الفصل 24 | من 49 فصل

رواية أنا بنت الغايب، بس ما ني غايبة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم غير معروف

المشاهدات
20
كلمة
2,460
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 49%
حجم الخط: 18

جناح فهد الجاسر – القصر
الهدوء يغلف الجناح الكبير، وفهد واقف عند أحد الأدراج، يقلب أوراقًا بيده بعصبية، وكأنه يدور شي محدد، صوته كان واطي لكنه مشحون بالغضب فهد بضيق: الملف الأزرق... اللي كان هنا... مين نقل أغراضي؟!
لُجين، زوجته، رفعت راسها من الجلسة عند أطراف السرير، وهي تحاول تهدي نبرته: أنا نقلته... كان فوق المكتب وملخبط، حطيته في الدرج الجانبي
ما رد، بس راح بسرعة فتح الدرج ولقاه، سحب الملف بقوة، جلس على طرف المكتب يفتحه، بس عيونه مو مركزة... كأنه شيء ثاني شاغل باله لُجين بعد لحظة صمت، قررت تسأله، بصوت هادي لكنها حاسّة إن قلبها يدق من التوتر: فهد... أبي أسألك شي، وبصراحة
ما رفع راسه، قال بدون اهتمام: قولي
لُجين: وش سويت لك رُبى؟ ليش تكرهها لهالدرجة؟
على طول، ارتفعت عيونه لها، نظرة قاسية، مشتعلة، فيها حقد ما تعوّدت تشوفه: لا تتدخلين يا لُجين
لُجين تنهدت، لكنها ما سكتت، تقدّمت منه خطوة: أنا ساكتة من زمان، بس ما عاد أقدر. البنت عايشة بيننا مكسورة، وحنا نكسرها أكثر. أنت أبوها، المفروض تكون سندها... مو تهينها قدام خلق الله!
قام فهد فجأة، صوته انفجر: أنا أبوها؟! من قال لك هالكذبة؟!
صدمتها الكلمة، ارتبكت عيونها: وش تقصد...؟
مشّى فهد ببطء داخل الجناح، يحاول يهدأ لكن نبرة صوته كانت قاسية، دامية: من يوم شفتها، من يوم نوال حطتها بحضني وقالت بنتنا... وأنا عارف عارف إنها تكذب نوال كانت تخونني. كانت تضحك علي، وتطلع وتقابل، وكنت أقول هذي زوجتي، مستحيل تسويها... بس قلبي ما صدقها أبد
رفع صوته أكثر، كأن سنين القهر تطلع من صدره: تدرين وش الكارثة؟ إنها حملت، وقالت لي مفاجأة... حامل! وأنا داخلي نار ما فرحت ما صدقت كنت أشوف الكذب بعيونها كنت أعرف... أعرف إن هالبنت ما هي بنتي
اقترب من لُجين، عيونه فيها وجع ممتزج بقرف: رُبى جت بالحرام بنت خيانة نوال جابت لي وصمة، وأنا ساكت لأني ما أبي الفضيحة لعيلتنا وخصوصاً انها خانتني ببيتي وتحمل اسمي... لكن ما تحمل منّي شي لا شكلاً، لا طبعاً، لا إحساس
رفع يده وأشار لقلبه: أنا من يومها، من يوم طلعت رُبى للدنيا، قلبي ما طاق يشوفها أكره أشوف وجهها... لأنه وجه نوال نفس العيون، نفس النظرة، نفس الكذب اللي كانت نوال تسويه كل ما طاحت بعيني
لُجين بصوت مرتجف: بس فهد... يمكن غلطان... يمكن تعبت من الشك...
قاطعها بحدة: أنا ما أشك أنا متأكد وما أحتاج دليل إحساسي ما كذب علي يوم نوال خانتني... وخيانتها تمشي قدامي في شكل رُبى كل يوم عشان كذا... ما راح أعترف فيها أبد تزوجت، انجبت، ماتت... بس الخيانة عايشة في البيت... تحت سقفي!
سكت فجأة، صوته صار أوطى، بس أكثر سمّية: كل ما طالع وجه رُبى... أحسني أعيش الجرح من جديد أعيش الخيانة، أعيش القرف... أعيش الذل
رجع للمكتب، جلس، وغمض عيونه بثقل: هي مو بنتي ولو كانت فعلاً بنتي... كنت تمنيت إنها تموت وهي صغيرة ولا أشوفها تكبر قدامي وتحمل ملامح وحده دنّست اسمي
لُجين ظلت واقفة، نظراتها تهتز، لكنها بصوت هادي جلسّت جنبه على طرف الكنبة، وكأنها تحاول تقرب من وحش مجروح: فهد... طيب جاوبني... أنت متأكد؟ متأكد إنها خانتك فعلاً؟ أنت شفت شي بعينك؟ سمعت شي؟ ولا بس شك؟
فهد ما رد على طول... كان يطالع الأرض، أنفاسه تتثاقل بعد لحظة قال، بصوت كأنه يدفن كل ذرة ألم في صدره: أنا... ما شفتها بس كنت أشوف تصرفاتها، كأنها تحاول تخفي شي، وكأنها مو مرتاحة كل ما أسألها عن مكان راحت له، تكذب كل ما تأخرّت، تلقى لها عذر، وكل ما حاولت أواجهها... تتهرب
لُجين بصوت هادي، فيه رجاء: فهد... الشك يذبح، بس ما يصير نحكم بدون دليل يمكن اللي شفته ما كان مثل ما فهمته يمكن كانت تمر بشي... يمكن كانت تحاول تحميك من شي إحنا ما ندري
فهد لف وجهه لها بسرعة، وعينه اشتعلت من جديد، بنظرة حاسمة قاطعة: لا تقولين يمكن! لأن أختي موضي شافتها
لُجين تجمدت بمكانها، بصوت مخنوق: موضي؟ شافت وش؟
فهد تنفس بعمق، صوته كان يقطّر سم وحقد: قالت لي كل شي شافتها تطلع من استراحة، وتكلم واحد بسيارتها وشافتها تقابل شخص أكثر من مرة بدون علمي حتى يوم حملت، موضي كانت أول وحدة قالت لي: هالولد ما هو منك
لُجين بصوت مرتعش: بس يمكن موضي تكره نوال... يمكن فهمت غلط... أو كانت تبالغ...
فهد رفع يده، قاطعها، وعينه تتقد غضب: موضي ما تكذب أنا أختي عزيزة علي، ولو ما كنت مصدقها، ما كنت ناظرت رُبى كل هالسنين وأنا قلبي يحترق أنا ما أقدر أحبها، ولا أقدر أعتبرها من لحمي ودمي... لأن كل ما طاحت عيني عليها، أتذكر خيانة مستحيل أنساها
صوته خفت فجأة، لكن كلماته كانت جارحة: رُبى هي الدليل الحي على أن نوال خانتني ولو كانت مجرد شك... كان الزمن محا، بس اللي جرحني ما كان شك، كانت عيون موضي، وصوت نوال، والكلمة اللي ما قالتها أبد أنا آسفة



