الكل جالس، وجو العائلة ثقيل. سلطان مسجون من أيام، والكل ينتظر ردة فعل الشيخ راشد أو فهد، بس اللي دخلت القاعة كانت رُبى... لابسة رسمي، شعرها مرفوع، والملف بيدها، تمشي بثقة وصوت كعبها يرن على الأرض الرخام. قال سعود بعصبية: إلين متى نخلي ولد عمتك بالسجن؟ مهما سوى، ما ينرمى مثل المجرمين!
رُبى نظرت له بهدوء وقالت: عادي... يطلع اليوم... بس بشرط.
الكل سكت. قال الشيخ راشد بنبرة حازمة: وش شرطك؟
رُبى رفعت عينها وابتسمت ابتسامة باااردة: يتزوج البنت اللي دمّر حياتها... بعقد رسمي... ويكتب لها مهر وقدره... بيت باسمها... وتعويض مالي يليق بكرامتها. وبعدها... يطلقها.
الكل انصدم. حتى فهد ما قدر يتكلم. ناصر بصوت واطي: يعني زواج بس عشان تتغطى الفضيحة؟
رُبى ردت بنبرة حادة: مو عشان الفضيحة. عشانها هي. عشان تعيش مرفوعة الرأس، وعشان كل رجال يفكر يأذي بنت يعرف إن نهايته تحت رجلي!!
في السجن المؤقت
سجن خاص، غرفة مقابلات فيها طاولة معدنية وكرسيين. الجدار ورا سلطان مليان خدوش، والجو ثقيل. سلطان جالس، مظهره مرتب رغم التعب، عيونه فيها سواد، لكنه حافظ على هدوءه. يدخل الحارس ويقول بهمس: عندك زيارة.
يرفع رأسه... وتشوف عيونه تلمع بنار كاتمها.. رُبى دخلت. لابسة بدلة أنيقة جدًا، شعرها مشدود، وجهها مشدود أكثر... فيها هالة من الكبرياء البارد يخنق الغرفة جلست قدامه، حطّت رجل على رجل، وفتحت شنطتها بهدوء... طلعت علبة ميني عطر ورشت على يدها، كأنها ما هيب في سجن، وكأن الجو ما هو كريه... وكأن سلطان قدامها مجرد لا شي.
قال بهدواء، وهو يطالعها: وش تبين؟
رُبى رفعت نظرها له، وابتسمت ببطء: تبيني؟ غلطان... أنا اللي جاية أقرر مصيرك.
هو سكت، يحاول يتمالك أعصابه. قالت بصوت بارد: عرضي لسا قائم. تتزوجها... توقع... تطلع. أو تبقى هنا، تاكل رز بارد وتشرب شاهي من حنفية وسلامتك.
قال: يعني كذا تبين تلعبين بحياتي؟
ضحكت ضحكة قصيرة، وسحبت قلمها من شنطتها، بدأت تلعب فيه بأصابعها وقالت: لا يا حبيبي... أنا ألعب بمزاجي، مو بحياتك. حياتك أصلاً ضايعة من أول ما فكرت تمد يدك على بنت.
قال بصوت مكسور شوي: تظنين الزواج بيحل شي؟
هنا قلبت الموازين، رُبى مالت شوي لقدام، بعينين تلمع ثقة وغرور: إذا تظن إن هالزواج حقيقي؟ يالطيب، فهذي مشكلتك. هالزواج مجرد خطوة... صفحة... ختم. ولو تبيني أقولك الحقيقة؟ ترا حتى البنت ما تبيك... بس أنا قلت لها، خلينا نرجّع كرامتك بطريقة توجعك. تفهم؟
سلطان رفع حاجبه وقال بهدوء: خلصتي؟
ضحكت، وفتحت ملف بيدها، قلبت أوراقه بسرعة ووقفت: ما خلصت... بس ما عندي وقت أضيعه.
تقدمت شوي، حطّت الملف على الطاولة قدامه، ويدها الثانية على خاصرتها: الزواج؟ إذا تبون زواجكم يكون حقيقي؟ ترى هذا راجع لمزاجكم أنتم الاثنين... أنت وهي. أنا ما لي دخل بمشاعركم، ولا بأحلامها، ولا حتى بكبريائك اللي تهاوى بثواني.
نظرت فيه نظرة طويلة وقالت بصوت ناعم لكنه قاسي: أنا بس داخلة عشان حاجة كبيرة. حاجة أكبر منك، وأكبر منها، وأكبر من اللي صار... أنا داخلة عشان أنهي صفحة وسخة من تاريخ العيلة... وأدفنها، بطريقة راقية.
سلطان، رغم كل هالكلام، ما انفعل... بس حرك الملف قدامه وقال: والبنت؟ راضية بهالحل؟
رُبى ضيّقت عيونها وقالت: هي؟ ما يهم وش تبي... بس كانت ذكية كفاية إنها تختار كرامتها. والكرامة أحيانًا تجي على هيئة عقد نذالة.
