الفصل 35 | من 49 فصل

رواية أنا بنت الغايب، بس ما ني غايبة الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم غير معروف

المشاهدات
23
كلمة
3,410
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

الأرض مليانة دم، موضي منهارة على صدر فهد، تصرخ بكل قهر: فهد لاااااا، تكفى لا تروح، فهد قوم، أنا آسفة، سامحني... فهـــد!!
وفهد؟ كان يناضر رُبى بالم، الكل واقف، مصدوم، ساكت، العيون ما تتحرك، والأنفاس متقطعة، ما حد عارف وش يقول رُبى واقفة، ما تحركت، ما بكت، بس تناظر فهد وهو ممدد على الأرض، ونظراتها مو جامدة، لا... كانت ناضجة بالحزن، بس باردة، كأنها عرفت من زمان إن النهاية كذا ناصر يصرخ وهو يتصل: جيبوا سيارة إسعاف الحين! نزيفه قوي! لاحد يلمسه!
بدر يتوجه لـ رُبى بخطوات متوترة: وش سويتي؟! وش سويتي يا رُبى؟!
لكنها تقاطعه بهدوء، وهي ترفع جوالها قدامه وترسل رسالة صوتية: صقر، سلّم كل الأدلة اللي معك، للشرطة. اللي تخص منيرة وموضي... كلها، لا تخلي شي
ترفع راسها وتكمل، بصوت واضح يسمعه كل الموجودين: خلص وقت السكوت. كلكم عشتوا على ظهر منيره ودموعها، وتمنيتوا تموت بس عشان تنسون إنكم كنتم ظالمين بس الحين... جت لحظة الحساب. إذا فهد ضحّى بنفسه عشان يكفر عن خطاياه، فأنتم وش تسوون؟
يجي صوت الإسعاف بره القصر، ويدخلون رجال الإسعاف بسرعة يحملون فهد على النقالة، وموضي تصرخ وتبكي وتحاول تمسك يده، لكنهم يبعدونها تسند نفسها على الجدار، تنهار دلال تبكي من الصدمة، سلطان يشيل راسه ويمشي للخارج مو قادر يشوفه نورة تمسك ريم اللي بدأت تبكي، والجميع مثل المجسمات، مشلولين من الخوف والمفاجأة ناصر يلتفت لـ رُبى بصوت متوتر: وش ناوية تسوين؟
رُبى ترمش ببطء، تقول: أكمل اللي بدأته منيره... وأحمي حقي، وحق امي، وحق أي أحد ظُلم وصدقني... لسه باقي وجع كثير، بس هالمرة مو أنا اللي بشيله لحالي
تلتفت وتخرج من الغرفة.. بينما سيارة الإسعاف تصدر صفيرها وتغادر محيط القصر، تحمل معاها فهد، بين الحياة والموت،




البيت ساكت، ثقيل، كل رجال العائلة طلعوا للمستشفى، النساء متفرقات، بعضهم يبكي، بعضهم ساكت، لكن أكثر وحدة كانت تدور زي التايهة... منيرة منيرة تهمس وتردد لنفسها وهي تمشي بالممر: لا، لا... ما يصير كذا... أكيد بيقوم، أكيد ما صار شي...
موضي كانت قاعدة على طرف الكنب بصالة النساء، عيونها مورمة، مافيها نقطة تماسك، تحط يدها على وجهها وتبكي بصوت واطي، كأنها تبي تدفن نفسها فجأة... يرن جرس البوابة، وصوت الحارس ينادي من خلف الباب: فيه شرطة عند الباب الرئيسي!
الصوت صار زي صدمة كهربائية داخل القصر اللي جالسة، وقفت اللي تبكي، سكتت اللي ما تدري، تحركت البنات تجمعوا، وجيههم فيها خوف، وهمسات تملأ المكان: شرطة؟ ليش؟ يمكن علشان فهد؟ بس وش يبغون بالقصر؟ صح عمي بدر قالهم انه قتل نفسه؟
منيرة تلتفت على موضي، عيونها تتوسع من الرعب: وش فيه؟ انتي قلتي لي إنك ما خليتي دليل!!
