وقت الغداء – قاعة الطعام بالشركة
جلسوا الكل: تركي، متعب، وليد، عبدالعزيز، سلطان، ناصر... وحتى راشد حضر. رُبى دخلت متأخرة كعادتها، وجلست بدون ما تطالع أحد. وضعت الملف البني جنب صحنها. عبدالعزيز، وهو يقلب كوب الشاي: وش الملف الثقيل ذا؟ تحسينك ماسكة قضية دولية!
رُبى، بدون ما ترف عين: بالعكس... قضية محلية جدًا، وفيها توقيع مألوف. حتى يشبه توقيعك، عبدالعزيز.
سكت المكان. عبدالعزيز ابتسم بس: توقيعي؟ يمكن تشابه.
رُبى بهدوء: يمكن. بس لما تكون التشابهات كثيرة، تصير اسمها أدلة.
راشد رفع عينه، سألها بنبرة هادية لكن صارمة: وش عندك؟
رُبى، وهي تفتح الملف قدام الكل: صفقة قبل خمس سنوات، عن طريق طرف ثالث، باسم مستعار... لكن الحساب البنكي مرتبط باسم عبدالعزيز. العقد موجود، والمبلغ... كبير جدًا.
متعب قال بسرعة: أنتي توك داخلة، وبدين تمسكين علينا ملفات؟!
رُبى: أنا داخلة عشان أكون محامية، مو ديكور. تبغون تمشوني زي غيري؟ غلط الباب.
سلطان بصوت خافت: يا ساتر...
عبدالعزيز وقف من مكانه وقال بقسوة: إنتي جايه تفضحينّا ولا تشتغلين معنا؟
رُبى رفعت نظرها وقالت بهدوء قاتل: اللي ما عنده شي يخاف منه... ما يخاف من الحق.
راشد سكت، ثم قال: رُبى، كلمي معي بعد الغداء... على انفراد.
وهي اكتفت بكلمة واحدة: أكيد.
بعد الغداء، الجو كان مشحون... العيون تطارد رُبى، والهمسات تلاحق خطواتها. لكنها ما اهتزت. دخلت مكتب راشد بدون استئذان... الباب انفتح بثقة، وكأنها شريكة في المكتب، مو ضيفة. راشد كان واقف عند النافذة، يطالع المدينة بصمت، صوته جاء بدون ما يلتفت: هجومك كان سريع، وما حسبتي حساب اللي حوالينك.
رُبى، وهي تجلس على الكرسي أمام مكتبه بدون إذن: إذا كنت أشتغل بمزاجهم، كان جلست بالحوش أرتب ورود.
التفت لها، ناظرها بنظرة طويلة، فيها مزيج من احترام وغضب: عبدالعزيز حفيدي وانتِ حفيدتي... لكن فيه فرق بين المحاسبة، والتشهير.
رُبى رفعت حاجبها: والفرق عندك يعتمد على اسم العائلة؟ ولا على اللي يخدم مصالحك أكثر؟
سكت، عيونه ثبتت فيها، لكنه ما تكلم. رُبى كملت بهدوء مرّ: أنا ما جيت أكون ريشة زيادة على جناح العائلة... جيت أكون اليد اللي تصحح الطيران. تبغاني أشتغل؟ أشتغل بكل ملف، مو باللي تختارونه لي.
راشد بصوت منخفض لكن ثقيل: لو لمحتِ أي شي ثاني، تبغين تكشفينه... تعالي لي أول.
رُبى نظرت له بثبات: لو شفت شي ثاني، راح أقرر إذا أجي لك أو لا.
ثم قامت من كرسيها، وأضافت: أنا محامية العائلة، مو سكرتيرتك.
ومشت. راشد وهو يطالعها تطلع من الباب، رفع حاجبه بخفة وقال بصوت منخفض: هذي ما هي بنت نوال بس... هذي خليط من نوال، ونار فهد.
كانت تجلس بطاولة خارجية في مقهى راقٍ، تطل على نافورة رايقة.
