انتهت الحفله والعائلة كلها بدأت تطلع من القاعة، كل واحد لاهي بنفسه... البعض مو قادر يهضم اللي صار، والبعض الآخر ساكت من الصدمة رُبـى تطلع من القاعة بخطوات هادية، بيدها الجائزة، ووجهها ما زال بنفس البرود اللي دخلت فيه. شعرها مربوط، وخطواتها ماشيه بثقة كأنها ما أنهزّت من شيء وقفت عند الرصيف، تنتظر سواقها متعب اللي كان يراقبها طول الحفلة بنظرات مختلفة عن البقية، يترك أهله ويلحقها، يناديها بصوت واضح قدام الكل: رُبـى... أوديك إذا تبين
الكل يلف عليه، عيونه على رُبـى، وكأنّه يحاول يكسر الجدار اللي حاطّته حولها رُبـى تلتفت له ببطء، تناظر عيونه مباشرة، بنظرة ما فيها أي امتنان أو تردد... بس باردة وبنبرة ناعمة... مستفزة... مليانة ثقة وبسخرية ما حاولت تخبيها، ردّت: لا، شكراً... سواقي موجود
متعب يبتلع ريقه، ويحاول يخفي الإحراج اللي بلحظتها لفّ المكان تركي يشهق من القهر، شهد تضحك ضحكة خفيفة بغيظ، وريم تغمز لبنت خالتها، والكل ساكت رُبـى ما انتبهت لأحد، ولا عطت أي ردة فعل... مشت بهدوء، وركبت سيارتها الفخمة اللي توقفت قدامها، وسواقها نزل يفتح لها الباب ركبت، سكرت الباب، والسيارة مشت وسط عيونهم... وهي ما التفتت حتى،
رُبـى جالسة بالمقعد الخلفي، لابسة فستانها الأسود الأنيق، ماسكة الجائزة بيدها، ووجهها هادي لكن عيونها فيها لمعة نصر حاد ترفع جوالها، وتتصل. صوت الرنين يقطع الصمت... يرد الطرف الثاني بصوت عملي: هلا أستاذة رُبـى
قالت بهدوء وبصوت واطي لكن مليان نبرة الأمر: أبيك ترسلين نسخة من تقرير أرباحنا للربع الأخير... للرقم اللي أعطيته لك قبل أسبوع
توقف لحظة... بعدين تكمل: وخصوصًا الجدول اللي فيه توقيع المصممة العالمية، خليه أول صفحة... وخلي الإيميل بعنوان: من ذوقي
المديرة ترد باحتراف: تمام، دقيقة وأنفذ
رُبـى قفلت الخط، وضحكت ضحكة قصيرة جداً، وكأنها تستمتع بإرسال سمها ببرود رُبـى بعد ما قفلت الاتصال مع مديرة أعمالها، تطالع الجائزة اللي بيدها... تمرر أصابعها عليها، ثم تهمس بصوت خافت كأنها تخاطب أحد مو موجود: شفتي يا نوال؟ اسمك رجع... بس من دون فضايح، من دون دم، من دون تشويه
ترفع جوالها، تفتح معرض الصور، تطالع صورة قديمة لأمها... نوال، بكامل أناقتها وهي تمسك دفتر تصميمات قديم، ووراه عنوان صغير مكتوب بخط يدوي: N.Designs. تبتسم رُبـى ابتسامة فيها مرارة وانتصار، وتهمس: ما قدرتي تحلمين، فحلمت أنا عنك
ترسل صورة الغلاف القديم لتقرير الشركة مع توقيع المصممة العالمية... بس تضيف فوقه بخط رفيع جداً اسم "نوال الجاسر – المؤسسة الحقيقية"
[بيت الجاسر – غرفة منيرة]
منيرة كانت جالسة، تطالع التقرير اللي أرسلته رُبـى... لكن في أسفل الصفحة، تشوف الاسم: "نوال الجاسر – المؤسسة الحقيقية." هنا وجه منيرة ينقلب تماماً، دمها يغلي، قلبها يدق بقوة، تصير أصابعها ترجف، وتصرخ على موضي: بنت... بنت هذي! الحين تبي ترجع اسم أمها بيننا؟ بعد اللي صار؟ بعد الفضيحة؟ بعد ما ماتت واندفنت وهي—
تقطع نفسها، تصمت لحظة كأنها تذكرت شيء ثقيل... وبعدين تقول بصوت واطي لكن مليان سمّ: ذي ما كانت حركة بيزنس... ذي رسالة لي أنا. ذي تقول لي إن اسم نوال ما مات
موضي ضغطت ع يدها بغضب: يعني تقصدين... إنها قصدها تربط شركتها بأمها؟
منيرة بحدة: تقصد تخليني أتذكر إني أنا اللي دفنت سمعتها... وأنا اللي وقفت ضدها... والحين بنتها تخليني أشوف اسمها وهو فوقنا كلنا!
