجز بها مؤقتًا.
......................................................
بلغا الطابق المنشود، ولم يجدا صعوبة في معرفة غرفتها، فالحراسة الأمنية كانت كفيلة بالإشارة إلى تواجدها بالداخل، انعكست علامات السخط على وجه "فضل"، وظل يُسمع والده بالمزيد من العبارات الناقمة، عن سوء تصرفاتها، وتركها دون رقابة، لتسيء لنفسها ولسمعة العائلة في النهاية، أراد شحن عمها ضدها، فلا ينحاز لصفها، حين يتخذ القرار الحاسم، ويقيد حريتها. حاول ابن عمها تجاوز رجال الشرطة، والمرور عنوة للداخل، لكن تم منعه، ولم يسمح له أو لغيره برؤيتها دون موافقة الضابط المسئول عن التحقيق في قضيتها، بعد التعليمات الجديدة التي تلقاها، فأدى ذلك لانفلات أعصــاب "فضل"، فصرخ باهتياجٍ:
-أنا ابن عمها، مش حد غريب.
رد الفرد الأمني ببرود:
-إن شاءالله تكون أبوها حتى، ممنوع.
صاح به بغيظٍ، وقد انتفخ وجهه:
-يعني إيه؟ هي محبوسة هنا؟
قال بسماجة سخيفة؛ مظهرًا عدم اكتراثه به:
-دي أوامر، ولو خالفتها هتتحبس يا أستاذ.
غمغم في سخطٍ:
-استغفر الله العظيم، يعني يبقى بيني وبينها باب، ومعرفش اطمن عليها؟
لم تهتز شعرة للفرد الأمني، وعلق بجمودٍ:
-حتى لو خطوة، ممنوع!
اغتاظ "فضل" من أسلوبه السمج في طرده، فهدر به بانفعالٍ شديد:
-إنت مخك قفل يا دُفعة؟
اشتعلت نظرات الأخير، وسأله بتعابيرٍ محتدة:
-بتغلط في الحكومة؟
تدخل "اسماعيل" على الفور معتذرًا:
-لأ يا دُفعة، مايقصدش، دي بردك بنتنا، وكنا عايزين نطمن عليها.
نظر الفرد الأمني في اتجاه الرجل الكبير، ورد عليه يأمره بلهجته الجافة:
-خد ابنك وامشي يا حاج.
وضع "اسماعيل" قبضته على ذراع ابنه، وجذبه منه بمجهودٍ واضح، ليبعده عن الباب، وهو يرجوه بتوسلٍ:
-تعالى يا "فضل"، الحكاية مش ناقصة شوشرة.
استل ذراعه منه بخشونةٍ، وصاح محتجًا:
-يابا مش شايف اللي بيحصل؟
رد عليه بعقلانيةٍ، ونظراته مسلطة عليه:
-خلينا نكلم محامي ونشوف هنعمل إيه، ده باين الحكاية فيها عوأ كبير، واحنا مش أده.
بصعوبةٍ استجاب لوالده، وتحرك في اتجاه المصعد، ثم توقف أمامه يسأله بأنفاسه الهادرة، بعد أن ضغط على زر استدعائه:
-ومرات عمي فين؟ المفروض تكون هنا، ولا هي بس فالحة تجيبنا من آخر الدنيا عشان المصايب دي
تنهد قائلاً بتعب:
-جايز قالولها تمشي زينا.
أضاف بنبرته المتنمرة:
-وأنا بأطلبها وتليفونها مابيجمعش، حاجة قرف.
أشــار له والده وهو يلج لداخل المصعد
-بينا على بيتها، وهناك هنتكلم.
...........................................................
تسمرت قدماه في مكانه، ورأسه تدور باحثة عن أحدٍ بالجوار، فسيارته محتجزة تقريبًا بسيارة شخصٍ آخر، لم يراعِ وضع مسافة بين السيارتين، لتمكنهما من الحركة بحرية، وبات عليه انتظاره، ليزيحها. أطل "اسماعيل" برأسه من نافذة السيارة، بعد أن طال وقوف ابنه بالخارج، نظر إلى وجهه الحانق، وقال له بهدوءٍ مغاير لما عليه الأول:
-تعالى يا ابني اقعد بدل الوقفة دي.
صاح بغضبٍ أكبر:
-لأ يابا، أنا مستني أشوف الحمار اللي عمل كده عشان أربيه، ما قدامه حتت كتير فاضية.
تلفت والده حوله ليجد انشغال غالبية الموقف بالسيارات، فتلك الفترة تقريبًا هي الموعد المخصص لزيارات أهالي المرضى بالمشفى، استراح في جلسته، وقال معللاً ما حدث:
-جايز حد كان مستعجل، وملقاش ركنة.
نعت "فضل" ذاك المزعج بسبة نابية، وتوعده بالرد العنيف حين يظهر أمامه.
في تلك الأثناء، كان "تميم" قد انتهى لتوه من إيصــال "آمنة" وابنتها إلى منزل الأولى، وبصحبتهم "هيثم"، ثم توجه لاحقًا لأقرب مطعم لشراء وجبات جاهزة لـ "بثينة" ووالدته المرافقتين لـ "خلود"، لم يجد في البداية مكانًا متاحًا لركن السيارة، وبالتالي أوقفها بشكلٍ عشوائي، لبضعة دقائق، أمام إحدى السيارات، وبعيدًا عن طريق عربات الإسعاف، ليسلم الطعام للاثنتين قبل أن يعود ويصفها بالخارج، فما زال لديه حديث معلق مع طليقته.
لمح "تميم" أحدهم، يرتدي جلبابًا من اللون البني، تظهر عليه بقع متفرقة مبللة من العرق، ويبدو في حالة غليانٍ، ووجهه يختلجه أمارات الغضب، فاعتذر من بعيد رافعًا ذراعه:
-لا مؤاخذة يا عمنا.. أنا جاي أشيل العربية
التفت إليه "فضل"، ولعنه:
-الله يحرقك، إنت البغل اللي سيبنا ملطوعين كده، مش عارفين نتحرك
تباطأ "تميم" في خطواته، وسأله بوجهٍ تلون بحمرة مشبعة بغضبٍ مهدد:
-طب وليه الغلط يا بلدينا؟
رد بوقاحةٍ أكبر:
-شايفني واقف بعِمة قصادك يا طُربش، يا (...)؟
حذره "تميم" بغموضٍ، وقد شمر عن ساعديه:
-طب إدي بالك جيالك!!
سأله "فضل" باستخفافٍ:
-معناه إيه ده؟
وقبل أن يتطور الوضع للأسوأ، ترجل "اسماعيل" من السيارة، ليحول دون استمرار ابنه في التشاجر مع الغريب، ورجاه:
-بالراحة يا ابني.. ماينفعش اللي بتعمله ده.
لم ينظر "فضل" في اتجاه والده، وقال بشراسةٍ:
-خليك على جمب يا حاج، وسيبني أربي الأشكال بنت الـ ..... !!!
عند تلك الإساءة المهينة، فقد "تميم" السيطرة على غضبه، وسدد لكمة عنيفة مباغتة إلى فك "فضل" جعلته يرتد للخلف، وتبعها بأخرى أشد قوة طرحته أرضًا، لم يتركه بعد، بل جثا فوقه يخنق عنقه بركبته، مانعًا الهواء من الوصول إلى رئتيه، ثم أشهر مديته المخبأة في جيبه الخلفي، وألصقها بجلد وجهه المتعرق، وهدده بوحشيةٍ جمعها مما مر به طوال اليوم من ضغوطات قاسية مكبوتة:
-الـ (...) اللي مش عاجبك ده، هيرقدك الليلادي في الإنعاش ....................................... !!
.............................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم Manal Salem
باعتذر عن التأخير يا غاليين
الفصل الستون
بركبته الثقيلة، زاد من ضغطه القاسي، على جلد عنقه، قاصدًا منع رئتيه من الحصول على الهواء اللازم لإعاشته، تضاعفت معاناة "فضل"، وتخبط بذراعيه وهو يجاهد لإبعاده عنه، ورغم هذا إلا أن "تميم" كان محكمًا قبضته على كتلة اللحم المسجاة من أسفله، توحشت عيناه، ورمقه بتلك النظرة الميتة، والتي تعني بكل وضوح هلاك غريمه، قبض الأخير بيده على فك الأول يعتصره بشراسة، ثم غرز نصل مديته الحاد في جلده، متعمدًا اختراقه، كز على أسنانه يخبره بعدائية بحتة:
-مش أنا قولتلك من الأول، إدي بالك جيالك؟
صرخ "فضل" متأوهًا من وخز النصل المؤلم، والذي شق طريقه في وجهه، فتابع "تميم" موضحًا:
-يعني هتاخد في وشك لحد ما أمك متعرفكش!!
وتبع ذلك لكمة عنيفة جعلت الدماء تنزف من بين أسنانه، حاول "اسماعيل" إزاحة "تميم" عن ابنه؛ لكنه فشل أمام عنفه الشديد، اعتذر منه بتوسل:
-خلاص يا ابني، سيبه، حقك عليا أنا، ابني "فضل" مايقصدش.
لم يكلف "تميم" نفسه عناء النظر إليه، ليعرف من يخاطب، وقــال بصوته الأجوف، المحمل بغضبه:
-ابنك ناقص رباية، وأنا هاظبطهولك!
كان الشجار غير متكافئ من وجهة نظر "اسماعيل"، فابنه يتصارع مع شخصية عنيفة، ملمة بأساليب القتال المهلكة، وهو رغم بنيته الضخمة لا يجيد الحركة مثله، وبالتالي إن لم يتدخل فورًا، لربما خسر ابنه حياته، لذا هرول باحثًا عن مساعدة خارجية، يأتي بها لتعاونه في إبعاد هذا المعتدي الشرس عنه، بينما منح "تميم" من أرقده أرضًا لكمة أخرى، جعلته يشعر بتهشم فكه السفلي، بالكاد قاوم "فضل" للإبقاء على حياته، أرخى الجاثم فوقه ركبته عنه قليلاً، ليستنشق الهواء بصعوبة، فسعل وبكى وهو يستغيث:
-يا جدعان، حد يحوشه عني!
علق عليه "تميم" بنبرته الهازئة:
-دلوقتي قلبت حُرمة؟ أومال كنت نافخ نفسك معايا ليه يا بغل؟!!!!
عاد "اسماعيل" وبصحبته أفراد من أمن المشفى، استعان بهم في دفع "تميم" عن ابنه، ورغم كثرتهم، إلا أنهم وجدوا صعوبة في إزاحته، حتى نجحوا أخيرًا في تحرير "فضل" الذي تدحرج على بطنه، واستلقى عليها لبرهةٍ، قبل أن يزحف بإعياء بعيدًا عنه، وسعاله المتحشرج يجرح في أحبال صوته المتألمة، تحسس وجهه بتوجسٍ، ليرى الدماء تنزف من جرح المدية، والذي حتمًا سيترك أثره لبضعة أيام على وجنته. نفض "تميم" الأذراع القابضة عليه، وأعاد نصل مديته لمكانه بإبهامه قبل أن يوجه حديثه إلى الكهل المصدوم:
-ربي ابنك يا حاج!
لم تكن ملامح وجهه بالغريبة عن "تميم"، تذكره بمجرد التطلع إليه، وإن لم يتعرف إليه الأخير بعد، انخفضت عيناه نحو "فضل" الذي نهض على قدميه، ومسح بظهر كفه خيوط الدماء التي اصطبغت بها بشرته، بمنديل قماشي، كان محتفظًا به في جيب جلبابه، ابتعد أفراد الأمن بعد تحذير شفوي لثلاثتهم، بعدم افتعال الشجار مجددًا، ولم يكترث بهم "تميم"، أو بتهديدهم، كان مستعدًا لتصعيد الأمور لأقصاها؛ لكن الغليان الواضح على وجه "فضل" الذي أهين على يده، كان يأكله بشدة، وقبل أن يشرع في لعنه –حفظًا لماء الوجه- بعد بعثرة كرامته، وسحق رجولته أمام الغرباء، رفع "اسماعيل" ذراعه محذرًا ابنه:
-خلاص يا "فضل"، مش جايين من آخر الدنيا عشان نتعارك مع خلق الله!
رد بغيظٍ، وبنظراتٍ مغلولة موجهة نحو "تميم"، ويده لا تزال موضوعة على خده:
-ماشي يابا، اللي تؤمر بيه.
اتجهت أنظار "اسماعيل" إلى "تميم"، ودقق النظر فيه جيدًا، أدرك حينها أنه رأه سابقًا، وقبل أن تتحرك شفتاه ليسأله، بادر الأخير بالقول:
-إنتو قرايب جماعة "هيثم"؟ نسايبه يعني؟
دون تفكيرٍ أجابه "اسماعيل":
-أيوه.. أنا شوفتك قبل كده.
استقام "تميم" في وقفته، ولم تبتعد نظراته العدائية عن وجه ابن ذاك الرجل، وهو يرد عليه موضحًا:
-مرتين يا حاج، هنا وعندكم...
توقف هنيهة عن الكلام ليضيف بعدها:
-بس مشوفتش البغل ده معاك!
استشاط "فضل" على الأخير من إهانته له مجددًا، وصاح بصوته المبحوح في أبيه:
-سامع يا حاج؟!
تحداه "تميم" ببرود، وتحفز في وقفته، بدا كمن يستفزه عن عمدٍ، لجره لشجار آخر:
-ما يسمع، هتعمل إيه يعني؟ الغلط بدأ من عندك، فاستحمل للآخر.
صــاح "اسماعيل" بضيقٍ، ووجهه متضرج بحمرةٍ منزعجة:
-خلاص بقى، مش عايزين مشاكل مع حد! كفاية اللي احنا فيه، وبينا من هنا!
تجهم "فضل" معقبًا عليه، وملامحه يغطيها تكشيرة عظيمة:
-عشان خاطرك يابا.
ثم دنا من "تميم" ليقول له، بما يشبه الوعيد:
-لينا كلام تاني، الحوار بينا مخلصش!!
ابتسم مرحبًا بوعده، وقال باستهزاءٍ
-وأنا جاهز، ومستنيه، بس ساعتها، مش هتدخل باب المستشفى ده
وأشـــار بيده نحو المدخل المخصص لدخول المرضى، قبل أن يحركها نحو بقعة أخرى ليشير إليها وهو يتابع:
-هتطلع من هنا..
وغمز له مضيفًا بهسيس:
-باب المشرحة!
ازدرد "فضل" ريقه، وكظم غضبه مرغبًا ليتبع والده، وبضعة شتائم محتجزة في جوفه، شيعه "تميم" بنظراته النارية إلى أن انصـرف بسيارته، ليلقي بعدها نظرة على مبنى المشفى، وعقله قد انشغل مجددًا بـ"فيروزة".
..........................................................
وقف في شرفته، المطلة على الحدائق الواسعة، في الحي الراقي الذي يسكن به، واضعًا هاتفه المحمول على أذنه، وكوب النسكافيه الساخن بيده الأخرى، أسنده "آسر" على حافة السور، ليبرد قليلاً، وهتف مجاملاً بتملقٍ مبالغ فيه:
-كل الشكر لمعاليك يا فندم على اهتمامك، عيلة قريبتي مش عارفين يودوا جمايل سيادتك فين!
هز رأسه بإيماءة خفيفة وهو يصغي للطرف الآخر، ليعلق بعدها بلهجةٍ متشددة:
-أكيد طبعًا، لازم القانون يحاسب البنت المجرمة دي.
أطلق ضحكة مفتعلة قصيرة، كنوعٍ من إظهار اهتمامه بحديثه الساخر، وقال منهيًا مكالمته بتهذيبٍ:
-شكرًا مرة تانية، وباعتذر عن إزعاجك.
صافرة مليئة بالغبطة والانتشاء دندن بها لبعض الوقت، كتعبيرٍ عن سعادته لنجاح خطته التي رسمها على عجالة، حيث اتفق مع "محرز" سرًا، بعد أن أخبره بالمشكلة التي وقعت، على تحفيز "بثينة" وتوجيهها للإبلاغ عن حادثة ابنتها، وبما يخدم مصالحه وأهوائه الشخصية، ليتم اتهام "فيروزة" بشكلٍ صريح بالتسبب في إيذائها، ليتدخل لاحقًا أيضًا ويساعد في تقوية موقف "خلود"، باللجوء للوساطات الرسمية من ذوي الكلمة النافذة، فيضيق الخناق على "فيروزة"، وتشعر بجدية الموقف وخطورته، وتدرك أنها لن تجد المناص أبدًا من مشكلتها المهلكة، سوى بطلب مساعدته؛ باعتباره المحامي البارع، وإن لم تفعل هذا، لن يمانع أبدًا في فرض حضوره عليها، ليظهر كالبطل المغوار الذي أنقذها من مغبة عظيمة .. عاد ليمسك بكوبه، وحدث نفسه بتفاخرٍ:
-نستنى بقى لحد ما "علا" تكلمني، وتعرفني باللي حصل .. وساعتها يجي دوري.
وحدث ما توقعه، دقائق، وصدح رنين هاتفه، ألقى نظرة مستمتعة على شاشته التي امتلأت باسم "علا"، نشوة غريبة انتشرت في جسده، مستشعرًا مدى قوته وقدرته على التحكم في مجريات الأمور، اكتسبت نبرته هدوئًا مصطنعًا حين أجابها:
-أيوه يا "علا".
ردت عليه بتعجلٍ:
-"آسر" .. الحق في مصيبة كبيرة حصلت لـ "فيروزة".
تصنع القلق المتلهف وهو يرد:
-بتقولي إيه؟
...........................................................
وضع ولاعته التي تحمل شعار سيارة الجاغوار الشهيرة على علبة سجائره، بعد أن أخرج واحدةً، وأشعلها، ليحرر دخانها في الهواء الطلق، التفت "محمود" إلى "وجدي" الجالس إلى جواره في المطعم الحديث يسأله مستفسرًا، والفضول الحائر مسيطر عليه:
-بصراحة أول مرة أقابل حاجة بالشكل ده، يعني ساعات نلاقي حد موصي على حد تاني، ونروق عليه، وحد عايزنا ناخد بالنا من حد عزيز عليه، لكن البنت دي ألاقي منها الاتنين، غريبة أوي؟ مش كده؟!!
سحب نفسًا آخرًا عميقًا من سيجارته، وتطلع إلى "وجدي" الذي شاركه حيرته قائلاً:
-والله ما عارف أقولك إيه، يعني على حسب ما أعرفه عنها، مالهاش في أي حاجة، وخناقتها كانت عادية مقارنة باللي بنشوفه عندنا في القسم...
ثم التقط فنجانه بيده الأخرى، وأوضح له:
-ملفها نضيف، مالهاش سوابق
سأله "محمود" بنظرته الذكية المتشككة:
-تفتكر مين ورا إصراره على حبسها ...؟!
سكت للحظة وتابع موضحًا:
-مع العلم إن المحضر لسه قيد التحقيق والتحري.
رد وهو يرتشف قهوته التي أوشكت على الانتهاء:
-مش عارف، بس شكله حد تقيل.
أراح "محمود" ظهره للخلف، ورد بتنهيدة متمهلة:
-عمومًا .. كل حاجة هتبان في وقتها.
وافقه الرأي معقبًا عليه:
-بالظبط..
ثم أضــاف "وجدي" بهدوءٍ:
-الغريبة يا سيدي إن خناقتها مع الواد البلطجي ده خلصت بمحضر صلح، يعني المفروض مافيش مشاكل بينهم.
علق عليه "محمود" بابتسامة ساخرة:
-استنى أما أقولك، الواد البلطجي ده بقى حكايته حكاية.
انتبه له الأخير، وسأله في اهتمامٍ:
-ماله؟
رد بمزيدٍ من التشويق:
-عارف يطلع مين بقى؟ طليق الست اللي أمها مقدمة في البت دي البلاغ، واللي هي برضوه خالته.
أخرج "وجدي" سيجارة أخرى من علبة سجائره، وأشعلها بولاعته معقبًا في ذهولٍ:
-أوبا.. دي جديدة.
رد عليه بنفس الأسلوب المتهكم:
-يعني ملخص الليلة دي خناقة جوز حريم في بعض.
ضحك "وجدي" وهو يختم الحديث عن ذلك الموضوع:
-أيوه، والرجالة اللي بتحاسب على المشاريب في الآخر.
عاد "محمود" ليسأله:
-وإنت أخبار شغلك إيه؟
أجابه، وهو يطلق الدخان من رئتيه في الهواء:
-في حاجة جديدة شغالين عليها، بلاغ غريب من واحدة ضد طليقها، من المهربين.
ضحك مجددًا قبل أن يرد بطرفةٍ:
-دايمًا كده تلاقي الستات ورا مصايب الرجالة..
-مظبوط، بيجيبوا أجلهم بدري بدري.
.....................................................
اقترب من السطح الرخامي الجالس خلفه عدة ممرضـات، كان مترددًا في الإقدام على ذلك، لكن قلبه المتلهف حثه على سماع ما يطمئنه عنها، ولهذا تشجع للتقدم منهن، أشار لإحداهن بعينيه لتنهض من مكانها، وتتبعه. وقف "تميم" معها بعيدًا عن الأعين المراقبة لهما، ثم أخرج من محفظته ورقة نقدية كبيرة، طواها في راحته، ومد بها يده إليها يطلب منها:
-عاوزك في خدمة.
تناولت الممرضة النقود منه، ودستها في جيب زيها الوردي، وسألته بحذرٍ، وعيناها تتلفتان حولها:
-خير يا أستاذ؟
أجابها "تميم" بصوته الخفيض:
-تخشي تطمني على الأبلة اللي في الأوضة دي.