قاعة الاجتماعات – شركة رُبى القابضة
القاعة فخمة، فيها طاولة بيضاوية كبيرة من الرخام الأسود، والكراسي الجلدية حولها كلها مشغولة. مدراء الأقسام، المستشار القانوني، والمساعدين حاضرين. ملفات ومجلدات أمامهم، وأجهزة لابتوب مفتوحة الساعة تشير للـ10 صباحًا الهدوء يعم المكان... حتى دخلت رُبى ببدلتها الرسمية السوداء، وكعبها العالي يرنّ بثقة على الأرضية الرخام، كانت تمشي كأن كل من في القاعة موظف صغير عندها – وفعلاً، هذا الواقع وراءها مباشرة، كان صقر واقف، يلبس بدلة رمادية داكنة، شكله يوحي إنه أكثر من مجرد "مرافق"، هيبته تسبق خطواته رُبى وقفت عند رأس الطاولة، وبنظرة حادة مسحت القاعة، وقالت بنبرة صارمة: نبدأ الاجتماع
الكل سكت وفتح أوراقه، وصقر وقف عند الجدار خلفها، لكنه ما شال عيونه عن أي حركة داخل القاعة رُبى جلست، فتحت اللابتوب قدامها، وقالت بدون ما تلتفت لأحد: تقرير الربع الثاني جاهز؟ أبي أرقام واضحة، وأي تلاعب راح يتم محاسبته مباشرة. إحنا ما نشتغل بالعشوائية
المدير المالي بدأ يعرض، وكل شوي كانت تقاطعه بأسئلة مباشرة، بعضها محرج، وبعضها يكشف إنها فاهمة كل شي أكثر منهم فجأة، واحد من الحضور – كبير بالعمر، وعضو مجلس إداري سابق – قال بنبرة فيها اعتراض ناعم: بس يا أستاذة رُبى، التوسّع اللي تقترحينه فيه مخاطرة، ويمكن من الأفضل ننتظر رأي أحد من العائلة...
سكتت رُبى، سكوتها كان ثقيل، وعيونها راحت له ببرود. سحبت نظارتها، ورفعتها بنعومة عن عيونها، ثم قالت بلهجة حادة – لكن بنغمة هادئة تخوّف: وش قلت؟ رأي من العائلة؟
تلعثم، لكنه كمل: يعني بحكم إنك من العائلة، بس قرار توسعة بهذا الحجم...
قاطعته وهي تتكلم ببطء، كأنها تسقي كل كلمة بسمها: أنا المديرة العامة، وأنا المالكة. واللي يحب يشتغل معنا، يعرف إن هالشركة ما تخضع إلا لقراراتي. العائلة؟ العائلة تتفرج من بعيد، وتتهامس – لكن هنا... أنا اللي أقرر
لفت على صقر، وقالت بنغمة أخف شوي، لكن فيها أمر مباشر: صقر، أرسل نسخة من المحضر لمجلس الإدارة، وبلغهم إن الاجتماع القادم بيكون حاسم. واللي ما يعجبه، ينسحب بهدوء
صقر حرك رأسه بثبات: أبشري
رجعت رُبى للمدير المالي، وقالت بنبرة أكثر جدية: كملي العرض، وركز على أرقام العوائد، مو التصورات
الكل سكت، الأجواء مشحونة، بس مهيبة. رُبى مسيطرة تمامًا، وصقر كان مثل الجبل وراها، يناظر الكل بنظرات تحذير، وما كان أحد يجرؤ يتنفس إلا بإذن،



