وضحاء تسولف وهي تتصنّع اللطافة: أبد يا طويل العمر، الحريم كلهم يسألون عن شيلتي الأخيرة... يقولون ما قد شافوا مثلها
مها ترد وهي تحرك يدها بطناخة: وأنا ما شاء الله، جتني عشر طلبات تصميم بعد حفل زواج بنت أختي. ترى ذوقي له وزنه
نجلاء تبتسم بهدوء وتحاول تغيّر الموضوع: والله أهم شي لمّتنا الحلوة، الله يديمها
منيرة تضحك بصوت خافت وتناظر رُبـى: إيه، لمّة حلوة، بس بعض الناس ما يحبون الاجتماعات... يفضلون يعيشون لوحدهم، صح؟
رُبـى، بدون ما تلتفت، ترشف قهوتها وترد ببرود: أفضل من اللي ما ينذكرون إلا بفضايح جروبات المدرسة
ضحكة خفيفة تطلع من وليد، وسلطان يكتم ضحكته سعود يتنحنح يحاول يوقف المهزلة: خلاص يا بنات، احنا في مجلس
بدر يتدخل بنبرة ضايق خلق: يا ليت نرجع للموضوع اللي اجتمعنا عشانه، ما هو مجلس سوالف حريم!
راشد يرفع يده: اسكتوا، بس. لا يكثر هرجكم. فيه شي أهم من سوالفكم
وفجأة... الباب يُفتح ويدخل صقـر كل العيون تلتفت له، يمشي بخطوات ثابتة، يوقف قدام الشيخ راشد صقـر: سلام عليكم، طال عمرك
راشد: حي الله صقر، هات اللي عندك
صقـر يفتح ملف بيده ويقرأ: وصَلتنا اليوم دعوة رسميّة من جهة تنظيم حفلات الشركات الوطنية الكبرى. فيه حفل تكريم بكرا العصر في قاعة المملكة، ومطلوب حضور (مجموعة الجاسر القابضة) ضمن المشاركين
الرجال يبدأون يتبادلون نظرات بينهم ناصر: حفل تكريم؟ ليه محد علّمنا؟
صقـر: الدعوة مباشرة من الجهة المنظمة. اختاروا العوائل التجارية اللي صار عندها نمو واضح بالسنة الأخيرة. ومن ضمنهم، أنتم
بدر متفاجئ: وش نلبس؟ رسمي؟ ولا شماغ أبيض؟
متعب يتنحنح: هذي فرصتنا نرجّع اسم الجاسر فوق
عبدالعزيز يقول بنبرة مصطنعة: بس يعني... من يمثلنا رسميًا؟
صقـر يقفل الملف: اللي يحضر، يمثل. الحضور مفتوح لكل أفراد العائلة. لكن التغطية إعلامية، فالمظهر مطلوب يكون مشرف
وضحاء تهمس لمنيرة: شفتي عاد؟ ما قالوا اسم بنتك ولا بنتهم... الحمدلله! الجاسر ما ينذكر فيه إلا الوجيه المعروفة
رُبـى تبتسم ببرود، ترفع حاجبها وتناظر وضحاء وتقول: معروفة؟ منتي اللي قبل أسبوع ناسيه كم ولد عندك؟
ضحكة عالية تطلع من رغد بدون ما تنتبه، ثم تغطي فمها بسرعة راشد يضرب عصاه بالأرض بخفّة: الكل يجهز نفسه، اللي يتأخر عن الموعد ما له قيمة عندي. انتهى
صقـر يطلع من الغرفة، وباقي العيلة جالسة مذهولة... رُبـى تقوم بهدوء، تطالع الكل بنظرة مختصرة، تقول: أنا رايحة أجهز نفسي... عشان لا تقولون عني ما شرفت اسم العيلة، حتى لو ما انذكر اسمي
وتطلع... تاركة وراها نظرات حاقدة، متوترة، وبعضها مذهولة،
[بعد المغرب، قصر الجاسر، غرفة رُبى]