موضي بصوت مخنوق: أنا... أنا ما أدري كيف رُبى عرفت!
الباب يُفتح... وأصوات أحذية رجال الأمن تدخل مع خطواتهم الثابتة يتقدم ضابط، في يده ورقة، وبجانبه رجال بزي رسمي، وكل العيون عليهم الضابط يوقف بالصالة، بصوت حازم: منيرة بنت المحسن؟ وموضي بنت راشد الجاسر؟
موضي تقوم ببطء، منيرة ترجع خطوة منيرة، بصوت مبحوح: أنا... وش السالفة؟
الضابط يمد الورقة: معنا أمر قبض بحقكم بتهم التزوير، التحريض على الإيذاء، التآمر لإخفاء أدلة، وتشويه سمعة بالباطل
منيرة تنهار وتصرخ بصوت عالي، تبكي وهي تطيح على ركبتها: لاااااااااااا، تكفى، تكفى لا... أنا أم، أنا ما سويت شي، صدقوني!
موضي تغطي وجهها وتبكي بحرقة: أنا ما كنت أقصد... أنا ما كنت أدري بتوصل كذا...
الضابط يلتفت لرجاله: قيّدوهم
واحد من العسكر يطلع الأصفاد، يقرّب من موضي، وهي ترتجف، تمد يدها وهي تقول: فهد... فهد لا تخليه يسوي كذا، ترى هو طيب، بيرجع يسامحني... صح؟ صح؟
منيرة تلتفت حولها، تناظر بنات العيلة، وكل وحدة واقفة مكانها، تناظرهم بدون رحمة لطيفة تضم اختها نوره ببكى وهي تناضر ل امها، عهود تهز راسها بصدمة، هند تدمع، بس ماحد يقول شي الضابط يقترب، يمسك منيرة وهي تحاول تبعده: لااااااااااااا تكفى بدر! بدر ولدك! قل لهم شي! سعود؟ ناصر؟ تركتوني كلكم؟
لكن مافي أحد، الكل بالمستشفى... ولا أحد بيوقف المرة هذي وهم يسحبونهم برا الصالة، صرخة موضي تسمعها الجدران: فهد سامحني!! تكفى لا تخليهم يا فهد... فهـــــــــد!!
الباب ينقفل... والصالة ترجع هدوءها الثقيل، بس هالمرة... بدون وجوههم،،




المستشفى – قدام غرفة العمليات
الجو داخل المستشفى ثقيل، والساعة تمر كأنها تمشي فوق دم، الكل جالس، بس ماحد مرتاح، نظرات مترقبة، أنفاس محبوسة، وكل الأمل متعلق بالباب الأبيض اللي وراه فهد يصارع بدر واقف عند زاوية، يرد على اتصال جواله اللي يرن بلحاح يطل في الشاشة، اسم أخته "دلال" يظهر... يرد بصوت منخفض: هلا دلال...
صوت دلال يوصله واضح، فيه نبرة توتر وصوت بنات الحريم اللي معها بالخلف: يا بدر... الشرطه جت القصر، وقبضوا على منيره وموضي قدامنا! وربّي كلنا كنّا واقفين، انصدمنا... حتى موضي كانت تصرخ وتترجى، بس محد نفعها، قالوا عندهم أوامر رسميه!