اتجهت نظراتها نحو باب الغرفة، المرابط أمامه القوة الأمنية، عادت لتنظر إليه باسترابة، وعلقت:
-بس هي نايمة، وآ....
قاطعها قائلاً بجدية غير مازحة:
-ما أنا عارف، بس بصي شوفيها عاملة إيه، وتطلعي تطمنيني، ومن غير ما تقفلي الباب.
رغم غرابة طلبه، إلا أنها هزت كتفيها قائلة بإذعانٍ تام له:
-حاضر يا أستاذ.
راقبها بعينيه وهي تتحرك في اتجاه غرفتها، تبعها بخطواتٍ بطيئة، حتى توقف عند زاوية جيدة الرؤية، فإن فتحت الباب، سرق من الفرجة المواربة لحظاتٍ يتأمل فيها ملامحها الساكنة، ويروي ظمأه إليها، لمعت عيناه مع رؤيتها، وأحس بارتفاع دبيب قلبه، لم يهدأ لرؤيتها، بل ازداد شوقًا للتواجد بقربها، وفي محيطها، كان من الصعب عليه التحكم في انفعالاته المتأثرة به، بلع ريقه، وسحب الهواء دفعًا متعاقبة ليضبط مشاعره، واستدار للناحية الأخرى بمجرد خروج الممرضة من الداخل، تعمد السير بخطى متمهلة إلى أن اقتربت منه، ابتسمت وقالت بلطفٍ:
-هي بخير يا أستاذ.
شكرها بنصف ابتسامة:
-متشكر ..
سحب نفسًا آخرًا يخنق به تلك الغصة التي آلمت صدره؛ فقُربه منها مؤلم، وبُعده عنها مُهلك!
استعاد "تميم" إيقاع تنفسه غير المنتظم، واتجه للمصعد بثباتٍ، ليهبط للطابق المتواجد به غرفة طليقته؛ حيث المواجهة التي تنتظره مع والدتها هناك؛ وربما أمه أيضًا، لم يستبعد حدوث ذلك.
....................................................................
-إنت مين؟
بوجهه المتورم، وتلك الضمادة التي تنتصف خده الجريح، تساءل "فضل" بتلك العبارة المتجهمة، بعد أن وجد شخصًا غريبًا يفتح له باب منزل زوجة عمه، لم يتعرف إليه، ولم يره مسبقًا، في حين رمقه "هيثم" بنظرة سريعة شاملة، جابت عليه من رأسه لأخمص قدميه؛ كأنه يتفحص هويته، ويدرس معالمه. ظل واقفًا في مكانه يسد عليه المدخل، ودون أن يتحرك، سأله ببرود ممتزج بالتهكم:
-المفروض أنا اللي أسألك السؤال ده، إنت اللي جاي بتخبط عليا السعادي!
اشرأب "فضل" بعنقه، محاولاً اختلاس النظرات من وراء ظهره، فشعر بوخزة موجعة تضرب فقراته التي عانت من قساوة "تميم"، فركها برفقٍ بيده، وسأله وهو ينفخ في ضيق:
-مش ده بيت عمي "علي أبو المكارم"، ومراته، وبناتها؟
لم تكن الحالة المزاجية لـ "هيثم" رائقة، ليتحمل على المزيد من الثرثرة السمجة، ورد عليه بسؤال:
-أيوه.. إنت مين بقى؟
لكزه "فضل" في صدره بخشونة، ليحركه من مكانه، قائلاً بعصبية مهينة:
-إنت اللي مين يا بأف؟ وبتعمل إيه في بيته؟ وسع كده خليني أدخل.
اعترض "هيثم" طريقه، وأمسك به من ياقته هاتفًا به بحدةٍ:
--نعم يا خويا؟ بأف؟ استناني بقى!
لم يكن من المقبول في عُرفه أن يصمت عن إهانته، وإن كانت غير مقصودة، أو زلة لسان من غريب وقح، لذا دفعه "هيثم" من صدره للخلف بيده الأخرى، مصرًا على منعه من اقتحام المنزل هكذا بوقاحةٍ، ودون استئذان، بالكاد طرده منه، وهو يواصل قوله الغليظ:
-هي وكالة من غير بواب؟ أنا مش واقف قصادك شوال بطاطس! ولولا إني عامل احترام لأهل البيت ده كنت رميتك من فوق
وقبل أن يتطاول باليد على ذلك اللزج، لمح "اسماعيل" يصعد الدرجات من خلفه، صائحًا به:
-سيبه يا "هيثم"! ده ابني.
ركز عينيه عليه، وصاح مدهوشًا:
-حاج "اسماعيل"! بتعمل إيه هنا؟
ردد "فضل" بغيظٍ كبير، وهو يبعد يده المحكمة عليه:
-تعالى يابا، شوف مين ده كمان، ما هو أنا الكل واخدني ملطشة النهاردة!
علق "اسماعيل" معرفًا به:
-ده جوز بنت عمك؛ "هيثم".
مد الأخير يده لمصافحته، فرفض "فضل" وضع يده براحته لإحراجه عن عمدٍ، ومع هذا قام "هيثم" بدفعه للجانب، ليتمكن من رؤية ضيفه الآخر، ورحب به معتذرًا بابتسامة سخيفة متكلفة:
-لا مؤاخذة، يا أهلاً وسهلاً يا حاج، اتفضل.
استشاط "فضل" غضبًا من معاملته الوقحة، ووبخه بتشنجٍ:
-لولا أبويا كان ليا لي كلام تاني
منحه نظرة استحقارٍ قبل أن يرد في سخرية:
-خلي الكلام بعدين، لما اللي على وشك يروح.
تلقائيًا تحسس "فضل" الكدمات البارزة في وجهه، وكتم أنينه، وتلك النظرة النارية مسلطة على وجه "هيثم"، الذي أولاه ظهره ليقول:
-اتفضلوا في الصالون لحد ما أنادي حماتي ومراتي.
.....................................................................
همسات خافتة دارت بين الشقيقتين، وهما جالستان على الأريكة الثنائية الجلدية، الموجودة في حجرة "خلود"، فالأخيرة استعادت وعيها، وتحدثت مع والدتها قليلاً بخفوت، لتعرف منها تفاصيل ما جرى لها عقب سقطتها المروعة، وأطلعتها أمها على ما نفذته بهسيس، حين ولجت شقيقتها للحمام، وأكدت عليها التمسك بقولها، إن أرادت الانتقام حقًا ممن دفعتها لارتكاب تلك الجريمة، استراحت ابنتها لأفكارها الجهنمية، ثم استسلمت لغفوتها المؤقتة.
جمعت "بثينة" بقايا الطعام في الكيس البلاستيكي، وألقته في السلة الموضوعة على يمينها، وتركت "ونيسة" معظم طعامها كما هو، لم تمسه، كانت فاقدة لشهيتها، طغى حزنها على ما آلم بابنة شقيقتها عليها، خاصة خسارة حفيدها المنتظر، ما تعجبت منه هو حالة "بثينة"، لم تكن بالمقهورة مثلها، وإن كانت لا تزال ناقمة على ما حدث .. وبمجرد أن وقف "تميم" على أعتاب الباب، ران السكون في المكان، تحولت نظرات اللوم والاتهام نحوه من كلتيهما، ســارت خالته ناحيته لتمنعه من الدخول وهي تصيح به:
-عايز إيه من بنتي يا "تميم"؟
نظر لها بوجومٍ، فتابعت هجومها المتحفز ضده:
-اللي بينكم انتهى خلاص، لا في عدة ولا في عيال!
قالت "ونيسة" من خلفها لتهدئها:
-اهدي يا "بثينة"، هو جاي يطمن عليها.. مش كده يا ابني؟
ونظرت إلى ابنها، بنظرة ذات مغزى، ليفهم رجائها الخفي في تأكيد قولها، بينما استدارت شقيقتها برأسها نحوها لتقول بأسلوبها الفظ:
-وأنا مش عايزاه هنا.
تنحنح قائلاً بوجهه العابس؛ وكأنه يلمح لها بمعرفته المسبقة عن ملابسات الحادث:
-هي اللي عملت كده في نفسها.
اتهمته "بثينة" بوقاحةٍ:
-بسبب معاملتك ليها، إنت مراعتيش ربنا فيها، خليتها توصل للحالة دي، وماتبقاش واخدة بالها من نفسها ولا اللي في بطنها...
ثم تعلقت في عنقه لتمسك به من ياقته، هزته بعنفٍ وهي تواصل صراخها به:
-دي الأمانة اللي موصياك عليها؟
نظر لها بعينين محتقنتين مستنكرًا كذبها البين، ورد بهديرٍ مشحون بغضبه:
-وأنا مخونتش الأمانة...
ثم أزاح قبضتيها عنه، وأكمل:
-الدور والباقي عليكم إنتم، ولا إنتو بتكدبوا الكدبة وتصدقوها؟
وبخته بلسانها اللاذع:
-صحيح، تقتل القتيل وتمشي في جنازته!
رمقها بنظرة نارية قبل أن يكشف كذبها الملفق:
-أنا برضوه؟ إيش حال ما كل اللي في البيت شافها وهي بتحدف نفسها، وأولهم ابنك "هيثم"..
ثم أشار بيده لها متابعًا صراحته الوقحة معها:
-وإنتي بقي عاوزاه يشهد زور بحاجة محصلتش أصلاً؟! مين الظالم والمفتري هنا؟
ردت ببرود:
-وهو أنا عملت حاجة لسه؟ كل حد زعل بنتي هاجيب أجله.
اشتعل غضبًا من قصدها المتواري، وتوعدها بنظراته قبل أن ينطق بلهجة قاسية:
-وأنا مش هاسمحلك تأذي حد بريء
ردت باستخفافٍ:
-مين إنت عشان تسمحلي؟
ثم غلف عيناها شر يليق بشخصها المتوحش، وتابعت مهددة إياه:
-ومش بعيد أرجعك مطرح ما خرجت يا معلم.
خرجت شهقة مصدومة من شفتي "ونيسة"، وعلقت عليها تلومها:
-مش للدرجادي يا "بثينة"؟ ابني مغلطش، وفوق ده كله احنا إخوات، وعمر الدم ما يبقى مياه!!
حدجتها بنظرتها الشرسة وهي ترد:
-واللي ابنك عمله في بنتي عادي؟ دي كان ممكن تروح فيها لولا ستر ربنا.
أطرقت رأسها في أسفٍ، بينما صاح بها "تميم" بحدةٍ، وقد فاض به الكيل من كذبها الملاوع:
-هاقولك من تاني هي اللي اختارت تعمل كده، وتموت نفسها بإيدها، بلاش تعيشوا دور مش راكب عليكم!
قاطعته والدته لتسكته جبرًا:
-"تميم"! متكلمش مع خالتك بالشكل ده!
رمقها بنظرة قاتمة تعبر عن غضبه المحتدم، لم يرغب في إحراجها، أو تحويل مجرى الجدال معها، وقال بزفيرٍ ثقيل:
-صح.. معاكي حق يامه، الكلام مش هيرجع اللي حصل!
أبعد نظراته عن خالته التي تكاد تقتله بنظراتها، وأردف بوجهه المتقلص:
-لو خلصتي أعدتك، فأنا جاهز أوصلك للبيت، أعدتك هنا لا هتقدم ولا هتأخر.
همس ضعيف، بصوتٍ متقطع، ظهر وسط الأجواء المشحونة بالاتهامات يناديه:
-"تـ.. تميم"!
استدار برأسه في اتجاه فراشها، وجد ابنة خالتها تفتح عينيها بثقلٍ، وتجاهد لرفع ذراعها والإشارة إليه، لم يشعر بالشفقة نحوها، حتى إحساسه بالتعاطف معها تناقص كليًا مع لسان والدتها السليط، تلك التي انتفضت متحركة نحوها قائلة بابتسامة متلهفة، وهي تحني رأسها على جبينها لتقبلها منه:
-"خلود"! بنتي حبيبتي.. الحمدلله يا رب إنك بخير.
همَّ "تميم" بالتحرك، وترك الغرفة، فجاءه توسلها بصوتها الضعيف، وعيناها ترتكزان عليه:
-"تميم".. ماتمشيش.
أبعد نظراته عنها، وقال بنبرة جافة:
-حمدلله على سلامتك يا بنت خالتي.
راوغته برجاءٍ، وبكلمات موحية، استشف المقصود منها على الفور:
-خليك.. لو يهمك مصلحتها.
حملق فيها مجددًا بنظرة نافذة، وبادلته نظراتٍ لها معنى محدد، ثم لعقت شفتيها الجافتين، قبل أن تأمر والدتها:
-معلش يامه سيبنا لوحدنا شوية.
وحاولت النظر في اتجاه خالتها لتطلب منها:
-روحي معاها يا خالتي.
اعترضت عليها "بثينة" بشدة:
-لأ يا "خلود"، أسيبك معاه يحرقلك دمك وإنتي في الحالة دي؟
قالت وهي تحاول الابتسام:
-اطمني عليا.
وضعت "ونيسة" يدها على كتف شقيقتها تشجعها على الذهاب معها:
-تعالي معايا يا "بثينة"، وربنا يهدي الحال بينهم.
لحظات وخلت الحجرة إلا من الاثنين، تبادلا بينهما نظراتٍ مطولة، مليئة بالكثير من المشاعر المعبأة بالكراهية والسخط، استطردت "خلود" قائلة بتعابيرٍ مرهقة، وهي تريح جسدها على الوسادة التي سحبت خلف ظهرها:
-إيه؟ مافيش كلمة تعزية ليا؟ اللي راح مني ده ابني اللي كنت مستنياه منك.
رد بجفاءٍ، وعيناه تتطلعان إليها بكرهٍ:
-ربنا يعوض عليكي.
ضمت شفتيها بغيظٍ من رده الخالي من التعاطف، وسألته بعدها مباشرة، دون تمهيد:
-خايف عليها؟
منحها رده الصريح:
-أيوه.
احترق قلبها كمدًا وقهرًا، من اعترافه القاسي، وغير المزين بكلماتٍ حتى مشفقة عليها، نظراته الثابتة عليها أكدت له صدق قوله، مما أغضبها بشدة، اهتمامه بها أشعل جذوة حنقها، فبدلاً من أن يكون حبه، ورعايته، وكامل جوارحه معها، غيرها يحظى بذلك، من لا تربطه بها أي صلة. ابتلعت غصة كالعلقم في جوفها المشبع بمرارته، وعلقت بابتسامة باردة؛ كأنها تقطع وعدًا على نفسها:
-وأنا هضيعهالك.
حدق فيها بنظرات قاسية، فأكملت بنفس الابتسامة:
-مش هسيبها تتهنى بلحظة معاك، هاخرب حياتها، وأسود عيشتها.
هدر بها متسائلاً بأنفاس منفعلة، وهو يشير بيده لها:
-إنتي بتعملي كده ليها فيها؟ إيه الشر والغل اللي جواكي ده؟
ردت على الفور:
-عشان بأحبك.
احتج على تبريرها هاتفًا بصوته المحتد:
-إنتي ما بتحبيش إلا نفسك! اللي بيحب عمره ما يأذي حد بالشكل ده..
دنا من فراشها، ووقف قبالتها يرمقها بتلك النظرة النافرة، قبل أن يسألها بوضوحٍ:
-بتكرهي "فيروزة" للدرجادي ليه؟
تلفظه باسمها، بكل ذلك الاهتمام، زاد من احتراق أحشائها، فصرخت به باهتياجٍ:
-ماتنطقش اسمها قصادي
منحها نظرة أخرى مشمئزة وهو يضيف:
-فعلاً، اسمها ماينفعش يتقال قصاد واحدة فيها كل الشر ده.
ضحكت بهيسترية رغم الألم الشديد الذي ضرب بجسدها، امتزجت عبرات وجعها مع صوتها المتقطع وهي تقول بصعوبةٍ، وكأنها تحاول السيطرة على نوبة ضحكها الغريبة:
-هي مشافتش لسه حاجة مني...
وضعت يدها على بطنها، واستأنفت بضحكٍ مجلجل:
-عارف يا حبيبي، أنا هعلق رقبتها على حبل المشنقة.
تقدم خطوة أخرى من فراشها حتى التصق به، رفعه ذراعه على الحائط فوقها، وأسنده، ليميل عليها بجسده، أصبح صوته قريبًا، مهددًا، وأنفاسه تلفح بشرتها حين تعهد لها:
-مش هايحصل طول ما أنا موجود يا بنت خالتي!
مدت يدها لتداعب ذراعه العضلي بأناملها، رغم الوهن المسيطر عليها، وقالت في تحدٍ:
-يبقى إنت متعرفنيش كويس.
كالملسوع أبعد ذراعه عن لمساتها غير المقبولة، وقال بهجومٍ:
-إنتي مش طبيعية.
صاحت بحشرجة الألم:
-أيوه، أنا مجنونة، وبأحبك، وبنت الـ (...) دي وقفت في طريق حبي ليك، وخطفتك مني.
رد عليها بنفس النبرة الهجومية، ومدافعًا عن "فيروزة" باستماتةِ:
-إنتي سامعة نفسك؟ احنا الاتنين مش في حساباتها أصلاً، أفعالك وقراراتك الغلط هي اللي خربت عليكي حياتك، مش هي...
ثم اشتد صوته قساوة وهو ينهي حديثه العقيم معها:
-وأنا هاطلعها من المصيبة دي بطريقتي.
وضعت "خلود" قبضتها على ذراعه تشده منه ناحيتها، تفاجأ من حركتها المباغتة، التي لا تتناسب مع وضعها الصحي، غالبت آلام جسدها، واعتدلت في رقدتها لتصير أقرب منه، غرزت أظافرها في لحم ساعده، بكل ما فيها من غلٍ وحقد، ثم هدرت بأنفاسها في وجهه:
-شوف يا "تميم" اللي تقتل ابنها بمزاجها، اعرف إنها مستعدية تقتل أي حد يبعد عنها حبيبها ....
اقشعر بدنه لاعترافها المثير، فأكملت بصوتٍ لا يبدو مازحًا على الإطلاق، ودون أن يرف لها جفن:
-يعني حتى لو طلعت منها براءة، فأنا هاقتلها، اقسم بالله هدبحها قصادك ......................................... !!
.......................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم Manal Salem
لا تنسوا التعليق والمشاركة..
قراءة ممتعة
الفصل الحادي والستون
بنظراتٍ حاقدة، نطقت عما تجيش به نفسها من بغضٍ شديد، معتبرة نفسها في مركز قوة، شحذت قواها، واستجمعتها معًا، بالرغم من الألم الذي يئن في أنحاء جسدها، أظهرت "خلود" الجانب المظلم في شخصها المريض، دون حاجتها لارتداء أقنعة الاضطهاد والخنوع، لاسترقاق قلب طليقها، وتسول مشاعره .. ركزت عينيها على ملامحه المصدومة، وأضافت بتلك النبرة المميتة، التي جعلت شعيرات ساعديه تنتفض فزعًا على حبيبة لا تعرف عن حبه الصادق شيئًا:
-ومش هندم للحظة.. هي مش أغلى عندي من اللي كان في بطني!
أكدت عليه جدية نيتها الوحشية وهي تكمل:
-طول ما واقفة بينا يا "تميم"، ومنعاك ترجعلي، فأنا هاموتها.
استفاق من غيبوبة عقله المؤقتة على الكارثة التي تخطط لها علنًا، وصرخ فيها باستنكارٍ:
-إنتي بتقولي إيه؟ استحالة تكوني طبيعية!
تجاهلت عصبيته، وأراحت ظهرها على الوســادة لتساومه بما يشبه الاختيار:
-حياتها قصاد إننا نكون سوا، اختار يا معلم!!
رأى "تميم" في وجهها استمتاعًا مريضًا بهوسها غير العقلاني بتملكه؛ وكأنها تسلبه حريته بتهديدها الشرس، وما أكد ذلك قولها المشدد:
-اثبتلي إنك ليا وبس، بتاعي لوحدي، وإنك مش في بالها زي ما بتقول .. واتجوزني.
رفض الخضوع لها، وهدر بها محتجًا، بعروقه التي انتفضت ثائرة في وجهها؛ معترضًا على تجبرها غير الطبيعي:
-سامعة نفسك يا "خلود"؟
ردت بابتسامة غريبة:
-أيوه.. وعارفة أنا بأعمل إيه كويس...
لم تبعد أنظارها عنه، وتابعت مشيرة بيدها:
-إنت من حقي أنا لوحدي، أنا اللي أخلصت ليك في حبي، مفرقش معايا عمري يضيع واستنيتك تخرج، وتكون ليا ..
سأم بنفورٍ انعكس على ملامحه المتجهمة، من تكرار نفس الأسطوانة المستهلكة على مسامعه، في أي وقت تسنح لها الظروف بهذا، وكأنها وحدها صاحبة الفضل في التكرم على شخصه، والموافقة على الزواج منه، وليس باتفاقٍ من الطرفين، قاطعها - قبل أن تستأنف نفس السيل من الكلمات العقيمة- متسائلاً بأنفاسه المنفعلة:
-عايزاني أعيش معاكي إزاي بعد كل اللي حصل بينا؟
ردت بهدوءٍ استفزه؛ وكأنها قد استحضرت الإجابة مسبقًا في عقلها:
-سهلة أوي، انساه، ونبدأ من جديد، على مياه بيضاء.
رمقها بتلك النظرة الحانقة، قبل أن يسألها بصوته المتشنج:
-بالبساطة دي؟
غاصت برأسها في الوسادة، وأرخت ذراعها إلى جانب جسدها، ثم ابتسمت قائلة له ببرودٍ تام، مناقض للغضب المستبد به:
-إنت اللي عاوز تعقدها يا حبيبي، والحكاية مش عايزة ده كله، خد اللي بتحبك، وشارياك، ومستعدة تعمل أي حاجة عشان تكون جمبك...
