في طريق العودة من المستشفى، الجو ساكن، والسيارة تمشي بهدوء وسط صمت خانق. رُبى تطالع من النافذة، وصقر يراقبها من المراية الجانبية... يشوف ملامحها المتغيرة، عقلها مشغول، وصوتها ساكت لكنه مليان أسئلة. صقر بصوته الهادئ لكن فيه جدية: أعطيتِ المريضة وقت... وسألتِ أسئلة دقيقة، واضح إنك ما خذتي الموضوع بس كتعاطف.
رُبى ترد بدون ما تطالع فيه: و؟
صقر: وش اسم المستخدم اللي عطتك؟
رُبى التفتت له بنظرة باردة، قوية، كلها كبرياء: وش دخلك؟
صقر ارتبك شوي، لكنه ما سحب سؤاله: أنا اللي مسؤول عن أمنك. ولو في خطر أو تهديد مرتبط بالقضية، من حقي أعرف.
رُبى بنبرة قاطعة، صارمة: وظيفتك تنتهي عند باب غرفتي... لا تتعدى حدودك. أنت مجرد شخص يحرسني... مالك علاقة بشغلي، لا كمحامية ولا كشي غيره.
صقر عض على شفّته من القهر... حاول يكتم مشاعره، لكنه ما قدر.
نغزها بنظرة، وسأل بصوت أعمق: ليش ما تثقين فيني يا رُبى؟
وش بقى ما بيننا علشان تحطيني بهالمكان؟
رُبى كانت تعرف إنها توجع... لكنها قررت تقولها: لا تنسى إنك تابع لعائلة الجاسر... وانا ما أخلّي شغلي يختلط بولائكم العائلي.
سكتت... والصمت بينهم كان جارح أكثر من الكلام.
صقر يرد بصوت خافت، فيه وجع لكنه ثابت: أنا ما كنت تابع لك، ولا لغيرك... كنت صديقك قبل كل شي. بس واضح إنك نسيتي هالجزء.
رُبى (بهمس وهي تطالع قدامها): ما نسيت... بس تعلمت ما أخلّي الذاكرة تغلبني.
وصلوا للبيت. نزلت من السيارة، وقف هو عند الباب، ناداها بصوت أخير: إذا احتجتي أحد يحرس ظهرك... بتلقيني، حتى لو قلتي إني مجرد تابع.
رُبى ما ردت، بس عيونها قالت كل شي، دخلت رُبى القصر بخطوات واثقة، وكأن الأرض تعرفها. عبايتها تتحرك بانسيابية، وعيون الكل تلتفت عليها، فضول، غضب، استنكار... المكان كان فيه مجموعة من عماتها وبنات عمها جالسين، كأنهم ينتظرون لحظة زي كذا. سارة بصوت فيه استهزاء مغطى بالاهتمام: ما شاء الله... أخيرًا شرفتنا المحامية!
مي تعض على ضحكتها وتقول: كنتِ بالمحكمة ولا تدرّبين صقر كيف يمشي وراك؟
رغد تتنهد بتصنع: صراحة... البيت مو بيت راحة من رجعتِ.
ريم ترفع حاجبها: عادي تسوين فيها قوية، بس البيت له نظام، وانتي جالسة تخربين كل شي.
رُبى وقفت عند الدرج، نظرت لهم كلهم نظرة وحدة... ثابتة، فيها مزيج من كبرياء أبوها ودهاء أمها. رُبى – بنبرة هادئة بس نبرتها تذبح: سارة، خلي اهتمامك السطحي في ميكاجك، ترى أنا ما أنا فستان عرس عشان تتابعينني كذا.رمي؟ صوتك دايم عالي، بس للأسف ولا مرة قال شي ذكي. رغد، إذا تشوفين وجودي مزعج، جربي تكبرين شوي وتتحملين، الحياة ما هي تيك توك وبيبسي. ريم... لا زلت تحاولين تقلدينني؟ يا بنت، أنا مو فلتر، أنا أسلوب حياة، وانتي ما شفتي إلا العنوان.
سكوت ثقيل، الكل مصدوم... سارة فتحت فمها ترد، رُبى رفعت يدها توقفها: ما خلصت...
