القاعة كبيرة، ممتلئة، متوترة.وكاميرات الصحافة موزعة بكل زاوية. اللافتة خلف القاضي تلمع تحت الأضواء: جلسة مفتوحة – قضية الجاسر والتحرّش القاصر الساعة 10 صباحاً، الصحفيين يمسكون دفاترهم. قنوات البث تشتغل. وهاشتاقات تويتر تمشي بالنار:
#قضية_الجاسر
#المحامية_رُبى
#العدالة_أقوى_من_الاسم
القاضي ضرب بمطرقته: نبدأ الجلسة الثانية. المحامية رُبى فهد الجاسر، تفضلي بتقديم التفاصيل.
وقفت رُبى، بثقة مرعبة. بذلتها سودة، نظرتها ما تطيح: سيدي القاضي، حضرات الحضور... اليوم ما أتكلم كفرد من عائلة الجاسر، ولا حفيدة راشد الجاسر. أنا واقفة هنا كمحامية... تمثل قانون بلد، مش اسم عيلة.
الصحفيين رفعوا رؤوسهم... الكل يسجل: قدّمت الضحية تفاصيل توضح أن الحساب اللي تواصل معها ما كان باسم وليد. كان باسم مستعار "سـلوووم".
الضحية ما كانت تعرف وجوهنا كويس، لكن التفاصيل كانت تفضح الفاعل.
رفعت ورقة فيها صورة السوار: سوار جلدي، عليه أول حرف من اسم سلطان. وصوت التهديد اللي وصّلتنا الضحية، ما كان صوت وليد.
القاضي: هل تأكدتي من المطابقة؟
رُبى ببرود: نعم. عن طريق خبير أصوات موثّق، وصور يدٍ حُفِر فيها الحرف، وتحقيق شخصي خارج اسم العائلة. الضحية شهدت، والصوت أكد، والأدلة تؤكد أن المتحرّش، هو سلطان ال....
الصمت نزل مثل المطر... وكل الصحفيين انفجروا بالكتابة. كاميرات البث انقلّت على وجه سلطان، اللي كان وجهه شاحب كالثّلج. وعلى فهد... اللي ما تكلم، لكنه طالع فيها بنظرة طويلة، مشاعرها ضايعة بين الغضب والفخر. راشد الجاسر رفع راسه من كرسيّه... عيونه تشوف رُبى، وتشوف سلطانه تنهار قدام الكاميرات. لكن رُبى؟ ما خلصت. رفعت صوتها: وأي أحد حاول يضغط عليّ أو يسكتني، هو شريك بالجريمة. أنا أنتمي للحق... ولو أنتم أهلي، بس العدالة هي عائلتي. القضية ما انتهت... لكن سيدي القاضي...
أنا أطلب من المحكمة حماية الضحية من أي تدخل عائلي أو اجتماعي.
وأطالب بتوقيف سلطان فورًا، ومنع عائلة الجاسر من التدخل القضائي أو الإعلامي.
ضرب القاضي بالمطرقة: الطلب مقبول. وتصدر مذكرة توقيف بحق سلطان الجاسر للتحقيق الكامل.
وارتفع صوت الصحفيين، وكل المملكة تشوف رُبى وهي تنسحب من المنصة... ما نزلت راسها، ولا اهتزت يدها،
قصر الجاسر،
الشاشات ما زالت تعرض إعادة للبث المباشر... ورُبى واقفة أمام القاضي، وكلماتها تتكرر كصفعة: أنا أنتمي للحق... ولو أنتم أهلي، العدالة هي عائلتي.
سارة تقلّب في جوالها، تقول بضحكة مكسورة: واثقة زيادة عن اللزوم... حبت تسوي فيلم بطولتها!
مي تمسك فنجانها بقوة، تقول بصوت مشحون: هذي البنت جالسة تحطنا بالسجن واحد واحد... وش باقي؟ تقول عنا عصابة؟
ريم تغمز وتقول: بس والله وقفتها تخوّف... بس هي تبغى تتفاخر، تبغى تكون "المحامية الخارقة". تحسب نفسها بطلة مسلسل.