ثم اتسعت ابتسامتها، وأخبرته بتنهيدة:
-احنا طول عمرنا لبعض، مش من النهاردة، لأ من زمان يا حبيبي.
وصل النقاش معها لطريق مسدود، لن تقتنع مطلقًا بحقيقة انتهاء ما كان بينهما في يومٍ، ولم يكن ليقبل أبدًا بفرض ذلك الاختيار عليه؛ العودة إليها. تحكم بأعجوبة في أعصابه المنفلتة، ضبطها ليرد برسمية شديدة، ضاغطًا على كلماته؛ كأنه ينعتها:
-عارفة يا بنت الـ.... أصول.
تطلعت إليه بابتسامتها السمجة، فأضــاف مهددًا:
-لولا إنك بنت خالتي، وعامل حساب للي كان بينا في يوم، كنت عملت اللي ما يخطرش على بالك.
رفعت ذراعها أعلى رأسها، وأراحتها فوقها، ثم بادلته تلك النظرة غير المبالية، قبل أن تجلي صوتها المتحشرج، لترد بعدها باستخفافٍ، متعمدة ازدراء تهديده:
-طب عارف يا "تميم"، إنت بتاع كلام وبس...
استشاطت نظراته من تعقيبها الفج، وأكملت مؤكدة على ما نطقت به:
-أيوه، دي الحقيقة اللي الكل عارفها عنك، عمرك ما هتعمل حاجة تأذيني بيها، أقولك ليه؟
انتظرت للحظة لتضمن استحواذها على كامل تركيزه، لتستكمل بعدها بأسلوبها المغتر الواثق، الذي يغيظه:
-لأنك بتخاف على العيلة دي، وأنا يا حبيبي من العيلة، وكنت مراتك، وهارجعلك تاني، وبمزاجك.
علق بتهكمٍ، وهو يحدجها بنظراته الحادة:
-الظاهر البرشام عملك دماغ متكلفة..
ضحكت ساخرة منه، وهزت رأسها بالنفي؛ لكنه أعلن صراحةً لها، بنبرة مختلفة كليًا عما اعتاد التحدث به:
-شوفي يا بنت خالتي، يا اللي معتبرة سكوتي ده ضعف، وعشانك من العيلة، لو انطبقت السماء على الأرض مش هارجعلك!!
ابتسم لها لثوانٍ معدودة ليبدو غير مبالٍ بما هددته به، ثم اختفت تلك الابتسامة كما ظهرت، وغطى وجهه تعبيرًا محذرًا، ليتوعدها بعدها مشيرًا بعينيه اللاتين غلفهما القسوة:
-وفكري تقربي من الأبلة، ساعتها بس هاتشوفي وشي التاني، اللي عمرك ما تعرفي عنه حاجة.
ببرودٍ سمج تحدته قائلة، وقد ارتخت نظراتها:
-هترجعلي يا "تميم"، وبكرة أفكرك يا معلم.
تحرك في اتجاه الباب، وأخبرها دون أن ينظر إليها، قبل أن يصفقه في وجهها بعنفٍ:
-ابقي اتغطي كويس..
انجرحت أحبالها بألمٍ، حين صاحت بأعلى صوتها، ليصله:
-احنا لبعض يا "تميم"، إنت جوزي، وأنا مراتك، هنفضل مع بعض لحد ما نموت سوا.
بدت غير طبيعية بالمرة، وصراخها يخترق الكتل الخشبية ليصله، اندفع متجهًا إلى المصعد رافضًا البقاء في مكانٍ واحد يجمعه بها، لا يمكن أن يعود أبدًا لما كان عليه من قبل معها، لن يستطيع إجبار نفسه على العيش معها؛ لكنه بقي أمام عقبة خطيرة، تهديدها غير المازح لطاووسه، فكيف سيحميها من شرها الخفي؟
............................................................
انزوى كلاهما بغرفتها المعزولة عن الخــارج، ليتحدثا سويًا، بعد أن تأزم الوضع، واتخذت المشاجرة العابرة، منحنًا قانونيًا، يستلزم حلاً فوريًا حاسمًا لإنهائه، قبل أن يتم تصعيده، أو يزداد تعقيدًا. سحبت "خلود" زوجها من ذراعه، ووقفت إلى جواره عند الشرفة، رمقته بتلك النظرة غير المتسامحة، وأخبرته بصوتٍ خافت؛ لكنه صارم:
-زي ما أمك وقعتنا في الخيّة دي، تطلعنا منها.
رد "هيثم" وهو يهز كتفيه، كتعبيرٍ ظاهري عن قلة حيلته:
-وأنا بإيدي إيه ومعملتوش؟
صاحت به بنبرة ارتفعت نسبيًا:
-اتصرف.. وبعدين إنت أخوها، يعني المفروض ليك كلمة عليها.
علق في تهكمٍ:
-لأ مش مع دي، إنتي متعرفيش "خلود" كويس يا "هموسة"..
ارتسمت بسمة هازئة على شفتيه وهو يختم جملته:
-ده تلاقيها دلوقتي بتتعاون مع أمي على الإثم والعدوان.
احتفظ وجهها بتكشيرته العظيمة، وهتفت به:
-إنت هتهزر يا "هيثم"؟ أختي هتتسجن ظلم، وإنت فايق للتنكيت.
ازدرد ريقه، وخفف من ابتسامته، ليرد بحذرٍ؛ وكأنه ينصحها:
-إن شاءالله مش هتوصل لكده، وهيبقى ليها حل.
ارتخت عضلات وجهها المتصلبة، حين قالت بحدية أقل:
-يا ريت والله، لأن بجد حرام أوي اللي بيحصل في "فيروزة" ده كله، هي ماتستهلش كده.
امتدت يد "هيثم" لتمسح على جانب ذراعها؛ وكأنه يداعبها، قبل أن يطلب منها بلطفٍ:
-اهدي بس إنتي، أعصابك يا "هموس".
نظرت لحركة يده، صعودًا وهبوطًا على طول ذراعها، ومنحته تلك النظرة الصارمة، لتوبخه بعدها بتحفظٍ شديد:
-وده وقته، شيل إيدك!
رفع كفيه في الهواء متراجعًا عن الاقتراب منها، فلم تكن في مزاجٍ جيد لتقبل مزاحه؛ لكن ابتسامته لم تفتر نحوها.
........................................................
على الجانب الآخر، جلجل صوت "فضل" المتزمت بين جدران غرفة الصالون، ليعلن عن سخطه الصريح تجاه ما حدث مع "فيروزة"، بل وأكثر من ذلك حملها المسئولية كاملة عن وقوعها في تلك المصيبة؛ وكأنها كانت تتصرف برعونة –ودون تفكير- لتزج بنفسها في المتاعب، بإرادتها الحرة. تحفز في جلسته، ولوح بذراعه في وجه أبيه متابعًا تذمره:
-قولتلك يابا من الأول، أعدة الحريم لوحدهم بتجيب نصايب.
رد عليه والده بزفيرٍ منزعج:
-خلاص يا "فضل".
تحولت نبرته لشيء آخر، يحمل الشدة، وأيضًا الإلزام، عندما أكمل حديثه، وعيناه موجهتان نحو زوجة عمه:
-لازمًا ولابد يكون في راجل معاهم، والكلام ده نهائي.
عاتبته "آمنة" قائلة بنظراتها الحزينة، ووجهها التعس:
-مالوش لازمة تقول كده يا "فضل"، احنا طول عمرنا في حالنا، وماشيين جمب الحيط، لا حد سمع عنا حاجة، ولا بنعمل مشاكل مع خلق الله.
سألها "فضل" بصوته المتعصب، وعرقه الغزير يتجمع عند جبينه، بسبب انفعاله المغتاظ:
-أومال اللي حصل ده تسميه إيه؟
ضغطت شفتيها قليلاً، قبل أن تجيبه:
-النصيب..
علق بأسلوبٍ متنمر، وشفتاه مقلوبتان:
-كلام خايب!
رد عليه "اسماعيل" بنفاذ صبر:
-مش وقته يا ابني، عايزين نشوف هنعمل إيه..
توقف ثلاثتهم عن الحديث، حين ولجت "همسة" إلى الغرفة، حاملة بين ذراعيها صينية بها عدة فناجين للقهوة، أسندتها على الطاولة التي تنتصف الأرائك، وتراجعت لتجلس في واحدة شاغرة، وعلى مقربة منها جلس "هيثم"، بعد أن انضم إليهم. ارتكزت أنظار "فضل" على وجه زوج ابنة عمه، رمقه بنظرة مغلولة، وصوت هدير أنفاسه شبه مسموع، ثم تشدق هاتفًا بنزقٍ، مستخدمًا يده في الإشارة نحوه:
-ولما إنتو عيلة في قلب بعض، ومافيش مشاكل، ليه أخت الأفندي اللي متجوزاه "همسة" اتبلت على البت أختها؟
شعرت "همسة" بإهانة واضحة تسيء لتوأمتها في كلامه عن شخصها، ناهيك عن تقليله من شأنها هي شخصيًا؛ وكأنها نكرة، فصاحت فيه تحذره:
-أختي مش بت، ليها اسم تناديه بيه.
تصلب في جلسته، وقست ملامحه إلى حد كبير، وهو يرد بنوعٍ من الهجوم:
-إنتي هتعلي صوتك عليا؟
قبض "هيثم" على كتف زوجته يمنعها من النطق، وانتفض واقفًا ليرد منذرًا إياه، بنفس أسلوبه العدائي:
-إلزم حدودك! دي مراتي اللي بتفكر تغلط فيها، هي مش سايبة، ولا شغل فَتونة، هتقل أدبك عليها، هتلاقيني معَلم عليك في الناحية التانية من وشك.
هتفت "آمنة" بحرقةٍ، وقد فاض بها الكيل من تلك المشاحنات الجانبية:
-يا ناس كفاية خناق ومشاكل اللي يكرمكم، احنا كلنا هنا عشان نشوف حل للمصيبة اللي فيها بنتي.
رفعت "همسة" ذراعها لتمسك بمعصم زوجها، جذبته منه ليجلس، وهي تقول له:
-تعالى يا "هيثم".
غمغم بتبرمٍ خافت، ونظراته الحانقة مسلطة على وجه "فضل":
-قريبكم ده أعوذو بالله.
ردت عليه بصوتها الهامس:
-مكانش كده زمان، كانت أعدته حلوة، ودمه خفيف، والكل بيحبه، معرفش قلب كده ليه!
التفت ناحيتها ليحدجها بنظرة مغتاظة غاضبة، وهو يرد من بين أسنانه المضغوطة:
-نعم .. في إيه؟
سألته بعدم فهم، بنفس النبرة الخفيضة:
-إيه اللي في إيه؟
احتدت نظراته نحوها، وأجابها متسائلاً بصوتٍ بدا محمومًا:
-إنتي هتتغزلي فيه قصادي؟
نفت على الفور سوء فهمه، لتصحح له:
-لأ يا "هيثم" مقصدش، بس حساه بقى واحد تاني.
جاء رده صارمًا بشأن تلك المسألة، وهو ينهرها:
-لا تحسي ولا غيره، الكائن ده مايتحطش في أي جملة مفيدة ولا ضارة.
هزت رأسها بقبولٍ، لترد بعدها:
-حاضر.
ثم تابع مخاطبًا إياها بصوته الهامس، وعيناه تتطلعان إليه:
-ده تنح، ودمه واقف.
تلقائيًا نظرت في اتجاه "فضل"، والذي تجشأ بصوتٍ خافت، بعد أن انتهى من تجرع زجاجة المياه الغازية، ليمسك بفنجان القهوة، وردت بنفورٍ انتشر على محياها:
-معاك حق.
...............................................................
انتهى عامل القهوة من رص أكواب الشاي الساخنة الجديدة، على الطاولة المربعة الموضوعة بين ثلاثتهم، ليجمع بعدها الأكواب الفارغة من أمامهم، وينسحب تاركًا إياهم يتناقشون في اهتمامٍ حول الموضوع الشائك، المطروح على الساحة، وعلى غير العادة، كان الجد "سلطان" متواجدًا في الدكان لوقتٍ متأخر؛ لكن الخطب جلل، وحتمًا سيحتاج حفيده لمشورته. لم يمد "تميم" يده ليمسك بكوبه، وتطلع إلى والده الذي سأله بتعابيرٍ جادة:
-يعني مالهاش حل؟
أجابه بوجومٍ شديد، وظهره محني قليلاً:
-مش عارف، بس أنا استحالة أرجعلها.
علق "بدير" في يأسٍ:
-لا حول ولا قوة إلا بالله.
أراح ابنه ظهره للخلف؛ لكن بقي كتفاه متهدلان، حين أضاف بحنقٍ:
-الواحد إزاي كان مخدوع فيها كده، ده أنا بأفهمها وهي طايرة، أبقى غبي للدرجادي؟!!
عقب عليه جده "سلطان" بنبرة عقلانية:
-صوابعك مش زي بعضها، وزي ما في العيلة الكويس، فيها برضوه الوحش.
التفت برأسه ناحيته ليرد بندمٍ لم يجاهد لإخفائه:
-وكانت قدامي الفرصة أسيبها، ولا تظلمني ولا أظلمها.
وفجــأة خاطبهما "بدير"؛ وكأنه تذكر ما غفل عنه:
-احنا ناسيين حاجة مهمة يابا.
تركزت الأعين عليه؛ لكن بادر "سلطان" بسؤاله:
-إيه هي يا "بدير"؟
أجاب مشيرًا بعينيه:
-الكاميرات اللي ركبت.
نظر له "تميم" بغرابةٍ، ولم يتفقه ذهنه إلى مقصده، بينما علق الجد مشاركًا في حواره:
-صحيح، إنت كنت قولت هتجيب واد يركبهم.
هز رأسه مؤكدًا، وقد لانت ملامحه:
-أه وعملت ده فعلاً وقتها.
ليقتل الفضول الذي يساوره، تساءل "تميم" على الفور:
-كاميرات إيه اللي بتحكوا عنها دي؟
بأريحيةٍ أجابه والده، دون أن ينتبه لكونه لم يأتِ على ذكر تلك الحادثة من قبل:
-بعد السرقة إياها، كان اللواء معرفتي قالي أركب كاميرات للأمان في العمارة، وده عملته واحدة ناحية المنور، وواحدة عند المدخل، ما نشوف كده جايز تكون بينت حاجة.
استنفر في جلسته، وتطلع إليه بنظراتٍ حادة، قوية، متسائلاً في ضيقٍ بائن على تقاسيم وجهه:
-سرقة؟! إيه ده كمان؟ وإزاي أنا معرفش أي خبر بيها؟
تدارك والده خطأه غير المقصود، لعق شفتيه، وقال متهربًا من إجابته:
-مش وقته يا ابني.
أصر عليه بعنادٍ، وكل الضيق يتجمع في عينيه الملتهبتين:
-لأ يابا وقته، هو أنا قاعد كده معاكو زي الأطرش في الزفة ولا إيه؟
رد عليه جده بهدوءٍ:
-موضوع وعدى بقاله فترة، وخلصنا منه.
استدار برأسه في اتجاه جده، وقال له بإلحاحٍ، رافضًا تمرير الأمر:
-لازمًا يكون عندي عِلم بيه، مين اللي اتجرأ وفكر يخش البيت؟ وبعدين افرضوا كان الحرامي ده عمل حاجة فيكو ولا آ....
قاطعه "بدير" موضحًا له:
-ما هو مكانش حد غريب.. طيش عيال وراح لحاله.
احتقنت عيناه بشدةٍ، وهتف في استنكارٍ:
-كمان؟ يعني حد نعرفه؟
لم يكن والده موفقًا في التطرق لذلك الموضوع تحديدًا، وبات مرغمًا بالحديث عن تفاصيله، فأردف طالبًا منه بملامح جادة:
-أيوه، بس قبل ما أقولك مين هو اوعدني الأول ما تتهورش عليه، الموضوع ده كان اتحل وخلص من زمان.
توزعت نظراته بين وجهي أبيه وجده، وقال في صدمةٍ غاضبة:
-شكل الحكاية كانت كبيرة.
رد عليه جده ملطفًا من حدة غضبه:
-لأ مش أوي.
بجملٍ مرتبة مختصرة، قصَّ عليه تفاصيل حادث السرقة، والذي وقع خلال ليلة عرسه، حيث قام "هيثم" بالتسلل خلسة للمنزل، عبر منور العمارة، وتسلق الشرفات غير المستخدمة، المطلة عليه، ليقتحم المكان من المطبخ، ومنه إلى الدرهة الطويلة، وصولاً إلى غرفة النوم، وسرقة الدرج العلوي الذي كان يحوي بعض النقود، ثم هروبه، واكتشاف السرقة، ومعرفة هويته بمساعدة غير رسمية من أحد رجال الشرطة. اِربد وجه "تميم" بالغضب الشديد، وهدر من بين شفتيه بانفعالٍ مغتاظٍ:
-ابن الـ.......، ويوم فرحي كمان!!!
عقب عليه الجد محاولاً تهدئة انفعالاته الثائرة:
-خلاص يا "تميم"، الواد تاب ومكررهاش تاني، وأبوك عمل معاه الصح.
توعده بهسيسٍ:
-وقعته سودة، بس أفوق من اللي أنا فيه ده.
رد عليه "بدير" بضجرٍ ظاهر عليه:
-هتخليني أندم إني قولتلك.
قال له معاتبًا:
-كان لازم أعرف بنصيبته دي من بدري يا حاج.
سأله والده بتبرمٍ:
-يا ابني الواد ماشي زي الألف، هنرجع نحاسبه تاني على القديم؟
ضم شفتيه في غيظٍ، كان في موقفٍ مُحير، واستدار برأسه ليحدق في وجه "سلطان" الذي استطرد يقول لهما:
-سيبكم من الهري ده، وخلونا نشوف الكاميرات، جايز نلاقي فيها اللي عايزينه.
غمغم حفيده على مضضٍ:
-ماشي.
في حين أضــاف والده قائلاً:
-هاجيب الواد اللي ركبهالي، ونشوف.
زفر وهو يهز رأسه بإيماءات متتالية:
-طيب.
................................................................
لم يكن مُحنكًا فيما يخص استخدام التكنولوجيا الحديثة، فقط معلومات عامة أولية، تمكنه من التعامل مع أجهزة المحمول المتطورة؛ لكن فيما يتعلق بالمستجد والمستحدث من الأدوات الالكترونية وتعقيداتها، لم يكن ملمًا بها، ولهذا –وبشكلٍ بديهي- لم ينتبه "تميم" للجهاز العجيب الموضوع على (الدرسوار) في صالة منزله، والذي يشبه تلفازًا صغيرًا، معتقدًا أنه أحد قطع الديكور، المُهداة ربما من زوجته أو شقيقته، خاصة مع تغطية والدته له بقماشٍ مطرز، لحمايته من الاتساخ، كعادة معظم الأمهات.
كان المنزل خاليًا من والدته، وبالتالي كانت المهمة بسيطة، لا أسئلة، ولا استفسارات فضولية تحتاج لتبرير. جلس الشاب المختص بتركيب الكاميرات وتفريغها على مائدة الطعام، موصلاً حاسوبه الشخصي، بالجهاز الآخر، تطلع "تميم" إلى شاشة الحاسوب المحمول، وحملق فيها مراقبًا ما يفعله بحيرةٍ، ما استطاع أن يفهمه من ثرثرته المملة، طوال عمله المتلكع، أن الذاكرة المستخدمة في تسجيل ما يدور، تمحو تلقائيًا ما يُوجد عليها، بعد وصولها لعدد معين من الساعات، وامتلائها، لتبدأ عملها من جديد، وسعة تلك الذاكرة يجعلها تستغرق ما يقرب من الأسبوع. تنفس الصعداء، فهناك احتمالية كبرى لتسجيل الشجار، ارتكزت كامل حواسه على تفريغ الأشرطة، وكانت المفاجأة، من الزاوية العالية الموضوعة بها الكاميرا، حين رأى "خلود" تبعد مسافة خطوتين عن "فيروزة"، ولا تمكن الأخيرة بأي حالٍ من الوصول إليها، ودفعها، كما أظهرت انزلاق قدم الأخيرة بميلها الزائد للخلف، دون أن تلمسها يد. رفع أنظاره نحو والده وجده اللذين كانا يراقبان الشاشة مثله، نطق والده أولاً؛ وكأنه يحاول الكشف عن نواياه:
-هتعمل إيه يا ابني؟
أجابه "تميم" مبتسمًا بثقةٍ وبكلمة موجزة:
-الصح..
ثم وجه حديثه للشاب بما يشبه الأمر:
-حطلي الفيديوهات دي على فلاشة.
هز الشاب رأسه طواعية وهو يرد:
-ماشي يا معلم.
رفع "تميم" رأسه في اتجاه والده، حين طلب منه والده بهدوءٍ جاد:
-تعالى يا ابني، عايزك في كلمة.
انصرف معه بعيدًا عن الشاب، لكون الموضوع حرجًا، وخاصًا، استطرد "بدير" يحذره بلهجة جادة:
-خالتك مش هتعدي ده على خير.
وقبل أن يعلق عليه، رد "سلطان" الذي تبعهما بحسمٍ:
-بنتها السبب، تستحمل بقى غلطها.
قال له "بدير" بتوجسٍ:
-الموضوع كده هياخد سكة تانية خالص يا حاج، بوليس ونيابة، وجايز محكمة، و"بثينة" دماغها شيطان.
