في جناح الشباب، كان الجو هادي، خالد جالس يشيك على جواله، وصقر بالكنب يطالع التلفزيون بدون تركيز، وفجأة دخل تركي، يده بجيبه، ويصافحهم بيده الثانية، ملامحه مرتاحة، ووجهه كله ابتسامة مش طبيعية جلس على الكنب وهو يتنهّد، كأنه طالع من رواية حب، ومسك الريموت كأن شي ما صار خالد ضيّق عيونه وهو يطالع فيه وقال: وش فيك تضحك كذا؟ منو ضاربك بمخدة ورد؟
تركي ابتسم ابتسامة مائلة وقال وهو يسند ظهره: تعرفت على بنت... مُزه، قسم بالله تهبل، ما أدري كيف أشرح لك بس جدياً... حبينا بعض كثير... وعشنا وقت طويل وحلو، اهههخخ
صقر التفت له وهو يضحك: حبينا؟ انت شارب شي انت؟
خالد رفع حواجبه وقال بفضول: هاه؟ لحظة لحظة... كم صار لكم؟ كم سنة يعني؟
تركي عدل جلسته وهو يسوي فيها العاشق الموجوع وقال: أتوقع نص ساعة أو عشر دقايق... ما حسبت والله
صقر انفجر ضحك، وكتم فمه بيده، وخالد وقف من مكانه وهو يقول مصدوم: يا حرام!! بالله جد انك حبيتها؟ تكفى لا تقول بعد تخيلت عيالك منها؟
تركي لف راسه وقال بكل ثقة: أنا أقولك، وقتي معها كثير، لأن البنات الثانين أكلمهم خمس دقايق ويعطوني رقمهم، بس هالبنت؟ كلمتني وقت طويل وما عطتني شي! والسبب؟ أخوها الحقير، فرقنا مثل الغبي، بس ما يدري إننا نحس ببعض
صقر قال وهو يمسك بطنه من الضحك: قسم بالله إنك فيلم هندي متكامل
خالد قال وهو يضحك: هاه وش اسمها؟ يمكن أعرفها ونخطبها لك
تركي قال بنص جد ونص تمثيل درامي: ما أقدر أقولك، حُبنا كان سرّي، بس والله قهرتني، يا أنها قوية... بس قسم بالله ما يصير إلا ورقمها معي، يا أطلع منه رقمها، يا أكسر راسها، بس هي تبيني، أنا متأكد
خالد قال وهو يحك راسه: واضح تبغاك، من أول دقيقه حب، وآخر دقيقه طرد
تركي ضحك وقال: شف... هي قالتلي عطني رقمك قلت لا، أبيك تتعلقين بي بدون أرقام
صقر قال: إيه صدق، وأكيد عطيتها اسم مستعار بعد
تركي رد بسرعة: لا والله عطيتها اسمي الحقيقي، تركي الجاسر... بس قلتلها إذا اشتقتي لي، ارجعي للمكان اللي تقابلنا فيه
خالد ضحك وقال: يا شيخ قسم بالله قلبت نيشان ببرنامج ذاكريني
تركي وقف وقال وهو يتفاخر: أحسن شي، خليها تحن، وأنا هنا... أعد الثواني، يا أهي تطلعني من راسي، يا أطلعها من جوالي
الجميع ضحك، حتى الجو الثقيل اللي كان في الغرفة تغيّر، وصوت تركي وهو يردد: أنا أحبها يا عالم، أههخ
خالد قال: يالله لا يعمي قلبك إلا مثل هالحب، حب عشر دقايق وخرّب عليك حياتك
صقر رفع الكوب وقال: نشرب نخب حب تركي الدرامي العظيم
وضحكوا كلهم... ولا أحد صدّق إن تركي فعلاً لقى شي يهزه بهالقوة،،
مرّت الأيام بسرعة، وكل ثانية كانت تحمل تعب وشغف وحماس لرُبى، شغلها اكتمل، التصاميم الأخيرة تجهّزت، والقاعة انحجزت، والعرض الجاي بعد ثلاث أيام بس، كل التفاصيل صارت جاهزة، وكل العيون تنتظر اللي بتقدّمه، حلمها الكبير قرب يتحقق. وبما إن كل شيء خلص، قررت تاخذ وقت ترتاح فيه شوي مع أقرب وحدة لها، لُجين طلعت رُبى من مكتبها، سكرت درجها بهدوء، ورفعت عيونها للُجين بابتسامة دافية وقالت بصوت خفيف: جوجو، نطلع؟
لُجين على طول قامت وقالت: ايه، والله خل نروّق، انتي تستاهلين تبعدي شوي، تعبتي مرة
ركبوا السيارة، ولُجين هي اللي كانت تسوق، الجو كان هادي، الشمس بدت تغيب، والهواء خفيف، فتحت لُجين أغنية قديمة يعرفونها، وبدوا يغنون مع بعض وهم يضحكون: وأنا أحبك.. أحبك.. وارتاح لك...