نورة، بهدوئها المعتاد، قالت بدون ما تطالعهم: هي ما قالت كذب... سلطان فعلاً غلط. وإذا سكتوا عليه، في بنات غير الضحية بينكسرن.
سكتوا. كلام نورة ما كان عادي... وجاهم مثل صفعة راقية. رغد (المدللة)، كانت قاعدة تقلب سنابها، وتقول بنبرة فيها قهر مراهقة: كل الناس يتكلمون عنها... كل البنات يقولون 'ودي أكون رُبى الجاسر'... حتى صديقاتي!
هند، الهادية العاقلة، نظرت في الشاشة وقالت بهدوء وهي تمسك سبحتها: رُبى ما كانت تبغى شهرة... كانت تبغى تحمي وحدة انكسرت.
واحنا؟ ضايعين بين الحسد والغيرة.
لطيفة، اللي دايم بعيدة عن الحوارات، رفعت راسها أخيرًا: أنا فخورة فيها...
يمكن غلطنا كثير بحقها، بس البنت وقفت بشرف.
غادة قالت وهي تطالع الشاشة: أمها كانت نفس كذا... ما تسكت عن الظلم.
ورُبى طلعت بنتها فعلاً.
شهد، أخت رُبى، ما تكلمت. كانت تبكي بصمت، مو حزن... قهر داخلي.
كل السنوات اللي حاولت تتفوق فيها على رُبى، طاحت بلحظة وحدة. وهي تهمس لنفسها: كنت أظنّني الأهم... بس الكل يشوف رُبى، مو أنا.
البيت كله ساكن...
بس التوتر ساكن في الزوايا، في الجدران، في أنفاس الموجودين، مجلس العائلة الكبير مزدحم، بنات العيلة متجمّعات بنص الصالة، عمّاتها، زوجات أعمامها، وبعض أولاد العيلة جالسين بصمت، كأنهم خايفين يتنفسون. وفي الزاوية، وليد واقف... عيونه ما تفارق باب القصر. الباب ينفتح. رُبى تدخل.
نفسها طويل، وملامحها ما تغيرت، لسا فيها نفس الكبرياء اللي طلعت فيه من قاعة المحكمة. وليد تقدم خطوة، صوته هادئ لكنه مليان تقدير صادق: رُبى... قبل أي شي، أشكرِك... انك وقفتي على الحقيقة، وكشفتي كل شي. لو ما انتِ... كنت انسجنت، وتلطخت سمعتي بشي ما سويته.
ثواني تمر... الكل ساكت، حتى الهمسات انقطعت. رُبى نظرت له، بهدوء، بدون تودد أو جفاء: أنا ما كنت أدور أثبت براءتك... كنت أدور أثبت الجريمة. ولو كنت أنت الفاعل، ما كنت بتردد لحظة. بس لأنك بريء... قلتها.
قبل ما وليد يرد، صوت راشد الجاسر قاطع، مثل السكين: يكفي
الكل استدار له. راشد، واقف بنص المجلس، عيونه جامدة، صوته ثقيل: الشكر؟ الشكر على إنها جرّت اسم العائلة للمحكمة؟ على إنها خلّت الصحافة تتكلم عنّا وكأننا مجرمين؟ الشكر لأنها فضحتنا؟
رُبى رفعت حاجبها، نظرتها مباشرة في عيون جدها: أنا ما فضحت أحد يا جدي. أنا بس طلعت الحقيقة... والحقيقة ما تفضح إلا اللي متخبي وراها وليد وقف ووضح، وسلطان سقط لأنه مذنب. ولو كلكم فعلاً تبون تحافظون على اسم الجاسر، ابدأوا بتنظيفه من جواه... مو تغطون أوساخه بثياب الشرف.
أم وليد، قاعدة على طرف الكنبة، ودموعها بعينها، تنظر في بنت فهد... وتتمتم بصوت واهن: الله يرحم أمك... كانت دايم تقول إنك ما راح تطلعين عادية.