رُبـى تمسك كوب قهوتها وتطالع من النافذة، ملامحها هادئة، لكن نبرتها مليانة تحدّي: بكرا بينصدمون، عيونهم بتتوسع، ووجيهم بتتلون، وبيضحكون مجاملة وهم من داخلهم يغلون
لُجين تضحك: بس لحظة... مو كنتي تقولين إنهم بيطردونك قبل الحفلة؟
رُبـى ترجع بخطواتها للخلف، ترمي نفسها على الكرسي وترد بسخرية: حضرة الأب... بيجلس يسأل أميرته الصغيرة: وش مزعل حبيبة بابا؟ وبعدها بيطلع لي بهدوء ويقولي (برا)... كالعادة
لُجين تتنهد بصوت واضح: مستحيل يطردك بهالوقت... انتي بنت العائلة، اسمك ثقيل
رُبـى تضحك، بس ضحكتها مو ضحكة سعادة، فيها غصّة ممزوجة بسخرية: يعني بيفرق؟ مو هو أول مرة طردني وأنا طفله؟ تتوقعين بيوقف عشان كبرت؟ لا يا لُجين... بالعكس، الحين صار عنده سبب أكبر، بنت عنيدة رافضه تنكسر له
قبل ما تكمل، يعلو فجأة صوت صراخ من خارج الغرفة، عالي، خشن، حاد: رُبــــــى!!
رُبـى تطالع الباب وتبتسم بسخرية، تغمض عيونها لحظة، ثم تفتحها وتهمس: جا الوحش... ما تأخر هالمره
تلف تلفونها وتقفله، وتقوم بهدوء، تصلح عبايتها، وتفتح الباب، فهد بصوت عالي: برا من هالبيت! انتي ما عاد لك مكان بينّا!
تركي، سعود، وناصر يوقفون بسرعة: هدي، فهد... لا تتهور! وش اللي صاير؟
فهد يصرخ: قلت تطلع! ما عاد أتحمل وقاحتك ولا وقاحة لسانك!
رُبـى تقترب، تناظره بدون خوف، بعين ثابتة، ملامحها باردة، لكن فمها فيه ابتسامة صغيرة ما تنفهم: الليل يحب يعيد الذكريات... ما تعبت تطردني بنفس التوقيت كل مرة؟
ناصر يحاول يهدي الوضع: فهد! هذا مو حل! اللي بينكم نقدر نحلّه بكلمة!
فهد يرفع صوته أكثر: انتهينا! تطلع من البيت الليلة!
راشد يتحرك أخيرًا، بعصاه، ناظر لفهد نظرة عميقة، ما تكلم، بس وجوده كفاية يخلي الكل يسكت لحظة رُبـى تلف وجهها لفهد، بصوت هادي لكن قاسي: سمّني مثل ما تبي... بس لا تنسى، إن طردك لي... دايم كان بداية لشي أعظم
تلف وتدخل غرفتها... بهدوء... والجو مشحون، والكل ساكت،
عند بوابة القصر – السماء تمطر، الأرض مبتلة، والرعد بعيد. رُبـى واقفة تحت المطر، تمسك شنطتها بيد وحدة، ملامحها ثابتة، نظراتها قدامها، تمشي بخطى واثقة نحو البوابة صوت خطوات عصا خشب على البلاط، وبعدين صوت هادي لكن قوي يوقفها راشد الجاسر، بصوته العميق: ماتعبتي؟
رُبـى توقف، ما تلتفت له، لكنه يكمل: ماتعبتي من العناد؟ من المشاكل؟ من الصراخ والبوابات اللي تطلعين منها كل مرة؟
تلتفت له ببطء، عيونها تحت المطر تلمع، مو بدموع، بل بالحدة اللي فيه، وترد بابتسامة باردة، ما فيها حنية ولا ندم: وأنت؟ ماتعبت من تفرّجك؟ من سكوتك؟ من إنك تشوف وتعرف وتسكت؟
