[اليوم التالي – جناح رُبى وصقر – الساعة 9 الصباح]
نور الشمس كان يتسلل بهدوء من فتحة الستارة، يداعب أطراف السجادة الفاخرة، والجو هادي بشكل مزعج رُبى واقفة قدام التسريحة، لابسة عباية بيت حريرية بلون سكّري ناعم، وشعرها مرفوع بنعومة. قاعدة تتكشخ، تحط لمسات بسيطة من المكياج عيونها تروح وتجي على المراية، وبنفس الوقت، ذهنها مشغول... أكيد الشيخ راشد للحين يراقبهم، يمكن يسوون تحليل تعبيرات وجه بعد! راحت تنفخ على الفرشة بخفة، وتمد الكحل... لكن فجأة، ينفتح باب الحمام بخفة، ويطلع منه صقر، بشعره مبلول، وفوطة بيضا ملفوفة حول خصره، وقميصه معلّق على كتفه وقف ثواني يناظرها، ورأسه مائل بشويّة ابتسامة على طرف شفايفه صقر بصوت هادي ومستهتر: يالله صباح الجمال... ما شاء الله، اليوم داخلة تقهرين الكاميرات؟
رُبى رفعت حاجبها، بس ما التفتت، كملت تكحل عينها الثانية وببرود: صباح الهم، قم خذ لك كرسي واقعد بعيد
ضحك صقر بخفة، وبدون أي مقدمات، تقدم من وراها، وقبل توصل يده للدرج، لف ذراعه حول خصرها فجأة، حاوطها وكأنه يحتضنها بلطف، لكن واضح إنه يستغل الوضع ويعرف الكاميرات تراقبهم صقر وهمس باذنها، صوته واطي وناعم: ترى لازم نكون مقنعين، أصلاً أنتي منتي خاسرة شي
رُبى شهقت بخفة: صقر!!
صقر بصوت واطي وضاحك: وش؟ مو كأنك مبسوطة؟
هي كانت تبتسم، بس تحاول تكتم ضحكتها مدّت يدها وطقت على صدره بطرف يدها بدون ما تلتفت، طقة خفيفة كأنها تقول "اهجد"، بس بطريقة ما تبين قدام الكاميرات إنها ترفّضه رُبى بنبرة خافتة مغتاظة: قسم بالله، لو يطفون الكاميرات دقيقة بس... تشوف وش أسوي فيك
صقر، بكل وقاحة ناعمة: وش تسوين؟ تحضنيني صدق؟
رُبى طالعته بنص عين في المراية، وهمست: أكسر رقبتك
ضحك صقر، رمى القميص على الكنبة، وجلس على طرف السرير كأنه ارتاح كثير، ومد يده وراء راسه صقر بصوت مرتاح: والله أحس إن زواجنا ناجح. أنتي تتكشخين، وأنا أتمدد... والكاميرات مبسوطين
رُبى رفعت حاجبها ببرود وهي تكمل تسريح شعرها: أقول بس، شف لك لبس واختفِ، عشان أمثّل لحالي شوي
صقر وهو يقوم يمشي للكنبة ياخذ ملابسه: حاضر، الممثلة تبغا لها لحظتها الخاصة
وقبل يدخل الحمام، رجع ناظرها وقال وهو يغمز: بس على فكرة، الدور اللي سويتيه قبل شوي... مرة صدّقته حتى قلبي صدّق
رُبى ما التفتت، بس ردّت: إذا صدّق، رح علّجه
في طاولة الفطور بقصر الجاسر
كان الجو هادي لكن مشحون، والكل مجتمع حول طاولة طويلة مليانة بالأطباق الملكية المعتادة. القهوة تفوح منها ريحة الهيل، والصوت الوحيد كان رنة المعالق على الصحون رُبى جلست بمكانها المعتاد، وعلى غير العادة، صقر جلس جنبها تمامًا. الكل لاحظ التغيير، لكن ماحد تكلم... إلا العيون، كانت تتكلم بكل وضوح تركي كان جالس مقابيلهم، يهز رجله بقوة تحت الطاولة، عيونه مثبتة على يد صقر وهو يصب الشاي لرُبى بابتسامة هادئة صقر، وهو يميل بهدوء لرُبى: تبين سكر زيادة؟ ولا مثل دايم، خفيف؟
رُبى، بصوت ناعم مصطنع وضحكة خفيفة: لا لا، مثل ما تسوي دايم، أنت تعرف ذوقي أكثر مني حتى
ضحكت، ومدّت يدها تاخذ الكوب منه، لمست أصابعه "بالصدفة"، ورمت نظرة سريعة على تركي، كأنها تقول: شفت؟ تقدر تسوي شي؟ تركي عض على طرف شفته وكتم غيظه، وكل شوي تزيد رجله سرعة الهز، لدرجة إن الصحون خفّت تهتز فوق الطاولة لطيفه بجانبها زوجها، وهي تراقب من بعيد وتبتسم بزاوية فمها: وش صاير بينكم اليوم؟ ما شاء الله، كأننا بعزيمة ملكية، مو فطور عادي!
