تحميل رواية «☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني)» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تنويه ... يتم نشر الفصول بالتتابع مع أجزاء الجزء الأول والتي توقفت عند الفصل الخامس والثلاثون قبل شهر رمضان المبارك كل عام وأنتم بخير الفصل السادس والثلاثون بنصف عينٍ تطلعت أمامها محاولة إجبار نفسها على الاستيقاظ بعد ليلة مرهقة ذهنيًا وعصبيًا لها، غلبها النعاس واستكانت لبرهة، استشعرت "خلود" سطوع النهار من خلال تلك الإضاءة الخافتة المتسللة من نافذة الغرفة الموصودة، تقلبت على جانبها الآخر ويدها قد امتدت لتتحسس الفراش، لم يكن دافئًا مما أوقظ إدراكها، وباتت واعية تقريبًا، فتحت عينيها على الأخير، تلف...
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الحادي عشر 11 - بقلم Manal Salem
باعتذر عن التأخير ..
النت كان فاصل، وكنت بأحاول أرفع الفصل ...
الفصل السادس والأربعون
العائلة .. دومًا تأتي في المقام الأول لديه، حين تتكالب المصائب فوق الرؤوس، تتكاثر الأزمات والمحن، تكون هي السند القوي الذي يشد من الأزر؛ وإن انفرط حبل الود والوصــال بين أفرادها باتوا مهددين بالتفرق والضياع .. انحدرت أخلاقها لتبوح بما يدور في فراش الزوجية دون حياءٍ أو وقار، استباحت الخوض في شرفه متلذذة بتحقيق انتقامها فيه، والنيل من سمعة العائلة. كل ما شعر به "تميم" حاليًا هو ضرب من الاستياء العميق بعد الفضيحة التي لحقت به، بدا في نظر نفسه كحيوانات البرية، يجري وراء غرائزه، ولا يختلف عنهم إلا بلسانٍ ناطق.
ظلت يداه قابضة على تلابيب ابنه خالته؛ لكن نظراته احتوت على غضب مخيف. هزه بعنف وهو يسأله بأنفاس متلاحقة، وقد استبد به حنقه:
-هي اللي قالتلك كده؟
رد "هيثم" بصوته الأجش:
-مش محتاجة تقول، وأنا مش هستنى لما تموتها عشان أدافع عنها، ولا أحميها منك.
تحركت قبضته لتطبق على عنقه، فانحشرت أنفاس ابن خالته في جوفه، ولم تجد لها المفر للانطلاق أو الدخول. قست نظراته والتهبت حين هدر به موضحًا:
-الواحدة لما تطلع أسرار بيتها لمين ما كان ما تستهلش تكون على اسمي!!
منعه من التمادي في عنفه البدني معه صوت أبيه المنادي به، بكل ما أوتي من قوةٍ:
-"تمــــيم"!
تجمد في مكانه، وعروقه منتفخة بدمائه الثائرة؛ لكن لم ترتخِ قبضته عن عنق "هيثم"، في حين قاتل الأخير للنجــاة بحياته قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة على يده. تحرك "بدير" على الفور ليقف قبالته، لإيقافه عن التصرف برعونة، وسحب ذراعه من على مجرى تنفسه المسدود آمرًا إياه:
-سيبه يا "تميم"!
بصعوبة تمكن من إقناعه بتركه، فسعل ابن خالته بألم طلبًا للهواء لينعش به رئتيه، بقيت نظراته المليئة بكل ذلك الغضب مرتكزة على وجهه وهو يقول:
-لو على القتل مافيش أسهل منه، بس أنا حسابي مش معاك...
توقف للحظة ليلتقط أنفاسه، وربما لإضفاء المزيد من الرعب في كلامه، قبل أن يتابع بوعيد مهلك:
-حسابي مع اللي اتجوزتها!
حذره "هيثم" بصوته المبحوح:
-إياك تقربلها، هتلاقيني واقفلك! حتى لو دخلت السجن
هنـــا صــاح "بدير" بنفاذ صبر:
-ولا كلمة زيادة إنتو الاتنين!
ثم التفت موجهًا حديثه لـ "هيثم" يأمره:
-انزل من هنا يالا، مش وراك شغل متعطل وطلبية توصلها؟
رد معترضًا بنظراتٍ مغلولة:
-أيوه يا جوز خالتي، بس أختي آ....
قاطعه بصوته الأجش الصارم:
-هي كلمة! الموضوع عندي، وأنا هاتصرف فيه، وأختك لو ليها حق هيرجع
قال بنوعٍ من التهكم، دون أن تبتعد نظراته عن "تميم":
-هنشوف!
وقبل أن ينطق ابن خالته هرب من محيطه متجهًا نحو باب السطح، استوقف "بدير" ابنه بوضع يده على كتفه، واستطرد ينصحه بحنكته:
-ماينفعش تاخد قرار، وإنت في الحالة دي.
انفجر صائحًا به بشراسة:
-حالة إيه يابا؟ إنت ماسمعتش بيقول إيه؟
رد عليه بضيقٍ لم يقل عنه؛ ولكنه كان أكثر هدوئًا في التعامل مع الموقف الحرج:
-ما هو أمه منها لله رمت الإسفين في الدكان، وقلبته آ....
حملق فيه مصدومًا من الكارثة الأخرى التي عرفها للتو، لم يأتِ بمخيلته أن يتم فضحه علنًا، وتداول ما حدث بينهما من عنف زوجي على ألسن العامة؛ وكأن شرفه مسألة عادية يجوز الخوض فيه دون احترازٍ، قاطعه بصوتٍ أشد تشنجًا:
-كمـــان، يعني أمة لا إله إلا الله كلها عرفت؟
حاول تخفيف وطأة الأمر عليه قائلاً:
-اهدى بس، وكل حاجة هتتحل.
تقوس فمه مرددًا في سخطٍ متهكم، وقد بات قاب قوسين أو أدنى من التحول لحالته الإجرامية السابقة:
-تتحل إيه؟ ده ناقص يعلقوا يُفط في قلب الحتة، ويكتبوا فيها شوفتوا "تميم" عمل إيه مع مراته في أوضة النوم!!!!
لم يحبذ أبدًا وضع ابنه في مثل ذلك النزاع العائلي، والتقليل من شأنه، لذا رد عليه "بدير" بحذرٍ، وهو يتطلع إليه في حزنٍ:
-مش للدرجادي يا ابني، يومين وكل حاجة هتدى، بلاش تكبر الحكاية في ساعة شيطان.
أظلمت عيناه، واختفت تعابير الرحمة منهما ليحل الشر المطلق، ثم قال بصوتٍ بدا أتيًا من الجحيم:
-هي كبرت لوحدها!
حدق فيه والده بنظرات حائرة محاولاً تبين ما ينتوي فعله؛ لكن تركه "تميم" واندفع ركضًا -بكل ما يعتريه من غضب، غيظ، غل، أي مشاعر عدائية صريحة- نحو باب السطح قاصدًا إشعال الأرض بمن عليها، لحق به "بدير" يرجوه:
-استنى يا "تميم".
لكنه فشل في الوصــول إليه أمام خطواته السريعة، هبط الدرجات قفزًا ليتجه للأسفل، وجد والدته في انتظاره، اعترضت طريقه فاردة ذراعيها في الهواء؛ وخصوصًا بعد أن عرفت أسباب ثورته العارمة. سألته بقلبٍ يدق في خوفٍ، وعلامات الارتعاب مرسومة على صفحة وجهها:
-رايح فين يا ابني؟ كلمني وقولي؟
لم ينطق بكلمة؛ لا جدوى من الحديث العقلاني، الرد العنيف هو كل ما يفكر به حاليًا، حاول المناص منها؛ لكنها سدت عليه الطريق بجسدها المترهل وخطاها الثقيلة. لم يمسها، ورغب في إزاحتها بالصراخ بها دون دفعها بالصياح بصوته الهائج:
-حاسبي يامه.
تعلقت بذراعيه، وقبضت عليهما بيديها المرتجفة. نظرت له " ونيسة" من بين عينيها الباكيتين خوفًا عليه تتوسله:
-بالله عليك ما تروح عندها وإنت كده.
وكأنها تتحدث عن أي شيء يمكن التغاضي عنه سوى ذكورته المستباحة حاليًا، لا بديل عن الثأر لرجولته، هدر بها بعصبيةٍ، وقد توحشت نظراته:
-يووه، حاسبي من سكتي...
اختنق صوته، وبدا وكأنه يفح نارًا حين تابع:
-أنا بأغلي من جوايا يامه، وهاصور قتيل السعادي.
انقبض قلبها بين ضلوعها، أحست بروحها تقتلع من جسدها، لا يمكنها بأي شكل أن تسمح له بالذهاب، حتمًا سيودي بنفسه للتهلكة، لذا ردت تستجديه بخوفها الغريزي النابع منها:
-إنت عاوزني أموت بحسرتي لما أسيبك تروح عندهم وترتكب جناية وتخش السجن من تاني؟!
زمجر معقبًا عليها، دون أن يأبه لما يمكن أن يحدث:
-إن شاءالله أتعدم حتى، أنا مش هاعدي الليلة دي على خير!
نظرت "ونيسة" من فوق كتفه لتجد زوجها يهبط الدرجات، صاحت به مستغيثة:
-حوشه يا "بدير".
التفت ابنها عفويًا برأسه للخلف ليجد والده مقبلاً عليه، وامتدت يده لتمسك به من كتفه، رجاه الأخير بصوته الرزين:
-تعالى يا "تميم" معايا، واستهدى بالله كده.
رد برفضٍ قاطع:
-لأ يابا.
رمقه بنظرة حادة، وسأله:
-بتعصاني؟
تملكته نزعة الاعتزاز برجولته والثأر لها، اعتذر منه بصوته اللاهث من فرط انفعاله، قاطعًا عليه كل السبل لأي مفاوضات:
-سامحني يا حاج، بس المرادي الكلام مايتسكتش عليه.
في تلك الأثناء، خرج من غرفته، ووقف عند أعتاب المنزل، لم يفهم سبب الجلبة الدائرة بالخارج؛ لكن الجو العام ينذر بكارثة بالفعل حدثت .. وليلملم شتات الأمور، دك بعكازه الخشبي الأرض بقوة اختلطت مع صوته الجهوري الأجش ليناديه:
-"تــــميم"!
كان صوت جده "سلطان" كفيلاً بتثبيته في مكانه، ليس فقط رهبة منه؛ وإنما احترامًا وتوقيرًا لمكانته الغالية في قلبه. التفت حفيده نحو برأسه يرمقه بعينين تقدحان بالغضب، ومع ذلك أجابه بتمهل محاولاً ألا يظهر غضبه:
-أيوه يا جدي.
أمره بلهجة من يُقرر عنه بحسمٍ لا من يخير:
-مافيش نزول من البيت.
ضغط على شفتيه محتجًا بحذر:
-بس آ...
قاطعه بحزمٍ، وبضربة أخرى من عكازه الغليط على الأرضية:
-هي كلمة، سمعت!!!
كبح غضبه الثائر -والمتراقص في عينيه- ليرد بأنفاس هادرة حارقة:
-ماشي يا جدي.
أمره "سلطان" بصرامة:
-تعالى ورايا.
وكأن حضوره كطوق النجاة لغريق أوشك على لفظ أنفاسه الأخيرة، ربت "بدير" على كتفه يحثه بصوتٍ خفيض:
-ورا جدك، اتحرك يا ابني.
كان يدفعه دفعًا للتحرك واللحاق بجده، ليثبط ما يعتريه من ثورة غاضبة مهددة بتخريب كل شيء، بناءً على سموم تلك الأفعى الخبيثة؛ "بثينة". تنفست "ونيسة" الصعداء، وتمتمت بتضرعٍ كبير:
-الحمدلله يا رب، اهديه وابعد عنه شيطانه.
شتان الفارق بين الشقيقتين؛ إحداهما وديعة، نقية القلب، لا تنطق إلا بالطيب، والأخرى حرباء، ماكرة، تبث شرورًا لا حصر لها.
...........................................................
أفادها الجلوس في منزل والدتها قليلاً بعد التوتر المخيف الذي عاشته لحظة أن رأت بقع الدماء تنساب من جسدها، توجهت إلى الطبيب المتابع لحالتها، وبخها الأخير لتقصيرها في الحفاظ على صحة جنينها، ومنعها منعًا تامًا من إقامة أي لقاء حميمي مع زوجها، وإلا ستكون ردة الفعل غير مضمونة؛ نظرًا لتعرضها لخطر النزف المبكر من رحمها، والذي يعد مؤشرًا غير مطمئن في الأشهر الأولى من الحمل. خرجت "خلود" من غرفتها وهي تحمل بيدها كوبًا من المشروب العشبي الدافئ الذي أعدته، لاحظت الصدام الكلامي الحاد بين والدتها وشقيقها عن أحدهم، وتطور الموقف لبعد خطير، لم تفهم سببه، فارتشفت القليل، وتساءلت ببرود:
-هو في إيه؟ مين ده اللي بتكلموا عنه؟
لوت "بثينة" ثغرها، وقالت من زاوية فمها باستهجانٍ غامض:
-المعدول .. هو في غيره!
تقلص وجهها، وجزع قلبها في ارتعابٍ قلق. ابتلعت ريقها، وتساءلت:
-قصدك مين؟
جاوب "هيثم" عن والدتها حاسمًا ما لم تتفقه إليه بعد:
-هي هتفضل هنا لحد ما نشوف صرفة مع جوزك.
انخلع قلبها مرة أخرى، وغمغمت بصدرٍ يلهج، وعيناها تبرقان في توجسٍ مرعب:
-"تميم".
علقت عليه "بثينة" بمزيد من السخط المهين:
-أيوه، بلطجي المنطقة.
تركت "خلود" الكوب من يدها، ووضعته على أقرب طاولة، اتجهت لتقف بينهما، ووزعت أنظارها متسائلة بقلبٍ يدق في عنفٍ من قلقها الزائد:
-إنتو عملتوا إيه؟
تفرست في تعبيرات وجهيهما، كلاهما كانا يبدوان منزعجان، وربما الأسوأ، ركزت نظرها مع أمها تُلح عليها بتوترٍ رهيب:
-قولي يامه عملتي إيه مع "تميم"؟
ابتسمت في انتشاءٍ، وأجابت رافعة حاجبها للأعلى في تفاخرٍ:
-عرفته غلطه، بس بطريقتي!
أدركت من تلك النظرة التي تحتل وجهها، ومن إيماءاتها أنها ارتكبت كارثة مدمرة، وبعفوية نطقت معبرة عما تشعر به:
-يبقى عملتي مصيبة..
اكتفت "بثينة" بالنظر نحوها بعينيها الحاقدين، في حين التفتت "خلود" نحو شقيقها قابضة على ذراعه، هزته بعصبية منه وهي تسأله:
-قولي يا "هيثم" إيه اللي حصل؟
أطبق على شفتيه، كأنه لم يسمع شيئًا، أمعنت النظر في الخدوش وآثار الحمرة في وجهه وحول عنقه، اتسعت نظراتها، وسألته بحلقٍ جاف، وهي تتمنى في نفسها ألا تكون شكوكها حقيقية:
-وإنت متبهدل كده ليه؟
أجابها بنوعٍ من التفاخر، وإن كان أغلب حديثه من وحي خياله:
-كنت بأدب جوزك بعد ما أمك سيحِتله قصاد الدكان، سخنتني عليه، وروحت أجيب حقك منه.
جحظت بعينيها في صدمة، تخيلت المشهد في عقلها؛ وإن لم تكن حاضرة، تمزق قلبها بين ضلوعها، أدركت أنها بفعلة والدتها الهوجاء قد منحت "تميم" الفرصة الذهبية للخلاص منها، وللأبد، وبأسبابٍ منطقية تعطيه العذر للتخلي عنها، ونبذها خارج حياته. لطمت "خلود" على صدغيها عدة مرات في ألم شديد لا يتحمله إنسان عاقل، وصوت نواحها يرن في أرجاء المنزل:
-يا لهوي، يا لهوي، يا لهوي!
لم تكترث "بثينة" بحالة الجنون التي انتابت ابنتها، وقالت ببرودٍ لتظهر استمتاعها بإلحاق الأذى به:
-مايستهلش إلا كده، أنا عملت معاه السليمة، وفضحته.
هاجت مُهاجها، وصرخت بلا وعيٍ تلوم والدتها بحرقةٍ، وعيناها تبكيان بدموعٍ غزيرة:
-يا نصيبتي، طب ليه كده؟ هو أنا اشتكيت؟ هو أنا طلبت منك تعملي حاجة؟
ردت بشفتين ممتعضتين؛ وكأنها لم تقترف جرمًا في حق كليهما:
-أنا عملت اللي فيه مصلحتك، ويعززك عند عيلته، أومال عاوزاني أسكتله؟
ضربت "خلود" على صدرها بقوةٍ متابعة عويلها الصارخ:
-حرام عليكو، كده بيتي اتخرب، ومش بعيد "تميم" آ....
ازداد اتساع حدقتاها، حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وقالت بأنفاسٍ متلاحقة:
-يــ... يطلقني!
كان وقع التفكير في احتمالية حدوث ذلك مهلكًا لها، مدمرًا لحياتها، ومزهقًا لروحها، لم تتحمله، واندفعت بكل رعونة تسحب إسدالها لتضعه على جسدها، تبعتها والدتها تستوقفها:
-استني يا بت، رايحة فين؟
عندما أوشكت على الخروج قبضت على رسغها، وشدتها منه قائلة لها بصيغة شبه آمرة:
-استني هنا.
استلت ذراعها بعنفٍ من يدها لترد بصوتٍ باكٍ، وهي في حالة انهيارٍ تقريبًا:
-سيبني يامه، خليني ألحق جوزي.
تطلع إليها "هيثم" بضيقٍ وهو يفرك مؤخرة عنقه الملتهبة، ثم نطق بقنوطٍ:
-روحيله، وشوفي إن كان طلقك ولا لسه
هوت كلماته الواقعية على قلبها كخناجر حادة حزت فيه بضراوة، في حين صاحت والدتها من خلفها توبخها:
-طول عمرك كده هتفضلي غبية، ولا فاهمة حاجة، ويوم ما أجي أعمل حاجة في مصلحتك تبوظيها!
وكأنها تحادث الفراغ، اختفت "خلود" على الفور من أمام أنظارها، لتهبط الدرجات ركضًا دون أدنى اهتمام بما تحمله أحشائها، فما يهم الآن هو زوجها؛ عشقها الأول والأخير.
..........................................................
وحده من يملك مفاتيح التحكم فيه؛ أو الأحرى ضبط انفعالاته غير العقلانية وتحويلها للنقيض بحديثه المنطقي الهادئ الذي ينفذ إلى عقله، وقلبه، ويخفف من حدة غضبه. أجلسه الجد "سلطان" بداخل غرفته معزولاً عمن بالخارج، ووقفت "ونيسة" على بابه تدعو الله في نفسها أن ينجح فيما عجزت عن فعله، وإلى جوارها وقف "بدير" يقول:
-ربنا يديك الصحة يابا، لولاه مكوناش عرفنا نمنعه يا "ونيسة".
ردت بأنفاس ارتياحٍ:
-يا رب يهديه على إيديه..
لكن ما لبث أن تحول صوتها للخوف وهي تتابع:
-هايضيع نفسه عشان شوية كلام اتقال.
نظر لها "بدير" بحدة من عينيه الغائمتين، وقال معقبًا عليها:
-ما هو مايصحش اللي أختك عملته بردك، لأ وقصاد الخلق، خلت إيه للغريب؟
تبرأت من ذنبها قائلة على الفور:
-وربنا ما كنت أعرف يا "بدير"، أنا في حالي طول عمري
كان يعلم جيدًا الاختلاف الجذري بين الشقيقتين، ولذا لم يكن من اللائق لومها على أخطاء غيرها، تنحنح بخشونة، وأضاف:
-مش وقته، خلينا في ابننا دلوقتي.
صوت الدقات العنيف المصحوب بالقرع المتواصل على جرسه جعل الاثنان يلتفتان في اتجاهه؛ كانت "ونيسة" أول من أسرع الخطى للاتجاه نحوها. فتحته لتتفاجأ بوجود "خلود" قبالتها، بل وتحاول دفعها برفقٍ للمرور للداخل، برزت عينا خالتها في صدمة مستنكرة، وقبل أن تستوعب حقيقة وجودها، بادرت تسألها بصوتٍ لاهث ونظراتٍ مرتعبة:
-"تميم" فين يا خالتي؟
وضعت "ونيسة" يدها على حافة الباب لتمنعها من الدخول، وسألتها بوجومٍ:
-جاية ليه السعادي يا "خلود"؟
ردت ببكاءٍ، علها تستعطفها:
-خليني أدخل الأول.
اعترضت عليها تحذرها، ودون أن يرتخي ذراعها:
-ده لو ابني شافك هتحصل مصيبة.
على الفور نفت من تلقاء نفسها:
-أنا ماليش دعوة بأي حاجة يا خالتي، ومعرفش إيه اللي حصل، كل اللي أنا عاوزاه جوزي.
احتارت بشأن في السماح لها بالدخول؛ لكن إصرار "خلود" كان أقوى من ترددها، أبعدت يدها وولجت للداخل تجوب بعينين تائهتين الصــالة المتسعة بحثًا عنه. لم يسعفها صبرها، وصـــاحت تنادي عاليًا، غير مكترثة بما يمكن أن يحدث:
-"تميم"!
انتفض جسدها مع خروجه لمواجهتها بكل غيظه وحنقه، ومع ذلك تماسكت لتناديه بجراءةٍ:
-حبيبي.
رفع "بدير" عكازه أمام جسد ابنه ليمنعه من المرور، ورجــاه بصوته الأجش:
-خش يا ابني جوا.
نفت "خلود" بصوتها المهزوز وهي تتقدم نحوه في خطوة شجاعة منها:
-أنا ماليش دعوة باللي أمي عملته، اقسم بالله ما كنت أعرف حاجة.
حدجها بنظرة مميتة جعلت والدته التي تراقبه عن كثبٍ ترتعب من مجرد التفكير فيما يمكن أن يفعله بها إن تجاوز والده، وامتدت يده لتطال عنقها؛ حتمًا سيدكه. دنت "خلود" أكثر منه، ولم تبقِ على مسافة آمنة بينهما، ازدردت ريقها، وحاولت الابتسام، لكن صوتها خرج مذبذبًا حين شرحت له:
-أنا مراتك حبيبتك، عمري ما استغنى عنك، كل اللي اتقال واللي حصل ولا فارق معايا، المهم إنت عندي.
كان في نظراته شرًا عظيمًا ينتظر اللحظة التي يخرج فيها ليدمر ما حوله، وبلا صبرٍ هدر عاليًا يهددها؛ وكأنه التحذير الأخير قبل ارتباك جريمته:
-ابعدوها من قدامي، بدل ما ارتكب جناية حالاً.
خرج "سلطان" هو الآخر ليشهد على ما يحدث، وبلمسة خشنة على كتفه أمره:
-اهدى.
اشتعل وجهه، وظهر انتفاخ عروقه المشحونة بكل الأدرينالين الحانق، ضم"تميم" شفتيه مرغمًا، انصــاع لأمر جده النافذ بصعوبة كابحًا تلك الرغبة الجنونية بتوجيه جم غضبه عليها، وفي حضرة عائلته، في حين اتجه "بدير" إليها ليبقيها بعيدًا عن وجهه، فاستطرد يقول لها:
-تعالي معايا يا "خلود".
اعترضت ببسالةٍ متهورة:
-لأ يا عمي، أنا لازم أتكلم مع جوزي ويسمعني.
خطر لها خاطر سريع؛ لما لا تستغل وجود ذويه حولها في ضمهم لصفها؟ وبكل براءة أضافت، بكت بألمٍ، وانتحبت باختناقٍ؛ لتبدو في أعينهم حملاً وديعًا جنت عليه الحياة بشرور البشر:
-أنا غير أمي خالص، وخالتي عارفة ده، أنا متربية هنا في البيت ده، وهنا مكاني وآ.....
نبرة صوتها مع ملامح وجهها شكلت لوحة مقززة لا يرجو التطلع إليها أبدًا بعد ما عاشه معها، وبهدير مختنق صاح:
-مش عاوز أسمع صوتك، هاخنقك، اقسم بالله هاقتلك!
استمرت في الاقتراب منه رغم ارتجافها من تعابيره الشرسة، وردت:
-والله ما كنت أعرف إنها هتعمل كده.
لوح بذراعه هادرًا بها بكلمات أصابتها في مقتلٍ:
-اللي تفضحني وسط الخلق مالهاش دية عندي.
تمسكت بآخر بقايا الأمل في الاحتفاظ به، ودافعت عن حقها فيه قائلة باستماتةٍ:
-يا "تميم" صدقني، أحلفلك بإيه أنا مقولتلهاش على حاجة بينا، وإنت حر معايا تعمل اللي عاوزه، وأنا مش هاقولك لأ!
كان نافرًا منها لأقصى الحدود، غير متقبل لاقتراحاتها السخيفة. رمقها بنظرة دونية قبل أن يهتف باستهجانٍ، متذكرًا في عقله اتفاقها الشيطاني السابق مع والدتها لاستنزاف رجولته:
-والمفروض أصدقك؟ ما هو قالوا للحرامي احلف!
التفتت "خلود" إلى خالتها ترمقها بنظراتها المنكسرة، بكت في عجزٍ، ورفعت من صوت نحيبها لتحصل على تعاطفها، ونجحت في ذلك؛ حيث تأثرت "ونيسة" بحالها البائس، شعرت بالألم يجتاحها لرؤيتها تُهان هكذا، وتدخلت من تلقاء نفسها قائلة بما يشبه الرجاء؛ علها تنجح في ترميم علاقتهما التي أصبحت محطمة تقريبًا:
-مش طريقة تفاهم يا ابني، اسمعها وآ....
قاطعها "تميم" مشيرًا بسبابته:
-ماتدخليش يامه.
لما لا تتقن دور الضحية أكثر؟ وإن كانت فعلاً هكذا، لذا ردت عليه "خلود" بتخاذلٍ، وكأنها تهدده:
-طالما مش هصدقي، أنا هاموت نفسي.
قال ببرود غير مبالٍ جعلها تستشيط غضبًا على عدم مراعاته لها، وتلك النظرة المقيتة تكتسح وجهه:
-اعمليها وريحنا كلنا.
ترددت في تنفيذ ما قالته، أوهمت نفسها أنه سيمنعها، وسيقبل عليها؛ لكنه كالعادة وقف قبالتها يتطلع لها بكراهية لم ترها في عينيه من قبل، اندفعت كالمغيبة نحو المطبخ الذي تعرفه كأصابع كفها، بينما ردد "بدير" على مسامع ابنه يعاتبه بحذرٍ:
-ده مش أسلوب كلام يا ابني.
وقبل أن يرد عليه بحدةٍ تركزت نظراته على زوجته التي أحضرت زجاجة تحوي سائل (الكيروسين)؛ تلك التي تحتفظ به خالتها في الدرج الموجود أسفل الحوض، لاستخدامها عند اللزوم. انتزعت غطائها، وأفرغت محتوياتها على رأسها، فابتلت ثيابها، ثم أمسكت بولاعةٍ تستخدمها "ونيسة" في إشعال البوتجاز مهددة بها:
-طالما مش مصدقني، يبقى الموت أريح.
لطمت خالتها على خدها صارخة في دهشة مذعورة:
-يا لهوي، إنتي بتعملي إيه؟
ثم التفتت نحو ابنها تستجديه:
-حوشها يا "تميم"!
لم تهتز له شعرة، وأشاح بعينيه بعيدًا عنها غير مصدق لعرضها المبتذل، تكاد ترف ابتسامة مستهجنة على زاوية فمه من شدة استنكاره لأسلوبها الرخيص في الاستحواذ على شفقته. رأت "خلود" انصراف نظراته عنها، فوخز ذلك قلبها، وقالت بمرارةٍ وذل:
-الموت أهونلي من إنك تسبني، ولا تبعد عني.
تحرك "بدير" نحوها يرجوها بشدة:
-اغزي الشيطان يا "خلود"، ماينفعش كده.
تجاهلته رغم حبها لعطفه الأبوي، وقالت موجهة حديثها لزوجها الذي تحجرت مشاعره من ناحيتها:
-إنت ظلمتني يا "تميم"..
دمدم بغيظٍ دون أن ينظر في اتجاهه:
-إنتي اللي ظلمتي نفسك.
ضغطت على زر إشعال الولاعة بيدها، وتابعت بأنفاسٍ مضطربة مكملة تهديدها؛ وكأنها تحمله بذلك الذنب كله:
-خلاص، بس إنت السبب في موتي، وزي ما أبويا اتحرق زمان قصاد عينك ومعرفتش تعمله حاجة، فأنا هاحصله ومعايا ابننا.
استدار "تميم" برأسه ناحيتها ليجدها بالفعل على وشك إضرام النار في جسدها المشبع بالكيروسين، رأى والدته تقف على بعد خطوة منها تحاول إثنائها عن رأيه بالتوسل، وعيناها تبكيان:
-حرام عليكي، هتموتي نفسك؟
أجابتها بوجه اربد بمزيد من الحمرة المنفعلة:
-محدش عايزني، وهو السبب.
أراد "تميم" إيقاف تلك المهزلة الرخيصة، ليس حرصًا منه على حياتها، وإنما لكشف حقيقتها أمام الأقرب إليه، فعلى ما يبدو قد انخدعوا بتمثيلها البارع، فيما عدا جده الذي ظل صامتًا، لم ينبس بكلمة، وراقب جيدًا ما يدور؛ وكأنه سيعيد سرده على الآخرين. اندفع نحوها يأمرها:
-إياكي تفكري تعمليها، إنتي مش ملك نفسك!
كان لتأثير كلامه عليها وقعًا عظيمًا، تجمدت عيناها عليه، تركته ينتزع الولاعة من يدها، وثبتت كامل نظراتها على وجهه، وهي لا تصدق أنها بالكاد استعادته، تطلع إليها "تميم" بعينين قاتمتين، لا تظهر حبًا ولا تعاطفًا معها؛ ومع ذلك كانت كافية لإقناعها بأنه عاد إلى أحضانها، ارتمت على صدره، ومرغت رأسها في كتفه تبكي وهي تقول له:
-أنا بأحبك، ومش هاستحمل تبعد عني.
أبعدها عن أحضانه؛ وكأن عقربة لدغته، لينظر إلى وجهها المفضوح قائلاً بلهجة خشنة:
-إنتي هاتفضلي هنا، بس أمك هحاسبها على اللي قالته..
ردت بنزقٍ:
-اللي إنت عاوزه أعمله، أنا كلي ملك.
تابع محذرًا إياها بقساوةٍ:
-وإياكي تفكري تأذي اللي في بطنك، لأني مش هارحمك.
رفرفت بعينيها قائلة بخنوعٍ:
-حاضر يا حبيبي.
شعر بالحنق منها، بالطبع سيستغرق الأمر وقتًا لكشف حقيقتها؛ لكنه سيتخلص منها في الأكيد، عليه فقط أن يرجئ مؤقتًا وضع الأمور في نصابها الصحيح، حتى يكون رده قويًا، وموجعًا .. الوحيد الذي أدرك ما يفكر فيه "تميم" كان "سلطان"، لاح على ثغره بسمة استخفافٍ، لم ينطق بحرف، وانسحب عائدًا إلى غرفته متوقعًا تصعيد الأمور في وقت قريب.
..............................................................
الأيام مضت سريعة عليها؛ كأنها في سباق مع الزمن، ليأتي يوم الزفاف الموعود، بعد مشقة وعناء. تم إعداد كل شيء، ووضعت اللمسات الأخيرة في منزل الزوجية، ليستقبل العروسين بعد انتهاء حفل عرسهما، وكذلك تم دعوة الكثير من المعارف والأقرباء للحضور في السرادق الكبير المقام عند منزل عائلة "سلطان". وطوال تلك الفترة الماضية لم تذهب "فيروزة" مع توأمتها لتوضيب منزلها، تجنبت على قدر المستطاع الالتقاء بـ "هيثم"، ما زالت تحتفظ بذكرياتها الأليمة معه فيما يخص تسببه في اندلاع الحريق، لم ترغب أن تلاحظ "همسة" توترها، وربما عزوفها عن الحديث معه، وإلا لساورتها الشكوك بشأنها. كما أن الأخير لسبب معلوم لأغلب من بالمنطقة تشاجر مع ابن خالته، وعلى ما يبدو حدثت قطيعة بينهما، بالرغم من تواجدهما معًا بالدكان، فقط لتبديد الشائعات التي تم تداولها بشــأن اعتداء "تميم" على زوجته؛ ومع هذا لم يتعاونا معًا.
زغرودة فرحة عالية انطلقت من جوف "آمنة" تبعتها بأخرى صاخبة، والمصففة تضع الطرحة فوق رأس العروس التي تزينت في أبهى الأثواب لتفتن عريسها، وتسلب لبه بمجرد أن يتطلع إليها. كان ثوب "همسة" منفوشًا، له فتحة صدر مثلثة، لكنها لا تتخطى مسافة شبر من بداية عنقها، بدت محافظة نوعًا ما، وأكمامه من قماش الدانتيل بنقوشاته الناعمة. لم تترك شعرها منسدلاً، عقدته في تصميم جديلة بشكلٍ معكوس دون أن يتحدد لها بداية أو نهاية، ووضعت الطرحة أعلاها بعد تثبيت التاج الرقيق بها. انحنت "فيروزة" على أذن شقيقتها اليمنى لتضع لها القرط المرصع بفصوصه اللامعة قبل أن تنتقل للأذن الأخرى، حملقت فيها قائلة بإعجاب وهي تضغط على كتفها برفقٍ:
-ماشاء الله زي القمر.
رفعت يدها لتتلمس يدها الموضوعة على كتفها، وقالت مجاملة:
-حبيبتي يا "فيرو".
تمتمت والدتهما بالدعاء وهي تلقي نظرة على ابنتيها:
-ربنا يتمملك على خير يا بنتي، ويكفيكي شر العين، وعقبال لما أفرح بيكي يا "فيروزة".
ردت بتكلفٍ:
-يا رب
تقدمت "فيروزة" خطوة نحو المرآة لتضبط مشبك رأسها، والذي اتخذ رسمة الطاووس المزركش، ثبتته في الجانب جيدًا لكونه ينزلق من خصلات شعرها ويضيع دون أن تعرف أين وكيف. تلك المرة اختارت أيضًا أن ترتدي ثوبًا من اللون الفيروزي المشوق ليشبه اسمها، فتحة صدره دائرية، أبرزت عظام الترقوة، وحتى لا ينال منها البرد ليلاً اختارت أن تلف حول عنقها شالاً قصيرًا من الحرير، لونه درجة داكنة للون الفيروزي. استدارت نحو زوجة خالها التي اقتحمت الغرفة تطالعها بنظرات حادة حين بادرت بالقول:
-قوليلي بت يا "همسة"..
أجابت عليها العروس بهدوءٍ:
-خير يا مرات خالي
سألتها مباشرة وهي تختطف أحمر الشفاه من يد المصففة لتضعه على شفتيها:
-هو صحيح "هيثم" اتصالح مع المعلم "تميم"؟
ردت على مضضٍ، وقد بدا الانزعاج واضحًا على تعبيراتها:
-معرفش.
سألتها بتطفلٍ أكبر:
-هو مش بيكلمك كل يوم، يعني أكيد فضفض معاكي بكلمة كده ولا كده!
علقت "همسة" مصححة لها:
-أه بنتكلم، بس مش بنجيب في سيرته.
زمت "حمدية" شفتيها مرددة بتذمرٍ:
-ده أنا قولت رجعوا سمنة على عسل من تاني، والحياة بقت وردي بينهم..
لم يكن حديثها بالمثير لتتابعه "فيروزة"، لكن زوجة خالها أصرت على إفراغ ما في جعبتها، وقالت متنمرة على "خلود" تحديدًا:
-أصل بعد الفضيحة إياها أخته كانت لازقلنا في كل حاجة كنا بنعملها في الشقة، ياباي، دي سمجة بشكل، حاشرة مناخيرها في كل حاجة، تقولش بتفتش ورانا!
بمنطقيةٍ أوضحت لها "همسة"
-طبيعي تعمل كده، طالما أعدة في بيت حماها، اللي هو تحتنا، هنلاقيها موجودة معانا.
علقت "حمدية" بسخافةٍ:
-أهي بوزها شبرين، وبومة!
نظرت لها "فيروزة" شزرًا قبل أن تتجه نحو حقيبة يدها الصغيرة، حيث انتبهت لرنين هاتفها المحمول بها، أخرجته منها، وتطلعت إلى شاشته، كانت المتصلة رفيقتها، أجابت عليها بتنهيدة متعبة قليلاً:
-أيوه يا "علا"، إنتو وصلتوا ولا إيه؟
أتاها صوتها قائلاً بحماسٍ:
-احنا واقفين تحت بيتك، وهنبقى معاكي في زفة العربيات.
ردت بابتسامة صغيرة:
-طب كويس.
سألتها "همسة" باهتمامٍ:
-هي "علا" جت؟
أجابت دون أن تنظر ناحيتها:
-ايوه
ثم اتجهت تلقائيًا نحو النافذة لتنظر إليها، رأتها في ثوبها الذهبي البراق تشير لها بيدها، وباليد الأخرى ترفع طرفه حتى لا تتعثر به. رفعت "فيروزة" ذراعها لتلوح لها به؛ ولكنها تفاجأت بظهور "آســر" من خلفها، ويلوح لها أيضًا بابتسامته اللبقة المزيفة، ربكة حرجة اجتاحتها لحضوره، فأخفضت يدها على الفور، خشيت أن يظن أنها ترحب به أيضًا، وقد توقعت لآخر وقت عدم قدومه؛ لكنه صدمها بمجيئته. أبعدت عينيها عنهما، وحركتهما في اتجاه السيارة الأخرى المزدانة بأشرطة الزينة البيضاء، رأت باقة من الورد على مقدمتها، وهتفت بعفوية:
-باين العريس جه كمان!
جلبة خفيفة تصاعدت من ورائها استعدادًا لاستقبال "هيثم"، ومع ذلك بقيت "فيروزة" في مكانها عند النافذة تحدق منها بفتورٍ. كان كل شيء مثاليًا وهي تواصل تأملها لما يوجد بالأسفل إلى أن توقفت نظراتها على صاحب زوج الأعين الغاضبة المستند على جانب السيارة؛ كان يتطلع إليها بنظرات طويلة مليئة بالحنق، على ما يبدو رأى ما فعلته قبل قليل خلال ترحيبها برفيقتها. نظراته لم تكن بالعادية، بل كانت قاسية، نافذة، موترة؛ وكأنه يُدينها .......................................... !!
............................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الثاني عشر 12 - بقلم Manal Salem
باعتذر عن التأخير في نشر الفصل، هو طلع كبيرواتقسم على اتنين .. هينزلوا النهاردة، واقروهم مع بعض ..
