مكتب جانبي في الدور الخامس – غرفة اجتماعات صغيرة مخصصة للصفقة. رُبى كانت واقفة عند الطاولة، تراجع ملف كبير فيه بنود معقدة، عيونها ثابتة على الورق، ووجهها خالي من أي تعبير. دخل صقر، ماسك كوبين قهوة، وحده سادة، والثاني لاتيه. قال بنبرة هادئة: توقعتك تحبين القهوة السادة... بس قلت يمكن ذوقك تغيّر.
ما ردت عليه، بس مدّت يدها وأخذت السادة، بدون ما تطالع وجهه حتى. قال وهو يقفل الباب ويمشي بهدوء داخل الغرفة: أول مرة أشوف أحد ما يفرح إنه يمسك صفقة كبيرة زي كذا.
قالت وهي تقلب صفحة: لأن النجاح ما يحتاج فرحة... يحتاج تركيز.
ابتسم وقال وهو يقرب منها شوي، واقف عند الطرف الثاني من الطاولة: معناه إنك ناوية تنجحين... وهذا شيء كويس.
رفعت راسها وناظرته لأول مرة من بداية دخولها، بعينين باردة: إذا فشلت، راح تكون أول المتضررين... عشان كذا، لا تعلّق آمالك على أحد، حتى لو كنت تمشي وراه طول الوقت.
ضحك بخفة، وقال: طمنتيني والله.
سكتت لحظة، ثم قالت بنبرة هادئة بس فيها نغمة واضحة: تحاول تتقرب؟ ولا بس عندك أسلوب فضولي مكرر؟
قال وهو يسند ظهره على الحائط ويطالعها بنظرة هادئة: لا أحاول، أنا موجود... ووجودي جزء من شغلك، سواء تقبلتي أو لا. بس ترى مو غلط الواحد يعرف شريكه شوي.
ردت بدون ما تلتفت له وهي تسحب أوراق من الملف: أنا ما أحتاج أعرف أحد... إذا كنت تشتغل معي، خلك ظلّي، لا صوت، لا حركة.
اقترب منها خطوتين، ونبرته صارت أهدى، لكن فيها طيف تحدي: حتى الظلال تطفش من البرود... وأنا ما أحب أكون جماد.
رفعت عيونها ببطء، ونظرت له نظرة طويلة: لا تحاول تفهمني، ولا تفسّر كلامي. أنا ما أحتاج أحد يعرفني، ولا أبي أحد يقرأني.
ثم مشت باتجاه الباب، ووقفت عنده، وقالت بدون ما تلتفت: خلنا ننجز الصفقة... وبعدها، كل واحد يروح لطريقه.
وطلعت. وصقر؟ وقف لحظة مكانه، وابتسامة خفيفة تشكلت على طرف فمه، وهو يهمس لنفسه: العنيدة هذي... فيها شيء يشد!!
قصر الجاسر– طاولة العشاء الكبيرة.
الطاولة مليانة، سوالف خفيفة، وهواش من تحت لتحت بين البنات وزوجات الاعمام وصوت المعالق على الصحون. كل الموجودين من أولاد العم والبنات وعمتها... وفجأة، ينفتح الباب، وتدخل رُبى. لابسة عباية فخمة، ماسكة شنطتها بيد، وتعب يومها ظاهر على وجهها، لكنها واقفة بثقة، تناظرهم بنظرة سريعة قبل ما تتجه بهدوء لمكانها على الطاولة. قالت عمتها موضي بصوت فيه نغمة تعجب: واااااو، وأخيراً شرفتي العشاء! كنا بنسوي احتفال بهاللحظة.
رُبى جلست بدون حتى تطالعها، وحطت الشنطة على الكرسي اللي جنبها، وردّت بنبرة باردة: انشغلت بشي أهم من المديح الزايد.
ريم التفتت للي جنبها وهمست بصوت مسموع شوي: أهم؟ يعني أحسن من العيلة؟!
رُبى رفعت حاجبها وناظرت ريم: لا يا قلبي، بس العيلة ما كانت تنتظرني بشي ضروري... أما الصفقة، فكانت تنتظر توقيعي.
