الفصل 33 | من 49 فصل

رواية أنا بنت الغايب، بس ما ني غايبة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم غير معروف

المشاهدات
20
كلمة
3,764
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

الساعة 11:10 مساءً
أغلب أفراد العائلة متجمعين، الجلسة مشحونة، الوجوه متوترة، من الصباح وهم ما شافوا لا رُبــى، ولا متعب، ولا صقر، ولا شهد هند تهمس لعبدالعزيز: ما تتوقع إنهم سافروا؟
جنى تطالع الجوال وتقول بخفوت: حتى صقر ما يرد... وربي قلبي مو مرتاح
تركي واقف بعيد، وسعود أبو متعب جالس جنب الشيخ راشد، وجهه فيه تساؤل ما قدر يسأل بصوت وفجأة... الباب يفتح رُبــى تدخل... ورآها شهد، وجهها باهت، وعيونها حمر من البكاء، تمشي وهي تحاول تتماسك... لكن أول ما تشوف منيرة تنهار تركض عليها... وتطيح في حضنها وهي تبكي بصوت يهز المكان: يمــــه... يمه متعب... متعب راح!!
منيرة ترتبك، تحضنها وهي تقول بصوت حاد: شهـد! شهـد! وش فيك؟!!
تطالع رُبــى من فوق كتف بنتها، تصرخ بوجهها: أكيد مسويه ببنتي شي! يا مريضة!
رُبى ما ترد... ساكته، واقفة مكانها، وجهها جامد بس عيونها ذابحة فهد يوقف ويبي يتكلم: رُبـى، اختك وش...
لكن صوت الشيخ راشد يقطع المكان بحدة ملك: رُبــى، وش صاير؟
كل العيون تتجه لها الهواء صار ثقيل اللحظة واقفة كأن الزمن توقّف فيها رُبــى تلتفت... بس مو لجدها تلتفت على عمّها سعود، أبو متعب تمشي له خطوتين، توقف قدامه، وتنزل عيونها بنبرة هادية جدًا، مكسورة جدًا، تهمس له: عظّم الله أجرك يا عمِّي
سعود أول ما سمعها... قلبه وقع وقف مكانه، مافيه نفس، وقال بصوت مبحوح: وش قلتي؟
التفت برعب يشوف اذا متعب موجود يردف بخوف: رُبى ولدي متعب وينه؟
رُبـى رفعت عيونها له، ما قالت شي... بس نظرتها كانت تقول "أنا آسفة"،
والدموع نزلت من زاوية عينها بدون صوت أم متعب صارت تصيح وهي ما بعد فهمت شي: وش فيه متعب؟!!
وين ولدي؟!
رُبـى؟!
وش سوّيتي فيه؟!!!
رُبــى ترجف، تاخذ نفس، تقول بصوتها اللي يقطع القلب: حاولت ألحقه...
بس الرصاصة كانت أقوى
الصدمة تضرب المكان ريم تحط يدها ع فمها، نوره تستند ع الطاوله تنهار، وساره تغطي عيونها وتهمس: لا اخوي ماصار فيه شي لاا
مسك يدها زوجها بقوه يضمها وهي انهارت بكى، ومنيرة تشهق بصوت عالي والكل ساكت بصدمه ام متعب تصرخ وتطيح على الأرض، تصيح بألم: متعب!! لااااا!! يا الله ولديييي!
وسعود يجلس مكانه، ووجهه تجمّد، عيونه طاحت، وهمس بينه وبين نفسه: ولدي راح؟... راح؟
الشيخ راشد يناظر رُبــى، يقول بهدوء شديد: وش صار يا بنتي؟ نبي نعرف كل شي
رُبــى تأخذ نفس ثقيل، تحاول تتماسك... وتبدأ تحكي، كلهم فجأة يلتفتون لشهد هند بصوت ناعم بس متوتر: شهد؟ وش صار؟ ليش خطفوك؟
ريم تقرب خطوة: يا شهد تكلمي، ليه كانوا معكم؟ ليه رُبى قالت رصاصة؟ منو أطلق؟!
شهد تبلع ريقها، ملامحها تنهار، وعيونها توسّعت... وتقول بصوت مهزوز: أنا... ما أدري أنا كنت أكلمه، وطلبت منه يساعدني... بعدين فجأة اختطفت، مدري شلون صار... أكيد كانوا يطلبون فلوس... مدري، مدري!