الفصل السابع والأربعون
ضاقت عيناها نحوه بشكلٍ غريب حائر، استاءت من نظراته المليئة بالغضب، وتحفزت بشكلٍ ما ضدها؛ وكأنها ارتكبت جُرمًا في حقه. تجهمت تعبيراتها قليلاً، فإن كانت تلك وسيلته لإرهابها، حتى تعترف له بأنها من كانت معه في الحريق المشؤوم، فلن يحدث أبدًا! ليست "فيروزة" من ذاك النوع الخائف المرتعد، استقامت في وقفتها، لم يرف جفناها، وبادلته نظرة متغطرسة تنم عن شخصيتها القوية قبل أن تتراجع لتختفي بالداخل؛ لكن بقيت دقات قلبها تنبض في عنفٍ، لم تفهم سبب توترها، وأرغمت نفسها على تجاوز لقائه العابر. عادت لتبتسم بتكلفٍ وهي ترى زوجة خالها تحملق فيها بفضولٍ، ركزت عينيها عليها، ثم سألتها بأسلوبها الجاف:
-خير يا مرات خالي؟
أجابتها متسائلة بسخافةٍ:
-أومال فين الشبكة؟ ولا العروسة مش هتلبسها النهاردة كمان؟
ضغطت " فيروزة" على شفتيها بقوةٍ مانعة نفسها من التفوه بحماقةٍ، حتى لا تفسد الأجواء المبهجة، بينما تابعت "حمدية" بنوعٍ من العجرفة:
-ده كل العيلة هنا النهاردة، عاوزين نتمنظر قصادهم، ولا رأيك إيه يا "آمنة"؟
التفتت والدتها نحوها تسألها في حيرة:
-رأيي في إيه؟
أجابت "حمدية" موضحة بعبوسٍ مزعوج:
-الشبكة يا أم العروسة، هتخلي رقبة بنتك وإيديها فاضيين، عاوزة الناس تاكل وشنا؟
تداركت "آمنة" خطئها، وقالت على الفور:
-معاكي حق، راح من بالي خالص.
ثم اقتربت من "فيروزة" تقول لها بجدية:
-علبة الشبكة يا "فيرو" في الدولاب، إنتي عارفة مكانها، هاتيها
ردت عليها بتبرمٍ قبل أن تتحرك نحو الخارج:
-ماشي
سددت "فيروزة" في طريقها نظرة سريعة حادة نحو "حمدية" التي بدت أكثر استمتاعًا بسيطرتها على والدتها الطيبة، ومنحتها الأخيرة نظرات مغترة وهي تربت على كتفها تستحثها:
-ماتتأخريش يا أخت العروسة.
كزت "فيروزة" على أسنانها تنعتها بهمهمة خافتة:
-حِشرية!
ارتفع الصخب من جديد في أرجاء المنزل الذي عَج بالكثير من الأقارب، خاصة السيدات والفتيات والأطفال الصغار، ولولا بعض المساعدات العائلية من نساء عائلتها لما تمكنت "فيروزة" أو والدتها من التعامل مع الحشد المتواجد في الصالة والردهة المؤدية لغرفة نومهما. دنت إحدى السيدات –ذات الوجه البشوش- من "فيروزة" ما إن لمحتها تمر بجوارها، ونادت عليها بنبرتها الحنون:
-بنت الغالي.
التفتت برأسها نحوها، تحولت ملامحها للين والابتهاج حين رأت زوجة عمها السمحة؛ "سعاد"، أو كما تحب أن يدعوها الجميع "أم فضل" نسبة لابنها البكري. أقبلت عليها مرحبة بها، فقد وصلت للتو:
-مرات عمي، إزيك؟ وحشاني أوي؟
بادلتها الترحاب الحار، واحتضنتها بشدة، ثم قالت:
-حبيبة قلبي من جوا.
تراجعت عنها "فيروزة" لتسألها باهتمامٍ:
-حمدلله على السلامة، وصلتي امتى؟ وفين بنات عمي؟
أجابتها بتنهيدة بطيئة نسبيًا:
-الله يسلمك.. الدور ده أنا جاية بس مع عمك، لكن تتعوض إن شاءالله ليلة فرحك نكون عملنا حسابنا من بدري.
ردت بنفس ابتسامتها المسرورة:
-إن شاءالله.. ده ماما هتفرح أوي لما تشوفك.
علقت عليها بابتهاجٍ:
-وأنا والله، هو في زي "آمنة" وحلاوتها، أومال بناتها طالعين قمرات لمين؟!
ابتسمت في سعادة لكلماتها المادحة، وشكرتها بلطفٍ:
-ربنا يخليكي لينا يا مرات عمي، وأخبار "فضل" إيه؟
جاوبت بحماسٍ انعكس في نظراتها أيضًا:
-الحمدلله، أجزته قربت، هينزل كمان شهرين.
عادت لتسألها عن أحواله مبدية اهتمامها بتبادل الحديث معها:
-ربنا يجيبه بالسلامة، ومراته وعياله كويسين؟
ردت وهي تبتسم:
-في أحسن حال.. لو كان عندي ولد تاني مكونتش سيبتك يا غالية.
لم تكن لتفعل شيئًا في تلك المسألة، أولاً لكون ابن عمها يفوقها عمرًا، وكانت لا تزال صغيرة حين حضرت عرسه، ثانيًا زوجة عمها لم تنجب بعده سوى ثلاثة بنات، وأربعتهم يعدوا في منزلة إخوتها، وثالثًا بالنسبة لعمرها الحالي فقد يعتبرها البعض –من عائلتها- بأنها تخطت سن الزواج بكثير، وبالتالي فرص ارتباطها وتأسيس أسرة محدودة للغاية. انحنت "فيروزة" على جبينها لتقبلها منه، وقالت بتفهمٍ:
-كل واحد بياخد نصيبه، وأنا الحمدلله راضية بحالي.
غيرت "سعاد" مجرى الحوار لتسألها بنبرة ذات مغزى:
-الكلام خدنا ومشوفتش "حمدية"، هي فين؟ وزي ما هي كده ولا اتغيرت؟
ضحكت قبل أن تجيبها متسائلة:
-تفتكري إيه؟
لوحت بيدها متصنعة العبوس وهي تعقب عليها:
-يبقى زي ما هي، ربنا يهديلها حالها.
...........................................
أفسحت لزوجة عمها المجال وأرشدتها عبر الردهة لتلج للداخل، ثم تركتها لتعود لإتمام مهمتها السريعة المكلفة بها من قبل والدتها؛ كانت أول من أبصرها "حمدية"، امتعضت ملامحها، وظهرت تكشيرة كبيرة على وجهها، زفرت على مهلٍ، ودنت منها متسائلة، دون أن تكلف نفسها عناء ترحيبها:
-"سعاد" وصلتي امتى؟
لم تنكر أن علامات الكراهية بائنة عليها، لأسبابٍ شخصية، ولما لا؟ فقد وقع الاختيار عليها لتتزوج أحد أعيان بلدتهم بدلاً منها حين تم التفضيل بينهما! وبوجه هادئ رددت "سعاد":
-شكلك مش مبسوط يا "حمدية" لما شوفتيني؟
ردت بترفعٍ وهي ترمقها بنظرة حاقدة لم تخفها:
-لأ ياختي، متقوليش كده، نورتي البيت.
تجاهلت سماجتها المعلنة لتسألها:
-فين أم العروسة؟
أشــارت بيدها قائلة على مضضٍ:
-هناك.
تحركت أنظار "سعاد" نحو الركن الداخلي للغرفة، حيث تقف "آمنة" خلف ابنتها التي انتهت لتوها من زينتها، استدارت نحوها الأولى، وتلك الابتسامة العريضة تختلج تعبيراتها، هتفت مهللة لاستقبالها:
-حاجة "أم فضل"، تعالي يا حبيبتي.
أقبلت عليها تحتضنها بذراعيها وهي تردد:
-الغالية مرات الغالي الله يرحمه.
بادلتها نفس الأحضان المشتاقة قبل أن تنطق وهي تستدير سائرة في اتجاهها:
-يا مليون حمدلله على السلامة.
توقفت كلتاهما عن الحركة، بينما عاتبتها "سعاد" دون أن تفتر ابتسامتها:
-بقى كده تاخدونا في توكة وماتقولوش من بدري؟ كنا عملنا الواجب وزيادة يا "آمنة".
اعتذرت منها بشدة:
-معلش، كل حاجة جت بسرعة، والعريس مستعجل
ربتت على جانب ذراعها قائلة بتفهمٍ:
-خلاص.. ملحوئة في "فيروزة"...
هزت رأسها في استحسان، لكن تبدلت تعبيراتها للقلق قليلاً حين أكملت:
-الحاج "اسماعيل" كان حلفان ما يجي.
جزعت متسائلة:
-طب ليه بس؟
أجابتها موضحة:
-إنتي عارفة مسائل الجواز وغيره لازم الكبارات يعرفوا بيها الأول، مش يبقوا زي الغريب
نكست رأسها في حرجٍ، فهناك بعد التقاليد الواجب اتباعها عند القيام ببعض المسائل العائلية المصيرية، والتي يتحتم فيها تدخل ذوي الشأن لإبداء الرأي الأخير؛ أما الغفلة عنها فتولد بعض المشاكل الجسيمة التي ربما تؤدي للقطيعة ونكران صلة القرابة، زمت شفتيها وغمغمت:
-معاكي حق.
لكن عادت "سعاد" لتؤكد عليها انتهاء المشكلة، وأضافت:
-بس عشان مايكسرش بخاطر "همسة"، ما هو بردك عمها الكبير، ولازم تتبهوا بيه قصاد نسايبكم.
تنفست الصعداء، وهتفت تشكرها:
-معاكي حق، الغلط مننا، وإن شاءالله مايحصلش.
ظلت "سعاد" محتفظة بابتسامتها المشرقة، ورددت في اهتمام وهي تواصل التقدم نحو العروس:
-سيبك من ده، وخليني أطل على عروستنا .. اللهم صلي على النبي، بدر البدور.
همَّت "همسة" بالنهوض لتحييتها قائلة:
-مرات عمي.
لوحت لها بذراعيها لتظل جالسة وهي ترد:
-ماتقوميش يا قمر العيلة، أنا هاجيلك لحد عندك.
بادلتها العروس ابتسامة رقيقة تناسبت مع جمالها الفاتن، ولم ترغب زوجة عمها في إفســاد زينتها بالتقبيل الزائد عن الحد، لذا اكتفت بالتطلع إليها بنظراتها المليئة بالفرحة والسعادة للغاية.
.............................................................
-العريس جه برا يا بنات.. وسعوا السكة.
ترددت تلك الكلمات العالية لتصل إلى آذان الجميع، بما فيهم العروس التي تلبكت واضطربت، وأحست بتقلصاتٍ خفيفة تصيب معدتها من توترها الطبيعي، ناهيك عن تخضب بشرتها بحمرة زائدة عن الحد. رفعت عينيها لتنظر إلى "فيروزة" التي أمسكت بزجاجة العطر، وأغرقت به ثوبها لتبدو رائحتها جذابة ومثيرة. تنحت للجانب حين رأت "هيثم" يدخل، وقبل أن ينطق بكلمةٍ اشرأبت "همسة" بعنقها لتهمس لتوأمتها:
-ما تسبنيش
ردت عليها "فيروزة" بصوتها الخافت:
-حاضر.. أنا معاكي.
للحظة ظن أن القمر قد ترك محله بالسماء، وهبط على الأرض لينير حياته الكئيبة بحضورها. بسمة غير عادية زينت وجه "هيثم"، كانت خطيبته جميلة الملامح؛ لكنها ازدادت جمالاً بعد ارتدائها لثوب العرس، أحس بالإثارة تجتاح جسده، كان لرؤيتها الأثر الحسي والإيجابي عليه، تذكر الأيام التي سبقت خطبته، حين فُرضت عليه بشكلٍ متعمد، وامتعاضه في البداية منها، ومع ذلك كانت لحظة التحول الجيدة في حياته العابثة. أفاق من سرحانه السريع على تعبيراتها الناعمة، تأمل اهتزازة شفتيها اللاتين بدتا كقطعتين من الفراولة، كم تتوق لتذوقهما! ركز كامل عينيه عليها ليؤكد لنفسه أنها باتت أخيرًا خاصته، لم يبصر سواها حوله، خرجت أنفاسه حارة حين قال لها:
-مبروك.
لعقت "همسة" شفتيها، وقالت بخجلٍ متحاشية النظر إلى عينيه المسلطتين عليها:
-الله يبارك فيك.
حانت منها نظرة جانبية لتوأمتها تؤكد عليها بهمهمة خفيضة:
-هتركبي معايا يا "فيروزة"، أنا خايفة .. ماتسبنيش.
تفهمت حالة الارتباك الجلية، المصحوبة بالحياء الشديد، بسبب خصوصية تلك الليلة، تلمست جانب ذراعها، وردت وهي تومئ برأسها:
-أنا معاكي.
هتفت إحدى السيدات من الخلف تمدح عروس العائلة:
-صلي على النبي يا عريس، مش كل يوم هتلاقي حلاوة بالشكل ده.
رد، وعيناه تحدقان في وجه "همسة"، وبهما رغبة وشوق:
-عليه الصلاة والسلام.
......................................................
لا يمكن أن يُسمى ما حدث الفترة الماضية سوى بأنها فترة الهدوء التي تسبق العاصفة، رضخ إلى ذي الشيبة الحكيم الذي يعرف مفاتيحه جيدًا، ليتبع توصياته الجادة كما أملاها عليه حتى يصل لمبتغاه؛ وإن كان في ذلك استنزاف صبره المستهلك مسبقًا، خاصة مع بعض الأمور الغامضة المليئة بالألم، والتي عايشها قبيل فترة مراهقته. عــاد "تميم" بذاكرته لليوم الفارق في حياته مع زوجته غير الأمينة على سره، حيث انساق وراء جده، لينزوي معه بالغرفة قبل أن تصل "خلود" لمنزله. العائلة وما يرتبط بها من قيم نبيلة لا تتفق مع حبائل الشيطان الخبيثة، مثاليته الزائدة فيما يخص شئون أسرته ربما لن يرضى عنها الجميع، واحدٌ غيره لأقام الدنيا ولم يقعدها لإهانة رمز رجولته.
خرج من شروده المحير على إشارة جده له بعد أن جلس الأخير على طرف الفراش، ودعاه للجلوس في مقعده المفضل آمرًا إياه:
-اقعد يا "تميم"، واحكيلي حصل إيه.
رفض ذلك، وصاح به بكل ما يعتري صدره من غضب وغل:
-سيبني يا جدي أروح أخد حقي.
تقبل عصبيته قائلا:
-هاسيبك...
ثم منحه للحظة ليلتقط أنفاسه قبل أن يقول بهدوئه المكتسب عن خبرة طويلة بالحياة:
-بس لما أسمع الأول وأعرف كل حاجة حصلت، من طأطأ لسلامو عليكم.
رد "تميم" على مضضٍ عله يأخذ بمشورته:
-ماشي
وبالفعل بدأ في ســرد ما تعرض له من مؤامرة دنيئة، عرف عنها بمحض الصدفة، نالت من رجولته، واستهانت بقدراته البدنية، وما تلاها من بعض الأحداث المدعاة للانتقام والثأر. لم يقاطعه "سلطان"، تركه يصول، ويجول، وينفعل، ويفرج عن مكنونات صدره، إلى أن خبتت الشحنة المتأججة بداخله. وبوجه بارد، لا يحتله سوى تجاعيد الزمن وآثاره أردف متسائلاً:
-عاوز الخلاصة بعد اللي قولته؟
رد "تميم" بنفاذ صبر:
-أيوه.
ظهر الاسترخاء على تعابيره وهو يستطرد:
-الكلام اللي اتقال ده كله ولا يسوى مليم واحد!!!!
تفاجأ من عدم مبالاته، وهتف بصدر مختنق:
-نعم؟
علل "سلطان" أسبابه موضحًا:
-ده هري حريم أعدين على الشلت، يومين وهيطلعوا يلكوا في حكاية تانية، الحتة ما بتبطلش حكايات ولت وعجن.
صاح في استنكارٍ مغتاظ:
-ده الناس كلها عرفت اللي حاصل بيني وبين مراتي.
صمت جده للحظة قبل أن يتابع مسهبًا بلا تردد أو ندم؛ وكأنه يكشف له عن حقيقة ونوعية البشر الذين يعاشرهم:
-أنا عارف إنك عملت ده عشان توريها إنها متجوزة راجل من ضهر راجل، مش عيل (...)، بس هي غلطانة، ومحقوقالك في ده، مكانش يصح تقول لأمها كتلة الشر دي على أي حاجة، لأنها على طول بؤها في ودن الناس، هتحور، وتجود من عندها، ويا داهية دُقي..
كان محقًا في وصفها ببساطة، لم يعقب عليه، بدا فقط متجهمًا، حانق النظرات. أضــاف جده بتروٍ:
-بس اسأل نفسك هو إنت عملت حاجة حرام؟ نمت مع واحدة وقفشوك؟
على الفور قال نافيًا:
-لأ يا جدي .. أعوذو بالله، دي مراتي!
لاح على ثغره بسمة هادئة وواثقة وهو يتابع نصائحه الثمينة:
-خلاص اللي يفتح بؤه الرد جاهز، مراتك غلطت، وخرجت عن طوعك، وعصيتك من غير ما تعلم حاجة، وإنت كنت بتأدبها، ومحدش ليه عندك حاجة!
صمت وصدره ينهج في قوة كتعبيرٍ عن غضبه المكبوت، بينما استأنف "سلطان" حديثه بأسلوبه المتروي؛ وكأنه يكشف له حلول الأحجية التائهة عنه:
-أما الحكاية التانية، فدماغ أبالسة اللي تفكر فيها، القادرة تحطلك برشام؟!!
زم شفتيه مغمغمًا بعد زفيرٍ منزعج:
-لأ ومش عاجبها يا جدي
ثم تنفس بعمق ليدمدم بسخطٍ:
-وده اللي عرفته.. الله أعلم مستخبي إيه تاني!
رد عليه جده بهدوءٍ:
-ولو إنك تزعل مني.. بس البت دي من زمان أنا مابتسريحلهاش!
انعقد حاجباه، وسأله بنظرات تتفرس تعابيره الهادئة:
-ليه يا جدي بتقول كده؟
أجابه مستفيضًا بتلقائيةٍ:
-كانت داخلة على أمك بالحنجل والمنجل، طول النهار زن في دماغها، ويا خالتي ويا عينيا، وكلام ملزق مايتبلعش، ملاوعة وكُهنها باين، مايدخلش عليا بتعريفة، والمثل بيقول اقلب القدرة على فمها.. تطلع البت لأمها، ودي تربية "بثينة"، مهما كانت قدامك عاملة فيها غلبانة، ومكسورة الجناح..
قاطعه حفيده متسائلاً دون تفكير:
-زي أخوها يعني؟
نفى مبررًا أسبابه:
-لأ.. دي بلوة، والفرق بينها وبين أخوها إن الواد "هيثم" دغوف، مابيفكرش، لما بتهب في دماغه حاجة بيعملها، إن شاءالله تكون هتوديه في داهية، متسربع .. بس مافيش منه قلق، يعني ورقه مكشوف، لو شايل منك هايقول، وساعة الحق بينطق مابيخافش..
بسمة ساخرة استحوذت على شفتي "تميم"، بينما واصل "سلطان" القول بنبرة تحولت للقتامة:
-الدور والباقي على الحرباية اللي في وشها ليل نهار، هتخططلها صح، وتقولها تعمل إيه.. كرشها واسع وماتشبعش.
همهم "تميم" بحنقٍ:
-خالتي "بثينة".
-بالظبط.
تساءل حفيده بندمٍ بدا ظاهرًا عليه:
-تفتكر كنت غلطان لما كملت الجوازة دي يا جدي؟
لم يجبه على الفور، وانتظر للحظات قبل أن ينطق بحكمةٍ أراحت صدره:
-إنت عملت الأصول يا "تميم"، لميت عرضك، وعاشرت مراتك بما يرضي الله .. يعني رديت المعروف.. بس في غير أهله!
وكأنه يقاتل في معركة خاسرة، لا أمل للفوز أبدًا فيها، انتفض "تميم" يثور من جديد:
-أنا معنتش طايقها، قرفان منها، ولولا اللي في بطنها كان هيبقالي تصرف تاني، أنا هاين عليا أولع فيها وأخد تأبيدة.. إن شاء الله يعلقوني على حبل المشنقة.
عقب عليه الجد مشددًا بنبرة ذات دلالة قوية:
-اللي في بطنها من دمنا، ومن صلبك.. واحنا مابنفرطش في عيالنا.
ظهر الإحباط على قسماته، وسأله بصوتٍ عبر عن حزنٍ عميق:
-وإيه العمل؟ هاعدي اللي حصل كده؟
غامت عيناه قبل أن يجاوبه بنبرة غامضة، لكنها متزنة:
-لأ.. احنا هنقطع راس التعبان وديله.
قطب "تميم" جبينه في حيرة، وسأله:
-مش فاهم يا جدي.
أشـــار له بيده ليجلس على المقعد الذي لم يلمسه إلى الآن، وقال بمكرٍ:
-هاقولك تعمل إيه..
.........................................................
كانت تحتفظ ببعض قطع الثياب في منزل خالتها، علها تحتاج إليها في يوم ما، إن قرر زوجها المبيت هناك، وبالتالي لم تجد أي صعوبة في تبديل ملابسها المليئة بالكورسين بأخرى نظيفة، مرتبة. انتظرت "خلود" زوجها بالجلوس في منتصف الفراش، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتعقد ذراعيها حولهما. أخفت تلك البسمة اللئيمة التي تقاتل للظهور على محياها بعد تمثليتها الهزلية، تنفست الصعداء لكونها انطلت عليهم، وإلا لاضطرت لحرق جزءٍ من جسدها وتشويهه، وحينها لن يرغب حبيبها في التطلع إليها. اعتقدت أنه سيكون غبيًا ليفرط في جنينه المنتظر مهما كان يمقتها، وأمام والديه، ليبدو مذنبًا في أنظار الجميع إن تركها تتصرف برعونة. جفلت بقوة حين فُتح الباب فجــأة، أرجأت أفكارها الشيطانية لوقت لاحق، وارتدت قناع الخوف. نظرت بترقب لزوجها الذي أطل منه، تشجعت تناديه بصوتٍ أقرب للهمس:
-"تميم"!
احتقرها بنظراته القاسية؛ وكأنها قمامة، لا ترتقي حتى للحديث معها، شعرت بازدرائه المهين لها دون أن ينبس بكلمة، أغلق الباب من خلفه، واستقام واقفًا يرمقها بتلك النظرات المليئة بالبغض والحقد .. ورغم هذا جاهدت لتستدعي دموع غير موجودة لتعتذر منه:
-أنا أسفة...
تجمد في مكانه ينظر لها مليًا بغموضٍ لم تسترح له، نظرات التوق والتلهف كانت أبعد ما يكون عنه، بل بدا النفور والاشمئزاز الأقرب للوصف. تحركت من على الفراش لتهبط عنه، وتمهلٍ حذر تقدمت نحوه. لم تتجرأ على لمسه، رغم حاجتها إلى الشعور بامتلاكها له، اكتفت بالنظر في عينيه، وتابعت بانكسارٍ:
-اللي حصل ده كله مش هايتكرر تاني..
ثم أخفضت يدها لتتلمس بطنها بحركة دائرية، وألحت عليه راجية:
-وحياة ابنك تسامحني، أنا مقدرش استغنى عنك...
كان صامتًا للحد الذي منحها المزيد من الثقة، لن يجرؤ على المساس بها في منزل أهله، ليس على تلك الدرجة من الحماقة. تشجعت لتقلص المسافات بينهما بعد أن رأت جموده، واعتقدت أنه سيرتضي بالأمر الواقع، ولن يتخذ موقفًا عدائيًا نحوها. أسبلت عينيها نحوه، ثم هتفت تعبر له عن حبها المتيم الذي يحرقها:
-إنت حبيبي وبس.. أنا ماحبتش في حياتي إلا إنت، وكنت مستعدية أستناك العمر كله.. ماتبعدش عني يا "تميم"، ارضى عني يا حبيبي.
سألها بوجه جامد غير مقروء التعبيرات:
-تفتكري بعد اللي عملتيه ده أنا أتصرف إزاي؟
تخلت كليًا عن رهبتها الزائفة أمام سلبيته الواضحة، ربما سلاح إغرائه كان ناجحًا ليجبره على نسيان ما اقترفته. مدت يدها لتمسك بذراعه، ولم يعترض أو ينبذها. ظلت عيناها ترتكز على عينيه الصارمتين، وردت بأنفاس شبه لاهثة:
-أعمل فيا أي حاجة إلا إنك تسيبني..
منحها بسكوته الضوء الأخضر لتتمادى معه، لذا شبت على قدميها، واشرأبت بعنقها نحو وجهه لتقترب من شفتيه، ثم همست له بحرارة تأكدت أن تلهبه، وتؤجج الرغبة به:
-ولو عاوزني أقاطع أمي أنا موافقة، المهم عندي إنت وبس.
نظر لها شزرًا، لم يبدو مقتنعًا بأي حرف تتفوه به؛ وإن كانت صادقة، فحتى أسرار الزوجين -والمتمثلة في نظرة كالمقدسات- انتهكتها بوقاحة، دون ندمٍ أو خوف، واليوم لا مانع لديها في قطع صلة الرحم مع الأقرب إليها، فقط لكسب ودّه، واستعادته إلى أحضانه بشكل لا تقبله أي زوجة تمتلك كرامة بعد ما ارتكب في حقها. تلك الطريقة الرخيصة المبتذلة التي تعرض بها نفسها عليه لم يستسغها. أزاح يدها بعيدًا عنه، ورفضها بشكلٍ مشمئز انعكس على تعبيرات وجهها المصدومة، ليقول بعدها بجمودٍ، وتلك النظرة الجليدية تعلو وجهه:
-أمك ماتخصنيش، العيب من الأول عليكي إنتي.
ورغم النظرات المهينة التي يرمقها بها إلا أنها قالت متسولة مشاعره من جديد:
-أنا غلطانة، وصدقني مش هايحصل تاني.
حاولت التودد إليه بشكلٍ حميمي، لعبت بجراءة على مشاعره الذكورية، وحاولت تحفيز الرغبات الغرائزية به بملاطفات خبيرة تشعل العاطفة بالجسد؛ لكنه لم يتأثر مطلقًا مما أقلقها، وقبل أن تواصل ما تفعله، نبذها بالابتعاد عنها .. تطلعت إليه بغرابةٍ، كانت دومًا تنجح في جره لشباك أنوثتها، ومع ذلك بدا كالصنم، لا يبالي بما تمنحه له. بلعت ريقها، وسألته بقلقٍ واضح عليها:
-"تميم" رد عليا، إنت ناوي على إيه؟ خلاص سامحتني؟ قولي، ماتفضلش ساكت كده.
اتجه نحو باب الغرفة ليقول لها بغموضٍ أربكها:
-كل وقت وليه أدان.
ضاقت عيناها متسائلة في توترٍ:
-قصدك إيه؟
تجاهلها مبتسمًا ابتسامة جابنية أثارت حفيظتها، تبعته متسائلة في جزعٍ:
-رد عليا يا "تميم".
بإشارة صارمة من سبابته أوقفها آمرًا بما يشبه التهديد:
-مكانك، ماتطلعيش برا الأوضة دي.. ده لو مش عايزة تخسريني!
هزت رأسها في انصياعٍ، ودون إعادة التفكير قالت، والقلق يعتريها:
-حاضر ............................................. !!!
..................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الثالث عشر 13 - بقلم Manal Salem
متابعة شيقة مع الفصل الجديد ..
الفصل الثامن والأربعون
على الرغم من مغيب الشمس وحلول الظلام إلا أن هذا لم يمنعه من القيام بتلك الزيارة الاستثنائية لها، ليطرق على الحديد وهو ساخن. لم تتوقع "بثينة" رؤية ابن أختها واقفًا على أعتاب منزلها، بالطبع كان من البديهي أن تظن أنه قد جاء لتهديدها، وربما الانتقام منها لفضحه بوقاحة؛ لكنها كانت أقوى من الشعور بالضعف أو الندم، رمقته بنظرة مستخفة به، وسدت عليه المدخل متسائلة بفظاظةٍ:
-جاي ليه يا ابن "بدير"؟
رد عليها "تميم" بنوعٍ من العجرفة، وهو يجوب عليها من رأسها لأخمص قدميها بنظرة احتقارية صريحة:
-كويس إنك عارفة أنا ابن مين، وابن "بدير" لو ليه حق عند حرمة هياخده برضوه!
استشعرت التهديد من نبرته ونظراته، فاتخذت موقفًا هجوميًا، وقالت متعمدة التقليل من شأنه بأسلوب سافر:
-إنت جاي تهددني في بيتي؟ دي القوالب نامت والأنصاص قامت.
فــرد ذراعه ليستند على حافة الباب، وانتصب بكتفيه متطلعًا إليها بنظرة خالية من أي عطف، ثم استطرد يقول بصوتٍ أقرب للفحيح، تسلل إلى بدنها وأرعبها:
-التهديد دي للهفأ، أنا بأجيب حقي بإيدي، ومن كل واحد جاب في سيرتي بالغلط.
لن تنكر "بثينة" أنها شعرت بالخوف من طريقة تحديقه به، لم يظهر عليه المزاح، كان يقتلها بنظراتها، على الفور تبدلت تعبيراتها للحزن، وادعت النحيب، ثم قالت بصوتٍ متقطع:
-كل ده عشان بأحمي بنتي؟ بقى تهون عليك يا "تميم"؟ تضربها وعاوزني أسكت، حرام والله، طب واللي في بطنها؟ عاوزها تسقط؟ ده أنا أم، وبأحس بضنايا.
أطلق ضحكة عالية هازئة بها قبل أن يصمت فجأة ليقول ساخرًا منها:
-إيه الحنية دي كلها؟ بس تصدقي مش لايقة عليكي خالص!!
واصلت عويلها قائلة:
-الله يرحمك يا "غريب"، موت وسبتنا آ....
اخشوشنت نبرته على الأخير، واشتدت عروقه، حين قاطعها بغتةً:
-بلاش جو الصعبنيات ده لأحسن مابياكلش معايا، اللي مات مات خلاص، ولو عاوزة الحي يحصله فأنا جاهز!
عفويًا تلمست عنقها مرتعدة من فكرة إقدامه على زهق روحها، أوحت لها هيئته الغريبة أنه قادر على تنفيذ ذلك دون أن يجفل، سألته من تلقاء نفسها آملة ألا تكون هي المنشودة بتهديده الضمني:
-قصدك عليا؟ أهون عليك؟ عاوز تموتني يا "تميم"؟ ده أنا أمك التانية
رد مصححًا بوقاحة:
-أنا ماليش إلا أم واحدة..
ثم صمت للحظة قبل أن يكمل وصلة إرهابها:
-اللي يمسيني أخرته كفن ونعش، فاللي يجي في دماغك يا خالتي، إنتي، بنتك، ابنك .. مش فارق معايا، لا دم ولا نسب، ولا صلة رحم! أصل في كتير عاوزين الدبح، والناس ماهتصدق تترحم عليهم.
شحب وجهها بشكلٍ مخيف، خاصة مع إشهاره لمدية صغيرة أمام عينيها فجأة، انتفضت لاطمة على صدرها، وقد كتمت شهقة مذعورة/ وحبستها في جوفها. سلَّك "تميم" بطرف المدية المدبب أسنانه الجانبية، خاتمًا حديثه بما يشبه النصيحة:
-أحسنلك تصلحي الليلة بدل ما تردم في الآخر عليكي.
هزت رأسها بإيماءات متعاقبة تعبر عن قبولها، وبإبهامه أعاد النصل الحاد إلى جرابه.. كان على وشك الانصراف؛ لكنه تذكر جملة جده التي أوصــاه بترديدها على مسامعها قبل أن يرحل. راقب ردة فعلها عن كثب، فعَمِد لتنفيذ ذلك حرفيًا، وقال وهو يتجه للدرج:
-أه صحيح.. لسه بتشيلي الفلوس تحت البلاطة جمب سريرك؟ ولا غيرتي النظام؟
تلبكت وردت بذعرٍ:
-إنت.. بتتكلم عن إيه؟
اكتسب وجهه طابعًا غامضًا أصابها بمزيد من الخوف، تحدث من زاوية فمه يودعها مشيرًا بإصبعيه على جبهته:
-سلام يا خـالتي!
لم ينظر نحوها مستشعرًا حالة الذعر البادية على تقاسيمها، وهبط الدرجات مدندنًا بصافرة بطيئة لاستفزازها،غمره شعورًا عظيمًا بالارتياح افتقده لوقت كبير، حان وقت الثأر، ورد الاعتبار!
.........................................................................
عـــاد "تميم" إلى أرض الواقع متأملاً من حوله بنظرات عابرة، جالت عيناه على الأوجه المتزاحمة، والتي ملأت مدخل البناية تقريبًا. حرك رأسه للجانبين محاولاً الرؤية من بين تلك الرؤوس المتداخلة؛ كان يبحث عنها تحديدًا، ولمحها من على بعد فتأهب في وقفته نافضًا وراء ظهره غضبه الذي اندلع قبل قليل. رفعت "فيروزة" طرفي ثوبها حتى لا تتعثر في خطواتها خلال سيرها خلف توأمتها العروس، فالذيل الذي امتد لما بعد أطرافه شكل عائقًا مزعجًا لها، تابعتها بنظرات مسرورة لفرحتها الظاهرة عليها، لمسة جادة من يد "علا" على كتفها أجبرتها على الالتفاف والنظر نحوها، فاقترحت عليها رفيقتها؛ وكأنها تفرض الأمر عليها:
-تعالي عشان تركبي معانا.
سألتها "فيروزة" باندهاشٍ، غير متوقعة أن يبادر أي أمر آخر لذهنها:
-أركب فين؟
ردت ببساطة، وتلك الغبطة ظاهرة عليها:
-معايا أنا و"آسر".
على الفور تحولت أنظارها نحو السيارة المصطفة خلف سيارة العروس، لتجد ذلك السمج يقف عند مقدمتها، عاقدًا لذراعيه أمام صدره، أبعدت عينيها عنه، والتفتت تسألها باستغرابٍ مستنكر:
-هو مش رجله مكسورة؟ بيسوق إزاي أصلاً؟
ربما لم تنتبه لتعافيه، فأجابتها بمنطقية:
-ما هو فك الجبس من كام يوم، أنا كنت معاه، يالا بقى قبل ما يتحركوا.
ردت عليها معتذرة بوجه منقلب:
-مش هاينفع يا "لولو"، أنا وعدت "همسة" إني هاركب معاها.
وببديهية معروفة كما المعتاد سألتها "علا":
-ليه هي أخت العريس مش هتركب؟
نفت بزفيرٍ منزعج:
-لأ.. هي مش موجودة هنا أصلاً.
هزت رأسها معقبة عليها:
-تمام.. فهمت.. عمومًا احنا وراكو..
ثم احتضنتها دون مقدمات، وهنأتها بلطفٍ مرح:
-ومبروك يا قلبي
ربتت على ظهرها تجاملها:
-الله يبارك فيكي.
عضت "علا" على شفتها السفلى، وقد حانت منها نظرة سريعة نحو "آسر"، لتقول بعدها بتنهيدة هائمة:
-هابقى أقرصها في ركبتها .. مش بيقولوا كده برضوه؟
ابتسمت "فيروزة" وهي ترد:
-أيوه.. عشان تحصليها في جمعتها
خرج من جوفها تنهيدة أخرى راجية رددت خلالها بأمل كبير:
-يا ريت
......................................................
استقرت في المقعد الخلفي بعد ترتيب ثوبها، ليكفي المساحة الشاغرة المخصصة لها، وتلميحات "فيروزة" باتخاذ حذرها حتى لا يتجعد ترن في أذنيها، بالرغم من عدم تحديقها بها. بدا كل شيء مشوشًا، مربكًا، ومتداخلاً في عقلها. حاولت "همسة" السيطرة على كم الأفكار الحائرة التي تسبح في فضاءات خيالها، لكنها فشلت، ربكتها أقوى من قدرتها على إيقاف الصخب الدائر في رأسها .. كانت الليلة في بدايتها؛ لكن أغلب قواها مستنزفة، مرهقة، ومتوترة. انتفاضة خفيفة اعترت جسدها حين التصق بها "هيثم"، بدا الأخير متحمسًا للغاية، على عكسها، وبخجلٍ زائد أخفضت نظراتها سريعًا عندما مدحها بنظراتٍ نهمة، مليئة بالرغبة:
-زي القمر يا "هموسة".
تخضب وجهها بمزيدٍ من الحمرة الدافئة، فيكفيها ما ألقي على مسامعها من أمور مخجلة طوال الأيام الماضية من كل امرأة تمتلك خبرة لا مثيل لها، كنصائح جادة ومثالية للحصول على حياة زوجية مستقرة، تنعم فيها بالجانب الحسي والوجداني في العلاقات الحميمية مع زوجها، أحست بشرارات من الخجل الممتزج بالخوف وقد تبادر إلى ذهنها تلك التلميحات المتجاوزة –وربما البذيئة- عما يحدث في ليلة العرس تحديدًا بعد انصراف المدعوين. أتى صوتها مهتزًا وهي ترد عليه بعد برهة مدركة أنه لا يزال ينتظر ردها:
-شكرًا.
.........................................................
تجمدت في مكانها مترددة للحظاتٍ، لم تتوقع أن يقود "تميم" السيارة، خاصة بعد أنباء القطيعة التي أشيعت في الأيام الأخيرة بينه وبين ابن خالته؛ لكن على ما يبدو كانت الأمور عادية، ولا مجال للخلاف أو الخصومة، كلاهما يبدوان طبيعيان، وإلا لما كان الأول يقود السيارة له. تشجعت "فيروزة" ملقية وراء ظهرها كل ذلك اللغو، وجلست في مكانها الشاغر -مثلما وعدت توأمتها- عاقدة العزم على ألا تسمح له بالنقاش معها فيما يخص ذلك الحريق المشؤوم، ليبقى الماضي في مكانه دون نبشٍ. تحرجت حين وجدته يمد ذراعه فجأة نحو التابلوه، شعرت بتلك الخفقة الموترة تجتاحها، وكان كل ما فعله ضبط إحدى الألعاب المتحركة الموضوعة عليه حتى لا تسقط. سدد لها "تميم" نظرة غريبة نافذة من تلك المسافة القريبة، شعرت وكأنها تخترقها، وتعري أسرارها المخبأة.
عبست "فيروزة"، وانعقد حاجباها، ثم رمقته بنظرة منزعجة تنذره بعدم تكرار الأمر، ومع ذلك قابلها بابتسامة غامضة؛ وكأنه يظهر لها عدم انصياعه لأوامرها الصامتة. نفخت في سأم، وأشاحت بوجهها لتحدق في الطريق عبر نافذتها، وزع "تميم" نظراته بينها وبين العروسين قبل أن يتنحنح بخشونة لينطق بعدها موضحًا:
-احنا هنطلع على طريق الكورنيش، هنلف هناك شوية، ومنه هنرجع
علقت "فيروزة" بنزقٍ؛ وكأنها تفرض عليه المسألة كأمر واقع لا نقاش فيه:
-"علا" و"آسر" ورانا، أنا هاعرفهم رايحين فين عشان منتوهش من بعض
تحولت تعابيره للتجهم، وغامت نظراته لنطقها باسم هذا الكائن المتطفل مجردًا من أي ألقاب، رافعة الكُلفة بينهما، مما استفزه بشكلٍ لا يطاق. تنفس بعمقٍ ليثبط أي مشاعر ناقمة تتسرب إليه، وقال باقتضابٍ:
-طيب.
