"فلاش باك - قبل سنوات — قصر الجاسر
كان الليل هادئ، والقصر نايم إلا من صدى الخطوات المستعجلة تمشي بالممر الطويل. كانت موضي واقفة عند باب غرفة فهد، عيونها مليانة دموع مصطنعة، وكأنها جايه من مصيبة طرقّت الباب بخفة أول مره، وثاني مره، ولما تأخر، فتحت الباب ودخلت بتردد: فهد؟
رفع فهد راسه من الأوراق اللي قدامه، ناظر لها باستغراب: وش فيه؟ الساعة كم؟
بلعت ريقها ومسحت دمعتها وهي تتنفس بثقل: أنا... ما كنت أبي أقولك. كنت أحاول أطنش وأقول يمكن أتوهم. بس خلاص، ما عاد أقدر أكتم الشي هذا
ضاق حواجبه فهد، وصوته بدأ يثقل: وش قصدك؟
قربت موضي منه، بصوت مهزوز: أنا شفت شي ما قدرت أنساه، فهد... شفت نوال، كانت مع رجال
هز راسه بعدم تصديق وهو يضيق عيونه فيها: وش تقولين إنتي؟ مع رجال؟! انجنيتي؟ انا ونوال تزوجنا لاننا نحب بعض لاتنسين!!
نزلت عيونها وكأنها تخاف حتى تواجهه: ايه... كنت طالعه من السوق، وصدفة شفتها توقف بسيارتها، وطلع واحد وركب معها... جلسوا يتكلمون فترة طويلة... وطريقة كلامهم... ما كانت أبد طبيعية، ولا محترمة
وقفت لحظة، رفعت عيونها المبلله له: فهد أنا خفت أجي أقولك، ما أبي أظلمها.. بس كيف أسكت؟ وانت زوجها.. وانت شرف العايلة كلها
ضغط فهد على فكّه ووقف من كرسيه، قلبه صار يدق بشكل مزعج وكأن الكلام بدأ يلقى له مكان داخله رغم غرابته: يمكن أحد من أهلها... أخوها... ولد خالتها!
قاطعت موضي بصوت مليان تأكيد: لا. ما كان أحد من أهلها... وأنا أعرف أهلها كلهم، الرجال ذا ما قد شفته قبل
بدأ الشك يتمدد بعقله كالنار لما تلاقي الهشيم حاول يتمسك بعقله وقال: موضي، هذي نوال، ... إنتي تدري وش معنى الكلام اللي تقولينه؟
نزلت موضي على طرف الكنبة وكأنها منهارة: أدري... أدري يا فهد. وأنا خايفة أكثر منك، بس يا خوفي إن اللي في بطنها... ما يكون منك
رفع راسه بسرعة وهو يحس كأنه تلقى طعنة بظهره. الكلمة جاته زي السيف: مو ولدي؟!
أخذت نفس عميق وكأنها تواسيه: أنا ما أقدر أجزم، وما أبيك تتسرع... بس حبيت أوصل لك اللي شفته عشان ما تنصدم بعدين
مرت الأيام بعد هالليلة وكأنها كابوس ثقيل فهد صار يراقب نوال في كل حركة تتصل عليه يسألها وينك؟ تتاخر نص ساعة، يثور الشك براسه حتى لما تبتسم بوجهه، صارت بعيونه ابتسامة ذنب، مو حب وكل مرة، موضي تزيد الطين بله بهمساتها: يمكن تستحي تعترف... يمكن مهددينها... أنا خايفة عليك، وعلى سمعة الجاسر
ومع مرور الشهور، الشك صار يقوده ما واجهها ما سألها ما حتى فكر يتحقق ترك الشك يكبر لين ما صار جدار سميك بينه وبين نوال وجاء يوم الولادة، وقف برى غرفة العمليات، لما طلع الطبيب يبارك له: ألف مبروك... جتك بنت جميلة
لكن فهد... كان واقف مكانه، عيناه ما قدرت تشوف البهجة، كلها كانت تشوف ظلال الشك اللي موضي زرعته فيه: يمكن... مو مني
ومن يومها تغيرت حياته كلهم،
باك"
رجع للواقع وهو جالس بمكتبه، الضلام ساكن من حوله، والظلام يغطي الغرفة إلا من ضوء خفيف فوق الأوراق القديمة أسند ظهره للكرسي، رفع يده لراسه وهو يتمتم بصوت مبحوح: أنا كنت جبان...