صوتها بدأ يرتفع، وخوفها واضح، تحس كلهم يلومونها بعينهم، وهي بنفسها مو مستوعبة إنها "السبب الخفي" سعود يرفع عينه لشهد، عيونه فيها نار وانكسار، يبغى يصرخ، لكن... يد تنحط على كتفه، يد ثقيلة... الشيخ راشد الشيخ يقول له بهدوء عظيم، صوته واطي لكنه واضح: يا سعود... هدي مو وقت اللوم... الحين وقت نعرف كل التفاصيل، وندفن ولدك بكرامة
سعود يهز راسه بقوة، يطيح الدمع من عينه، يقول بصوت مخنوق: ما شفته من يوم سافرنا... ولا حتى ودعته... ويموت هناك؟!
راشد يحضنه للحظة، أول مرة ينكسر الكبار قدام العيلة كذا رُبـى تطالع الموقف، صدرها يضيق، تبغى تصرخ، تبغى تطلع، تبغى تهرب... بس واقفة صوت ام متعب الي ماسكينها الحريم يكسر الصمت: أبغى أشوفه... أبغى ولدي... رجعوه لي
تذكرت رُبى للحضه موت امها، بس مو وقت ضعفها!!






الطيارة نزلت على أرض السعودية... السماء صافية، بس الأرض مليانة صمت، كأنها تبكي بصمت مع العيلة الجثه نُقل في الصندوق الأسود، بإشراف من صقر ورُبى كل العيلة نازلين، سكتهم تحكي كل شيء سلطان وسدن نازلين مع البقية، سدن تمسك شنطتها، ووجهها متوتر... سلطان يمشي قدامها، وما رفع عينه عن الأرض الكل يطالع رُبــى نظراتهم تقول: "لو ما كنتي عنيدة... لو ما كنتي صاحبة القرار... كان متعب حي." تركي واقف عند سلم الطيارة، صوته واطي بس قاطع: ما توقعت إنك توصلينها لهنا، رُبـى لو ماسفرتينا كان متعب معنا!!
موضي تهمس بصوت بارد وهي تمسك شهد: كنتِ دايم تجيبين الحزن... بس هالمرة؟ دفنتيه بيدك
حتى هند، اللي دايم تحاول تكون متفهمة، ناظرتها وهي تطيح عينها بسرعة شهد؟ رمقتها بنظرة "انتصار صغير"، بس كانت تغلي من داخل وغادة؟ بس طاحت دمعتها بصمت، وما تكلمت ورُبـى؟ نازلة من الطيارة بثبات عبايتها تهتز مع الهواء... لكن خطواتها ما تزلزلت ما نطقت ما رفعت راسها ولا حتى طاحت دمعتها كانت تمشي وكأن الجنازة جوّاها... مو بالصندوق اللي وراها صقر يمشي بجنبها، عيونه تمسح الوجوه يبغى يتكلم، يدافع عنها... لكن شافها ساكته واختار يسكت معها الشيخ راشد كان آخر من نزل وقف على طرف السلم، وعيونه على رُبـى، ثم نزل وهو يهمس لحاله: إذا مات متعب... ما راح ندفنه بالحقد







قصر الجاسر – جناح رُبى
كانت الأجواء في الجناح ثقيلة، كأن الحزن متكوم على الزوايا. رُبى جالسة على طرف السرير، تمسك كوب قهوة صار بارد من كثر ما نسته. عيونها جامدة، تفكيرها مشتت، وصدى خبر الوفاة لا يزال يرن في أذنيها صوت خفيف على الباب، ثلاث طرقات مترددة... نظرة رُبى راحت للباب بدون ما تنطق، بس ما مرت ثواني إلا ودخلت نورة، بهدوء وخوف كانت واقفة عند الباب، عيونها حمراء ووجهها شاحب، لكن ملامحها كانت مكابرة، تحاول تبين إنها قوية، وهي من داخلها مكسورة تمامًا: رُبى...
صوتها طالع بصعوبة، كأنها بتطيح رفعت رُبى رأسها، نظرتها حادة لكنها تعرف الحزن لما تشوفه: وش تبين؟
تقدمت نورة، وقلبها يدق بقوة، وكل خطوة كأنها تدفع بجدار من الخوف: أبشوفه...