........................................................
لو لم يكن محترفًا في القيادة لظن من يركب إلى جواره أنه يتعمد ارتكاب حادث مروع مع السيارة التي تتبعه؛ وكأن هناك مطاردة بينهما، إلى أن تمكن من الإفلات منها ليفقدها وسط زحام السيارات بالطريق المختنق، التوى ثغر "تميم" بابتسامة منتشية لنجاحه في تضليل "آسر"، وواصل القيادة بتمهلٍ ممل لم تلاحظه سوى "فيروزة" المراقبة لحركة السيارة، سألته بعد أن أخفضت صوت المذياع الصاخب قليلاً:
-هو احنا رايحين فين كده؟ ده مش طريق البيت!
أجاب مبتسمًا ببرودٍ، وتلك النظرة المتسلية ظاهرة في عينيه:
-بناخد لفة يا أبلة.
ردت بلهجتها الجادة، لتتأكد من وضع حدود في العلاقة بينهما:
-مش عايزين نتأخر على المعازيم.
آمــال رأسه ناحيتها ليضمن التفافها نحوه، ثم قال بثقةٍ غامزًا لها بطرف عينه:
-طول ما إنتي معايا ماتقلقيش.
تجهمت تعبيراتها أكثر، وظهر الاستنكار على محياها لتعلن بذلك عن رفضها لأريحيته في الحديث معها. ربما ندم لتسرعه في إلقاء تلك الجملة العابرة، بتلك الطريقة الودية المتخلية عن أي تحفظٍ على مسامعها؛ وكأن القلب نطق عن العقل معبرًا عن اهتمامه الجاد بها. توقع أن توبخه، لكنها لم تعقب، كانت مشغولة بالتطلع لهاتفها المحمول، نظرة خاطفة مختلسة ألقاها عليها فلاحظ أنها تراسل أحدهم، وبشكٍ مبرر له أسبابه المنطقية ظن أنه الكائن اللزج المدعو بـ"آسر"، لذا بغيظٍ أدار المقود بحركة دائرية مباغتة، أجبرت السيارة على الانحراف عن الطريق، والالتفاف بشكلٍ قوي جعل الهاتف يرتد تلقائيًا من بين أناملها، وتميل بجسدها نحوه لترتطم بكتفه، وقبل أن تعنفه لرعونته، هتف "هيثم" من الخلف مبديًا حماسه:
-الله عليك، عاوزين خمسات وعشرات كده.
تراجعت "فيروزة" عن توبيخه متوهمة أنه ربما يكون اتفاقًا ضمنيًا بينهما، وهي لم تنتبه له. لقى "تميم" استحسانًا من ابن خالته، وكذلك تقبلاً من طاووسه القريب منه، مما جعله يكرر تلك الفعلة قائلاً بحماسٍ يفوقه:
-أي حاجة يا عريس!
في المقعد الخلفي، كان "هيثم" مستمتعًا بذراعه الملتف حول عروسه وتطويقها، وكأنه يمهد لها بقرب احتضانه الحميمي لجسدها، لكنها لم تكن واعية لذلك، حيث تلبكت من الحركات العنيفة للسيارة، وظنت أنها ستنقلب بهم إن لم يتخذ "تميم" حذره، شهقت صارخة لأكثر من مرة، لكن مال "هيثم" نحوها ليقول بمدحٍ:
-ما تخافيش يا عروسة، "تميم" أستاذ الحركات الخِطرة كلها.
ابتلعت "همسة" ريقها، وقالت برهبةٍ طفيفة، غير تلك المسيطرة عليها بسبب طبيعة اليوم:
-ربنا يستر.
هتفت " فيروزة" من الأمام بما يشبه التهكم، لتظهر مشاركتها في حوارهما:
-المهم نوصل حتة واحدة.
تعقد حاجبا "تميم" بشدة، ورمقها بنظرة لائمة لكونها شككت في قدراته القيادية، وقال بقليلٍ من العجرفة:
-احنا عفاريت الأسفلت يا .. أبلة!
رف على جانب شفتيها ابتسامة ساخرة وهي تغمغم باقتضاب:
-باين..
لم يكترث إن كانت تسخر منه أم تثني عليه، يكفيه أنها الآن تبتسم في حضوره، وعلى كلماته التلقائية.
.................................................................
كانت لتتقبل بإلقاء نفسها في الجحيم، لتحترق حية، وتأكلها ألسنة النيران، على أن ترى ما يحدث الآن نصب عينيها. برزت عينا "خلود" من محجريهما وقد رأت زوجها يترجل من السيارة ليدور حولها قاصدًا الجانب الآخر، وبتهذيبٍ يدل عن لباقةٍ لم تختبرها معه فتح الباب لعدوتها؛ "فيروزة". كانت الأخيرة جالسة في المقدمة إلى جواره، حيث من المفترض أن تكون "خلود" بديلتها، في رفقة زوجها. توهم خيالها الكثير من الأمور غير الحقيقة، معتقدة أنها كانت تحادثه بأريحية، تبتسم له بإغراءٍ بين الحين والآخر، وربما التصقت به عن عمدٍ لتؤثر به بأسلحتها الأنثوية الفتاكة؛ هكذا خُيل إليها!
تحفزت لتنقض عليها ناقضة كل العهود التي أبرمتها مع نفسها بالظهور أمام العامة بالزوجة المحبة لبيتها، الطيعة لزوجها، واللطيفة مع الغرباء، لتؤكد للجميع بأنها ضحية اضطهاده العنيف، حتى وعدها بعدم الاتصال مع والدتها خالفته؛ وكانت تفضي كالعادة بسرها لها، تستشيرها في كل صغيرة وكبيرة؛ تاركة إياها تتلصص على تفاصيل حياتها. لولا قبضة "بثينة" التي اشتدت على معصمها تستحثها على البقاء، لتحركت نحوهما متسببة في فضيحة كبيرة تُحطم به الهالة البريئة المرسومة حولها. همست لها أمها متسائلة من بين ابتساماتها المتكلفة، والتي توزعها على الحضور:
-رايحة فين يا بت؟
تخشب جسدها، وانتفضت دمائها المغلية في كامل عروقها لتعزز من رغبتها في الفتك بها، بصعوبة أدارت رأسها في اتجاه والدتها تسألها بصوتٍ محموم بغضبه:
-عاوزاني أقف اتفرج يامه على المسخرة دي؟
بهتت ابتسامتها، وحذرتها بلهجة شديدة، حين رأت في عينيها إصرارًا على التصرف برعونة:
-اثبتي، بلاش فضايح، الناس هتتفرج علينا، واحنا مصدقنا الليلة اللي فاتت اتلمت.
اختنق صوتها وهي ترد بنبرتها الساخطة:
-فضايح؟ ده إنتي لسه هتشوفي الفضايح اللي بجد؟ عاوزاني أحط الجزمة في بؤي وأرضى بواحدة زي دي ماتسواش نكلة تاخد مكاني؟ أنا مراته، مش هي! أنا المفروض اللي أبقى معاه مش هي!
ردت عليها "بثينة" بتبرمٍ، وتعبيراتها تحولت للعبوس:
-ما إنتي اللي صممتي تفضلي هنا.
قالت بأنفاس هادرة رغم خفوت نبرتها:
-مجاش في بالي إنه هيوصل "هيثم"، فكرت بعد اللي حصل بينهم مش هيروح معاه في حتة.
شردت نظرات أمها، وقالت بتوجسٍ حقيقي:
-محدش عارف جوزك بيفكر إزاي اليومين دول!!
واصلت "خلود" هجومها المتحفز على غريمتها، فلعنتها قائلة:
-وطبعًا بنت الـ(...) دي مصدقت تستفرض بيه، مالهاش كبير يلمها الـ (...)!
عللت أمها وجودها معه قائلة:
-أكيد جت صدفة.
استنكرت جملتها تلك، وانفجرت تزأر في وجهها، بالرغم من خفوت صوتها عمن حولها:
-مافيش حاجة صدفة يامه، البت دي سهونة ومش سهلة، دي خطافة رجالة.
نصحتها "بثينة" بهدوءٍ علها تصغي لها:
-سيبك منها دلوقتي، هنتعامل معها بعدين، إنتي روحي لجوزك، وإنتي بتضحكي في وشه، ماتحسسهوش إن في حاجة، ولا إنك غيرانة وآ...
قاطعتها محتجة بشدة على كلماتها الأخيرة، وتلك النظرة الاحتقارية تغلف عينيها:
-أنا أغير من السنكوحة دي؟ على إيه؟ دي ماتسواش جزمة في رجلي!
جارتها في ازدرائها المهين لها، وأضافت بنفس أسلوبها الناصح:
-كويس، اتعاملي معاها كده، واترمقعي على جوزك قصادها، خليها تفلفل وتطق منك.
نفخت قائلة بغلٍ، دون أن ترتد نظراتها عن "فيروزة":
-ماشي يامه.
أوصتها مكررة نصيحتها حتى لا تتصرف بهوجائية:
-بالراحة ومن غير عصبية
..................................................................
على ما يبدو كان من العسير عليها أن تخرج من السيارة، دون مساعدة خارجية، حاولت مرارًا وتكرارًا فتح بابها؛ لكنه لم يستجب لها. كسا وجهها تعبيرًا مدهوشًا، -وأيضًا خجلاً- حين ترجل "تميم" من السيارة يستأذنها بتهذيب غريب عليه:
-بعد إذنك يا أبلة .. استني شوية.
توقفت عن تحريك المقبض المتعثر، وتابعته بنظراتها الحائرة وهو يدور حول مقدمة السيارة، توقف بجوار بابها ليفتحه لها، ازدادت حرجًا من قيامه بتلك الخطوة، نظرًا لتعطل القفل الالكتروني. لم تحبذ أن يظن بها أحدهم السوء، أو أن يفسر الموقف بصورة خاطئة، منحته نظرة ناعمة ممتنة مع ابتسامة مجاملة قبل أن تشيح بوجهها في اتجاه توأمتها، لتساعدها في فرد ثوبها، وإعادة تنسيق أطرافه التي تجعدت. أرهفت السمع للصوت الأنثوي الحاد الذي أتى من خلفها مادحًا:
-ماشاء الله يا حبيبي، بتفكرني بليلة دخلتنا..
نظرت "فيروزة" من طرف عينها نحو "خلود"؛ تلك الفظة بشحمها ولحمها ظهرت على الساحة، وأدركت أنها كعادتها أتت للاستعراض أمامها، وكذلك التنمر على شخصها. حدث ما خمنته عن طباعها الاستفزازية، وتابعت قائلة بميوعة ثقيلة:
-وعقبال يا رب ما تزف عيالنا، ربنا يخليك ليا يا حبيبي، ويبعد عنك عين الحسود.
لم تأبه بها "فيروزة"، التجاهل أفضل ما يمكن فعله مع أمثالها، سمعتها تردد عاليًا:
-هاشوف العرسان، استناني مش هتأخر عليك يا سيد المعلمين.
وكالعادة لم تلقِ لسماجتها بالاً، بقيت واقفة إلى جوار توأمتها تدعمها معنويًا بابتساماتها الودودة وهمهماتها العادية. رأت "فيروزة" نظرات "خلود" المغلولة مثبتة عليها، وبصورة سافرة، حتى وهي تخاطب أخيها:
-مبروك يا "هيثم"، ربنا يتمملك على خير، وتكون فعلاً تستاهلك.
رد "هيثم" بسعادة واضحة عليه يمدح خطيبته –التي باتت على وشك أن تقترن به دون زيفٍ أو نفاق:
-يا ريت أنا اللي استاهلها، هو أنا أطول القمر ده يبقى جمبي؟
رفرفت "همسة" برمشيها في حرجٍ كبير، وحدهما أو أمام الحضور لا يكف عن التغزل بها. أشار "هيثم" لها بيده يحثها على التحرك، فبدأت بالسير، ومن ورائها "فيروزة" تكُلمها:
-بالراحة يا "همسة".
تبعتها على مهلٍ، لكن استوقفتها "خلود" بشدّها بغيظٍ من ذراعها، متعمدة غرز أظافرها الحادة في لحمها، ألقت عليها نظرة حانقة، وسألتها ببرود:
-إيه مافيش مبروك؟
أزاحت "فيروزة" يدها عنها، وقد شعرت بشراستها على جلدها، حدجتها بنظرة غائمة متحفزة وهي تسألها متجاهلة إحساسها الحالي بالألم:
-لمين بالظبط؟
استغربت من جمودها، وقالت بتهكمٍ سافر:
-أه صح، نسيت إنك أخت العروسة، مخدتش بالي منك، ولولا إنك واقفة جمبها مكونتش شوفتك أصلاً، ماهو المثل بيقول لبس البوصة تبقى عروسة.
كركرت "فيروزة" ضاحكة قبل أن ترد ببرودٍ استفزها سريعًا:
-دي البوصة مش أنا..
ثم ربتت على جانب ذراعها مكملة نصيحتها النارية لها:
-وابقي اكشفي نظر عشان تشوفيني حلو.. أصل السواد اللي في قلبك من ناحيتي طفحت على عينك.
تبعت جُملها بضحكة مستخفة بها أشعلت من غيظها، وزادتها كمدًا. تسمرت "خلود" للحظات في مكانها محاولة وأد مشاعرها الحاقدة عليها، حتى لا تبدو منهزمة أمامها. رسمت بسمتها السخيفة، واتجهت إلى زوجها الذي بادر متسائلاً بتهكم رافضًا تزييف مشاعر غير موجودة بينهما:
-لازمتها إيه الحركات القرعة دي؟
تأبطت ذراعه بشكل مبالغ فيه؛ كأنها تخشى هروبه، وتعلقت به كالعلقة تشده من كتفه، لتبدو أكثر التصاقًا به، قبل أن تجيبه:
-هو أنا قولت حاجة غلطت؟ ده أنا بأوجب مع العروسة وأختها!
قال بتحفزٍ:
-ماهو باين.
جذبته ليتحرك معها وهي تهتف:
-يالا يا حبيبي ده الزفة بدأت
استل ذراعها بقوة منها ليقول بنبرته الباردة، ونظراته نحوها خالية من الاهتمام:
-شوفيها لوحدك.. أنا رايح عند معلمين السوق.
جاهدت لتبدو مبتسمة أمام إحراجه العلني لها، وقالت بابتهاجٍ زائد حفظًا لماء وجهها:
-وماله يا حبيبي، ما إنت ابن الكبير ..................................... !!
.........................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الرابع عشر 14 - بقلم Manal Salem
الفصل التاسع والأربعون
خرقت مبادئه السامية حول أهمية العائلة بالنسبة له، وخربت كل شيء اعتبره مثاليًا للتضحية من أجله، فقط لترضي نزعتها التملكية في الاستحواذ على شخصه؛ وإن كان في ذلك إيذائه. ترك ما تعهد تجنبه ليغدو شخصية أخرى غير المتعافية، ليصبح على ما كان عليه سابقًا، عل حينها تدرك الخطأ الجسيم الذي فعلته، ودفعه بكراهية للتحول للنقيض. شتت "خلود" تفكيرها عنه، وحافظت على بسمتها الزائفة لتسير في اتجاه بعض الشابات، حيث استوقفتها إحداهن تسألها:
-عاملة إيه دلوقتي؟
ردت بنفس البسمة المحافظة:
-الحمدلله
كانت تعلم في قرارة نفسها أن تلك الشابة تحاول أن تشبع فضولها بتحري المزيد من أخبارها الخاصة، جراء الفضيحة الأخيرة، وبكل جراءة سألتها أخرى:
-صحيح، جوزك عامل معاكي إيه بعد اللي حصل؟ احنا شايفينكم زي السمنة على العسل!
كركرت "خلود" ضاحكة قبل أن تقضم ضحكتها لترد بخجلٍ مفتعل:
-هو في زي المعلم "تميم"، ربنا يخليهولي.
ركزت الشابة أنظارها عليها، وتابعت أسئلتها الصريحة:
-يعني مش زي ما اتقال عنه؟ أصل في كلام داير في الحتة عن إنه آ.....
قاطعتها "خلود" مؤكدة بتعابير مرتخية وهي تتدلل بكتفها:
-دي كانت ساعة شيطان وراحت لحالها...
ثم أخفضت نبرتها، ووضعت يدها أمام فمها لتوحي بأن حديثها يحتوي على عباراتٍ مخجلة قبل أن تكمل:
-وبيني وبينكم أنا زودت العيار معاه، وادلعت عليه، وهو مايستغناش عني.. ما إنتو عارفين الرجالة
افتعلت الضحك، وشاركتها الشابات في ذلك، بعد أن تحول مجرى الحوار عن أمورٍ شبه جامحة بين الزوجين. بقيت معهن لبعض الوقت تتبادل معهن الحديث الودي العابر؛ وكأنها زوجة محبة، تُلقي بالنصائح الإرشادية اللازمة، لتستحثهن على استرضاء أزواجهن. اختطفت نظرة سريعة نحو زوجها على أمل أن يرمقها بعينيه، لكنه بدا مشغولاً بالحديث مع اثنين من معارفه، لم تدقق النظر فيهما، وصرفت –مؤقتًا- انتباهها عنه.
.............................................................
بابتسامةٍ مبتهجة، ونظرات فرحة حقًا، أقبل "تميم" على ضيوفه الأعزاء ليرحب بهم واحدًا تلو الآخر بحرارةٍ طغت على مشاعره المنزعجة من تصرفات زوجته، تبادل مع اثنين منهما الأحضان الرجولية عن الأخرين، ليتراجع خطوة عنهما وهو يتابع ترحبيه بهما هاتفًا:
-حمدلله على السلامة، نورتوا المكان.
رد "منذر" بصوته الأجش وهو يمسح بنظراته المكان برمته:
-يا عم المكان منور بأصحابه، فين العريس أومال عشان نباركله؟
أجاب عليه مستخدمًا يده في الإشارة:
-بيجهز للزفة.
علق "دياب" مازحًا وهو يلوح بذراعه:
-آه مين أده.
التفت "تميم" نحوه ليرد غامزًا له بطرف عينه:
-يا سيدي احنا فيها، انوي إنت بس، والتساهيل على الله.
لمعة خفية غطت عينا "دياب" قبل أن يدمدم بتنهيدة بطيئة:
-ربك كريم.
انشغل الاثنان في حوارهما المازح، بينما تباعدت نظرات "منذر" عنهما، على ما يبدو كان محدقًا بنظراتٍ مطولة بأحدهم، زادت نظراته تجهمًا، وقد انعكس الضيق على محياه، فبعض الوجوه كانت مألوفة له، تربطه بينهم معارك سابقة، ومشادات عنيفة، وحتى يقطع الشكوك التي تساوره استدار نحو رفيقه "تميم" ليربت على كتفه، ثم سأله بهدوء، وعيناه ترتكزان على وجهي كلاً من "فتحي" و"اسماعيل":
-بأقولك إيه إنت تعرف الناس دي؟
جال "تميم" بنظراته على معظم الأوجه المتجمعة في هيئة تكتلات بشرية متسائلاً بحيرة:
-أنهو ناس؟
أومأ بعينيه متابعًا توضيحه الغامض:
-اللي هناك، قاعدين نواحي الحاج "عوف".
ضاقت عينا "تميم" بشك وهو محدق بهما، سكت للحظاتٍ؛ وكأنه يعتصر ذهنه لتذكرهما، وللواقع كانت مرته الأولى التي يلاحظ فيه وجودهما، لذا رد نافيًا:
-لأ.
أطبق "منذر" على شفتيه، وتبادل نظرات غريبة –شبه صارمة- مع أخيه الذي بقي صامتًا هو الآخر، رغم تبدل تعابيره للتجهم أيضًا؛ وكأن بينهما إشارات غير منطوقة. تنحنح "تميم" قبل أن يتابع مجددًا من تلقاء نفسه:
-بس شكلهم من قرايب العروسة، خالها واقف معاهم.
رد "منذر" بوجهٍ مقلوب:
-طيب.
كان يملك من الفراسة ما يؤكد له حدسه بوجود خطب ما بهما، صمتهما المستريب، نظراتهما الحذرة، وحتى هدوئهما غير الاعتيادي الذي ساد فجأة. لاحظ "تميم" امتعاض وجهيهما، فتساءل باهتمامٍ:
-في حاجة قلقاك يا "منذر"؟ إنت تعرفهم؟
أجابه بتحفظٍ بعد زفيرٍ بطيء:
-بص من الآخر كده، الجماعة دول بتوع مشاكل وحوارات كانت معانا من قريب، فخد بالك منهم!
قال "دياب" دون احتراز:
-بس احنا علمنا عليهم.
استرعت كلماتهما الجادة كامل انتباه "تميم"، وتساءل مستوضحًا:
-مشاكل إيه بالظبط؟
لم يكن الظرف مناسبًا للتطرق لمثل تلك المسائل الشائكة، وبالتالي رد "منذر" متهربًا منه:
-بعدين .. هتقابل معاك ونتكلم على راحتنا.
التفت "تميم" برأسه نحو أحد الرجلين، وكان يحدق بـ "منذر" بكراهية واضحة، بدا ذلك جليًا على تقاسيم وجهه، ولم يكلف نفسه عناء إخفاء مشاعره، توقف عن التحديق به ليلتفت نحو "دياب" حين هلل مازحًا وهو يصفق بيديه:
-يا جدعان احنا في فرح، خلونا نفرفش، ونروق على العريس ،قبل يرجع يندم ويغني ظلموه.
ضحك "تميم" على طرفته، وأيده غامزًا له بطرف عينه:
-ده ليلته الكبيرة
هز "دياب" رأسه مضيفًا بعبوسٍ زائف:
-مظبوط، لأن الغم جاي بعدين، إنت ناسي إن النكد أسلوب حياة الحريم عندنا.
............................................................................
في القلب ضغائن ما زال يحملها في طياته، لا يقدر الزمن على محوها، لكونها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمشاعر الحسية والوجدان. توقفت "حمدية" بالركن تدعي ابتسامها لمن اجتمع بالقرب من زفة العروسين، ومع هذا تشتت أنظارها عن الجميع، وشردت تتذكر ماضيها البعيد. كعادة معظم العائلات بالمناطق الريفية يتم تزويج الإناث في سن مبكرة؛ بمجرد بلوغهن، وقد لا تصلن أعمارهن لسن الخامسة عشر في بعض الأحيان، وبالتالي يلقى على كاهلي تلك الفتاة الصغيرة مسئولية أفراد عائلة بأكملها، وتتحمل عبء تأسيس أسرتها بالإنجاب.
في تلك الفترة الزمنية البعيدة، كانت "حمدية" في الرابعة عشر من عمرها، تكبرها "سعاد" إحدى بنات البلدة بعامين، لم يكن الفارق المادي بينهما كبير، كلتا الفتاتين من عائلات بسيطة؛ لكن تمتاز الأولى بحرص عائلتها على ذهابها للمدرسة، وكلتاهما كانتا مرشحتين لنفس الشخص؛ "اسماعيل" الابن البكري لعائلة "أبو المكارم". وقعت "حمدية" في حبه منذ اللحظة الأولى، وتمنت بشغف أن تكون زوجته، لما يمتاز به من سمات جسمانية جيدة، بالإضافة لطباعٍ كيسة، وشخصيته القوية غير الاتكالية. جاءت الصدمة حينما رفض الارتباط بها، وفضل عنها "سعاد". نبعت الكراهية نحوها من أعماقها، خاصة مع إنجابها لأول أبنائها، والذي من المفترض أن تكون هي من تحمله بين أحشائها.
وقبل أن تتعاظم الكراهية بداخلها، وتأكلها الغيرة أكثر، سعت للموافقة على أول من يطرق بابها، حتى لا يطاردها لقب العانس. كان المرشح آنذاك فقيرًا، شبه معدم، وقبلت به. استمرت خطبتها له لبضعة سنوات ريثما يعود من الخارج نهائيًا بعد جمع ما يمكنه من أموال لبناء منزل الزوجية، وللأسف قُتل زوجها المستقبلي في حادث عرضي يخص الثأر قبل أسبوع من عرسها. عزفت عن الخطبة لبعض الوقت حدادًا على الفقيد، رغم عدم وجود أي مشاعر تربطها به، ومع هذا جددت سعيها للارتباط بغيره. وبسبب أطماعها وافقت على الزواج من رجل ثري –وإن كان يفوقها عمرًا- نكاية بغريمتها القديمة، لتظهر لها ثرائها، فقد ظلت "سعاد" تعاني من عثرات مادية مع زوجها لوقت لا بأس به.
أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، ومات الزوج قبل موعد الزفاف ببضعة أيام .. وقتها خشيت معظم العائلات من تكرار نفس المصير الأسود المشؤوم الذي اقترن بها، وعزف أغلبهم عن ترشيحها لأي شاب يسعى للزواج، إلى أن ابتسم لها الحظ بعد سنواتٍ عجاف، وتعرفت إلى "خليل"؛ صهر عائلة "أبو المكارم"، حيث تزوجت شقيقته "آمنة" من الشقيق الأصغر لـ "اسماعيل". بعد فترة وجيزة كانت تُزف إليه، لتصبح تتبع عائلة حبيبها القديم بشكلٍ غير مباشر.
تبدلت الأحوال، ورأت على أرض الواقع ما حظيت به "سعاد" من ترفٍ، ونعيم، وأربعة أبناء؛ ذكر، وثلاثة إناث، بالإضافة للمشاعر المحبة من زوجها نحوها، بينما كانت لا تزال قابعة في بؤسها وشقائها، مع انعدام مشاعر اللطف بينها وبين "خليل"؛ أصبحت حياتها جحيمًا يوميًا. لم تتغلب "حمدية" على مشاعرها الناقمة، وركزت أهدافها على تحقيق الثراء بأي وسيلة، لتناطح "سعاد" الرأس بالرأس، اعتقدت حين تتباهى في حضورها بأنها أنجبت من الأبناء الذكور ثلاثة، فقط لتظهر تفوقها عليها في تلك المسألة، أن مشاعر الغيرة ستظهر لديها، لكنها ببساطة لم تهتم، بل لم تكترث مطلقًا، وبدت هانئة في حياتها المرفهة. ورغم ابتعادها عنها لسنوات إلا أن مشاعرها الحاقدة لم تخبت يومًا؛ وإن كانت لا تظهر ذلك علنًا.
أفاقت من شرودها الحانق على صوت إحداهن تهنئها، ابتسمت بتكلفٍ، وردت عليها:
-الله يبارك فيكي.
لمحت "سعاد" من زاويتها، فغمغمت مع نفسها بحقدٍ:
-كان زماني مكانك، لولا الحظ!
رأت "سعاد" نظراتها نحوها، فتقدمت نحوها متسائلة بابتسامتها الودية:
-مالك يا "حمدية"؟ إيه اللي مضايقك؟
ردت بتجهمٍ:
-مافيش حاجة تقدر تضايقني.
ناكفتها بمزاحٍ:
-أصله باين على وشك، في حد قالك كلمة كده ولا كده؟
علقت عليها بسخطٍ، وهي تترفع في نظراتها نحوها:
-محدش يقدر! ده أنا أعكنن على بلد وما اتعكننش.
ابتسمت وهي ترد:
-في دي معاكي حق، ربنا يصلح حالك.
نظرت لها بعينين تتقدان غيظًا قبل أن تنطق بتبرمٍ:
-ما هو متصلح، خلي دعوتك لنفسك.
................................................................
-الحكاية جت بسرعة.
تعلل "خليل" بتلك الجملة السخيفة حين لم يتوقف "اسماعيل" عن معاتبته بين الحين والآخر، لعدم التزامه بالقواعد المتبعة عند قيام أحدهم بالتقدم لخطبة إحدى بنات العائلة، بدا رده سمجًا، وغير مراعٍ لضيفه، فامتلأ وجهه بأمارات الضيق، واستمر يلومه:
-مكانش يصح بردك، ده أنا عمها الكبير، يعني عصبها على طول، في مقام أبوها، ولا إنت نسيت الأصول يا "خليل"؟
نفخ في سأمٍ من مناقشته العقيمة معه، وتكرار نفس الجمل السخيفة كلما رأه؛ وكأنه ارتكب جرمًا لا يُغتفر، وبتبرمٍ رد عليه:
-لا مانستش، وأنا خالها .. والخال والد يا حاج "اسماعيل"، وعملت الصح والمناسب معاها.
لم يشاركهما الحوار في البداية، كان مشغولاً بمراقبة خصمين استفزاه من قبل، وأحرجاه علنًا، أبعد نظراته عنهما ليدير رأسه في اتجاه "خليل"، بدا "فتحي" متعصبًا ومتحيزًا ضده، ثم لكز بعكازه على الأرضية معبرًا عن احتجاجه، وحاوره بصوتٍ غلفه التزمت:
-بس كان المفروض عريسها يخطبها من عندنا.
استدار نحوه مبتسمًا ابتسامة باهتة، ورد بدبلوماسية:
-تتعوض يا حاج "فتحي" في اللي جاي.
لم يستسغ الأخير رده، وأضاف بنبرة حاقدة متعمدًا تصعيد الغضب بين القريبين:
-ولا شكلنا مانشرفش نسايبكم؟
رمقه "خليل" بنظرة قوية حانقة، كان يعلم جيدًا أنه من النوع المثير للمتاعب بأسلوبه المستفز والمحفز للحمية الذكورية، وكل من تعامل معه يُدرك براعته في توغير النفوس، وملء الصدور بالغل، لذا ببرودٍ شديد رد عليه:
-لأ إزاي، ده إنتو فوق راسنا.
ولكون "اسماعيل" يعلم أنها وسيلته المعتادة لإثارة الشغب، خاصة فيما يتعلق بقريبته "أسيف"، وما حدث مؤخرًا من شجار دموي عنيف، ربما قد يتكرر إن صمت ولم يوقفه عند حده. تنحنح بخشونة، واستطرد يقول له بهدوءٍ:
-خلاص يا حاج "فتحي"، مالوش لازمة العتاب دلوقتي، اللي حصل حصل.
اضطر على مضض أن يبتلع "فتحي" حنقه الذي تعاظم بمجرد رؤية كلاً من "منذر" و"دياب"، وكيف تمت إهانته أمام العامة، فحاول صب جم غضبه المشحون وتوجيهه نحو "خليل"، لكن الأخير كان أذكى قليلاً ليتجنب الانسياق ورائه، تجاهله ليرد على صهره:
-تسلملنا يا حاج "اسماعيل".
..................................................
بكل ما فيها من حماسٍ وشغف، اضطرت أن تدعم موقف من اعتبرته أقرب أصدقائها –رغم الفارق العمري- في اهتمامه الواضح برفيقتها، وبالرغم من كونها تكن له المشاعر النبيلة والغالية، إلا أنها لم ترغب أبدًا أن تكون سببًا في تعاسته. اعتبرت حبها العذري له سريًا، مقدسًا، نقيًا، مترفعًا عن أي أهواء، ذي نوعية متفردة، ولا يجب البوح به أبدًا. لهذا لم تتردد في إظهار تعاطفها معه، حين اعترف لها بانجذابه نحو "فيروزة". قاومت مشاعرها، وقررت مساعدته في التقريب بينهما، دون أن تخبو رغبتها أيضًا في أن يدرك ما تكنه له، وطالما أنها تحتفظ بمكانتها المميزة في حياته، لن تتوانى عن الوقوف بجواره. كانت أجدر الناس على قراءته، حيث دومًا يفضل اختبار العلاقات الغريبة عليه، كما لو أنها تمنحه شعورًا بالقوة والسيطرة؛ لكنه لم يستمر في أي علاقة انخرط بها مطولاً، فقط نزوات عابرة تحت أي رباط رسمي لتنتهي مثلما بدأت في لمح البصر، ولكونها تعرفه جيدًا، كانت واثقة أن ارتباطه برفيقتها لن يدوم، سيشعر بجفائها، وجديتها، وسيضجر منها بعد بعض الوقت، حسنًا لتتركه يتذوق فقط نوعيتها المستعصية عليه قبل أن يلفظها كغيرها. جلست "علا" على مقربة من "آسر"، لم ترفع عينيها عنه، وراقبت وسامته بابتسامة رقيقة، التفت نحوها متسائلاً بتوترٍ:
-يعني أطلبها من خالها ولا أفاتحها الأول؟ شوري عليا؟
رمشت بعينيها، وقالت بصوتٍ رقيق، لكنه جاد:
-على حسب معرفتي بـ "فيروزة" مش هترضى بجو الفريند والحاجات دي، وعشان يبان إن كلامك جاد، ومش مجرد تسالي.
ضاقت نظراته نحوها متسائلاً:
-قصدك ماديهاش فرصة ترفضني؟
هزت رأسها مؤكدة:
-أيوه.
ضغطت على شفتيه ليرد باقتضابٍ موجز بعدها، والحيرة تملأ تعابيره:
-أوكي..
ســاد الصمت بينهما لبعض الوقت، نظرت إليه "علا" بين الحين والآخر في جلستها معه بنظرات تعكس رغبتها الشديدة في الانتباه لها، لكنه كان أبعد حاليًا من وضعها في تفكيره، ابتسمت لنفسها في سخافة، قبل أعوام كان ليكون أبعد شخص عن خيالها لتتمنى الارتباط به، ولكن لشيء لا تعلمه تسلل حبه إلى قلبها، وبات الوحيد الذي تهواه؛ وإن كان لا يعلم ذلك. قطعت بغتةً حاجز السكون لتقول بنزقٍ، عله ينتبه لأهمية وجودها في حياته:
-تعرف.. أخويا لو مكانش واثق فيا مكانش واقف على صداقتنا دي.
لاحت ابتسامة عذبة على محياه، ورد بعينين تحملقان في وجهها:
-"ماهر" أنا قدامه زي الكتاب المفتوح، وهو عارف غلاوتك عندي، وأنا استحالة أضرك، إنتي زي أختي.
غصة مريرة عصفت بحلقها، مكانتها لن تتبدل أبدًا، وترتقي للمستوى الأعلى، حافظت على ثبات بسمتها، وتابعت ببطءٍ حتى لا تظهر ارتباك صوتها:
-أكيد، ده غير إنه يهمني سعادتك.
امتدت يده لتمسك بكفها، داعبها بأصابعه بالربت على أناملها، أسبل عينيه نحوها، وقال بعذوبةٍ زادت من عذابها الداخلي:
-مش عارف أقولك إيه يا "لولو".
سحبت بتمهلٍ يدها من أسفله، وهتفت بصدرٍ مختنق متحاشية النظر إليه:
-لما خالها تلاقيه واقف لوحده اتكلم معاه.
هز رأسه موافقًا وهو يرد:
-تمام ..
التفت لتبتسم له بعينين تلمعان بعبراتٍ خفيفة، وأكملت قولها:
-و Good Luck
شكرها "آسر" في امتنانٍ:
-ميرسي يا "لولو"
منحته نظرة دافئة من عينيها قبل أن تحدق أمامها، لمحة خفية من الحزن طفت على صفحة وجهها الناعم رغم إنكارها ذلك، لكنها كانت واثقة أن الأمر لن يصل للنهاية تحت أي ظرف.
...................................................
كان محنكًا في اختيار نوع الضحية التي سيرتبط بها، أرادها معدومة الخبرة فيما يخص الشأن الرجالي، غير اجتماعية تقريبًا، لا أصدقاء لها، محدودة العلاقات حتى في النطاق الأسري. باتت "فيروزة" الخيار الأنسب بمجرد أن جمع المعلومات التي احتاجها عنها، وتبقى له فقط القيام بالخطوات الجادة لإتمام الأمر. لم يكن "آسر" غبيًا كي لا يلاحظ مدى اهتمام شقيقة رفيقه به؛ "علا". أدرك شغفها به منذ اليوم الأول من وقت تبدل طريقة تعاملها معه، وتحولها لنوعٍ من الحميمية الزائدة، حتى في توافه الأمور؛ ومع هذا عِمد إلى تجاهل كل ما يصدر عنها، وحصرها في منطقة الصداقة الأخوية؛ حفاظًا على الروابط الأسرية مع عائلتها، كما أنها تبعد كل البعد عن مخططاته بشــأن عروسه المستقبلية. وباستشارات ساذجة مُلحة مع "علا" -للحصول على مبتغاه من صديقتها- حقق نتائج باهرة في استقطابها لصالحه.
تهادى في خطواته وهو يتجه نحو "خليل"، كان الأخير مقروءًا بالنسبة له، حفنة من النقود ربما تُذهب عقله، الطمع أسمى أهدافه، ما عرفه من "علا" عن طريق الحديث العفوي بين الصديقتين كان كفيلاً ليرسم صورة تمهيدية عنه، ويستنتج الباقي بسهولة. وببسمة واثقة استطرد يقول له حين أصبح في مواجهته، وهو يمد يده ليصافحه:
-مساء النور
صافحه "خليل" على عجالة، ثم رمقه بنظرة مستطيلة متفحصة قبل أن يرد متسائلاً:
-مساء الخير، أيوه؟ في حاجة؟
قال "آسر" بنفس الصوت الهادئ المليء بالثقة:
-هو حضرتك مش فاكرني يا أستاذ "خليل"؟
بوجومٍ رد عليه الأخير:
-لأ..
تابع موضحًا حتى يساعده على التذكر:
-احنا كنا اتقابلنا قبل كده في المطعم، أنا المحامي "آسر وهبة".
عقب عليه بسخافةٍ:
-طيب.. تشرفنا، وعاوز إيه؟
تنحنح قائلاً بربكة مصطنعة:
-احم .. أنا كنت عايز حضرتك في... موضوع شخصي يخص الآنسة "فيروزة".
اتسعت حدقتاه على الأخير، ورد مدهوشًا بقلقٍ:
-"فيروزة"! مالها؟
لاحظ تعابيره المنزعجة، وقال مطمئنًا إياه:
-متقلقش يا فندم، ده كل خير.
تقلصت عضلات وجهه في امتعاضٍ، بينما تابع "آسر" حديثه مسهبًا:
-أنا عارف إن الظرف مش مناسب، بس فكرت إنها فرصة إني أتشجع وأتقدم، وأطلب من حضرتك إيد الآنسة "فيروزة"؟
استنكر ما تفوه به، وزجره بحدةٍ:
-نعم .. بتقول إيه؟ على كده بتقابلها من ورانا وآ...
قاطعه على الفور بعد أن اتجه تفكيره بابنة أخته لشيء آخر قد يفسد ترتيباته، وهتف موضحًا:
-مش عايز حضرتك تسيء الظن، هي متعرفش أصلاً بطلبي ده، أنا جاي من نفسي أكلم حضرتك.
هتف في استهزاءٍ رافضًا تصديقه:
-يا سلام!
أكد عليه بثباتٍ وثقة:
-أيوه يا فندم، حضرتك اللي قصاد ده محامي كبير، ليا لي اسم وسمعة، مش حد عادي والسلام.
لانت ملامح "خليل" قليلاً، استشعر جديته في تلك المسألة، وانتابته حالة من الانتشاء، في حين استرسل "آسر" مادحا إياها:
-كمان الآنسة "فيروزة" مثال للأدب، والأخلاق العالية.. وكل الحكاية إنها صاحبة "علا" قريبتي، وكنت شوفتها معاها وسألتها عنها، وعرفت هي مين، وده شجعني أتقدم لها بشكل رسمي، لأن عارف إن مالهاش لا في اللف ولا الدوران.
