الفصل 9 | من 49 فصل

رواية أنا بنت الغايب، بس ما ني غايبة الفصل التاسع 9 - بقلم غير معروف

المشاهدات
21
كلمة
2,654
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

الصباح دخل بخفة، لكن مباني الشركة كانت ناشبة في السماء وكأنها تقول لكل أحد: "نحن غير." دخلت رُبى من البوابة الرئيسية، خطواتها ثابته، وكعبها يطقطق على الأرض اللامعة. شعرها مربوط بنعومة، وملامحها مثل ما عرفها الجميع: جامدة، وباردة، الموظفين اللي مرّت بجانبهم وقفوا، بعضهم سلم وبعضهم اكتفى بنظرة. رُبى ما كانت ترد السلام إلا بحركة راس بالكاد تنشاف.دخلت المصعد، ومعها ساكتين، لكن اللي كان يوقف فوق، بانتظارها، كان صقر.كان واقف عند باب مكتبه، يمسك بيده ملف، وعين ما تطيح من ساعته.يوم شافها تقرب، خطى خطوة قدّام وقال: صباح الخير، أ. رُبى.
نظرت له، نظرة سريعة، ما فيها أي دفء، وردت: صباح النور.
كأنها تقول له: "لا تطوّل." قال بهدوء، وهو يفتح لها باب المكتب اللي صار مخصّص لها حسب أوامر الشيخ: الشيخ راشد طلب يشوفك أول ما توصلي... إذا عندك وقت.
ردت وهي تمشي للداخل بدون حتى تشكره: ما أظن إن وقتي بينضغط عشانه.
وقف شوي، لاحظ لهجتها، لكنه ما علّق. قال بهدوء وهو يلحقها للمكتب: طلب شخصي، مو عمل... قال لي بلّغك بنفسك، وما حبيت أرسل أحد ثاني.
استدارت له ببطء، وقفت عند طاولة المكتب وقالت بنبرة ثقيلة: وتحب تدخل في كل التفاصيل؟ ولا هذي بس منهم؟
صقر ضحك ضحكة خفيفة، ما فيها سخرية، لكن كان واضح إنه فاهم أسلوبها. قال وهو يحط الملف على الطاولة: لا... أنا أدخل في الأشياء اللي تنقال لي مباشرة. الباقي؟ ما يهمني.
سكتت، نظرت له للحظة، بعدها جلست على الكرسي الجلدي، ومدّت يدها للملف بدون ما تطالع فيه.رقالت بصوت هادي، لكنها مغرورة: إذا خلصت بلاغك، تقدر تطلع. أنا مشغولة.
رفع حاجبه شوي، وعيونه فيها لمعة تفكير، لكنه ما رد وقاحتها بوقاحة. قال بهدوء وهو يتراجع للخلف: تمام... بس إذا بتروحين للشيخ، بلّغيني، أكون معك. ما تروحين لحالك.
نظرت له، وهذه المرة عيونها تضيق شوي: ما أحتاج مرافق. خاصة مو من خارج العيلة.
ابتسم، لكنها ابتسامة ما وصلت لعيونه، وقال: اللي من العيلة جربوا معاكي... ما نفعوا.
سكتت، وكأنها للحظة فكّرت ترد، لكن رفعت يدها وأشارت للباب: اطلّع.
ما قال شي، بس نظر لها نظرة طويلة، فيها احترام... وفيها شي ما تفسره بسهولة. قال بصوته الهادي: إذا احتجتي شي... تعرفين وين تلقيني.
وطلع، بهدوء تام. رُبى جلست وحدها، تفتح الملف، بس عيونها للحظة راحت للباب... ما ابتسمت، ما تغيّر شي بوجهها، بس واضح إن حضور صقر... كان له وقع، حتى لو ما اعترفت،