صقر، وهو يلتفت عليها بثقة: إذا اللي قدامك ملكة، يصير كل وقت معها ملكي
ضحك، وكل العيلة سكتت لحظة، إلا رُبى اللي ردّت ضحكته بابتسامة مزيفة لكنها ناعمة رُبى، وهي تميل على صقر وكأنها تهمس له بسخرية: ترى زودتها شوي
صقر، وهو يرد بهمس وقلبه بارد: لازم نبيع المشهد صح، وإلا فهد بيشوف الكذب بعينه
وفي الزاوية، فهد كان ساكت، لكن نظراته كانت نار. عيونه على يد رُبى وهي تحط التمرة بيد صقر وتقول له: ذقها، هذي اللي تحبها دايم من تمر الخلاص، صح؟
صقر أخذها كأنها كنز، وابتسم لها ابتسامة تمثيل محترف: أي والله، وكل شي من يدك يصير أحلى
فهد، بصوت منخفض لكن حاد وهو يكلم بدر اللي جنبه: اللعب اللي صاير قدامي هذا وش تسميه؟ مسرحية؟
بدر، وهو يمص فنجاله ويتجنب نظرة فهد: مدري يا بوتركي، بس الظاهر البنت مقتنعة، ولا هو بيحاول يقنعها... وعلينا نصدق الظاهر
تركي التفت بقسوة على صقر وقال: صقر، لا تنسى نفسك... هذا بيت الجاسر، مو مسرحك الخاص
صقر، وهو يرد ببرود وابتسامة خفيفة: وأنا مجرد ضيف محترم، بس الظاهر في ناس ما تعجبهم الضيافة
رُبى، بابتسامة مصطنعة تميل على تركي بصوت ناعم لكنه لاذع: تركي... ترى غريب عليك الغيرة، أنت آخر واحد ممكن يهتم إذا كنت مرتاحة مع زوجي أو لا، صح؟
نزلت جملتها كصفعة ناعمة. تركي سكت، لكن ملامحه تحولت إلى غضب مكبوت هند، وهي تمسك فنجالها وتكتم ضحكة: يا الله صباح التوتر اللطيف... قهوة على قهر، ما يحتاج سكر
ضحك خفيف دار بين البنات، وصوت ملاعق رجع يملأ الجو أما فهد، فعيونه ما تركت رُبى لحظة، وكأن نظراته تبغى تفكك المشهد، تشوف هل هي فعلاً حبت صقر... ولا بس تلعب لعبتها المعتادة لكن رُبى ما عطته أي نظرة، ظلت تضحك مع صقر، تمثل الحب قدام العيلة... وبداخلها بركان،
جناح فاخر في فندق مطل على البحر – المساء
الغرفة كانت رايقة، الإضاءة خافتة، والجو يفترض يكون "رومانسي" لكن كل شيء كان بارد... مثل العلاقة اللي تجمعهم سُدن كانت واقفة عند البلكونة، لابسة بيجاما حرير بسيطة، شعرها مربوط، ويدها تمسك كوب شاي وهي تطالع البحر وجهها جامد، ملامحها فيها ملل واضح، وضيق داخلها مو لاقي له مخرج خلفها، سلطان جالس على الكنبة، بيده جواله، يطالع مقطع رياضي، وضحكته تطلع بين فترة وفترة، كأنه لحاله سلطان، بدون ما يلتفت لها: ما ودك تطفين النور اللي وراك؟ يعور عيوني
سُدن، بنفس البرود: اطفِه بنفسك
ردّ ما توقعته. لف جواله ع الطاولة، وقام بدون أي تعليق، وطفى النور فعلاً، ورجع جلس ثواني صمت طويلة سلطان، فجأة: لو تبين نغير الوجهة، قولي. ما ودي تسمّين هالشهر... شهر نكد
