كانت واقفة عند النافذة، نظرتها تاكل الأفق البعيد كأنها تفكر بحرب، مو بخطة. سكون المكتب ما انكسر إلا بصوت الباب يوم فتح، دخل صقر بملامحه المعتادة هدوء، حذر، ونظرات حادة تراقب كل زاوية قال بهدوء: طلبتيني، وش السالفة؟
استدارت له، بثقة وثبات: اجلس، في شي مهم
رفع حاجبه، لكنه ما ناقش، جلس قدام مكتبها وسند ظهره على الكرسي، كأنه يقول "أنا حاضر، بس لا تلعبي بالنار" سكتت لحظة، ثم رمت القنبلة بهدوء: أبيك تتزوجني
ضحك، ضحكة قصيرة ما فيها لا سخرية ولا تصديق، كأنها قالت نكتة سخيفة: انتي جنيتي؟
ردت بسرعة، بصوت بارد: لا، أنا أذكى من إني أجن... بس إنت الظاهر ما تعرف مين قاعد قدامه
وقف، ملامحه توترت: رُبى، لا تلعبي معي بهالطريقة أنا خادم عندكم مثل ماقلتي، مو لعبة بين يدينك
رفعت يدها بهدوء وضغطت زر صغير على ريموت على مكتبها. وبدأ صوت يشتغل من السماعات الصغيرة المنتشرة في المكتب... صوت راشد الجاسر واضح ومباشر: أهم شي يا صقر، لا تخلي أحد يدري إننا متفقين. خلك قريب منها، وخلها تثق فيك، بس لا تنسى هدفنا، نفهم؟
صوت صقر هادي لكن فيه نبرة حذر: فاهم... بس إذا اكتشفت شي؟
راشد بحدة: تسكت! ولا كأنك سمعت شي، وإلا ترى مصيرك مو بأيدك. انتهى التسجيل وقف صقر، عيونه تصرخ: "أنا انكشفت." قال بصوت متقطع من الصدمة: رُبى... هذا قديم، أنا—
قاطعت كلامه بضحكة صغيرة، ساخرة: قديييم؟ تراك كنت عندي قبل يومين تقول كلام حلو وكأنك ملاك نازل من السماء. تستهبل علي؟
شد على قبضة يده، وكأن الكلام طعنه: كنتي تدرين من البداية؟
مشيت حول المكتب، وقفت قدامه وجهًا لوجه، عيونها ثلج: كنت أدري بكل شي من أول أسبوع، بس كنت ساكته... أبي أشوف لين وين بتوصل. وصدقني وصلت بعيد... بس اليوم؟ انتهت لعبتك
قال بحدّة، بنبرة مكسورة: راشد هو اللي أمرني، ما كان بيدي—
صفعة، صفعة سريعة وقوية، قاطعت أعذاره قبل تكتمل رُبى بصوت منخفض لكن مليان قهر: لا تقول مو بيدك، كل شي اخترته بيدك... اخترت تلعب فيني، تراقبني، ترفع تقارير عني. وش كنت تفكر؟ بأني غبية؟
نظر فيها، وعيونه تلمع بشي ما هو واضح... يمكن ذل، يمكن خجل، ويمكن خوف قالت وهي ترجع خطوتين: الحين، بتسمع الكلام زي الطفل الصغير، يا صقر. وإلا التسجيل ذا بيوصل ل الصحافه قبل اهلك والمحكمه
قال بحده: وراشد؟ بيعرف إنك اكتشفتي!
ضحكت، ضحكة فيها احتقار: يعرف وهو بنفسه وافق، قال: "خلها تسوي اللي تبغى، المهم إنها تبقى تحت عيوننا." بس اللي ما حسبوا حسابه؟ إن قلبي خلاص مات من ناحيتكم كلكم
سكت، تحاول تحلل ردة فعله. كان ساكت... وجهه جامد، لكن قلبه مو هادي، واضح في نَفَسه اللي بدأ يتسارع قال بصوت غليظ: تبين أوقع على عقد زواج غصب؟
رُبى: أبيك تتزوجني، وتكون تبعي. كل دقيقة، كل خطوة، كل تصرف. أنا الحين أتحكم فيك، مثل ما كنتوا تبغون تتحكمون فيني
صمت مره طويلة، ثم بصوت متغير: يعني ما تبيني... تبغين تكسريني؟
رفعت حاجبها بابتسامة باهتة: لا يا صقر، أنت اللي انكسرت من زمان... بس الحين جاي دورك تتذوق نفس الشعور اللي جرعتني إياه ايام او بالاصح سنين!