عزز "خليل" من مكانته ليقف مستقيمًا بشموخٍ زائف، وكتفاه منتصبان نوعًا ما، ثم قال بقليلٍ من العنجهية:
-شوف يا أستاذ آ...
توقف عن إكمال جملته لتحرجه من عدم تذكره لاسم من يحاوره، كان في هذا نوعًا من عدم اللباقة، فساعده "آسر" على ذلك، معرفًا بنفسه مرة أخرى:
-"آسر وهبة" يا فندم..
رد بنبرة شبه هازئة:
-تشرفنا..
وتابع بعد توقف دام للحظة:
-بس عاوز تتقدم لبنت أختي، يبقى تمشي حسب الأصول، مش كلمتين على الواقف كده!!
رد عليه يؤيده:
-تمام، وده اللي بأعمله، جيت أتكلم مع حضرتك.
أردف موضحًا أكثر، ونظراته تحولت تلقائيًا نحو "اسماعيل":
-لأ معلش، أنا صحيح خالها، بس عمها موجود، وهو المسئول عنها.
لم يظهر "آسر" اعتراضه، وبدا متشجعًا وهو يقول:
-معنديش مشكلة، وأنا جاهز أتكلم معاه.
اكتسبت نبرته إيقاعًا مختلفًا يميل للترحيب حين رد عليه:
-حلو .. يبقى تسيبلي رقم تليفونك وأنا هاكلمك بمعرفتي.
تبادل كلاهما أرقام الهواتف قبل أن يعلق "آسر" في حبورٍ:
-تمام يا أستاذ "خليل"، وهستنى أسمع منك قريب.
لم تذبل ابتسامة الأخير وهو يرد متحمسًا:
-إن شاءالله طبعًا.
أومأ "آسر" برأسه خاتمًا حديثه معه:
-ومبروك للعرسان.
قال وهو يمد يده لمصافحته كنوعٍ من المجاملة:
-الله يبارك فيك.
..........................................................
تكتلات بشرية تجمعت في حيز السرادق المقام به حفل العرس، مع استمرار فقرات الحفل لساعات طويلة، بعد عقد القران. انسحب "منذر" و"دياب" مبكرًا لاضطرارها للسفر باكر لأجل بعض الأعمال؛ وإن كان يشك "تميم" في وجود ما يخفياه عنه، بينما امتدت تلك السهرة لمنتصف الليل تقريبًا، وتخللها عشاءً وفيرًا يكفي لمئات الأفراد. بقيت "فيروزة" خلف توأمتها معظم الوقت على الكوشة، راقبت المشهد من زاويتها، كانت نظرات "خلود" الحاقدة مسلطة عليها، لم تخفِ الأخيرة مقتها الشديد نحوها، ومع هذا لم تولِ لها أي اهتمام، وركزت انتباهها مع المتوترة الجالسة قبالتها، أما والدتها كانت من حين لآخر تعرج عليها لتشد من أزرها، وتشجعها على تبديد أي رهبة تنتابها بشـأن هذا اليوم، أما العريس فقلما جلس، سحبه رفاقه للرقص باستخدام العصي تارة، وبالأسلحة البيضاء تارة أخرى؛ وكأنها مبارزة رجولية بحتة.
اتجهت عينا "هيثم" نحو "تميم" وهما يرقصـان سويًا، أظهر الأول احترامه لابن خالته لصراحته الواضحة معه، فبعد مشاجرتهما الأخيرة، التقى به في نفس اليوم بالدكان –بحضور الجد "سلطان"- ليعتذر منه أولاً على تهوره، ثم ليعده بإصلاح ما أفسده؛ وإن كان في ذلك عدم رضائه. قدر مشاعره النبيلة تجاه شقيقته، وتجاوز كلاهما بوادر تلك الأزمة العائلية، دون الإفصاح علنًا عن تصالحهما.
أشهر "تميم" مديته، رفعها أمام وجه العريس يتحداه:
-جاهز يا عريس ولا هتكسفنا؟
تناول "هيثم" من "ناجي" الواقف على مقربة منه خاصته، وأشهرها معلنًا قبوله:
-الكسفة دي للحريم
هلل في انتشاءٍ ليستحثه على مبارزته:
-طب ورينا الجدعنة يا رجولة!
تشكلت حلقة دائرية حول كليهما ليبدأ الاثنان في الاستعراض بقدراتهما على استخدام المطواة باحترافية ومهارة عالية، خلال بعض الحركات الراقصة، وتعالت الصافرات والهمهمات الذكورية المتحمسة. سدد "تميم" بمديته ضربة قاتلة في اتجاه ابن خالته دون أن يمسه، لمجرد إرهابه، أبدى "هيثم" إعجابه بسرعته، وقال:
-معلم طول عمرك.
أخفضها "تميم" حتى لا يتسبب في إحراجه، بالرغم من تركه له في بعض الأوقات الأسبقية للتفوق عليه، لكنه لم يكن بارعًا مثله، ومع استمرار القتال الزائف بينهما سيبدو ضعيفًا، وغير قادر على مجابهته، تراجع للخلف تاركًا لبقية الشباب مهمة إحاطة العريس والاحتفال معه، وقف عند الجانب يلتقط أنفاسه، وفي نفس الآن يختلس النظرات نحوها، لم ينكر أنه في بعض الأوقات وجد صعوبة في التركيز لاحتلالها بطلتها الفاتنة مشهد الكوشة، لو لم يكن في مأزقٍ مع زوجته الحالية لاختلفت الأمور كثيرًا. أخرج علبة سجائره، والتقط منها واحدة ليشعلها، حرر دخانها الحارق من صدره دفعات متتالية. لمحته "خلود" وهو محدق بـ "فيروزة" بنظراتٍ شبه مترددة، فاشتعلت نيران الغيرة بها، إنها زوجته، ومن حقها ألا يرى غيرها، وإلا لماذا انتظرت كل تلك السنوات لتحظى به في الأخير، وبكل وقاحةٍ اقتربت منه تسأله:
-إيه عجباك؟
تنفس بعمقٍ حتى لا يتصرف بردة فعلٍ غير محمودة أمام جملتها المستفزة. اعتبرت صمته نوعًا من التأكيد على مزاعمها، وهتفت مقترحة بمرارةٍ:
-طب ما أروح أطلبهالك من قرايبها؟ مش فكرة برضوه؟
قال ببرودٍ، وبعبارات موحية، وتلك الابتسامة المتسلية تعلو زاوية فمه؛ وكأنه يحرقها حية بكلماته:
-روحي.. أنا مش ممانع، وأقدر أفتح بيتين، طالما في الحلال.
احتقن وجهها على الأخير، لم تتوقع مثل ذلك الرد مطلقًا، ظنت أن الإنكار كالعادة سيكون وسيلته لتبرير نظراته العادية؛ لكنه باغتها بإبداء ترحيبه باقتراحها، تحولت للنقيض، واختلج تعبيراتها المزيد من الحنق لتنطق بحدةٍ:
-إنت هتجنني؟ عاوز تجوز عليا؟ لأ.. والبتاعة دي!
قال بتهجمٍ وهو يستدير نحوها ليرمقها بنظرة محذرة:
-صوتك ما يعلاش..
ثم لفظ دخان سيجارته في وجهها وهو يكمل بنبرة جادة:
-مش إنتي اللي قولتي؟ زعلانة ليه؟
تراجعت عن حدتها أمام جديته الظاهرة على قسماته، لعقت شفتيها، ولجأت لأسلوبها الساهم في الحديث لتستميله:
-أنا بأهزر معاك يا حبيبي، مقدرش استحمل واحدة تانية تبصلك، فما بالك لو لاقيت وحادة جت تاخدك مني، أو حتى تشاركني فيك؟ وبعدين احنا مش خلاص اتصالحنا، وبقينا سمنة على عسل؟
نظر لها مليًا بغموضٍ استرابت منه، ولم ينبس بكلمة. تعلقت في ذراعه وأسبلت عينيها نحوه قائلة:
-إنت بتاعي أنا لوحدي، من حقي أنا وبس.
استل ذراعها منها ليرد باقتضابٍ جعل الخوف يدب في قلبها:
-هنشوف.
....................................................
تدربت عشرات المرات على ذلك المشهد الذي بات متكررًا على مسامعها في الآونة الأخيرة، لن تسمح له برؤيتها عارية حين يختلي بها، لن تتركه يلمسها؛ وإن كانت تحبه، لن تتمكن من النوم معه بسبب مفاجأة غير سارة نالت منها قبل مجيئه. أغلق "هيثم" باب المنزل بعد مشقة واضحة عليه لصرف المدعوين الذين انتقلوا لمنزله لتوديعه مع عروسه، نفخ في إرهاقٍ محدثًا نفسه بتبرمٍ:
-إيه ده الناس مابتخلصش؟ مش يراعوا إن لسه ورانا ليلة تانية هتبتدي.
راقبته "همسة" من مسافة بعيدة، وهي لا تزال ترتدي ثوبها، رفضت خلعه، وما إن رأته متجهًا إلى الردهة الطويلة حتى توارت عن أنظاره، وأغلقت الباب خلفها. لمحها زوجها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مبتهجة، فرك كفيه معًا مرددًا لنفسه:
-أيوه بقى..
نزع سترته، وحل رابطة عنقه التي خنقته، ثم حرر ياقتي قميصه، وحل أزراه حتى برز معظم صدره، تنحنح يناديها بعذوبة غريبة عليه:
-"هموسة"، يا عروسة!
وقف أمام باب غرفة النوم، ودق بظهر كفه عليه مستئذنًا في الدخول بصورة مازحة:
-اللي خالع راسه يغطيها.
تنحنح بصوتٍ شبه مرتفع وهو يدير المقبض، ثم أطل برأسه أولاً وهو يدير نظراته في الغرفة باحثًا عنها، كانت تجلس على طرف الفراش تحتضن كفيها في حجرها، استقام في وقفته، ومسح كامل جسدها بعينين يملأوهما الرغبة واللهفة، استطاعت أن تسمع هسيسه المنخفض رغم صمته، أبعدت نظراتها عنه، ولكنه استمر في التقدم نحوها، وتنهد مادحًا جمالها:
-مافيش بعد كده يا "هموس".
بلعت ريقها وردت:
-شكرًا.
جلس إلى جوارها على طرف الفراش يسألها، كنوعٍ من إذابة الجليد والتوتر السائد بينهما:
-إيه رأيك في اليوم؟
همست بلعثمة:
-حلو
امتدت يده ببطءٍ لتلامس كفيها، وبدأ في مداعبة جلد بشرتها الناعم بأصابعه، انتفضت هاربة من جواره كمن صعقه تيارًا كهربيًا، ثم رفعت سبابتها تحذره بصوتٍ متلجلج:
-بص أنا مش جاهزة لأي حاجة النهاردة
نهض واقفًا قبالتها ليحاصرها مرددًا بهدوءٍ:
-ده احنا هناخد وندي بشكل ودي يا "هموسة".
ورغم الرجفة المسيطرة عليها إلا أنها أصرت على وضع مسافة آمنة بينهما، وأضافت بلهجة جادة لم ترق له.
-ودي بس .. تاتش وحركات تانية مش هاينفع.
رفع حاجبه للأعلى في استنكارٍ قبل أن يعترض بملامح شبه عابسة:
-ليه؟ ده حتى قرب حبة تزيد محبة.
زادت ربكتها، وانعكست على بشرتها فتخضبت بحمرة حرجة، همهمت مع نفسها في خجلٍ كبير:
-مش عارفة أقولهاله إزاي..
دنا منها "هيثم" ولامس بكفيه جانبي ذراعيها، داعبهما صعودًا وهبوطًا بحركة بطيئة متأنية، ثم أحنى رأسه عليها، كما لو كان على وشك تقبيلها:
-إنتي مكسوفة مني ولا إيه؟
دفعته من صدره بقبضتيها رافضة اقترابه الحتمي منها بأي شكل، وصاحت محتجة:
-بص أنا .. Out of service (خارج نطاق الخدمة) النهاردة.
تعقدت ملامحه متسائلاً في حيرة:
-وده معناه إيه؟
قضمت شفتها السفلى، وأدركت أنه لم يفهم المغزى من جملتها المتوارية، ومع ذلك تشجعت لتقول له، ليكف عن ملاحقتها في تلك الليلة:
-هات ودنك، وأنا أقولك.
اتسعت عيناه في صدمةٍ حين همست له بزيارة استثنائية لضيفتها الشهرية بعد تأخرها لبضعة أيام بسبب توترها الزائد في الفترة الأخيرة، واليوم تحديدًا قد أتتها لتقضي على كامل فرصته في التودد لها، تهدل كتفاه، وحل العبوس على وجهه، نظر لها في غيظٍ لاعنًا بضيقٍ منزعج:
-يادي الحظ ..
ربتت على كتفه قائلة بربكةٍ لطيفة؛ وكأنها تواسيه:
-معلش، أنا أسفة.
فرك مؤخرة عنقه متسائلاً بوجهه المكفهر:
-ودي بتقعد كتير؟
هزت كتفيها قائلة ببساطة:
-يعني.. ممكن أسبوع
هنا انفجر صائحًا بغيظٍ غلف حتى نظراته:
-حسبي الله ونعم الوكيل.
وضعت "همسة" يدها أعلى منتصف خصرها ترمقه بنظرة لائمة، وعاتبته:
-بتقول إيه؟
زفر متبرمًا وهو يدعي كذبًا:
-خلينا ناكل أحسن، مش هايبقى جفاف عاطفي، وجوع كمان.
أخفت ابتسامة متسلية كانت تحاول الظهور على شفتيها بسبب تذمره الذي بدا طفوليًا عنه رجوليًا، راقبته وهو يخرج من الغرفة مجرجرًا أذيال الخيبة ورائه لتتنفس بعمقٍ، مستشعرة أنها ربما تكون فرصة جيدة للتفاهم أكثر، وللتقارب وجدانيًا عنه جسديًا.
.................................................................
أصر عليها أن ترتديه خصيصًا له هذه الليلة، وافقته دون نقاش، بدا الأمر يستهويها أيضًا، وبالتالي عاد كلاهما إلى منزله ليحصلا على المزيد من الخصوصية بعيدًا عن نظرات عائلته المراقبة لهما. وقفت "خلود" عند حافة الفراش، بثوب ليلة دخلتها الأبيض، مزدانة بمساحيق التجميل، وتتمايل في ميوعة مغرية بجسدها الذي انتفخ قليلاً، نثرت العطر النفاذ على جانبي عنقها، وتخيلت في عقلها بقضاء ليلة حميمة دافئة، في أحضان زوجها، تعيد ترميم الشروخ بينهما، خاصة أنه بدا رائق المزاج قبيل انتهاء العرس. التفتت نحو "تميم" الذي ولج للغرفة بعد أن نزع سترته، وبقي بقميصه الأبيض، سألته بأنفاسٍ مضطربة من انفعالها:
-إيه رأيك يا حبيبي؟
دار على تفاصيلها الأنثوية المشوقة -والبادية من خلف قماش ثوبها- بنظرات متمهلة، بطيئة للغاية، أصابتها بالحماس والإثارة، وتنهد يقول بخفوت:
-جميلة من برا زي تملي.
في البداية لم تستشعر الغرابة من جملته المركبة، وأصابتها لوسة مؤقتة بتغزله الغريب منها، لم يكن على عادته معها، لكن لمدى احتياجها الشديد إليه اعتقدت أنها سلبت عقله بمفاتنها المثيرة، وبالتالي لن يقاوم إغراء جسدها الفاتن، مهما ادعى تجاهله لها، ستدفعه الأشواق الراغبة إليها. منحها "تميم" تأكيدًا على رغبته فيها بإيماءة إعجاب أخرى من رأسه، وأضاف يسألها بجدية:
-لسه عاوزاني؟
ردت دون تفكير:
-أنا مقدرش أستغني عنك، إنت بتاعي وبس.
سألها معمقًا نظراته نحوها؛ وكأنه يختبرها:
-حتى بعد اللي حصل بينا؟
أجابت ببساطة رغم ملاحظتها للنفور الظاهر على تعبيراته:
-وإيه يعني؟ طالما بيعجبك، أنا تحت رجليك يا حبيبي.
ران الصمت في الغرفة للحظة، شرد يفكر في خطوته التالية؛ وكأنه يمنح نفسه الفرصة لحسم أمره قبل الإقدام عليه فعليًا. راقبته "خلود" بإمعانٍ حائر، حيث استغربت من انجرافه وراء شهوته بتلك السهولة، كان يقاوم توددها المُلح عليه في الأيام السابقة، محتجًا ببغض على محاولاتها المضنية لجره للفراش، أما في تلك الساعة فكان على النقيض؛ مختلفًا كليًا، نهمًا، طامعًا فيها، لم تترك ترددها يحيرها، وقالت بتنهيدة مفعمة بالرغبة:
-أيوه..
تبين من أنفاسها مدى حاجتها أيضًا إليه، وبذل ما في وسعه لتأجيج مشاعرها نحوه. خلع قميصه بروية، ونظراته الغامضة ما زالت عليها، ثم استل بنطاله، وتقدم نحوها ليبادر بتقبيلها من شفتيها بقبلة عميقة بث فيها مشاعرًا قوية، وأغرقها بعشراتٍ من القبلات الناعمة على كامل وجهها حتى تأوهت من الشوق والحماس. سحبها برفق نحو الفراش ليستلقيا سويًا، ومنحها نظرات والهة لعاشق أضناه عذاب الحب. ترك أصابعه تتجول على بشرتها، وأعطاها المزيد من المحفزات المثيرة التي أطلقت شرارات الحب في أنحاء جسدها، وأشعلته بحاجته الماسة إليه ليروي ظمأه.
خاضت معه تجربة حالمة ومختلفة أطلقت فيها العنان لكل مشاعرها المكبوتة، تناست ما حولها مستسلمة لتيار الحب الجارف، وتجاوب حواسها بطريقة لينة وطامعة في غرامه الذي يُذهب عقلها، ويدفعها لحافة الجنون .. وقبل أن يجرفه طوفان الشهوة لأبعد من ذلك، تباطأت لمساته، وتوقف عن ممارساته الزوجية لتشعر "خلود" بشيء مريب ينتابه. انطفأت الرغبة فيها فجــأة، وتحولت للوح من الجليد المتصدع حين نطق "تميم" في أذنها، بصوت أقرب للفحيح:
-إنتي.. طالق ..................................................... !!
.................................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الخامس عشر 15 - بقلم Manal Salem
مساءكم جميل ..
دايمًا منورين حياتي بدعمكم وتشجيعكم واهتمامكم بكتاباتي المتواضعة ..
النهاردة كملت 5 سنين كتابة والحمد لله .. اتعلمت فيهم كتير، لكن الأجمل إني اتعرفت على قراء شغوفين أسعدوني بمتابعة كل حاجة من البداية وحتى الآن ...
شكرًا على السعادة والمحبة اللي اديتوهاني بثقتكم وبدعمكم المتواصل .. ويا رب يرزقني بركة الوقت عشان أقدملكم كل ما هو جديدي ومختف .. ...
أسيبكم مع أحداث الفصل .. قراءة ممتعة
الفصل الخمسون
الميل للتملك؛ هو غريزة موجودة بالنفس البشرية، قد تتحول بفعل كلاً من الغيرة، والأنانية، والمشاعر المندفعة غير الناضجة إلى نزعة هوسية؛ إذا تم التمادي في الأمر بشكل مفرط؛ وبالتالي تتحول من مجرد حب طبيعي إلى رغبة مرضية وغير صحية، تؤدي في النهاية للهوس بفرض السيطرة على الآخرين، أو أحد بعينه. حينئذ ينتهي الأمر بانتهاك الخصوصية، والسعي بشتى الطرق للتحكم في تفاصيل حياة الأشخاص صغيرة كانت أم كبيرة، لضمان عدم فقدهم والاستحواذ عليهم.
حاربها بنفس سلاحها اللعين مستنزفًا عواطفها، جارحًا بلا هوادة كرامتها الأنثوية، داعسًا ما كان بينهما يومًا من مودة ورحمة، مُذيقًا إياها مرارة الإهانة الحقيقية، ومانحًا جسدها المتعطش لحبه المعنى الحقيقي للجفاء القاتل خلال علاقتها معه. مجرد زوجة للفراش! لم يكن ما سمعته وهمًا، ولم تكن خزعبلات آخر الليل عندما أبرأ ذمته من ارتباطه به. رفعت "خلود" جسدها المتصلب عنه، وحملقت فيه مليًا بعينين مصدومتين. تعابيره كانت باردة كالجليد، نظراته خالية من العطف أو الشفقة، بل بدا وكأنه أزاح ثقلاً أرهق روحه. ألقاها "تميم" جانبًا بتأفف؛ وكأنها خرقة بالية، لينهض عن الفراش، وهي ما زالت تحت تأثير الصدمة. رويدًا رويدًا بدأت تستفيق من جمودها الذاهل لتصرخ في هياجٍ:
-إنت عملت إيه؟
عدل من هندامه قائلاً بصوتٍ جليدي:
-الصح، واللي كان المفروض يتعمل من زمان.
هزت رأسها بشكلٍ هيستري نافية حدوث الانفصــال بينهما:
-لأ.. إنت استحالة تطلقني!
عبث بأصابعه في شعره، وكأنه يمشطه، قبل أن ينطق بنفس الصوت الجاف:
-بكرة الصبح ورقتك هتبقى عندك.
أشعل جذوة غضبها المتقدة مسبقًا، تركت قميصها المغري غير مرتب على جسدها، لا يهم مظهرها الآن، بدت فوضوية بشكلٍ غير مقبول. حملقت فيه بقلبٍ يخفق بقوة، ظلت تهز رأسها بالنفي وهي تدنو منه، التفت حوله لتغدو قبالته، امتدت يدها لتمسك بذراعه، شدته منه وهي تسأله بصراخها المتشنج:
-أومال الحب اللي بينا ده كان إيه؟
نفض ذراعه بعيدًا عن يدها، رمقها بنظرة فوقية نافرة، ليرد بعدها بصدق:
-احنا مكانش في بقينا حب من الأساس، على الأقل من ناحيتي.
تعلقت بذراعيه مجددًا تهزه منهما، وهي ما تزال تهدر فيه بعصبيةٍ:
-لأ إنت بتحبني! ماتنكرش ده.
صاح في حدةٍ مخلصًا نفسه من قبضتيها:
-فوقي يا "خلود"، أنا عمري ما حبيتك.
لم تستوعب حقيقة هجرانه لها بعد، وواصلت إلقاء اللوم عليه:
-كل ده عشان إيه يا "تميم"؟ بتبيع اللي مستعدية تضحي بنفسها عشانك من غير ما تفكر للحظة؟ وحبي ليك؟ مالوش قيمة عندك؟
رد بقساوة؛ علها تستفيق من أوهامها الأفلاطونية:
-كل ده قضى، اللي بينا خلص، وأنا نهيته.
احتجت بصراخٍ جرح حبالها الصوتية:
-لأ إنت غلطان.. مافيش حاجة هتخلص بينا، سامعني؟ إنت جوزي، وهتفضل ليا لوحدي.
لم يكن قادرًا على منحها أدنى شعورٍ بالإشفاق على حالها التعس، اكتفى مما عايشه معها، عاملها بقلب خالٍ من أي عاطفة وهو يملي عليها أوامره:
-جهزي نفسك، ده لو حابة تروحي عند أمك تقعدي عندها، شوفي لازمك إيه وخديه، وأنا الصبحية هوصلك، ما هو احنا مش هنروحلها في أنصاص الليالي.
أسرعت بالركض نحو الدولاب الذي يحوي ثيابهما، لتلقي بظهرها أمام ضلفه، معتقدة أنها ستمنعه من جمع متعلقاتها. فردت ذراعيها على الأسطح الخشبية، وهتفت معترضة برفضٍ قاطع:
-أنا مش هامشي من هنا، ده بيتي، وإنت جوزي.
صحح لها بوجهٍ قاسٍ اكتسب تعابيرًا صخرية:
-كنت ..
برزت عيناها وهي ترد بإصرارٍ جنوني:
-لأ إنت جوزي، وأنا مش هاسيبك يا "تميم".
تابع القول ببرودٍ أعجب موضحًا لها:
-مؤخرك، ونفقتك، وكافة شيء هيوصلك، واللي في بطنك ملزوم مني.
اختنق صدرها بالعبرات، وهتفت بنحيب مرير:
-إنت بتعمل فيا كده ليه؟
تجاهلها ليضيف:
-غلطة وبأصلحها.
استفزتها كلمته، فهدرت بصوتها المجروح:
-بقى أنا غلطة يا "تميم"؟
للحظة تخلى عن قساوته، ليقول بنوع من اللين معترفًا لها بصدق:
-لأ أنا غلطان أكتر منك، عارفة ليه؟
صمت للحظة يخنق بها غصة آلمت حلقه، ثم تابع:
-لأني ظلمتك معايا لما صممت نكمل حياتنا سوا.. كان قدامي فرصة أسيبك، بس صُعب عليا مقدرش انتظارك ليا، وفكرت إني هاقدر أكمل معاكي، بس للأسف ما بقاش ينفع.
أرخت ذراعيها، واقتربت منه لتحتضن جسده، شددت من ضمها عليه ليحتويها بالإجبار، مرغت وجهها المبلل بعبراته على صدره تتوسله:
-ماتسبنيش يا "تميم"، أنا عايزاك ليا.
عادت القسوة لتسيطر عليها، أبعدها عن أحضانه قاصدًا إيلامها بكلامه الجارح:
-وأنا مش عايزك.
استنفرت كافة حواسها على نبذه الصريح لها، وزادت نوبة هياجها لتتهمه علنًا:
-قول إن الهبابة دي احلوت في عينك، من بعد ما شوفتها تاني، وقعدت جمبك تلاغيك وترمي شباكها عليك؟ صح؟
لم يعرف إن كان ينقض عليها ليطبق على عنقها لنجاحها في استفزازه، أم يتركها تحترق بكمدها، آثر الاختيار الأخير، وأولاها ظهره ليبعد عينيه المليئتين بالحنق عنها، وقال بنوعٍ من التحقير من شأنها بصورة وقحة:
-لأ، هي ماينفعش تتحط معاكي في جملة واحدة، إنتي في حتة، وهي في حتة تانية خالص.
كان كمن سكب البنزين على النيران المستعرة، بدا ما تفوه به -دون احتراز-ٍ مدحًا في أنثى غيرها، شابة تعرفها جيدًا. انفجرت فيه بكل ما يعتريها حاليًا من مشاعر غاضبة:
-أه طبعًا، بنت الـ (...) فتحت نفسك على الجواز من تاني، ومش مهم بيتنا يتخرب!!
استدار كليًا نحوها ليحذرها بسبابته:
-ماتغلطيش فيها، هي مالهاش علاقة بينا أصلاً.
قال بتهكمٍ صارخ يحوي كلمات تهاجم باحتقارٍ شخصه الرجولي:
-أيوه دافع عنها زي تملي، ما هي العقربة دي كلت بعقلك حلاوة، وبلفتك تحت دراعها، عشان تنخ وتطاطي، بس فالح تعمل راجل عليا.
استشاطت نظراته على الأخير من لسانها السليط، وهدر بصوتٍ جهوري اهتزت الجدران على إثر قوته:
-"خــــلود".
على الفور عدلت من نبرتها الهجومية لتقول بصوت مهزوم:
-أهون عليك تسيبني؟ عملت إيه لكل ده؟ ده أنا حبيتك من كل قلبي، استنيتك سنين، وكنت مستعدية أستناك العمر كله عشان نكون سوا.
سأم من تكرار سماع نفس العبارات المستهلكة على أذنيه، وقال بصوته الذي ما زال محتدًا:
-كفاية زهقت بقى، أنا ندل يا ستي، ارتاحتي؟
انخلع قلبها قهرًا على فراقه المحتوم، وقالت بعينين تبكيانٍ بحرقة:
-طب قولي غلطت في إيه؟ عشان عاوزاك في حضني، تبقى ليا لوحدي، قلبك وجسمك معايا، خلاص الذنب كله عليا؟
رد بنبرة جافية:
-يا بنت الناس، كل واحد راح لحاله.
تحولت تعبيراتها للشراسة، واحتقنت بشرتها بمزيدٍ من الحمرة الغاضبة، حتى تكاد تشعر أنها ستنفجر من شدة انفعالها، رمقته بنظرةٍ مغلولة، واختفى الضعف من صوتها لتغدو نبرتها غليظة رغم البحة المسيطرة عليها:
-وإنت إيه؟ كنت غلبان؟ مسكين يا حرام! مش عارف تاخد حقك من واحدة زيي؟
ضحكت بسخرية وهي تشير إلى عنفه الذكوري معها:
-ده إنت جبروت ياخي! نسيت اللي عملته فيا وأنا حامل؟ ده إنت كنت هاتجيب أجل ابنك عشان مزاجك الزفت .. ورضيت بقسوتك، واستحملت اللي عملته فيا وبلعت الجزمة في بؤي، مع إن الكل استغلطك.
استشهادها بفضيحته العلنية دفعت دمائه للثورة بكل الغليان المتشعب فيها، نظراته لها حاليًا كانت كفيلة بقتلها، ومع ذلك ابتلع شراسته المهددة في الأفق، والتي تجبره على ردعها بنفس الطريقة الاحتقارية، ليرد ببرود، وابتسامة مستخفة تلوح على جانب شفتيه:
-ما هو ده تمامك معايا.
ردت تستفزه بتهديد صريح:
-ده أنا كان ممكن أرجعك السجن لو مشيت ورا كلام أمي، خسرتها وعاديتها عشانك.. كنت هاولع في نفسي قصاد عينك عشان بس تسامحني، إيه مش مكفيك كل ده؟
وصل النقاش بينهما لنقطة مسدودة، حتى ما كان بينهما يومًا بلغ الحضيض، حدجها "تميم" بنظرات نارية مميتة، تجاوزها ليخرج من الغرفة وهو ينهي حواره بصوته الأجوف:
-إنتي من دلوقتي بنت خالتي وبس!
لم يستدر نحوها حين صرخت به:
-"تميم"! استنى، ده آخر كلام عندك؟!
بدا جملته كنوعٍ من المزاح الثقيل وهو يضيف:
-وأم العيل اللي جاي.. أكتر من كده مافيش!
تبعته لتقف خلفه وهي تواصل تسلطها عليه:
-أوعى تفكر إن الحكاية خلصت لحد كده.. إنت غلطان..
رد غير مبالٍ:
-مات الكلام.
تبعته كالمجذوبة رافضة تركه، وحين تعثرت في سيرها وسقطت أرضًا، تعلقت بساقه، جرها معه إلى باب المنزل، نبشت أظافرها في بنطاله لتتشبث أكثر به، بصعوبة تخلص "تميم" من ملاحقتها، خرج من المنزل دون أن تتوقف عن الصراخ المليء بمزيدٍ من الوعود التي لن تنكثها حتمًا:
-وحياة حبي ليك، وكل لحظة استنيتك فيها لأخليك ترجع، مش "خلود" بنت خالتك اللي تفرط في اللي يخصها.
....................................................
دعكت عينيها بقبضتيها وهي تسير على مهلٍ متجهة إلى باب المنزل بعد تكرار الدق العنيف عليه، لم تفق "بثينة" بعد من نومها المتأخر، وبالتالي إجبارها على النهوض مبكرًا شكل لها صداعًا قويًا، قطبت جبينها، وتجهمت تعبيراتها المجعدة بشكلٍ قلق حين رأت ابنتها على أعتابه تستجديها بصوتها الباكي:
-الحقيني يامه؟
ألقت نظرة فاحصة عليها، ولمحت تلك الحقيبة الموضوعة إلى جوارها، اتسعت عيناها بتوترٍ، هرب النعاس من ملامحها، وسألتها بقلبٍ يقفزُ بين ضلوعها خوفًا:
-خير في إيه؟ حصل للي في بطنك حاجة؟ وإيه الشنطة دي؟
انفجرت باكية بمزيد من العويل:
-"تميم" طلقني!
لعنته "بثينة" بغضبٍ جم:
-عملها ابن الـ ...... !
ارتمت "خلود" في أحضــان والدتها، انهمرت عبراتها بغزارة، وهتفت تشكو لها بأنين فؤادٍ منفطر:
-أنا قلبي موجوع أوي يامه، مش قادرة!
ربتت على ظهرها، وسحبتها معها للداخل وهي ترد:
-طب اهدي، وفهميني بالراحة حصل إيه.
..................................................................
-فقرية من يومك!
رددت "حمدية" تلك العبارة الناقمة بعد أن جاءت بصحبة شقيقة زوجها لزيارة العروس قبيل وقت الظهيرة لتفقد أحوالها، والاطمئنان من ناحية أخرى على عفتها. ما لم تتوقعه أن تمضي "همسة" ليلتها تعاني من آثار تعب ضيفتها الشهرية، لم تكف عن إظهار سخطها بالتواء ثغرها في حركة مستهزأة بها، اكتفت العروس من نظراتها الشامتة، وإيماءاتها الحاقدة، وقالت بنوعٍ من الضيق
-خلاص يا مرات خالي، ده النصيب، وأنا كنت هاعرف منين؟
غمغمت "حمدية" بمزيدٍ من القنوط، لتزعجها أكثر:
-أتاري عريسك وشه مقلوب، ومقابلته لينا مش ولابد.
حذرتها "آمنة" بنظراتها وهي تخبرها:
-اللي حصل يا "حمدية"، هتعمل إيه يعني، تتعوض وقت تاني، لسه العمر قدامهم.
برقت نظرات زوجة خالها حين أضافت بصوتها الناقم:
-وطبعًا زمانت حماتك عرفتك، وجرست في الحتة؟
احتجت "همسة" على تناول ما يخص شأنها الزوجي على ألسن الغرباء، وقالت بلهجةٍ مغايرة لتلك الودودة التي دومًا تتحدث بها:
-وتعرف ليه أصلاً؟
ردت عليها ببساطة لتحرجها:
-مافيش حاجة بتستخبى، وخصوصًا في المسائل دي يا عين أمك.
تخضب وجهها بحمرة خجلة من وقاحتها، والتفتت تستغيث بوالدتها بنظراتها لتلزمها عند حدها، فضغطت على شفتيها متمتمة:
-ماما!
وضعت "آمنة" يدها على رسغ زوجة شقيقها، ونهرتها بلطفٍ:
-بطلي يا "حمدية"، البنت لسه بتكسف، مايصحش الكلام ده.
ردت باستمتاعٍ وقح:
-بكرة تقلع برقع الحياء وتيجي تحكيلنا.
اشتعلت بشرة "همسة" بلمحة أخرى من الحمرة الخجلة، وتضاعفت مع ظهور زوجها الذي بدا وسيمًا في ثيابه المنزلية الجديدة. بادر الأخير مرحبًا بضيفتيه:
-منورين يا جماعة.
افتعلت "حمدية" الابتسام، وزينت محياها بابتسامة زائفة، ادعت الضحك الماكر وهي ترد عليه:
-ده نورك يا عريس..
جلس "هيثم" إلى جوار زوجته يرمقها بنظرات مهتمة، فتحاشت النظر نحوه حرجًا من الأعين المسلطة عليها، وخاصة زوجة خالها الفوضولية، التي متلهفة لسماع التفاصيل عن ليلتها الأولى. مضت بضعة دقائق في صمت تخلله بعض العبارات العادية عن أجواء حفل الزفاف، إلى أن استطردت "حمدية" تقول بسخافة:
-بأقولك إيه يا "آمنة" ياختي، احنا ناخد الحاجة الحلوى والساقع معانا نشربه على راحتنا في بيتنا، ونخلي العرايس سوا يتهنوا ببعض.
ورغم وقاحة طلبها إلا أن "همسة" اعترضت بعبوسٍ:
-ما لسه بدري، احنا موراناش حاجة.
غمزت لها قائلة في تسلية:
-لأ عيب ما يصحش يا بت، شوفي طلبات جوزك..
ضحكة سخيفة أخرى أطلقتها قبل أن تضيف:
-ادلعوا سوا، ده إنتو عرسان.
رمقتها "همسة" بنظرة منزعجة، وهي بالكاد تنفجر حرجًا من تلميحاتها الجرئية، بينما أردف "هيثم" قائلاً وهو ينهض من مكانه:
-ابقوا تعالوا تاني.
هزت "آمنة" رأسها وهي ترد:
-إن شاءالله يا "هيثم" يا ابني، وربنا يفرحك مع عروستك.
حانت منه نظرة جانبية نحو زوجته وهو يرد مبتسمًا:
-يا رب
..............................................................
امتلأ صدرها بالمزيد من الحنق المغلول عليه، ودَّت لو استطاعت إحراقه حيَّا مثلما حدث مع زوجها. ابنتها مكلومة بالداخل، منزوية بغرفتها لليالٍ طوال، رافضة الحديث معها بعد حصولها على ورقة الطلاق، كانت تعاني ويلات فراقه، نحل جسدها، وخسرت المزيد من الوزن، وبالتالي خشيت عليها من فقدان الجنين الذي أصبح مهددًا بالضياع إن استمرت على تلك الحالة المزرية، لهذا لجأت للتصرف على طريقتها. استدعت "بثينة" شريكها السري، واستضافته في صالون منزلها، قدمت له القهوة في صينية صغيرة قبل أن تجلس إلى جواره ليبدو صوتها الخافت قريبًا منه:
-كويس إنك جيتلي على طول يا "محرز".
أمسك بفنجانه، وارتشف منه القليل بصوت مزعج متلذذًا بمذاق القهوة، ثم سألها:
-خير يا ست الكل
ردت بتجهمٍ:
-إنت معندكش خبر باللي حصل بقى؟
تطلع إليها في حيرة وهو يسألها بهدوءٍ، واضعً طرف فنجانه على شفتيه:
-خير؟
اكتسبت نبرتها لمحة حاقدة قبل أن تجيبه:
-البيه أخو مراتك طلقها.
بصق ما ابتلعه في صدمة، كفكف بظهر كفه العالق على زاوية فمه معتذرًا:
-لا مؤاخذة..
ثم ترك الفنجان في موضعه متسائلاً باهتمام:
-طلقها؟ ده إزاي؟ وامتى؟ وليه؟ مش كانوا رجعوا لبعض.
ادعت كذبًا عليه دون أن يرف جفناها:
-في واحدة تانية لايفة عليه، وخطفته منها، وحكمت عليه يرمي مراته المسكينة في الشارع.
نعتها بعدائية:
-الفاجرة، وسمع كلامها كده؟ فين مخه؟
واصلت كذبها الملفق، وأضافت"
-بعيد عنك وعن السامعين عملاله عمل، ده أنا لاقيته في وسط هدوم بنتي، ومكونتش هصدق لولا شيخ بتاع ربنا شاف اللي حصل وقالنا.
هتف في استنكارٍ:
-يا ساتر يا رب، لأ وعملنا فيها أبو الشهامة والجدعنة، وحتة حُرمة تمشيه وتجيبه.
مصمصت شفتيها في سخطٍ، لتكمل بعدها:
-شوفت يا "محرز"، وأنا فكرت خلاص إن ربنا هداه، ومشى عدل، بس نقول إيه، الحرام لحس مخه.
ردد في نزقٍ مستعيدًا في ذاكرته زيارتها السابقة لمقر عملهم:
-يبقى أكيد ده سبب الفضيحة إياها اللي عملتيها عند الدكان.
