مكتب فهد في القصر – اليوم الثاني
فهد جالس على مكتبه، الجو هادي بس ثقيل، يفكر بعمق يرن هاتفه فجأة، يرفع السماعة وهو يتنهد الصوت في الهاتف (رجل اتصال خفي): السلام عليكم، معك الرجل اللي كلفتني أتابع موضوع نوال
فهد: عليكم السلام، تفضل قول
الصوت: أنا جبت لك معلومة مهمة، يمكن ما كنت تعرفها. نوال بنت عمك، صح؟
فهد: أعرفها، بس وش قصدك؟
الصوت: نوال كانت تجمع فلوس وتشتغل بجهد عشان تعالج أمها المريضة. الوضع كان صعب عليها، وما كانت تبي أحد يعرف
فهد، بحزن واضح: ما كنت أدري إنها تعاني لهالدرجة... دايم كنت أشوفها بعيدة وغامضة
الصوت: هنا اللي يصير، منيرة وموضي كانوا يعرفون هالشي، لكن بدل ما يساعدونها، استغلوه عشان يشكوك فيها. حاولوا يحطونها في زاوية، ويزرعون الشك في قلبك
فهد يمسك طرف طاولته بقوة، وجهه مشحون بالغضب: موضي... أختي؟ ما توقعت أبد إنها بهذا الحقد
الصوت: أي والله، موضي كانت تغار من نوال من زمان. ولما عرفت إن منيرة تحبك، قررت إنها تزوجك من منيرة على حساب نوال، حتى تحرق قلبها أكثر وهاذي المعلومات عرفتها من الرجل الي كانت تشتغل عنده ومن احداء صديقاتها الي بالشغل
فهد يغلق عينه، يتنفس بصعوبة، ويقول بصوت متهدج: كل هالدراما اللي صارت... كلها لعبة من عائلة من المفترض تكون سند لي، لكنهم... هم عدوّي
يقف فهد فجأة، يمشي بسرعة نحو الباب، وجهه مشحون بالغضب والخذلان، فهد واقف عند باب غرفة موضي، صدره يطلع وينزل من الغضب، وجهه متوتر، وعروقه باينه يمد يده، ويفتح الباب دفعة وحدة، الباب يصدم بالجدار موضي كانت جالسة قدام التسريحة، تتأمل نفسها، ولما دخل ما تحركت، وكأنها كانت تنتظره فهد بصوت عالي، صوته يرتجف من الغضب: من متى؟ من متى وانتي تسوين كذا يا موضي؟!
موضي تلتفت له بهدوء، تناظر عيونه، ما فيها خوف، بس فيها تعب سنين قالت بهدوء: من يوم شفتك تميل لها... وأنا أعرف إنها بتاخذك مني
فهد يصدم من ردها، يتقدم لها خطوتين، يصرخ بصوت مخنوق: تاخذني منك؟! أنا أخوك! مو حبيبك ولا زوجك، وش فيك؟
موضي تبقى ساكتة، وعيونها تتحرك ببطء كأنها تسترجع الماضي قالت بصوت هادي، وكأنها تعترف بجريمة: أنا ما تحملت... شفت نوال تكبر، وتصير أجمل، وتمدحها دايم، وتضحك إذا دخلت... وكنت أنا؟ على الهامش
فهد يرفع يده، بغى يضربها، فعلاً يرفعها بقهر، بس يوقف، يده ترتجف، وتنزل دمعة من عينه وهو يقول بصوت مخنوق: ليش؟ ليش تسوين فيني كذا؟! أنا... أنا حبيت نوال من قلبي! كنت ناوي أعيش وأموت معاها، ما حبيت غيرها أبد! وإنتي زرعتِ الشك فيني، خلتيني أشك إنها خاينتني... خلتيني أشك حتى إن رُبى ما هي بنتي!!