تنحنح مرددًا بتريثٍ:
-هنحاول نلمه.. وبالعقل.
هتف "تميم" بنبرة عازمة، وعيناه تلمعان بوميضٍ غريب؛ لكنه مشرق، وممتلئ بالحماس:
-هنشوف حكايتها بعدين، المهم دلوقتي الغلبانة اللي اتظلمت بسببها، وكانت هتضيع من غير ذنب.
...........................................................
ساعاتٍ مكثها أمام القسم الشرطي، منتظرًا قدوم الضابط المسئول عن التحقيق في البلاغ المقدم ضد "فيروزة"، وبصحبة محاميه، من أجل تقديم دليل براءتها؛ وإن كان يعني ذلك نشوب مشكلات عائلية لاحقة، لتوريطه طليقته السابقة في مسائل قانونية، تخص تقديم البلاغ الكاذب وتبعاته، وربما لجوء الأولى لرفع قضايا ثأر شخصية، لرد الاعتبار. لم يكترث لكل ذلك، المهم حاليًا أن يوفي بوعده الذي قطعه لها، وما إن التقاه الضابط "محمود" حتى أعطاه (الفلاشة) على عجالةٍ، ليقول له موضحًا:
-دي نسخة يا باشا، وتقدر تشوف الأصل من الكاميرات عندنا.
تفحصها الضابط بأصابعه، قبل أن يضعها في المكان المخصص لها، ليوصلها بجهازه، ثم قام بتشغيل محتوياتها، وتابع ما تعرضه التسجيلات باهتمامٍ، ليهز بعدها رأسه في استحسان، أوقف تشغيل ما يُعرض، والتفت إلى "تميم" ليسأله بنوعٍ من الفضول:
-بس مش غريبة إنك بنفسك جاي تعمل كده؟ والموضوع كله يخص مراتك؟
صحح له بنظرات نافذة، وتلك البسمة الخفيفة تتشكل على زاوية فمه:
-طليقتي يا باشا، وماينفعش أسكت عن الحق.
مط ثغره في إعجابٍ للحظةٍ، ثم قال:
-تمام.
تساءل "تميم" في تلهفٍ متحمس، ونظراته تتجول على وجه الضابط، ومحاميه:
-إيه اللي هيتعمل بعد كده؟
هنا أخبره المحامي بهدوءٍ:
-متقلقش يا معلم "تميم"، ولا تشغل بالك، الإجراءات معروفة، وأنا هتابع بنفسي كل حاجة، وهتأكد إن الأستاذة "فيروزة" معدتش طرف في أي حاجة.
تحولت أنظار "تميم" نحو الضابط "محمود" الذي أضاف عليه بابتسامة متكلفة، وهو يسحب فاتحة الأظرف من غمدها ليعبث بها، كلازمةٍ معتادة منه:
-زي ما المحامي قالك.. اطمن.
نهض واقفًا، ومد يده لمصافحته، وهو يشكره بامتنانٍ:
-متشكرين يا باشا.
تراجع "محمود" في مقعده، وأراح ظهره معلقًا بقليلٍ من السخرية:
-أنا معملتش حاجة، بالعكس إنت اشتغلت شغل الداخلية!
منحه "تميم" ابتسامة صغيرة صامتة؛ لكن صوته الداخلي انطلق في جنباته، وعقله يجسد ملامح وجهها في مخيلته:
-طالما ليها، أنا مستعد أشتغل أي حاجة.
.......................................................................
انتصفت الشمس في كبد السماء، ولم تمنع الستائر الخفيفة أشعتها من اختراق الزجاج لتملأ الأرضية بها، وطيف وجهه المتلهف خوفًا عليها، يحتل المساحة الخالية على البلاط اللامع. باعدت "فيروزة" نظراتها الشاردة عن وهم صورته، لتحدق في وجه الضابط "محمود" الذي جاء إليها خصيصًا، ليخبرها بالتطور الجديد في البلاغ المقدم ضدها، وكيف انتهى بأعجوبة لصالحها. لم ترمش بعينيها رغم صدمتها من تصرف "تميم"، فلم يخطر على بالها مطلقًا، أن يبذل قصارى جهده -وأزيد- لأجلها، بدا الأمر محيرًا وموترًا، ملبكًا إن دق التعبير، توقفت عن شرودها، محافظة على جمود ملامحها، لتسأله بلهجة هادئة:
-يعني أقدر أمشي من هنا؟
أجابها ببساطة:
-أيوه طبعًا، إنتي حرة تتحركي، وكمان الأمن اللي واقف برا خلاص مالوش لازمة.
هزة خفيفة من رأسها صاحبها ردها المختصر:
-كويس.
وقبل أن ينصرف "محمود" من الغرفة، أشار لها بسببته مرددًا:
-حاجة أخيرة بس محيراني.
نظرت له بحاجبين معقودين، وهي ترد:
-إيه هي؟
أمسك بقبضته حافة فراشها المعدني، وأجاب:
-إنتي مزعلة مين عشان يوصي عليكي بالشكل الغريب ده، رغم إنه محضر عادي، لسه قيد التحري؟!
زادت تعبيراتها تعقيدًا، وهتفت:
-مش فاهمة!!
بسّط لها سؤاله المحير قائلاً:
-يعني في حد حاطك في دماغه، وحد مش سهل كمان!
سكتت للحظاتٍ تدير الأمر، وتفكر فيه مليًا في عقلها، بلعت ريقها في حلقها الجاف، وسألته بحيرة ملموسة في صوتها:
-وأنا المفروض أقلق ولا أعمل إيه؟
رد بدبلوماسية:
-خدي بالك وخلاص ..
ثم ابتسم منهيًا حديثه معها بقوله:
-وحمدلله على سلامتك مرة تانية.
قوست شفتيها قليلاً لتظهر ابتسامة باهتة عليهما وهي ترد:
-الله يسلمك.
شيعته بنظراتها إلى أن خرج من الغرفة، لتستغرق في أفكارها الحائرة مجددًا، وبشكلٍ أعمق، سؤالاً واحدًا ظل يلح عليها:
-مين ده اللي عايز يأذيني؟!
لكن أفعــال "تميم" وشهامته الزائدة معها، عادت لتطفو على السطح، وتلهيها عن التفكير مؤقتًا في أي شيء .. سواه!
................................................................
لم يمر الكثير بعد على زيارة الضابط "محمود"، لتأتي إليها "علا"، حاملة بطول ذراعها لباقة من الورد الطبيعي الأبيض، أسندته على طرف الفراش، وجلست إلى جوارها ماسحة بيدها على كفها، نظرت نحوها، وابتسمت قائلة في لطفٍ:
-حبيبتي.. قلبي عندك.
وقبل أن تخبرها "فيروزة" بشيء، تجمدت الكلمات على طرف لسانها، بسبب رؤيتها لـ "آسر" الذي انضم إليهما، وفي يده علبة شيكولاته فاخرة، وضعها على الطاولة، واستقر في المقعد متسائلاً في اهتمامٍ مبالغ فيه:
-عاملة إيه دلوقتي؟
أجابت على مضضٍ، وبضيقٍ لم تسعَ لتغطيته:
-الحمدلله.
أشــار بعينيه نحو باب الغرفة المفتوح، وعلق متسائلاً:
-بس مش غريبة إننا ملقناش حد من الأمن برا؟ يعني على حسب ما عرفت كانوا مانعين الزيارة وآ...
قاطعته بجدية بحتة، وعيناها تحدجاه بنظرة غامضة:
-ما هو الأخبار الحلوة مابتوصلش زي الوحشة.
سألتها "علا" مستفهمة، ووجهها يعلوه ذلك التعبير الحائر:
-يعني إيه؟
التفتت برأسها نحوها، وأجابت على مهلٍ، بدون التطرق لأي تفاصيل:
-المشكلة اتحلت، كان في سوء تفاهم..
ثم استدارت في اتجاه "آسر"، وأكملت:
-ومكانش في داعي تتعبوا نفسكم.
ردت عليها "علا" بعتابٍ رقيق:
-إزاي تقولي كده؟ أنا والله اتجننت لما عرفت من "ماهر" باللي حصل، وبعدين تتصلي بأخويا وماتكلمنيش أنا؟
تنحنحت بخفوتٍ، وابتسمت وهي تجاوبها:
-محبتش أقلقك، على أساس إن ساعتها مكونتش عارفة أتصرف إزاي، وهو بيفهم في الحاجات دي، بس الحمدلله، كله بقى تمام.
تحركت أنظارهما في اتجاه الباب، عندما بادر "آسر" مرحبًا بأحدهم بودٍ شديد:
-جاي بنفسك يا "وجدي"؟ إيه الصدف الحلوة دي؟
تحرجت "فيروزة" من كثرة الزيارات الذكورية، والتي لا طائل منها سوى إرهاقها، وتقييد حريتها، بالطبع رسمت تلك الابتسامة السخيفة على محياها، وهي تشكره على قدومه، ولم تسلم من بعض النصائح الوجوبية منه، بضرورة تجنب كافة أنواع الشجارات والمشاكل، والتي تنتهي بتواجدها في قسم الشرطة. قبل أن ينصرف، تساءل "وجدي" مُخاطبًا "علا":
-لو خلصتي أخدك في سكتي، أنا رايح ناحية بيتكم.
التفتت تلقائيًا ناظرة إلى "آسر"، كان التردد واضحًا عليها؛ لكن تلك النظرة الغامضة من الأخير، منحتها الجواب الحاسم، بالذهاب معه، وتركه بمفرده مع "فيروزة"، عبثت بحقيبتها، وردت بابتسامتها المشرقة:
-أوكي.. أنا مش عايزة أتعب "فيرو"، هي أكيد محتاجة ترتاح.
ثم نهضت لتحتضنها، وودعت "آسر" قائلة له؛ وكأنها توصيه:
-خد بالك منها
رد بابتسامة عريضة:
-في عينيا، متخافيش عليها.
كانت حيلة مكشوفة، ومفهومة لها، ظلت محافظة على هدوئها، ورفيقتها تلوح لها بيدها لتنسحب مع "وجدي"، حاولت "فيروزة" ألا تحدق في اتجاه زائرها الأخير، ضغطت على أصابعها في توترٍ، حيث أن تواجده معها في الغرفة، بمفردهما، لم يكن من الصواب، اختفت ابتسامتها الباهتة، وطلبت منه، بتحفظٍ:
-تقدر تمشي يا أستاذ "آسر"، أنا بقيت كويسة، وكمان عشان معطلكش.
ارتبكت، وكسا وجهها الشاحب القليل من الحمرة، حين وجدته ينهض من مكانه ليقرب مقعده من فراشه، تقريبًا ألصقه به، ورد في عتابٍ محب، ورأسه ينحني في اتجاهها:
-أستاذ وتعطليني؟ ينفع كده يا "فيروزة"؟
رمقته بنظرة صارمة وهي تطلب منه:
-لو سمحت ممكن تبعد شوية؟ كده أي حد ممكن يفكر إن بينا حاجة، وأنا مش عايزة شوشرة
بامتعاضٍ منزعج قال لها:
-حاضر.. طالما ده اللي عايزاه.
تراجع بمقعده خطوتين للخلف؛ لكنه أبقى انحناءة ظهره نحوها، واستأنف حديثه معها قائلاً بأسلوبه الناعم:
-أنا مش فاهم إزاي يعملوا كده مع واحدة محترمة زيك؟
كانت غير رائقة المزاج لتبادله الحديث، يكفيها ما مرت به، ليعيد تذكيرها بالتفاصيل البغيضة إلى نفسها، اشتدت تعبيراتها، وحملقت ناحيته باستغرابٍ، وقد هتف عاليًا:
-أنا استحالة أسكت عن المهزلة دي؟ هو كل حد يقول كلمتين خلاص يصدقوه ويجرجروه على الأقسام؟ البلد دي فيها قانون، وإجراءات رسمية لازم تتعمل قبل ما حتى يفكروا يقبضوا عليكي.
علقت في هدوء:
-الموضوع اتحل، فمالوش لازمة نتكلم فيه.
أسبل عينيه نحوها يُخبرها بكلماتٍ بطيئة:
-لأ ليه لازمة، إنتي غالية عندي أوي، حتى لو مافيش نصيب بينا ..
أحنت رأسها على صدرها حرجًا منه، لم تحبذ تطرقه لتلك الجزئية، المصحوبة بذكريات مذلة، تزيد من إحساسها بالخذلان، ابتسم "آسر" وهو يعاتبها:
-وبعدين ينفع أعرف من برا، ومش منك؟ ده لولا "علا" كلمتني تستنجد بيا، مكونتش هعرف باللي حصلك!
ضغطت على شفتيها قبل أن تحررها لتعلق عليه:
-أستاذ "آسر"، أنا آ....
امتدت يده لتمسك بكفها، انتفضت في ارتباكٍ حرج، ورمقته بنظرة حادة، كانت على وشك جذب يدها من أصابعه القابضة عليها؛ لكنه رفض تركها تتملص منه، واعترف لها، وعيناه تسبحان في نظرات عينيها:
-أنا بأحبك يا "فيروزة"!
لم تتوقع بوحه بمشاعره، رغم صدها له بكل الطرق الممكنة؛ ولكن هز الغرفة صوتًا رجوليًا غاضبًا، يتهمها بوقاحةٍ، عرفت صاحبه الفظ على الفور، دون الحاجة للنظر في وجهه المقيت:
-إيه جو الغراميات ده؟ إنتي عاملة فيها عيانة ولا مقضيها مسخرة وقلة أدب هنا؟!!!
استعادت "فيروزة" يدها، وهتفت محتجة على اتهام "فضل" المسيء لها:
-ماسمحلكش
في حين انتفض "آسر" من مكانه ليحدجه بنظرات معادية، وحذره بشدةٍ:
-إنت مين يا كابتن؟ وإزاي تدخل علينا الأوضة كده؟
قست ملامح "فضل"، وزجره بسبابٍ حاد، قاصدًا التشاجر معه، وبكراهيةٍ واضحة اندفعت من عينيه:
-أنا ابن عمها يا (...)!
استشاط "آسر" على الأخير من إهانته الوقحة له، وأمام من؟ من يعدها خطيبته؛ كان شيئًا يمس هيبته، وإن كانت رجولته منقوصة؛ لكنه لن يقبل أبدًا بالتحقير من شأنه، بينما رمقته "فيروزة" بتلك النظرة الساخطة الاحتقارية، فمجيئه كما عهدت منه –مؤخرًا- كان مصحوبًا بنوايا غير بريئة نحوها، لن تسلم منها، ولن تقوى على مجابهتها، نظراته الاتهامية نحوها أكدت لها ذلك، سيحطم ما تبقى منها بمزاعمه المهلكة لروحها التي ما زالت تتعافى .. وقبل أن يزيد الطين بلة، صرخت فيه لتوقفه، بما لم تتخيل أنها سترتضي به:
-ملكش دعوة بخطيبي!
تصريح مفاجئ وصادم، خرج من داخل الغرفة، ليرن صداه بقوة في الردهة، فهز بقساوته الجارحة، بدن ذاك القادم من على بعد، ليشعر "تميم" فجأة بخفقة قابضة اعتصرت بشراسة لا ترحم صدره، فجعلت مباهج الدنيا تختفي كليًا، وحلت تعاسة أبدية في عينيه، انسحب هاربًا، وعبراته تختنق في حدقتيه، كانت حالته أشبه بمن فقد عزيز لديه، هبط الدرجات سريعًا، وقد أدرك الحقيقة المريرة، أن ما ظنه حبًا ينمو بين ضلوعه، اُغتيل بغتةً في مهده، ولا عزاء إلا لنفسه ............................................... !!!
................................................................
يتبع
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم Manal Salem
القراء الكرام .. تفاعلكم الطيب مع الفصل بيدي روح حلوة .. في انتظار مشاركتكم الجميلة
قراءة ممتعة
الفصل الثاني والستون
لحظة فارقة، لم تظن أنها ستحدث هكذا، حيث اختارت فيها الهروب مما يطاردها، ولإسكات لسانه الشرير الذي ينهش في سمعتها، بتهمه المجحفة، والتي لا تتوقف أبدًا عن النيل منها، لجأت لآخر الحلول المستبعدة عنها، إلى ذاك الذي زج بها منذ البداية في مستنقع الآلام، ليكون الخلاص لها منه؛ وإن كان يعني هذا إلقاء نفسها، في مجهول محفوف بالمفاجآت الصادمة لها؛ لكنها لن تُعايش مثل تلك التجربة المذلة مجددًا بسبب أكاذيبه المُضلة. رمقته "فيروزة" بتلك النظرة النارية الناقمة عليه، وأكدت له بصراخها:
-إنت ملكش دعوة بأي حاجة تخصني من هنا ورايح.
وبكل وقاحةٍ علق عليها "فضل"، والشرر يتطاير من حدقتيه:
-ولما هو كان عاجبك من الأول، رفضتيه ليه؟!
هدرت به بانفعالٍ:
-وإنت مالك؟
تابع "آسر" بنظرات فضولية، واهتمامٍ لا بأس به، حدة الأجواء بينهما، وفَطن لوجود رواسب خلاف سابق، ما تزال عالقة، وقد راقه الأمر كثيرًا، ففي الأخير هو يصب في مصلحته، لهذا استغل الفرصة، وهتف بنوعٍ من الجراءة التي تُغاير طبيعته الهروبية:
-اهدي يا حبيبتي، لو البني آدم ده مضايقك فأنا جاهز أربيه
زجره "فضل" قائلاً بنوعٍ من الازدراء، وهو يرمقه بتلك النظرة الدونية بعد أن تحولت عيناه إليه:
-اركن على جمبك ..
تقدم "آسر" نحوه، ورد بتحدٍ، وهو يلوح له بذراعه:
-إنت بتكلم إزاي بالأسلوب ده معايا؟ إنت عارف أنا ممكن أعمل فيك إيه؟
بادله "فضل" سبة مهينة لإحراجه، وتحرك صوبه ليهمّ بضربه، مما دفع "فيروزة للتدخل فورًا، وإيقاف تلك المهازل المخجلة بصراخها العنيف:
-بس بقى، كفاية فضايح.
على إثر صوتها جاءت "همسة" ركضًا من الخارج، متسائلة في جزعٍ:
-في إيه اللي بيحصل هنا؟
ردت عليها "فيروزة" بصوتها الصارخ، وتعبيراتها المهتاجة:
-تعبت بقى، سيبوني في حالي.
تبع "هيثم" زوجته، ومن خلفه ظهرت "آمنة"، ارتكزت نظرات الأول على وجه "فضل"، متعجبًا من وجوده، فقد تحجج الأخير بحاجته لشراء بعض الأشياء قبيل ذهابهم، وسيلحق بهم في المشفى فيما بعد، وها هو الآن متواجد بغرفة "فيروزة"، لم يسترح لحضوره، استراب من تصرفاته غير المفهومة، اتجهت أنظاره نحو "آسر"، واستنكر وجوده أيضًا، ثم تساءل بوجه متجهم:
-دول بيعملوا إيه هنا؟
حرك "هيثم" رأسه في اتجاه "فيروزة" التي واصلت صراخها:
-كله يطلع برا، مشوهم من هنا، مش عايزة أتكلم مع حد.
ردت عليها "همسة"، وهي تمسك بها من ذراعها لتهدئها:
-حاضر يا "فيرو"، هنعمل كل اللي إنتي عايزاه.
وانضمت إليها والدتها لتحتوي غضبها الغريب، بينما أشــار "هيثم" بذراعه للاثنين ليطردهما:
-يالا يا كابتن، سمعتوها، بالسلامة من هنا.
بسماجةٍ سخيفة، تنحنح "آسر" قائلاً، وعيناه تتطلعان إلى "فيروزة":
-خلاص يا حبيبتي، هنتكلم تاني، نظبط فيه كل حاجة.
وصــل إليه "هيثم" ودفعه نحو الخارج، بعد أن طرد "فضل" الذي كان يحترق غيظًا بالخارج، ثم صفق الباب في وجهيهما، وانزوى عند الركن يتابع بصمت، حالة تلك البائسة التي كانت تقريبًا في وضع انهيار.
.................................................................
أين المفر من حبٍ حُكم عليه بالنهاية قبل أن يبدأ حتى؟ لذا كان كل ما سرقه، وفي غفلة منها، نظرة أخيرة لملامح وجهها المتشنج، وهي تنطق باعترافها المُهلك، لينسحب سريعًا بعدها، وصوت "آسر" يلازمه في عقله، ليؤكد له موافقتها الواضحة على خطبته، وأنها تنتمي إليه. "فيروزة"! اسم حُرم من تداوله بين شفتيه، وإن كان قد مُنح فرصًا لينطق به أمامها وبعيدًا عنها؛ لكنه بات محرمًا عليه كليًا من الآن فصاعدًا. وفي جانب هادئ تمامًا، في نهاية طريق الكورنيش الموازي للشاطئ، أوقف "تميم" سيارته، ليستند بظهره على مقدمتها، ويحدق بعينين تحتجزان العبرات الحزينة الرقراقة، وقلب محطم في زرقة المياه القاتمة.
كانت المرة الأخيرة التي يسمح فيها لنفسه بالظهور بهذا الضعف، فكما أجاد إدعاء جهله بسرقة "هيثم" أمام أبيه وجده، متقنًا دوره ببراعة، بينما كانت والدته قد أطلعته سابقًا على تفاصيل السرقة، سيفعل ذلك مجددًا، سيدرب نفسه، ويطوعها أكثر، ليجيد إخفاء مشاعره المهزومة؛ وكأنه جماد، بلا قلب نبض مرة لأجل الحب. مسح عبراته التي تسللت خارجة من طرفيه، بظهر كفه، وتحدث إلى نفسه قائلاً؛ وكأنه يحفزها:
-أيوه، إنت هاتقدر تنساها يا "تميم"، زيها زي أي حاجة كان نفسك فيها وراحت، مش نهاية الدنيا.