شهد قالت بابتسامة كاذبة: والله شكل الصفقة غيّرتك... صوتك أعلى، ونبرتك أثقل!
رُبى قطعت لها قطعة خبز وقالت بهدوء قاتل: اللي يعلو صوته هو اللي خايف ما يُسمع، أما أنا... صوتي ثابت، ومكاني دايم واضح.
ناصر (عمها) شرب موية وحط الكأس على الطاولة، وقال ببرود: وكيف الصفقة؟ مشت ولا لسا في البداية؟
رُبى رفعت عينها له وقالت بنبرة راقية، لكن فيها لمعة حادة: كل شيء بوقته حلو... وانت عارفني، ما أتكلم عن شي إلا إذا كنت ضامنة نتيجته.
متعب ضحك وهو يقطع قطعة لحم وقال: نسمع إنها صعبة... مدري شلون بتتصرفين معها أنتي وصقر.
رُبى بهدوء وهي تطالع صحنها: غريبة... السالفة كلها في السوق، وأنتم أكثر الناس فشلوا فيه، ومع كذا مهتمين بطريقة شغلي؟
سكتوا لحظة. رغد قالت بمراهقة واضحة: يعني تحسبين نفسك أفضل منّا؟
رُبى قطعت قطعة صغيرة من السلطة وقالت بهدوء: لا أحتاج أحسب... الأفعال تتكلم.
ريم قالت بسخرية: لو كنتي ناجحة، ما جلستي بهالبرود، ولا تهربين من كلامنا كل مرة.
رفعت رُبى عيونها وقالت بنبرة مغرورة جداً: لما الشخص يرتفع... يصير صعب عليه يسمع الأصوات اللي تحت.
صمت رهيب، الشيخ راشد كان داخل في اللحظة ذي، وسمع آخر جملة، وضحك بصوت هادي وقال: وأنا أقول... منو اللي أخذ طبعي؟ طلعت بنتك يا فهد.
فهد قال وهو يطالعها ب احتقار: وأنا راضي إنها طلعت مثلك. بس المهم ماتكون مثلي!!!
الكل سكت. رُبى؟ كملت عشاءها براحتها، وسط نظرات ممتلئة غيظ وغيرة، لكنها ولا كأنها موجودة بينهم وهي مافكرت للحضه بكلام ابوها لانها متعوده!!،
منتصف الليل – فناء البيت الهادئ.
رُبى واقفة عند الشباك الطويل المطل على الممر الخلفي، تلبس بيجاما فخمة، وشعرها مرفوع بطريقة مرتبة كعادتها. تشرب قهوتها بهدوء، وعيونها مركزة على شخص طالع من غرفة الشيخ راشد. صقر. كان يمشي بثقة، ظهره مستقيم، وعيونه تطالع الأرض وكأنه يفكر بشي كبير. رفعت رُبى حاجبها بخفة، لمعة فطنة في عيونها، همست لنفسها: وأخيراً بدأ التحرك... توقعت ما يصبر كثير.
لحظات، ويجي صوت اتصال على جوالها، نظرت للشاشة، لُجين. ردّت بهدوء: نعم؟
جاءها صوت لُجين باستغراب: انتي لسه صاحيه؟!
قالت رُبى وهي تمشي بهدوء ناحية الكنبة الفخمة: ما كنت نايمة... فيه شي شاغل تفكيري.
لُجين: لا تقولين الصفقة!
ضحكت رُبى بسخرية ناعمة: لا... أكبر من الصفقة.
سكتت لُجين، ثم قالت بشك: فيك شي... صوتك يبرد الجو.
قالت رُبى بهدوء وهي تمسك كوب القهوة: تتخيّلين إنهم يبنون خطة كاملة... عشان يحطون رجل غريب في حياتي؟ يتفقون وراه، ويحطونه حارس، وبعدين شريك؟ وكل هذا عشاني "أجمع العيلة".
لُجين: أنتي تدرين؟!
رُبى: طبعًا أدري... أنا ما أنشغل بالحركة، أنشغل بالنية وراها.