أنا مو جاية أدور رضا أحد... وجيت عالقصر مو ضيفة... رجعت بيتي. وإذا فكرة وجودي يهز نظامكم؟ معناته النظام فاشل من الأساس.
تلفّتت فيهم بنظرة أخيرة: وأصلاً... متى كان لكم نظام؟ كل وحدة شايلة غيرة من الثانية، وكل كلامكم عني أنا. فـ خذوها قاعدة: دامكم تتكلمون عني؟
أنا فوق.
وطلعت للدور الثاني بثقة، تاركة تحتها حفلة وجيه مصدومة ومقهورة...
ووجه هند الوحيد اللي ابتسم بخفة، وقالت بصوت خافت وهي تضحك: البنت ذي ما تلعب...!
رُبى كانت تطلع للطابق الثاني بخطوات هادئة بعد ما قصفتهم تحت،
لكن فجأة، وقفت... صوت ثقيل، جاف، جاء من نهاية الممر: صايرة تتكلمين كثير يا رُبى.
رفعت راسها... فهد ابوها، واقف عند باب مكتبه، ملامحه قاسية... نبرته أقسى. فهد بصوت جامد: رجعتِ تتفلسفين قدام بنات عمك وتسوين فيها قوية؟ نسيتي نفسك؟
رُبى وقفت، قلبها ما تحرك، نظراتها مستقيمة: ما نسيت... أنا اللي تذكرتني يوم أنت نسيتني.
فهد - يطالعها بحدة: أنا ما نسيتك... أنا تجاهلتك، لأنك كنتي عيب بوقتك.
ضربتها الكلمة... لكنها ما اهتزّت، بس نظرتها تغيّرت فهد: بنت صغيرة، لسانها طويل، ما تعرف حدودها... تبيني أحترمك؟
ولا ناسيه إنك طلعتِ من بيت أمك يوم كانت تموت وتوسلت لك تشوفينها؟
الهواء صار ثقيل... حتى الجدران سكّت. رُبى - بصوت نازل لكنه ناعم كالسّم: أنا ما حضرت موت أمي... بس حضرت موت رجولتك.
تركت أمّي تصارع المرض، وتركتني أنا أصارع الحياة... بس علشان 'عيب'؟
لا يا فهد... العيب إنك أبو وأنا ما حسّيت أبد إنك أب.
فهد قرب منها خطوة، وقال بحدة: لو بيدي، ما عاد تدخلين هالبيت.
بس ابوي هو اللي سمح... مو أنا.
رُبى رفعت راسها وقالت بثبات يخوّف: دامني داخله بموافقة راشد الجاسر؟ وجودك هنا مجرد عائق.
وإذا تعتبرني 'عيب'... فخلّك تتعود على العار، لأن وجودي صار رسمي.
وقبل تلف، وقفت وقالت بهدوء: ولا عاد تقول بنتي... ما أتشرف.
ورجعت تكمل طريقها، وفهد واقف مكانه، يشوف بنت ما ربّاها، لكن علمته معنى الندم حتى لو هو يكرهـ يعترف فيه،
الصوت من الصالون كان عالي... ضحك خفيف، همسات، نبرات سامة تتطاير بالهواء. فهد كان رايح لمكتبه... لكن وقف. سمع اسمه... وسمع اسمها. ريم: حتى أبوها مو طايقها... بنفسه قالها بوجهها، بنت مثيرة للعار.
سارة ضحكت وقالت: لو أنا مكانه، كنت شلتها من شجرة العيلة من أول يوم!
شهد – بصوت خافت بس مقصود يوصل:زوهو فعلًا شالها... بس شكلها رجعت بالقوة.
فهد وقف عند الباب المفتوح شوي، وسمع كل شي.زكل وحدة تقذف على رُبى كلمة، نبرة، ضحكة... ومحد دافع عنها. لحظة... لحظة وحده بس، حس فيها بشي غريب. مو عشان يحبها... لكن لأنه فهم: انه مهما صار بين بنته وبينه هو مايرضى عليها. فتح الباب فجأة، بقوة. كلهم وقفوا مصدومات، عيونهم تاهت. فهد – نبرة حادة، صوت ثقيل: كلكم اسكتوا.