غلف نبرته حزنًا غير مستتر، وهو يكمل إفراجه عن مكنونات نفسه لنفسه:
-بس هي مش زي أي حد..
أطبق على جفنيه بقوة، وهمس بحرقةٍ:
-هي "فيروزة" واحدة وبس!
عند نطقه باسمها رغمًا عنه، أجهش بالبكاء، وقد فقد قدرته على ضبط انفعالاته، ببساطة خرجت مشاعره عن السيطرة، واستسلم لمرةٍ أكد لنفسه مرارًا وتكرارًا أنها ستكون الأخيرة، بإظهار جرحه المعنوي، باكيًا حبًا يجهل عنه العالم بأسره .. فيما عدا قلبه!
..............................................................
غيابه كان مريبًا حد الشك، وهي بمفردها مع أبنائه في البلدة، بعيدة كل البعد عن أجواء الصراع المحتدمة في المدينة، أكلها فضولها وحثها على الذهاب؛ لكنها لم تكن لتتحمل أعباء ومشاق السفر بمفردها، ما نما إلى مسامعها من تطورات مثيرة حفزها على العودة، تبقى لها فقط إعلام زوجها، وسحب القطيع خلفها .. كعادته في تجاهل الرد على اتصالاتها المتعاقبة التي تلاحقه، خاصة حين يكون في ذروة عمله، يئست "حمدية" من الوصول إليه، لولا سماعها لأنفاس لاهثة، قبل أن تضغط على زر إنهاء الاتصــال، تبعها سؤال طفولي لصغيرة ما:
-ألو، مين معايا؟
اعتدلت في جلستها بشرفة منزلها المطلة على الأرض الزراعية، وتساءلت بوجهٍ تبدلت ملامحه للجدية التامة:
-مش ده تليفون "خليل"؟
أجابت الصغيرة بتلقائيةٍ:
-أيوه..
سألتها بشكلٍ آلي، وعقلها مشحونٍ تقريبًا، بالتفكير الاستنباطي، في ماهية تلك الطفلة التي أجابت عليها:
-هو فين؟
ردت باقتضابٍ:
-هناديه ..
أرهفت "حمدية" السمع جيدًا للطرف الآخر، وبدا لها أنها تسمع أنفاسٍ لاهثة لتلك الصغيرة التي تركض تقريبًا، ثم جاء صوتها مناديًا بعفوية واضحة:
-بابا! يا بابا!
انقبض قلبها بقوةٍ، وشعرت بضيقٍ يجثم على صدرها، تمالكت أعصابها، وكتمت أنفاسها الشاهقة بيدها لتبدو هادئة كليًا، أتاها صوت زوجها واضحًا وهو يتساءل:
-في إيه يا "كوكي"؟
جاوبته بتمهلٍ:
-حد بيتصل بيك.
تصلب جسد "حمدية"، وبدت تعبيراتها غائمة، وزوجها يجيب على الهاتف:
-ألو، مين؟
ردت عليه بوجومٍ شديد:
-إنت فين يا "خليل"؟ ومين دي اللي ردت عليا؟
استطاعت أن تتبين الارتباك في صوته المهتز، حين ادعى كذبًا:
-ده أنا.. على القهوة، مع صاحبي و.. آ..دي بنته كانت بتلعب في الموبايل وآ...
قاطعته متسائلة بقتامةٍ:
-جاي امتى؟
هتف دون تفكيرٍ:
-على طول يا حبيبتي، ده أنا خلصت الشغل كله، وكنت هفاجئك وأرجع النهاردة..
ولسوء حظه هللت "سماح" تناديه:
-يا "خليل"! السفرة جاهزة، تعالى قبل ما الأكل يبرد.
لم تكذب "حمدية" أذنيها، كان النداء واضحًا، ويخص زوجها، وما تبعه من كلام يشير لوجود ما يخفيه عنها، غلت الدماء في شرايينها، وتصاعدت إلى رأسها لتزيد من حنقها، بالكاد كظمت غضبها وهو يهتف موضحًا بكذب:
-مرات صاحبي عازمنا على الأكل، وأنا مش عارف أخلع منهم.
ردت تسأله مباشرة لتكشف كذبه الواهي:
-هو إنت على القهوة؟ ولا عند مرات صاحبك؟
تلجلج وهو يقول:
-ده احنا كنا في القهوة تحت بيت صاحبي، ومراته بتنادي علينا نطلع.
علقت عليه باستنكارٍ، ونظراتها تقدح بالشر:
-وواخدة عليك أوي؟ بتقولك يا "خليل" كده حاف؟
تنحنح وهو يبرر لها:
-دي أد أمي .. وأنا ما بأردش..
ثم أخفض صوته ليتغزل بها:
-ولا إنتي بتغيري يا "أم العيال"؟ ده إنتي اللي في القلب.
أنهت معه المكالمة قائلة بغموضٍ، تأكدت أنه سيربك كافة حساباته:
-تعالالي على البلد على طول يا "خليل"، هنتكلم لما تيجي.
لم تمهله الفرصــة للرد، وأغلقت الاتصــال، وشكوكها الأنثوية تتزايد بداخلها، قبضت على أصابعها المحتوية للهاتف، وضغطت عليهم بشدة، حتى ابيضت مفاصلها، لتغمغم لنفسها بتوعدٍ بعدها:
-أه لو طلعت متجوز عليا، ولا بتلعب بديلك من ورايا يا "خليل"، ساعتها بس هتعرف مين هي "حمدية"!!!!!!
................................................................
في الناحية الأخرى، انسابت ساقي "خليل"، وشعر بانخفاض ضغط دمه، تهاوى جالسًا على الأريكة الموضوعة بجوار النافذة، اختفى التورد من وجهه، وتحول للشحوب والارتعاب، كان حرفيًا يرتجف، يداه تهتزان بتوترٍ رهيب. تطلعت إليه "سماح" باندهاشٍ، وسألته:
-مالك يا راجل في إيه؟ مش على بعضك كده ليه؟
أجابها بغموضٍ، وبصوتٍ متذبذب:
-نصيبة يا "سماح"، وحلت على دماغي!
قطبت جبينها متسائلة:
-نصيبة إيه دي؟
لعق شفتيه، وأجابها بأنفاسٍ مضطربة:
-"حــ.. حمدية" اتصلت.
ردت ببرود:
-ما تتصل، فيها إيه؟
انخفضت نظراته نحو هاتفه، الذي سقط من يده إلى جواره، وقال بتوجسٍ:
-هي اللي كانت على الخط، وسمعتك إنتي والبت!
لطمت على صدرها في صدمةٍ، ورمشت بعينيها متسائلة:
-يا لهوي، طب والعمل؟ تفتكر إنها شكت فيك؟
رد بتشتتٍ:
-مش عارف ...
استجمع نفسه، ونهض من مكانه بقدمين مرتعشتين، ثم أكمل عازمًا، بتوتره البادي عليه، وبؤبؤاه يتحركان بقلقٍ كبير:
-بس أنا لازمًا امشي دلوقتي من هنا، وأرجع البلد
سألته "سماح" بعبوسٍ:
-طب والأكل؟
أجابها وهو يهرع متجهًا نحو غرفة النوم:
-كليه إنتي!
زمت "سماح" شفتيها في سخطٍ، وحركتهما للجانبين، قبل أن تدمدم بتذمرٍ، وهي رافعة ليديها في السماء:
-منك لله يا "حمدية"، دايمًا معكننة كده عليا!
....................................................
مكثت في غرفتها وحيدة، منعزلة عن البقية، بعد أن خرجت من المشفى، وعادت إلى منزلها، رافضة النقاش مع أي أحد في قرارها الأخير، كانت بحاجة لمساحة خاصة، تجعلها تفكر برويةٍ، وبعمقٍ، فما حاربت لعدم حدوثه، أعلنت عن رغبتها في تنفيذه! دقت "همسة" الباب على توأمتها قبل أن تفتحه، وتلج للداخل، وهي حاملة لصحن صغير بيدها، ابتسمت تشجعها على تناول ما به:
-شوية شوربة بمكرونة لسان عصفور حكاية.
استلقت "فيروزة" على جانبها، ورفضت قائلة:
-ماليش نفس
أسندت الصحن على الكومود، وتمددت إلى جوارها، لتمسح برفقٍ على جانب كتفها، وسألتها بنبرة مهتمة:
-مالك يا "فيرو"؟ من ساعة ما رجعنا البيت، وإنتي واخدة جمب...
لم تجبها شقيقتها، وظلت ممددة على جانبها، استمرت "همسة" في تمسيد شعرها، وكتفها، وهي تسألها بإلحاحٍ طفيف:
-حصل إيه في المستشفى خلاكي تتعصبي؟
لم تمتلك من الشجاعة ما يدفعها للالتفاف، والنظر في وجه توأمتها، وأجابت بفتورٍ:
-مافيش.
سألتها مجددًا معللة أسباب سؤالها المستفسر:
-"فضل" ضايقك؟ بيني وبينك كلامه بايخ معايا، وكان هيشتبك مع "هيثم"، فأكيد عمل دقة نقص معاكي، صح ولا أنا غلطانة؟
حافظت على جمود تعبيراتها، وتنهدت ترجوها بهدوءٍ:
-عشان خاطري بلاش نتكلم عنه، كفاية أوي إنه غار من هنا.
ابتسمت تؤيدها:
-على رأيك..
أراحت "همسة" ظهرها للخلف، ووسدت يديها وراء رأسها، وأضافت:
-تعرفي يا "فيرو"، أنا فرحانة إنك هتتخطبي، مع إن الظرف مش مناسب، يعني عشان اللي مريتي بيه، بس دي فرصة تدلعي، وتشوفي نفسك مع واحد بيحبك.. حاجة حلوة أوي إن الواحدة تحب وتتجوز حد كويس...
تحولت عباراتها للفضول عندما سألتها:
-صحيح إنتي واقفتي عليه ليه؟ مش كنتي رفضتيه في البلد وآ...
قاطعتها منهية النقاش في ذلك الموضوع قبل أن يبدأ:
-"همسة" لو سمحتي، أنا دماغي تقيلة، وعايزة أنام، ممكن نتكلم في ده بعدين.
هزت رأسها في تفهمٍ، لتقول بعدها:
-ماشي يا حبيبتي، خدي راحتك ..
ثم اعتدلت في رقدتها، ومالت نحو توأمتها تقبلها من أعلى رأسها، شعرت بتخبطها، بحالة العزوف المسيطرة عليها، ولم ترغب في الضغط عليها، لتحصل على ما تريد من معلومات، تركتها تختلي بنفسها، وختمت حديثها الودي معها بقولها:
-أنا هاقعد شوية مع ماما برا وهمشي، وهكلمك أطمن تاني عليكي.
استدارت لتنظر إليها في امتنانٍ، لترد بكلمةٍ مقتضبة:
-أوكي.
أشــارت "همسة" بعينيها نحو الكومود، قبل أن توضح لها:
-الشوربة هغطيهالك، بس كليها، دي عمايل إيديا، وإنتي عارفة أنا طباخة بريمو.
حانت من "فيروزة" ابتسامة لطيفة تشكلت على ثغرها، وودعتها بنظراتها إلى أن خرجت من الغرفة، لتختفي تلك البسمة الزائفة، وتعود لحالة الجمود الحزينة التي تمكنت منها.
..........................................................
منذ لحظة وصوله، وتبدد الهدوء الذي عم المنزل لصخب وشجار، لم يتوقف "فضل" عن إثارة المتاعب مع من يلقاه في طريقه؛ وكأنهم وسيلته لإفراغ الكبت المحبوس بداخله، بعد أن تمت إهانته لأكثر من مرة، أراد التغطية على شعور النقص المستبد به، باستعراضِ قوةٍ زائفة على من هم أضعف منه؛ شخصيةً، وبنيانًا. وبخطواتٍ متمهلة اقتربت منه "سها"، وهو جالس بمفرده في المضيفة لتسأله، دون أن يطرأ ببالها أنه سيثور هكذا في وجهها:
-مرات عمك و"فيروزة" بنتها عاملين إيه؟ عدت المشكلة اللي كانوا فيها على خير ولا إيه الأخبار؟ طمني كده عليهم.
التفت ناظرًا إليها بعينين حادتين، قبل أن يوبخها:
-مالك إنتي ومالهم يا ولية يا حشرية؟ عايزة تعرفي أخبارهم ليه؟ كنتي من بقية أهلهم وأنا معرفش؟ ولما أحب أتكلم في حاجة تخصهم هاجيبك إنتي يا أم مخ فاضي أحكي معاكي، وأخد برأيك؟!!
تلون وجهها بحمرة خجلة من إهانته الشديدة، وتقليله لشأنها، كانت أدرى بطبيعته المتقلبة، ولم تقابل أسلوبه المتعنت معها إلا بالهدوء، فمن الخير أن تتجاهل فظاظته البشعة حتى لا تثير غضبته البائنة عليه، جلست على المصطبة الخشبية إلى جواره، وقالت متصنعة الابتسام، كأنها لم تسمع ما يهينها قبل ثوانٍ:
-وماله ياخويا لما نتكلم سوا، ما أنا مراتك بردك، وإنت لما تفضفض معايا هتشيل عن قلبك وترتاح.
دفعها بقساوة من كتفها، ليزيحها من جواره، وقال بعينين شرستين:
-قومي فِزي يا ولية، اتكشحي من هنا، مش ناقصك!
ابتلعت مرارة الإهانة، خاصة حين رأت "سعاد" مُقبلة عليها، وفي عينيها نظرات إشفاقٍ ولوم، أطرقت رأسها، وانسحبت من المكان سامعة صوت الأخيرة يعنف ابنها:
-حرام عليك يا "فضل"، عملتلك إيه المسكينة دي عشان تبهدلها كده؟
لوى ثغره معلقًا عليها بنبرة جافية:
-مالكيش دعوة يامه، دي مراتي، وأنا حر فيها، إن شاءالله أقطم رقبتها...
ثم اكتسب صوته إيقاعًا غريبًا وهو يتابع:
-مش زي بنت "آمنة" اللي ملاقتش اللي يربيها ولا يلمها..
حملق في الفراغ أمامه، وكز على أسنانه متوعدًا -في نفسه- بنوعٍ من التمني:
-آه لو كانت مراتي، كنت عرفتها مقامها، دي مكانش ينفعها إلا واحد زيي، يمشيها على العجين متلخبطوش!
استغربت "سعاد" من تحامله عليها، وسألته مباشرة بعد أن استقرت على المصطبة:
-مالك ومال "فيروزة" يا "فضل"؟
انتبه لها، وأجاب وقد برقت عيناه:
-مافيش يامه، بس إنتي عارفة، أنا مابيعجبنيش الحال المايل.
تهدل كتفاها، وأضافت في لهجة هادئة، متعمدة الدفاع عنها:
-بنت عمك طول عمرها في حالها، ماشية زي الألف، مالهاش في أي حاجة، فبلاش تيجي عليها تاني.
لا إراديًا، تحسس "فضل" بيده الجرح المتروك أثره على وجهه، بعد أن أزاح الضمادة من عليه، متذكرًا عدائية "تميم"، وتهديداته التي لم تكن من فراغ، تقوس فمه في امتعاضٍ ظاهر عليه، وهسهس بسبة نابية انحصرت بين شفتيه، بينما لانت تعبيرات والدته حين تكلمت بحماسٍ:
-وبعدين المفروض نفرحلها، أبوك قالي إنها وافقت على العريس، وكلها أيام وهتتخطبله ويتكتب كتابها، يعني احنا يدوب نجهز نفسنا عشان نروحلها.
رد بوجهٍ عابس:
-أنا مش رايح في حتة.
سألته باستغرابٍ، والدهشة تغزو محياها:
-ليه كده؟ ده إنت ابن عمها الكبير، ومش عايزين النفوس تفضل شايلة من بعض، ده الضفر مايطلعش من اللحم.
أجلى أحبال صوته المحتشرجة بنحنحة عالية، قبل أن يعلق عليها بسخطٍ، مستخدمًا يديه في التلويح:
-المثل بيقول إيه يامه، أردب ماهولك (مش ليك) ما تحضرش كيله، تتعفر دقنك، وتتعب في شيله .. وأنا الليلة دي كلها ماليش فيها خلاص، أنا شيلت إيدي.
نطق بلسانه ما يناقض رغبته الحقيقية، فلو اتيحت له الفرصة، وكان في مركز قوة، وهي تحت يده، وحاضرة هنا في بلدته، لحشد أعيانها، وأجبرها على الزواج منه قسرًا، ومارس عليها طغيانه، كما اعتاد أن يفعل مع زوجته المقهورة، أشاح بنظراته عن والدته التي ما تزال محدقة فيها بتعجبٍ، تنهدت الأخيرة ببطءٍ، لم تعرف ما الذي يدور في رأس ابنها؛ لكنه لم يكن هكذا يحاوطه الغموض، نهضت من جلستها، وهي تردد في يأسٍ:
-هاقولك إيه يا ابني، غير ربنا يهديك لحالك.
..........................................................................
بأعجوبةٍ، وألاعيب المخضرمين من المحامين، خاصة الداهية "آسر"، نجت "بثينة" ببدنها من كارثة كادت تزج بها بالسجن، وتعرضها لمشاكل في غنى عنها حاليًا، بعد كشف الحقيقة كاملة، وإظهار براءة "فيروزة" من التهمة الملفقة التي اتهمتها بها، انتهى المحضر على خير، وحُفظ في الأدراج، كغيره ممن ينتهون دون تصعيد قانوني. تجرعت "بثينة" رشفة كبيرة من كوب الماء، وأسندته في مكانه بالصينية، ثم بدأت تهت جسدها بحركة عصبية، بعد أن جلست في الصالون، بصحبة ضيفيها "محرز"، وزوجته، تنوح مُصابها لهما:
-بقى دي أخرتها يا "هاجر"؟ شوفتي أخوكي وعمايله؟ كان ناقص يحبس خالته، ولولا ستر ربنا وولاد الحال!
نظرت "هاجر" لخالتها في حرجٍ، وظلت تهدهد رضيعها بين ذراعيها باهتزازة خفيفة ثابتة، بينما واصلت الأولى ندبها الناقم:
-هي دي صلة الرحم اللي ربنا أمره بيها؟ مش كفاية مراته خسرت اللي في بطنها، لأ يزود الهم علينا ويجرجرنا في الأقسام.
رفرفت بعينيها وهي تتطلع إلى زوجها في ترددٍ، ثم استدارت ناظرة إليها مرة أخرى، وردت تواسيها :
-متزعليش يا خالتي، ده أنا جاية أخد بخاطرك النهاردة، وأراضيكي.
هتفت معترضة في سخطٍ:
-لا يا "هاجر"، اللي عمل أخوكي ده مش هايروح بالطبطبة.
أردف "محرز" قائلاً بهدوءٍ، وعيناه تلمعان في خبثٍ:
-يا حاجة ده إنتي طول عمرك قلبك طيب.
انخرطت في بكاءٍ مصطنع وهي ترد عليه، لتستجدي مشاعرهما
-هو أنا مضيعني غير قلبي وحنيته؟
وضع "محرز" يده على كتف زوجته يحثها على النهوض، عندما أمرها بلطفٍ:
-قومي يا "هاجر" شوفي بنت خالتك، أكيد الموضوع مش سهل عليها، طيبي خاطرها بكلمتين، وخديلها الواد تشيله شوية.
ردت بإيماءة موافقة من رأسها:
-طيب يا "محرز".
بدا كحمامةٍ للسلام ولسانه ينطق بمعسول الكلام، ليزيل الوحشة المعششة في القلوب، ما إن تأكد من اختفاء زوجته بالداخل، حتى انتقل من مكانه، ليجلس قريبًا من "بثينة"، أحنى رأسه عليها، وهمس لها؛ وكأنه يلومها:
-كنتي هتودينا في داهية، مش تاخدي بالك إن في كاميرات راكبة؟ لولا البيه بتاعي كان زمانك لبستي فيها.
مسحت دموع التماسيح التي لم تترك مقلتيها، وردت بخفوتٍ بلهجة جافة:
-وأنا كنت أعرف منين؟ بأشم على ضهري إيدي ولا بأضرب الودع؟
قست نظراتها، وانزلقت مضيفة من تلقاء نفسها:
-وأختي "ونيسة" مجابتليش سيرة عن الحكاية دي.
سألها "محرز" بجديةٍ، رغم انخفاض نبرته:
-سيبك من ده، وقوليلي هنعمل إيه دلوقتي؟ زي ما احنا ولا غيرتي رأيك؟
تصلب كتفاها، وردت بحقدٍ مغلول:
-أغيره؟ ده أنا عايزة أنتقم منه، أولع في جتته، ده أنا خسرت كل حاجة.
ابتسامة لئيمة خطت على شفتيه وهو يرد بتلذذٍ انعكس كذلك في نظراته:
-حلو الكلام، قريب هتسمعي البشارة.
تنهدت في رجاءٍ:
-يا ريت يا "محرز".
أضاف طالبًا منها:
-عايزك تجيبلي الأمانة اللي شايلها عندك.
سألته في استغرابٍ، والفضول يكسو أنظارها:
-ليه؟
أجاب بتهكمٍ، وبتعابير جادة:
-صاحبها عايزها، هاقوله لأ؟ هاتيها بسرعة قبل ما تخرج "هاجر" من جوا.