يضحك ب اخر كلامه، وسُدن، تلتفت عليه أخيرًا بنظرة حادة: ما كان ودي أسميه 'شهر زواج'
رمقها بنظرة سريعة، وما قال شيء بس ضحكته اختفت، وصار الجو أثقل سلطان، وهو ياخذ الجوال ويرجع يطالع فيه: على راحتك. بس لا تتوقّعين مني ألعب دور الزوج المتأثر، لأن الصراحة... ما عندي طاقة لتمثيل
رجعت تطالع البحر، وعيونها فيها دمعة حارقة رفضت تنزل مو لأنه قال كلام جارح، لا... لكن لأنه ما همه أصلًا إنها تكرهه سُدن، بصوت واطي: لو إنك تحاول تكون بارد، فـ مبروك... نجحت
سلطان، وهو يرد وهو ما يرفع عيونه عنها: أنا ما أحاول. أنا كذا. وانتِ بعد... كأنك جاية بس علشان تخلين الوقت يعدي
سُدن، بمرارة: لأني فعلاً كذا
قام سلطان، راح جهة السرير، مسك مخدته وسحبه للطرف الثاني سلطان، وهو يطالعها لحظة قبل لا يستلقي: ما بيني وبينك شيء... وخلينا نحافظ على كذا. أوضح وأريح
سُدن، بصوت منخفض جدًا وهي تعض على شفتها: واضح من البداية، لا تحاتي
جلس كل واحد في طرف، كأنهم ضيوف غرباء، مو اثنين بشهر عسلهم،
رُبى رفعت فنجانها، رشفت رشفة بسيطة، ثم حطته بهدوء على الطاولة، وبعدها التفتت لصقر اللي كان يراقبها بنظرة هادية لكنها جاهزة قالت بصوت واثق: يلا حبيبي، تأخرنا، عندنا شغل بالشركة اليوم، لا تنسى اجتماع الساعة عشرة
صقر هز راسه: تمام، خليني أطلع أجهز ملف–
لكن الصوت اللي قاطعهم كان كفيل يجمّد الجو كله فهد بصوت عالي وجاف: لا، هو ماراح يروح معك، خليه يعرف حدّه، هذا شغال عندنا، خادم مو أكثر! ما يصير يطلع يتمشى معك وكأنه مدير!
السكوت خيم، الكل التفت، العيون بين مصدومة ومترقبة، لكن رُبى؟ ما رمشت حتى. قامت من كرسيها بكل هدوء، مدت يدها وأخذت شنطتها، ووقفت قدام أبوها مباشرة قالت بنبرة جامدة لكن حادة، صريحة بس راقية: أنت غلطان... صقر ما هو خادم. هذا زوجي، بعقد رسمي وشرعي. وإذا ما تبونه يشتغل عندكم، تمام، هو أصلاً من اليوم ما عاد له شغل هنا، لأنه من بكرا بيصير يشتغل في شركتي
رمقت العيلة بنظرة وحدة: وإذا تبون تعرفون أكثر... ترى صقر بيكون شريك في أملاكي، وكل شيء أملكه بيكون له جزء فيه. شركتي، وأراضيي، واستثماراتي، كلها بيكون له فيها صوت
شهق متعب: إنتي مجنونة؟ تتنازلين عن أملاكك لشخص زي هذا؟
سعود قام وهو يصرخ: إنتي تدمرين سمعة العيلة! كيف تقولين كذا قدام الكل؟! صقر؟ شريك؟!
تركي ضرب الطاولة بيده: لا لا لا، أنا ما راح أسكت! هذا مهزلة! الحارس الشخصي يصير شريك؟!