رُبى شهقت خفيفة بدون ما تطلع صوت، وضاق صدرها. سكتت كم ثانية، حاولت تفهم، لكنها سألت ببرود: تشوفين من؟
نورة عضت شفتها، وتحاشت نظرات رُبى: متعب... أبي أشوفه قبل يدفنونه
رُبى قامت من مكانها، خطوة قوية، ومشت لها: ليه؟ وش بينك وبينه؟
نورة سكتت، بس دمعتها خانتها وطاحت. حاولت تمسحها بسرعة، كأنها ما تبي تنفضح: أنا ما قلت لأحد... ولا راح أقول. بس قلبي ما صدق، ومو قادرة أتحمل فكرة إنه راح بدون ما أشوفه تكفين رُبى
رُبى طاحت نظرتها عليها، وحست بشي غريب... أول مرة تشوف نورة بهالضعف، بهالصدق. مو نورة اللي دايم رافعة راسها وتتكلم بثقة... ذي بنت تحب، تحب من قلب، وساكتة على حبها طول العمر: أنتِ تحبينه؟
سألتها بهدوء نورة طأطأت راسها، ودمعتها نزلت بصمت: إيه... من زمان. ما قلت لأحد. بس كان قلبي معه. حتى لما كان قاسي معي، حتى لما ابتعد... كنت أحبه
صمت طويل، ما في إلا صوت أنفاس نورة المرتجفة رُبى تنهدت، ومشت بهدوء ناحية الخزانة، طلعت عباية سوداء وطرحة: قومي... البسي
رفعت نورة راسها مصدومة: رُبى...
قاطعتها رُبى وهي تمد لها العباية: راح أوديك له... بس ما أحد يدري. ولا كلمة لأحد، فاهمة؟
نورة هزت راسها بسرعة، وعيونها تدمع من جديد: الله يخليك... ما راح أنسى لك هاللحظة أبدًا
لبست نورة بصمت، وخافت تتنفس من قوة الخوف والاشتياق. رُبى طلعت معها من الجناح، بخطوات واثقة، تمشي وكأنها تحميها من العالم كله في السيارة، ما انطقوا بكلمة. نورة تحاول تجهز نفسها، وقلبها يضرب بقوة كانت يدها تمسك طرف الطرحة كأنها تتشبث بالأمل الأخير،






المستشفى – قسم الموتى
الصالة باردة، وكأنها مو بس تحفظ الأجساد، تحفظ معاها القصص اللي ما اكتملت... والحب اللي انكسر بنصه متعب مسجّى قدامهم، مغطّى بشرشف أبيض، ووجهه ساكن كأنه نايم على ضيق الدنيا نورة وقفت قدامه، ورجولها ترجف، وعينها تدمع من غير صوت بالبداية... بعدين انفتح كل شي جواتها دفعة وحدة: قُلت لك... تذكر؟ قلت لك إني أحبك
صوتها واطي، مكسور: قالو لي لا تقولين... قالو لي لا تفضحين نفسك... بس قلتها لك، وأنا ارتجف، وأنا أحلم أنك تمسك يدي... بس كل اللي سويته إنك رفضتني
شهقت، وبكت وهي ترفع يدها وتغطي فمها، كأنها تكتم الصرخة: قلت لي إنك ما تشوفني كذا... إنك ما تفكر فيني بهالشكل. وأنا؟! أنا سكت... قلت عادي، أهم شي تبقى، حتى لو ما تحبني...
ركعت عند طرف السرير، وراسها انخفض، ودموعها طاحت على البلاط البارد: بس رحت... رحت قبل لا أسامحك، قبل لا أنسى كلامك، قبل لا أتعلم أعيش بدونك
رفعت عيونها له، ووجهها مبلول: كنت أقول خلاص... بكرا أنساك... بس ما نسيت. حتى بعد ما جرحتني، ما قدرت أكرهك. حتى وأنا مكسورة... كنت أحبك أكثر
مدت يدها ولمست أطراف أصابعه الباردة: كنت أقول لنفسي إنك راح تفهم... بعدين. إنك راح ترجع. إنك بتعرف إن قلبي كان لك، وإنك ما لقيت مثلي
صوتها بدأ يرتجف أكثر: بس الآن؟ بتدفنونك؟ بتاخذونك؟ وأنا؟! وش أسوي أنا؟! قل لي... قل لي متعب!