الضحكة تملأ السيارة، رُبى حاطة يدها على الزجاج، تشوف الشارع، تحس لأول مرة براحة مؤقتة، وكأن الحياة بدأت تبتسم لها من جديد لكن فجأة، من غير أي مقدمة.. وقفت قدامهم سيارة سوداء وسط الشارع، تعمّد اللي فيها يسد الطريق فرملت لُجين بسرعة، وقلبها طاح برجولها قالت بصوت مرتجف: وش السالفة؟
رُبى ضيقت عيونها، وشافت السيارة السوداء، شعور غريب جاها
مدت يدها وقالت بحزم: لُجين، لا تفتحين الباب أبدًا، فاهمه؟ ولا حتى تنزلين القزاز، أنا باتصل عالشرطه
لُجين ابتلعت ريقها وهي تناظر السيارة اللي تحرك بابها، وقبل ما تمد رُبى يدها للجوال، انفتح باب السيارة السودا... وطلع منها خالد، خال رُبى، ومعه رجلين ببدلات رسميّة، ملامحه جامدة، وعينه راكزة على لُجين بنظرة انتصار باردة اقترب من السيارة بثقة، وانحنى شوي، وطرق النافذة بطرف إصبعه، نظرة خبث في عينه، وابتسامة خبيثة ترتسم على وجهه رُبى على طول فتحت الباب ونزلت بعصبية: وش تبي؟ اخلص علي يامريض!!
خالد ما رد، بس مد يده ومسَك يدها بقوة، قال وهو يسحبها: اسكتي، أنا ساكت لك من أول، ساكت عن كل حركاتك وتحديك، بس لهنا وبس، غصباً عنك، راح تمشين معي الحين
صرخت رُبى: اتركني، خالد لا تلمسني!!!
بس هو زاد شدّة، دفعها للسيارة السوداء، وفتح الباب ورماها جوّه، وهي تحاول تتفلت وتقاوم: خالد تكفى لا تسوي كذا!!
لُجين فتحت بابها وركضت بسرعة تحاول تبعده: خالد وقف!! اتركها!!
بس خالد أشر بيده للرجال وقال: خذوها، خذوا ذي المزعجه معنا، خلوها تلحق خويتها، بس لا تقربون لها، خلوها تصيح شوي
الرجال مسكوا لُجين، وهي تحاول تفلت، تصارخ: رُبى!! رُبـى!!!
رُبى كانت على وشك تفتح باب السيارة، بس صراخ لُجين كسر قلبها، حاولت تطلع، بس خالد مسك يدها بقوة، وصرخ بوجهها: رُبـى!! قلت لك راح تمشين معي، لا تحاولين!
هنا رُبى وقفت، عيونها تعبت من القهر، صرخت بكل قوتها: لُجين حامل!! اذا صار لها شي، والله اموتك يا خالد، وانا ما أهدد، أنا انفّذ!!