همهمت وهي تحرك جسدها بثقلٍ لتنهض من جلستها:
-ماشي ياخويا.
شيعها بنظراتٍ كالصقر وهي تمرق عبر الردهة الطويلة متجهة إلى غرفتها، فقد أزف الوقت للقيام بعملية التهريب المُرتب لها، بعد أن صدرت الأوامر العليا بالشروع فورًا في تنفيذها ............................................... !!
....................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم Manal Salem
في البداية .. شكرًا لسؤال الجميع عني الأسبوع الماضي، كنت مشغولة جدًا مع عودتنا للعمل، وما زالت والله، الاستعداد لبداية العام الجديد في ظل الظروف اللي احنا فيها بتطلب مجهود خرافي، وخصوصًا مع المتعلمين الجداد .. ربنا يحفظنا جميعًا ونعدي من الأزمة دي على خير ..
اعذورني لو الفصل كان قصير .. فعليًا مافيش وقت عندي، واستغليت المتاح لكتابة المشاهد الجديدة ..
وربنا يعينا جميعًا
هاسيبكم مع الأحداث وفي انتظار تعليقاتكم الحماسية
الفصل الثالث والستون
برويةٍ انحنت بجسدها للأمام لتفتش بين أغراضها في دولابها الخشبي، خاصة الرف الأوسط، والذي تحتفظ به بأغطية الفراش المطوية النظيفة، وجدت "بثينة" ضالتها، فاعتدلت في وقفتها، وأخرجتها من الداخل لتنظر لها مجددًا؛ لفةٌ بلاستيكية مغلقة بإحكام، بلونٍ داكن، لا يظهر ما تحويه بداخلها، تبدو بيضاوية بعض الشيء، أدارتها بين يديها، متسائلة في نفسها بفضولٍ كبير:
-يا ترى فيها إيه دي؟
لم تكن أيضًا بثقيلة الوزن؛ لكنها أصابتها بالحيرة، رغبت في معرفة ما بهل، ومع ذلك تحركت بها نحو ضيفها المنتظر بغرفة الصالون، ناولته إياها وهي تسأله:
-دي عبارة عن إيه يا "محرز"؟
كان متحفظًا، ومراوغًا، في رده عندما أجابها:
-سيبك منها، وخلينا في المهم...
ثم أسندها إلى جواره؛ وكأنه غير مبالٍ بها، ليقول بهدوءٍ:
-عندي طلبية جديدة تبعنا، توريدة من العيار التقيل، يومين وهخلصها، وأجيبلك المعلوم.
هزت رأسها في استحسان، وعلقت:
-كويس.. أهي حاجة تعوض الخسارة اللي حلت عليا.
استأذنها "محرز" بتهذيب:
-هاتعبك معايا يا ست الكل، عايز فنجان قهوة مظبوط يعدل دماغي
-إنت تؤمر يا "محرز".
تابعها بنظراتٍ مراقبة إلى أن اختفت بداخل مطبخها، فأخرج هاتفه المحمول، وطلب على عجالةٍ أحدهم، أخفض نبرته، ليبدو صوته غير مسموعٍ حين قال:
-الأمانة معايا، جاهزة على التسليم.
أصغى للطرف الآخر بانتباهٍ تام، وعقب:
-حاضر هبلغ "حاتم"، وأظبط معاه.
بتعجلٍ أنهى المكالمة محافظًا على ثبات تعابيره، وفحص اللفة بدقةٍ، ليتأكد من عدم فتح "بثينة" لها؛ كانت كما هي، ابتسم في رضا، فقد كانت كل الأمور تسير على ما يرام، وجلس مسترخيًا منتظرًا عودتها إليه.
.................................................................
-أيوه يا "هاجر" أخوكي ظلمني!
رددت تلك العبارة المصحوبة بنبرة حارقة، وصدرها قد غص بالبكاء الخانق، حين سألتها شقيقة طليقها عن أحوالها، لم تمسح "خلود" دموعها عن خديها، تركتهم كدليلٍ حي وملموس عن قهرها، ومدى الظلم الذي تعايشه الآن، نظرت في عينيها بنظراتٍ ملتهبة، وتابعت نحيبها بمشاعرها الناقمة:
-وإنتي أكتر واحدة عارفة أنا بأحبه إزاي.
اقتربت منها بعد أن مددت رضيعها على الفراش، وضعت يدها على كتفها، وربتت عليه بحنوٍ، قبل أن ترد بتعاطفٍ:
-من غير ما تقولي، أنا متأكدة يا حبيبتي.
تحركت خطوة بعيدًا عنها، لتزيح يدها من على كتفها، والتفتت نحوها لتواجهها، واستطردت مُلقية بسيلٍ من التهم الحانقة عليه:
-وبدل ما يقف جمبي، يهون عليا اللي حصلي، رميني خالص، وشاغل عقله باللي خربت بيتي ...
سكتت للحظة لتثبط من اضطراب أنفاسها المختنقة، ثم كزت على أسنانها معاودة لومها له بعينين ناريتين:
-تلاقيه دلوقتي بيفكر يتجوز من تاني، ويعيش حياته، وإياكش أنا أولع
اعترضت عليها "هاجر" بحذرٍ، حتى لا تثور ثائرتها مجددًا:
-أنا مش معاكي يا "خلود"، "تميم" مش كده!!
نظرت لها ابنة خالتها بعدائية، في حين أكملت موضحة لها:
-ولا عمره بتاع بنات، ممكن أصدق أي حاجة عليه إلا كده، لا دي كانت أخلاقه، ولا تربيته.
علقت عليها بنظرات جامدة، وقد توقفت عن ذرف الدموع:
-إنتي مش عارفة حاجة.. طيبة زي تملي يا "هاجر"، أنا بأموت كل ثانية وهو مش جمبي فيها، حسي بيا يا "هاجر"، ده احنا بنات زي بعض.
هزت رأسها في تفهم، ثم انخفضت نظراتها نحو يد "خلود" التي قبضت على رسغها، ضغطت عليها الأخيرة بقبضتها، ورجتها بما يشبه التوسل:
-أنا عاوزاكي تساعديني أرجعه.
حملقت فيها باندهاشٍ مليء بالغرابة، وسألتها بترددٍ:
-إزاي؟
تعمدت "خلود" التهاوي بساقيها لتركع قبالتها على ركبتيها، رفعت أنظارها المغلفة بدموعٍ تنجح دومًا في استدعائها، حين حاجتها إليها، لتتسول عواطف الآخرين، انتحبت بصوت مرتفع، واستعطفتها بصوتٍ ذليل:
-عشان خاطري يا "هاجر"، اقفي جمبي، ماترفضيش بالله عليكي.
حاولت الأخيرة سحب يدها من بين أصابعها التي تشدها، وفي محاولة يائسة منها لإجبارها على النهوض، تمكنت "هاجر" من إيقافها، ثم ردت عليها بقلة حيلة:
-وهو أنا في إيدي حاجة؟ يعلم ربنا مقطعاه تقريبًا، وعمالة ألومه في الرايحة والجاية.
لهج لسانها وامتزج عبراتها بمخاط أنفها، وهي تزيد من ضغطها عليها برجائها المُلح:
-خليه يرجعلي، أنا بأموت من غيره، وحياة ابنك "سلطان"، اتكلمي معاه، قوليله مراتك بتحبك، مراتك مستعدة تسامحك، بس يردني ليه، إن شاءالله أكون خدامة تحت رجليه.
تفاجأت "هاجر" من حالتها التعيسة، بدت لوهلة مصدومة من وضعها، اعتبر ما تمر به يقطع نياط القلوب، ويدفعك للتعاطف مع ظروفها غير العادلة، بسبب إخلاصها الشديد وتفانيها في حبها، هزت رأسها بالموافقة، قبل أن تؤكد لها علنًا، ودون إعادة تفكير:
-من غير ما تحلفيني بيه، أنا هاعمل اللي عليا، وربنا يقدم اللي فيه الخير.
برزت ابتسامة امتنانٍ باهتة على محياها، واكتفت بعدم إضافة المزيد، عل إلحاح من حول "تميم"، والإشارة لبؤسها الموجع، وقهرها المفطر للقلوب، يعيده إليها.
.......................................................
أصغت لأكاذيبه والترهات التي لم يتوقف عن الثرثرة بها، منذ لحظة عودته إلى المنزل، مدعية تصديقها له؛ لكن حدسها يؤكد لها النقيض، لم تبتسم، وبدا وجهها خاليًا من أي تعبير غريب، بل على العكس قالت له بنبرة عادية؛ وكأنها تهتم لأمره:
-الله يكون في عونك يا خويا، غير هدومك كده وروق على نفسك.
مسح "خليل" عرقه الزائد المتصبب على جبينه، بمنديل قماشي مصنوع من القطن، لعق شفتيه، وتابع كذبه:
-والله يا "حمدية" الواحد بيتعب جامد في شغله، نفسي أسيب الهم ده كله وأركز في الدكان الجديد.
ببرودٍ مريب قالت له:
-وماله يا "خليل"، شوف المصلحة فين وأعملها.
ابتسم مضيفًا:
-تسلمي يا "أم العيال"..
ثم تنهد في تعبٍ، وأكمل؛ وكأنه يوضح لها باقي روتينه:
-هاخش الحمام أخد دش، لأحسن جسمي معفر من الطريق، وبعد كده هاقعد معاكي إنتي والعيال، وآخر النهار هنزل عند "آمنة" اعرف منها الجديد.
علقت بكلماتٍ موحية، أظهرت التوتر على ملامحه:
-الجديد كله عندي.
ابتلع ريقه، وسألها:
-قصدك إيه؟
أجابته بنفس الهدوء المربك له:
-متخدش في بالك يا "خليل"..
وأشارت له بيدها، حين تكلمت مضيفة:
-ابقى شوف السخان حرارته عالية ولا لأ.
حرك رأسه بإيماءة صغيرة، وخطا في اتجاه الحمام مكملاً حديثه له، بما يشبه الوعد:
-لما ربنا يفرجها معانا، هنبقى نجيب سخان غاز نركبه بدل التعبان ده.
قالت بوجهٍ جامد التعبيرات:
-إن شاء الله ..
رافقته "حمدية" بنظراتٍ غريبة، توحي بنوايا غير بريئة مطلقًا، وما إن اختفى في الداخل حتى توعدته:
-قالوا للبومة كام مهرك، قالت 10 بيوت خراب، وأنا هاخربها عليك يا "خليل"، لو طلعت متجوز عليا!!
.......................................................
سكونها كان ظاهريًا؛ لكن بداخلها كان كل التخبط الذي لا يمكن تخيله، ما رفضته، وأصرت على عدم القبول به، لكونه يجبرها على اختيارات لا تروق لها، اليوم ترتضي به، وبخنوعٍ يناقض شخصيتها المتمردة على ما هو عقيم. أشاحت برأسها للجانب، بعد أن اكتفت من التطلع لزرقة المياه المغرية، وعادت لتطلع إليه، بابتسامته المنمقة، وهيئته اللبقة، لم تمس "فيروزة" كأس مشروبها البارد، والذي تحول للسخونة بفعل حرارة الجو، واحتفظت بصمتها المغلف بابتسامة مرسومة بعناية، خلال محادثة "آسر" لها، في نفس المطعم الذي اجتمعت به توأمتها مع زوجها وأقربائه .. يا للسخرية! الزمن يعيد نفسه، مع فارق أنها تجلس كعروسٍ مستقبلية، لشخص لا تكن له أي مشاعر، ولا تشعر نحوه حتى بقدرٍ من الانجذاب .. انتفاضة منزعجة سرت ببدنها، وقد تجرأ مُضيفها على لمس كفها المستريح على الطاولة، سحبته سريعًا للخلف في صرامةٍ وتحفظ، أسندته في حجرها، لتمنعه من تكرار الأمر، وعلى عكس ما توقعه، بدا "آسر" هادئًا، لم يظهر على تعابيره المسترخية أدنى تغيير احتجاجًا على جمودها المتشدد معه، تركزت نظراتها المحملة بالكثير على وجهه عندما سألها:
-تحبي ننزل امتى ننقي الشبكة؟
ردت بهدوءٍ، وتاركة لها حرية الاختيار؛ وكأن الأمر لا أهمية له لديها:
-الوقت اللي يناسبك.
استند بمرفقيه على الطاولة، بعد أن أبعد فنجان قهوته، بادلها النظرات المهتمة، وقال:
-أنا معاكي في اللي تختاريه يا "فيروزة".
تنهيدة بطيئة لفظها من جوفه، ليكمل بعدها:
-بس أتمنى نخلص كل حاجة بسرعة، إنتي عارفة بعد كتب الكتاب لازم أسافر، عشان أرتب للإقامة بتاعتك، وبعد كده أبعت أجيبك، وآ..
أعطته جوابًا صريحًا:
-هسأل ماما، وأرد عليك.
أومأ برأسه معقبًا عليه، وابتسامته ما تزال تحتل شفتيه:
-تمام ..
ســاد الصمت من جديد، وعادت "فيروزة" لتدير رأسها بعيدًا عنه، وتحدق في أمواج البحر المتقلبة، في فترة وجيزة تبدلت الأمور عليها؛ ما بين سعيها لإقامة مشروع شبابي يدر عليها المال، وبين معاناتها لحرق حلمها، وبيعه بسعر زهيد، ليتبع ذلك إذلالها بين الأقرب إليها، وأخيرًا تجربة الحبس المهينة، لمحات غير مضيئة مرت بحياتها أضفت المزيد من السواد عليها، انتشلها "آسر" من استغراقها في تفكيرها المرهق لروحها، نظرت إليه مرة أخرى، وقد استطرد متجاذبًا معها أطراف الحديث:
-أنا عاوز أسألك في حاجة، بس متردد شوية.
سمحت له قائلة:
-اتفضل.
سألها بصراحةٍ، ونظراته الحذرة تدور على ملامحها، لتلاحظ ردة فعلها:
-هو إنتي زعلانة عشان مش هنعمل حفلة للخطوبة أو حتى للفرح؟ أكيد إنتي بتحلمي بليلة مميزة زي أي عروسة، وده طبيعي.
بمنطقية بحتة أجابته، ودون أن تتأثر تعبيراتها:
-إنت هاتكون مش موجود، أعتقد مافيش داعي ليه، الفرح مش هايكون ليه لازمة من غير وجود العريس.
كانت محقة في رأيها، وأيدها مدعيًا حزنه:
-فعلاً.. اللحظة دي مهمة عندي زي ما هي عندك، بس أنا أوعدك هاعوضك.
حركت شفتيها لتظهر ابتسامة مجاملة، بينما أخبرها "آسر" وهو مسبل عينيه نحوها:
-"فيروزة"، أنا عايزك تتأكدي إنك هاتكوني أكتر واحدة سعيدة معايا.
ظلت ابتسامتها المصطنعة كما هي على ثغرها، وهي ترد:
-إن شاءالله.
أرجع ظهره للخلف، واعترف لها بحماسٍ:
-الصراحة متوقعتش إني أقع في الحب بسرعة كده، ومن أول لحظة شوفتك فيها مع "علا".
تنحنحت بخفوتٍ، ورمشت بعينيها قبل أن تتشجع لتبوح له:
-أنا حابة أكون صريحة معاك، أنا لسه مش حاسة ناحيتك بحاجة دلوقتي، يعني بأقدرك، وأحترمك، جايز مع الوقت آ...
قاطعها بشكلٍ مفاجئ:
-أنا مش مستعجل، المهم نكون سوا يا حبيبتي.
قطبت جبينها، وضاقت نظراتها في استنكارٍ، فاستأذن منها، وهو يبتسم:
-اسمحيلي أقولك يا حبيبتي..
اعتذرت منه بجديةٍ بائنة في قسماتها، وكذلك نظراتها:
-ممكن ماتقولهاش غير لما تبقى العلاقة بينا رسمية، ده أفضل.
اعترض بلطفٍ:
-أنا عارف كلها كام يوم وهنكون سوا، بس مش قادر أستنى، أنا مجنون بيكي.
تحرجت من اعترافاته الهائمة بها، لم تعتد على مثل ذلك، فتجنبت الخوض معه في جدال، ربما سيسير في اتجاه حميمي أكثر إن استمرت في الاعتراض عليه، وللمرة الأولى امتدت يدها، وتناولت الكأس، بللت جوفها بالمشروب الطبيعي المنعش، وسألته بعدها:
-إيه اللي عجبك فيا؟ أنا عادية جدًا، معنديش حاجة مميزة، في مليون بنت غيري تقدر تتقدملها، وأكيد ظروفهم أحسن مني.
صمت لبرهةٍ، وعيناه مثبتتان على وجهها؛ وكأنها تدرسانه، ليقطع سكوته اللحظي معترفًا لها بصدقٍ؛ وإن كانت نواياه خبيثة:
-لأنك يا "فيروزة" مختلفة عن أي حد عرفته.
.....................................................................
على الجانب الآخر، جلست "همسة" مع والدتها على طاولة ثنائية، وإلى يسارهما جلست "حمدية" بصحبة زوجها، على طاولة منفصلة، ركزت الأولى كامل انتباهها مع توأمتها، وخطيبها، بدت سعيدة للتجاذب اللطيف بينهما، وإن كان خاليًا من أي حماس؛ لكنه مُرضي للطرفين، مالت نحو والدتها، ليبدو صوتها مسموعًا إليها، وهي تقول لها:
-حلوين أوي يا ماما، شكلهم يفرح القلب، تحسيهم لايقين على بعض.
التفتت "آمنة" لتنظر نحوهما، وردت بإيجازٍ:
-ربنا يهنيهم.
أراحت "همسة" جانب وجهها على باطن كفها، وتطلعت إليهما بمحبةٍ، قبل أن تواصل حديثها:
-يا رب.. بجد "فيروزة" تستاهل كل خير.
لم تكن ملامح والدتها بالسعيدة مُطلقًا، فقد رأت جريرة رفض ابنتها الأولي له كخطيب، وشعرت بأنها مرغمة على القبول به، لتنأى بنفسها من شر ابن عمها، وإن كان يعني ذلك تعاستها، دمدمت بأنفاسٍ مهمومةٍ، والضيق يكسوها:
-طول عمرها حظها قليل.
استغربت ابنتها من التشاؤم البادي عليها، واعترضت بصوتٍ خفيض:
-ماتقوليش كده يا ماما، كل واحد بياخد نصيبه، وأنا واثقة إن "فيرو" هتلاقي مع "آسر" كل اللي كانت بتتمناه.
همهمت بفتورٍ:
-يا ريت.
استدارت "همسة" برأسها للجانب الآخر، وألقت نظرة على "خليل" وزوجته، كانا مشغولان بتناول الطعام الشهي، احتلت الأطباق المليئة بالأصناف المختلفة مساحة الطاولة بالكامل، وهذا غير اعتيادي على خالها، حيث كان الأخير حريصًا كل الحرص على عدم إنفاق ماله إلا في الضرورة القصوى، وبمعايير معينة، واليوم ينفق بسخاء شديد، مطت فمها في دهشةٍ، ثم أبعدت نظراتها لتهمس لوالدتها، بنوعٍ من التهكم:
-أومال خالي واخد جمب مع مراته ليه؟ مش بعوايده يدلعها كده، جايبلها أكل غالي، وحلويات وعصاير، ده يتحسد.
بدت غير مبالية وهي تجيبها:
-جايز بيعوضها عن غيابه.
لم يكن بالرد المقنع، فكتفت ساعديها، وتساءلت باهتمامٍ فضولي:
-تفتكري؟!!
نهرتها والدتها عن التدخل فيما لا يعنيها مشددة عليها بنظراتها، وأيضًا بنبرتها:
-مالناش دعوة بيهم، هما أحرار.
ثم طردت الهواء الثقيل من صدرها، ونطقت بتعب:
-خلينا نشوف هنعمل إيه بعد كده، لسه ورانا حاجات كتير تخص جوازة أختك.
.....................................................
بطيئة كأدهر، انقضت الليالي عليه كل واحدة تشبه الأخرى، بما فيها من كآبة، وأحزان، لم يترك نفسه لعقله، أرهقه بإغراقه في المزيد من الأعمال المستنزفة لقواه، ليعود مساءً إلى فراشه، غير قادرٍ على الحركة أو التفكير، فينام مانعًا الأحلام من زيارته .. عكف "تميم" على مراجعة دفتر آخر، بعد أن اكتشف عدم تطابق البيانات والأرقام في الدفتر الأول، قارنه بالفواتير المجمعة في ظرف قديم من اللون الأصفر الداكن، والتي من المفترض أنها تخصه، لاحظ وجود نفس الفروق على فترات متزامنة، ليست متعاقبة؛ لكنها متكررة بطريقة تدعو للاسترابة، ناهيك عن ضياع بعض الفواتير ذات القيم الشرائية العالية. لف يده خلف رأسه، ليضعها على عنقه، ويفرك بها فقراته المتيبسة، مرددًا لنفسه:
-الحكاية دي مش طبيعية، مش مرة والسلام!
قلب في الفواتير مجددًا، وفتش في الدرج السفلي الذي تتواجد به الأظرف، باحثًا عن فاتورة ضائعة، أو أخرى تائهة بين مقتنياته؛ لكن لا شيء، مما ضاعف من حيرته، توقف عن البحث، وأرجع ظهره للخلف ليريحه، متابعًا حديث نفسه؛ وكأنه توصل لاستنتاج ما:
-إما إن في حد بيسرقنا، يا حد بيعمل شغل من ورانا.