ناضرتها موضي بغضب، تلتفت تخرج من الغرفه تتوجه ل رُبى!!،
[بيت رُبـى – صالة الطابق العلوي]
الكاميرات تشتغل، الطاولة مرتبة بنظام، وكل شي منظم بشكل يبين إن رُبـى تدير المكان بدقة. رُبـى جالسة تقلب في ملف على الآيباد، عيونها مركزة وملامحها مرتاحة... الباب يُفتح فجأة بقوة!
موضي تدخل بنبرة نارية، وجهها منفجر غضب: انتي وش تحسبين نفسك؟! ترسلين لمنيرة تقرير؟! وش تبين توصلين له؟!
رُبـى ما ترفع عيونها، تقلب الصفحة بهدوء: ما أرسلت شيء إلا الحقيقة... ويمكن أول مره أحد يقولها لها بوجهها
موضي تصرخ وهي تقترب بخطوات سريعة: أرسلتِ لها شهادة وفاة نوال؟! وتقرير التشريح؟! واوراق الشركه الغبيه؟؟ انتي وش تبين توصلين؟ تذبحينها من القهر؟!
رُبـى تقفل الآيباد، تقوم بهدوء وتواجهها بعين باردة ونبرة واضحة: لا يا عمتو... أبغاها تعيش. تعيش وهي تتذكر إنها ساهمت بموّت إنسانة كانت بريئة. تبينها ترتاح؟ آسفة، هالنعمة بس للي يستحقها
موضي بصراخ وانفعال وهي ترفع يدها: انتي مريضة! وقحة! والله العظيم لو جدك يدري—
رُبـى تقاطعها بنبرة ناعمة لكن تخلّي الواحد يرجف: جدي يدري. وساكت. لأن اللي بيني وبينهم قديم، أقدم من سكوتكم، وأقسى من تمثيلكم
موضي تمد يدها وتدف مزهرية على الأرض، تتكسر. عيونها تطالع رُبـى بكره واضح: أقسم بالله انك ناوية تحرقين القصر علينا!
رُبـى تبتسم، تلتفت على المراية وتصلّح شعرها بنعومة: وشو؟ القصر؟ إذا احترق، يبقى رماد نضافته أهون من وجيهكم وانتو تتسترون على كل شي وسخ
موضي تصرخ: تتكلمين عن منيرة كذا؟ أمك كانت—
رُبـى بصوت عالي وحاد لأول مرة: أمي أنظف من الكل! ولا عاد تجيبين اسمها بلسانك، لأنك ما وصلتي لمستوى ظلها!
موضي انفجرت، كسرت مزهرية، قلبت طاولة جانبية، الغضب طاير من عيونها، أنفاسها متقطعة رُبى واقفة بثبات، تتفرج على الفوضى بهدوء أشبه بالبرود المميت، ثم تبتسم ابتسامة صغيرة باستهزاء، وترفع حاجبها وهي تقول: عادي... كسّري، خذي راحتك. من الأساس؟ أقدر أشتري مثله عشر مرات... ومن أي فلوس؟ من شركة مامي نوال
تتقدم بخطوة وحدة بس، صوتها ناعم بس يقطع مثل السكين: الفلوس اللي كنتوا تتمنون ما ترجع لي... رجعت، وبقوة. يعني عادي أكمل هالمسرحية كل يوم، وكل مرة بخسارة من رصيدي، بس على الأقل أكون استمتعت بشوفتكم وأنتم تنحرقون
موضي تصرخ: قليلة أدب!