كان بيدي أتأكد...
كان بيدي أسأل... لكني خفت
عض شفته السفلى بقهر، كأن الندم قاعد ينهش قلبه: صدّقت الكلام اللي ريّحني وقتها... خليت الشك يحكمني... تركتها تتحمل نظرتي، نظرة الرجل اللي يشوفها خائنة وهي يمكن ما أخطت بحقه يوم
مرر يده على وجهه بعنف وهو يهمس: قتلتها بالحياة وأنا حي، قتلتها بشكوكي وأنا أقدر أمسح كل هالشك بتحليل بسيط... بس خفت... أنا اللي خفت
أسند مرفقه ع الطاولة، وغطى وجهه بين كفوفه، وصوته طلع مكسور وهو يردد كأنه يجلد نفسه: والحين حتى لو عرفت الحقيقة... وش ينفع؟
سقطت دمعة حارّة من عينه لأول مرة من سنين، وهو يهمس: يا رب سامحني...
وساد الصمت
كانت وقفتها قدام المراية أقرب لوقفة انتصار أكثر من إنها لحظة فرح رفعت يدها ببطء، رتبت خصلة شعر طاحت على خدها، ونظرت لنفسها بنظرة وحدة تعرف تمامًا إنها اليوم ما هي عروس عادية... هي اليوم أنثى كسرت قوانين عائلتها كلها الفستان الأبيض اللي لابسته طويل وفخم، مصمم خصيصًا لها على ذوقها، أكتافه مكشوفة بنعومة، الخصر محدد بخيوط مطرزة باللؤلؤ، والذيل الطويل يسحب خلفها وكأنه يسحب معه كل ماضيها الثقيل كانت مربية البيت واقفة وراها، تراقبها بصمت. ما كانت تدري وش تقول لها، لكنها تعرف أن رُبى اللي واقفة قدامها اليوم أقوى من أي وقت مضى قالت رُبى وهي تبتسم ابتسامة باردة، عيونها في انعكاس المراية: يحسبون إني أحتاج رضاهم عشان أعيش حياتي
ردّت المربيه بهمس: بس تعرفين إنهم كلهم تحت يصبّون سمهم وهم يضحكون
ضحكت رُبى بخفة، نظرتها كلها ثقة: خلهم يقولون، خلهم يتهامسون... أنا اليوم عروس، وعلى راسي رجال وقف معي، والباقي ما يهم
أخذت نفس عميق وكأنها تجمع كل قوتها لليلة اللي قدامها جاءت جنى تدخل وهي تعدل عباءتها وتقول بصوت حذر: كل الضيوف وصلوا، وصقر تحت ينتظرك
هزت رُبى راسها بثبات: تمام... خلونا ننزل
ومع أول خطوة نزلتها من جناحها الخاص في الفيلا، بدأت نظرات الحضور تلتفت لها كل شي مرتب حسب ذوقها الديكور أبيض وذهبي بلمسات ناعمة، الكراسي مصفوفة بعناية، الطاولات مزينة بالورد الطبيعي، الأضواء خافته لكن كافية تلمع على أطراف الألماس اللي يزين الفستان بعض بنات العائلة يتهامسون في الزوايا، بعضهم يبتسمون مجاملة، ووجوه ثانية متحجرة — خاصة تركي، وناصر، ومها... ملامحهم تقول كل الكلام اللي ما انقال لكنها ما اهتمت.
كل نظرة كأنها تحكي لها: "إحنا ما رضينا بهالزواج" وهي بعينها ترد: "وأنا ما احتجت رضاكم." كان صقر واقف في مقدمة القاعة، بثوبه الأسود المطرز بخيوط خفيفة من الفضة، ملامحه ثابتة، لكنها كانت تقرأ في عيونه نظرة واحدة: "أنا هنا معك." وصلت عنده، مد يده بهدوء، أخذت يده بقوة وثقة قدام كل أحد، وكأنها تتحداهم واحد واحد همس لها وهو يطالعها بنظرة فخر: احبك
همست له بهدوء وبنبرة قوية: اسكت!!