[فلاش باك الماضي، قصر الجاسر]
المجلس مغمور بريحة العود والكادي، صوت فناجيل تنحط على الصحون، وضحكات خفيفة تتخلل السوالف نوال كانت متربعة على طرف السجادة، تمشط شعرها بأصابعها، وعينها تلمع بشي من الزهو الهادي موضي مدت يدها تأخذ قطعة من الحلا، وقالت وهي تبتسم: نوال، وش سويتي في فهد أمس؟ منقهر، يقول ما عاد طبختي له مثل أول
نوال ضحكت: يستاهل، خلّه يعرف قيمة طبخي من يوم جاء من سفره وهو يسوي نفسه ناسي زوجته
منيرة كانت ساكتة طول الجلسة، صوتهم يجيها كأنّه من تحت الماي، وكل ما نطقوا اسم "فهد"، قلبها ينقبض حاولت تغيّر جو السالفة، رفعت فنجالها وقالت: ترى ما عاد فيه رجال يهتمون مثل فهد، الله يخليه لك يا نوال
نوال نظرت لها وابتسمت، ما تدري هو مدح ولا حسرة في نبرة منيرة، بس ردّت بهدوء: الحمد لله، ربي كاتب لي نصيبي معه فهد رجال ونعم، بس بعد، هو ما ينعطى وجه كثير
موضي ضحكت، قالت وهي تلمح بعيونها بين نوال ومنيرة: يؤ يؤ، كأنكم تتكلمون عن نجم ما ينوصل له... عاد فهد أخوي، بس لا تكبرونه
منيرة عضت على شفتها، وانزلت عيونها للأرض هي ما كانت ناوية تحبّه، بس قلبها مشى قبل عقلها، وكل ما شافته يمر في الممر، أو نادته نوال بصوت دلع، قلبها يتفتت شوي شوي نوال كانت ذكية كفاية، حست بالنظرات الخفية، وبالسكوت اللي فيه كلام قالت بصوت هادي، كأنها تمتحنهم: الزواج نصيب... وكل وحدة ربي كاتب لها دربها بعض البنات تضيع سنين تنتظر شي ما يصير، وبالأخير تندم
موضي ضحكت، قالت وهي تهم بقفل دلة القهوة: يعني تقصدين منيرة؟
ضحكت نوال، ومنيرة ابتسمت بإحراج، قلبها يعورها، لكنها رفعت راسها وقالت: أنا ما أنتظر أحد... بس ما أبي أقل من فهد
سكتوا كلهم الجملة نزلت مثل البرق نوال ابتسمت بسمة جامدة، وموضي رفعت حاجبها قالت نوال وهي تقوم، ترتب شيلتها: الله يرزقك بالأحسن يا منيرة
لكن صوتها كان فيه نغمة... نغمة ما تُفهم بسهولة، إلا لقلبٍ يحب ويخاف يضعف،
[باك]






