الفصل 45 | من 49 فصل

رواية أنا بنت الغايب، بس ما ني غايبة الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم غير معروف

المشاهدات
23
كلمة
2,173
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

ركبت رُبى سيارتها، ووجهها هادي لكن عيونها ما تكذب... كانت مليانة وجع. ساقت وهي ساكته، شوارع لندن تمرّ قدامها مثل شريط أبيض وأسود، ما كانت تدري وين تروح، بس رجليها قادتها للبحر... كأن قلبها يبغى يفضفض للموج وقفت قدام البحر، فتحت الباب ونزلت، وبدأت تمشي الهواء كان يصفق وجهها بقوّة، والموج عالي، يتخبّط بالصخور كأنه يصرخ معها. وقفت عند الحد الفاصل بين الرمل والماء، والموج بدأ يبلل أطراف فستانها كانت ساكته... بس عقلها يعجّ بأصوات كثيرة كل شي صار... كل قلب انكسر... كل شخص خان، وكل مرة حاولت تقوم من جديد وانكبت، كل نظرة خذلان، وكل لحظة وجع الهواء كان يصارخ، والموج يعكس هدوء قاتل... ورُبى واقفة، دموعها تنزل بدون صوت، وهي تتقدّم خطوة، ورا خطوة... والماء يبتلع رجليها شوي شوي فجأة، وقفت سيارة بسرعة وراها، وصوت باب ينفتح بقوة صوت مألوف: رُبــــى!!!
كانت لُجين... وجهها مصفّر، وخوفها واضح بعيونها. شافت رُبى تمشي داخل البحر، وملامحها ما فيها أي مقاومة: رُبـى تكفـين لا! لا تروحين!
ركضت لُجين بكل ما فيها، تنادي، تصارخ، بس رُبى كأنها ما تسمع شي، كأنها هناك... في عالم ثاني لُجين وصلت، مسكت يدها بقوة من وراها، ولفّت ذراعيها حول خصرها، حضنتها من ورا، وصوتها ينكسر: رُبـى لااا... تكفــين لا تخليني!!
بدت تنهار لُجين، دموعها تطاير على رقبة رُبى، وصوتها مبحوح: وش سويت لك الدنيا؟ وش سوينا لك حنا؟ ليش تبغين تروحين كذا؟ أنا محتاجتك، والله العظيم محتاجتك بحياتي... أنا ما عندي أحد غيرك، انتي الوحيدة اللي وقفت معي وانكسرنا سوا وقمنا سوا، لا تخليني لحالي، رُبى!!
ورُبى ساكته... عيونها دامعة، وجسمها يتنفس من صدرها وكأنها تقاتل الهواء لُجين تمسك وجهها، وتلفها، وتحط جبينها على جبينها وتبكي: أكره كل شي خلاك توصلين لهنا... أكرههم واحد واحد... بس انتي لا تكرهين نفسك، لا تعاقبين نفسك، تكفين... تعبت، تعبت وأنا أشوفك تنكسرين قدامي، وواقفه عاجزة، أبي أوقف معك، بس لا تروحين، لا تروحين وتخليني أعيش بذنب ما أقدر أتحمّله!!
ورُبى أخيرًا... تنزل دموعها بصمت، ما نطقت ولا حرف، بس دموعها كانت كافية تقول كل شي حضنت لُجين بقوة، بدون ولا حرف... بس كانت حضنه ثقيلة، حضن وحدة قررت توقف، بس مكسورة البحر كان يصارخ... بس في حضن لُجين، رُبى حسّت بشي بسيط... شي يشبه الدفا وكل اللي قدرت تهمس فيه وهي تبكي: أنا تعبت...
بس لُجين قالتها بكل يقين: بس انتي ما انتهيتي، رُبى... انتي باقي، وبنقوم من جديد. سوا

