قربت منه وقالت أخيرًا، بصوت منخفض مليان تحدي: أبيك تكون زوجي... قدام الناس، بس خلف الأبواب؟ تذكر كل لحظة كيف خنتني... ووش ممكن يصير لو فكرت تعيدها انا مو بنت الجاسر يا صقر انا بنت نوال!!
[قصر الجاسر – صالة العشاء – بعد المغرب]
الكل مجتمع حول السفرة الفخمة، أصوات الصحون تتصادم، الأحاديث خفيفة، الجو متوتر من أحداث الأيام الماضية، بس هدوء نسبي خيّم على الطاولة فهد جالس بكرسيّه المعتاد، عيونه شارده، ووجهه مشدود ناصر، سعود، بدر، متعب، عبدالعزيز، تركي، والبنات كلهم متفرقين حول الطاولة وفجأة... الباب الكبير يُفتح هدوء رُبـى تدخل راسها مرفوع، وجهها جامد، وعيونها فيها جرأة مو طبيعية لابسة عباية سوداء فخمة، بسيطة، أنيقة... وماسكه يد صقـر اللي ما قد شافوه بهالشكل أبدًا عيونه قوية، واقف جنبها وكأنه ظلّها صوت كعبها يضرب الأرضية الرخامية... وكل العيون عليها رُبـى وقفت قدامهم، وقالت بصوتها البارد، والواثق: مساء الخير جميعًا... بس حبيت أخبركم إنّي تزوجت
سكتت لحظة، ثم رفعت يدها اللي ماسكة يد صقر وقالت: هذا زوجي. صقر
اللحظة هذي... انفجـر كل شي: وش قلتي؟!!!
فهد قام من مكانه، الكرسي طاح وراه، وعيونه تطلق شرار: تزوجتي من هذا؟!!! من الحارس؟!!! قدامي؟!! في وجهي؟!!
ناصر وسعود طاحوا عليه يحاولون يمسكونه فهد يصارخ وهو يحاول يفلت نفسه: اذبحها! والله لاذبحها! تنجّس اسمنا بهالشكل؟!!
ناصر يصيح عليه: فهد!! تحكّم بنفسك! لا تخلّي الشيطان يضحك علينا!!
بس فهد يتخبط بقوة، يحاول يفلت من يدينهم، ووجهه كأنّه خارج عن وعيه وفجأة... تركي صرخ بصوته المبحوح، وقف من الكرسي باندفاع، ودموعه على طرف عيونه من القهر: انتي وش فيك!! كيف تسوينها؟!! ما فكرتي فينا؟!! في أبوي؟!!
ركض عليها، ورفع يده كأنه بيصفقها... لكن يد رُبـى تصدت له، مسكت معصمه بقوة ناظرته بحدة، وقالت بصوت عالي، حازم، هادي بنفس الوقت: تمد يدك؟!! انت وش تتخيل نفسك؟!!
أنت أصغر مني يا تركي! ما لك حق لا تصرخ ولا تلمسني!
انت تبي تعيش دور كبير العائلة؟ تراك باقي في بداية العشرين، لا تكبر نفسك وأنت للحين تتعلّم وش يعني رجولة!
تركي حاول يسحب يده بس يدها كانت قوية، وموقفها أقوى رُبـى كملت بنبرة تذبحه: تروح تصيح زي العيال، وتبي تتحكم فيني؟!
ما تقدر حتى توقف بدون ما تتكئ على صراخك، تبي تأدبني؟
ما صارت
فهد ما زال يصارخ، يحاول يفلت نفسه من يدين إخوانه، عيونه مجنونة: رُبـى!! اقربيني! بس خلوني أوصل لها!!
سعود يصيح: فهد والله لا تدمّر كل شي!! بنتك!! اهدأ!!
لكن فهد يدفعهم، يقاوم، ويوصل لمرحلة خلاص... قرب يفلت وفجأة... يدخل بدر بسرعة، صوته عالي، حازم: رُبـى! قومي! تعالي معي الحين قبل ما تنتهي بمصيبة!