وابتدت الحفلة لكن خلف الموسيقى والضحك والابتسامات المجاملة، كانت نار العائلة تشتعل بصمت، وهم يتفرجون على أول صفعة تتلقاها قوانين الجاسر على يد رُبى،
في مكتب فهد — نفس الليلة
كان جالس في ظلام المكتب، والجو ساكن إلا من صوت دقات ساعته القديمة يدينه مشبوكة فوق الطاولة، نظراته غارقة في المجهول، وذاك الصوت القديم من سنين يرجع له كل لحظة: شفتها مع شاب غريب يا فهد... مو من أهلها
شد على أصابعه بقوة، وصوته يطلع مخنوق من داخله: سنين وأنا ما عرفت من هو... سنين وأنا ساكت
مسك الجوال وفتح الاتصال، واختار رقم ثاني هالمرة — رقم ما يتواصل معه إلا لأمور ما تنقال للعلن رن الخط شوي، جاء صوت ثقيل من الطرف الثاني: أمر طال عمرك
قال فهد بصوته البارد، لكن كل كلمة كانت مليانة نار: أبيك تنبّش لي بملف قديم
: وش الملف؟
فهد: سالفة صارت قبل سنوات... كان فيه شاب يقابل نوال — أبي أعرف من هو هالشخص، وش اسمه، وش كان يبي منها... أبي كل شي، كل حركة له من ذاك اليوم لين اليوم
تنهد، ونبرته تغلّظت أكثر: وأبي تعرف إذا للحين موجود... وإذا له علاقه بزواجي!!
سكت لحظة، وعينه وقعت على صورة نوال القديمة على الطاولة، صور كانت يحسبها حب وانقلبت لشك كمل بصوت أخطر: لا تجيب لي أخبار نصها ظن... أبي حقايق ابي أسماء، أماكن، صور لو قدرت، وسجلات اتصالاته حتى لو له عشر سنين ساكت
الرجل على الخط قال بخضوع: اعتبره تم طال عمرك... أعطيني وقت بسيط وأرجع لك بكل اللي ورا هالقصة
أنهى فهد المكالمة وهو يضغط كفه بقوة على الطاولة حاول يتنفس لكنه حس صدره مخنوق: كل هالسنين وأنا ساكت... وأنا خفت أتأكد الحين؟ ما عاد بخلي شي يضيع من يدي
رمى السيجارة بالطفاية وهو يتمتم: يا أنكِ ظلمتيني...
يا أني ظلمتك طول هالعمر يا نوال
وبدأ كل شي يتحرك من جديد،،
فيلا رُبى — وسط الحفلة
أنوار القاعة تتراقص مع صوت الموسيقى الهادية، الضيوف مندمجين بين الحديث والتصوير والمجاملات رُبى واقفة بثبات بين المدعوين، بوجهها البارد اللي ما يبين شي أبدًا، فستانها الأبيض يلمع تحت الأضواء، وكل نظرة عليها... بس هي بعيدة عنهم بعقلها وفجأة... لمحتها موضي جاية بخطواتها الهادية، كأنها ذئب داخل وسط الخراف، نظرتها كلها خبث مغطّى بابتسامة هادئة وصلت عند رُبى، مدّت يدها تسلم عليها قدام الناس وهي تبتسم وكأنهم أعز صديقات: مبروك يا عروستنا الجميلة...
رُبى مدت يدها بنفس البرود وسلمت، وبصوت منخفض يكاد يكون همس، مائلت شوي تجاه أذن موضي وقالت بنبرة باردة وثابتة: بيجي الوقت يا موضي... الوقت اللي آخـذ فيه حق أمي... وقدام عيونك
لمعت عيون موضي للحظة، بعدها ابتسمت ابتسامة متلونة، وهمست لها وهي تضحك بخفة: كيف يعني؟
تجيبينه عندي بغرفتي وتذبحينه قدامي مثل ما شفتيني وأنا أدخل على أمك؟
ضحكت بهمس، وكأنها تستفز أعصاب رُبى لكن رُبى ما اهتزت، بل رفعت طرف شفايفها بابتسامة خبيثة وهي تردس: كل شي له طريقته يا موضي...
أهم شي تشوفين النهاية بعينك
بعدها وقفت مستقيمة قدامها، ابتعدت عنها بهدوء، وتركت موضي واقفة مكانها، تراقب ظهر رُبى وهي تكمل بين الضيوف وكأن شي ما صار لكن قلب موضي بدأ يدق أسرع... لأنها لأول مرة تحس إن رُبى خلاص... ما عاد مجرد تهديد،،
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!