خالد تجمد، ارتخت يدينه، وكأن الكلام صفعه، استوعب، تذكر كل شي
تذكر تركي ووجهه المروق والناعم من قبل، وكيف ماقال عن السبب
الصحيح ربط الأمور، وفهم على طول طلع جواله بسرعة، وكتب رسالة لأحد رجاله: هدّوا الوضع، لا أحد يقرب للبنت، لو صار فيها شي بتنقلب الدنيا علينا
سكر جواله، رجع لمقعده، عيونه تحاول تتجنب عيون رُبى، بس يدّه مازالت ماسكة يدها بقوة، وهي تسحب يدها بصمت، وعيونها كلها قهر... وسكوت سيارة خالد تمشي بهدوء في شوارع لندن... بس داخلها عاصفة،،
فيه كتمة بهاللحظة، الجو متلبّد بشي ثقيل، لا هو خوف ولا حزن، كأنه شي واقف بين الألم والعجز، يوم وقفت السيارة قدام بيت صغير في طرف المدينة، بيت بسيط من برّا بس يدل على فخامة هادية. نزل خالد، وما كان فيه أي تردد بنظراته، لف حول السيارة وفتح باب رُبى بقسوة، سحبها من يدها رغم مقاومتها، خطواته كانت ثابتة، ورُبى تحاول تفلت منه لكنها ماقدرت، كل شي حولها يمشي غصب، حتى أنفاسها صارت تخرج منها غصب دخلها البيت، كانت الأرضية خشب ناعم، ريحة بخور خفيفة منتشرة، الجدران بلون سكري، فيه لمسات ديكور راقية بس ما تزيّن كثير، كأن كل قطعة فيه انحطت بعناية بس بدون بهرج دخلها غرفة بوسط البيت، الغرفة ذي غير عن باقي المكان، ستاير حرير ناعمة، سرير أبيض كبير مغطى ببطانية رمادية فخمة، الإضاءة دافيه، والطاولة الجانبية عليها ورد أبيض كأن فيه أحد تذكّر يحطها هناك، الجدران معلّق عليها لوحات خفيفة هادية، والمكيف يوزع هواء بارد برائحة نظيفة رُبى وقفت مكانها، عيونها تدور على كل زاوية وكأنها تحاول تفهم وين هي بالضبط، بس قبل تستوعب، خالد طلع وسكّر الباب، صوته وهو يقفله بالمفتاح رجّعها للواقع، قامت تركض للباب وتضربه وهي تصرخ من قهرها: صدق إنك مريض!! شفت؟ والله لو ما أطلع الليلة بموتك فاهممم!!
بس مافيه أحد يسمع، كل اللي حولها صمت تراجعت وجلست على طرف السرير، كأنها فقدت أعصابها بالكامل، خذت نفس طويل وهي تكلم نفسها: أنا جدياً من هالعيلة المريضة؟ أح لا، لا مستحيل... صدق أمي وش توحمت عليه لما جابتني؟ مدري بس توحمت ع شي خلاني مو مثلهم... لا جد...
سكتت، وبصوت منخفض وكأنها انهارت: أنا جد انجنيت... شفيني أكلم نفسي؟
رفعت راسها فجأة يوم سمعت صوت المفتاح يدور بالباب، وقفت بسرعة، قلبها طاح برجولها، عيونها توسعت من الصدمة صقر دخل وقف عند الباب وقفل وراه بالمفتاح، بدون ما يقول ولا حرف، رُبى تقدّمت له، تمد يدها: أعطني المفتاح، صقر!!
هو ما قال شي، بس طلع المفتاح بهدوء من الباب، وحطه بجيبه: لازم تسمعيني، رُبى...
قالها بصوت خافت، لكنها مسموم بالوجع رُبى تصرخ بقهر: أعطني المفتاح، صقر!!
: بتسمعينني، رُبى!!
: صرت مثلهم تمامًا... والله ما فرقت عنهم بشي!!
قالت كأنها تقيّأت شي بقلبها من شهور، طعنته، بس ما اهتز، بس كان يطالعها بنظرات مو واضحة، لا حزن ولا ندم، كأنه يبي يقول شي أكبر من الكلام صرخت بأعلى صوتها: افتح الباب، صقر!!!
وقف بمكانه، ناظرها للحظة، ثم بصوت ما فيه حياة: رُبى... اسمعيني أول شي... بس هالمره اسمعيني، مو كصقر، اسمعيني كواحد خسر كل شي، ومو قادر يعوّضك
هي ما سمعت، عيونها مليانة قهر، تقدمت، رفعت يدها، وضربت صدره بكل قوتها: أنا أكرهك!!! أكرهك، فاهم؟! أكرهك!!