كوفي الشركة مثل ما هو دايم: هادي من برّا، لكن زاوية أولاد العم والعمة كانت تغلي.
سلطان جلس على الطرف، وكأن الدنيا كلها تتفرج عليه، وكل واحد قدامه ماسك كوب قهوة، بس العيون؟ عليه بس. قال متعب أول واحد وهو يضحك ضحكة ما فيها احترام: بالله يا سلطان... جد؟! تترك بنات الناس اللي حوالينا... وتروح تاخذ لك بنت؟ ما نعرف أصلها من فصلها؟
تركي كان متكي على الكرسي، رفع حاجبه وقال ببرود: هو الظاهر حب التجديد... تزوج بنت، يمكن كانت تكلم غيره قبل، الله أعلم.
ضحك عبدالعزيز بصوت خفيف وقال: يا رجال، هو ما خذها حب، خذها عشان تحس فيه... تعاطف، مو زواج.
متعب دخل مرة ثانية، وهو يهز راسه بسخرية: شفت سدن مرة قدام الجامعة، قسم بالله فكّرتها موظفة بوفيه... أجل تصير زوجتك؟!
سلطان عض على شفته، بس ما قال شي. تركي قال بلهجة باردة: أقل منك بكل شي، لا نسب، لا مستوى، لا حتى طريقة تفكير. وش اللي شافه فيها؟!
قال عبدالعزيز: يمكن سهلت له الطريق... كلمة منه وكلمة منها، وسدن وافقت. وأنت عارف وش أقصد.
ضحك متعب وقال: بنات الناس تحترم نفسها، هذي؟ الله وأعلم كم شخص كانت تكلمه قبلك.
جلسوا شوي ساكتين، وضحكهم يموت تدريجيًا، بس عيونهم تراقب سلطان، اللي كان يحاول يضل ساكت. وليد وقتها رفع راسه بهدوء، وقال: خلاص، تزوج وانتهى الموضوع. اللي اختارها هو، مو أنتم. ومو كل زواج لازم يكون من نفس الطبقة. وبعدين لاتنسون انه سلطان غلط كمان مع البنت وهو مجبور يصلح غلطته!!
متعب لف عليه بسرعة: وليد، لا تصير طيب أكثر من اللازم... إحنا ما نغار منه، إحنا نستغرب. سلطان طول عمره متشرّط... وفجأة يركع لبنت مالها لا اسم ولا أهلها لهم اصل وبعدين ترا هو السبب انك قضيت اسبوع بالسجن لاتنسى!!
قال تركي وهو ينظر لسلطان مباشرة: تصدق؟ ما أخاف عليك منها... أخاف عليك من نفسك. لأنك عارف إنها أقل منك، وكل يوم بتقوم الصبح وتقول: "وش سويت بنفسي؟"
سلطان وقتها رفع عينه، وقال بصوت واطي لكنه واضح: يمكن ما أخترت بنت تشبهكم... بس اخترت وحدة ما كانت تهمها جيبي، ولا اسمي... وكانت تشوفني إنسان، مو لقب.
سكتوا لحظة. بس بعد كم ثانية، متعب قال: وأنت صدّقت؟
ضحك عبدالعزيز وقال: يمديها تفتح لك حساب باسمها وتبدأ تطلب.
ضحكوا من جديد، أما سلطان؟ سحب كوب قهوته، وشرب بدون ما يرد... لكن نظرته كانت واضحة: المعركة بدأت،،