لبسها بسيط لكنه فاخر، شعرها مرفوع، ووجهها بدون مجهود مرتب، وعينها على المينيو بدون اهتمام. صقر واقف وراها، بهدوءه المعتاد... بس هالمره عيونه كانت مختلفة. رُبى بصوت بارد للباريستا: أبي لاتيه بحليب شوفان، دافي، لا تحرقونه... وأبغى قطعة براوني بدون سكر، إذا عندكم.
جلست، وصقر جلس قدامها بدون ما تقول له "اجلس"، كأنهم تعودوا عالعِشرة القديمة. هو وهو يتأملها شوي: تغيرتي.
رُبى، بدون ما تطالع فيه، وهي تحرك الملعقة: واضح إن عندك وقت فراغ تراقب الناس.
صقر تنهد، ثم قال: أنا أعرفك من قبل ما يصير اسمك بطاقة vip... من قبل هالعيون تصير دروع، ومن قبل ما تسكرين على نفسك بهالشكل.
رُبى رفعت عيونها عليه، وبنظرة خالية من المزاح قالت: وهذا يعطيك حق تدخل؟
صقر بصوت ناعم، فيه نبرة صديق ناسيته: لا. بس يعطيني حق إني أسأل: وش غيرك؟
أعرفك من كنا نلعب بالحديقه ونتسابق على البلي... كنت تضحكين على أشياء تافهة، وكنتي تنقهرين إذا أحد كسر لك لعبة. انا كنت ولازلت حارسك الشخصي
رُبى قطعت عليه الكلام، صوتها هادي بس حاد: وصرت أضحك على ناس، بدل أشياء.
صقر سكت لحظة... ثم بصوت منخفض: مو هذا اللي أقصده.
رُبى شربت من كوبها، ثم قالت بهدوء فيه مرارة: كل شي تغير يوم قررت أكون لحالي... عشان اللي كانوا معي، كانوا أول من يخذلني.
صقر، بعين ما تهرب من نظرتها: مو كلنا خذلناك، رُبى.
هي ناظرت فيه للحظة، فيه شي بعيونها ارتجف... يمكن ذكرى قديمة... يمكن حنين ناسيته، لكن بسرعة أخفت الضعف وقالت بابتسامة باردة: أنتم خذلتوني بس متأخر شوي، عطيتوني وقت أتعود.
صقر تمتم: كنتي أقوى من كذا.
رُبى همست وهي تطالع المقهى: يمكن كنت... أو يمكن تعلمت إن الطيبة تُدفن بسهولة.
المجلس مليان، عطور فاخرة، فناجيل قهوة، وضحكات تنقلب لغمزات ونظرات. كل بنات العيلة كانوا مجتمعين... بس الكل عينه على رُبى، اللي دخلت بثقة، لابسة كعب بسيط وعبايتها المفتوحة على تنسيق أنيق. جلست وهي تحط رجل على رجل، نظراتها تمشي على كل وحدة فيهم وكأنها تقرأ ملف سري. سارة كانت أول من تكلمت، بصوتها العالي وضحكتها اللي تملا المكان بلا سبب: رُبى! متى بتسوين حفلة عشان منصبك الجديد؟ نبي نشوف ذوقك بالأكل والورد!
رُبى، بنظرة جامدة: حفلاتي ما أسويها عشان أحد يتصور... إذا سويتها، بيكون لها معنى.
ريم، اللي كانت تراقب شنطتها وساعتها من أول ما دخلت، قالت بابتسامة صفراء: أنا شفت شنطة زي هذي أمس عند السوق... بس شكلها كانت تقليد!
رُبى ابتسمت بدون ما تطالعها: أنتي ما تفرقين الأصل من التقليد من كثر ما تعودتي على التقليد.
ضحكت هند بخفة وهي تقول: ما شاء الله عليك يا رُبى... عيني عليك باردة. القوية تعرف متى ترد.
رغد، وهي تاكل قطعة حلا وتتكلم بفم مليان: أنا لو في مكانك، كان ما أتحمل كمية الغيرة اللي عليك!