رُبـى تطالع في أبوها، وتشوف بعيونه الكره الحقيقي، العمى، الجرح اللي كانت تنتظر لحظة مواجهته من زمان لكنها ما قالت ولا كلمه بس سحبت يدها من يد تركي، وراحت مع بدر بخطوات هادئة، وكأنها تقول لهم: أنا اللي قررت، وأنا اللي نفذت
صقر طالع فهد نظرة طويلة، ما قال ولا كلمة، بس عيونه تكفي بدر وهو يمشي قدامهم يهمس لرُبـى: هذي البداية يا بنت أخوي... ما عاد فيه رجعة
رُبـى بصوت هادي وابتسامة ساخرة: ولا كنت ناوية أرجع، يا عمي
الغرفة فيها توتر مكتوم.
بدر واقف قدام رُبـى، وجهه متشنج، صوته منخفض لكنه غاضب: رُبـى، اللي سويتيه غلط، مهما كانت ظروفك زواجك بدون رضا أبوك؟ قدام العايلة؟
ما يصير يا بنتي... ما يصير تخلين عنادك يذبحك
رُبـى رفعت عيونها له، ببرودها المعتاد، بس عيونها تحترق من الداخل: ما كان له حق يقرر لي، لا هو ولا غيره
الباب ينفتح فجأة تدخل لُجين لابسة عبايتها، شعرها مرتب، وجهها مشدود، بس عيونها فيها توتر واضح لُجين بصوت مبحوح، غاضب، وعيونها تدمع شوي: كيف تسوين بأبوك كذا؟
رُبـى، مهما كان، ما توصل لهالحد!
أنا ما وصلت لهالمستوى، ولا تزوجت واحد حارس عشان أهرب من واقعي!
رُبـى تميل برأسها، وتضحك بسخرية، نظرتها فيها احتقار ثقيل: صحيـح...
ما تزوجتي حارس...
انتي تزوجتي أبـوي
صوت الغرفة سكت تماماً بدر وقّف، شهقته واضحة، لكنه ما قال شي رُبـى قامت من مكانها، مشت كم خطوة، نظرتها لُجين تمزّقها: أنا تزوجت رجل عرف قيمتي... وانتي تزوجتي ابوي
أنا خنت اسم الجاسر؟ وانتي خنتيني أنا كنتِ تعرفين كل شي، وسكتي.
كنتي تعرفين ألمي، وسكتي وبالأخير... صرتِ زوجة اللي دمّرني؟
لُجين تتراجع بخطوة، عيونها تغرق بالدموع، تحاول ترد، بس الكلمات تخونها رُبـى تكمل، والحنق بصوتها: لا تجين تهاوشيني على قراراتي، وإنتي ما قدرتي حتى تدافعين عن نفسك أنا اخترت رجل يمسك يدي، مو رجل يمد يده ورجاً لاتجين تتهاوشين وانتي حتى مو مطبقه كامل كلامك استاذه لُجين!!
صقر كان واقف بالزاوية، ساكت، بس عيونه تراقب بدر يهز راسه، يتمتم وهو طالع من الغرفة: يا رُبـى... وجعك صار أكبر من اللي نقدر نداويه
الباب يتقفل
[خارج جناح رُبى – في ردهة القصر – بعد المواجهة]
الصالة فـ القصر تغلي توتر، فهد الجاسر واقف، صوته يطلع ونبرته ناوية حريق: وش هالبنت؟! تتزوج من وراي؟! بالحارس بعد؟!
تخرب سمعتي وسمعة عايلتي؟!
أنا اللي ربيتها؟!
راشد الجاسر جالس على الكرسي الفخم، ساكت، يراقب فهد بهدوء، ملامحه جامدة، بس عيونه تقول أشياء كثيرة ما نطقت فيها شفايفه بدر يفتح باب الجناح ويطلع، وجهه مكدّر، صوته مبحوح من القهر: ما عاد يفيد الكلام، يا فهد اللي صار صار... وكل شي انكسر
فهد يلتفت له، يصارخ: شلون ما يفيد؟! أنا أبوها! أنا اللي يقرر عنها! أنا اللي...
بدر يرفـع يده يوقفه، ونبرته صارت أقسى: إنت السبب يا فهد...