اليوم الثاني - لندن، جناح الشباب
كان صقر جالس على طرف الكنبة بجناحهم بالفندق، كوعه على ركبته وكفه ماسك جبينه، ساكت وضيقة صدره واضحة دخل خالد وهو ماسك جواله، وملامحه كأنها مخبية شي: صقر... في وحده لازم أقابلها، وهي الي بتوصلنا ل رُبى!
صقر بدون ما يلتفت: من؟!
خالد: لُجين، صديقة رُبى
صقر رفع راسه على طول، عيونه توسعت، وقال بصوت ثقيل: لُجين؟... لا تحاول، مستحيل تساعدك. هالبنت من الأساس تكرهني، وتكرهني زياده الحين، خصوصًا بعد اللي صار بيني وبين رُبى
خالد يتنهد: أنا أدري، بس ما لي غيرها... هي أقرب وحده لرُبى، وإذا فيه أحد ممكن يعرف مكانها أو وش تفكر فيه، فـ هي
صقر بحدّة: قلت لك لا تحاول! لُجين مو شخص سهل تتفاهم معه، وخصوصًا فيني... كانت دايم مع رُبى ضدي، وصدقني ما راح تقول شي، لا لك ولا لغيرك
خالد بهدوء: أنا ما راح أروح أتحايل عليها، بروح أكلمها رجال لرجال، وبحاول أفهم منها بس وش ناوية تسوي رُبى، ولا أنا مو طايح تحت رجول أحد
صقر ينهض من مكانه: أنا ما أقول إنك طايح، بس أقول إنك راح تضيع وقتك. البنت ذي من النوع اللي يشيل ببالها، وشف وجهها آخر مره، واضح إنها تشوفني شي مقرف
خالد يوقف مقابله: طيب، وإذا كانت شايفتك كذا؟ هذا أنت، مو أنا. أنا علاقتي فيها محترمه، وسبق وتكلمنا قبل بمواضيع كثيره، يمكن تقتنع مني... يمكن بس تفتح لي باب أفهم فيه شوي من اللي صاير برأس رُبى
صقر يسكت شوي، بعدين يقول بصوت منخفض: بس لا ترفع أملي على الفاضي، لا تقول لي إنك بتجيب لي خبر يفرحني وبعدين...
خالد يقاطعه: ما بوعدك بشي، بس بوعدك إني بحاول، وصدقني... لو لقيت طرف خيط بس، بتمسك فيه معي؟
صقر ناظر للأرض وهمس:زأتمسك فيه بروحي يا خالد... لو طرف خيط، لو نسمة تمر من عندها... بمشي وراها
خالد يربت على كتفه: خلاص، خلها علي. اليوم العصر عندي موعد معها... إذا طلعت منها بأي شي، بتكون أول من يدري
وصقر اكتفى بهزة راس، وعيونه راجعه تناظر الأرض... كأن كل ثقته معلقة بمحادثة خالد الجاية،،
















في صالة الفيلا، كانت رُبى جالسة على الأرض قدّام طاولة منخفضة، مفروشة عليها أقمشة فاخرة ودفتر رسوماتها، وإبرة خياطة صغيرة ماسكتها بيدها دخلت لُجين وهي لابسة جاكيت طويل، شالت شنطتها ورمتها على الكنب وجلست بتنهيدة طويلة: جيتك، والله جيت عشانك، مو عشان شي ثاني...
رُبى ما رفعت راسها، كانت تركّز على قطعة قماش وتقص فيها، ردّت بهدوء: أدري إنك جيتي عشاني، بس وش اللي خلاك تطلعين فجأة من السعودية؟
لُجين تتنهد: قبل المصيبة اللي طاحت ع راس العيلة ذيك، كنت حاجزة...
رُبى ترفع حاجبها: مصيبة؟ وش المصيبة؟
لُجين بتردد: ما تابعتي الأخبار؟ نوره... بنت موضي، توفت
رُبى سكتت لحظة، بعدين رفعت عيونها بنظرة جامدة: نوره؟ الله يرحمها بس كيف؟ ما كانت مريضة
لُجين تهز كتفها: قالوا موته طبيعية... بس ما أدري، البنت ما كان فيها شي
رُبى ترد وهي تكمّل شغلها: ممم... الله يرحمها. بس انتي، كيف جيتي وانتي المفروض تكونين بالحزن؟
لُجين بصوت هادي: أنا من قبل تموت نوره كنت حاجزة، قلت لهم عندي شغل مهم ما يقدر يتأجل... ولما توفت، توقعت يقولون لي ارجعي، بس محد قال شي، كأنهم اعذروني من نفسهم
رُبى تهز راسها: واضح إنك ما كنتي تبين تبقين معهم
لُجين بصراحة: أبدًا، ما كان ودي. حسيت إن المكان يخنق، وبصراحة مشتاقه لك
رُبى بابتسامة بسيطة: حلو... عاد الحين بما إنك جيتي، شوفي لي هالألوان إذا تناسب فستان الشتوية
لُجين تبتسم: حاضر يا المصمّمة العالمية
سكتوا شوي، إلا ولُجين قالت بنبرة خفيفة: رُبى... على طاري جيّتي، خالد... خالك، كلّمني. يقول إنه بيقابلني، أتوقع عشانك
رُبى تضحك باستخفاف وهي تكمّل شغلها: لا تتوقعين، تأكدي... أكيد جاي يتكلم عني
لُجين تشد ظهرها: اطمني، بخليه يندم، بيقول ليتني ما قابلتها
رُبى تبتسم بثقة: كنت متأكدة... عارفة إنك قدّها
لُجين تغمز: أنا مو قدّها... أنا فوقها
ضحكت رُبى، وضحكت لُجين معاها، والجو صار أخف، وهدوء خفيف خيم على الغرفة... بس الكل عارف إن القادم فيه مواجهات أكبر، وأقسى،