بدر سكت، عيونه تجمدت، ووجهه ما تغير... بس شفته نزلت شوي، وكأن الكلمة ثقيلة على صدره قال بصوت مخنوق: تمّ... خلاص، وصلت
قفل الجوال، وما قال شي... الكل يطالع فيه، ينتظر يعرفون الخبر ناصر سأل بصوت هادي: وش قالوا؟
بدر رفع راسه وقال بهدوء: الشرطة قبضت على منيرة وموضي... قبل شوي
بدر يومّن براسه، ثم جلس، يمد يده على وجهه... كأنه يتنفس أول مرة وهنا طلع صوت الشيخ راشد، الجالس بهدوء، من أول ما وصل، عيونه على الأرض، ما نطق ولا كلمة، لكنه الحين نطق... بصوت كبير، خشن، يهز القلب: أنا ما يهمّني الحين إلا ولدي... فهد
الكل التفت له، راشد رفع عيونه ببطء وقال: موضي... أختك... تستاهل اللي جاها لكن فهد؟ فهد ما كان يعرف كل البلا من الغل... الغل أعمى موضي، وخلاها تخون أخوها
التفت بعدها على ناصر وقال: وأنا اللي كنت أقول إن البيت ما ينكسر... طلع اللي يكسرنا منّا وفينا
ناصر ما رد، عيونه مغرغره، وبدر كان ساكت، بس وجهه تغير، كأن عمره زاد سنين بلحظة،








رُبى جالسة عالأرض، جنب الجدار، رجولها مثنيه، راسها مائل شوي وهي تسند على الجدار الأبيض عينها ما فيها دمعة، بس فيها شي مكسور، مهبط، مثل اللي تعبت من كل شي وما بقت فيها حتى قوّة للخذلان صقر واقف قدامها، عيونه فيها قهر، وصوته فيه عتاب ثقيل: ليه يا رُبى؟! ليه سويتِ كذا؟ ليه حملتِ نفسك الدم، ليه ما قلتي لي؟ ليه ما تركتِ القانون ياخذ حقك؟
وش هالوجع اللي لازم تعيشينه وحدك؟
ما ردت، بس نظراتها كانت بعيدة، كأنها تشوف شي ثاني، شي مو بالحاضر... صقر يركع قدامها، يصير على مستواها، صوته ينخفض شوي، حنون رغم الغضب: أنا معك، من أول، من يوم عرفت وش صاير... بس أنا بشر، تأذيت، تألمت... وكنت أتمنى أكون ظهرك، مو إنك تحرقين نفسك بهالطريقة
هنا... رُبى أخذت نفس طويل، وبدت تتكلم بصوت مكسور، نبرة صوتها تهز، مو من البكاء، من ثقل الكلام اللي ما عمره نقال: تعرف وش المشكلة؟
إنك ما كنت هناك لما كنت أسمع صياح أمي كل ليله... كنت أنام على صوت الألم، أصحى على دمعها... كنت أشوفها تحاول تمشي قدامي وكأنها مو مكسورة، بس أنا كنت أشوف الكسر
صوتها يرتعش شوي، وعيونها بدأت تحمرّ، لكنها تماسكت: كان يشك فيها... بكل شي يشوفها تضحك، يقول أكيد تضحك على شي تخبيه تتأخر خمس دقايق، يثور كأنها خائنة
صقر يناظرها، وكل كلمة تنكسر داخله، يسكت، ما يقاطعها رُبى تكمل، وهي تنزل راسها: وعرفت وش الكارثة؟ لما امي حملت فيني قالها هاذي مو بنتي .... هاذي بنت حرام، وانتي خنتيني، الاب اول ماتنولد بنته يحملها يلعبها بس انا؟
لا انا اول مانولدت قال هاذي مو بنتي
دمعه نزلت ع خدها، دمعة مضلومه: كبرت وصار يعقدني!