صوتها كان صرخة مخنوقة، وانهارت مرة ثانية تبكي، تبكي من جوف قلبها، من كل الأيام اللي حبته فيها وهو ما درى... أو درى ورفض في الزاوية... رُبى كانت واقفة. جامدة، ساكنة، بس كل شي جواتها يتحرك رُبى تعرف الجرح... بس ما شافته بهالطريقة قبل نورة ما بكت حب... نورة بكت هزيمة ووسط بكاها، قامت رُبى، مشت بهدوء، واقتربت منها نورة ما شافت، بس حست حست بذراعين يلفّونها رُبى حضنتها مو حضن تعزية... حضن صادق، ثقيل، يشيل شوي من وجعها ما قالت شي... ما همست، ما مسحت دمعتها... بس حضنتها بكل صمت العالم ونورة... لأول مرة، بكت على كتف أحد، وهي ما تنتظر منه رد... بس تبغى أحد يفهم: "أنا كنت أحبه... وهو ما حبني"











مجلس العائلة – قصر الجاسر – مساء ثالث ايام العزاء بعد نهاية العزاء – الساعة 10:15 مساءً
المجلس كبير، الأضواء هادئة، الوجوه متشنجة الكل موجود... الرجال في جهة، الحريم في جهة الهدوء ثقيل، محد يتكلم... لأن رُبــى توها داخلة، ومعها صـقـر رُبــى لابسة عبايتها السودة، تمشي بخطوات ثابتة، تشيل شنطتها، وتقعد بجنب الشيخ راشد صقر واقف وراها بصمته المعتاد، لكنه عيونه كلها يقظة الشيخ راشد يناظرها، ثم يقول بصوته العميق اللي الكل يسكت له: وش فيكِ يا رُبــى؟ تحسين تبغين تقولين شي؟
رُبـى ترفع راسها، تناظر في وجه جدّها، وترد بهدوء واضح: إي، في شي... ولازم ينقال
تلتفت بهدوء وتناظر شهد، تقول: شهد... بسألك سؤال بسيط
شهد تتوتر، تطالع أمها منيرة، تطالع الأرض: وشو؟
رُبـى: كيف انخطفتي؟
الكل يلتفت على شهد اللحظة تجمدت شهد تتلعثم وتقول بسرعة: مدري! كنا راجعين من الحديقة... وانا كنت ماشية وراكم شوي... وفجأة غمّوا عيوني وخذوني!
تركي يقول بصوت ساخر: انتي وين بتوصلين بالأسئلة ذي؟! ليش تسألين شهد؟
رُبـى، تلتفت بحدة عليه، وترد بنبرة قوية: أنا أسألها كيف انخطفت وهي وسط فندق حاجزته أنا بالكامل... ومليان حرس من عندي، ومن جهة صقر، ومن الفندق نفسه
الكل يبلع ريقه الجو صار متوتر أكثر سعود أبو متعب يهمس: فعلاً... كيف صارت؟
رُبـى تكمل، وتفتح شنطتها، تطلع ملف، وتحطه قدام الشيخ راشد، وتقول: اليوم، تم القبض على واحد من اللي كانوا خاطفين شهد... بمطار السعودية، وهو يحاول يهرب بهوية مزوّرة
عيون الكل توسعت دلال تغطي فمها، منيرة تناظر شهد بصدمة، وموضي تحاول تفهم رُبـى تكمل: بعد التحقيق، تبيّن إن اللي خطط لكل شي شخص سعودي... هو اللي موّل، ورتّب، وطلب ينعرف جدول تحركاتنا هناك
الشيخ راشد يحرك رأسه ببطء، يهمس: مين هو؟
رُبـى ما ترد... بس تلتفت على عمّها بدر تسأله بنبرة حازمة: عمّي بدر... تبيني أقول أنا؟ ولا تخليها تعترف بنفسها؟
بدر منصدوم، يناظر رُبـى، ثم يطالع شهد اللي بدأ جسمها يرجف شوي رُبـى تلتفت على شهد من جديد، وتقول: هاه يا شهـد... تعترفين ولا أقول؟
ترا انكشفتي كفاية لعب!
شهد تنهار شوي، تحاول تتكلم: أنا... ما كنت أقصد... كنت أبغى أبعدك... كنت دايم تاخذين كل شي، حتى أبوي يحبك أكثر!