فهد كان جالس على كرسيه الجلدي، متكئ بمرفقه على الطاولة، وعيونه ما تفارق صورة قديمة بإطار فضي نوال... تضحك، ومنيرة بجنبها الضحكتين متشابكة، والسعادة باينة على وجيهم لكن اللي صار بعد هالصورة... كان كابوس "كيف صار كل شي بهالسرعة؟ كيف وحدة كانت تعتبر منيرة أختها... تطيح بزوجها؟ وأنا؟ أنا اللي كنت أحب نوال، كيف سمحت لنفسي؟" صوت لُجين اليوم لا زال يدقّ في راسه: فهد، نوال كانت تحبك موت، بس كانت تحس إنك صرت شخص ثاني... من يوم دخلت موضي بينكم
هزّ راسه، وبدت الذكريات تتلاحق قدامه كأنها فيلم الهاوشة ذيك الليلة...
نوال تصرخ، دموعها بعينها، تقول: تتزوجها؟ صديقتي؟ قدامي؟ عشان إيش؟ لأنك صدّقت موضي؟!
وهو واقف، متجمد، بوجه جامد... بس قلبه كان يعج، بس ما بان قالها ببرود: ما عاد أثق فيك. وقلتلك، انتهى بينا كل شي. وانا حر أختار اللي أبي
ومنيرة؟ واقفة على جنب، ملامحها مضطربة، لكن ساكتة، ما قالت لا...
ولا دافعت رجع فهد للحاضر، صوته يطلع كأنه اعتراف: ما كنت أبيها... لا منيرة، ولا حتى لحظة وحدة. بس حسّيت إنها خطوة لازم تصير... وكأني مدفوع بقوة ما أفهمها
ضرب على المكتب بقبضة يده، وطلع زفرة حارّة: ليه ما سألت نوال؟ ليه ما واجهتها؟ ليه ماخليتها تحكيلي السر الغبي هاذا!!
بدأت الشكوك تسري مثل السُم... يمكن موضي كانت تبغى تفركهم، لأن نوال كانت تحس فيها يمكن زواجي من منيرة كان تمهيد لشي أكبر يمكن... ما كان المفروض أصدق أي أحد غير نوال قام من كرسيه، وراح لخزانة خشبية فيها ملفات قديمة، طلع منها واحد عليه اسم الزواج الثاني صفحات كثيرة... توقيع منيرة، توقيع الشيخ راشد، وموضي شاهدة بس نوال؟ ما كانت تدري إلا لحظة الزواج، لحظة الفجعة قال بصوت خافت، كأنه يكلم خيالها: سامحيني يا نوال... أنا خذلتك، وخذلت نفسي
وبهمسة، خرجت منه جملة ثقيلة: أنا مو بس قتلتك... أنا انجرّيت
سكت، وعيونه تسيل لأول مرة من سنين، الحقيقة صارت تقرّب، وكل ما قربت... وجيه تنفضح!،

"يتبع"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...