استلذت "بثينة" تذكيره بتلك الحادثة العرضية، وفكرت في استغلال تلك الفكرة، وتطويعها لأهوائها الخبيثة، لذا جارته في أقواله مؤكدة له:
-مظبوط يا "محرز"، مخلصوش إنها عرفت، وبتحاول تحابي على جوزها وبيتها، قام مبهدلها وضاربها، وعدمها العافية، ده لولا ستر ربنا كانت راحت فيها.. وعمك "بدير" حاول يلم الليلة، بس ولا همه! طايح في الكل.
سبه بنزقٍ:
-إخص .. طلع (...)!
توحشت نظراتها، وغلفها الإظلام حين نطقت بغتةً:
-أنا عاوزك تجيبه راكع لحد عندي، يرجع ندمان، ومايقدرش يرفع عينه فيا.
مط فمه قليلاً، ليبدو كما لو أنه يفكر مليًا في الأمر، صمت للحظات استغرق فيها في التفكير العميق، واستطرد بزفيرٍ متمهل:
-وماله .. نشوفله سكة...
توقف للحظة عن الكلام ليحوز على كامل انتباهها، ثم عاود المتابعة بعدها:
-بس أنا طريقتي مش هاتعجبكم.
ردت دون تفكيرٍ:
-اعمل اللي إنت شايفه صح.. اكسره! وجيبه مذلول!
تقوست شفتاه عن ابتسامة وضيعة، وعلق وهو يمسح على صدره:
-ماشي.. عز الطلب، بس الحكاية هتتكلف شوية فلوس!
سألته بنظراتها المترقبة:
-أد إيه يعني؟
راوغها في الرد، وقال:
-هاحسبها وأقولك.
على الفور أضافت لتشجعه:
-أقولك ابقى اخصمهم من الإيراد الجديد، مش خسارة في بنتي.
تهللت أساريره وبرقت عيناه بخبثٍ شيطاني، ثم أومأ برأسه محذرًا بلهجة شبه صارمة:
-اتفقنا .. بس مش هاتكون في ساعتها! آه، مش عايزين حد يشك فينا.
لم تجادله على الإطلاق، وردت بإذعانٍ تعجب منه:
-ماشي، طالما هتعمل المطلوب.
رفع كفيه للأعلى مرددًا في انتشاءٍ غريب:
-الاعتماد على الله، نقرى الفاتحة على روح "تميم"؟!
ابتسمت "بثينة" هي الأخرى، وقالت في استحسانٍ:
-نقراها .. ونطلع القرافة على روحه كمان!
.........................................................
مضت عدة أيــــام وقرر خالها اصطحاب العائلة والسفر –دون ترتيب مُسبق- لبلدتهم الريفية بحجة قضـــاء بضعة ليالٍ هناك كنوعٍ من تغيير الأجواء الخانقة في المدينة بأخرى أكثر هدوءًا؛ لكن الغرض الحقيقي بقى غير معلومٍ بالنسبة لـ "فيروزة" تحديدًا، حيث شددت "حمدية" على زوجها بعدم البوح لابنة أخته بمسألة الخطبة المزعومة تحت أي ظرف إلا في حضور عمها الكبير، ليتولى الأخير تكاليف تلك الخطبة بالكامل، وأيضًا لتقضي على أي احتمالية لرفضه، خاصة بعد التأكد من وضعه المادي المريح.
نفضت "فيروزة" الغبار العالق بالأغطية الموضوعة على الأثاث في الردهة الواسعة، وأعادت طيها تمهيدًا لغسلها لاحقًا، بينما تولت والدتها مهمة كنس الأرضية المليئة بالأتربة وبعض الأوساخ الصغيرة، في حين ادعت "حمدية" إرهاقها من مشقة السفر وهربت من التزاماتها، ولم تقدم يد العون لكلتيهما، بل على العكس زادت من إنهاكمها بترك أولادها في رعايتهما ريثما تغفو. تذمرت الأولى من عناء ما تبذله من مجهود منذ اللحظة التي وطأت بها منزلها بالبلدة، وقالت بحنقٍ مفهوم:
-بجد معندهاش دم، يعني هي تعبانة واحنا بصحتنا؟ ما الحال من بعضه، وكلنا مهدود حيلنا.
ردت عليها بتنهيدة مرهقة وهي تمسح حبات العرق من على جبينها بظهر كفها:
-اعتبريه بثوابه يا بنتي.
تنمرت على تساهلها معها، وهتفت بحديةٍ:
-مش كده يا ماما؟ طب تاخد بالها من عيالها، يعني حرام بجد كل حاجة فوق دماغنا، دي ولا اللي على رجليها نقش الحنة.
كانت تعلم أنها محقة في تذمرها، لكنها وعدتها بإنجاز الأعمال، وبالتالي سقط كامل العبء عليها، تنهدت على مهلٍ، ورددت:
-مش عارفة أقولك إيه!
أضافت "فيروزة" بضيقٍ تعاظم بداخلها، لعدم اتخاذ والدتها أي موقف حاسم، حتى في أبسط المسائل:
-وطبعًا هاتقوم من النوم جعانة، ولازم تلاقي المحمر والمشمر وآ...
قاطعتها "آمنة" بنبرة متحمسة؛ علها تخفف من وطأة انزعاجها:
-من الناحية دي متقلاكيش، مرات عمك محلفاني ما أطبخ حاجة، هي مجهزلنا وليمة كبيرة.. إنتي عارفة هي بتحبنا.
ورغم حنقها إلا أن التطرق لسيرة تلك السيدة الطيبة جعل ملامحها تلين قليلاً، فهتفت تثني على صفاتها الكيسة:
-والله ما في زيها، ربنا يباركلها، عمرها ما قصرت معانا أبدًا.
تحولت نبرة والدتها للأوامر وهي تتابع:
-يالا شهلي عشان نلم الصالة أوام، عشان لسه كومة الغسيل اللي أد كده.
صاحت في غيظٍ:
-دي أشغال شاقة، مش رحلة أبدًا!
نهرتها بابتسامة لطيفة:
-بلاش لكاعة يا "فيرو".
تحول وجهها لكتلة من الحمم الحمراء تذمرًا على ما قالته، وهتفت من بين أسنانها المضغوطة:
-كل ده وبأتلكع؟ إنت شايف يا رب بأعمل إيه!!!
...............................................................
ختمت فريضتها بخشوعٍ، وجلست على مصليتها لبعض الوقت، تدعو الله بصلاح الحال، ودرأ المفاسد عنها، وعن عائلتها. لم تنتبه "همسة" لزوجها الذي كان يقضم ثمرة التفاح، ليسد جوعه المؤقت، وما إن رأها الأخير على تلك الوضعية، حتى تدلى فكه السفلي في صدمة فرحة، وهتف يسألها عاليًا وهو يقترب منها:
-إنتي بتصلي؟
نزعت عنها إسدالها، وأجابته مبتسمة، وبعفوية تامة:
-الحمدلله، هاروح أشوف الأكل اللي على النار وآ....
سد عليها الطريق بجسده محتجًا، وقد ألقى بالثمرة خلف ظهره:
-مش وقت أكل خالص، ده أنا مصدقت إنك بقيتي تمام.
فهمت تلميحه المتواري، واتسعت عيناها قلقًا، شعرت باضطراب عظيم يغزو جسدها، بانتفاض حواسها. تراجعت تلقائيًا للخلف، ورفعت إصبعها أمام وجهه تحذره:
-بص يا "هيثم"، أنا مش جاهزة، اديني وقتي.
حُصرت عند الزاوية، لا مهرب لها، خاصة مع اندفاع زوجها نحوها، قبض الأخير على رسغها يسحبها منه ورائه وهو يقول:
-اشتري وخدي مني، مش هتخسري حاجة
قاومته قدر المستطاع متسائلة في حيرة:
-أشتري إيه؟
استدار برأسه نحوها يرمقها بنظراتٍ نهمة مليئة بالرغبة، وغمز لها قائلاً:
-ودي يا "هموس"، يالا يا عسل.
حاولت عرقلة خطواته، وإبطاء سرعته، محتجة عليه بارتباكٍ كبير:
-كده مش هاينفع خالص.
أصر عليها بلطافته الزائد:
-صدقيني هاينفع، جربي بس.
ألحت في اعتراضها:
-لا يا "هيثم"
عبس بتعابيره موضحًا لها، بما يشبه المزاح:
-"هموس" شوفي البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل
انتشلت يدها من قبضته والغيظ متمكن منها، رمقته بنظرة حادة قبل أن توبخه:
-نعم؟ بضاعة ، لأ ماسمحلكش، إنت كده بتغلط فيا.
تشكل على ثغره ابتسامة عريضة أظهرت نواجذه، وقال وهو يحاوط خصرها الرشيق بذراعه :
-حاشا لله، ده إنتي فرز أول يا "هموس".
..........................................................
أراح ظهره للخلف وهو مازال محدق بمشبك الرأس الذي بين أصابعه، فمنذ انتقاله للإقامة بمنزل أبويه، وقد شعر "تميم" بأنه تخلص من العبء الكبير الذي أضنى قلبه. ابتسم لتصميم الطاووس اللامع في يده، انعكس بريقه المغري في حدقتيه، فبدا كبلورة سحرية. كان تسليته المؤقتة، مجرد التطلع إليه يأخذه لفضاءات خيالية، يُعايشها بعقله ضمن أحلام يقظته، في بعد آخر من الزمن، عنه مشبكًا تقليديًا للرأس. انقضت عدة أيام على انتهاء كابوس زيجته بابنة خالته، وإن ظلت رواسب تلك الزيجة الفاشلة تنغص عليه أوقات خلوته، فوالدته لا تكف عن لومه، ولا عن تذكيره باندفاعه الأهوج لتخريب حياته دون أسباب مقنعة تكفي لإخراس صوت الضمير الحي بداخلها، فكل ما علمته منه أنه لم يعد قادرًا على إكمال القادم من حياته معها.
بدت "ونيسة" ناقمة على أنانيته، واتهمته بالإجحاف في حق تلك المظلومة البائسة، التي تحمل في أحشائها جنينًا لا يعرف مصيره بعد. لم يكترث لظنون والدته، تركها تحمله الذنب كاملاً، المهم ألا يعود بأي حال لتلك الشخصية المنفرة. شــرد بتفكيره في "فيروزة" مجددًا، ورغم ما يكنه الفؤاد من مشاعر تنبض نحوها بقوة، إلا أنه كان مؤمنًا بعدم وجود فرصة له معها؛ وإن بدت الظروف حاليًا مهيأة قليلاً. فمثلها يستحق الأفضل، أن تكون حياتها الزوجية مع شخص جدير بها، لا مع واحد مثله يحمل ماضيًا سيحرجها حتمًا، بالإضافة لاحتمالية رغبتها في الارتباط بشخص لم يسبق له الزواج، وعلى شاكلتها. بدت لوهلةٍ بعيدة المنـال، صعبة التحقيق، حتى أحلامه رغم بساطتها غلفها الفشل.
شتت تفكيره عنها، وألقى نظرة أخيرة على المشبك قبل أن يضعه بمكانه بداخل الكومود. اعتدل في رقدته المسترخية على الفراش، حين سمع والدته تناديه من الخارج:
-الأكل جاهز على تربيذة السفر.
رد "تميم" وهو يخفض ساقيه:
-حاضر يامه.
دار حول فراشه، وهندم من ثياب العمل التي لم يبدلها بعد، ثم اتجه إلى باب الغرفة، أدار المقبض، وخرج مبتسمًا ليجد والدته ترمقه بنفس النظرات اللائمة المليئة بالعتاب، حافظ على ثبات بسمته، وسألها؛ وكأنه لم يفعل ما أزعجها قط:
-طابخة إيه يا ست الكل؟
تنهدت قائلة بقنوطٍ، ودون أن تخبو تكشيرتها العظيمة:
-هو حد ليه نفس للأكل ولا الطبيخ بعد اللي حصل؟ ده الناس في الحتة كلوا وشي!
سألها ببرود أقرب للمزاح:
-طيب احنا هناكل إيه؟
لوحت بيدها وهي تجيبه:
-جبنة وعيش.
هلل في حبورٍ استفزها:
-رضا
اشتدت قبضتها على ذراعه الذي أمسكت به، استطاع أن يرى ترقرق العبرات في مقلتيها وهي تلومه:
-مش حرام عليك يا ابني ترمي مراتك واللي في بطنها كده؟
بالطبع لم تتوقف خالته أو ابنتها عن إلقاء كامل اللوم عليه، وتبارعت الاثنتان في الظهور بمظهر الضحية المضطهدة، على عكسه هو؛ الظالم، الجاحد، المتبلد في مشاعره. برفقٍ استل "تميم" ذراعه من يدها، وقال بنبرة متجهمة، وقد انقلبت تعابيره للعبوس:
-أنا راجل مفتري.
انخرطت في نوبة بكاءٍ جديدة مواصلة عتابها:
-وأخرت الظلم والافتراء ده إيه؟ يا ابني خاف ربنا، وخاف من دعوة المظلوم.
كور "تميم" قبضته في غضبٍ بدأ في الاندلاع بداخله، شعر بصدره يحترق من كم تلفيق الحقائق لخداع والدته الساذجة، والتي على الفور اتخذت موقفًا معاديًا له. التفت نحوها ليرمقها بنظرة قوية صارمة قبل أن ينطق بجفاءٍ:
-يا ستي هي تستاهل الأحسن مني، ولما تخلص عدتها تبقى تتجوز، معنديش مانع.
اتسعت عيناها في صدمة، وضاعفت من لومها له قائلة:
-للدرجادي عاوز الغريب يربي ابنك ولا بنتك؟
هتف محتجًا، وقد انتفضت عروقه الغاضبة بقوة:
-ومين قال كده؟ اللي في بطنها هيتربى معايا، مش هاسيبها للـ......
تدارك لسانه قبل أن ينعتها بكلمات نابية، ونفخ في حنقٍ ليثبط ثورته، ثم صحح على عجالةٍ:
-مش هاسيبوه ليها يامه.
عادت لتلومه بشدةٍ ضاغطة على أعصابه المستثارة:
-وكمان عايز تحرم أم من ضناها؟ إيه الجبروت ده؟
-لا إله إلا الله!!!!
أدرك "تميم" أن والدته تدفعه للخروج عن شعوره بدفاعها المستميت عن تلك المرأة غير المؤتمنة، لوهلة لام نفسه لأنه أخفى الحقيقة عنها، لكنه قطع العهد على نفسه ألا يجعل من شخصه أضحوكة بالتطرق لما يخص أسرار الحياة الزوجية في غرف النوم المغلقة، وتصبح خصوصياته مُباحة لألسن العامة. أبعد عينيه اللاتين تقدحان بالشر، وقال بصوتٍ مختنق:
-بأقولك إيه يامه، أنا نازل ..
سألته على مضضٍ؛ وكأنها تؤدي واجبها الأمومي فقط:
-والأكل؟
رد بتبرمٍ ويده تستريح على المقبض:
-ماليش نفس.
لم تكترث له، وقالت:
-اللي يريحك.
انزعج من معاملتها الجافة معه، وانصرف كابتًا غضبه المشتعل ليهبط الدرجات عدوًا، فلا داعي للتشاجر مع والدته، وهي تجهل كافة الحقائق المؤسفة، وإلا لأحدثت القطيعة مع شقيقتها الحرباء الخبيثة. استوقفه رنين هاتفه عند مدخل البناية، أخرجه من جيبه، وحدق في اسم المتصل، دون ترددٍ أجاب متصنعًا الهدوء:
-أيوه يا "منذر"، لا أنا تمام، خير في حاجة؟
أتاه صوت الآخر قائلاً بلهجة شبه جادة:
-كل خير، أنا بأتصل أعزمك على كتب كتابي.
تعقدت تعابيره مرددًا في اندهاشٍ متعجب:
-كتب كتابك؟
ضحك "منذر" متابعًا:
-أيوه يا عم "تميم".
لاحقه الأخير بسؤاله:
-وده إزاي حصل؟ مش احنا كنا مع بعض في فرح الواد "هيثم"؟
زفـر "منذر" الهواء دفعة واحدة قبل أن يوضح:
-كل حاجة جت بسرعة.
رد في استحسانٍ:
-وماله.. خير البر عاجله.
دعاه رفيقه مشيرًا لمدى عمق صداقتهما:
-وبعدين إنت مش محتاج عزومة يا "تميم"، ده إنت صاحب بيت.
علق يمدحه في فخرٍ:
-طبعًا يا "أبو الرجولة"، ده إنت أخويا وعِشرة عمر، ومتأخرش عنك أبدًا.
شكره بابتهاجٍ:
-حبيبي يا "تيمو".
واصل "تميم" القول، وطيف "خلود" المزعج يلوح في مخيلته:
-وربنا يتمملك على خير، المهم تكون بنت ناس، وأصلها طيب، أوعى المظاهر تخدعك، مش عايزين حد يكدرك بقية حياتك، كفاية الخبطة الأولى.
ضحك عاليًا ليرد بعدها بصعوبة:
-من الناحية دي اطمن، أخوك ناصح.
ابتسامة باهتة احتلت شفتيه وهو يعقب:
-على خيرة الله.
أضــاف "منذر" بصوته الجاد ليؤكد عليه:
-أنا هابعتلك العنوان عشان احنا عاملينه عند قرايب الجماعة.
نظرة شاردة مهمومة ألقاها "تميم" على العُلية، ربما في دعوته وسيلة جيدة للهروب من الضغوطات التي تحاصره بها والدته، تنهد يقول حاسمًا أمره:
-إن شاءالله يكون في المريخ.. أنا جايلك ................................... !!
..............................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل السادس عشر 16 - بقلم Manal Salem
القراء الكرام .. في البداية شكرًا على سؤال الجميع والاهتمام بمعرفة أحوالي الفترة اللي فاتت .. كان في ظرف خاص بوفاة والد صديقتي المقربة .. وكان الموضوع صعب شوية عليها، فكانت بحاجة إني أكون معاها.. أسأل الله أن يحسن ختامنا جميعًا..تاني شيء.. الفصل النهاردة قصير نوعًا ما .. مكانش عندي الرغبة أكتب حاجة، فبعتذر لحضراتكم عن قصره.. هو ليه بقية، هحاول أكملها النهاردة يا بكرة، وهتكون متاحة للقراءة على جميع المنصات الأدبية .. وشكرًا على تفهمكم وتقديركم ..
الفصل الحادي والخمسون (الجزء الأول)
أصرت على تبديل ثيابها المنزلية العادية بأخرى أكثر إغراءً، تصلح لليلتها المؤجلة، انتظر "هيثم" على جمرات متقدة، متلهفًا لرؤية زوجته الفاتنة، وتعمدت الأخيرة التباطؤ في الخروج من الحمام لإكساب نفسها المزيد من الثقة، والتغلب على الرهبة الغريزية الخاصة بتلك الأمور الحميمية. طــال غيابها، وضجر العريس المتلهف من كثرة الانتظــار، فتخلى عن رقدته المترقبة بالفراش ليذهب إليها عند الحمام، دق بابه متسائلاً بأنفاسٍ جاهد لتبدو أقل حماسًا:
-"هموسة"، إيه يا حبيبتي؟ إنتي هتباتي جوا؟
أتاه صوتها معتذرًا:
-سوري.. إديني وقتي وهطلعلك.
احتج على مماطلتها مرددًا بتبرمٍ مازح:
-وقتك إيه بس.. ما أنا قاعد على الدكة بقالي كذا يوم ..
رفع يده استعدادًا لطرق الباب مجددًا، لكن قبل أن تصل يده للكتلة الخشبية، فتح من تلقاء نفسه، وأطلت عروسه الجميل بثوبٍ حريريٍ من اللون الأبيض، غطى كامل جسدها، فيما عدا صدرها وكتفيها؛ فقد كان مكشوفًا بشكل يحفز المشاعر الكامنة على التحرك بإثارة ورغبة. توهجت عيناه بمزيد من الشوق والتهلف، بالكاد تجزم أن لعابه قد ســال لرؤيتها متضرجة بحمرتها الخجلة، ونظراتها المليئة بالحياء. التوت شفتاه عن ابتسامة عريضة، وهتف يتغزل بها:
-ماشاءالله على الجمال.. ده إيه ده؟!
توترت من تغزله الصريح، وحاولت إخفاء مفاتنها المغرية بعقد ساعديها أمام صدرها، لم تنظر نحوه وهي ترد باقتضابٍ خافت:
-شكرًا.
التف ذراعه حول خصرها، ليضمها إلى صدره، ويشعر بدفء بشرتها على جسده، ثم همس لها وهو يحني رأسه على وجنتها ليقبلها:
-ده أنا عندي كلام كتير هاقوله للصبح.
رجته بقلقٍ لم تستطع التغلب عليه:
-بالراحة ممكن.
قال دون أن تفتر ابتسامته:
-ده احنا على أقل من مهلنا.
نظرة أخرى استقرت على منحنياتها اللافتة، وقال بتشوقٍ أكبر، وأصابعه قد اتخذت دورها في مداعبة مشاعرها:
-هو أنا ورايا إلا إنتي يا "هموس".
...............................................................
أطلقت زغرودة مبتهجة بمجرد أن أطلعتها ابنتها على إتمام مراسم زيجتها، لم تتمكن "آمنة" من إخفاء مشاعرها الأمومية الفرحة لإثبات طهر وعفة ابنتها، خاصة لكون تلك المسألة مرتبطة بسمعة وشرف العائلة. استراح صدرها، وانعكست غبطتها على تعبيراتها، فازدادت إشراقًا. اقتربت من "سعاد"، وأخفضت رأسها عليها لتعلمها بالأمر، شاركتها الأخيرة أيضًا في فرحتها، وربتت على كتفها قائلة بابتسامة نضرة:
-عقبال نهار فرحتنا بـ "فيروزة".
رد بوجه ضاحك:
-يا رب يا "سعاد"، وتكوني إنتي واقفلها.
على الفور هتفت دون تفكير:
-طبعًا، دي الغالية عندي.
في تلك الأثناء، وكعادتها المتلصصة، رأتهما يتهامسان في خفوت، فاشرأبت بعنقها للأعلى لتلمح الاثنتين تثرثران بضحكٍ خجل. استثار الأمر حفيظتها، وبعجرفة لا تليق بها اقتحمت "حمدية" المطبخ لتتطفل عليهما؛ لكنها لم تفهم ما يتحدثان عنه بصوتهما الهامس، بدا حوارهما كالألغاز. لاكت آخر قطعة من ثمرة الموز لتنتهي كليًا من التهام ما في طبقها، ثم ألقت بالبقايا في سلة القمامة، وضعت الصحن في الحوض دون أن تكلف نفسها عناء تنظيفه، وتساءلت بفضولٍ واضح، ونظراتها تحوم حول كلتيهما:
-بتتودودا في إيه كده؟
التفتت "سعاد" نحوها، وأجابتها بفرحة لا تقل عن رفيقتها الطيبة:
-باركي لـ"آمنة"، بنتها خشت على عريسها، وكله تمام والحمدلله.
لم يظهر الرضا على ملامحها، وقالت باقتضابٍ:
-كويس..
تفرست "سعاد" في تعبيراتها المتجهمة، وسألتها مباشرةً:
-هو إنتي مش فرحنالها ولا إيه؟
ابتسمت على مضضٍ، وأنكرت على الفور:
-لأ إزاي..
ثم تأوهت من الإرهــاق، وتعللت كاذبة:
-بس تلاقيني مش مركزة كده اليومين دول، حيلي مهدود من السفر، و"خليل" والعيال ما بيريحوش نفسهم.
من لا يعرف طبيعة شخصها الكسول، لاعتقد بالفعل أنها تفني كل مجهودها لأجل أسرتها؛ لكنها كانت أبعد عن ذلك بكثير. تجاهلت "سعاد" لغوها التافه، وقالت بما يشبه إملاء الأوامر:
-طيب يالا عشان نحط الأكل للرجالة، وبعدها نجهز لليلتنا التانية، لأحسن النهاردة وارنا حاجات كتير، والوقت بيجري بسرعة.
لم يمنع فضول "حمدية" من سؤال "سعاد" بوقاحةٍ:
-صحيح، إنتو اتحشرتوا ليه في موضوع بنت "رياض"؟
أجابت عليها الأخيرة بتمهلٍ:
-إنتي عارفة الحاج "اسماعيل"، طول عمره حقاني، مخلصوش اللي حاصل معاها، وبعدين ما هي زي بناته، مايخيرهاش عنهم.
لوت ثغرها مغمغمة بضيقٍ تلون به وجهها:
-أيوه..
دنت منها "سعاد"، وبادلتها ابتسامة صافية خالية من أي ضغائن، قبل أن تنطق:
-وعقبال ما يقف لولادك.
ردت "حمدية" بتكلفٍ، وامتعاضة صريحة على وجهها:
-إن شاءالله يا حبيبتي.
ثم رمقتها بنظرة حاقدة، لتبعد وجهها عنها، وهمست لنفسها في غلٍ ينبع في صدرها:
-يا بختك بيه، كان زماني مرات الكبير، والكل بيخدم عليا!
.......................................................
كلتاهما جلستا تتحدثان على انفرادٍ لبعض الوقت في غرفة خالية من الزحام، وبعيدًا عن الحركة غير الاعتيادية لأصحاب المنزل، أو حتى الضيوف القادمين للمكوث به. حظيت الاثنتان ببعض الخصوصية، فدفعهما ذلك للبوح بمكنونات القلب المتعب؛ حيث ربطت بينهما صداقة بعيدة، واحتفظت -رغم مضي العمر، وانشغال الجميع- بنفس الود، والمحبة، والتفاهم. مشطت "فيروزة" شعر رفيقتها بتمهلٍ بطيء، لتعطيها ذلك الدلال الرقيق الذي افتقدته، وتأملت انعكاس تعبيراتها الذابلة في المرآة. رأت ذاك اللمعان الخفي في حدقتيها، وربما طغى بريقه الغريب على الحزن المرسوم على ملامحها المهمومة، تركت المشط على التسريحة، والتفتت نحوها تهنئها، وعيناها تتطلعان إليها:
-مبروك يا "أسيف"، وربنا يتمملك على خير.
ابتسمت برقةٍ وهي ترد:
-الله يبارك فيكي يا "فيروزة".
تنهيدة بطيئة تحررت من صدرها قبل أن تعلقٍ:
-أنا مش عارفة أقولك إيه على موضوع البيت، قلبي عندك.
لمحة حزن أخرى طفت على صفحة وجهها، وتضاعف معها ذلك اللمعان المؤلم في عينيها، لحظات استغرقتها في الصمت، لتقطعه بعدها قائلة:
-الحمدلله..
ردت عليها "فيروزة" بنوعٍ من المواساة اللطيفة:
-كله بيعدي، وإن شاءالله اللي جاي يبقى أحسن.
عقبت عليها "أسيف" بقلبٍ ملتاعٍ يئن من آلام الفقد:
-صدقيني مافيش بعد الأم والأب أي حاجة تتعوض.
نكست رأسها قليلاً وهي ترد بصوتٍ بدا متأثرًا:
-معاكي حق...
قاومت "فيروزة" تلك الغصة التي اجتاحت حلقها، وحاولت تبديد الأجواء الحزينة بأخرى فرحة ومناسبة لهذا الطرف السعيد، فاستطردت قائلة باهتمامٍ:
-بس شكل خطيبك ده ابن بلد وجدع..
نظرت "أسيف" نحوها، وقالت ببسمة باهتة:
-ايوه..
أضافت عليها رفيقتها بنوعٍ من الغموض المُحير:
-بس أنا حاسة إني شوفته قبل كده.. يعني ملامحه مش غريبة عليا.
بمنطقيةٍ أوضحت لها "أسيف":
-هو بيتنقل من مكان لمكان، بيجيب بضاعة، بيودي شغل، ويستلم من كذا حتة.
ردت في تفهمٍ:
-ربنا معاه ..
ثم تشجعت لتسألها دون مراوغة:
-وعلى كده إنتي بتحبيه يا "أسيف"؟
برقت عيناها بوميضٍ لم يكن قلقًا، ومع هذا خجلت من منحها الجواب. لم تحاول "فيروزة" الضغط عليها لاستخراج الرد من بين شفتيها، لكنها استنتجت من صمتها، وتورد بشرتها وجود بعض المشاعر الودودة والإيجابية نحوه .. ابتسمت بلطفٍ لها، وأضافت مغيرة مجرى الحوار:
-ربنا يسعدك معاه، وعمتك وبناتها كويسين معاكي؟
تنفست "أسيف" بعمقٍ أولاً، أمهلت نفسها الفرصة لتعطيها ردًا محايدًا:
-يعني الوضع كان صعب علينا كلنا، أنا مش عارفاهم، وهما نفس الكلام، وأدينا بنتعامل.
تفهمت "فيروزة" اقتضابها في الحديث معها، فتلك طبيعتها الكتومة، لم تعتد على الإفصــاح عما يجيش في صدرها بسهولة، كانت والدتها الراحلة "حنان" الأقرب إليها، ومن قبلها كان والدها "ريــاض"، كما أنها لم تكن من النوع الاجتماعي المختلط بالآخرين، تحبذ غالبًا قضاء وقتها بصحبة أهلها إلى أن تبدلت أحوالها بين عشية وضحاها. ظلت رفيقتها هادئة في تعبيراتها، وأضافت تشجعها:
-تمام .. أهم حاجة عندي تكوني مبسوطة ومرتاحة يا "سوفي"
ابتسمت قائلة لها عن رضا:
-الحمدلله.
عقدت "فيروزة" ذراعيها أمام صدرها، وتابعت القول بنوعٍ من التهكم:
-كويس إنكو هتعملوا كتب الكتاب هنا، بصراحة، ومن غير زعل كده، عم "فتحي" يتفاتله بلاد.
عاد الحزن ليحتل نظرات "أسيف"، أغمضت عينيها، وردت بزفيرٍ منزعج:
-ربنا يهديه.
أرخت صديقتها ساعديها، ووضعت يدها على كتفها لتضغطت عليها، ثم قالت بنوعٍ من التفاؤل:
-ماتقلقيش طول ما عمي "اسماعيل" موجود، وإن شاءالله هتبقى ليلة جميلة.
قالت مجاملة بابتسامة مقتضبة:
-يا رب.. بس كان نفسي أشوف "همسة".
ضحكت "فيروزة" وهي توضح لها سبب غيابها:
-عروسة جديدة بقى، وإنتي كمان هتحصليها أهوو.
عمقت "أسيف" من نظراتها نحوها، وقالت بما يشبه التمني:
-عقبالك يا "فيروزة".
على عكس المعتاد من معظم الفتيات لم تنشغل بأمر البحث عن الزوج المناسب كثيرًا، أو حتى تهتم بحدوثه من عدمه، كانت غير مبالية بذلك، تفكيرها يؤرقه أمورًا أهم من هذا، لذا هتفت تشكرها بشكلٍ روتيني:
-تسلمي يا حبيبتي.
..................................................
بدا الهروب من حلقة الضغط النفسي هو الحل المتاح حاليًا، للحصول على قسطٍ من الراحة العقلية، قبل أن يعود لهمومه المتكالبة عليه. لم يأبه "تميم" بمشقة السفر المفاجئ، واستقل سيارته قاصدًا البلدة التي دُعي إليها. كانت الطرقات غير معبدة تقريبًا حين وصل إليها؛ أغلبها رملي تثير الأغبرة في الجو حين تتحرك العربات عليها، أو ضيقة نسبيًا، تكفي لمرور سيارة واحدة ذهابًا، وأخرى إيابًا؛ لكنها تمرق بين الزراعات المشبعة بالخضرة النضرة، والباعثة بالسرور على النفس. توقف في فسحة متسعة، يبحث عن أحد المارة، ليستعلم منه عن وجهته. أطل برأسه من النافذة، وحركها في الجانبين بغير هدى. في نفس الأثناء، مرت "حمدية" على مسافة قريبة منه، لمحته دونًا عن غيرها وهي تتهادى في خطواتها. كانت سيارته مميزة، وفي نفس اتجاهها، اقتربت بتؤدة منه لتتأكد من هويته. لم تتفاجأ بوجوده، وهللت عاليًا لتفلت أنظاره إليها:
-الله! ده المعلم "تميم" بنفسه هنا!!
استدار الأخير في اتجاه مصدر الصوت الأنثوي، علامات الاستغراب ارتسمت على محياه حين رأها، وقال بدهشةٍ لم يكلف نفسه عناء إخفائها:
-إزيك يا حاجة؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟
اعترضت على اللقب الذي منحه لها، وصاحت بتذمرٍ منزعج:
-أنا مش حاجة ياخويا، أنا لسه صغيرة .. في دور إخواتك يا معلم.
لاحت على زاوية فمه ابتسامة تهكمية، واعتذر على مضضٍ:
-لا مؤاخذة .. مقصدش.
باغتته بسؤاله مباشرة دون تمهيدٍ:
-قولي إنت جاي هنا ليه في بلدنا؟
ضاقت عيناه باستغرابٍ، وهو يردد:
-بلدكم؟!
أكدت عليه باقتضابٍ:
-أيوه..
لكن ما لبث أن أسهبت في الحديث موضحة:
-لأحسن يكون "خليل" عزمك على قراية فاتحة البت "فيروزة"، مالوش حق، ده معرفنيش إنك جاي!!
هبطت الكلمات على رأسه كالصاعقة، تصلب في مكانه للحظة فاقدًا قدرته على النطق أو الحركة، حملق فيها بعينين متسعتين في اندهاشٍ غير مسبوق، لكن ما علمه بمحض الصدفة وخز قلبه بشدة، وحز فيه بألم مهلك لم يختبر شدته مُسبقًا، انفرجت شفتاه متسائلاً بصوتٍ شبه مختنق:
-هي.. هتتخطب؟
أجابته بنوعٍ من السخرية:
-أيوه.. أومال كلنا ملمومين هنا ليه برابطة المعلم؟!
ثم أطلقت ضحكة هازئة متوقعة أن يشاركها التعليق، لكن خالف حدسها، وبقي صامتًا. لاحظت "حمدية" الوجوم المستريب الذي كسا تعابيره بشكلٍ غريب، رمقته بنظرة فضولية متفرسة، وهنا تداركت حقيقة الأمر، ليس لديه معرفة سابقة، ولذا عبرت عما يدور في عقلها مرددة:
-باين معندكش خبر..
حاول "تميم" ضبط حالة الإحباط التعسة والمؤلمة التي حلت عليه، وقال بوجهٍ حزين منطفئ:
-لأ.. وربنا يتمم على خير.
ولأنها سمة تختص بها عن غيرها، تساءلت "حمدية" بسخافة، وكامل نظراتها عليه:
-مقولتليش جاي ليه؟
لم يكن يملك من الطاقة الكلامية حاليًا ما يجاريها في قدرتها على جذبه للحوار، فَقَد رغبته في كل شيء، أظلمت عيناه، وغامت تعبيراته، حتى ما كان يتمتع به خلسة في خيالاته غير المرئية من أحلام أصبح من المحرمات عليه، ليتلاشى ما احتفظ به بينه وبين نفسه من مباهجٍ لا تخصه، لتتحول حياته للمزيد من البؤس والحرمان. تباعدت عيناه عن نظراتها التي تتفحصه، وأجابها بصوتٍ غلفه التوتر:
-دي زيارة على السريع بخلصها هنا مع جماعة حبايبي.
ألحت عليه بفضولها:
-مين يعني؟ أنا أعرف كل بيت هنا.
لم تكن لتتركه يبتعد دون أن تحظى على الرد الذي يشبع فضولها، كانت من ذلك النوع الذي لا يكل أو يمل، أو حتى يشعر بالحياء. نفخ في سأمٍ، ورد باقتضابٍ:
-بيت الحاج "اسماعيل".
هتفت بحماسٍ:
-ده نسيب "خليل" جوزي...
لم تمنحه الفرصة للاختيار، بل فرضت نفسها عليه وهي تتابع:
-خدني في سكتك يا معلم "تميم"، وأنا هوريك البيت، شكلك تبع فرح قريبة الحاج "فتحي"، ما هو كتب كتابها النهاردة على واحد مجدع كده.
وجودها المستفز زاد من حالة الاختناق المطبقة على صدره، ومع هذا لم يكن أمامه مهرب منها، لذا باستسلامٍ يائس قال:
-اتفضلي .. ما أنا معرفته.
استقرت في المقعد المجاور له بعد أن أغلقت باب السيارة خلفها، ابتهجت أساريرها مرددة في حماسٍ، لم يزده إلا آلمًا وقهرًا:
-مين يصدق جوازتين في ليلة واحدة.
تضاعفت وخزات قلبه المميتة، وانعكست آثارها على تقلص عضلات وجهه، اشتدت عروقه، واختنقت الدماء بها. بحركة غير ملحوظة من يده، رفع "تميم" ذراعه للأعلى قليلاً، وقربه من وجهه، ليمسح بإصبعه طرف عينه الذي حبس تلك العبرة الخائنة المتسللة إليه، حزنًا وكمدًا على خسارة ما لم يملكه يومًا ........................................... !!
.............................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل السابع عشر 17 - بقلم Manal Salem
القراء الكرام الساهرون حتى ان .. تكملة الفصل ..
قراءة ممتعة
الفصل الحادي والخمسون (الجزء الثاني)
عُرف عن الألم الجسدي بزوال آثاره مع مرور الوقت، أما ألم الروح؛ فقلما يتم التعافي منه! بصعوبة بالغة استهلكت بقايا ثباته الزائف، كافح "تميم" في حضور "حمدية" السقيم ليخفي ما عصف بصدره من حزنٍ أمات قلبه النابض، آه لو أطلع أحدهم على روحه المتآكلة، لأدرك مدى العذاب الذي يعانيه الآن! غلف ملامحه بقساوة خارجية، ونظراته بجمودٍ مصطنع، حتى لا يُرى ما بهم من قهر يفتك بجوارحه. ومع ثرثرتها الزائدة عن ترتيبات الخطبة المزعومة من قبل زوجها، انفرطت آخر حبات عقد أمله الميؤوس منه، وتأكد عن ظهر قلب بأنها لم ولن تكون له يومًا. أوصلته "حمدية" عند منزل الحاج "اسماعيل"، ترجلت من السيارة قبل مسافة لا بأس بها، وتولى مهمة صفها عند بقعة خاوية، على مقربة من ذلك السرادق المقام على مرمى العين. استطاع أن يتبين رفيقه وسط الضيوف المتزاحمين، دنا من "منذر" الذي تزين في أبهى ثيابه، لتليق بهذه المناسبة السارة، وهنأه على عقد قرانه. سأله الأخير باهتمامٍ، ونظراته تتجول على ملامحه الواجمة:
-ها عرفت توصل بسرعة، ولا قابلت مشاكل في السكة؟
ابتسامة مرسومة بالإجبار على محياه، كانت وسيلته المؤقتة، لدفن أحزانه في الأعماق، حافظ عليها "تميم"، وأجابه بهدوءٍ:
-الطريق تمام يا "منذر"، بس فجأة كده قررت تتجوز؟
جاوبه "منذر" بصوتٍ انخفض قليلاً:
-شوية حاجات حصلت كده عجلت بالموضوع.
هتف مجاملاً، ودون أن تظهر رغبة واضحة عليه في معرفة التفاصيل:
-ربنا يتمم بخير..