موضي تنزل راسها، تقول: كنت أبغاك لنفسي... كأخ... كسند... كنت أبغى أظل أقرب لك من أي أحد، بس نوال... كانت تاخذك مني شوي شوي، وكنت أشوفك تبتعد
فهد يرجع خطوتين، يضحك ضحكة مهزوزة، كلها قهر: عشان كذا؟! عشاني حبيت، دمرتني؟ ضيعت قلبي، خلتني أعيش سنين من الشك؟
ياخي، تعرفين وش يعني أشك إن بنتي مو بنتي؟ تعرفين وش يعني أوقف على باب غرفة الولادة وأنا خايف أفرح؟
صوته يضعف فجأة، يصير حزين مو غاضب: إنتي مو بس كذبتِ... إنتي سرقتيني من نفسي أنا ما عاد أعرفني، ما عاد أعرف فهد اللي كان يحب نوال، ويخطط لحياة طويلة معاها
دموعه تنزل، يمسحها بيده، ويحاول يتمالك نفسه، بس ملامحه منكسره قال بصوت واطي، لكنه يوجع: ما عاد أقدر أصدق أحد... حتى إنتي، أختي، كذبتي وخنتيني
موضي تبكي، لكنها ساكته، ما فيها رد يقنع، ولا في شي يرجّع الزمن فهد يلتفت، وهو يهمس آخر كلمه قبل ما يطلع من الغرفة: أكره اللي سوّيته... وأكره إنك خليتيني أكرهك
الجو داخل المجلس ثقيل الشيخ راشد جالس على كرسيّه المعتاد، يقرأ أوراق بيده، بنظرات هادية لكن صارمة قدامه ناصر وبدر، جالسين بصمت، وكل واحد غارق بتفكيره وفجأة... الباب يندفع بقوة وينفتح تدخل لُجين وهي تركض، عيونها مشتعلة، وصوتها يرتفع: عمي!! فهد بيذبحها!!
ناصر يوقف فجأة من مكانه: منو؟ وش السالفة؟
لُجين، بصوت مخنوق من السرعة والصياح: عمي.... فهد، بيذبح موضي! أنا شفته، دخل عليها وهو معصّب، وصوته كان يصرخ، ما قد شفته بهالحالة!!
بدر وقف، ملامحه تقلبت على طول: وش تقصدين؟ فهد بيذبح أخته؟!
الشيخ راشد يناظرهم وهو ما تكلم، لكنه نزل أوراقه بهدوء ورفع نظره لـ لُجين، وصوته صار ثقيل وواضح: وش اللي صار يا بنتي؟ قولي كل شي
لُجين تلتقط أنفاسها، تقول وهي ترتجف شوي: عرف كل شي! عرف إن موضي هي اللي خربت بينه وبين نوال... عرف إنها كانت تغار وتكذب عليه من سنين... وإنها لعبت بمخّه، حتى شكّ بولده، شك برُبى!!
ناصر شهق بخفة، التفت لبدر اللي ملامحه كانت مصدومة، وهو يهمس: يا الله...
بدر: لا تقول... هو صدّقها كل هالسنين؟
لُجين، وعينها تدمع من الموقف: إي والله... واليوم طاح كل شي، وهو انفجر، دخل على موضي، وأنا طلعت قبل يصير شي، بس قسم بالله لو ما أحد لحق عليه... بيصير شي ما يُتصلّح
الشيخ راشد سكت، وصار يتنفس بثقل، نظراته جامدة، بس وجهه مافيه أي ارتباك... بعد لحظة، قال بصوت واطي، لكنه ينسم سم: ذاك الولد... انكسر. موضي كسّرته وهو ما درى... لعبت في روحه، وحنا ساكتين. هذي النتيجة
ناصر قال بسرعة: يبه، نلحق، يمكن يسوي شي فعلاً
الشيخ راشد وقف ببطء، وقبل ما يتحرك، التفت لهم وقال بجفاف: لا تمنعونه... خلّه يواجهها، مثل ما خلّته يعيش كذبتها سنين
لُجين شهقت من كلامه، وناصر وقف مذهول وهو يناظر أبوه: تبينا نسكت؟!