أنهكه البحث عن التفسير المنطقي للتلاعب البائن في الأوراق التي فحصها، وبالتالي لم ينتبه لمن يراقبه في الخلف، غامت تعابير "محرز"، وتوحشت نظراته، بخطواتٍ حثيثة، انسحب قبل أن يلحظه وهو يتوعده:
-هو لو فضل على الحال ده، كل حاجة هتتكشف، يبقى لازم أتغدى بيك قبل ما تتعشى بيا.
كالمذعور قفز في مكانه حين باغته "هيثم" متسائلاً من خلفه:
-بتعمل إيه يا "محرز"؟
استدار نحوه بوجهٍ مفزوعٍ، وادعى بالكذب، وهو يحاول لملمة شتاته:
-بأراجع الطلبات اللي ورانا في دماغي، الشغل اليومين دول كتير والحمدلله.
حك "هيثم" طرف ذقنه معلقًا عليه بطرافة:
-إيه يا عم هتحسدنا ولا إيه؟!
رمقه بتلك النظرة الحادة قبل أن يوبخه:
-أنا عيني شبعانة طول عمرها، الدور والباقي عليك، يوم هنا، ويوم في أجازة، تقولش موظف شغال في الحكومة.
رد عليه بتعصبٍ:
-هو بمزاجي يا "محرز"؟ ما إنت عارف المشاكل اللي واقعة اليومين دول، ده غير أخت الجماعة هتتجوز.
كان في البداية غير منتبه لجدالهما الصاخب؛ لكن إفصاحه عن قرب زواج "فيروزة"، وتطرقه إلى سيرتها، دفعت حواس "تميم" للتيقظ كليًا، واشتعلت بروحه المعذبة، تلك النيران التي تلتهم صموده الزائف، وتزيد من تحطيم فؤاده، جاهد بكل ما امتلك من بقايا قوى وعزيمة على تجاهل ما يخصها؛ لكنه فشل، دومًا تسحبه إلى دوامتها المهلكة؛ وكأنها تعرف من أين تُجيد تعذيبه. عض على شفته السفلى، كاتمًا مشاعر الحنين لحبٍ لا أمل فيه، وخنق بقساوةٍ دمعة غادرة فرت إلى طرفه، ليهب بعدها واقفًا، ودافعًا مقعده الخشبي للخلف، قبل أن يلتفت نحوهما ليصيح بهما بخشونة:
-ما كفاية رغي بقى، وكل واحد على شغله، البضاعة لسه في سوق الجملة، عايزة تتشحن على التلاجات.
نظر "محرز" في اتجاهه، وقال بوجومٍ:
-أنا واخد الرجالة وطالع على هناك..
ثم التفت ناحية "هيثم" ليسأله:
-جاي معايا؟
هز رأسه بالنفي وهو يرد:
-لأ، رايح مع الجماعة مشوار عند الجواهرجي، ولو خلصت معاهم بدري هحصلك.
انفلتت أعصاب "تميم" بعد جملته العفوية تلك، بدا في تصرفه المنفعل عليه، وكأنه قنبلة نُزع فتيلها للتو، فامتلأت الأجواء بالبارود الحارق، حيث صرخ به:
-نسيبنا من شغلنا، ونركز مع موال جماعتك يا "هيثم"، ده مال ناس، ومصالح، ولا عايزنا نجيب ضرفها بدري؟!
رد عليه بأسلوبٍ شبه هازئ:
-لأ يا معلم، مش هتوصل للدرجادي، أنا بردك خايف على المصلحة .. وبعدين هانت .. كلها يومين وتتفض الليلة دي كلها.
طعنه بكلماته الأخيرة دون أن يدري، فاحترق أكثر، وانكوى بنيران هجرٍ لن يتذوق مرارته سواه، بلغ تلك الغصة التي تشكلت في حلقه، وقال بجمودٍ منهيًا الحوار، ومستديرًا بظهره ليبتعد عنهما:
-يكون أحسن.
ركل "تميم" المقعد بقدمه في عصبيةٍ، فأسقطه أرضًا، مما سبب صخبًا مزعجًا، وجمع الدفاتر معًا، ليعيدها في مكانها بالخزينة، قبل أن يغلقها وينصرف. تابعه كلاً من "محرز" و"هيثم" بنظراتٍ متعجبة، فتساءل الأول في استغرابٍ:
-هو ماله ده؟
أجاب الأخير بنفس الحيرة:
-مش عارف!
ربت "محرز" بيده على ذراعه، وأضاف، وقد همَّ بالتحرك:
-طيب خليك إنت هنا، وأنا ماشي.
اكتفى بهز رأسه، وظل ماكثًا في الدكان يدير حركة العمال، بعد ذهاب الجميع.
.........................................
-لسه زي ما إنت؟
تساءل "محرز" بتلك الجملة الساخرة وهو يدفع الباب ليلج للسطح، ليجد "نوح" ما زال يدخن تلك النارجيلة المشبعة بالمواد المخدرة، وهو يجلس مستلقيًا على الوسائد الأرضية، انضم إليه، وجذب منه خرطومها ليسحب نفسًا عميقًا يختبر به مدى جودة المنتج، أطلق الدخان في الهواء، وقال في مدحٍ:
-حتة أصلي يا صاحبي.
قال بتفاخرٍ، وهو يستعيد خاصته ليستنشق دخانها:
-إنت عارفني، في المزاج أستاذ.
أثنى عليه "محرز" بهدوءٍ:
-طبعًا.
ثم مد يده ليتناول إحدى زجاجات البيرة، نزع غطائها، وألقاه على الأرضية، ثم تجرع ما بها في جوعه، لتتقلص عضلاته مع مذاقها اللاذع، أدار رأسه في اتجاه رفيق السوء، عندما تساءل بفتورٍ، وهو يضبط حجر الفحم المتقد ليزيد من وهجه:
-ها .. السبوبة إيه المرادي؟ نقلة جديدة؟
نفى موضحًا بغموضٍ مثير:
-لأ، حريقة كبيرة.
بدا من حديثهما المتبادل في اقتضابٍ، أنها لم تكن المرة الأولى التي يتشاركان فيها في أعمالٍ غير مشروعة، تساءل "نوح" بفضولٍ، وقد أظهر استعداده للمشاركة:
-حلو .. فاضي ولا مليان؟
رد غامزًا له بابتسامة منتشية:
-مليان يا بونط.
حرر "نوح" أنفاس الدخان من صدره، وقال بتلميحٍ متوارٍ:
-كده الفيزيتا (التكلفة) هتعلى!
أكد له بثقةٍ ملموسة في صوته، وتعابيره المستريحة:
-متقلقش.. هنتراضى كويس.
تساءل، وخرطوم نارجيلته بين شفتيه:
-زي الفل، الكلام على مين بقى؟
جاوبه بغموضٍ، ونظراته تحولت للقتامة:
-واحد حبيبك..
سأله مستفسرًا، قبل أن يسحب نفسًا آخرًا عميقًا، حبسه للحظات في صدره المحترق:
-مين يعني؟
ثوانٍ لم تتجاوز أصابع اليد الواحدة صمت خلالها، لينطق بعدها مفصحًا عن هوية الضحية الجديدة:
-"تميم"، ودكانه.
بمجرد الإعلان عنه، هبطت الصدمة غير المتوقعة على رأسه، لتصيبه بالارتباك والذهول، اختنق بدخان نارجيلته، وسعل بقوةٍ جارحًا أحباله الصوتية، بصوتٍ مبوحٍ مختلط ببقايا الدخان والسعال، سأله في توجسٍ مندهش:
-نعم .. "تميم" بتاعنا؟ ابن الحاج "بدير"؟
حرك "محرز" رأسه بإيماءة بسيطة، دون أن يبدو عليه التعاطف معه، وقال مؤكدًا –وبحسمٍ- وتلك اللمعة الشيطانية تتراقص في نظراته:
-أيوه .. هو المغضوب عليه ..................................... !!!
..............................................................
يتبع >>>>>>>>
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الثلاثون 30 - بقلم Manal Salem
الفصل الرابع والستون
كان من العسير عليه، أن يستوعب فكرة التخلص من أحد أهم رجــال منطقتهم الشعبية، ممن يملكون الصيت القوي، والسلطة غير المحدودة، ناهيك عن سيرة واسعة النطاق، بين أوساط رجال السوق، والتجار الثقال. ظل "نوح" باقيًا على حالته المندهشة، محدقًا في وجه "محرز" بنظراته المصدومة، لعق شفتيه، وسأله مجددًا، ليتأكد من كونه لا يهزئ، وأن مفعول المخدر لم يعبث برأسه حقًا:
-إنت بتكلم عن المعلم "تميم" بتاعنا؟ مش حد تاني؟ ولا ده المدعوق اللي بأشربه؟
أجابه ببرود، وهو يحرر دفعة أخرى من الدخان من صدره:
-أيوه هو!
دعك وجهه بيده المتعرقة، وصاح متسائلاً في توترٍ:
-طب ليه؟ وعشان إيه؟
استوى على المقعد الهابط، واسترخى أكثر عليه، قبل أن يجيبه بغموضٍ، وبلهجةٍ شبه آمرة:
-من غير ما تسأل، وتوجع دماغنا، نفذ على طول
ثبت عينيه عليه، وأظهر تردده بوضوحٍ عندما أكمل:
-بس الحكاية كده ماتطمنش، طول عمر المعلم جدع معانا، وآ...
قاطعه بجمودٍ، وتعابيره القاسية بائنة للعيان:
-ساعته أزفت، كفاية عليه كده!
اعترض بنفس الخوف البائن في نبرته:
-بس آ...
تلك المرة قاطعه بحزمٍ، ليقطع عليه السبل للتراجع:
-بأقولك إيه، ماتلوكش كتير، واعتبره زي أي مصلحة بنخلصها، الفرق هناخد سبوبة زيادة.
ورغم هذا رد "نوح" بتوجسٍ مفزوع:
-ده احنا هنهيج علينا الدنيا كلها، المعلم "تميم" مش واحد عوأ والسلام، ده آ....
توقف عن الكلام ليبتلع ريقه؛ لكن "محرز" مد ذراعه ناحيته، ووكزه برفقٍ فيه، ثم غمز بطرف عينه يستحثه:
-ماتخافش، وخلي قلبك جامد، دي زي طلعات زمان.
لم يخبت خوفه، بل زاد عليه موضحًا هواجسه:
-ده أنا لازم أخاف، وأعمل حسابي مليون مرة، ده المعلم "تميم"، هو إنت بتكلمني عن واحد صايع، ولا موظف كحيان، ده ليه شنة ورنة!
سأم من خذلانه الواضح، وهدر به يوبخه:
-يخربيت المعلم زفت بتاعك ده، فلقت دماغي بيه...
ثم لانت نبرته قليلاً، حين استخف به:
-ده ولا يقدر يعمل أي حاجة، صدقني، اللي زي "تميم" ده من بتوع الصيت ولا الغنى.
تساءل "نوح" ببساطة، وقد رأى مدى بغضه له في حدقتيه:
-للدرجادي إنت بتكرهه؟!!
رمقه "محرز" بتلك النظرة النافرة، قبل أن يبعد نظراته عنه، وعلق بفتورٍ:
-لا كره ولا محبة، أنا مع المصلحة مطرح ما تكون!
لم يسترح لرده، ولا للمسألة برمتها، شعر أنها ستكون بداية النهاية لمسيرتهما غير المشروعة، لفظ زفيره ببطءٍ من صدره، وهمهم بارتعابٍ معلوم أسبابه:
-استرها علينا يا رب!
.........................................................
تصدع غير مرئي شعرت به في علاقتها معه، رغم تلك الابتسامات المنمقة التي تغطي محياها، لتُشعر من حولها أنها حقًا تهتم لأمره، أغدق عليها بكل ما تحتاج إليه الفتاة؛ من المحبة، الاهتمام، والتفاهم، ليستحوذ عليها قلبًا وقالبًا؛ لكن علاقتهما افتقرت إلى الانسجام، والتناغم. لم تجد روح "فيروزة" الضائعة نصفها المكمل في شخصه الهادئ، بدا بأسلوبه المنظم والدقيق غريبًا عنها، وإن كان يسعى بشتى الطرق ليشعرها بقربه، وتواجده في محيط حياتها، بذلت جهدًا مضاعفًا لتجبر عقلها، وقلبها –معًا- على فكرة تقبله، وكان ذلك من الأمور المستعصية عليها، مذكرة نفسها أنه لم يفعل ما يسئ لها مطلقًا، دومًا يعاملها بلباقةٍ وتهذيب، يمنحها معطيات السرور الأولية، لهذا بعقلانية رجحت كفة الميزان المنطقية، واستمرت في مسعاها لإتمام زيجتهما.
زيارة شبه يومية كان يقوم بها، ليحرص على إنجاز ما تم الاتفاق عليه أولاً بأول، وفي مرته تلك، جلس منفردًا بها في غرفة الصالون بمنزلها، إحساسًا من الرهبة اتخذ طريقه إليها، وتسلل أسفل جلدها، بعد أن منحها مظروفًا مغلفًا يحوي الأوراق التي تخص سفرها، رفعت أنظارها لتتطلع إليه، وهو يوضح لها بابتسامته الثابتة:
-كل حاجة مترتبة يا "فيروزة"، مش ناقص بس غير إنك تنوريني في بيتنا المتواضع في "دبي".
بادلته نظراتٍ تائهة، لم يكن بالمازح حين أخبرها أنها ستنتقل للإقامة معه بعد عقد قرانهما، ببضعة أسابيع، قطعت صمتها اللحظي لتسأله:
-هو لازم أسافر؟
رد "آسر" متسائلاً، بنوع من العتاب الممتزج باللؤم:
-يعني ينفع كل واحد فينا يفضل في بلد؟
بدت تعبيراتها غير مسترخية وهي تعقب عليه:
-أنا كنت مفكرة هنكتب الكتاب، ونقعد فترة، عقبال ما نوضب بيتنا هنا، ونتجوز فيه، وبعد كده نسافر سوا.
أكد لها بابتسامة أكثر اتساعًا، تناقصت مع استمراره في حديثه:
-ده هيحصل، وبيتي موجود زي ما قولتلك...
تنهد سريعًا، وعلل لها ساردًا أسبابه:
-بس هياخد وقت في التوضيب، لأنه قديم، فمالوش لازمة التأخير عشان أظبط مع شوية عمال، ومقاولين، وبتوع نجارة، ومش عايز أقولك إن كل يوم يدوني ميعاد شكل، ومافيش حد بيلتزم، ولا حاجة بتخلص في وقتها ...
ثم تجرأ ليمسك بيدها الموضوعة في حجرها، احتضنها بين كفيه، وأسبل عينيه نحوها قائلاً لها بتنهيدة بطيئة:
-وبعدين يا حبيبتي، أنا بعد الثواني عشان نكون سوا.
شعرت بقشعريرة مزعجة تجتاحها لمجرد تلمسه لها دون استئذانٍ، سحبت يدها سريعًا للخلف لتتحرر منه، وقالت بوجهٍ شبه عابس؛ كأنه تهذبه:
-لو سمحت، مش بحب كده.
هز رأسه بإيماءة متفهمة، وقال دون أن تخبو بسمته، وهو يعيد ظهره للوراء:
-براحتك .. وأنا مش حابب إني أضايقك.
وعلى حين غرة ولج "خليل" للداخل لينضم إليهما مرحبًا بضيفه:
-منور يا عريس.
استدار "آسر" برأسه نحوه، ورد مجاملاً:
-البيت منور بأصحابه دايمًا يا أستاذ "خليل".
سأله الأخير مستوضحًا:
-على ميعادنا الخميس الجاي إن شاء الله؟
هز رأسه بالإيجاب وهو يقول:
-أيوه، اتفقت مع المأذون يجي هنا على بعد صلاة العشا، وسلمته الورق المطلوب.
تصنع العبوس، وزفر الهواء بتمهلٍ، ليضيف بعدها؛ وكأنه حقًا يشعر بالتعاسة لأجلها:
-كان نفسنا نعمل حفلة وهيصة، دي بنتنا وفرحتها تهمنا.
تحولت أنظار "آسر" نحو "فيروزة" ليتأمل تعابيرها الواجمة، بدت غير راضية عن تذمر خالها، ومع ذلك استغل الفرصة ليكرر اقتراحه بهدوءٍ واثق:
-معنديش مشكلة .. لو "فيروزة" حابة، فأنا جاهز نحجز في أكبر فندق و آ.....
قاطعته حاسمة أمرها، بما لا يدع أي مجال للمناقشة:
-لأ مش عايزة، زي ما اتفقنا من الأول، أعدة عائلية على الضيق.
على أعتاب الغرفة، وقفت "حمدية" في سكونٍ حذر تتابع بتلصص ما يدور بالداخل، وعلامات الامتعاض تكسو وجهها، حدجتها بنظرة ساخطة مزدرية، وتمتمت من بين شفتيها بصوتٍ خفيض:
-وش فقر!
تنحنحت عاليًا بعدها وهي تكمل سيرها نحو الداخل، وصينية موضوع بها حلوى الجلي بالموز تحملها بين يديها، وضعتها أمام الضيف، وقالت مفتعلة الضحك:
-بص بقى يا سي الأستاذ دي عمايل إيدي، ولا أجدعها شيف فيكي يا جمهورية.
هتف مجاملاً، ونظرته المشرقة تضيء قسماته:
-ما هو باين من شكلها اللي يفتح النفس.
ضحكت مجددًا، وجلست إلى جوار "فيروزة"، ثم استطردت مضيفة بسماجة سخيفة:
-بس أنا زعلانة منك، إزاي تهاود عروستنا كده، وتعملها فرح سُكيتي؟ ده إنت مقامك عالي، وهي ..
تعمدت التباطؤ في كلماتها الأخيرة، وعيناها مرتكزتان على وجه "فيروزة"، لتراقب ردة فعلها بانتشاءٍ مستفز؛ وكأنها تريد تذكيرها بمذلتها الأخيرة، في بيت عمها، على يدها، ويد غيرها، من أجل كسر هامتها:
-بنت بنوت، وزي الفل.
ببساطة علق عليها "آسر":
-والله أنا مش ممانع.
نظراتها الوقحة، وتعابيرها الشامتة كانتا كفيلتان بإشعال جذوة غضبها، تلون وجهه "فيروزة" بحمرة نارية، وصاحت بها بعصبيةٍ، قاصدة إحراجها، وربما التشاجر معها:
-ممكن ماتدخليش، دي حاجة تخصني.
اغتاظت "حمدية" من هجومها عليها، خاصة أنها بدت متحفزة للتشابك اليدوي معها، وهيئتها أكدت استعدادها الفعلي للمضي قدمًا في ذلك، لذا التفتت نحو زوجها تشكوها له:
-شايف يا "خليل" بتكلمني إزاي؟ أل وأنا اللي عايزاها تفرح وتتبسط!
على ما يبدو لم يكن زوجها منتبهًا لها، فهاتفه المحمول كان في يده، وتركيزه بالكامل تقريبًا مع ما تم إرسـاله إليه عبر رسائل خطه، في حين ردت "فيروزة" بتشنجٍ، ونظراتها قد تحولت للقتامة:
-وإنتي مالك؟ دي حياتي أنا، خليكي في اللي يخصك وبس.
أشــار لها "آسر" بيده، راجيًا:
-اهدي يا "فيروزة"، الموضوع مش مستاهل ده كله.
للمرة الثانية أحرجتها أمام الضيف، فشعرت "حمدية" بمزيدٍ من الاستياء، وهتفت في زوجها:
-ما تقول حاجة يا "خليل"؟!!!
رفع الأخير نظراته المشغولة عن شاشة هاتفه، وأدرك أن كافة الأعين متجهة إليه، خاصة نظرات "حمدية" الحانقة، أومأت له برأسها في اتجاه ابنة أخته، ليقول بصوتٍ رخيم، وبجملة اعتراضية محايدة، محاولاً مجاراة المحادثة التي لا يدرك ماهية تفاصيلها بالضبط:
-جرى إيه يا "فيروزة"؟ ماتزعليش حد منك!
ردت عليه "حمدية" بتهكمٍ:
-ده اللي ربنا قدرك عليه؟
هنا تدخلت "آمنة"، وزجرتها بصرامةٍ:
-خلاص يا "حمدية"، زي ما بنتي تعوز هنعمل.
استغربت الأخيرة من تضامنها مع ابنتها، على عكس المعتاد منها، وقالت لاوية ثغرها بتأففٍ:
-هو أنا قولت حاجة غلط؟ على رأي المثل، العروسة للعريس والجري للمتاعيس.
نهض "خليل" واقفًا ليستأذن، بقليل من الربكة البادية عليه:
-معلش يا ابني، المدير طالبني في الشغل، هارد عليه في البلكونة، وراجعلك تاني.
أشــار له "آسر" قائلاً بتفهمٍ:
-اتفضل خد راحتك يا أستاذ "خليل".
لعق شفتيه، وقال مؤكدًا:
-دقيقة وجاي.
لم تسترح "حمدية" للتوتر الملبك الظاهر على تصرفات زوجها؛ كان مرتبكًا، متلجلجًا، يبدو وكأن به خطب ما، استراب حدسها الأنثوي بشدة، وانتظرت خروجه لبضعة لحظات، حتى تتبعه، وتفتش ورائه .. ســارت بخطواتٍ حثيثة، استندت بظهرها على الحائط الملاصق لنافذة الشرفة، وأرهفت السمع لهسيس صوته وهو يقول:
-حاضر يا "سماح"، إديني كام يوم بس، وهاقولها أي حِجة، وأجيلك.