يتنهد راشد، يتقدم منها خطوة، المطر ينزل على ثوبه، لكن عيونه ما تفارقها: أنا شفت كثير يا رُبـى... ويمكن هذا اللي خلاني أسكت. بس مو دايم السكوت حكمة
ترفع حاجبها، تبتسم بخفة ساخرة، وتقول: ولا العناد دايم جريمة
يسكت، يناظرها، كأنه يحاول يلقى فيها شي نسى شكله... يمكن بقايا البنت الصغيرة اللي عرفها: قلتي إن الطرد بداية لشي أعظم... تبين تبدين من جديد وانتي تنزلين بنفس الطريق؟ تحت نفس المطر؟
رُبـى تناظر السماء، ترفع شنطتها كأنها تتحدى الثقل، وتقول بهدوء: المطر دايم يذكرني إني ما كنت ضعيفة، بس كنت لحالي
تصمت، وبصوت أوطى، لكنها واثقة: وانا لحالي... قدرت أوقف. ودايم بوقف
تلتفت تمشي، لكن صوته يوقفها للمرة الأخيرة: إذا مشيتي الحين... ما فيه رجعة
تتوقف لحظة، بدون ما تلتفت، وترد بصوت هادي: أنا ما عمري مشيت عشان أرجع
ثم تكمل طريقها، وصوت المطر يغطي المكان، وراشد واقف مكانه، يناظر ظهرها وهي تبتعد... قلبه يعصره الحنين، لكنها ما تعطّت له لحظة ضعف،
جناح هادئ في فندق راقٍ – الإضاءة دافئة، والصوت الوحيد هو همسات المطر الخفيف على الزجاج. رُبـى طالعة من الشاور، لابسة روب ناعم، شعرها مبلول، جالسة على الطاولة الصغيرة، تعشّي نفسها من طبق بسيط، والآيباد قدامها مفتوح على مكالمة فيديو مع لجين لُجين، وهي تضحك: يعني خلاص؟ جدّك بنفسه وقف قدامك؟! رُبـى بالله عليك وش كنتي تحسين؟
رُبـى تضحك، بصوت عالي شوي، وعيناها تلمع كأنها استرجعت المشهد بطرافتها: كنت أحس إني بطلة في مسلسل تركي... بس بدون البكاء والموسيقى
لُجين تضحك أكثر: المهم، بكرا تكفين أبي أشوف وجيههم، لا تفشليني
رُبـى، وهي تغمز: وعد، بتشوفين عرض العمر
تنتهي المكالمة، وتغلق الآيباد فجأة، تختفي الضحكة وجه رُبـى يرجع لبروده... عيونها تتحرك ببطء كأنها تفكر بشي أعمق. تسند ظهرها على الكرسي، تتنهد بعمق، ترفع راسها للسقف، تهمس بصوت مكسور، لكن ما فيه دموع، فقط إنهاك داخلي: تعبت يا ماما... تعبت
تسكت الصمت يعم الغرفة، والمطر برا مستمر، كأنه الوحيد اللي يسمع،
اليوم الثاني، قاعة فخمة، حفلة تكريم ضخمة – ديكور ذهبي وأضواء ناعمة، طاولات فاخرة مزينة بأزهار بيضاء وكريستال، الضيوف من كبار رجال الأعمال، سيدات المجتمع، وممثلين عن الشركات الكبرى عائلة الجاسر بكبرها حاضرة، مجبرين بوجودهم الرسمي كمجموعة تجارية بارزة، لكن وجيههم مشدودة، ماحد مرتاح. وضحاء تهمس لنجلاء، ومها تراقب المكان وهي تحاول تلقى شيء تعيب عليه شهد تتلفت بملل وهي تشرب عصيرها، ثم فجأة تتجمد نظراتها... الباب يفتح، وتدخل رُبـى الأنظار تتجه لها بكامل أناقتها، لابسة فستان أسود أنيق جدًا وعبايه سوداء انيقه، قصّة بسيطة لكن فخمة، تمشي بثقة وكأنها مالكة المكان، خطواتها موزونة، ووجهها بارد، لا تبتسم، لا تتوتر سارة تهمس بصوت منخفض وهي متفاجئة: هذي... جايه؟