شهد، أختها، جلست تعفس وجهها وقالت بصوت عالي متعمد: عادي... الناس دايم تصدق المظاهر، بس ما يدرون وش داخل الشخص.
لطيفة، بهدوء الأم: بس وش المشكلة لو وحدة ناجحة؟ مو لازم نحارب بعض.
مي، وهي تقلب عيونها: نجاح مبني على اسم العائلة ما ينحسب نجاح... كلنا نقدر نوصل لو نبغى.
نورة رفعت راسها من جوالها وقالت بنبرة باردة: يعني الواحد يتكلم بس إذا أنجز فعليًا. الباقي ضوضاء.
غادة كانت ساكتة طول الوقت، عيونها كانت مثبتة على رُبى بنظرة فيها شيء غريب.... رُبى لاحظت، والتفتت لها وقالت: غادة... تشبهين أمي.
غادة بهدوء: وأنتي تذكريني فيها لما كانت واقفة في وجه الكل وهي تبتسم.
سكت المكان للحظة... ثم قامت رُبى وقالت: أنا داخلة حرب ما انتهت... واللي تبي تراقب، تفضلوا. بس لا تحاولون تقطعون طريقي.
وطلعت، وهي تترك وراءها بنات العيلة بين الغيرة، الإعجاب... والخوف من القادم،
مرت أيام على وجود رُبى في العائلة، وكل يوم كانت تحاول تثبت نفسها أكثر...ولكن هالصباح ما كان عادي. الهواء مشحون.والبيت ساكت بطريقة مو طبيعية، وكل الوجوه متوترة. رن جوال رُبى... كانت بمكتبها تراجع ملفات داخلية خاصة بالشركة.زلُجين على الخط، بصوت متوتر: رُبى، افتحي الأخبار... الحين. بسرعة.
فتحت الرابط، والصدمة ضربتها بعينها: القبض على شاب ينتمي لعائلة معروفة بتهمة استدراج قاصر والتحرش بها إلكترونيًا. المصادر تؤكد أن المشتبه به هو وليد بن ناصر الجاسر
يدينها تجمدت. صقر، اللي كان داخل معها بالغرفة، لمح وجهها وقال بسرعة: وش فيك؟
رُبى، بصوت واطي: وليد... الشرطة قبضت عليه.
صقر:روش؟ وليد؟! مو معقول، هذا أهدى واحد بالعيله
رُبى قامت بسرعة وهي تمسك جوالها، قلبها يركض قد عقلها، بس عقلها يصرخ: فيه شي غلط. أكيد فيه شي غلط. وليد مايسويها وليد مو كذا
داخل بيت العائلة الجاسر،
الجميع مجتمعين، الرجال منفصلين عن النساء، والوجوه ممتلئة بالارتباك...
عيال العيلة مو مصدقين، البنات بعضهم منصدم وبعضهم يهمسون كأنهم كانوا يتوقعون. الشيخ راشد بصوت غاضب: أنا ما أستر على مريض... لو هو فعلاً سوى اللي قالوه، القانون ياخذه.
ناصر قام يقول: بس يا يبه وليد طول عمره محترم... يمكن أحد لفق له، يمكن البنت كذابة!
رُبى دخلت... وسكون عمّ المكان. الكل طالع فيها كأنها هي القاضية اللي بتنطق بالحكم. أحد البنات (مي): أكيد هي عرفت قبلنا! كل شي تبغى تعرفه أول وحدة!
رُبى التفتت عليها بهدوء بارد: وأنتي لو عرفتي، كان أخفيتيه؟
سكتت مي. صقر قرب منها وهمس: أنتِ محامية العائلة... والكل منتظر موقفك.
رُبى بعين مشتعلة وجبهة مرفوعة: أنا محامية... مو ساترة. القانون قدامي، والدم ما يعفيني من الحق. إذا وليد مذنب، أنا أول وحدة توقف ضده. وإذا مظلوم... راح أدافع عنه أكثر من أي أحد.
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!