رُبى تضحك ضحكة قصيرة وهي تلتفت للكاميرا وتشير لها تطفي: لا، الأدب انولد يوم ماتت أمي. من بعدها؟ ما عاد احتجته
موضي تلهث من الغضب، ورُبـى جلست بهدوء وكأنها تشرب شاي مغربي
فجأة يُفتح الباب بقوة ويدخل الشيخ راشد، صوته يرعد: وش هذا؟ وش السالفة؟!
موضي بصوت مبحوح وهي ترفع يدها: يبه... ماعاد أتحمل وقاحتها—
رُبـى ترفع يدها وتقاطعهما بهدوء مميت: لحظة... أنا بطلب صغير قبل نكمل الدراما المعتادة
الجد يطالعها بجمود: وش تبين؟
رُبـى تبتسم، نبرة صوتها جداً عادية كأنها تتكلم عن طلب مطعم: بما إن بنتك الحنونة قررت تكسر المزهرية الإيطالية، والطاولة الكلاسيك، وسجادة يدوي من طراز تركي أصلي... أتمنى تحوّل لي تعويض الضرر، أو تبلغ سكرتيرتك يحوّلها لحسابي، ترى عندي الفاتورة
موضي تصرخ: انتي مجنونة؟!
رُبـى تلتفت لها، بكل برود: ما أعتقد، بس لو أكسر لك كوب شاي، باحسبه عليك، عشان نكون عادلين
الجد يتنهد، يضغط على صدره، ثم يرد عليها وهو يحاول يكتم ضحكته: حسبي الله على ذكاءك، انتي تحسين بكل شي بزنس؟
رُبـى تبتسم: مو ذنبي إن بيتكم صار فاترينة محلات وأنا الوحيدة اللي أعرف أحسب
الجد يهز رأسه، يتلفت للخراب، ثم يقول وهو يطلع: أرسلي الفاتورة... بس لا تتوقعين أحد يجي يصلّح!
رُبـى ترفع صوتها شوي وهي وراه: ما يحتاج... عندي خصم موظفين من شركة مامي نوال
موضي على وشك تصرخ... تنفجر من مكانها، لكن الباب يتسكر قبل تلحق تقول شي!!
[في اليوم التالي – بيت رُبـى – الساعة قرابة الظهر]
رُبـى جالسة على الأريكة، لابسة بيجامة حرير، حاطة رجل على رجل، تمسك لابتوب وتشيك على تصاميم الشغل الخادمة تدخل تعطيها ظرف ذهبي ثقيل مغلف بطريقة فخمة الخادمة: آنسة رُبى، وصلك هالشي من بيت الجاسر... قالوا مهم جدًا
رُبـى ترفع حاجبها، تاخذ الظرف وتطالع الختم المكتوب عليه: بكل فخر واعتزاز... تدعوكم عائلة الجاسر لحضور حفل زفاف ابنهم (سلطان بن راشد الجاسر) وابنتهم (سدن بنت ال....) المقام يوم الجمعة في قاعة المها، الساعة التاسعة مساءً...
رُبـى ترفع رأسها ببطء، تناظر الفراغ، ثم تضحك فجأة: يعني من جدهم؟
تقوم وتروح لصالة الجلوس، تفتح الجوال وتتصل على لُجين. رُبـى بصوت ساخر: يا بعد عمري يا لُجين، تتخيلين مين بيدعوني لحفل زواج القرن؟
لُجين: لا تقولين إنهم أخيرًا عرفوا قيمتك؟
رُبـى: قيمة؟ لا يا حبيبتي، عرفوا قيمة الكوشة اللي بتصير فاضية إذا ما حضرت أنا. سلطان وسدن بيرتبطون...
لُجين منصعقة: وش؟ سلطان؟ وسدن؟ متى قرروا؟ اكيد انتي اجبرتيهم
رُبـى تضحك ضحكة خفيفة: يس، بس واضح من العجلة إنهم مو قرروا... واضح إنهم اندفعوا
تمسك الظرف بيدها، تتفحصه كأنها تطالع شي تافه: بس حبيت كيف كتبوا اسمي بخط ذهبي... كأنهم يطلبونني أحضر بالغصب!
لُجين: بتروحين؟
رُبـى وهي تناظر لنفسها بالمراية وتبتسم: بجي... مو لأني معزومة، بس لأني أعرف إنهم ما كانوا يتمنون أشوف هاليوم
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!