تفرس أكثر في تعابيره المهمومة، وسأله:
-شكلك مش فرحان؟
تعلل كاذبًا:
-لأ إزاي .. ده بس إرهاق السفر.
-تمام.
قالها "منذر" وهو يصطحبه للداخل ليجلس وسط المدعوين من أهل البلدة، وأقرباء العريس ومعارفه. كان ممتنًا لبقائه في معزل عن البقية بالرغم من الصخب المحيط به؛ لكن لا شيء يُقارن بالصراخ المكتوم المتألم المنطلق بين جنبات نفسه. عــاد إليه "منذر" ليقف إلى جواره متسائلاً:
-الحاج "بدير"، والحاج "سلطان"، وباقي العيلة بخير؟
قال وهو يومئ برأسه:
-كلنا في نعمة .. تسلم على سؤالك.
جالت نظرات "تميم" على الوجوه المألوفة التي التقاها من قبل في حفل زفاف ابن خالته، دفعه ذلك للسؤال بجديةٍ:
-بأقولك يا "منذر"، هو إنت تعرف نسايب "هيثم" منين؟
أحنى الأخير جزعه عليه، وأشــار له بعينيه قائلاً:
-شايف اللي قاعد ناحية الشمال ده.
تساءل في حيرة وهو يركز نظره على كلٍ من "اسماعيل" و"فتحي":
-أنهو واحد، اللي قالب سحنته ولا التاني اللي بيتكلم مع آ....
قاطعه بصوت أجش رغم خفوته:
-لأ الأول، اللي اسمه "فتحي".
رفع "تميم" أنظاره نحوه، وسأله:
-ماله بقى؟
على مضض أجابه:
-ده قريب الجماعة، ابن خالة أمها، وبعيد عنك شخصية ما يعلم بيها إلا ربنا، سواد من برا وجوا، مايتوصاش في الغل والحقد.. عمل أفلام وحركات عشان ياكل حق الغلبانة قريبته.
كان وصفه دقيقًا عنه، حتى أن قسماته عكست بُغضه الظاهري بوضوح، فتساءل في غرابة:
-طب وعملت معاه إيه؟
غمز له رفيقه في ثقة قبل أن يرد:
-عيب عليك، ده أنا "منذر طه حرب"، وإنت عارفني في الحق زي السيف، معرفش أبويا.
ربت على كتفه قائلاً بزهوٍ لا يقل عنه:
-أبو الرجولة كلها يا عمنا.
خفف حضور "منذر"، ومرحه الذي مزج بين الجدية والهزل من وطــأة الأحزان الجاثمة على قلبه، هكذا خدع نفسه ليلتهي مؤقتًا عما أهلك روحه .. وظل بالقلب نبضة أخيرة، تتلهف بتوقٍ رهيب لرؤيتها –ولو للحظة- قبل أن تصبح مستحيلة للأبد.
........................................................
تلفت حوله بتوترٍ، وهو يدقق النظر في الطريق الذي امتد على مرمى البصر، متفحصًا عن كثبٍ، كل مَركبة تعبر من جواره. أراد الالتقاء به أولاً قبل أن ينتقل لمنزل "اسماعيل"، لوضع النقاط على الحروف، والتأكد من اتباعه للنهج الذي رسمه للظفر بابنة أخته كعروس. حرك "خليل" الهاتف المحمول على أذنه، ليتلقى إشارة إرســال قوية، واستدار برأسه للجانب وهو يقول بتلهفٍ:
-أنا واقفلك على أول الطريق أهوو ..
أتاه صوت "آسر" معلقًا عليه:
-خلاص شوفتك يا أستاذ "خليل".
أنهى المكالمة الهاتفية معه ليجد إحدى السيارات تقترب منه، لمح يد "آسر" وهو يخرجها له من النافذة ليلوح له بها، تنحى للجانب مفسحًا المجال لإيقاف السيارة على جانب الطريق، صفها على مهلٍ، وترجل منها ليلتقي بمُضيفه الذي هتف مرحبًا به:
-حمدلله على السلامة يا أستاذ "آسر".
قال وهو يحتضنه في ودٍ:
-الله يسلمك، ومافيش داعي للألقاب، احنا خلاص قربنا نبقى نسايب
رد في استحسانٍ:
-فعلاً..
ثم سأله مبديًا اهتمامًا مبالغًا فيه:
-ها، قولي البلد مش بعيدة عليك، مظبوط؟
أجاب بدبلوماسيةٍ استساغها الأخير:
-الطريق حلو، مسألتش كتير، وعرفت أوصل على طول.
غمغم "خليل" في حبورٍ:
-كويس.. تعتبر ماخدتش وقت من آخر مرة كلمتني.
ضاقت نظرات "آسر" بشكٍ وهو يسأله:
-وإيه الأخبار يا أستاذ "خليل"؟ في مشكلة لو فاتحت عمها وخطبتها النهاردة؟ هو مش عارفني وآ...
قاطعه مؤكدًا بما لا يدع أي مجال لإثارة الريبة:
-لأ.. اطمن، أنا مظبطلك الدنيا كلها، كلمت الحاج "اسماعيل" عنك من يومين، وهو بعت ناس تسأل عليك زي ما قولتي أروح فين، وعند مين، وطبعًا جيتك عنده عشان تتكلم معاه شخصيًا دي حاجة كبيرة، وهايقدرها.
التوى ثغره بابتسامة ممتنة وهو يعقب:
-شكرًا يا أستاذ "خليل"، حضرتك سهلتلي حاجات كتير.
هتف الأخير في خبثٍ، وتلك النظرة الماكرة تتراقص في حدقتيه:
-ما أنا يهمني مصلحة بنت أختي.
تنحنح مرددًا بنبرة ذات دلالة غامضة:
-مفهوم، وبالنسبة لموضوع التأشيرة لقريبك ده اللي كلمتني عنه أنا خلاص تقريبًا خلصتها، كلها كام يوم وهتبقى عندك.
انفرجت أساريره عن ابتسامة غريبة وهو يهلل:
-أيوه بقى، بشرني بالأخبار الحلوة..
مسح على كتفه مؤكدًا من جديد:
-اطمن، أنا عند وعدي.
تساءل "خليل" بجدية:
-والحساب هيبقى أد إيه؟
بسمة منمقة تشكلت على جانبي شفتيه حين أجابه:
-الحساب وصل .. عيب نتكلم في الحاجات البسيطة دي، احنا بقينا تقريبًا نسايب.
تحدث "خليل" في صوتٍ متحمس، جعل "آسر" أكثر ثقة عن ذي قبل:
-طبعًا، هو في زيك يا ابني، وأنا مش عايزك تقلق، موضوع "فيروزة" هيخلص على خير بأمر الله، وأنا عند وعدي.
............................................................
في كل غضب الدنيا استدارت بثوبها البراق لتواجه والدتها، بعد أن أخبرتها بمجيء "آسر" لخطبتها دون علم مسبق منها. رمقتها "فيروزة" بنظرة نارية محتقنة، عبرت عن قدر محدود من الثورة المندلعة بداخلها، احتجاجًا على تقرير مصيرها بهذا التجاهل المستفز. هدرت مستنكرة فرض الأمر عليها، وهي تلوح بيدها:
-وإزاي محدش يقولي؟ أنا آخر من يعلم يا ماما؟!
بررت "آمنة" موقفها بتوترٍ ملحوظ في صوتها:
-يا بنتي أنا زيي زيك.. خالك مقاليش حاجة غير على آخر وقت.
صاحت بصوتها المتشنج تلوم خذلانها، حتى في أهم القرارات الحياتية:
-ده جواز يا ماما، مش فستان ولا جزمة جديدة عاجبته فجبهالي..
صمتت والدتها، ونظرت لها بأسفٍ مما زاد من غيظها، تصلبت عروقها، وتابعت صياحها الغاضب:
-والمفروض أوافق على اختياره.
قالت محاولة تهوين المسألة عليها:
-دي أعدة رجالة، هيتكلموا ويشوفوه .. ومافيش حاجة رسمي.
احتد صوتها وهي ترد:
-أنا مش "همسة"، مافيش حد يقدر يجبرني على حاجة مش عايزاها.
وضعت "آمنة" يدها على ذراعها، وقالت بترددٍ:
-طيب خلاص، أنا هاكلم عمك وآ....
وقبل أن تكمل عبارتها اقتحمت "حمدية" الغرفة لتقاطعها قائلة ببرودها السمج:
-يعني عاوزة تحرجي خالك قصاد الخلايق دي كلها؟ وتقللي منه؟ ما تبطلي أمور الجنان دي!
استدارت "فيروزة" لتصبح في مواجهتها، كانت الأخيرة تقف عند باب الغرفة الذي أغلقته من خلفها، تستند بظهرها عليه، وعلى وجهها تلك الابتسامة الباردة المليئة بالحقد. قست نظراتها نحوها، واشتعلت بحمرتها الملتهبة، ثم تقدمت ناحيتها لتصبح على بعد خطوتين منها، وهتفت فيها بعصبيةٍ:
-وهو خالي كان عملي حساب؟ ده ما يرضيش ربنا إنه يجوزني غصب عني!
ردت "حمدية" ببرود، وهي تتغنج بجسدها:
-ده مجرد تعارف.. مش حاجة يعني.
صاحت توبخها في غيظٍ:
-يا سلام، بأمارة ما جايبينه لحد هنا؟ بلاش الكلام الأهبل ده!
اعتدلت زوجة خالها في وقفتها، وحدجتها بنظرة جافية غير مبالية، ثم نطقت بسخافةٍ قاصدة إخراجها عن شعورها:
-وإنتي إيه اللي مزعلك؟ هو أنا اللي جيباه؟ ما هو من طرف صاحبتك إياها..
كزت "فيروزة" على أسنانها في حنقٍ ووالدتها ترجوها:
-خلاص يا "حمدية"، هي مش عايزاه، بناقص منه.
توحشت نظراتها، وردت:
-احنا جايين نهزر يا "آمنة"؟ ده جواز، وكلام رجالة.
استغربت شقيقة زوجها من حميتها الزائدة، وتحفزها لأمر تلك الخطبة بتلك الحدية؛ وكأنها مسألة مصيرية .. ومع ذلك لم يظهر انفعالها، وقالت لها:
-أيوه، بس بالاتفاق، مش بالغصب.
تقوست شفتا "حمدية" عن بسمة خبيثة، وعمدت إلى تزييف تفسير الأمور لتربك والدتها، وبالتالي لا تتخذ صفها، فقالت تتهمها بنفس الأسلوب المستفز:
-ما جايز يا "آمنة" قايلين لبعض من قبلها، عاملة الشويتين دول علينا، أل يعني بنتك المصونة في الحركات دي..
ثم غمزت لـ "فيروزة" بعينها خاتمة حديثها:
-يا بت اطلعي من دول، أنا فهماكي كويس.
جاء النفي من أعماق "فيروزة" مصحوبًا بصراخٍ رافض، لتدافع به عن نفسها:
-أنا مش كده يا مرات خالي، طول عمري واضحة ودوغري، ماليش في اللف ولا حركات البنات إياها، و"علا" صاحبتي ليا لي كلام معاها بسبب ده.. أنا مش هاسكت.
مدت "حمدية" يدها لتضرب كتفها عدة مرات، وقالت بجمود:
-وماله، اتعاتبوا، اتحاسبوا، اصطفلوا مع بعض، بس ده اللي حصل يا حلوة ...
ثم تعمدت التباطؤ في نبرتها وهي تستكمل:
-ولعلمك الموضوع دلوقتي بقى في إيدين عمك، يعني خالك مالوش دعوة، عمك "اسماعيل" صاحب الكلمة الأخيرة فيه.
وكأنها منحتها الحل السحري لكافة مشكلاتها، تسلحت "فيروزة" بشجاعتها النابعة من قوة شخصيتها، وتحدتها قائلة:
-سهلة! أنا هاطلع أتكلم مع عمي، وأقوله إني مش موافقة على العريس ده.
همّت بالتحرك، لكن أمسكت بها "حمدية" قبل أن تخطو للأمام خطوة أخرى، شدت على معصمها، وجذبتها بقوة للوراء، لتقول لها بعينين يملأوهما الحقد:
-اخربيها زي تملي، ده اللي بيريحك، ما هو إنتي غيتك تولعي الدنيا، لا ليكي كبير، ولا بتعملي اعتبار لحد.
استلت بعنفٍ يدها من قبضتها، وردت عليها بنظرات غلفها الكره:
-أنا حرة في حياتي.
نظرت لها بازدراءٍ وهي تنعتها:
-بدل ما تبقي عانس يا عين أمك، بايرة، لا تنفعي في جواز، ولا تنولي خلفة، الحق علينا بنعمل اللي فيه مصلحتك؟
انفجرت صارخة بها:
-ملكيش دعوة بيا، أنا مش زيك!
هنا ولج "خليل" للغرفة متسائلاً بوجهٍ متجهم وهو يدور بنظراته على ثلاثتهن:
-صوتكم عالي ليه؟
على الفور قلبت "حمدية" الطاولة على رأس الجميع، واتهمت ابنة أخته علنًا لتوغر الصدور:
-البت دي عاوزة تفضحك يا "خليل"..
استشاطت نظراته غضبًا، وتساءل بملامح نافرة:
-نعم تفضحني؟
ردت "فيروزة" نافية على الفور:
-لأ يا خالي الحكاية مش كده، ماتصدقش كدبها ده!
هتفت "حمدية" تعنفها بحدةٍ:
-أنا كدابة؟ سامع يا "خليل"؟ دي جزاتي عشان بأنصحك؟ وبأقولك بلاش تتبتري على النعمة اللي جيالك لحد عندك؟
تجاهلتها "فيروزة"، ووقفت قبالة "خليل"، لتقول له بأنفاسٍ هادرة:
-اسمعني يا خالي.. أنا مش هاتجوز أي حد بالطريقة دي، حتى لو كان العريس ملاك نازل من السما، صحيح اتضايقت إنك عملت كده من ورايا واتكلمت مع اللي اسمه "آسر" ده، بس أنا بأقولك أنا مش عايزاه، وهاروح لعمي أعرفه ده، وهو يتصرف معاه.
مجرد تلميحها الصريح بنيتها للجوئها لعمها لدعمها ونصرتها عليه، أصابه بالمزيد من الغضب نحوها، ليس لتجاوز سطوته التي أكد عليها لـ "آسر"، بل لإفسادها للمصالح السرية بينه وبين زوج المستقبل، أطبق على عنقها يخنقها منه، انحشرت أنفاسها في حلقها، وبرزت عينيها في ذهول صادم.. ضغط "خليل" بأصابعه أكثر على عروقها ليقطع الهواء أكثر عنها، وهو يهتف بغلٍ:
-إنتي إيه؟ جبروت! عاوزة تجبيلنا الفضايح حتى هنا كمان؟
تدخلت "آمنة" لنجدة ابنتها من بين براثنه، وبكت في حرقةٍ ترجوه، محاولة إبعاد قبضته عنها:
-سيبها يا "خليل"، هتموت في إيدك.
زاد من ضغطه الخانق على عنقها، وهو يتابع بتهديد عدائي:
-أنا مش هاعجز إني أموتك.. هادفنك حية ولا إنك تفضحيني قصاد أهل البلد.
قاومت "فيروزة" انقطاع أنفاسها بتشنجٍ، نجحت في تحرير نفسها، لكن بقيت آثار أصابعه القاسية على جلدها، لم تضعف أو تهتز، غالبت ألمها، ووقفت تواجهه باستبسالٍ جريء، رافضة خشونته وعنفه المفرط:
-فضيحة إيه بالظبط؟ هو أنا عملت حاجة حرام؟ خلي عمي يعرف، ويحكم بنفسه، وبأقولهالك يا خالي، أنا مش موافقة على البني آدم ده، هتدفني بالحيا عشان قولتلك لأ؟!
أطلقت جراءتها غير المرتاعة نوبة غضبه عليها، تلقت صفعة موجعة على صدغها، لم تكن قد استفاقت منها بعد، لتحصل على أخرى عنيفة جعلتها ترتد بترنحٍ نحو والدتها التي احتضنتها لتحميها من بطش شقيقها الغاضب، بالكاد نجت من عنفه الأعمى، نظرت له بكراهيةٍ، وهي تحاول الوقوف ثابتة أمام قسوته، وقبل أن تنطق مدافعة عن حقها، ونابذة كل محاولاته لردعها، وضعت "آمنة" يدها على شفتيها تكتم صوتها، توسلتها بانكسارٍ:
-خلاص يا "فيروزة"، عشان خاطري يا بنتي، ماتكلميش وهو في الحالة دي.
آلمها ضعف والدتها ورضوخها الدائم، استعطفتها الأخيرة بنظراتها الذليلة، فصمتت لأجلها مرغمة، ومع هذا رفعت عينيها نحو خالها تتحداه بصمودها. نظرات الشماتة الظاهرة في عيني "حمدية" كانت مستفزة لأبعد الحدود، وبكل برودٍ هتفت -من تلقاء نفسها- تستثير أعصاب زوجها عن قصدٍ:
-يا ساتر على نشوفية دماغها، عمالة اتحايل عليها من صباحية ربنا، وهي ولا عايزة تسمع لحد، أعوذو بالله من كُهن البنات، إيش حال ما كان العريس من طرفها؟
أشــار "خليل" بسبابته آمرًا:
-البت دي تفضل هنا ماشوفش خلقتها برا، تحبسوها في الأوضة دي لحد ما الليلة دي تعدي على خير.
ردت زوجته على الفور تؤيده:
-وماله يا خويا، اللي تشوفه، احنا مش ناقصين فضايح.
تابع ملقيًا أوامره على زوجته وشقيقته بصوته الأجش:
-متخرجش منها إلا في وجودي، سامعيني إنتو الجوز.. الخطوبة هتم قصاد الكل، بيكي من غيرك، هتحصل يا بنت "آمنة"!
ضربت "حمدية" على صدره مدعية خوفها عليه:
-اهدى بس يا "خليل"، كل اللي إنت عايزه هايحصل.
لم تكلف نفسها عناء إخفاء تشفيها فيها، ونظرت لها باستمتاعٍ حاقد قبل أن تتبع خطوات زوجها لتغلق الباب بالمفتاح. نفرت الدمعات المختنقة من عيني "فيروزة" التي دمدمت شاكية لأمها بصوتها المجروح:
-والله العظيم اللي بيحصل فيا ده حرام، ومايرضيش ربنا، هو بالعافية؟!
...............................................................
ذوى قلبه بألم لا يطاق في ضلوعه، وكأن أحدهم يقتلعه بشراسة غير آدمية، حين أبصر تعانق الأيدي بحرارةٍ، لمباركة الخطبة الجديدة، عقب قراءة الفاتحة، خلال مراسم عقد القران الخاص برفيقه "منذر". كان حاضرًا بجسده، مغيبًا عمن حوله، لم يظهر حتى طيفها بين الحضور ولو لمرة واحدة. رأى "تميم" والدتها بابتسامتها المنقوصة، زوجة خالها بنظراتها النهمة الطامعة؛ لكن طاووسه الأبيض أبى أن يمنحه نظرة أخيرة، غابت عن خطبتها، وتركته وحيدًا يعايش الآن حزنًا محتومًا، ومن نوع مختلف؛ ينهش في بقايا الروح، ويحيل القلوب الحية لحجارة صماء. دمعة أخرى غادرة فرت من عينه، أزاحها على الفور قبل أن تلحقها أخرى. انسحب من السرادق باحثًا عن بقعة خاوية من البشر، اختلى بنفسه لبعض الوقت، لم يحتسب كم مضى؛ لكنه كان مفصولاً عمن حوله، بكى في صمتٍ يدمي القلوب، بعد أن فشلت كل محاولاته لكبح ذلك الضعف المخزي.
شعر باحتراقٍ يلتهم أحشائه، ازدادت قسوته مع اختناق أنفاسه، وقد أدرك الحقيقة المفطرة لقلبه، بأنه تذوق عذاب الحب الحقيقي قبل حلاوته. الآن بعد فوات الأوان، اعترف بينه وبين نفسه بأن ما ضمره في وجدانه من مشاعر مرهفة، شغلت عقله كثيرًا، وألهبت عواطفه بالرغبة، كان فقط لأجلها، نعم لقد امتلأ قلبه شغفًا بها، ودبيب الحب الموجع الذي اشتعل في صدره لم يكن إلا لها وحدها؛ وإن كانت لا تعلم هذا .. وحدها من حركت الماء الراكد من أسفله، لتطلق العنان لأحاسيسه الكامنة، ووحدها من اغتالت أحلامه، وأعادته للحضيض.
أخرج من جيبه علبة سجائره، التقط واحدة منها، ودسها بين شفتيه، ثم حاول إشعال ولاعته؛ لكنها عاندته، لم تنبعث الشرارة منها، فكف عن المحاولة. انتصب في وقفته بتأهبٍ حذر، عندما رأى تلك الذراع الممتدة نحوه، بشرارة لهبٍ صغيرة تريد إشعال عقب سيجارته. استدار للجانب ليجد "آسر" بتعبيراته الباردة، تنعكس في عينيه المحتقنتين بوضوح، رغم العتمة المتواجد بها. استهل الأخير حديثه ناطقًا بصوتٍ رتيب؛ لكنه ساخر:
-صحيح الدنيا صغيرة، مكونتش أتوقع أشوفك هنا.
لفظ "تميم" السيجارة من فمه ليرمقه بنظرة احتقارية بائنة، ثم هدر به بخشونة:
-هات آخرك معايا.
استقام "آسر" في وقفته، ليرد بغموضٍ أصابه بالحيرة والارتباك:
-أنا أخري معروف، الدور والباقي عليك إنت!
اخشوشنت نبرته مرددًا بما يشبه الزئير:
-ماتحورش، وهات اللي في بطنك.
غامت عينا "آسر" بشكلٍ غير أليف، بات شخصًا آخرًا وهو يوضح له:
-يا عم ما تتحمأش أوي، بس أنا فاهمك، ما احنا رجالة زي بعض!
اعترض عليه بغلظةٍ، وبوجه مشدودٍ على الأخير:
-لأ مش زي بعض!
اختفت الابتسامات المنمقة من على تعابيره، تحول "آسر" لما يشبه المسخ وقد سقط القناع المهذب الذي دومًا يغلف به تقاسيمه، من المؤكد أن نظرة "تميم" له كانت في محلها، خاصة حين سأله بفحيح بعث على نفسه الرهبة؛ ليس خوفًا منه، وإنما خوفًا عليها:
-بيني وبينك كده .. المُزة عجباك؟ صح ........................................... ؟!!!
.................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل الثامن عشر 18 - بقلم Manal Salem
الفصل الثاني والخمسون
طفرت الدموع من عينيها بغزارة وهي تنوح نادبة حظ ابنتها التعس، وكأن الحياة تأبى منحها السعادة التي تستحقها، لم تعلق "همسة" بشيء على زيارة حماتها المفاجأة، فقد فرضت الأخيرة حضورها عليها بأسلوب متطفل، غير عابئة برغبة العروسين في التمتع بقدر من الخصوصية، ومع هذا استقبلتها بودٍ وترحيب. رفعت "بثينة" أنظارها نحوها، وأمرتها بنوع من الازدراء:
-قومي هاتلي مياه، هاتفضلي أعدة كده بوزك في بوزي؟
صدمت "همسة" من وقاحتها الفجة، وردت بغصةٍ شعرت بها في حلقها:
-حضرتك قدامك المياه، تقدري تشربي براحتك.
وأشــارت بيدها نحو زجاجة المياه الموضوعة على الطاولة الدائرية الصغيرة التي تنتصف غرفة الصالون، ورغم ذلك علقت "بثينة" بسخطٍ:
-طعمها ماسخ، مش عاجبني، هاتي غيرها، ولا مستخسرة فيا شوية مياه عدلين..
ثم التفتت نحو ابنها تشكو له:
-شايف مراتك، بتعامل أمك إزاي؟ ده بدل ما تاخد بخاطري وتطبطب عليا.
كان "هيثم" يعلم جيدًا –وفي أعماق نفسه- أنها ستسعى لإفساد صفو حياته الهانئة مع عروسه قبل أن ينعم بها، كعادتها اللئيمة. استرخى في مقعده، وببرود قال لها جعلها تستثار غيظًا:
-وهي "هموس" عملت إيه؟ ما المياه قدامك يامه.
انفجرت صارخة فيه بأسلوب وقح، شبه مهين:
-إنت هتاخد صفها من دلوقتي؟ طرأها يا واد، عاوزة أقولك كلمتين على انفراد، ياباي!
لم تتحمل "همسة" تجريحها بهذا الشكل، وردت بكبرياءٍ محاولة لملمة كرامتها المبعثرة، وهي تنهض من أريكتها:
-على فكرة حضرتك ممكن تطلبي ده ببساطة، مش لازم تغلطي فيا؟
نهض "هيثم" هو الآخر ليعاتب والدته بضيقٍ لم يخفه:
-عيب كده يامه، دي مراتي، ومحبش حد يجي عليها ولا يضايقها
لوت "بثينة" شفتيها في استهجانٍ صريح، ورمقت كلاهما بنظرات احتقارية، خاصة حينما أحنى ابنها رأسه على جبين زوجته ليعتذر منها بابتسامة صغيرة:
-حق عليا يا "هموسة"، متزعليش.. تمشي بس وأنا هصالحك.
غمغمت "بثينة" معلقة بتهكمٍ صارخ:
-رجالة شُرابة خُرج بصحيح!
التفت برأسه مانحًا والدته نظرة محتجة، لكنه أبعد نظراته عنها ليتطلع إلى زوجته التي قالت بخفوت:
-خليك مع مامتك، وأنا جوا، ناديني لو عوزت حاجة
هز رأسه هامسًا:
-ماشي يا حبيبتي
تتبعها بعينين ملهوفتين وهي تختفي بالداخل، وتلك التنهيدة البطيئة تتسرب من جوفه، ليعاود بعدها التحديق في وجه والدته الغائم، اختفت ابتسامته البلهاء، وسألها بعبوسٍ:
-عاوزاني في إيه يامه؟
أجابته متسائلة بملامحها المتجهمة، ونظراتها اللئيمة:
-هاتسكت عن اللي حصل لأختك؟
رد ببساطة:
-مش إنتي كنتي عاوزاها تطلق؟ وأهو "تميم" عمل ده، زعلانين ليه بقى؟
وكزته في ذراعه بغيظٍ وهي تخبره:
-إنت جايب البرود ده منين؟ ياخي حس على دمك، أختك مقهورة، وإنت نايم في العسل جوا مع اللي تتشك في قلبها مراتك.
فرك ذراعه المتألم، وعلق بامتعاضٍ:
-يامه ماتغلطيش فيها، ده بيزعلني!
وبخته بحدةٍ:
-اِتلهي، أل يعني غلطت في البخاري
-لا حول ولا قوة إلا بالله
نظرت له بعينين حانقتين، فنفخ قائلاً في حيرة:
-والله إنتو غلبتوني معاكو، يرجعلها مش عاجب، ويطلقها برضوه مش عاجب، حددوا عاوزين إيه بالظبط؟
ردت بعصبية:
-إنت أخوها، وراجل البيت، اتصرف..
نظر لها مليًا بضيقٍ، ثم استنشق الهواء المكتوم بعمقٍ، ولفظه على مهلٍ، ليهمهم بعدها لنفسه بخفوت، والتعاسة تزحف على وجهه:
-شكلي مش هخلص من ليلة "تميم" و"خلود".
......................................................
استرابت من غيابها العجيب، والذي لا يتوافق مع تلك المناسبة السارة التي تخصها تحديدًا، فمن المعهود أن تنضم العروس لعائلتها؛ وإن كانت تجلس مع النساء، خلال تقدم أحدهم لخطبتها، لسماع رأيها في حضور رجــال الأسرة من أعمامها وأخوالها، ومن له صلة بها .. انسحبت "سعاد" بهدوءٍ من الأجواء الصاخبة لتبحث عنها في أرجــاء المنزل، توقعت وجودها في الغرفة الخاصة بـ "أسيف"؛ حيث تم استضافة الأخيرة فيها، أرهفت السمع لصوت النحيب القادم من الداخل، تضاعفت ريبتها، ووضعت يدها على المقبض لتديره؛ ولكن الغريب في الأمر أنها وجدته موصودًا، دقت عليه منادية:
-يا "فيروزة"! إنتي جوا يا بنتي
أتاها صوتها الباكي مستغيثًا بها:
-أنا محبوسة يا مرات عمي هنا.
رددت متسائلة في دهشة عظيمة:
-محبوسة؟ ومين عمل كده؟ وعشان إيه؟
صاحت متجاوزة عن إجابة تساؤلاتها:
-طلعيني يا مرات عمي لو سمحتي.
على الفور نطقت موضحة لها:
-حاضر يا بنتي، المفاتيح الأوض زي بعض، بتفتح بنفس المفتاح، هاروح أجيب واحد وأرجعلك.
استمعت لها وهي تعقب عليها:
-بسرعة الله يخليكي.
طمأنتها قائلة بنبرتها المتلهفة:
-متخافيش يا بنتي، أنا جيالك تاني ..
ثم ابتعدت عن الباب، لتتجه إلى غرفة نومها الرئيسية، وهي تغمغم مع نفسها بتبرمٍ منزعج:
-على آخر الزمن بناتنا يتحبسوا في بيوتنا!!
..................................................
يُقال أن لكل شخص نقطة ضعف، إن ولجت له منها لتستغله لخدمة مصالحك الشخصية، فهناك خياران متاحان لك؛ إما أن يلين ويرضخ، وإما أن يحدث العكس، ومعه تحول من الطبيعة المستكينة للوحش الهوجائي الكامن بداخله، هاجت دمائه المشبعة بحنقه وغزت كل شرايينه لتجبره على الانتفاض ثائرًا فيه. جحظت عينا "تميم" الملتهبتان بشكلٍ موتر، وهدر بذاك الوضيع يسأله؛ وكأنه يمنحه الفرصة الأخيرة للتراجع عن حماقته، قبل أن ينفذ فيه حكم الموت:
-مين دي اللي بتقول عليها كده؟
نظر له "آسر" باستخفافٍ وهو يجاوبه:
-اهدى عليا يا معلم...
ثم بتر عبارته ليراقب حمئته الثائرة بنظرات مليئة بالحقد والغيرة؛ فإن كان يملك مقومات الذكورة مثله، لما فكر مطلقًا في اصطياد ضحاياه من الفتيات السذج، معدومات الخبرة، للارتباط بهن، بعد أن أدرك عجزه الجسدي؛ لن يستطيع مطلقًا أن يمنح أي امرأة الشعور بالكمال والرضــا، خلال ممارسته الحميمية معها. اكتشف ذلك مبكرًا، ومن وقتها أصبح ناقمًا على الجميع، ولهذا حول شعوره بالنقص إلى نوع من الاستفادة المادية، ليخرج رابحًا في النهاية، ولهذا لجأ لوسائل أخرى غير شرعية للإتجار بما لا يملكه، وقد وقع الاختيار على "فيروزة"؛ الضحية المناسبة، ليتمتع معها لبعض الوقت قبل أن يقايضها على حريتها، أو يمنحها لمن يدفع الثمن، ومن خبرته المحنكة في قراءة لغة الجسد، استطاع أن يلاحظ الاهتمام الكبير من قبل "تميم" نحوها؛ وإن كان الأخير ينكر ذلك .. عاد من شروده المؤقت ليتابع حديثه قائلاً بوقاحة:
-إنت فاهمني كويس، العروسة .. "فيروزة"..
تلفظ اسمها مجردًا؛ وكأنه مشاعٌ للعامة، ناهيك عن إيحائه المهين لكينونتها المقدسة بالنسبة له، جعل غضبه المتدافع بداخله ينفجر على الفور، انقض عليه "تميم" قابضًا عليه من عنقه، وهزه بعنف ناهرًا إياه بصوته المتشنج:
-إنت إزاي يجي في مخك تكلم عليها معايا؟
أصاب هدفه، وتيقن من دقة اختياره، وهو يرى كيف شقلب كيانه ببضعة عبارات موحية ليستثير تلك النزعة الرجولية فيه. تحول جسد "آسر" المتراخي لكتلة من العضلات المشدودة، وقاومه مرددًا بنفس النبرة المستفزة:
-يا سيدي، اعتبرني باخد رأيك في بضاعة حلوة.
أشهر "تميم" مديته بعد أن أخرجها من جيبه، رفعها للأعلى، وغرز نصلها المدبب في جلد عنقه، حدجه بنظرة خالية من الحياة، وهو يهدده بلهجة تحولت للقتامة، ويخيم عليها الموت المحتوم:
-كلمة زيادة عنها ومحدش هيبص في خلقتك نهائي، هاشرَّحك! ومش فارق معايا أخش فيك اللومان تاني!
شعر "آسر" بوخز جارح يخترقه، وقال متراجعًا بحذرٍ، دون أن تخلو نبرته من السخرية:
-بالراحة على عضلاتك يا "تايسون"، احنا بناخد وندي مع بعض!
زجره "تميم" بزمجرة هادرة:
-إلا في عرض الحريم! ده مافيش فيه تفاهم معايا!
......................................................
في تلك الأثناء، وفي مكانٍ ليس ببعيد .. شهقت مصدومة من اندفاعها المباغت نحوه، واستندت بكفيها على صدره، محدقة فيه بنظرات مشدوهة ممزوجة بالخجل، تحول لون بشرة "بسمة" إلى حمرة صريحة، بادلها "دياب" نظرة شغوفة متلهفة لاقترابها الساحر. نجحت خطته، وباتت معه، قريبة منه حد الهلاك، وإن كان الأمر مفتعلاً، لكنه حاز على مراده في الأخير. عمق نظراته المتقدة حبًا نحوها، استشعرت بأصابعها المسترخية على صدره دقات قلبه العنيفة، أحست بتأثيره عليها، وبارتباكٍ موتر يسيطر عليها لتغلغل ذلك الشعور اللطيف فيها. لم يتحرك من مكانه، وبقي كالصنم يتمعن فيها، ومسلطًا فقط كل عينيه عليها. بحذرٍ ملبك لها، انسلت متراجعة للخلف، ومتحررة من قيده الاختياري، لتبدي انزعاجها من تصرفات الصغيرين الطفولية التي وضعتها في موقف محرج كهذا.. أرخى الطفلان أذرعيهما عنها بإشارة صريحة من "دياب" لتحرر "بسمة" كليًا، تنحنحت معتذرة له بتلعثم:
-أنا.. أسفة، مقصدش!
ثم أخفضت عينيها بحرج أكبر، لتتجنب نظراته، شاعرة بتلك السخونة المربكة المنبعثة من وجهها، لم ترغب في حدوث ذلك؛ ولكنه القدر. رد عليها "دياب" بهدوء، واضعًا يده على مؤخرة رأسه ليفركها:
-ولا يهمك، حصل خير!
انسحبت من أمامه دون إضافة المزيد، وقد سارعت في خطواتها، رغم عرجها الملحوظ .. ظلت أنظاره تتبعها ومتعلقة بها حتى اختفت من أمامه، فأخرج تنهيدة ملتهبة من صدره الملتاع بحبها الكبير، استدار للخلف ليحدق في الصغيرين بنظرات ممتنة، ثم فتح ذراعيه لهما ليندفعا في أحضانه، ضمهما قائلاً بثناءٍ عظيم:
-حبايب قلبي!
سأله "يحيى" ببراءة:
-أنا شاطر يا بابي؟
أجابه "دياب"، وهو ينحني نحوه ليقبله من وجنته:
-إنت أستاذ زي أبوك!
ثم ربت على كتفه ليأمره شقيقته الصغرى:
-خدي "يحيى" يا "أروى"، واسبقوني على جوا.. أنا هحصلكم كمان شوية.
ردت بانصياعٍ تام:
-حاضر يا أبيه ..
تسلطت نظرات "دياب" عليهما وهما يتسابقان في الركض للداخل، ليشرع بعدها في التجول في المكان لبعض الوقت، غير راغب في لفت الأنظار لتواجده بصحبتها قبل قليل. كان وجهه ما زال محتفظًا بابتسامته المتحمسة؛ ما لبث أن تلاشت حين رأى التلاحم البدني بين "تميم" وأحدهم، دقق النظر في اتجاههما ليتبين بالضبط ما يحدث، كان رفيقه ممسكًا بتلابيب الآخر، ويضع طرف مديته على عنقه، يريد نحره. دون أن يفكر، اندفع بهوجاء نحو ذلك الغريب ليضربه بخشونةٍ في جانب ظهره، ثم استخدم ذراعه في طرحه من صدره أرضًا، وسط أنينه المتألم من عنف الضربات الموجعة عليه. تدحرج "آسر" على جانبيه ليتفاداه، لكن أصر الأول على تقييد حركته، وإذلاله. تفاجأت "تميم" من حضور صديقه المباغت، وقبل أن ينطق كان "دياب" يجثو فوقه ينكزه في صدغه متسائلاً بنبرة جافة:
-الواد ده قل أدبه عليك يا "تميم"؟ قولي بس، وأنا وربنا ما هيطلع عليه صبح!
حاول "آسر" إزاحة ثقل جسده عنه، وهو يسأله في اندهاشٍ قلق:
-في إيه يا كابتن؟ هو حد داسلك على طرف؟
لكمه "دياب" في فكه بلكمة خشنة نوعًا ما، لكنها ليست قوية، وهو يحذره:
-اخشع ياض!
وقف "تميم" خلف رفيقه محاولاً جذبه من على ذلك الدنيء، قائلاً له بنبرة غير هادئة:
-سيبه دلوقتي يا "دياب"!
رد عليه صديقه بجراءة متهورة:
-متخافش يا صاحبي، هي ديته علقة محترمة، ونرميه في الترعة، ويدور على اللي مايته تسخن.
تفاجأ "آسر" من وحشية الأخير، ونيته المبيتة للتخلص منه، دون إبداء ذرة ندم واحدة، فهتف محتجًا، ومدافعًا عن حياته المهددة:
-أنا تتكلم معايا كده؟ إنت مين أصلاً؟
تشدق "دياب" مرددًا على مسامعه بنزقٍ:
-وأشقك ياله! في إيه!
ثم منحه وكزة مؤلمة أسفل ذقنه قبل أن يرغمه "تميم" على النهوض، ويزيحه بعيدًا عنه. اعتدل "آسر" في رقدته، وبدأ في النهوض نافضًا الأغبرة والأوسـاخ التي علقت بثيابه، ثم توعد كليهما هاتفًا بعصبيةٍ، لحفظ ماء وجهه فقط:
-أنا هوريكم يا غوغاء!
ضحك "دياب" على لفظه الأخير، وتنمر عليه بمزيدٍ من الاستهزاء:
-غوغاء! إيه الكلام ده؟ يبقى إنت كده غلطت فيا، يعني الليلة بقت عندي رسمي فهمي نظمي.
تشبث "تميم" بذراعه، وشده منه ليستوقفه قائلاً له من بين أسنانه المضغوطة:
-اركز يا صاحبي.
.........................................................
-الحقيني يا مرات عمي!
قالتها "فيروزة" وهي ترتمي في أحضــان "سعاد" التي فتحت باب الغرفة لها، لتنصدم الأخيرة برؤيتها على تلك الحالة الفوضوية، تطلعت إليها في خوفٍ حقيقي معكوس في نظراتها نحوها، ثم حاوطت وجهها الباكي بكفيها، وسألتها في جزعٍ:
-في إيه بنتي؟ إيه اللي حصل؟ ومين حبسك هنا؟
أجابتها بأنفاسٍ متقطعة:
-خالي عايزني أتخطب بالعافية، وأنا مش عاوزة ده!