تعرف وش كان يقولي؟
غمضت عيونها بغصه: كان يقولي اني مااستحق احب! لاني مو بنته وانا كنت طفله، صدقته وسالت امي
تنهدت تنزل راسها: امي بكت وحضنتني! للحين اتذكر بكاها وهي تقول هو يمزح معك، يمزح معك يابنتي يمزح
رفعت عيونها لصقر، وهي تهمس: هو ماهو بس قتل أمي يا صقر... هو قتلني أنا بعد، قتل الطفلة اللي كنتها، وقتل كل فكرة حلوة عن الأمان وأنا؟ العيلة كلها كانت تدري... وساكتين قالوا 'عيب'، قالوا 'أمك تستاهل'، قالوا 'غلطتها'... وأنا الصغيرة اللي ما لها ذنب، صرت الشبح اللي لازم ينبلع بصمته
صوتها ينكسر أكثر وهي تضرب صدرها بخفة: كل هذا... أنا شلته لحالي ما كنت أبي أنت تحبني، ولا أحد... ما كنت أبي أحد يشوف داخلي، لأن داخلي خراب يا صقر... خراب ما ينزرع فيه حب!
صقر، لأول مرة، يمد يده ويمسك يدها، بس مو بقوّة، بهدوء... وكأنه يقول: 'أنا هنا.' بس رُبى تسحب يدها، وتحطها على وجهها، تنزل دمعة ثقيلة تهمس بصوت مختنق: أنا تعبت... تعبت وأنا أقاوم، وأنا أضحك وأمثل القوة... أنا ما كنت قوية... أنا كنت أتهرب
صقر يتمتم: بس أنتِ فعلاً قوية... رغم كل شي، أنت واقفة
تلفت عليه، بنظرة موجوعة: أنا واقفة... بس قلبي ما هو بحي
سكتت رُبى بعد كل شيء، كأنها قالت عمر كامل بلحظة صوتها انكسر، بس قلبها بدا يخف... لأن أخيرًا، خرجت اللي ما قالته من سنين وصقر؟ جلس مكانه، عيونه ما فارقتها، ما قال ولا كلمة، بس صدره يرتفع وينزل من كثر الثقل اللي حَس فيه بهدوء، لف يده حولها، وسحبها صوبه ما قاومت ما تهربت بس انحنت على كتفه، كأنها طفلة تبي أمان، أو كأنها تعبِت من كل شي وتبغى بس تهدأ شوي يد صقر التفت على ظهرها، والثانية تمسك كفها البارد ما تكلم، ما طلب منها تقوم، بس حضنها بصمت حضن يداوي الجرح اللي ماله دواء عينيه كانت مغمضة، وجبهته تلامس راسها، يحس بأنفاسها بدت تهدى، وصوتها يخف... إلين صار صوت نومها يتسلل بين صمته نامت نوم هادي، مكسور، بس مليان ارتياح بعد تعب وصقر ما زال ماسكها، كأنه خايف يفلتها وتطيح من جديد بعد لحظات، بهدوء شديد، فك حضنه، وحملها بين يدينه، كانت خفيفة كأنها وجع خفيف، وملامحها نايمة، كأنها لأول مرة تنام بأمان مشى بها بخطوات هادية، وفتح باب الغرفة قربها للسرير، ونزلها برفق، كأنها شي غالي ما يتحمل كسر جديد عدل عليها البطانية، وغطّى جسدها، ولف الخصل اللي على جبينها بحنية وقف شوي، يناظرها عينه على عيونها المسكرة، وعلى ملامحها الهادية لأول مرة.
بداخله كان يهمس: كم من مرة نمتِ وانتي تبكين؟ وكم مرة صحيتي وأنتي مكسورة؟ بس اليوم... أنا هنا
طلع من الغرفة، وترك النور خافت، بس في الزاوية... كان في نور أمل، خفيف، لكنه موجود،





مستشفى الملك فيصل – ممر العمليات
الباب يفتح، الدكتور واقف، وجهه ثقيل، وصوته كأنّه قنبلة فجّرت الصمت الدكتور: قدر الله وماشاء فعل الشيخ فهد... توفى
ثانية وحدة، بس... كانت كافية عشان تتغير نظرات كل العيون تركي وقف كأنه فقد توازنه، عيونه مفتوحة، يرجف، يناظر الدكتور، ثم الباب... ثم طاح على ركبته، وصار ينادي: يبه؟... وينك؟... قوم، أبيك بس تناظرني، بس شوي... لا تخليني... ييييببببهههه!!