بعد ساعتين
قاعة الاجتماعات الكبرى بالشركة كانت ممتلئة، والمكيف البارد يزيد ثقل الجو المشحون بالتوتر. الكل جالس على الطاولة الطويلة، أولاد العم والعمة، مدراء الأقسام، والمستشارين. كلهم ينتظرون دخول الشيخ راشد. رُبى كانت تجلس في الزاوية، لابسة رسمي، أنيقة كالعادة، لكنها هادئة... أو بالأصح، مطنّشة. جوالها قدامها، تراجع بعض الملاحظات القانونية، وما بين فترة وفترة تطالع الشاشة بضجر. هي كانت هنا كمحامية، يسمعون رأيها إذا سألوا فقط... وإلى الآن، ما أحد سأَلها شي. دخل الشيخ راشد بثقله المعتاد، ومعه ناصر، وعيونهم تتفقد الحضور. الجميع وقف احترامًا، ثم عادوا للجلوس بعد إشارة سريعة منه. قال راشد بنبرة جادة: عندنا صفقة ضخمة... من أكبر المشاريع اللي مرت علينا، لكن ما هي سهلة.
بدأ يشرح: صفقة مع تحالف استثماري أجنبي، فيها شروط معقدة، بنود قانونية دقيقة، وضغوط من الطرف الثاني. الجميع بدت ملامحه تتغير، بعضهم توتر، والبعض بدأ يكتب ملاحظات.
ناصر قال: الصفقة فيها مخاطرة، لكن أرباحها تقلب وضع الشركة. الطرف الثاني يبي تفاوض حاد، ومتابعة دقيقة، وممثل ذكي.
الكل بدأ يطالع بعض، وكل شخص بدا كأنه يتجهز يسمع اسمه... إلا رُبى، اللي للحظة كانت تطالع شاشة جوالها. صوت الشيخ راشد رجع بثقل وهدوء: المسؤولة عن الصفقة... رُبى بنت فهد.
رفعت رُبى راسها فجأة، وبدا الذهول واضح في عيون الكل... حتى هي نفسها، رفعت حاجبها بهدوء. قال عبدالعزيز بصوت شبه خافت وهو يطالع متعب: تمزحون؟
متعب تمتم: البنت محامية، وش دخلها بالصفقات الاستثمارية؟
تركي رفع حاجبه، لكنه ما علّق. قال راشد بصوته القاطع: ورُبى ما راح تكون وحدها... معها صقر.
تحركت عيون كثيرة في اللحظة نفسها، ما بين صدمة، وما بين رفض صامت. رُبى شدّت ظهرها، ونظرت لهم نظرة ثابتة، بدون أي انفعال. قالت بهدوء: طيب... أبي كل ملفات الصفقة، والملخصات القانونية اليوم.
ثم نظرت لصقر، اللي كان واقف بهدوء خلفها، وقالت ببرود: وخلّك جاهز... نبدأ من بكرا.
رد صقر بصوته الهادي: من عيوني.
ناصر كان يطالع الحضور، شاف امتعاض بعضهم، وقال بنبرة تحذير: القرار نهائي... واللي عنده اعتراض، يحتفظ فيه لنفسه.
الجو صمت. ورُبى؟ سحبت الملف قدامها، فتحت أول صفحة، وكأنها تقول للجميع: أنا هنا... وماراح أطلع!!

باب قاعة الاجتماعات انفتح، وبدأوا الشباب يطلعون واحد ورا الثاني.
متعب طالع قدامه بعصبية، ووجهه مشدود، عبدالعزيز يحرك أصابعه على الطاولة بحركة توتر، تركي ساكت بس عيونه فيها نار، وسلطان وجهه مقفل وما نطق ولا حرف. ووليد ساكت وحاط يدينه بجيبه بعدم اهتمام، قال متعب بصوت مبحوح، وهو يمر بجانب تركي: قسم بالله مهزلة... وش تبونها تسوي بالصفقة؟ تكتب لهم خطاب عتاب؟!
عبدالعزيز رد عليه: المشكلة مو فيها، المشكلة في الشيخ... كيف يعطيها شي بهالحجم؟ هي حتى ما عندها خبرة سوق، كلها قوانين وورق.
تركي بصوت منخفض لكنه لاذع: ومن معه؟ صقر. يعني فوق القهر قهرين.
سلطان قال ببرود: واضح إن اللعبة تغيّرت... بس ما راح نسكت.
كلهم وقفوا عند المصعد، متجمهرين، وكل واحد يغلي من جوّه. في اللحظة ذي، خرجت رُبى من القاعة، ماسكة الملف بيد، وواثقة الخطوة تمشي كأنها داخلة عرض أزياء. شافتها العيون الخمسه، كلهم لفوا بوجيهم، بس ما قدروا يخفون النظرات. وقفت عندهم لحظة، نظرت لهم بدون ابتسامة، وقالت بنبرة باردة مغرورة: الغريب إن الصفقة ما كانت محتاجة رجال... كانت محتاجة كفاءة. وبما إني الوحيدة اللي حضرتها اليوم... طبيعي أستلمها.
وبعدها مشت، ولا حتى التفتت. بس خلفها... التوتر انفجر. متعب رفع يده وقال: أقسم بالله لو ما نوقفها، ما تبقّى لنا وجه.
عبدالعزيز قال: ما راح تسكت، ولا توقف... وإذا مشت الصفقة ونجحت؟ خلاص... بتصير فوق الكل رسميًا.
تركي شد فكه وقال بصوت واطي: لازم نكسّر ثقتها قبل ما تكسرنا.
أما سلطان، فقد وقف ساكت... بس عيونه كانت تراقب ظهرها وهي تمشي بثقة، وهو بينه وبين نفسه يعرف... رُبى ما عاد تترك لهم شي، ووليد الي يناضر ل رُبى ب اعجاب،