انعقد حاجباها متسائلة في دهشة مستنكرة:
-"خليل"! طب ويعمل كده ليه؟!
احتشد في ذهنها كل المشاهد العنيفة التي جمعتها بخالها؛ حيث يقوم دومًا بإجبارها على ما لا تريد مستخدمًا القسوة، والإيذاء البدني، بغض النظر عن رأيها، لم يتناقش معها يومًا، ولم يحاورها ليعرف رغباتها، ربما لو حدث الأمر بشكلٍ آخر لتقبلته؛ لكنه يلجأ لاستخدام نفس الأسلوب الشرس لتذعن له، ووالدتها تقف على الحياد، لا تقوى على معارضته، تاركة له زمام الأمور ليتحكم في مصير ابنتيها، رفضت أن تستسلم كتوأمتها، وتخضع لجبروته، لهذا تمسكت برفضها؛ وإن بدا غير منطقي للبعض. تنفست "فيروزة" بعمقٍ لتضبط انفلات أعصابها، وتستعيد هدوئها المفقود، في حين تابعت زوجة عمها موضحة:
-ده بالعكس قالنا إنه شاب كويس، ومحترم، وعمك بعت يسأل عليه، وكلامه طلع مظبوط.
ردت مبررة لها سبب عزوفها:
-أنا مقولتش حاجة وحشة عنه، بس مش عايزة أتخطب بالشكل ده لحد ما أعرفوش.
سألتها لتتأكد منها:
-يعني إنتي مش موافقة عليه؟
أجابت بما لا يدع مجالاً للشك:
-أيوه، ولازم عمي يعرف بده.
هزت رأسها في تفهم وهي تعقب عليها:
-كله إلا كده، حاضر يا بنتي .. أنا هابعت حد يناديه، وقوليله على كل اللي إنتي عاوزاه، مافيش حد هيجبرك على حاجة مش حباها.
احتضنتها مجددًا، وهي تهتف في امتنانٍ:
-ربنا يخليكي ليا
استخدمت "سعاد" كم عباءتها لتزيح دمعاتها المرطبة لوجهها، ثم أوصتها بلهفة أمومية غير مصطنعة، أو حتى مكتسبة:
-اهدي كده، وأنا هاعملك كوباية ليمون تروقي بيها دمك لحد ما عمك يجي.
رفضت طلبها مرددة:
-مش عايزة حاجة.
حينما رفعت عنقها قليلاً ظهرت آثار الالتهابات على جلد عنقها، اتسعت حدقتا "سعاد" في صدمةٍ، وسألتها وهي تتفحصها بنظراتها، ولمسة حنون حذرة من أناملها:
-إيه ده كمان؟
ضغطت على شفتيها لترد بأسفٍ حزين:
-من خالي يا مرات عمي.
تبدلت نظراتها للقتامة، وعلقت بلومٍ:
-إخص عليه، حد يعمل كده في بنات أخته؟ أومال لو مكانش في مقام أبوكي الله يرحمه.
لفظت "فيروزة" الهواء الخانق من صدرها دفعة واحدة، ودمدمت باستياءٍ مُحبط:
-مافيش زي بابا، عمره ما هيتعوض.
تأثرت "سعاد" بجملتها الموجعة تلك، وعفويًا ضمتها إلى صدرها، ثم ربتت على ظهرها، وهي تقول لها بلطفٍ، على أمل أن تهون عليها الأمر:
-متزعليش يا بنتي، أنا جمبك، وعمك مش هايقبل أبدًا بإن حد يتعرضلك طول ما هو على وش الدنيا.
......................................................................
خرج يتفقده بالخارج بعد أن طـــال غيابه عنه، كان مشغول البال به، فعلى الأغلب قد يتوه في تلك الأرجاء غير المألوفة عليه، وخاصة مع حلول الظلام. انتبه "خليل" للأصوات الرجولية الصاعدة من مسافة تبعد عن المنزل نسبيًا، اتجه إلى هناك، ورأى تهديدات ضيف الحاج "اسماعيل" العلنية لـ "آسر"، انقبض قلبه في فزعٍ، وتشكلت أمارات الخوف على ملامحه، ســار بخطواتٍ أقرب للركض متسائلاً بصوتٍ شبه لاهث:
-في إيه اللي بيحصل هنا؟
وكأن نجدة من السماء قد هبطت إليه لإنقاذه، على الفور تحول "آسر" للشخصية الوديعة المسالمة، واستدار بجسده ليواجهه مرددًا بانكسارٍ حرج:
-الحقني يا أستاذ "خليل"، معارفك مبهدلني هنا، وأنا مش عارف أتعامل معاهم.
اعتذر منه بشدةٍ، دون أن يسأله حتى عن الأسباب التي دفعتهما للتشاجر معه:
-أستاذ "آسر"، أنا أسف جدًا عن اللي حصل.. حق عليا.
ثم التفت ناحية "تميم" الذي ظهرت تعابيره الواجمة بوضوحٍ، وسأله:
-هو فيه بالظبط يا معلم "تميم"؟ ومين ده كمان؟
كانت جملته الأخيرة موجهة نحو "دياب"، وبادر الأخير معرفًا بنفسه بنوعٍ من الغرور، وتلك الابتسامة الواثقة تلوح على زاوية فمه:
-أنا "دياب حرب"، أخو العريس اللي جوا يا حضرت ... إنت مين بقى؟
كانت لدى "خليل" بعض المعلومات المتناثرة على الألسن عن مدى قوة ونفوذ تلك العائلة، عرفه أغلبها من الحاج "اسماعيل"، وبالتالي كان من غير المحمود أن يتطرق معه لمعركة جانبية غير متكافئة مطلقًا، ومع هذا تمالك نفسه، وأظهر انزعاجه، حين سأله بصوته الغاضب:
-تشرفنا.. بس بتتخانق مع نسيبي ليه؟
أجابه "تميم" بنظراتٍ نارية مسلطة على "آسر":
-اسأله..
تلقائيًا تحركت رأس "خليل" نحو "آسر" الذي ادعى انشغاله بتنظيف بدلته المتسخة، متعمدًا تجاهل الرد عليه؛ وكأن الحديث غير موجه له على الإطلاق، بينما أردف "دياب" مهاجمًا، ونظراته لا تنتوي أي خير:
-إنت شكلك مش مريحني...
ردد "خليل" مذهولاً، وقد برزت حدقتاه في غيظٍ، معتقدًا أنه قد أساء إليه:
-أنا؟ عيب كده! إنت بتغلط فيا؟
نفى "دياب" بنبرة صارمة:
-لأ يا حاج..
صمت لهنيهة ليضيف بعدها بما يشبه الاستحقار:
-أنا كلامي مع البأف ده!
تركزت عيناه بالكامل على "آسر"، والذي تحولت تعابير وجهه للاحتقان من إهانته بهذا الشكل السافر. التوى ثغر "دياب" بابتسامة باردة مستفزة، وقال مواصــلاً استهزائه به:
-الهلومة اللي إنت فيها دي أونطة.
غضبًا عظيمًا زائفًا استبد بـ "آسر" وهو يرد:
-أنا كلامي مش معاك يا كابتن..
استشاطت نظرات "دياب"، واتخذ وضعية الانقضاض عليه، لهذا عدل عن مناطحته، فلا جدوى من إثارة المتاعب معه، والتفت يخبر "خليل" بقليلٍ من الشهامة المقنعة، متخيلاً بذلك أنه يستدعي رجولة حقيقية لا يمتلك منها أدنى ذرة،
-ولولا إني عامل خاطر ليك يا أستاذ "خليل" كنت رديت جامد، وقلبت الدنيا، بس أنا بأفهم في الأصول.
شعر مُحدثه بوجود خطب ما، حتى احترامه لم يكن مقنعًا، هناك شيء مريب يلوح في الأفق؛ تحيُز "تميم" -ومن معه- ضد نسيبه الجديد لم يأتِ من فراغ، هناك حلقة مفقودة في الأمر، لذا تساءل "خليل" بجديةٍ؛ عله يحصل على رد منطقي:
-أنا مش فاهم حاجة.. هو إنتو اشتبكتوا مع بعض ليه أصلاً؟
لم يمتلك "دياب" الرد المبرر، فقد تصــرف بناءً على ما رأه من التحام جسدي، وليس بناءً على حكمة وروية، في حين أجابه "آسر" متهربًا بزفيرٍ منزعج، ونظراته مثبتة على وجه "تميم" المخضب بحمرته الغاضبة:
-خلاص يا أستاذ "خليل"، بعدين نبقى نتكلم...
ثم سحبه بعيدًا عن كليهما، وأكمل حديثه بغموضٍ:
-أنا مضطر أمشي دلوقتي.
سأله "خليل" باستغرابٍ شديد:
-طب والجماعة اللي مستنين جوا.. هاقولهم إيه؟
بلباقة معهودة فيه -والتي يجيد إظهارها بالرغم من إذلاله قبل قليل- أجابه:
-اعتذرلهم بالنيابة عني، أصلاً في ظرف طارئ خاص بالشغل عندي، ومحتاجين وجودي ضروري.. ومش هاينفع اتأخر.
سأله "خليل" بتوترٍ:
-مشاكل يعني؟
مال على جانب رأسه ليهمس له في أذنه:
-حاجة ليها علاقة بالتأشيرات .. ولازم أكون متواجد بنفسي عشان تتحل.
شحب وجه "خليل" قليلاً، ولعق شفتيه مهمهمًا:
-ربنا يستر .. أنا مش عارف أقولك إيه؟
هز رأسه في تفهم، وقد انطلت عليه خدعته، ليعقب بعدها:
-أكيد إنت فاهم الوضع.
زم شفتيه متابعًا قوله:
-أنا عارف ومقدر، بس المفروض كنت هتقابل باقي عيلتنا وآ...
قاطعه "آسر" بهدوءٍ مظهرًا حزنًا غير صادق في نظراته:
-حظي وحش للأسف..
لكن ما لبث أن تحولت ملامحه لابتسامة مبتورة وهو يكمل:
-وعمومًا اللي حصل النهاردة ربط كلام، تعارف مبدأي زي ما بتقولوا، ولسه قدامنا وقت عشان نتمم الخطوبة، ومن بعدها كتب الكتاب.
حرك "خليل" رأسه في استحسان ليرد بعدها عليه:
-أكيد إن شاء الله
مــد "آسر" يده لمصافحته، وقال بتهذيبٍ لطيف:
-هستأذنك .. وفرصة سعيدة يا أستاذ "خليل".
بادله المصافحة، بحرارة شديدة، وبابتسامة متسعة ودعه:
-مع السلامة يا ابني، هنتقابل على خير إن شاء الله
-أكيد
اصطحبه إلى سيارته التي لم تكن بعيدة عن ذلك المكان المعتم، وظل باقيًا إلى جواره حتى أدار المحرك، وانصــرف متجهًا إلى مخرج البلدة. استدار "خليل" بعدها بجسده ليتفاجأ بوجود "تميم" خلفه، كان الأخير بحاجة إلى أجوبة حاسمة لما يدور في رأسه، خاصة بعد النوايا الخبيثة التي طفت على السطح تجاه الوضيع "آسر". تحفز في وقفته، ورمقه بنظرة عميقة، غريبة، تبعث على الخوف. حاول "تميم" أن يكبت نفسه؛ لكنه لم يستطع، تأهبت حواسه، واستنفرت بطريقة مريبة؛ وكأنه يريد قتله للتفريط فيها بتلك السذاجة المهلكة، تنفس بعمقٍ، مانحًا جوارحه لحظاتٍ من ضبط النفس قبل أن يسأله مباشرة، ودون مقدمات تمهيدية:
-إنت هتجوز قريبتك للبني آدم ده؟
ورغم غرابة السؤال على مسامع "خليل"، بالإضافة إلى علامات الاندهاش المرسومة على قسماته، إلا أنه أجاب بوضوحٍ:
-أيوه يا معلم .. في اعتراض ولا حاجة؟
دنا منه خطوة أخرى حتى باتت نظراته القاتمة تستحوذ كليًا عليه، أرهبته تقريبًا من التهابها البائن، ثم لاحقه مستفسرًا، وأسوأ الأفكار عن شخص "آسر" المقيت تهاجمه الآن:
-سألت عليه كويس؟
بلع ريقه، وأجاب:
-طبعًا.. إنت مفكرني هارمي بنت أختي في الشارع يا معلم؟!
لا يعرف كيف لم يحكم السيطرة على لسانه الذي لم يطاوعه وسأله بنزقٍ؛ وكأنه يفتش عن أمل أخير في أطلال حبه البائس:
-وهي موافقة عليه؟
لحظة استغرقها "خليل" في التفكير لينطق بعدها بما آلم الفؤاد ومزقه:
-أيوه، أومال عاملين الأعدة دي النهاردة ليه؟
وخزة قاتلة أخيرة اخترقت قلبه المتألم، لتقضي نهائيًا على حلم لم يتجاوز طيات الخيال، لذا لم يكن أمامه إلا أن يحذره بوجومٍ، أخفى خلفه ما يسري في بدنه من قهر عظيم:
-طب خد بالك منه!
سأله في حيرةٍ:
-ليه؟
لم يمنحه ما يشبع توق فضوله، وكرر عليه بلهجة الصارمة:
-من غير ما تسأل .. اسمع الكلام!
تدخل "دياب" في الحوار معلقًا:
-طالما المعلم "تميم" قالك كده يا حاج، يبقى ما تناقش!
وزع "خليل" نظراته بين الاثنين، فرأى استعدادًا جليًا لإشعال فتيل معركة شرسة، حتمًا لن تنتهي على خير، تنحنح في توترٍ أكبر، واستطرد مُلطفًا:
-واضح كده إن في سوء تفاهم مع نسيبي الجديد، ده محامي محترم وآ...
اشمئز "تميم" من الإصغاء لما يخص سيرته، وهتف مقاطعًا بلهجة مماثلة لتلك الخشنة التي يتعامل بها مع الأوغاد:
-مش هارغي كتير.. حافظ على أهل بيتك! سامعني؟
ما كان منه إلا أن رد بخنوعٍ:
-تمام يا معلم.
في تلك اللحظة يمكن أن تتبين مدى الألم الذي يطل من عيني "تميم" كمدًا على خسارته المحتومة، فلم يعد الأمر مجرد زيجة جيدة تليق بها؛ لكن بات مصيرًا مؤسفًا يحيق بحياتها، ووحده من يدرك ذلك ................................................ !!
.......................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل التاسع عشر 19 - بقلم Manal Salem
مساءكم فل وبخير دايمًا يا رب ..الفصل هايكون قصير نوعًا ما ..بس قبل ما تقرأوه .. حابة أوضح نقطتين على السريع، الأولى: إن لو فصول الرواية موصلش لتطلعاتكم من حيث سرعة الأحداث، أو اللهفة في معرفة اللي جاي إيه هو باعتذرلكم عن ده.. فممكن توقفوا قراءة الفصول لبعض الوقت، لأن للأسف مش هعرف أجري في الأحداث عشان أرضي فئة معينة، وسبق وده حصل في رواية المحترم البربري وخرجت النتيجة غير مرضية لا ليا ولا للقراء في ختام الأحداث .. كمان وجود ابني عمر بزنه الرهيب ممكن يخرجك مش برا مود الكتابة لأ عن شعورك .. وده بأحاول أتأقلم عليه وسط كل الضغوطات اليومية .. النقطة التانية: بجانب العمل ده، في تحضير لمفاجأة تخص كل القراء، جه وقتها ضيق في ظل الظروف الأخيرة اللي حصلت عندي، وبدل من الاعتذار عن المشاركة أصريت على التواجد بحيث أعوض جمهور القراء اللي بينتظرني دايمًا .. وده أخد من وقتي برضوه ..فأرجو من حضراتكم التماس التباطؤ في الأحداث .. وإن شاءالله القادم هيعجبكم ..
الفصل الثالث والخمسون
ما زالت تحتفظ بتلك الخصــال المخادعة، في اكتساب تعاطف الآخرين معها، خاصة من لا يعرف حقيقتها المؤسفة، ذرفت العبرات الحارقة وهي تحاول تكوين جملة واضحة من خلال لعثمتها المصطنعة، لتبدو أكثر إقناعًا لها، أفرغت ما يزيد عن نصف علبة المناديل الورقية الموضوعة بحقيبتها، لتمسح دموعها الغزيرة التي أغرقت وجهها، وذلك المخاط المتسرب من فتحتي أنفها. نظرت لها خالتها بإشفاقٍ، وأعدت لها مشروب الليمون البارد لترطب به صدرها المحترق؛ لكن ما الذي يشفي جراح القلوب؟ تناولته منها "خلود"، وارتشفت القليل منه، قبل أن تستنده على الطاولة أمامها، تطلعت إلى "ونيسة" مجددًا بعينيها المنتفختين، وأردفت قائلة بنهنهة متقطعة:
-يرضي مين أفضل كده؟ أنا صبرت.. وماتكلمتش، بس اللي بيعمله فيا حرام.
أطرقت خالتها رأسها في حرجٍ، وقالت بنبرة آسفة:
-أنا مش عارفة أقولك إيه يا بنتي.. وشي منك في الأرض.
اختفى التلعثم من صوتها، وجفت العبرات تقريبًا من مقلتيها حين مالت عليها لتهمس لها بإلحاحٍ:
-يا خالتي كلميه تاني وتالت وعاشر، قولي لعمي "بدير"، ما هو في مقام أبويا.
رفعت "ونيسة" أنظارها نحوها تطالعها بحيرة، بماذا تخبرها وقد بذلت ما في وسعها لإثناء ابنها عن رأيه، والأخير مُصر على رأيه؟ رفت عيناها، وعلقت وهي تلعق شفتيها:
-أنا عملت ده كله، وتقريبًا مقاطعة "تميم"، بس هو راكب دماغه، ربنا يهديه.
امتدت ذراع "خلود" نحو كف خالتها، احتضنت أصابعها، أو بالأحرى أن يُقال اعتصرتهم نسبيًا وهي ترجوها، بنظراتٍ كادت تبرز من عينيها المحتدتين:
-طب قولي لجدي "سلطان"، أنا عارفة إن ليه تأثير عليه.
بصعوبة استعادت يدها من قبضتها، وردت بتوجسٍ خفيف:
-ولو إنه مابيحبش كده، بس أنا هاتكلم معاه.
عاد الحزن ليغلف صوت "خلود" عندما تابعت ببؤسٍ، أرادت أن ينعكس في ملامحها أيضًا:
-يا خالتي أنا لسه قدامي كتير في العدة، وده من رحمة ربنا بيا، يعني لو كلنا اتعاونا مع بعض، وكمان شوية زن عليه، هيعرف إنه غلطان، وساعتها هنرجع لبعض...
كانت محاصرة بين توسلاتها المُلحة، وعاطفتها المشفقة على حالها. تنهدت "ونيسة" قائلة بإيماءة من رأسها:
-لله الأمر من قبل ومن بعد.. هاشوف يا بنتي.
ادعت اختناق صوتها وهي تشكو لها التعاسة الأبدية التي فرضت عليها:
-وبعدين أنا مش عايزة اللي في بطني يطلع ما يلاقيش أبوه جمبه، هو أنا غلطت في إيه يعني؟ جوزي وبحابي عليه، بس الظاهر أنا مش مكفية طلباته.. وده مش عيب لما أقول كده..
انتابتها نوبة أخرى من البكاء، اختلطت بصوتها، عندما أكملت:
-وهو لو عاوز يتجوز تاني وتالت، أنا مش ممانعة، هاحط لساني في بؤي وأخرس، طالما ده هيريحه، وأديني ببص لمصلحة العيل اللي جاي، المهم أكون جمبه.
كان الشقاء والحزن ظاهران عليها بشكلٍ يجبرك على التعاطف معها، ولهذا انخدعت مشاعرها مع ما تبثه لها من هموم. وضع "ونيسة" يدها على كتف ابنة أختها، وقالت بنوعٍ من الدعم لها:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، اهدي يا بنتي، هو في لسه بنات أصول كده زيك؟ وربنا أنا زعلانة على اللي حصلك، هي عين وحشة صابتكم.
مسحت "خلود" بمنديل ورقي آخر دموعها، وعقبت عليها بحسرةٍ:
-منهم لله اللي كانوا السبب.
اتجهت أنظار كلتاهما فجأة نحو الصوت المنادي بزمجرة مزعوجة:
-"ونيسة"!
كان الجد "سلطان" يقف عند الردهة المتسعة، ممسكًا بعكازه، ونظراته غير المريحة مرتكزة على وجه "خلود"، لم يضف المزيد، ولم يرحب بها؛ وكأنه يتجاهل وجودها. كانت أمارات الاستنكار والتأفف تنطق على محياه، لم تتحرك رأسه حين سألته "ونيسة":
-أيوه يا حاج.. أؤمرني؟
أبعد عينيه القاسيتين عن نظراتها المراوغة ليتطلع إلى زوجة ابنه، وطلب منها بلهجته الآمرة:
-اعمليلي قهوة مظبوط.
هزت رأسها في امتثالٍ وهي ترد:
-حاضر.
ادعت "خلود" الإرهــاق وهي تنهض من مكانها لتتجه إليه، أقبلت عليه منحنية قليلاً لتمسك بكفه، وتقبله، مُلقية التحية عليه بتهذيبٍ عجيب:
-إزيك يا جدي؟ أخبار صحتك إيه؟
سحب يده قبل أن تطالها للخلف، ورد بما يشبه الازدراء:
-أهلاً بخلفة "بثينة"..
اتسعت عيناها من إيحائه الساخط، ومع هذا تجاوزت عنه، لتشكو إليه، باستجدائها المتسول لمشاعره، مستخدمة منديلها الورقي، في مسح دموعٍ أوشكت على الجفاف:
-أنا ماليش غيرك يا جدي من بعد ربنا، يرضيك خراب البيوت و..؟
قاطعها بصوت جاف خالٍ من أي نوعٍ من التعاطف:
-شوفي يا بنت "بثينة"، بلاش الشويتين دول معايا...
غامت نظراتها نحوه، حتى عبراتها التي تطيعها وقتما تشاء لتبكي بتأثرٍ لم تقوَ على استدعائها أمام خشونته البحتة. رمقها "سلطان" بنظرة قاتمة نفذت إليها على الفور؛ وكأنها تجردها من أقنعتها الزائفة، وأضاف بصوته المليء بالجفاء:
-المحن وشغل التلات ورقات ده عفا عليه الزمن، أنا مش خالتك "ونيسة" هتضحكي عليا بدمعتين، وابن ابني راجل.. عمل الصح..
تخلت عن ضعفها المستكين لتسأله بوجهها الحقيقي:
-يعني إنت موافق إنه يطلقني؟
ببساطة أجابها، ودون أن يستغرق وقتًا في التفكير:
-ده اختياره، ماليش إني أدخل.
نظرت له بعينين تتقاذف فيهما شرارات الغضب، وردت بصوتٍ أقرب للصياح:
-بس إنت جده، وكلامك سيف على رقبته، خليه يرجعني، احنا لسه في العِدة.
سألها بنوعٍ من التهكم:
-وهو أنا اللي هاعيش معاكي؟ طالما مش عايزك، خلاص...
ثم عِمد إلى مواجهتها بقساوةٍ، ودون أن يأبه بمشاعرها:
-إنتي بالنسباله باب اتقفل في حياته.
تصاعد الدم في وجهها غيظًا من صراحته الفجة، وسألته بوقاحة:
-ده كده كويس يا جدي؟ يطلقني وأنا حامل؟ وإنت عارف كلام ربنا كويس!
علق بهدوءٍ، ليفسد عليها محاولتها الشنيعة لاستفزازه:
-ربنا بيقول فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ .. و"تميم" عمل اللي ربنا أمر بيه، لما الحياة تبقى مستحيلة بإن اتنين.
كزت على أسنانها في غيظٍ أكبر، وأضافت متسائلة:
-يعني يرمي لحمه في الشارع؟
أجابها ساخرًا بابتسامة باهتة:
-شارع إيه؟ ما هو سايبلك بيت أد كده ترمحي فيه إنتي وأمك، وكافة طلباتك بتوصلك أول بأول، عايزة إيه تاني؟
لم تتردد حين جاوبت على المقطع الأخير من جملته، وعيناها تتسعان بتملكٍ وسطوة:
-أنا عايزاه هو..
بدا جليًا من نظراتها نحوه، وتلك العلامات التي تحيط بوجهها من إصرارٍ مُعاند، أنها لن تتخلى عن فكرة ملاحقته، لذا أراد أن يكون صريحًا وواضحًا معها وهو ينطق بكلماته اللاذعة مشددًا على كل عبارة يتفوه بها:
-ولو إنك هتضايقي من اللي هاقوله، بس أنا مش بتاع نفاق، والصراحة كده "تميم" مش عايزك، من الآخر معدتش طايقك، إن جيتي للحق، ده مصدق خلص من الجوازة دي كلها.
انخلع قلبها وتمزق من حدة جمله، وهتفت مرددة في عدم تصديق:
-إيه؟ يعني إيه الكلام ده؟ هو .. قالك كده؟
أشــاح بوجهه عن قسماتها المحتقنة بدمائها الغاضبة، وقال بنبرة باردة:
-روحي جمب خالتك خليها تعملك ينسون ولا نعناع، وشك أصفر، وده مش حلو للي في بطنك.
زاد احمرار وجهها من أسلوبه المليء بالقسوة، وتابع بصياحٍ وهو يسير في اتجاه غرفته:
-يا "ونيسة"، سكي على القهوة، أنا داخل أنام.
ظلت عينا "خلود" الناريتين مثبتتين على أثره طيفه، حين اختفى من أمامها، اعتصرت قبضة يدها هامسة لنفسها بعزمٍ أشد:
-"تميم" هيرجعلي!
............................................................
عــاد إلى داخل المنزل بعد توديع الزوج المستقبلي لابنة أخته، وهو يدعو الله في نفسه ألا تفسد محاولاته المضنية للحصول على تلك التأشيرة؛ حيث ستعود عليه بالنفع المادي، ناهيك عن أمور أخرى يسعى لتأسيسها بعيدًا عن أعين زوجته المتطفلة. رفع "خليل" رأسه للأعلى، في اتجاه "اسماعيل"، الذي على ما يبدو كان ينتظره، وهو يسأله بوجهٍ متجهم:
-أومال فين العريس؟
أجابه الأول مستخدمًا يده في الإشارة:
-مشى، وراه شغل مستعجل، فاستأذني يرجع تاني، هو في حاجة يعني؟
أومأ برأسه بهزة خفيفة، وضرب بعكازه الأرضية من تحته، ليقول بغموض مثير للاهتمام:
-كويس .. لأني عايزك في كلمتين مهمين.
دارت عيناه بشكٍ، وسأله:
-خير يا حاج؟
لم ينطق الحاج "اسماعيل" بكلمة، وانطلق موليًا إياه ظهره نحو إحدى الغرف الداخلية البعيدة عن الضيوف أو الخدم؛ حيث تعتاد العائلة على الجلوس بأريحية. ضاقت حدقتا "خليل" بانزعاجٍ ملموس، واِربد وجهه بالغضب، وقد سأله الأول مباشرةً، دون أدنى استهلال لحديثه:
-قولي، هو احنا من امتى بنجوز بنات عليتنا غصب؟!
رد متسائلاً بنظرةٍ حيرى:
-مش فاهمك يا حاج؟
أعاد صياغة السؤال على مسامعه –بشكل أوضح- قائلاً:
-يعني بنت أخويا موافقة على الجوازة دي؟
أكد له على الفور:
-أيوه .. كله برضاها
هنا نطقت "فيروزة" من خلفه، مبدية رفضها الشديد:
-لأ يا خالي.
استدار برأسه للخلف ليواجهها، وقد بدا مصدومًا لرؤيتها غير محتجزة، استشاطت نظراته، وهمَّ بالاتجاه نحوها ليعنفها بقساوةٍ:
-مين خرجك من الأوضة التانية؟!
ظهرت من ورائها "سعاد"، وتقدمت للأمام لتعترض طريقه بجسدها المكتنز، حجبت عنه "فيروزة"، ورمقته بنظرة استنكارٍ قبل أن تجيبه:
-أنا!
ثم سحبتها نحو عمها لتجلسها على الأريكة العريضة إلى جواره، لتظهر له عن عمدٍ حمايته لها، وعدم قدرته على إيذائها في حضوره. قست نظرات "اسماعيل"، وتقلصت عضلات وجهه، وهو يسأله بصوته الغاضب:
-بتحبس بنت أخويا ليه؟ لأ وكمان بتمد إيدك عليها؟!!
لوح بذراعه مهددًا عندما أجابه:
-بأدبها طالما غلطت.
ظهرت "حمدية" عند أعتاب الباب، وإلى جوارها الغائبة الحاضرة؛ "آمنة"، وتدخلت في الحوار قائلة بسخطٍ، لتدعم زوجها في شراسته نحوها:
-مش بدل ما تطلع تفضحنا قصاد الغريب والقريب.
حدجها "اسماعيل" بنظرة محذرة قبل أن يحرجها بوقاحةٍ جمة:
-أنا بأتكلم مع الرجالة، مش مع الحريم.
تلون وجه "حمدية" بحمرة مزعوجة لإحراجه لها بهذا الشكل السافر؛ وكأن رأيها نكرة لا يُعتد به، تصاعدت الدماء إلى رأسها لتزيد من حقدها نحوه؛ ولكن جاء رد "خليل" مؤيدًا لموقفها:
-لا مؤاخذة يا حاج "اسماعيل"! بس مراتي مقالتش حاجة غلط .. ده اللي كانت "فيروزة" ناوية تعمله.
أشعرها ذلك بنوع من الفخر لرد اعتبارها سريعًا، وقررت ألا تدع الليلة تمر دون أن تقلب الطاولة على رأس "فيروزة"، وتفسد ما بينها وبين عائلتها؛ ربما للأبد. تجاهل "اسماعيل" تحيز "خليل" لزوجته، وسأله من جديد بصوته المنفعل، ونظراته لا تبشر بخير:
-حبست بنت "علي" ليه جوا بيتي؟ مش عايزها تقول رأيها ليه؟
أجابه الأخير بعصبيةٍ، ونظراته تحمل الاتهام نحو "فيروزة":
-ما هو مش بعد ما اتفق مع الراجل، تيجي هي تغير كلامها، لأ وكمان تكسفني قصاد رجالة البلد، عايز شكلي يكون عامل إزاي؟
أضافت "سعاد" موضحة بنبرة شبه عالية:
-معلش! كل شيء بالخناق، إلا الجواز بالاتفاق.. وبنتنا مش عايزاه
أحرجتها "حمدية" بوقاحةٍ:
-مش الحاج قال الرجالة هما بس اللي يتكلموا؟ ولا كلمتي بس اللي بتقف في الزور؟
التفتت نظرات "سعاد" نحوها لتجدها تبتسم لها بازدراءٍ، ورغم هذا لم تناطحها احترامًا لهيبة زوجها، وقالت بهدوءٍ، وتلك الابتسامة الباردة تتدلى من على جانب شفتيها:
-معاكي حق .. نسكت ونخلي الرجالة يصلحوا غلط الحريم.
اعترضت "فيروزة " على كلمة زوجة عمها الأخيرة، وقالت بتحفظٍ:
-أنا مغلطتش يا مرات عمي، خالي اللي عمل كل حاجة من دماغه، وحتى مخدش رأيي
توحشت عينا "خليل" من جراءتها، وهتف يلومها بتشنجٍ، وعروقه تنتفض من شدة انفعاله:
-أيوه مخدتش رأيك لأنك جايباه لحد عندي في فرح أختك، تفتكري واحد بيقولي عاوز بنت أختك، واتقدملك، وجاي من طرفك، هأقوله إيه؟ خليته يتصرف بالأصول، ده على اعتبار إنك موافقة من الأساس، وإلا مكانش جه كلمني عليكي.
ثم توجهت نظراته نحو "اسماعيل" وهو يتابع:
-يعني أنا عملت الصح، وقولتله تيجي يا ابني البلد تطلبها من أهلها، واحنا هنسأل عليك، وعملت اللي عليا، وبعت ناس تتطأس عنه، والشاب طلع محترم وكويس، وقادر يفتح بيت كامل من مجاميعه، وأظن كده عداني العيب.. فين بقى غلطي؟
بدا حديثه منطقيًا، لا يشوبه شيء، واعتراض "فيروزة" مريبًا لحدٍ ما، وعند تلك الجزئية أتى دور "حمدية" لتظهر براعتها في قدرتها على حياكة المؤامرات الدنيئة؛ ولكن بشكلٍ مثير، غرضها في الأخير كسر الهامات، قسم الظهور، وإحناء الرؤوس في مذلة وعار، لذا استأنفت قائلة بخسةٍ، وبكلمات موحية بانتهاكاتٍ غير أخلاقية:
-إلا إذا كان الموضوع فيه إن.. وعشان كده خايفة الجوازة تكمل، ده لأنه دخل في الجد.
سألتها "آمنة" بقلبٍ واجف:
-معناه إيه الكلام ده يا "حمدية"؟ قصدك إيه؟ فسريه؟
التفتت برأسها نحوها لتجيبها بتهمٍ مُلفقة، وبنظراتٍ احتقارية:
-إنها عاملة حاجة غلط، وبتداري على فضيحتها، يعني شرفها اتمرغ في الوحل.
شهقت مصعوقة انطلقت من جوف "آمنة" قبل أن تسده بكلتا يديها، ونظراتها تحولت على الفور نحو ابنتها، بينما هدرت بها "سعاد" مستنكرة بشاعة التلميح:
-عيب عليكي الكلام ده!
كما انتفض "اسماعيل" واقفًا لينهرها بغلظةٍ شديدة:
-لِم مراتك يا "خليل"! اللي بتقوله ده فيه قطع رقاب!!
على الرغم من صدمته مما تلفظت به زوجته، إلا أن ذلك أشعره بمدى دهائها المقلق في التعامل مع الأزمات؛ وإن كانت الأمور قد اتخذت منحنًا خطيرًا، لم يعنفها، ولم ينطق بشيء، فقط نظراته المدهوشة ارتكزت عليها؛ وكأن تفكيره مع كامل حواسه قد أصابهم العطب. وعلى عكسهم صرخت "فيروزة" في إنكارٍ متعاظم:
-أنا ماسمحلكيش، كله إلا سمعتي!
لوحت "حمدية" بذراعها بحركات مهينة أمام وجهها، وهتفت تهاجمها بعدائية وغل:
-مين إنتي أصلاً عشان تسمحيلي؟ حتة بت لا راحت ولا جت عايزة تمشي رجالة بشنبات على مزاجها!
ثم دنت منها أكثر، وواصلت قذفها بتهمها، بصدرٍ يملأوه الحقد:
-قولي خايفة توافقي عليه ليه؟ راجل مافيهوش غلطة، وإنتي خاوتة دماغنا مش عايزاه، واللي في سنك جابوا بدل العيل تلاتة وأربعة.
كانت "فيروزة" على وشك الهجوم عليها، وربما ضربها، غير مبالية بمكانتها؛ لكن فرد "اسماعيل" عكازه أمامها ليمنعها من الاقتراب منها، وهتف آمرًا بوجهٍ مقلوب، ونظراته تبدلت للإظلام:
-خدي بنتك يا "آمنة" السعادي من هنا.
شعرت "فيروزة" بالشكوك تحوم فوق رأسه، فصاحت مدافعة عن نفسها، وقد باتت في نظرات الموجودين –إلى حد كبير- مذنبة، العار يُدينها:
-يا عمي متصدقش كلامها، أنا أشرف من الشرف، اقسم بالله ما عملت حاجة غلط ولا حرام، أنا زي ما أنا..
تجاهل ما سمعه منها ليقول بقساوةٍ غلفت نبرته:
-اسمعي الكلام يا "آمنة"، خدي بنتك من هنا...
احتضنت "آمنة" ابنتها بذراعها، وألقت الأخيرة نظرة آسفة على عمها، والذي على ما يبدو اتخذ موقفًا مغايرًا لذاك الذي كان عليه قبل قليل، وقبل أن تخرج كلتاهما من الغرفة أتى صوته من الخلف يأمرهما:
-وماتخرجوش برا بيتي!
تجمدت قدما "فيروزة" في مكانها، التفتت برأسها نحو عمها، لم يكن ناظرًا ناحيتها، كان واجمًا بشكلٍ مستريب، اتجهت بنظراتها نحو "حمدية" التي بادلتها ابتسامة انتصارٍ خبيثة، وبصعوبة أجبرتها والدتها على التحرك من مكانها لتنأى بها –مؤقتًا- عن شرٍ جديد بات يحيق بها.
..............................................................
تمكن منها الإعياء، فتسللت إلى غرفته بعد استئذان خالتها، حيث لاقت من الأخيرة ترحيبًا بفعل ذلك، ولما لا؟ فربما تتيح لهما الفرصة للتقارب مجددًا، وإنهاء ما اعتبرته خلافًا زوجيًا. تأملت "خلود" بعينين مشتاقتين متعلقاته الشخصية، جابت على كل ما ضمته غرفته بنظراتٍ متأنية؛ وكأنها تسترجع ملكيتها لما كان لها في الماضي. اقتربت من ثيابه المعلقة على المشجب، أمسكت بأطرافها، وقربتها من أنفها لتشتم عطره العالق بها، تضاعفت اللوعة بقلبها، ورغبت بشدة في استعادة ما فقدته معه، همست لنفسها بتنيدة بطيئة تنم عن حاجتها الملحة إليه:
-وحشتني أوي..
سحبت قطعة من ثيابه، واحتضنتها وهي مغمضة العينين، متخيلة أنه يحويها بين ذراعيه القويتين، وشفتاه تنهلان من على شفتيها مذاق الحب الجارف. انتبهت لصوته القادم من الخارج، فتأهبت حواسها، وقفز قلبها في تلهفٍ راغبٍ إليه. وبخطواتٍ شبه سريعة اتجهت إلى الفراش لتستلقي عليه، ووضعت ثيابه إلى جوارها، وأراحت ذراعها عليهم، لتدعي استغراقها في النوم، خلال تأملها الوله لما يخصه.
فتح "تميم" باب غرفته ليتفاجأ بوجود طليقته بها، ألقى عليها نظرة ناقمة منزعجة، خاصة حينما لمح ثيابه بجوارها، كان ذلك حقًا ما ينقص يومه البائس لتكتمل تعاسته وبؤسه، تنفس بعمقٍ، ثم طرد الهواء خارج صدره بصوتٍ مسموع، والتفت متحركًا في اتجاه الباب مناديًا والدته بصوتٍ شبه حاد:
-يامـــه!