شهد بخبث: تدرين، شكلك تبين تقهريننا، بس تراكي ما ترفعين راسنا، هالحركات ما تمشي علينا
ناصر نظر لفهد: أنت ساكت؟! هذا ولدك سمح لهالخراب يصير؟
فهد عصب ووقف، وجهه احمر وعيونه تقدح شرار: أنتي فعلاً تفضحين فينا! تتزوجين خادم وتسوينه شريك؟! على جثتي يصير له مكان بينّا!
لكن رُبى ابتسمت، ابتسامة هدوء العاصفة، وقالت بهدوء يخوف: وأنا وش دخلني بجثتك؟ أنا ما خذّت رأيك يوم تزوجته، ولا بأخذ رأيك بحياتي. تظنون إنكم تتحكمون بي؟ لا والله... رُبى الجاسر صارت شيء ثاني. واليوم بس، تعرفون إنكم ما تعرفون عني ولا نص الحقيقة
التفتت على صقر، ومدت يدها له: يلا حبيبي... عندنا شغل ننجزه
صقر وقف، أخذ يدها قدام الكل، وصمت، لكنه بنظرة وحدة وزنه العيلة كلها، ثم نطق بجملة قصيرة: شكلكم ما تعودتوا أحد يوقف بوجهكم... بس اليوم تغيرت اللعبة
وطلعوا سوا، تاركين وراهم فوضى، أصوات تعلو، اعتراضات تتصاعد، لكن رُبى؟ كانت تبتسم... لأن اليوم، هي كانت المنتصرة ،،
داخل السيارة – بعد خروجهم من القصر
ركبت رُبى جنب صقر في المقعد الأمامي، لبست نظارتها الشمسية، وفتحت شنطتها بهدوء وهي تطلع منها ملف صغير وتحطه على حجرها، كأنها فعلاً رايحة دوام وما صاير شي قبل ثواني صقر سكت وهو يشغل السيارة، بس عيونه كانت تراقبها من طرف المراية. لاحظ كيف إنها هادية، باردة، كأنها ما تركت قنبلة موقوتة تنفجر وراهم قبل شوي قال بهدوء: كنتي واثقة جدًا
ردت وهي تطالع قدامها، نبرتها هادية بزيادة: لأني أعرفهم، وأعرف كل واحد متى تنفجر أعصابه، وأي كلمة تهزه. أنا بس أعطيهم الشرارة... وهم يحرقون بعض
ابتسم بخفة: يعني اللي صار كله تمثيل؟
التفتت له بنص وجهها، وقالت بصوتها اللي فيه نبرة برود: ما كان تمثيل... بس كان مدروس
صمت ثواني، بعدين سألها بصوت منخفض، وكأنه ما قدر يكتمه أكثر: رُبى... إنتي تحبيني؟
هنا... سكتت ما ردت مباشرة. شالت النظارة الشمسية ببطء، ولفت له وجهها، تطالعه بنظرة استخفاف باردة قالت وهي تميل عليه شوي، بصوت فيه سخرية: أنا؟ أحب؟ شكلك ما تعرف مين رُبى بنت نوال
ضحكت ضحكة قصيرة ما فيها ذرة دفء، ثم أشارت على صدرها او على قلبها وقالت: أنا هنا... ما يزرع فيه لا حب ولا عطف. هنا ينزرع الكره، ينمو الحقد... ويتغذى على الخذلان
نظرت له نظرة مباشرة، ما فيها أي تردد: اسأل العيلة أنا مين. كل واحد فيهم يعرف رُبى اللي ما يهمها أحد، ولا عمرها سمحت لأحد يلمس نقطة ضعفها... ولا راح أبدأ فيك
رجعت نظارتها الشمسية بهدوء، وأسندت راسها على المرتبة، وقالت وكأنها تسكره الموضوع نهائيًا: يلا قدامنا شغل كثير، لا تضيّع وقتي بسؤال ماله معنى
وصقر؟ ما قال شي... بس ملامحه تغيرت، كأن شي داخله انكسر شوي مو بسبب الكلام، بل بسبب الطريقة الباردة اللي انقال فيها لكن رغم البرود، كان فيه شي بعينه... وكأنه مصمم يكسر الجدار اللي بنتها رُبى حول قلبها،
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!