عبدالعزيز ركض له، مسكه من كتفه، حاول يسنده... لكن تركي لف عليه، وصاح من قهر عمره: ابوي راح ياعبدالعزيز... ابوي راح!! أبوي مات!!
وانهار... بكل المعنى. مو بس دموع، لا... صوت بكاء طالع من قلبه، من سنين كان فيها عناد، كبر، كره... كلها تحوّلت بكسر قلب عبدالعزيز وقف مصدوم، ما عرف وش يسوي، ما مد يده ولا قال شي، بس وقف يتفرج عليه، وعيونه تغرغر بدر واقف، عيونه معلّقة بتركي، وصدره يطلع وينزل، كأنه يمنع نفسه من البكاء ناصر ساكت، يشد على كفه بقبضته، وكل شوي يناظر الباب ويهمس لنفسه: مات؟ خلاص؟
راشد، الشيخ، الجبل اللي ما تهزّه ريح... طاح طاح على ركبته، وصوته انفلت: فهد!!
صوت يخرّق المكان، كأنّه شي عالق بحلقه من سنين، أخيرًا طلع... وبكى... بكاء الأب اللي فقد جزء من روحه تركي يرجف، ودموعه ما توقف، وهو يكرر نفس الكلمة: أبوي مات... أبوي مات...
ما أحد قدر يقوله شيء... لأنه ما في شي ينقال ولا أحد وسّى أحد... لأن كلهم كانوا مكسورين وليد جلس على الأرض، ودفن وجهه بيدينه، حتى سلطان، اللي دايم يحاول يكون ثابت، لف وجهه للزاوية ومسح دموعه بصمت الهواء صار ثقيل، والمكان كأنه طاح فوق صدورهم... اللي صار ما هو موت رجل وبس.. اللي صار موت حكاية، موت فرصة ما راح تتكرر، وموت وجع تأخروا يفهمونه، راشد الجاسر سكت وسكوته ثمن دمار عيلته امامه!!







اليوم الثاني - فيلا رُبى
الهوا ثقيل، والصمت بالمكان مثل جدار خرساني رُبى واقفة عند الشباك، لابسة عبايتها، شعرها مرفوع، ونظراتها معلّقة في اللا شيء ملامحها جامدة... برودها هذا، مو برود طبيعي، لا... هذي وحدة قررت تنفصل عن مشاعرها عشان توقف يد الباب تنفتح، وصوت صقر يدخل بهدوء: رُبى...
ما ردّت ما التفتت. كأنها ما سمعته لكنه قرب منها، وقف وراها، ناظر ظهرها، ثم قال بصوت منخفض: تم الإعلان... الكل عرف إن فهد الجاسر توفى جتنا اتصالات، الصحف بدأت تنشر، والناس يتكلمون... بس للحين محد يدري وش صار فعليًا
رُبى بهدوء قاتل، بدون ما تلتفت له، قالت: اتصل على الشرطة... وقلهم أنا اللي قتلته
صقر تجمّد بمكانه. شهقته انكتمت بحلقه، ثم قال بصوت ارتفع فيه الغضب وهو يمشي خطوتين ووقف قدامها: تقولينها كأنك تقرين نشرة أخبار؟!!
رُبى... أنتِ تدرين وش قاعده تقولين؟
ناظرت فيه، عيونها جامدة... فيها وجع مو طبيعي، بس صوتها ثابت: أنا قتلت فهد. أبي يعاقبوني، مثل أي أحد قتل شخص
صقر انقهر، وجهه احمر، وناظرها بنظرة تصرخ تعب: أنتِ ما قتلتيه!! إي نعم طعنته، بس بعد سنين من كسر قلبك، من ضرب أمك، من الشك اللي ذبحك سنين... أنتِ طعنته بقهر، بحقد، بخذلان... مو بجريمه متعمده!