الصالة الكبيرة في قصر العائلة كانت ممتلئة بأصواتهم.وجلسوا الشباب على الجنب، والبنات في الطرف الثاني، بس الموضوع كان واحد... رُبى والصفقة. ريم كانت أول من تكلمت بنبرة حادة: جد يعني؟! رُبى تمسك صفقة أكبر من مستوى الشركة؟ من متى وهي فاهمة شيء أصلاً؟!
رغد نفخت وقالت وهي ترمي الجوال على الطاولة: أحسها تمثّل بس... تبينها باردة وعاقلة، وهي ما تفهم إلا في المظاهر.
متعب قال بسخرية وهو يرشف من كوب القهوة: قسم بالله لو قالوا صقر يمسك الصفقة لحاله، كان أهون! بس رُبى؟!
تركي هز راسه وقال: واضح إنها مدعومة، مستحيل أحد يعطيها هالثقة بدون سبب... يمكن تعرف شي، يمكن فيها واسطة خفية.
شهد تكلمت بضحكة فيها سم: ذكيّة؟ لا والله! بس تعرف تتصرف... وتحب تسحب الأضواء دايم.
سارة قالت وهي تتأفف: من جدكم؟ يعني عمي وجدي قاعدين يتعاملون معها كأنها مديرة الشركة؟ الناس تتعب سنين عشان توصل لهالمكان... وهي بس طالعة من بيتهم ولقطت الصفقة!
وفي زاوية المجلس... جلس فهد، أبو رُبى، ساكت، ماسك فنجان قهوة، يطالعهم بنظرة ساكتة، لكن زوايا فمه فيها ابتسامة ما قدر يخفيها تمامًا.
حاول يشرب بهدوء وهو يقول: وهي وش عرفها بالاستثمار؟ حتى أنا أبوها ما شفتها تدخل جو بهالأشياء... كيف راشد يعطيها صفقة مثل ذي؟
الكل سكت شوي، يحاول يقرأ نبرة فهد... مستغرب؟ متفاجئ؟ لكن واضح إنه مبسوط. في هاللحظة... انفتح باب الصالة، ودخل الشيخ راشد بخطوته المعتادة، ثقيلة وواثقة. الكل وقف احترامًا، لكنه أشار لهم يجلسون. قال عبدالعزيز مباشرة: ياجدي... نبي نفهم، من جد عطيت رُبى الصفقة؟!
قالت ريم بصوت عالي شوي: يعني معقولة كل اللي في الشركة مو كفو، ورُبى هي اللي تمسك المشروع؟!
ضحك متعب وقال: لا وتخيلوا معها صقر... يعني اثنين، لا خبرة ولا مركز!
الشيخ راشد وقف وسطهم، نظراته تلف على الجميع، ثم قال بهدوء: اللي خذى الصفقة... ما خذّاها واسطة، ولا مجاملة. خذّاها لأنه جاهز، ويعرف يتعامل. ورُبى؟ أنا اختبرتها قبل، وجربتها، وعرفت إنها تفكر بعقل... وتتحمّل مسؤولية.
قال تركي بنبرة معترضة: بس إحنا أولى منها، إحنا اللي نعرف السوق من سنين.
رد راشد وهو يطالعهم وحدة وحدة: السوق ما يعرف عائلة... يعرف الشاطر. وإذا رُبى كفت، بتثبت نفسها... وإذا ما كفت، راح تسقط لحالها.
قالت سارة بتهكم: بس يا عمي، ترى البنت عنيدة، ولو صارت فوق، ما راح ترحم أحد.
راشد التفت لها وقال بنبرة ثابتة: إذا أحد خايف منها... يمكن لأنه يعرف إنها أقوى منه.
سكتوا. فهد وقتها حرك كوب القهوة بيده، وقال بصوت منخفض بدون محد يسمعه: أنا ما كنت أدري إنها وصلت لهالمرحلة... بس الحق يُقال... واضح إنها واثقة، وإذا قدرت تمشي الصفقة؟ أنا أول واحد أوقف معها.
رد راشد وهو يطالعهم من فوق لتحت: انتظروا وشوفوا... يمكن تعلمون منها بدل لا تتهامسون وراها.
وخرج من الصالة بهدوء. أما الباقين؟ جلسوا ساكتين، وكل واحد بدا يعيد حساباته... والأصوات اللي كانت تضحك قبل شوي... صارت الآن تتوجّس من اسم رُبى،

"يتبع"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...