قالت لُجين بدهشة: بس... انتي ساكته لهم؟!
رُبى: لأني أحب أراقب قبل ما أتحرك. أبغى أشوف هو بيلعب لعبتهم... ولا بيلعب لعبتي.
لُجين: صقر؟
رُبى: أي، صقر... حاليًا هو في اختبار. لو صدق يحاول يدخل حياتي... لازم يعرف إنه داخل على ساحة حرب مو على قلب فاضي.
سكتت لُجين لحظة، ثم قالت: وانتي... تبين يدخل؟ ولا ما تبينه؟
رُبى مدت رجلها على الطاولة قدامها، وعيونها ثبتت على الشباك: إذا دخل... ما راح يطلع.
صمت. رُبى ابتسمت بخفة وهي تقول: وأنا ما أخلي أحد يدخل... إلا إذا كنت ناوية أخلّيه يضيع!!!
حي شعبي بسيط – بيت صغير ودافئ، منتصف الليل، بعد يوم طويل من الشغل. دخل صقر البيت وسحب الباب بهدوء، عشان ما يصحي أحد لو نايم.
ريحة الأكل تعبي المكان، وصوت القدر يغلي من المطبخ. سمع صوت أمه وضحى من داخل المطبخ: صقر؟ جيت يا يمه؟
قال بصوت ناعم وهو يشيل شماغه: إيه يمه... جيت.
طلعت أمه من المطبخ، تمسح يدينها بمريولها، ابتسامة تعبانه لكنها صافية: ما تغديت زين أكيد... وجهك مرهق.
ابتسم وهو يطالعها بحنية: من غير أكل أمي... ما يشبع قلبي.
ضحكت وضحى وقالت: دايم لسانك حلو، بس ما يأكلنا خبز! روح غيّر وارجع، العشاء جاهز.
دخلت جنى، أخته الصغيرة، طالبة في أول ثانوي، تمشي وهي تمسك جوالها وسماعة بأذن وحدة: صقر!! وينك من العصر؟ بدر يقول عندك شغل بس أنا أقول إنك تهرب من البيت.
قال وهو يحط يده على راسها بخفة: وش أهرب منه؟ أنتي؟ أنتي سبب صداعي مو راحتي.
ضحكت جنى وجلست على الكنب: المهم، سمعت إنك تشتغل مع بنت ذولي الاغنياء... صحيح؟
دخل بدر في هاللحظة، طويل، عريض الكتفين، بس نبرة صوته دايم فيها جدّية: إي صحيح
جنى: وسمعت إنك صرت تشتغل مع وحده مغروره وتغث والشيخ راشد يغليها!!
صقر جلس على طرف الكرسي وسحب نفس عميق: الشغل شغل... وبس.
وضحى وقفت عند باب المطبخ ويدها على خاصرتها: يا وليدي، قلبي مو مرتاح... أنا ما أحب الاحتكاك بأهل القصور، دايم ورى الطيب مصالح.
قال بهدوء وهو يطالعها: وأنا عيني مفتوحة... ما أسمح لنفسي أكون أداة بأيديهم.
بدر قال وهو يطالع صقر بنظرة فاحصة: بس احذر، تراهم أذكى من ما تتخيل... إذا دخلت لعبتهم، لازم تلعبها صح.
قال صقر بثقة هادية: وأنا ما أخاف من اللعب، بس اللي يخاف مني... لازم يحسب خطواته صح.
ضحكت جنى وقالت: أحسك تمثل فيلم أكشن... بس الصراحة، لو هالبنت الغنية حلوة؟ ما نلومك.
قال صقر وهو يقوم باتجاه المغسلة: الحلا ما يعنيني... العقول هي اللي تهمني.
وضحى نادت وهي تحط الصحون: تعالوا تعشو قبل لا يبرد... خلوا الفلسفة بعد الأكل.
ابتسم صقر، ومشى للغدا، قلبه دايم دافي بين أهله، حتى لو برّا لابس ألف قناع، وهو مو عارف للي بيصير فيه لما حط براسه بنت فهد الجاسر!!!
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!