شهد تضحك، ترفع حاجبها وتهمس بقرف: ما عندها كرامة، بابا طردها البارح، واليوم جايه تندس وسطنا كأن شي ما صار
ريم، اللي جالسة بجنبها، ما ترد، بس عيونها على رُبـى، تراقب، فيها انبهار دفين مو قادرة تنكره رُبـى تمشي ما تسلّم على أحد، تناظر الطاولات، تلاقي طاولة فاضية بأحد الزوايا، تجلس بكل هدوء، تطلب من المضيفة ماي، وتحط رجل على رجل وكأنها صاحبة المكان العيلة كلها في حيرة، البعض مستفَز، البعض مذهول... والكل ينتظر يفهم ليه هي هنا أصلاً تبدأ فقرات التكريم. الأسماء تنقال، التصفيق يملى القاعة وفجأة، يطلع مسؤول على المسرح، يمسك المايك بابتسامة: والحين، ننتقل لأكثر لحظة منتظرة... أفضل شركة أزياء سعودية شابة، قدرت خلال ثلاث سنوات تحقّق انتشار محلي وخليجي، وتحط بصمتها في السوق بثقة وقوة... الشركة اللي حازت على ثقة العملاء والنقّاد، واللي تميزت بعلامتها الجريئة والمختلفة... الشركة الفائزة هي: شركة R Couture مؤسسة ومديرة الشركة... الأستاذة رُبـى فهد الجاسر!
لحظة صمت العيلة كلها تناظر بعض فهد يرفع راسه بصدمة، فمه مفتوح، ما ينطق منيرة تعض شفتها، وعيونها تمتلئ بالغضب المكبوت سعود يناظر راشد، اللي عيونه ما تتحرك عن المسرح مها تهمس وهي مصدومة: هي اللي وراها؟ مستحيل...
رُبـى توقف، تتجه نحو المنصة، تمشي بخطى هادية وسط الصدمة، صوت كعبها يشق القاعة، وثوبها يتحرك معها بأناقة مدروسة تستلم الجائزة، تمسك المايك، وتناظر الحضور بنظرات باردة ومرتبة رُبـى، بصوت ثابت: شكراً للتكريم... وشكراً للي ما صدّق فيني... لأنهم السبب إنّي وصلت هنا
توقف لحظة، تناظر فهد من بعيد بدون أي تعبير، ثم تكمل: مافي شي اسمه مستحيل إذا قررت توقف وتبني نفسك بنفسك... وتكتم، وتسكت، وتتعلم... وتردّ بس وقت ما يكون الرد فعل مو بكلام
تصفيق قوي، والبعض من الحضور يوقف احترامًا لها رُبـى تنزل من المنصة، تمر من قدّام طاولتهم بكل هدوء، عيونها ما تطيح، ما تلتفت، ولا حتى تنظر لهم شهد تناظرها بذهول وتهمس وهي مش مصدقة: كيف؟ من متى؟
ريم تهمس بصوت منخفض: كانت تشتغل بصمت... واحنا نضحك
فهد، ساكت... بس وجهه مصفر. مو من الخوف... من الحقيقة اللي ما قدر يخفيها أكثر راشد الجاسر، يناظر رُبـى وهي ترجع لطاولتها وتجلس بثقة، ثم يبتسم لنفسه، ابتسامة رضا ما بان له مثلها من سنين،
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!