"اليوم الثاني بعد خروج سلطان، قصر الجاسر"،
المجلس هادئ، لكن الهدوء مو راحة... الهدوء ثقيل، كأنه يسبق عاصفة.
الشيخ راشد جالس، يده تعصر عصاه، وعيونه مثبتة على سلطان، اللي أول مره تنزل عيونه للأرض. الشيخ راشد بصوت منخفض لكنه حاد: سدن؟ بنت منّا، من أهلنا... وتلطّخ اسمها؟
سلطان بصوت مبحوح: ما كان قصدي أجرحها... ولا أوصلها لهالمرحلة...
الشيخ راشد قاطعه بصرخة: قصدي؟!
يضرب عصاه بالأرض، الصوت يرّن في المجلس: الرجّال ما يقيس فعله بالقصد، يقيسه بالنتايج! ونتيجتك إنها انكسرت، وإنت اللي كسرتها.
سلطان يسكت، صوته انكتم. الكل ساكت، حتى الجدران كأنها تتنفس توتر. الشيخ راشد بهدوء قاتل: تتزوجها. هذي مو مساومة، هذي أمر. تسونّها زواج ستر؟ لا. تسويها زواج رجال يعترف بخطاه ويكفّر عنه.
سلطان يرفع عينه بتردد، وكأنه بيقول شيء... بس الشيخ راشد: ولو ما كانت غالية، ما كنت زعلت عليك. بس لأنها غالية، لازم توقف قدامها رجال... مش ولد يهرب من غلطته.
سلطان ساكت، مش قادر يرد... وجو المجلس ثقيل. فجأة يُفتح الباب بقوة، ويدخل صوت خطوات واثقة.. رُبى.رُبى بنبرة ساخرة: غريبة... أول مره أشوف سلطان ساكت، وين غرورك المعتاد؟ ولا طاح قدام أول غلط؟
الشيخ راشد يناظرها بدهشة، لكنها ما تهتم، تمشي بكل ثقة وتجلس على طرف المجلس، ترفع رأسها وتناظر سلطان رُبى: تتزوجها؟ الحين تتزوجها؟ بعد ما كسرتها؟ لا وتحت مسمى 'ستر'؟
سلطان يحاول يتمالك نفسه: رُبى... هذا مو مكانك.
رُبى تضحك بسخرية: مكان؟ أنا من هالعيلة غصب عن الكل. وبالمناسبة؟ سدن ما تستاهل تتستر بواحد مثلك. بس شكلها ابتلت فيك.
الشيخ راشد يحاول يمسك الموقف: رُبى، الموضوع رجال.
رُبى تلتفت له باحترام، لكن بجرأة: وأنا أتكلم من حرقة قلب أنثى يا جدي. سلطان لو رجال، كان وقف معاها من أول، مو استنّى لما تنكسر قدامكم.
سلطان يصمت، نظراته تهرب. صوت رُبى يقطع الصمت مرة ثانية رُبى: بس تعرف؟ أنا مبسوطة إنك بتتزوجها... عشان كل يوم تشوف نظرتها لك... وكل يوم تحس بالذنب اللي سويته.
سلطان بصوت مكسور لأول مرة: أنا ما لعبت فيها... كنت غبي... بس حبيتها.
رُبى تهز راسها: الحب الحقيقي ما يكسر... وإنت كسرتها، يا سلطان.
الليل، قصر الجاسر
كان المجلس ساكن إلا من صوت عكاز الشيخ راشد وهو يضربه خفيف على الأرض. ناصر جالس بجنبه، يطالع صقر بنظرة طويلة، كأنهم ما جابوه عشان شغل وبس. قال الشيخ راشد بنبرة مافيها مزح: صقر... عندي لك موضوع، مو له دخل بالعقود والأوراق اللي معك.
رد صقر بدون تردد: آمر يا طويل العمر.
قال ناصر، وهو يحط يده على الطاولة: رُبى.
سكت صقر لحظة، لكن نبرته ما اهتزّت: وش فيها؟
قال الشيخ راشد: رُبى منّا... بسها مو سهلة. فيها غضب، وفيها عزّة، وفيها كسر قديم ما برأ.
ناصر دخل بنظرة جديّة أكثر: والبنت ذي... لو أحد قدر يكسر الجدار اللي حولها، بيقدر يجمع العيلة من جديد. إحنا نعرف هالشي، وهي تعرف... بس ما تبغى تعترف.
صقر كان يسمع بهدوء، ما تكلم. قال الشيخ راشد: أبيك تكسب ثقتها. لا تضحك عليها، ولا تلعب... أبيك تدخل قلبها برجولتك وصبرك، مو بكلام فاضي.
رد صقر بصوت هادئ، لكن ثقيل: والنية؟ تبوني أقرّب منها عشان توصل رسالتكم؟
ناصر قال: نبيك تكون "رسالتنا". نبيها تشوف فيك الأمان اللي ما لقتْه في أحد منهم... واللي كانت دايم تحارب عشانه لحالها.
صقر رفع نظره، لأول مرة يبين في عيونه شيء مختلف: أنا ما أمثل، وما أقول إلا اللي فيني... بس إذا دخلت، ما أطلع.