الكل مصدوم، ريم تهمس: انتي... انتي اللي دبرتي خطفك؟!
رُبـى: ما خطفت نفسها، بس رتبت مع الشباب اللي تكلمهم على انهم معجبين فيها... ما حسبت حساب إن متعب بيكون معنا... وكان كل هدفها تخليني أتهور... وأنه ينقلب الوضع علي
منيرة تصرخ: انتي تكلمين شباب؟!!!
شهد تنهار، تبكي، تقول: أنا آسفة... أنا ما توقعت أحد يموت!
رُبــى وقفت، عيونها ثابتة، لهجتها باردة كأنها قاضية تنطق بالحكم تقول وهي تناظر شهد نظرة مباشرة: شهد، ما عاد ينفع تعتذرين انتهى الوقت،
كل شي تأكد... التحقيقات، التسجيلات، حتى المحادثات من جوالك، كل شي معنا وحنا ما نتكلم عن إشاعة أو سوء فهم... أنتِ كنتِ ناوية، وكنتي تعرفين إنه ممكن أحد يموت، وما هزّك هالاحتمال، بس هزّك إن مخططك فشل
شهد تبكي وتقول: رُبـى لا تكبرينها... أرجوك...
لكن رُبــى تقاطعها، وترفع يدها: كفايه ما عاد فيه مجال للكلام... ولا حتى للدموع
ثم تلتفت على الباب، وتناظر صقر، وتقول بهدوء: صقر، بلغهم يدخلون
صقر يومِّي براسه، يفتح الباب... ووراه رجلي أمن بلباس مدني واقفين بهدوء كل العايلة تجمدت حتى منيرة وموضي انصدموا وليد حط يده على فمه والشيخ راشد بس نزل راسه، كأن ظهره انكسر أكثر رُبــى تمسك شنطتها، تطالع شهد اللي جسمها بدأ يرجف وهي تقول بصوت مخنوق: رُبـى لااااا... أنا أختك!
ورُبـى ترد بنبرة مؤلمة، قوية، ثابتة: إيه، كنت أختي... بس بعد اللي سويتيه؟ أنتِ مجرمة، واللي سويتيه لازم يتحاسب عليه القانون... مو القلب
تتقدم من شهد خطوة، وتنزل صوتها بس يكون مسموع: تفضلي، الشرطة برا تنتظرك
شهد تنهار، تصيح، تقول: مستحيل تسوينها! أنتِ رُبـى!! أنتِ قاسية!
ورُبـى تلف وجهها عنها، تمشي تطلع من المجلس وهي تقول: تعلمت القسوة من ابوك... بس استخدمتها بالطريق الصح
يبدأ رجال الأمن يقربون من شهد، ومنيرة تصرخ: لااااااااااااااااا!
وتهرول تمسك بنتها، لكن صقر يوقفها بهدوء ويقول: رجاءً... خلّي القانون ياخذ مجراه!!





منيرة تنهار على الأرض، وجهها مشوه من الدموع، وعيونها ما تشوف غير ظهر الدورية اللي خذت بنتها تركض صوب فهد، تمسك طرف ثوبه، وتبكي بصوت مبحوح: فهد تكفى... تكفى بنتك، لا تخلّيهم ياخذونها!
شهد ما كانت تقصد! كلم رُبـى، خذها من الشرطة! سو شي!
فهد واقف، عيونه معلقه بالأرض، صامت... ما تحرّك، ولا حتى التفت منيرة تبكي أكثر، تشهق وهي تقول: شهد بنتك! أنا أعرف إنها غلطت... بس ما تستاهل السجن، فهد لا تكسرها، تكفى لا تكسرني
هنا، جت أم متعب تمشي بهدوء، بس وجهها مشدود كأنها تحاول تتماسك...
منيرة شافتها، تركت فهد، وركضت صوبها، تمسك يدها وتقول: تكفين يا أم متعب... انتي أم، وتدرين وش يعني أشوف بنتي تنسحب قدامي وأنا ما قدرت أسوي لها شي...
لكن أم متعب وقفت، سحبت يدها بقوة، وقالت بصوت واضح، مليان وجع: وانا شفت ولدي ينزف قدامي...