غمامة مظلمة حلت على ملامح "حمدية"، والتي كانت تكتم أنفاس حنقها بصعوبة، مجهود يفوقها بذلته لتبدو ساكنة، وهي تكتشف حقيقة خيانته لها مع امرأة غيرها، وإن كانت زوجته، لا يحق لأخرى مشاركتها فيه، تصلبت في مكانها، ولازمت الهدوء، فلا ينتبه لوجودها، سمعته يقول لها بلهجة منزعجة رغم خفوتها:
-هعمل إيه يعني؟ خدي البت للدكتور يشوفها.
زفيره الطويل وصل إلى مسامعها، ليكمل بعدها منهيًا مكالمته:
-طيب هبعتلك فلوس بكرة في البريد، سلام بقى.
على عجالةٍ أخفت تعابير الغضب، وتراجعت بضعة خطوات للخلف، لتبدو وكأنها قد جاءت لتوها، ادعت اهتمامها الزائف بأمره، وسألته:
-في حاجة يا "خليل"؟
تفاجأ من وجودها، فردد بلعثمة متوترة، والعرق يغزو جسده:
-"حــ...حمدية"!
ببرودٍ متقن سألته، وكأنها لا تعرف الحقيقة المخبأة:
-وشك قلب كده ليه؟
لعق شفتيه الجافتين، وقال نافيًا:
-مـ.. مافيش.
رفعت حاجبها للأعلى، وتساءلت بابتسامة ساخطة، أخفت ورائها نيران حقدها:
-ها، المدير كان عايزك في إيه السعادي؟
تنفس الصعداء لاعتقاده أنها صدقت بسذاجة كذبته السخيفة، وأجابها بعبوسٍ:
-ده .. بيقولي إن بنته تعبانة، ونقلها المستشفى، واتحجزت هناك.
زمت شفتيها في أسفٍ، وتساءلت:
-يا حرام.. شوف إزاي؟ وده من إيه يا خويا؟
تنهد على مهلٍ، ثم جاوبها مسترسلاً في تجميل كذبته بوقائعٍ منطقية، علها تنطلي عليها:
-مش عارف.. بس باين من كلامه حالتها صعبة، واحتمال يغيب كام يوم، وبيرتب معانا الشغل هيمشي إزاي.
قطبت جبينها، وعلقت باقتناعٍ مفتعل:
-ده شكل الموضوع كبير.
أكد عليها بثباتٍ، بعد أن استعاد كامل هدوئه:
-الظاهر كده، المرض مالوش كبير.
ضاقت عيناها، وقالت:
-أيوه.
نظر إليها مضيفًا بشيء من الرجاء المختلط بالسخرية:
-عندك حق. ادعيلها يا "حمدية"، ده إنتي دعوتك مستجابة.
على ثغرها ارتسمت ابتسامة باهتة وهي ترد:
-أه طبعًا.
وقبل أن يختتم كلامه معها، أخبرها بحذرٍ، مترقبًا لردة فعلها:
-مش عارف بقى إن كان هيكلفني أقوم بالشغل مكانه ولا لأ.
أتاه تعليقها حياديًا:
-هنشوف يا "خليل"..
ثم ربتت على كتفه تستحثه:
-بلاش نشغل بالنا بحاجة لسه مجاش وقتها، وتعالى نشوف العريس اللي مستني جوا.
وافقها الرأي، وقال في استحسانٍ:
-معاكي حق.
تباطأت "حمدية" في خطواتها وهي تتبعه؛ لكن نظراتها نحوه أكدت أنها ستذيقه من الويلات ما لن يطيق مطلقًا.
..............................................................
أزاح المنشفة عن رأسه المبلل بعد تجفيف خصلاته تقريبًا، وألقى بها بإهمالٍ على فراشه، ليقف أمام المرآة، ويبدأ في تمشيطه، وترتيب المتنافر منه، وما إن انتهى "تميم" من إكمال ارتداء ثيابه، حتى خرج من غرفته، واتجه إلى غرفة الطعام؛ حيث شرعت شقيقته في رص الأطباق، استعدادًا لتناول الغذاء، ألقى عليها التحية متسائلاً:
-عاملة إيه يا "هاجر"؟ وحبيب خالو أخباره إيه؟
بوجهٍ شبه متجهم أجابته:
-الحمدلله.
كان متفهمًا لجفاء معاملتها معه، فتلك وسيلتها المكشوفة للضغط عليه، من أجل العودة إلى زوجته السابقة؛ لكنه لم يشتكِ من جمود تصرفاتها، وتقبل ما تفعله برحابة صدر، بينما تساءلت "ونيسة" بصوتٍ شبه عالٍ، وهي تضع صينية البطاطس بالفرن الساخنة في المنتصف:
-مش ناوي تتغدى معانا؟
هز رأسه بالنفي وهو يجاوبها:
-لأ يامه، كلوا إنتو بالهنا والشفا، أنا عندي شغل متلتل ورايا.
عقبت في تذمرٍ ساخط:
-أهوو كل يوم واجع قلبي كده، لا بترضى تاكل، ولا بقينا نشوفك، ولا كأنك تعرفنا، زي ما تكون قاعد في لوكاندة، تيجي تبات فيها آخر النهار، مش بيت أهلك ولا ...
ثم تطرقت للموضوع الآخر، والذي لا يحبذ سماعه مُطلقًا:
-حتى مش عايز ترد "خلود" الغلبانة تاني لعصمتك، ده البت بعد كل اللي حصل فيها لسه شرياك، هتموت نفسها عليك، وبتحبك، والله ما يرضي حد إنك تظلم مراتك كده!
حاول إجبار شفتيه على التقوس، والابتسام قليلاً، ثم صحح لها –ككل مرة- بأسلوب ساخر:
-ما بقتش مراتي يامه، دي بنت خالتي وبس، إنتي على طول كده ناسية؟!
حدجته بنظرة قوية مستنكرة، قبل أن تتنمر عليه:
-ده اللي فالح فيه، تتنأرز عليا بالكلمتين الخايبين دول.
أصر على قوله مشددًا عليها، علها تتخلى عن تلك الفكرة الميؤوس من حدوثها:
-ماهي دي الحقيقة اللي لحد دلوقتي إنتي مش قادرة تستوعبيها.
اِربد وجهها بالضيق من تعنته، والتفتت إلى ابنتها تُشركها في الحوار:
-قوليله حاجة يا "هاجر"، اتكلمي معاه إنتي، أنا جبت أخري، ومابقاش عندي حاجة أقولها.
وقبل أن تشرع شقيقته في لومه، بادر الجد "سلطان" متدخلاً، وهو يجلس على رأس المائدة:
-ما تسيبوا "تميم" في حاله، بلاش شغل الحريم ده عليه.
ردت عليه "هاجر" مبررة تصرفها:
-يا جدي احنا كلنا عايزين مصلحته، نفسنا نشوفه متهني في بيته وآ...
قاطعها معلقًا بنبرة هازئة:
-ومافيش إلا بنت "بثينة" عشان تعمل كده؟!
أطبقت على شفتيها في حرج، فتابع ملوحًا بذراعه:
-ما أكم (يوجد) في مليون بنت غيرها.
ردت عليه "ونيسة":
-احنا أولى بيها من الغريب.
أشاح بنظراته الباردة عنها، وقال:
-خليها للغريب، معدتش تنفعه.
كان "تميم" يراقب جدالهم دون أدنى تدخل منه، كان فاقدًا للرغبة في النقاش في أمر يستبعد كليًا تكراره، ابتسم بتلقائيةٍ، وارتخت ملامحه، حين أخبره جده:
-اتوكل على الله يا ابني، وسيبك من كلامهم، دي صفحة واتقفلت من حياتك.
هز رأسه في استحسانٍ، واستطرد بكلماتٍ مقتضبة:
-تسلم يا جدي.
ثم ودع والدته، التي لم تنبس بكلمةٍ، واتجه إلى خارج المنزل، ليتساءل بعدها "سلطان" موجهًا حديثه إلى حفيدته:
-وجوزك عامل معاكي إيه؟ معدناش بنشوفه خالص.
أجابته بتنهيدة متمهلة:
-الحمدلله، مشغول على طول يا جدي في الدكان.
رفع حاجبه للأعلى، وقال بابتسامةٍ ذات مغزى:
-يعني زي أخوكي، طفحان الدم، مش فايق لرغي الحريم، ولا مين طلق مين.
تلون وجهها بحمرةٍ حرجة من تلميحه الصريح، وتلعثمت وهي تبرر:
-أنا عاوزة الخير لأخويا.
أشار لها بعينيه قائلاً بصرامةٍ:
-أخوكي عارف مصلحة فين، وركزي إنتي في حياتك، وابعدي عن الوسواس الخناس خالتك!
على مضضٍ ردت:
-طيب.
.............................................
زيلت بيدها توقيعها بجوار اسمها في قسيمة الزواج الموضوعة أمامها، قبل أن تلطخ إبهامها بالحبر الأزرق لتختم به الأوراق، وأصوات الزغاريد تصدح حولها، ليتم الإعلان بهذا عن إتمام عقد قرانها. تلقت "فيروزة" التهنئات الغبطة من "همسة" أولاً، مصحوبة بقبلات حارة على جانب وجنتها، ثم تبعتها والدتها، وزوجة عمها، وصديقتها "علا"، بينما وقفت "حمدية" على الجانب ترمقها بنظراتها الحاقدة. كان التجمع عائليًا، ومحدودًا؛ المقربون فقط هم من حضروا، لم يتجاوز عددهم عن العشرين، تواجدوا في مطعمٍ شهير تم حجزه مسبقًا للاحتفال بالزواج.
التفتت "فيروزة" برأسها للجانب، عندما تحدث إليها عمها:
-مبروك يا بنت الغالي، بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.
وبوجه خالٍ من التعبيرات، ردت تجامله:
-أمين، شكرًا يا عمي.
وضع يده على كتفها، واعتذر منها:
-أنا مش عايزك تزعلي مني يا بنتي بسبب اللي حصل، أنا عارف إنك بنت أصول، ومتربية، بس الشيطان بقى وآ....
أفسد عليها –دون قصد منه- مزجها المتوتر مسبقًا، بكلماته المُحفزة، لذكريات ترفض وبشدة نبشها من جديد، لذا قاطعته مدعية كذبًا:
-خلاص يا عمي، أنا نسيت الموضوع ده.
ربت على كتفها بضربات خفيفة، وابتسم يمتدحها:
-ربنا يكملك بعقلك..
ثم صمت للحظة ليضيف بعدها:
-"فضل" كان عايز يجي، بس مراته تعبانة، عقبالك يا رب حامل.
بابتسامة متحفظة ردت:
-ربنا معاها.
انتهى من حديثه معها، لتتخذ "سعاد" دورها في إسماعها بعض التوصيات التقليدية من أجل حياة أسرية سعيدة، مستقرة، وهانئة، دقائق أخرى انقضت عليها وهي تجيد تمثيل اهتمامها بالإصغاء للجميع، حتى لمحت زوجها مقبلاً عليها.
تقدم "آسر" نحوها وهو يتأملها بنظراتٍ بطيئة، متمهلة، مليئة بالإعجاب، تجول بعينيه على ثوبها الكريمي الرقيق الخالي من البهرجة، أو الزينة المبالغة فيها، كان قماشه مدعمًا بطبقاتٍ من التل المتراصة فوق بعضها البعض، ليمنح الثوب كثافة مقبولة، فتزيده حجمًا من الخصر، وصولاً للأسفل، أما كتفيه فكانا يغطيان ذراعيها بالكامل، وفتحه صدره لا تكشف إلا عن عنقها فقط، لاق الثوب بها كثيرًا. ارتفعت أنظاره نحو تفاصيل وجهها، مسحة ناعمة من مساحيق التجميل ازدانت بها بشرتها، فمنحتها المزيد من الجمال الباعث على السرور في النفس، كما أنها لم تحرر خصلاتها، وعقدتها في كعكة تدلت لأسفل رأسها، مزينة بطوقٍ من الإكسسوارات الذهبية، ووضعت مشبكًا رقيقًا، على جانب شعرها، تصميمه كان كما تحب؛ لطاووسٍ صغير.
ابتسم بعذوبةٍ وهو يمد يده ليمسك بكفها، رفعه "آسر" إلى فمه ليقبله في لباقةٍ تحرجت منها للغاية، لكونه يفعل ذلك علنًا، ثم مال نحو صدغها برأسه، ليبدو صوته قريبًا من أذنها، وهمس لها:
-زي القمر يا "فيروزة".
ردت بابتسامةٍ صغيرة:
-شكرًا.
رفع ذراعه للأعلى تقريبًا، وبخفةٍ مسد على شعرها، وكأنه يسويه، شعرت "فيروزة" بيده تنتزع مشبك رأسها من الجانب، اختفت ابتسامتها، وتطلعت إليه باندهاشٍ مستنكر، وقبل أن تعترض على تصرفه، كان مشبكها في راحته، يخبئه بداخلها، حاوطها بذراعه من خصرها، وظلت أنظاره مثبتة على وجهها المتقلص عضلاته، ابتسم موضحًا لها بصوتٍ خفيض:
-شكله رخيص، وبلدي أوي عليكي.
ردت بتحفظٍ محتجة على رأيه:
-بس عاجبني.
أومأ برأسه بحركة خفيفة، وقال ملطفًا:
-هاجيبلك الأحسن منه، ده مافيش حاجة تغلى عليكي يا حبيبتي.
اتسعت ابتسامته أكثر، وغمز لها بطرف عينه، قبل أن يقول بعبثيةٍ:
-دلوقتي من حقي أقولك يا حبيبتي.
من المفترض –وفي تلك الليلة- أن تسعد "فيروزة" كثيرًا لمشاعر الحب الودودة المحاصرة لها، وكذلك لتلهف زوجها على التودد إليها؛ لكنها لم تشعر بمظاهر السعادة تجتاحها مطلقًا، فقط أحاسيس الانقباض، والخوف من المجهول، وبدا ذلك مُربكًا لها.
ارتفع صوت الموسيقى، فأرخى "آسر" قبضته عن المشبك، ليلقيه بغير مبالاة على الأرضية، تحرك بخفةٍ في اتجاهه، ودعسه بقدمه ليحطمه بكعب حذائه، وفي غفلة منها، وكأنه تخلص من قمامة، لا قيمة لها.
...........................................
بقلبٍ مكسورٍ، وروحٍ محطمة، وعينين تحبسان الدمع فيهما، اختبأ "تميم" كاللصوص، في تلك البقعة المعتمة نسبيًا، في سيارته، وعلى مسافة جيدة من هذا المطعم تحديدًا، حيث تكشف حوائطه الزجاجية عما يدور بالداخل للمارة في الطريق، رأها توقع صك ملكيتها لغيره، ولم يجرؤ على إبعاد نظراته عنها، ومع سماعه لانطلاق أصوات الزغاريد، ذرف الدموع قهرًا، فالحقيقة أصبحت نافذة، لم ولن تكون له أبدًا، تبخرت الأحلام البسيطة، وتلاشت في معترك الحياة الأليمة، أما الوحشة فعادت لتحتل قلبه وتغلفه، اشتدت أصابعه على عجلة المقود، وقال لنفسه بحزنٍ؛ وكأنه يواسيها:
-هي خلاص اختارت طريقها، وحتى ماتعرفش أصلاً إني .....
بتر اعترافه بعشقه المنفرد، قبل أن تتجرأ شفتاه على النطق به، تنفس بعمقٍ، ومسح بظهر كفه وجهه المبتل، ثم قال في أسفٍ، كما لو كان يناجي المولى، وبنبرته الحزينة:
-يا رب أنا ما عمريش طلبت حاجة لنفسي مخصوص، طول عمري بأفكر في غيري، وضحيت بسنين من عمري عشان غيري...
نشج صوته أكثر، وغلفه المزيد من الشجن، وهو يتابع:
-هي الحاجة الوحيدة اللي اتمنيتها من كل قلبي.. بس راحت خلاص مني..
انسابت دموعه الحرقة مرة أخرى تأثرًا بابتعاده المحتوم عنها، والذي بدا وكأنه دوامة ساحقة للروح من العذاب الأبدي، نكس رأسه منتحبًا في أنينٍ خافت، وأنهى سلوان نفسه مرددًا بعينين ارتفعتا ببطءٍ نحو السماء:
-أكيد يا رب ليك حكمة في كل اللي بيحصلي، أنا راضي بقضاءك، فصبرني عليه.
أخفض حدقتيه المشبعتان بعبراته ليراها تحملق أمامها بشرودٍ، التقت عيناه -وسط العتمة التي يختبئ بداخلها- بنظراتها الضائعة لمرة كانت فعليًا الأخيرة له.
............................................................
بغير ترتيب مسبق، اتصل هاتفيًا بها، في تلك الساعة المبكرة، لتستفيق من نومها العميق على خبر صدمها بشدة، وجعل حواسها تتيقظ بالكامل، خاصة أنه كان بعد بضعة ساعات من عقد قرانها عليه، ليربك كافة حساباتها، ويفسد جميع مخططاتها بشأن إعادة تغيير تصاميم الديكور للمنزل المملوك لزوجها، والذي لم تره بعد! سألته "فيروزة" في ذهولٍ، وهي تدعك عينيها بقبضة يدها، لتطرد بقايا آثار النعاس منهما:
-يعني إيه إنت في المطار؟
رد عليها "آسر" بنبرة هادئة معتذرًا منها:
-أنا أسف يا حبيبتي، بس في مشكلة حصلت في الشغل، ولازم أسافر حالاً.
تعقدت ملامحها وهي تسأله مستفهمة:
-فجأة كده؟
أخبرها باقتضابٍ:
-أيوه.
سألته بنفس النبرة المصدومة:
-طب وأنا؟ وترتيباتنا سوا، احنا متفقين على إننا هنروح نختار ألوان الدهان، وآ...
منعها من إكمال جملتها بتكرار اعتذاره:
-حقك عليا، هعوضك لما تجي عندي، هتقضي أحلى أيام.
سألته كمحاولة أخيرة فاشلة، كانت متأكدة أنها لن تجدي نفعًا:
-مكانش ينفع تأجلها كام يوم؟ الموضوع شكله بايخ أوي لما تسافر تاني يوم كتب كتابنا.
بهدوءٍ علق على ذلك، وقال:
-حبيبتي محدش ليه عندنا حاجة، وبعدين كان صعب أأجل السفر.
زلة لســان انفلتت منه دون وعيٍ، التقطتها "فيروزة"، وسألته مباشرة على الفور:
-يعني إنت كنت حاجز قبلها؟!!
تلجلج وهو يبرر لها:
-لأ.. مش بالظبط... ده أنا آ...
وقبل أن يبدو ضعيف الحُجة أمامها، أضاف بلهجة رسمية للغاية:
-بصي أنا هاكلمك أول ما أوصل، لأحسن الطيارة ميعادها جه، خلي بالك من نفسك.
طردت زفيرها المهموم من رئتيها، قبل أن تنطق:
-حاضر.
غازلها بمعسول كلامه الناعم، فقال:
-هتوحشيني يا قلبي، الدنيا من غير مالهاش طعم، غصب عني أسافر.
لم تجد ما تقوله له سوى:
-حصل خير.
أنهت معه المكالمة وهي ما تزال في حالة اندهاش من سفره المباغت، خابت آمالها، وانهار سقف توقعاتها في تشييد مسكنها؛ لكن ما باليد حيلة، عليها أن تتعامل مع الواقع ومفاجآته الصادمة.
...........................................................
بمحض الصدفة عَلِم من "وجدي"، خلال حفل عقد قرانه، عن انشغاله مؤخرًا، بكشف الخيوط المؤدية لإحدى عصابات التهريب الخطيرة، بعد انتقاله لمكتب المكافحة، واستشف من جمله المقتضبة، أنه بصدد الإمساك بأول أطراف الخيط معًا، فاتخذ "آسر" حذره، وحجز تذكرة ذهابٍ (فقط) لدولة الإمارات، على أول طائرة متجهة إلى هناك، استقر في مقعده بدرجة رجال الأعمال، وأمسك بهاتفه المحمول ليهاتف "محرز" ليأمره بلهجة من يقرر:
-ماتخليش أي حاجة ليها صلة بينا، سامعني.
سأله مستوضحًا:
-ليه يا ريس؟
رد بكلماتٍ ذات دلالة مفهومة لهما:
-النسر بيشمشم.
جاءه صوته متوترًا وهو يلاحقه بأسئلته:
-أوبا، وبعدين؟ إيه العمل؟ وحاجات الناس؟
أمره بنفس اللهجة الصارمة:
-نضف كل حاجة وراك، مافيش قشاية.
لم يكن "محرز" راضيًا عما يخبره به، ومع هذا قال له بإذعانٍ مرغم:
-ماشي الكلام، مع إن فيها خسارة كبيرة.
شدد عليه بنبرة لا تمزح:
-الخسارة تتعوض، لكن حياتنا لأ.
رد عليه مستسلمًا:
-معاك حق.
عــاد "آسر" ليأمره، بعباراتٍ متوارية:
-واطلع شم هوا، الجو حلو اليومين دول، قبل الزحمة.
علق بنوعٍ من السخرية:
-حاضر.. نقضيها مصايف.
أنهى "آسر" المكالمة معه، وأغلق هاتفه المحمول، ليغوص بعدها في مقعده المريح، وقد قامت المضيفة بالتأكد من ربطه لحزامه، التفت للنافذة البيضاوية إلى جواره، واستمع بابتسامةٍ تعلو زاوية فمه، إلى صوت المذياع الداخلي بالطائرة، حيث تطلع المضيفة جميع الركاب، على إرشادات السلامة خلال الرحلة الجوية، وشعوره بالارتياح اِزداد تدريجيًا مع بدء تحرك الطائرة على مدرج الطيران ................................................................ !!!
...............................................................