في بيت الجاسر – يوم العزاء
البيت هادي بشكل يخوف، كل شي ثقيل، حتى التنفس. الستاير مسدله، وكل الزوايا فيها ناس ساكتين أو يدعون لطيفة كانت جالسة على الأرض، ظهرها للكنب، عبايتها مغطيه وجهها، ودموعها تنزل بصمت. ما تكلم أحد، بس كانت تحضن شال نوره اللي تركته يومها الأخير فوق السرير قربت منها هند بنت خالها، وحطت يدها على كتفها: الله يصبر قلبك يا لطيفة... الله يرحمها
لطيفة بكسر صوت: حتى وهي ميته... أمي ما كانت معها... تخيلي، ماتت وما لقت أمها تدعي لها قبل لا تطلع روحها...
وانفجرت ببكاء موجع، وكل من حولها بدأ يبكي معها. الحزن مو بس على نوره، على وضع العايلة، على اللي راحوا واللي غايبين،
في مجلس الرجال
راشد الجاسر جالس في الزاوية، ما يتكلم. عيونه تسبح في لا شيء. من وقت ما عرف بخبر وفاة نوره، ما نطق إلا بكلمتين: انا لله وانا اليه راجعون
بدر، واقف عند الباب يسلم على الناس، وكل شوي يطالع راشد بخوف، كأنه يخاف عليه يطيح من هول الفقد دخل ناصر الراشد، بهدوء، وسحب كرسياً جلس قدامه: أعرف الألم كبير يا يبه... بس لا تنهار، حنا محتاجينك، لطيفة محتاجتك، حتى لو موضي بالسجن، العايلة لازم تكمل
راشد بصوت مبحوح: يا ناصر... نوره راحت، والبنت أمها ما تدري، وانا... ما عاد فيني أتحمل شيء ثاني
عند المطبخ الداخلي
سارة تحاول تجهز القهوة للمعزين، يدينها ترتجف، وعيونها حمر من البكى. مرّت عليها هند، وساعدتها: ارتحي شوي، لا تطيحين أنتي بعد
سارة تبكي: كنت أحبها
شهقت تحط يدها ع وجها تجلس ع الارض: ماعاد قادره اتحمل
الليل قرب، المجلس بدأ يفضى، بس الحزن لا راح ولا خف. لطيفة للحين جالسة مكانها، عيونها على باب البيت... كأنها تنتظر أمها تطلع من السجن وتدخل تشيل بنتها وتبكيها راشد ما تحرك، وصوت الآذان من مسجد الحي كان كل اللي يسمعونه نوره راحت، وموضي مو موجوده، والعيلة بحزن الغياب والفقد!،،















بلندن – أحد الكافيهات الراقية
المكان رايق، الإنارة ناعمة، والموسيقى الكلاسيكية تشتغل بهدوء خالد جالس على الطاولة، متكئ بظهره، يلبس جاكيت غامق، عيونه تدور بالمكان لين لمحت لُجين داخله بخطوات سريعة ووجهها مشدود قربت وجلست قدامه بدون ما تسلم، حطت شنطتها على الكرسي الجانبي وقالت ببرود: كنت بتقول شي؟
خالد ببرود وضيق: انتي تلعبين على رُبى، عارف إنك ناويه تخليها تقابل صقر... وصدقيني، حنا ما راح نخليكم تمشون كذا... راح نقفل عليهم الغرفه سوا... نخليهم يتكلمون، يتصالحون
لُجين بجفاف: ارفض. وقول لصديقك المريض، رُبى لو تموت ما راح تكون له. انتهى الموضوع
خالد يتكلم وهو يتلفت حوالينه بهدواء: لحظه، لحظه، يا بزر... تراني محترمك عشانك تعرفين رُبى... بس انتي مجرد وحده غبيه معها، وانتي مجبورره تنفذين، وتجيببنها... وطبعًا، بعطيك كم قرش مثل ما هي تسوي معك
لُجين تجمدت للحظه، وبعدين بهدواء شالت كوب المويه من الطاوله وكبّته على وجهه بدون تردد وهي توقف وتصرخ: جد إنك زبالة... يا زبالة
استدارت بتروح، لكن خالد بسرعة مد يده ومسكها من ذراعها بعصبيه، وجهه تحمرّ وعيونه تلتهب: حركتك هذي؟ مع الأيام بترجع لك، وغصب عنك بتسوين اللي قلت لك عليه بتجيبين رُبى... وبتنفذين كل شي، ولا والله بتندمين ندم ما عمرك ذقتيه
لُجين تبعد يده بعنف وتصفقه كف قوي: والله لتندم! كل كلمه قلتها مردوده عليك بالنهاية؟ انت مثلهم... زباله، وهمّك الفلوس واللعب، يا حقير
لفت ظهرها ومشت بخطوات سريعه وعصبيه، شعرها يتحرك مع كل خطوه، يدينها ترجف من القهر خالد جلس مكانه، يمسح المويه من وجهه وهو يتنفس بغل، صمت للحظه... وبعدين نطق: طيب... انتي اللي اخترتي الطريق الصعب، يا لُجين!!

"يتبع"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...