جاءته الأخيرة مهرولة، وتساءلت بنبرة أقرب للهاث، ونظراتها المتوترة تفضح تواطئها:
-خير يا ابني في إيه؟
وقف في الردهة الضيقة خارج غرفته، وأجابها بعبوسٍ غطى كل قسماته:
-بنت خالتي بتعمل إيه جوا في أوضتي يامه؟
ردت عليه بكذبٍ شبه مكشوف:
-كانت تعبانة، وأنا قولتلها تنام جوا، مافيهاش حاجة يعني
علق بتنمرٍ وقح، وبصوتٍ أراد أن يصلها:
-يا سلام؟ طب ما عندها أوضة "هاجر".. فاضية ونضيفة، ما تقعد فيها، ولا هو رمي جتت والسلام؟
تقلبت "خلود" على الفراش من الداخل، ونظراتها قد التهبت من جفائه الموحش، اضطرمت نيران غضبها في قلبها مع هجرانه القاسي؛ وكأن ما منحته يومًا له لم يشفع لها، اعتدلت في رقدتها، وأرهفت السمع لما يقال بالخارج. تدلى فك "ونيسة" في بلاهةٍ، فأدرك "تميم" أنها كانت تساعد ابنة أختها في مسعاها للولوج إلى حياته مجددًا، بإقحامها باستمرارٍ في طريقه، حتى لا يجد المهرب منها، لهذا قال لها بوضوحٍ قاطعًا أي أمل معقود على عودته إليها:
-شوفي يامه احنا بقينا أغراب عن بعض، تنام في أوضتي، تنام في الحمام، إن شاءالله تنام تحت الأرض، أنا مش راجعلها.
هتفت فيه والدته تلومه ببكاءٍ زائف:
-حرام عليك اللي بتعمله فيها ده! اتقي ربنا، وارجع لعقلك، مهما كان في بينكم عيل جاي وآ....
رمقها بنظرةٍ قصد أن تكون خالية من أي مشاعر حين قاطعها حاسمًا المسألة عليها:
-قولتلك أنا ظالم ومفتري .. والعيل اللي ماشافش النور ده مش هيجبرني أرجعلها، حتى لو كانت آخر واحدة على الأرض ............................................. !!
..................................................................
رواية ☑️ الطاووس الأبيض ©️ (الجزء الثاني) الفصل العشرون 20 - بقلم Manal Salem
القراء الأحباب .. باعتذر عن التأخير ..
الفصل فيه جزئية مزعجة وجب التنويه عن ده في البداية .. وكان هذا سبب التأخير في الكتابة لطرحها بشيء لائق
أترككم مع الفصل
الفصل الرابع والخمسون
أمعنت في كبح ما يعتريها من غضبٍ مهتاجٍ حاليًا لتُكسب وجهها هدوئًا يُغاير الطبيعي، والذي من المفترض أن تكون عليه، لتدعي أنها لم تسمعه ينبذها، أو الأحرى يقصيها من حياته للأبد، لتبدو كمن غفلت لبعض الوقت بسبب إرهاق الحمل، ولم تصلها لعناته أو طرده لها. نهضت "خلود" عن الفراش، وتأرجحت في خطواتها وهي تتجه نحو الباب، لتظهر وكأنها تعاني من عدم اتزانٍ بسبب تأثير الحمل عليها، هتفت من الداخل مُعلنة كذبًا أنها لم تنتبه لوجود طليقها بالخارج:
-أما يا خالتي شوفت حتة حلم جميل، ربنا يجعله يتحقق، شوفت "تميم" شايل ابننا، ومصمم أنا اللي أسميه، وكان في إيده دبلة جوازنا ...
عند تلك الكلمة الأخيرة توقفت أمام باب الغرفة، راسمة على وجهها علامات الدهشة، لتبدو أمام الاثنين متفاجئة من تواجده، ردت بأنفاسٍ مرتبكة:
-"تميم"!
منحها الأخير نظرة غير مريحة، على أدق تعبير ساخطة، قبل أن يشيح بنظراته بعيدًا عنها، تجاهلها عن عمدٍ، وقال لوالدته بصوتٍ تحول للبرود:
-أنا جيت أطمن عليكي، وعلى جدي، احتمال أبات في الدكان النهاردة، ورانا توريد كبير من بدري
رمقته والدته بنظرة معاتبة، ثم حثته على محادثة "خلود"، فقالت:
-مش هاتسلم على بنت خالتك، وتطمن على ابنك؟
لم يلتفت نحوها، ورد قاصدًا إحراجها:
-لأ.
زجرته "ونيسة" في عصبية:
-عيب كده يا "تميم"، راعي اللي كان بينكم، الدم عمره ما كان مياه
تدخلت "خلود" في جدالها الحاد معه، لتستعطفها بما يشبه الرجاء:
-خلاص يا خالتي، سبيه على راحته..
ثم تنهدت هنيهة لتضيف بعدها:
-مهما عمل فأنا لسه بأحبه.
استدار "تميم" برأسه في اتجاهها، وحدجها بنظرة جافة، خالية من أي تعاطفٍ، ثم التفت نحو والدته من جديد ليقول:
-لو عوزتي حاجة كلميني.
همَّ بالتحرك، لكن استوقفته "خلود" بالتعلق في ذراعه، وكأن صاعقة من السماء لامسته، انتفض مُخلصًا ذراعه على الفور من قبضتها، ومنحها نظرة صارمة محذرة، ومع هذا النفور الواضح على محياه إلا أنها ابتسمت مقترحة عليه في نبرة ناعمة متدللة:
-أنا هاروح للدكتور بكرة، ما تيجي معايا عشان نطمن على ابننا، وتشوفه في السونار، إيه رأيك؟
أجابها ببرودٍ، وكأن الأمر لا يعنيه حقًا:
-مش فاضي ..
ثم أشـــار بيده بإشارة خاطفة نحو والدته متابعًا حديثه:
-خالتك موجودة، هاتبقى تروح معاكي وتحكيلي.
عاتبته والدته بشدة، وقد انقلبت تعبيرات وجهها للعبوس:
-وما تروحش إنت ليه؟
لم يكلف نفسه عناء الرد عليها، غير مبالٍ بضيقها، فصاحت به بحدةٍ:
-رد يا "تميم".
تحرك صوب الباب، ملقيًا خلف ظهره كل ما لا يرغب في سماعه، وعلق بسماجة مهينة:
-ماتنسيش تقفلي الباب بالترباس لما الضيفة تمشي، سلام يامه.
ضربة موجعة تلقتها "خلود" في قلبها بعد جملته تلك، هو يعدها غريبة عنه، ويتعامل معها في أضيق الحدود، حتى جنينه الذي ينمو في أحشائه لم يهتم لأمره، ولهذا أدركت جديًا أن مسألة استعادته ليست بالهينة أبدًا، لم تستطع التحكم أكثر من ذلك في ضبط غيظها، فانفجرت في "ونيسة" تشهدها:
-شوفتي بعينك يا خالتي، وأنا مكالمتش أهوو، بأتهان وساكتة، ويا ريت بعد ده كله عاجب!!
ربتت الأخيرة على ظهرها في أسفٍ، واعتذرت منها بوجهها الممتقع:
-معلش يا بنتي، أنا مش عارفة أقولك إيه بس؟
نكست رأسها في حزنٍ، وهمهمت بتنهيدة بطيئة منكسرة:
-الحمدلله على كل حال.
لمعت عينا "ونيسة" بدمعاتها المتحسرة، وقالت بشفاهٍ مقلوبة:
-ربنا يسامحك يا "تميم"، ولا كنت أتخيل إنك تعمل كده في اللي من دمك، منه لله اللي شقلب كيانك.
تركت "خلود" تلك العبرة الزائفة تنساب من طرفها، وفركت عينيها بقوةٍ لتزيد من التهابهما، ثم توسلتها بصوتٍ بدا يائسًا للغاية:
-اللي حصل، محدش كان عارف النصيب هيودي لفين...
ما لبث أن أخفضت نبرتها قليلاً لتتابع بمكرٍ:
-بس طول ما إنتي في صفي.. جايز الحال يتعدل، ويرجعني، برضوه إنتي أمه وكلامك هيمشي عليه في النهاية.
قست نظرات "ونيسة"، وهتفت تؤيدها دون تفكيرٍ:
-هيحصل يا بنتي، أنا مايرضنيش الظلم ولا الافتراء.
..............................................................
أنهت مكالمة سريعة مع ابنتها لتعرف منها تفاصيل لقائها المدبر مع طليقها السابق، عل أواصر الود تعود بينهما؛ لكنها كالعادة باءت بالفشل، ولم تتوقع "بثينة" غير ذلك، انعكس حقدها الداخلي على ملامح وجهها، وهمست لها بصوتٍ خفيض، كمن يملي عليها البديل لخطتها غير الناجحة:
-اسمعي اللي هاقولك عليه، ونفذيه بالحرف الواحد.
جاءها صوتها المختنق تستحثها على النطق بنبرة مليئة بالإحباط:
-قولي يامه.
وضعت يدها أمام فمها، لتخفي حركة شفتيها وهي تقول:
-هاتروحي لخالتك، وتقوليلها الواد "هيثم" ماسك في أمي، ومش عايزها تروح بالليل، وإنتي هتاخدي تاكسي وترجعي البيت.
تساءلت "خلود" في ترددٍ حائر:
-وأنا هاعمل كده؟
نهرتها أمها بغيظٍ؛ ولكن بصوتٍ خافت، ومن بين أسنانها المضغوطة:
-لأ يا غبية، دي كلمة تقوليها لخالتك، تضحكي بها عليها، المهم بقى، قبل البؤين دول أعملي نفسك مش قادرة.
أعادت صياغة السؤال عليها لتتأكد من فهمها لما أملته عليها من تعليماتٍ:
-دايخة يعني ومش قادرة؟
ردت بزفيرٍ بطيء:
-أيوه، وطبعًا لأن الوقت اتأخر هتباتي عند خالتك..
-ماشي.
ضاقت عينا "بثينة"، وتبدلت نبرتها للمكر حين أوصتها:
-المهم بقى تلازميها طول الليل، وزني على ودنها، أختي طيبة، وعلى نيتها، هتصدقك على طول، والمثل بيقولك الزن على الودان أمر من السحر.
عقبت عليها ابنتها دون نقاشٍ:
-حاضر.
غمغمت بعدها والدتها في نقمٍ:
-إياكش يفلح ده كله في النهاية.
ردت عليها ابنتها بيأس لم تكابر في إخفائه:
-يا رب.
رفعت "بثينة" أنظارها للأعلى لتلمح ابنها قادمًا في اتجاهها، على الفور أنهت معها حديثها قائلة:
-سلام بقى عشان أخوكي جاي.
ودون أن تنتظر ردها من الجهة الأخرى، أغلقت زر الاتصــال، وأعادت وضع الهاتف في حجرها. دنا "هيثم" منها متسائلاً، وهو يمشط شعره الرطب بيده:
-ها يامه، هنزل أوصلك البيت؟
استراحت باسترخاء في الأريكة، وأجابته بابتسامة ملتوية في خبث:
-لأ يا عين أمك، أنا بايتة معاك النهاردة.
وجوم مندهش حط على تعابيره، وهتف مصدومًا:
-نعم؟ بايتة عندي؟
هزت رأسها بإيماءة مؤكدة، وبين شفتيها تتراقص ابتسامتها اللئيمة:
-أه ياخويا، ولا المحروسة عندها مانع؟
تجاهل جملتها تلك، ليسألها مستوضحًا:
-ليه؟ مش هتروحي مع "خلود"؟
تغنجت بجسدها الممتلئ بحركة ساخرة وهي ترد:
-خالتك ماسكة فيها، وحلفانة ما تسيبها، إيه عايزني أكسر بخاطر أختي؟
لوى ثغره مدمدمًا بخفوت، وبتذمرٍ منزعج:
-طب ليه العكننة دي؟!
ركزت "بثينة" عينيها الحادتين عليه، وسألته في استمتاعٍ مستفز:
-بتبرطم بإيه سمعني؟
لوح بيده نافيًا بوجهٍ مكفهر:
-مافيش..
ثم لعق شفتيه متابعًا:
-هاقول لـ "همسة" إنك قاعدة معانا.
أشــارت له بسبابتها تحذره:
-اعمل حسابك أنا مش ببات في سراير المساخيط دول.
لم يفهم ما الذي ترمي إليه، فسألها بتلقائية:
-يعني إيه؟ مش فاهمك؟ إيه المساخيط دول؟
أجابت بهزة ساخرة من جسدها:
-يعني أوضة العيال اللي مالهاش لازمة دي...
ثم قست نظراتها وهي تكمل بطريقتها المسيطرة الباعثة على الضيق:
-الدلعدي مراتك تنام فيها، أنا يا حبيبي هنام في أوضتك، وعلى السرير الكبير كمان، ماشي يا خويا؟
هتف محتجًا بغيظ:
-ليه يامه بس؟ ده السراير مريحة والأوضة كويسة.
ردت باعتراضٍ ساخط:
-مريحة؟ دي أد كده، ماتكفنيش.
اقترب منها، ومال نحوها هامسًا برجاءٍ:
-ماينفعش يامه، أنا و"همسة" لسه عرسان جداد، ومايصحش يعني في أول جوازنا حد يقعد معانا
رفعت يدها أمام جبينها لتصيح به بنظراتها المتنمرة:
-وأنا مش أي حد يا عين أمك.
صحح لها بمزيدٍ من الرجاء:
-مقصدش، بس عشان نبقى على راحتنا كده.
أخفضت "بثينة" يدها، ووضعت إصبعيها أسفل ذقنها، ثم علقت بأسلوبها الساخط:
-أدي دقني إن شوفتوا خلفة، دي واحدة مقطوع أملها، مالهاش لازمة تنام جمبها أصلاً.
كانت كلماتها كالسهام القاتلة، جعلت ملامحه تزداد تقلصًا، لم يستلذ أبدًا تطرقها لهذه المسألة الحرجة تحديدًا، ووبخها بقليلٍ من الحدة
-لا إله إلا الله، لازمته إيه الكلام ده يامه؟ هنعيده تاني؟ وإنتي دخلتي في علم الغيب؟
ردت ببرودٍ، وتعابير قاسية:
-ده كلام الدكاترة يا روح الروح.
همهم بسبة خافتة لم تسمعها بوضوحٍ، وبنفس لهجتها الباردة أمرته مشيرة بعينيها:
-نادي عليها خليني أشوف حاجة من عندها جديدة ألبسها.
هلل في تشنجٍ:
-كمان؟
ردت مستفزة إياه بطريقتها الفجة:
-أه، أومال عايزني أنام بهدومي دي؟ ولا مستخسرين فيا حتة بيجامة أقضي بيها الليلة؟ دي تلاقيها جيباها من سوق البالة!
ضرب "هيثم" كفه بالآخر، وقد تدلى كتفاه في انهزامٍ، ليغمغم بعدها بزفيرٍ ممتعض بائس:
-كده إنتي ناوية على خراب بيتي أنا كمان.
هدرت به بسماجةٍ:
-يالا اتنحرر شوية، الهدوم طابقة على مراوحي.
أولاها ظهره؛ لكنه رفع عينيه للسماء، وظل يردد بين جنبات نفسه في ضيقٍ مبرر:
-يا رب، إنت شايف وعارف.
...............................................................
بكلماتٍ مُلطفة، وعبارات استهلالية لبقة، حاول "هيثم" أن يخبر زوجته ببقاء والدته في منزلهما الليلة للمبيت فيه معهما، بالإضافة لطلبه استعارة إحدى ثياب نومها الجديدة لارتدائها بدلاً من عباءتها، ورغم الانزعاج الظاهر على تعابير "همسة" بسبب معاملتها الجافة، والمتحفظة معها، إلا أنها وافقت على رجاواته. مسح الأول على جانب ذراعها صعودًا وهبوطًا، وبرفقٍ لطيف معتذرًا منها
-أنا أسف يا "هموس"، المفروض مايحصلش كده، بس أنا والله محروج منك.
ابتسمت قائلة في تفهمٍ مهذب:
-مافيش مشكلة يا حبيبي..
ثم أضافت بعد صمتٍ لحظي:
-طالما على أد الليلادي وخلاص.
تقوست شفتاه معقبًا في غموضٍ:
-يا ريت تكون كده!
اتسعت عيناها متسائلة في توترٍ:
-هي ممكن تقعد أكتر من كده؟
جاوبها بهدوءٍ حذر:
-الله أعلم، محدش عارف أمي بتخطط لإيه..
تطلعت له بغرابةٍ، خاصة حين أكمل مفصحًا عما يدور في خلده:
-بس وجودها مش مريحني.
كان محقًا في توجسه منها، وشاركته زوجته الرأي؛ فوالدته ليست بالشخصية السمحة، لينة المعشر؛ لكنها أبعد ما يكون عن الحماة الوديعة أو الودودة. لفظت "همسة" الهواء على مهلٍ، لتضيف بعدها بانزعاجٍ كسا قسماتها:
-ربنا يستر.
.................................................................
لا يمكن أن يعترف أبدًا أن ما قذفت به ابنة أخيه مجالاً للنقاش، أو التهاون فيه، لقد أساءت إليه شخصيًا، بقولها أنها فرطت في عفتها، وتخشى اكتشاف أمرها. اختفت ملامح الطيبة من على وجه "اسماعيل"، وغلف نظراته وحشية شرسة، رفض رحيل "خليل" أو انصراف زوجته بعد صرف "فيروزة"، ليبقى كلاهما لسماع كلمته الأخيرة فيما يخص شأنها. ضرب بعكازه أرضية الغرفة، فانتفضت "سعاد" على إثر خشونته، بلعت ريقها في حلقها الذي اكتسب مرارة لاذعة، وركزت نظرها معه عندما استطرد ناطقًا:
-إنتي اتجننتي يا "حمدية"؟ سامعة نفسك؟
تجمدت في مكانها من هيئته المرعبة، وتلك الجراءة التي تملكتها من قبل فرت أمام قوته، لطالما كان له الأثر في نفسها، أرادته لها، أو على أسوأ تقدير أن يماثله زوجها؛ لكن لحسرتها، كان أبعد ما يكون عنه. انتزعها من شرودها السريع، واهتزت مع قوة كلماته المدافعة عن "فيروزة":
-بنت أخويا أشرف من الشرف!
ثم تحولت نظراته القاتمة نحو "خليل" ليعنفه بحدته الشديدة:
-إزاي تسمح لمراتك تكلم عن لحمنا كده؟ مين دي أصلاً في الحريم عشان تتجرأ وتقول الكلام ده قصادي؟ لأ وعن مين، بنت المرحوم أخويا.
طعنة مهينة قصفت بـ "حمدية"، وأحرجتها علنًا، خاصة في حضور زوجته، أشعرتها كم هي ضئيلة، نكرة، لا قيمة لها، خجلت من رفع أنظارها، والأفظع من تلك الإهانة هو صمت زوجها، فبدلاً من الدفاع عنها، أطبق على شفتيه بقوةٍ، اشتعل الغضب بقلبها، وحركت ثغرها لترد؛ لكن "اسماعيل" أخرسها بإشارة من يده:
-ماسمعش حسك، ده كلام رجالة.
رددت "سعاد" في نفسها بفخرٍ واعتزاز، وكامل نظراتها مسلطة على زوجها:
-الله ينصرك يا حاج، أيوه كده علمهم الأدب.
انفلتت أعصاب "حمدية"، وردت بوقاحة، حين تخلى زوجها عنها:
-يا حاج أنا غلطت، بس إيه اللي يضمن إن كلامي مايطلعش صح؟
-بردك هتعيدي نفس الكلام، إنتي عاوزاني أتهور وأموتك، لَم مراتك يا "خليل"!
تحرك الأخير بوجهٍ صاغر نحوها، وهمس لها:
-خلاص يا "حمدية".
استشاطت نظراتها من خنوعه، وما زاد الطين بلة أنه يزيد من إحراجها، وبعثرة كرامتها أمام عدوتها القديمة، لهذا لن تصمت أبدًا عن إحراق الأرض ومن عليها، ثأرًا لنفسها، لذا تنحت بعيدًا عن زوجها، وتقدمت نحو "اسماعيل" لتواجهه، وقالت بصوتٍ ثابت، ينم عن كره دفين"
-ما هي لو كانت دي بنتي كنت هتلاقيني أول واحدة أحط صوباعي عيني في التخين، وأقوله اتأكد من ده بنفسك، بنتي سمعتها زي البرلَنت، بس إنتو خايفين يطلع العكس، وساعتها العار هيطول العيلة، وخصوصًا بناتك.
مستفزة لأبعد الحدود؛ هذا أقل ما يُوصف عنها، كادت يد "اسماعيل" تمتد لصفعها لولا أن تدخلت "سعاد" وتعلقت بذراعه، تتوسله بهلعٍ:
-لا يا حاج، اهدى.
أجبره ثقلها على إخفاض ساعده للأسفل، ومع هذا أصرت "حمدية" على استثارة أعصابه، وقالت:
-هتضربني يا حاج "اسماعيل" في بيتك؟ ده كرم الضيافة عندك؟ ده أنا جوزي معملهاش!
انتفضت ذكورة "خليل" الغائبة، وعادت لتطفو على السطح، ليرد بعصبيةٍ وحِدة، وقد أبعد زوجته للخلف ليتصدر المشهد بجسده:
-محصلتش يا حاج "اسماعيل" تمد إيدك على مراتي وأنا موجود...
تصاعد التوتر فجــأة بينهما، وتركزت الأنظار الغاضبة على وجهي كليهما، تابع "خليل" بصوته المحتقن، معاودًا اتهام "فيروزة":
-واللي بتحاميلها دي ليا لي فيها زيي زيك، وكلمتي تمشي على رقبتها، وأي حاجة هتعملها صح أو غلط هتُحسب عليا.
لوهلةٍ عادت الابتسامة الماكرة، تتدلى على جانب شفتي "حمدية"، بعد استثارة حمية زوجها الذكورية، وانتفاضه المتعصب لأجلها؛ لكنها أخفت استمتاعها برؤية تناحرهما، لتنوح بزيفٍ، وهي تخفض رأسها، متعمدة إخفاء عينيها؛ وكأنها تبكي:
-هو أنا غرضي إيه غير مصلحتها، نفسي أشوفها متجوزة ومتهنية، ده أنا أقربلها من أمها، وحتى اسألوا "آمنة"!
بارعة في تلفيق الأكاذيب، والدوران عن حقائق الأمور لخدمة أمورها، هكذا يمكن وصفها، هزت كتفيها لتبدو متأثرة، وهي تستأنف قولها:
-تقدروا تسألوا أي حد غريب، هيقول إني معملتش حاجة برا العُرف بتاعنا.
اقترح "خليل" بغتةً، وبكلماتٍ صدمت الجميع:
-ونروح للغريب ليه؟ ما نسأل الحاج "فتحي"، أهوو عارفنا كلنا، واللي يحكم بيه أنا راضي.
تطلع إليه "اسماعيل" في ترددٍ، بينما اعترضت عليه "سعاد" بتخوفٍ؛ لكونها تعلم بتشدده، وعصبيته الزائدة، وحتمًا لن يكون رأيه محمودًا:
-كله إلا الحاج "فتحي"! ده ما هيصدق، هو حد ناسي اللي عمله في "أسيف" وأمها الله يرحمها.
التفت نحوها "خليل" قائلاً بوجهه القاسي:
-بس راجل دوغري، وهيقول الحق.
رمقته بنظرة معترضة، ما لبث أن توجهت نحو "حمدية" التي أخبرتها بخبثٍ:
-وبعدين يا حاجة "سعاد"، ده إنتي أكتر واحدة المفروض يهمك مصلحة بناتك.
حسم "اسماعيل" أمره قائلاً بصوتٍ خشن:
-لا "فتحي" ولا غيره، احنا هنعمل شوشرة على الفاضين، عشان كلام الحريم
شيطان رأسه سول له بارتضائه، وتراجعه، لن تكون النتيجة مرضية له، بالطبع سيؤدي هذا لانهيار علاقته التي بدأت مؤخرًا مع خطيب المستقبل السخي، ولن يمنحه المزيد من التسهيلات لإنجاز عمله، لهذا رفع "خليل" ذراعيه في الهواء مرددًا بإصرار:
-تمام، اللي إنت عايزه يا حاج، بس أنا عاوز أطمن على شرف بنت أختي، إيه قولك في ده؟
لولا اقتحام إحدى الخادمات للغرفة لتطور الصدام بينهما، حيث هللت الأخيرة بابتهاجٍ عظيم:
-يا حاج "اسماعيل"، سي "فضل" رجع بالسلامة.
خبت التوتر المتصاعد لحظيًا مع تلك العبارات المبتهجة، رددت "سعاد" في لوعةٍ واشتياق:
-ابني الغالي رجع..
وقبل أن تحرك قدماها، توسلت زوجها بنظراتها، ونبرتها الحنون:
-بالله عليك يا حاج "اسماعيل"، ماتضيعش فرحتنا برجوع "فضل".
وحتى لا يمنحه الأفضلية، تراجع "خليل" عن تزمته قائلاً:
-روح شوف ابنك يا حاج، ولينا كلام تاني.
ربتت "حمدية" على كتف زوجها لتوأزره هاتفة:
-أيوه ده عين العقل يا "خليل"..
ورسمت تلك البسمة الناعمة المحملة بالخبث وهي تضيف مادحة:
-ربنا يخليك ليا يا راجلي.
رمقتها "سعاد" بنظرة مزعوجة، وأشاحت ببصرها بعيدًا عنها ترجو زوجها:
-يالا يا حاج، ده احنا محرومين من شوفت "فضل" أديلنا زمن.
استسلم "اسماعيل" أمام الإلحاح والضغط المتزايدين عليه، ليرد بعبوسٍ، وهو يلكز عكازه بالأرضية:
-ماشي .. بس الموضوع مخلصش على كده.
.......................................................................
كسجينة في حبس انفرادي، مكثت "فيروزة" في غرفتها الحالية، تضم ركبتيها إلى صدرها، تسند أعلاهما رأسها، وتحاوطهما بذراعين معقودين. شردت تتأمل الفراغ بنظرات حزينة مهمومة،؛ كانت تعلم أن ما قيل في حقها، لن يمضي على خير؛ النظرات الاتهامية، والألسن النارية ستحيك رواياتٍ كاذبة عنها، وكل ما في الأمر أنها لا ترغب في زواج مفروضٍ عليها؛ يجعلها تقضي القادم من حياتها في تعاسة ومعاناة، أرادت أن تكون زيجتها مبنية على انسجام وودٍ متبادل بين الطرفين، ولا مانع من أن يطوقه الحب العذري. انتشلها من صخب رأسها صوت والدتها المتسائل، بما يحمل الاتهام واللوم:
-إنتي السبب في أي حاجة هتحصل بعد كده.
خنقت عبراتها المتسللة في حدقتيها، ورددت بصعوبة:
-أنا؟
أجابت "آمنة" بمرارةٍ:
-أيوه.. عمك وخالك مش هيعدوا لبعض الكلام اللي اتقال، محدش هيقبل بكده، أنا عارفة كويس هيعملوا إيه عشان يتأكدوا، وأنا غصب عني مش هاقدر أقف قصادهم.
حلت "فيروزة" تشابك ذراعيها، وانتفضت ناهضة عن الفراش، لتتجه إلى والدتها المتوسدة المقعد، جثت على ركبتيها قبالتها، ورفعت أنظارها نحوها، رأتها تبكي في عجز، ووخز ذلك قلبها، وضعت يدها على كفها المستريح في حجرها، وقالت لها:
-أنا مقولتش إني مش عايزة أتجوز، بس مش بالشكل ده، أدوني حقي في الاختيار، أقول أيوه موافقة على الشخص ده ولا لأ.
سحبت والدتها يدها من راحتها، ورمقتها بنظرة قاسية قبل أن تنطق بألمٍ:
-أومال عايزاه يكون إزاي؟ إنتي كده خليتهم يفتكروا إنك خاطية؟ عارفة يعني إيه يبصولك إنك كده؟ ده أقل حاجة ممكن يعملوها هنا إنهم يطردونا، يحرموا علينا نرجع بلدنا أو ندفن فيها.
ورغم تحفزها بسبب ما تمليه عليها إلا أن نبرتها لانت نحوها وهي تسألها:
-وإنتي مصدقة ده يا ماما؟ مصدقة إن بنتك وحشة؟ خاطية في نظرك؟
مع تلك الكلمات بكت "فيروزة" آسفًا على حالها، ولم تخبئ دمعاتها الحارقة، على الفور احتضنت "آمنة" وجه ابنتها بيديها، وقالت، والندم يبدو ظاهرًا في عينيها:
-لأ يا ضنايا، إنتي مش كده، أنا واثقة فيكي، ربنا يسامحهم على اللي عملوه فيا وفيكي.
اتكأت "فيروزة" برأسها على حجر والدتها تستعيد قوتها المهتزة بلمساتها الحنون على بشرتها، ورأسها، مسحت بظهر يدها ما بلل وجهها من عبرات، وأخبرتها، بما توسمت أن يكون حقيقيًا:
-عمي هيقف جمبي.. أنا واثقة فيه.
........................................................................
-غصب عنها هنطمن، مش بخطرها يابا
كان أول ما نطق به "فضل" بصوتٍ صارم، غاضب، مليء بالتشدد بعد أن أطلعه "خليل" على ما دار من جدال أخير بينه وبين والده بشــأن ما تم تداوله عن سمعة ابنة عمه الراحل، لم يكن من النوع المتساهل، ملامحه القاسية، ونظراته الغائمة دللت على هذا بوضوح، ووجد رأيه المتعصب تأييدًا واسعًا من "حمدية" وزوجها، واعتراضًا ظاهرًا من والدته الحنون، ومع هذا أصر على تمسكه بقراره مرددًا من جديد على أبويه؛ وكأنه الآمر الناهي في ذلك المنزل العريض:
-ما عاش ولا كان اللي يكسر عينا على آخر الزمن، مش عايزة تتجوز الأستاذ ده براحتها، بس نطمن احنا كمان على شرفنا، وده من حقنا.
ردت عليه "سعاد" بوجهٍ مصدوم:
-يا ابني بنت عمك متربية على إيدي، تعرف الصح من الغلط، والعيبة ما تطلعش منها.
تصلب في جلسته، وقال في تهكمٍ، مستخدمًا يده في الإشارة:
-الكلام ده كان زمان، وقت ما كانت عيلة بضافير قاعدة في حجرك، دلوقتي عايشة بعيد عننا، والزمن اتغير، يعني الله أعلم بتعمل إيه من ورانا.
لامته بقلبٍ مفطورٍ على تصديقه تلك الشائعات المغرضة:
-حرام عليك، كله إلا كده!
تجاهل لين والدته، واستدار برأسه نحو أبيه يسأله في حزمٍ:
-إنت رأيك إيه يابا؟
صمت مليًا قبل أن يرد بنبرة أوضحت معارضته:
-أنا واثق في بنت أخويا يا "فضل".
كان الأخير يعلم معزة تلك الفتاة عند أبويه، ورغبتهما قديمًا في تزويجها له حين تنضج، وينطق جسدها بمعالم الأنوثة؛ لكنه لم يكترث يومًا لأمرها، وساعده الفارق العمري بينهما على اختيار عروسٍ أخرى تناسبه، تكون طوع بنانه، و"فيروزة" بالنسبة له لا تتخطى في مكانتها منزلة ابنة عمه اليتيمة، لهذا قال بقلبٍ متحجر، ووجه قاسٍ كالصخر:
-شوف يا حاج "اسماعيل"، الموضوع مش هايطلع برا، حد ثقة هنجيبه يطمنا عليها.
لطمت "سعاد" على صدرها، مرددة في تخوفٍ:
-يا لهوي، إنتو عايزين تفضحوا البت؟
نظرت "حمدية" نحوها لترد:
-الفضيحة لو كانت غلطت بصحيح، غير كده مافيهوش حاجة.
أيدها "فضل" في رأيه، وأضاف بنبرة مهددة أرعبت الجالسين:
-مظبوط، وبعدين أي كلام هيطلع براتنا ويتقال بعد اللي هايحصل فيها سواء حلو ولا وحش نهايته الدبح، للي قال واللي نقل.
بهتت تعابير والدته، ولامته بقلبٍ واجف:
-لطفك يا رب، بقى إنت جاي يا ابني عشان تشعللها؟
علق بقساوة منقطعة النظير، لم تتخيل أن يكتسبها ابنها:
-لو واحدة من إخواتي اتقال عليها كده مش هاسكت، هاثبت إنها نضيفة، ده عرض ولايا يامه، يعني شرفنا وسمعتنا! وكله إلا إننا نحط راسنا في الوحل عشان دلع البنات.
دعمته "حمدية" قائلة بابتسامة متسعة:
-عين العقل يا "فضل"، صح يا "خليل"؟
رد باقتضابٍ، وباله مشغول بمصالحه المهددة حاليًا:
-أيوه.. شرفنا لازم نطمن عليه.
أصرت "سعاد" على احتجاجها، وقالت بصوتها المرتجف:
-ده مايرضيش ربنا وآ.....
قاطعها "اسماعيل" بحزمٍ:
-خلاص يا "أم فضل"، ابنك قال وحكم!
برزت عيناها في اتساعٍ مستنكر، لبشاعة ما يريدون فعله بتلك الشابة، لكون الأمر لا يتعلق فقط بإثبات براءتها؛ ولكنه يعني إذلال نفسها العفيفة، وكسر روحها النقية قبل كبريائها كأنثى حرة.
.....................................................
صرخات مقاومة صدرت من تلك الغرفة منذ مطلع الصباح، وبعد رحيل الأغراب، تنفيذًا لقرار ابن عمها، بفحص دليل نقائها. وقفت "آمنة" بالخارج، تبكي ابنتها بحرقةٍ، وهي بالكاد مكتفة من قبل "سعاد" حتى لا تشق جلبابها احتجاجًا على ظلمهم البيّن، بينما تواجدت "حمدية" بالداخل مع زوجة "فضل"، والتي تدعى "سها"، وإحدى القابلات المخلصات، والمحنكات في المسائل النسائية، ممن عُرف عنهن حفظ السر أيًا كانت ماهيته إلى القبر، كانت ذات جسدٍ ضخم، ووجه لفحته أشعة الشمس الحارقة، ترتدي السواد دومًا، حدادًا على رحيل زوجها.
تلوت "فيروزة" بجسدها بشراسةٍ وقوة، محاولة إفلات ذراعيها من القبضات المثبتة لها، لم تصدق عينيها حين اقتحم عليها ابن عمها الغرفة ليطلعها بقساوة مجحفة بما وصل إليه النقاش المحتدم، وبدلاً من الترحاب بها، عاملها باضطهادٍ كمذنبة مُدانة، أصدر حكمه عليها بلا رحمة؛ دون أن يمنحها الحق، وهي التي كانت تكن له كامل الاحترام والمعزة. انهار ما اعتبرته السند، بإقحام تلك المرأة ليديها، في أشد المناطق خصوصية، لتنتهك حصونها؛ وكأنها متاحة للجميع، أزاحت ثيابها الداخلية،تاركة ثوبها الطويل يستر باقي جسدها، وشرعت في مهمتها المكلفة بها. صرخت فيهن "فيروزة" مستغيثة بوالدتها، بصوتٍ بح من كثرة ندائه غير المجدي:
-يا مامـــا! ابعديهم عني، أنا معملتش حاجة! حرام عليكم!
حاولت "سها" تثبيط مقاومتها، وطمأنتها عن عمل القابلة قائلة لها:
-متخافيش، هي مش هتعملك حاجة تقلقك، إنتي اهدي بس.
وكأن التطلع إلى عفتها بمثل تلك البساطة، رفضت بشدة تسهيل الأمر عليهن، وازدادت شراسة مع إبعاد القابلة لما بين ساقيها، ركلتها، وأصابتها بكدمةٍ مؤلمة في وجهها، حتمًا ستترك أثرها لبضعة أيامٍ عليها،
بينما تلذذت "حمدية" برؤيتها تُذل، وتُهان، شعرت بأنها أحنت هامتها، وقضت على شموخها للأبد، لم تتنازل عن حضورها، لتشهد على لحظة إخضاعها، وقد كان. ابتسمت لها بشراسة، ومالت نحو أذنها تهمس لها بشماتةٍ عظيمة:
-شوفتي عملت فيكي، عشان تصدقيني لما أقولك هايجي يوم، وأكسر فيه مناخيرك.
وشددت من قبضتيها عليها، متعمدة غرز أظافرها في لحم ذراعها، لتذكرها بأنها كانت متواجدة في تلك اللحظة المهينة، التي اعتبرتها لا تقدر بثمن، ومن بين آلامها صرخت بها "فيروزة"، ونظراتها الملتهبة المليئة بدموعها الغزيرة:
-عمرك ما هتقدري، واللي عملتيه فيا هتعيشي زيه!
شحذت كامل قواها الغاضبة لتطلقها دفعة واحدة، ونجحت في تحرير نفسها منها، ثم وكزتها بعنفٍ في صدرها، لتتأوه "حمدية" من الألم الشديد والمباغت، والتفتت دافعة "سها" عنها بعدائية بحتة، أجبرتها على الابتعاد عنها، ثم نهضت كالملسوعة عن الفراش، لتعجز المرأة الغريبة عن إكمال عملها. ركضت "حمدية" نحو باب الغرفة طالبة للمساعدة:
-مش قادرين عليها، هتموتنا بنت "آمنة"
دق الباب من الخــارج، ليأتي صوت "فضل" عاليًا بعده:
-إيه اللي بيحصل عندكم؟
استنجدت به صارخة بلهاثٍ:
-تعالى يا "فضل" إلحقنا.
كان الأخير يملك مفتاح باب الغرفة، أداره في قفله، وولج للداخل، وعيناه تقدحان بالشر، مسح أركان الغرفة بنظرة سريعة باحثًا عن ابنة عمه بها، كانت منزوية عند الدولاب، تمسك بمزهرية في يدها، على ما يبدو تحاول الدفاع بها عن نفسها، هددته بصوتها المجروح:
-محدش يقرب مني، محدش هيلمسني!
لم يكترث "فضل" بتهديدها، وتقدم نحوها قاصدًا إيذائها؛ وإن تعرض للضرب والمقاومة منها، لوحت بالمزهرية أمام وجهه، وضربته بمقدمتها على جبينه، لم يأبه بالدماء النازفة من مقدمة رأسه، انتشلها من يدها، وألقها خلف ظهره، عجز من حولهما عن التدخل لفض الاشتباك بينهما، حتى زوجته "سها" ابتعدت عن مرمى غضبه. انقض "فضل" على ابنة عمه، جاذبًا كومة من شعرها، ليرفع وجهها إليه، وحينها تلقت عددًا لا بأس به من الصفعات العنيفة، التي أفقدتها قدرتها على المقاومة، وزلزلتها، وسط صراختها الأخيرة. جرجرها نحو الفراش، وألقاها عليه، ثم سدد لها لكمتين عظيمتين، جعلتها تدخل في حالة من الهذيان، نظر لها شزرًا، وبكراهية مشمئزة من تصرفاتها، ثم التفت نحو القابلة يأمرها:
-كملي شغلك يا ولية!
أومأت برأسها في انصياعٍ، فهددها مشيرًا بإصبعه:
-ولو كلمة اتقالت عن اللي دار هنا مش هيحصلك طيب
لم يكرر جملته مرتين، واتجه نحو الخــارج، لتقفز عليه "آمنة" تلومه بنواحه الباكي، ووالدته بعتابها القاسي، لم تتبدل ملامحه، ولم تلين قسماته، أغلق الباب من خلفه، وعادت المرأة لتكمل عملها في هدوءٍ، بعد ذلك المجهود الشاق، كفكفت عرقها بطرف حجابها الأسود، وبددت الشكوك السائدة، بقولها الحاسم:
-الحمدلله .. البنت زي الفل، وبختم ربها ...................................... !!
..............................................................