وانا ما قدرت أنقذه، ولا حتى أمسح دمه عن الأرض
منيرة شهقت، تحاول تتكلم، لكن أم متعب ما أعطتها فرصة: شهد ما كانت ضحية... شهد كانت سبب وكل اللي صار، صار لأنها لعبت بالنار...
والنار حرقت قلبي أنا
صوتها ارتفع وهي تقول: متعب مات عشان يحمي بنتك وماعرف انها هي الي مخططه، لو تدري إن فيه رجال بيطيحون فداها، ما خططت تخليهم يموتون!
منيرة تنهار أكثر، لكن فهد أخيرًا تكلم... صوته طالع من جوف مليان ندم وقهر: أنا سكّتّك كثير يا منيرة، وغطّيت على كثير... بس خلاص، اللي انكسر ما يتصلّح شهد بتدفع ثمنها، مثل ما دفع متعب عمره
منيرة تنهار بصوت عالي: يعني بتخلي بنتك تروح للسجن؟!
فهد يلتفت عليها، بصوت هادي بس أقسى من الصراخ: أنا ما خذيت رُبـى بحضني لما كانت تبكي من موت امها فلا تتوقعين آخذك أنتي أو شهد من بعد ما مات ولد اخوي بسببكم
منيرة تبكي، تركع على الأرض، وأم متعب تدخل القصر بدون ما تناظرهم.
فهد يوقف لحظة، يتنفس بعمق، ثم يمشي وراه... بدون ما يلتفت وصوت الباب الثقيل للقصر ينغلق... وكل اللي بقى هو صدى بكاء منيرة في ساحة ظلامها الخاص، رُبـى، واقفة وراها، بصمتها المعتاد... لكن عيونها حارّة، تحترق من الداخل وقفها ثابت، عبايتها تتحرك بهدوء مع نسمة الليل بس كلامها؟ يقطع مثل السكين رُبــى بصوتها القوي البارد: ما انتهى شي يا منيرة...
منيرة شهقت، التفتت ببطء، شافت رُبـى واقفة، ووجهها خالي من الرحمة.
عيونها ما ترجف، وصوتها ما يهتز رُبــى تقترب خطوتين، وتكمل بنبرة ثقيلة توجع: تتوسلين عشان بنتك؟ طيب وأنا؟ أنا من اللي توسّى لي؟
من اللي شالني لما أبوي صدّق كذبكم؟ من اللي وقف قدامي وقال آسف؟ محد
منيرة تحاول تقوم، تتكلم، بس رُبـى ترفع يدها وتنهرها بنظرة: اسكتي...
لسّا ما خلّصت الحين شهد راحت، بس لسا باقي انتي... وانتي ما كنتي أبد أضعف من بنتك، أنتي أساس الخراب
الهواء ثقيل... البوابة مفتوحة جزئيًا... لكن محد يقدر يهرب من الجو رُبـى تلف وجهها شوي، تقول ببرود مؤلم: احمدي ربك... أني ما استخدمت تركي ضدكم، ولا فضحتكم من أول، قررت أستعمل شهد بس، عشان أعرف كيف تضربكم الضربة الأضعف
تتقدم منها أكثر، وعيونها تضربها مثل الطلق: انتي... جبتيها بالحرام، وعلمتيها تمشي نفس الطريق طريقك اتهمتيه امي الي ماتعرف بهاذا الشي حتى
منيرة تصرخ: كذابة! فهد ابوها!!
رُبــى: وانا أعرف كل شي... وأعرف إن اللي بينك وبين فهد بدأ بكذبة، وانتهى بكارثة ومو بس كذا... حتى موضي؟ شريكتك من أول يوم... أنتو اثنينكم سمّ القصر واعرف انه تركي من فهد بس شهد قوليلي من اي شخص زباله مثلك جبتيها؟
رُبـى توقفت عند طرف الدرج، وناظرتها من فوق: بس لا تخافين...
لسا في شي جاينا، وبيكشفكم أكثر، لأن حبل الكذب قصير، وأنا ساحبته بإيدي
تتركها، وتدخل القصر بخطوات باردة، منيرة تصيح وتهذي، تحاول توقف لكن ركبها تخذلها، وصوت رُبـى من داخل القصر آخر ما يُسمع: ترى ما خلّصنا... هذي كانت البداية والله لذوقك كل عذاب ذوقتيه امي!!

"يتبع"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...