رُبى ما علّقت... بس التفتت لكل من بالمكان، بصوت واضح: أنا ما جيت أطلب تصفيق ولا رضاكم. أنا جيت عشان أكون صوت... ما ينكتم. وإذا صوتي أزعج راحتكم... فمعناه إنكم تعيشون على سكوت مو طبيعي.
تستدير... تمشي بثبات، والبيت كله ساكت. وفي لحظة مرورها، بعض بنات عمها يسحبون وجيههم، وبعضهم يطالعونها بنظرات جديدة... فيها رهبة واحترام. ووراءها، راشد يطالع وليد ويقول بهدوء متوتر: حاسب نفسك... لا تخلّي غلطة غيرك تغطي على ضعفك.
الليل نزل على قصر الجاسر... الدنيا ساكنة، وكل شي فيه كأنّه يهمس بدل ما يتكلم. كانت الساعة تعدّت 2 الفجر.. والقصر غارق في سكوته، إلا من خطواتها. رُبى لابسة عباءة خفيفة، شعرها مربوط، وتمشي بين الممرات الهادئة تطالع زرع الحديقة اللي متروس بنخل وأشجار ياسمين.
بيدها الجوال، وصوت لُجين يجي ناعم ومشاغب لُجين: ما شاء الله... البطلة اللي قلبت المحكمة فوق تحت، تتمشى الحين كأنها بطلة مسلسل تركي تنتظر البطل يطلع من ورا الشجرة!
رُبى ضحكت بخفة، نبرتها تعبانة لكنها ما فقدت كبرياءها: أنا بس أتنفّس، لُجين... البيت ثقيل، وقلبي متشبع صمت وغصّات. ما أبي أحد، بس أبي أهدأ.
لُجين، بهدوء: تبين أقولك شي؟رأنتِ ما كنتِ تبيّن الحقيقة بس...
أنتِ كنتِ تبين تثبتين لنفسك إنك أقوى منهم، وإنك تستحقين اسم أمك. وقدرتي، يا رُبى.
رُبى بصوت خافت جداً: أنا تعبت يا لُجين... بس ما أقدر أوقف. كل خطوة أسويها، أحس ظل أمي يمشي معي. وأحس لو وقفت، أخذلها.
توقف عند أطراف الحديقة... الهواء عليل، نسيم خفيف يحرك أطراف شالها. وفجأة... صوت مكتوم، كأنه شهقة أو تنهيدة... رُبى استدارت، ونظراتها وقعت على شي ما توقعته. ريم، بنت عمها... جالسة في الزاوية على طرف النافورة، باكية. وجهها مدفون بكفيها، وشعرها منكوش، ودموعها تنزل بدون صوت. رُبى شهقت بخفوت، نسيت المكالمة، قربت منها شوي بدون ما تبين خطواتها. كانت بتتكلم... بس وقفت. ريم ما حست فيها، كانت تكلم نفسها بصوت باكي: ليه أنا مو زيها؟ ليه دايم ظلها يسبقني بكل مكان؟
حتى لما حاولت أكرها... طلعت أقوى من كرهي. ليه أنا فاضية وهي مليانة؟
رُبى عضت شفتها، عيونها ترمش، وما قالت ولا حرف. لُجين، اللي للحين على الجوال، صوتها يجي ناعم من السماعة المفتوحة: رُبى؟ صايرة ساكتة... فيك شي؟
رُبى بصوت مبحوح، وهي تطالع ريم اللي ما تدري أنها قريبة: لأ... بس لأول مرة، شفت الحرب من عيون خصمي... واكتشفت إنه مو عدو...
هو شخص ضايع، يحاول يلقى نفسه من خلالي. ويمكن... هالانتصار ما عاد يفرّح.
سكتت شوي، ثم استدارت ورجعت خطواتها بهدوء، بدون ما تقول شي. خلّت ريم لوحدها... بس هالمره، ما تركتها باحتقار... تركتها برحمة،،
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!