راشد بهدوء لكن بحدة: أنا ما قلت اقتلوها... بس خلّوها تذوق نفس الذل اللي ذاقه
فهد واقف عند الباب، يده خلف ظهره، يخبي فيها سكين المطبخ موضي ترجع للخلف، تناظر أخوها اللي ما قد شافته بهالحالة فهد بصوت مخنوق، مبحوح بالغضب والخذلان: تعرفين وش أكثر شي يوجع؟ مو خيانة الغريب... لا، خيانة اللي ربيتهم، اللي وثقت فيهم، اللي شاركوك عيشك وملحك
موضي تهز راسها، دموعها تنزل، بس ما تتكلم فهد يقرّب خطوتين: أنا حطيتك بعيوني، صدّقت دموعك، وخليتك تمشين فوق صدري... وأنا؟ أنا كنت الغبي اللي ما شاف سمّك... دمرتيني، دمرتي نوال، دمرتي بنتي... كذّبتيني باسم الأخوّة، ولبّستيني الشك وكأنك تهدينيني أمان!
موضي تبكي وتهمس بصوت مخنوق: أنا آسفة يا فهد... ما كنت أدري إن الأمور بتوصل لهنا...
فهد بصوت يشتد، عيونه تدمع وهو يرفع السكينة: الأسف ما يرجّع نوال... ما يمسح دموع بنتي، ولا يمحي خيانتك...
لحظة صمت قاتلة... لكن قبل ما يتحرك، فجأة... الباب ينفتح بقوة تدخل رُبى بس مو مثل العادة... مو بثقلها، ولا بجديتها.. تدخل وهي تضحك... تضحك بضحكة هستيرية توجع أكثر من البكاء عيونها فيها شي غريب، تهز كتفها وكأنها داخل مسرحية كانت تنتظر نهايتها من سنين رُبى بصوت ساخر، مكسور لكنه قوي: آه وش هالدراما يا فهد؟ سكينة؟ بتذبحها؟ وشو فيلم أبيض وأسود؟
موضي تلتفت مصدومة، فهد يناظرها بصدمة، يده ترتعش شوي رُبى تقرّب، تاخذ السكينة من يد فهد بهدوء، وتضحك وتقول: تعرف وش مشكلتك؟ إنك مثير للشفقه... ما أنت بقوي مثل ما تحاول تبين
تلتفت لوجه موضي، تبتسم ابتسامة باردة: موضي... تذكرين وش قلت لك ذيك الليلة؟ قلت لك كل شي بوقته حلو... صح؟
موضي تبدأ ترجف، تبعد خطوتين: رُبى... لا تسوين شي...
لكن رُبى بصوت منخفض، وهي ترفع السكين فجأة... تغرسها في جنب فهد، بثبات عجيب، ما فيه صرخة، ما فيه صراع... بس صوت الطعنة، وغصة الأرض وهي تشهد الخيانة المقلوبة فهد يتراجع خطوة، يده تمسك الجرح، الدم يتسرب بسرعة... يلتفت لها، عيونه تصغر، ويحاول ينطق، صوته ضعيف جداً فهد، بصوت خافت جداً، وكأن الحياة تسرّب من فمه: آسف... يا بنتي
ويطيح، ببطء، مثل شجرة منخور جذعها موضي تصرخ، تهجم عليه وهي تبكي، تحاول ترفعه، تصرخ بصوت تقطع القلب: فهد!! فهد لا تروح، لا تخليني!!
صوت صراخ موضي يعم القصر... ركض... أبواب تنفتح، أصوات أقدام، العايلة كلها تطلع من غرفهم ويركضون ناصر، بدر، سلطان، أم متعب، نورة، لطيفة، ريم، عبدالعزيز، الكل يدخل الغرفة، ويشوف... رُبى واقفة، ساكنة، يدها ماسكة السكين، والدم يقطّر من طرفه، ملامحها ما فيها خوف، ما فيها ندم... بس فيه وجع... غريب، عميق، قديم الكل يوقف مصدوم، عيونهم على فهد الممدد، وعلى أخته المنهارة، وعلى رُبى... اللي كأنها واقفة فوق ركام عمرها الشيخ راشد يدخل، يتجمد مكانه، ناظر المشهد وما تكلم،
بس انفاسه تثقل، وصدره يضيق منيره تصرخ بصوت مبحوح: وش سوّيتي رُبى لا لااااا!!!
رُبى ترفع نظرها، وتناظر الكل بتبلد مافي اي ندم،،
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!