سارة: احنا كنا نمزح بس...
فهد قاطعها بنظرة واحدة، بردت فيها دمها: تمزحون على بنتي؟ على بنت فهد الجاسر؟!
الكل سكت. حتى شهد، اللي دايم تتطاول، ما قدرت ترفع عينها فيه. فهد – بهدوء يقتل: أنا يمكن غلطت بحقها كثير... لكن ولا وحدة منكم تملك الحق تتكلم عنها. الوحيدة اللي رفعت راسي في محكمة، وفي شغل، وفي شجاعة... كانت هي. وإذا كانت رُبى ما تطيق أحد منكم؟ فوالله معها حق. رفع نظره على شهد والبنات وحدة وحدة: أنتم وش سويتوا؟ غير غيرة، وحقد، وكلام ورا الظهر؟
بنت وقفت بوجه عيال عمها وأعمامها وانتم ما تجرؤون تفتحون فمكم!
سكت، ثم أكمل: لو كل وحدة فيكم فيها ذرة من شخصيتها... كان فعلاً البيت هذا يفتخر فيكم.
لف وطلع، تاركهم كلهم في وجيههم نار. بعضهم دمعت عيونهم من القهر، وبعضهم عضّت شفايفها تموت غيظًا. بس الحقيقة؟ تقال. وانقالت،،
غرفة رُبى كانت هادية، جوها بارد ومضبط، بس مزاجها نار تحت رماد. متمددة على الكنبة، وسمّاعات الجوال بإذنها، قاعدة تكلم لُجين. رُبى - تتنهد: تخيلي... أنا أحل قضية ضحية، والضحية يمكن تكون ضحية أحد من أهلي.
ما أدري كيف أفرق بين كوني قانون... وكوني إنسانة من هالبيت.
لُجين - بصوتها الهادئ: انتي دايم كنتِ قانون قبل كل شي، رُبى. انسيهم... حطي الحدود، وكمّلي. بس قولي لي... عندك شي جديد؟
رُبى - تهمس: المراهقة قالت إن الشخص اللي قابلها مو دايم كان نفس صوت اللي يكلمها. وفي صور... فيها سوار عليه حرف "س"
لُجين بصوت عادي وهي تقلب دفتر بيدها: لحظة... سوار؟ نفس اللي كنت أقولك عنه؟ اللي أخذته بنت خالتي من واحد بالجامعة؟
رُبى قامت فجأة: وش؟ وش تقصدين؟
لُجين - ضحكت بدون تركيز: أقولك بنت خالتي كانت تقول في شاب يطارد البنات، وعنده سوار جلدي عليه حرف "س"، دايم يلبسه... اسمه سلطان ولا سعود، شي كذا!
رُبى وقفت مكانها، قلبها ضرب: لجين... سلطان؟
لُجين: ما أدري، بس كانت تقول إنه دايم يتمسّك بالبنت، ويقول لها: لا تقولين لأحد عنّي. وأحيانًا يتكلم من حساب باسم 'سـلوووم'...
رُبى - شهقت همس: سـلوووم... هو نفسه الاسم اللي قالت عنه المراهقة... بس تقول إنه "وليد"
سكتت لحظة، وركّبت القطع مع بعض، المراهقة ما تعرف الوجوه زين.
الحساب باسم مستعار، والصور كانت بدون وجه... لكن اليد؟ والسوار؟ والأصوات؟ كلها تشير لسلطان. رُبى - بصوت منخفض كأنها صارت آلة تحقيق: مو وليد... البنت غلطانة بالاسم، لكن الأذى من سلطان. وليد غطى عليه... أو ما يدري. بس سلطان هو اللي كان يطارد البنت.
لُجين همست: رُبى... وش ناوية تسوين؟
رُبى رفعت رأسها، وعيونها باردة: أنا محامية... مو حفيدة راشد الجاسر، أنا أوقف مع الحق، حتى لو كان خصمي اسمه سلطان الجاسر!!!
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!