رُبى رفعت حواجبها، وضحكت بسخرية: بتبرر لي بعد؟ الحين بتسوي محامي الدفاع؟
صقر انفجر: لا تستهينين بحبي لك بهالطريقة!! أنا اللي كنت أوقف ورا ظهرك، وشفتك كيف تنهارين وتقومين، وشفت أمك تموت قدامك، وشفتك تتربين بين ناس يكرهونك، وشفت عيونك تطالعني وأنتِ تحترقين بصمت...
بس كنت ساكت... لأنك قوية بس الحين... خلاص، أنا مو ساكت
قرب منها أكثر، صوته صار عالي، حاد، وجارح شوي، لكنه مرتبك من الحب: أنتِ تبغين تسلمين نفسك عشان ترتاحين؟ طيب وأنا؟! أنا وش أسوي بدونك؟ أنا اللي ماحبيت أحد بحياتي، جت رُبى الجاسر، حطمت جدار حياتي الباردة، وتبيني أشوفك تنسحبين كذا...؟
رفعت راسها بقوه وبرود وقالت: أنا مجرمة يا صقر، أنا قتلت أبوي. ما أبيك تدافع عني، ولا أبي أحد يرقّق لي أنا خلصت... ما عاد فيني أعيش بهالعالم وأنا كل ما ناظرت وجهي بالمراية، أتذكر دمه على يدي
صقر فجأة راح للباب، يخرج يقفله، لف المفتاح وقفله، شهقت بقهر، وبدأت تضرب الباب بيدها: صقر!! صقر افتح!! ليش تسوي كذا؟!!
صقر وقف برا، ظهره للباب، عيونه مغبشة، صدره يطلع وينزل بعنف، قلبه ينزف بدون دم رُبى تصرخ وهي تطق الباب بقوة: أنا ما أقدر أحبك!! أنا مكسورة من جواي، أنا ما بقى فيني شي، لا قلب، لا حلم، لا حتى صوت!
أنا كرهت نفسي، كرهتكم، كرهت الدنيا! وش باقي تبيني أعطيك؟!!
بصوت مهزوز، مليان وجع وصدق، رد صقر من الجهة الثانية: أنا ما أبي شي... أنا بس أبيك... حتى لو كنتي مليانة غضب... حتى لو كنتي خايفة من نفسك أنا أحبك... ولو يذبحوني ما راح أسلمك لهم
سقطت رُبى على الأرض، ركبتها تحتها، وراسها نازل، تبكي بصمت أول، ثم بصوت يطلع من أعمق مكان في صدرها: ليش تحبني؟ ليش تكسرني أكثر؟ ليش تعطيني أمل وأنا انتهيت؟ أنا ما عاد أبي شي، ما عاد أبي أحد... حتى نفسي... ما عاد أطيقها
شهقت ببكى: انا انتهيت
صقر جلس برا على الأرض، ظهره للباب، سحب نفس عميق وهو يسند راسه ع الباب، دمعة نزلت بدون لا يمسحها قال بصوت يتهزّ: أنا أحبك يا رُبى، مو لأنك كاملة، ولا لأنك مثالية... أحبك لأنك حقيقية لأنك الوحيدة اللي ما كذبت علي... حتى وانت تذبحيني... كنت صادقة انتي ماانتهيتي انا معك
رُبى تهمس وهي تبكي: أنا اللي ذبحته... وأنت اللي تعيش بقلبه أنا اللي قتلته... وأنت اللي تحميني من نفسي
سكتت شوي، وقالت بصوت مبحوح: افتح الباب، الله يخليك... أنا ما أبي أهرب، بس... ما أبي أكون وحيدة
صقر ما رد... بس دموعه كانت تبلل ملابسه، ويده تضرب الأرض بهدوء.
يبغى يفتح... بس يخاف تخسر كل شي: أنا ما راح أسلمك... ولا راح أتركك... ولو جلست ورا هالباب باقي عمري

"يتبع"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...