إنت اللي دفعتها لهالطريق بيدك، مو غصب عنها
فهد يسكت، عيونه تتحرك يمين ويسار كأنه يدوّر حجة، لكن قبل ما يرد... باب الجناح يفتح بقوة، وتطلع لُجين وجهها مليان دموع، عيونها حمراء، وجسمها يرجف تمشي بسرعة، بس أول ما تقرب من فهد، يوقفها بصوته: لُجين؟ وش فيك؟ وش قالت لك؟
لُجين توقف، تلتفت له، وعيونها تغلي: وش بقى ما قلته يا فهد؟!
مو كفاية اللي سويته فيها؟
مو كفاية دموعها، وانكسارها، وكل وجعها اللي سكتت عنه؟!
فهد مصدوم: وش تقصدين؟
لُجين تصرخ وهي تنفجر: قصدي إنك دمرتني أكثر مما انا مدمرة!
قصدي إنك خلتني أكره نفسي، لأني صدّقتك... لأني تزوجتك!
كل اللي حولهم يسكت، راشد يرفع عينه شوي، لكن يظل ساكت لُجين تصيح بصوت مرتجف: الله لا يسامحك...
الله لا يسامحك على اللي سويته فيها، ولا فيني ضيّعتنا يا فهد... ضيّعت كل شي
وتدفعه بيدها على صدره، ثم تستدير تمشي، ودموعها تنزل بغزارة فهد يوقف مصدوم، ما يتحرك بدر يناظر فهد بنظرة قاسية، ثم يبعد راشد يتنهد ببطء، يرفع عصاه ويوقف، وهو يتمتم: كل شي له ثمن... وانت يا فهد دفعت ثمن قسوتك
[داخل جناح رُبى – الجو ثقيل، بس رُبى جالسة على الكنب، حاطة رجل على رجل، وتشرب عصير كأن شي ما صار]
صقر واقف على جنب، ساكت، بس واضح إنه متوتر من اللي صار بالعشا وفجأة... الباب ينفتح بقوة راشد الجاسر يدخل، عصاه تضرب بالأرض مع كل خطوة، وصوته هادر: وش السالفة؟
وش هاللي سويتيه يا رُبـى؟!
رُبـى تلتفت له ببرود، وترفع حاجبها، وترد بنبرة طفشانة: أهلاً جدي راشد... تبغى تشرب شي؟
ولا داخل تعصب وتطلع زي الباقين؟
صقر عض على شفته السفلى، وهو يطالع الأرض، يمسك ضحكته بصعوبة: تتزوجين من ورا عايلتك؟ وتعلنينها بهالشكل؟ قدام الكل؟ قدام أبوك؟!
رُبـى تسند ظهرها على الكنب، وترفع كوب العصير بهدوء، وتقول وهي تتأفف: يعني ترا كله زواج، مو جريمة حرب!
وش فيكم كلكم تتصرفون كني فجّرت القصر؟!
راشد يشهق، كأنه انصدم من الجرأة، ويلوح بعصاه: زواج؟! بالحارس؟!
وتقولين مو جريمة؟!
هذي مصيبة!
وش بقول للناس؟ وش بقول لربعنا؟!
رُبـى تقلب عيونها، وترد بكسل: قولهم مبروك، وتمشي السالفة... ولا تقدر تطبع كروت تهنئة وتوزعها بالديوانية
راشد ينفجر: يا بنت! تحسبينه لعب؟! أنا راشد الجاسر!
رُبـى تضحك ضحكة خفيفة ساخرة وتقول: عارفة، اسمك فوق باب القصر، لا توصي حريص
صقر يغطي فمه بكفه ويستدير شوي عشان ما يضحك بصوت راشد يناظر صقر بحدة: وانت! وش واقف زي الجدار؟
وش سحرت فيها؟! عطيتها شي؟
رُبـى بسرعة تقاطع: إيه، سحرني بكبرياه، برجولته، وبهدوءه اللي يضرب هدوءك في الصميم حبيته صراحه
راشد يحك راسه، يحس إنه بيطق من القهر، يصرخ وهو يستدير يطلع: هذي مو بنت فهد... هذي طامة!
رُبـى تهمس وهي تشرب العصير: لا والله... هذي النسخة المطورة من نوال وفهد
الباب يتقفل براشد وهو يضربه بعصاه، وصوت رجليه يروح بعيد رُبـى تلتفت لصقر، ترف له حاجبها: وش؟ ما قلت لك بيصير فيلم؟
صقر يضحك وهو يهز راسه: انتي مصيبة تمشي على رجلين
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!