الشيخ راشد ابتسم، نبرة الرضا واضحة في صوته: هذا اللي أبيه... لا نص رجل، ولا نص موقف.
وقف صقر، وخذ ملفه بهدوء. قال ناصر: إذا قدرت تكسبها، هي اللي بتسحب الكل وراها. ووقتها... ما يبقى حقد بيننا ولا فرقة.
صقر رد، وهو يفتح الباب: كل شيء له ثمن... بس رُبى؟ شكلها تستاهل المحاولة.
وطلع من المجلس،
الساعة تقرب من منتصف الليل. الشارع ساكن، والنسمات تمر بهدوء كأنها تراقب كل شيء بصمت.
صقر يطلع من البوابة الخلفية لبيت الشيخ راشد، خطواته موزونة كعادته، ويده ماسكة ملف شغله. كان طالع من يوم طويل، تعبان، لكن وجهه ثابت. من زاوية الجدار، طلعت له رُبى. واقفة بثبات، ويدها متشابكة قدامها، عيونها عليه مباشرة، لا تردد فيها ولا خجل. قالت بصوت واضح: صقر.
وقف، استدار لها، ناظرها بعينه الثابتة، وسأل بنبرة هادية: توقعت الكل نايم بهالوقت... وش جابك؟
ردّت وهي تمشي خطوة قدّامه، كلامها يجي واضح كالسهم: مو كل أحد يقدر ينام بسهولة... البعض إذا نام، يضيع عليه وقته مع ناس ما تستاهل حتى التفكير.
ابتسم ابتسامة جانبية: كلامك دايم فيه طعنات مغلفة... تعودتِ تهاجمين ولا تفسرين؟
رفعت ذقنها بثقة، عيونها ما اهتزّت: الهجوم أحيانًا حماية، خاصة إذا الناس تحاول تلمس نقاط ضعفك.
اقترب منها خطوة. صوته صار أخف، لكن نبرته فيها نغمة ماكرة: ومع كذا، أشوف إنك اللي لامسة نقاط ضعفهم بدون لا يحسون.
ردّت بسرعة، وكأنها كانت تنتظر التلميح: لأني ما أضرب إلا اللي يستحق. واللي ما يعرف يتعامل معي، غالبًا ينهزم من أول نظرة.
رفع حاجبه وهو يطالعها، فيها شي مختلف: واللي ما انهزم؟
: يكون فاهم اللعب، بس مو ضدي... معي.
لحظة صمت بينهم، لكن التوتر مو خوف... كان فيه اعتراف صامت بالقوة.
قال أخيرًا: ليلتك هادئة، يا رُبى.
ردّت وهي تمشي بتوازن، تمر من جنبه بثقة: دايم هادئة... بس لا تغرك الهدوء، صقر. أحيانًا خلفه نيران.
مشت وراحت، ما التفتت، ما ارتبكت، حتى خطواتها لها صوت مختلف.
أما هو، وقف مكانه، وابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهه كأنها تقول: واضح إن اللعبة بدأت.
سكت المجلس بعد ما خرج صقر، وظل الباب يهتز لثواني من ورى خطواته الثقيلة. ناصر لف وجهه على أبوه وقال بصوت ما قدر يخفي فيه القلق: يبه... ما تشك فيه؟
رفع الشيخ راشد عينه ببطء، رد بنبرة واثقة: أنا ما أعطي رجّال أمان بنتي إلا إذا كنت واثق فيه. وصقر؟ حطيت عيوني عليه من أول ما دخل هالبيت.
ناصر تنهد وقال: بس كلمته اللي قالها... "إذا دخل ما يطلع"، أنا خوفي يدخل قلبها... ويتزوجها.
هنا تغير وجه الشيخ راشد، ونبرة صوته اشتدت وهو يرد: لا. الزواج؟ لا يا ناصر. أنا عطيت صقر مهمة، مو فرصة.
سكت لحظة ثم قال: رُبى بنت فهد الجاسر، ما هيب لأي أحد. ولا يمكن أرضى يرتبط فيها رجّال ما هو من مستواها. حتى لو كان قد الثقة... ما هو قد اسمها.
ناصر كان يتوقع هالرد، لكنه قال بنبرة حذرة: بس لو الأمور مشت؟ إذا صار بينهم تفاهم... هي مو زي بنات العيله، يا يبه، إذا اقتنعت ما نقدر نرجعها.
قال الشيخ بنبرة تقطع الشك: وأنا أقطع الطريق قبل ما توصل. صقر يعرف حجمه... ويعرف حدوده.
بعدين نظر ناصر بنظرة مباشرة: وأنت تأكد لي ما يتجاوزها. خله يقرب منها عشان المهمة... بس لا ينسى إنه جندي، مو أمير.
ناصر أومأ برأسه: صار، يبه.
الشيخ راشد سحب نفس عميق، وقال أخيرًا: والله إني واثق فيه، بس الزواج؟ لا. رُبى لها نصيب يوازي اسمها... مو قلب يطيح في وقت ضعف!!
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!