ضرباتها كانت قوية، كانت تضرب، وتبكي، وتصرخ: يلعن اليوم اللي عرفتك فيه، يلعن حبك، يلعن ضعفك، يلعن كذبك!!
وهو ما تحرك، بس مع كل ضربة يتراجع شوي، كأن كل كلمه تنقش فيه جرح جديد، لين تعبت، سقطت بجسمها عليه، وبكت وصقر... لف ذراعيه حول خصرها بقوة، حضنها كأنها الشي الوحيد اللي باقي له بهالدنيا، خلى راسها على صدره، وصوته كان مكسور: أنا آسف... اذبحيني... اسوي أي شي، بس لا تضعفين، رُبى، اسف على كل شي، أسف اني خذلتك، بس أنا والله ماقدرت، كنت عايش بدون قلب من بعدك، كنت أتوهق بكل شي، بس كنت أكذب على نفسي، أكذب وانا أقول بعيش بدونك
رُبى ما ردت، دموعها تمشي على خدّها بصمت، عيونها مغمضه وراسه على صدره، تسمع نبضه وتكرهه، تحس بحرارته وتبعد، تبغى تكرهه أكثر، بس قلبها مو قادر هو قرب منها أكثر، وقال بصوت متقطع: أنا آسف، بس مستحيل أتخلى عنك، حتى لو ما سامحتيني، أنا أحبك، أحبك أكثر من نفسي، بس أنا غبي... غبي، وضيّعتك بيدي...
رفعت رُبى راسها شوي، نظرت له، كانت كل ملامحها تأنّ، بس ما تكلمت قال بهمس: أنا ما أطلب منك ترجعين، ولا تسامحين، بس خليك بخير، إذا نسيتيني... انسي، بس لا تتركين نفسك تحترق مثلي
سكت، عيونه دمعت، ونزلت دمعة ثقيلة على خده، بس مسحها بسرعة كأنه خايف تنشاف ورُبى... مسحت دموعها، نظرت له للحظة، وقالت بهمس: أنا ما نسيتك، بس ما عدت أثق فيك... وثقتي كانت أهم من حبي
سحبت نفسها من حضنه، وقعدت عالسرير، ولفت وجهها عنه، قلبها يبي يطيح، بس عقلها يصرخ لا، لا ترجعين، لا تضعفين وصقر وقف قدامها، ساكت، ما قال شي، كأنه عرف إن هالمره... ما راح يقدر يرمم شي، بس بعده واقف، ما راح يطلع... لأنه يعرف إنها، لو انكسر صوتها بس، بتكسره معاها،،،
بالخارج كان الليل ساكن، بس جو المكان يغلي، كأن في نار تنفث من صدر تركي وتدور لها مخرج. واقف قدام باب الغرفة، يدينه مشدودة على جنبه، وعينه ما تفارق المقبض، صدره يطلع وينزل من كثر ما هو يحاول يسيطر على نفسه خالد واقف على الجنب، يراقبه، وكل شوي يزفر بصمت، كأنه يحاول يحتوي ثورة قبل ما تنفجر قال تركي بنبرة مشدودة: خالد... فتح الباب
رد عليه خالد بهدوء ثقيل: ما يصير، صقر قال بيكلمها، خلهم ياخذون راحتهم شوي
استدار له تركي بحدة: راحتهم؟! تحبسها معه بالغرفة وتسميها راحة؟ والله العظيم لو إنك عاقل ما تقول ذا الكلام، تعرف إن ما عاد له أي حق عندها، ولا له كلمه حتى!
خالد حاول يبرر، بصوت هادي: ما حبسها، بس يبغى يشرح لها، يبغى يقولها أشياء مهمه، مو أكثر
تركـي بحدّة وهو يلوح بيده: وش يبي يشرح لها؟ وش بقى ما قاله؟ خانها، كذب عليها، وكسرها، الحين بعد كل ذا تبغاني أوقف ساكت؟!
خالد رفع حواجبه وهو يحاول يهدّي: يا تركي، إهدأ، صقر يبي يصلّح غلطته، مو أكثر، وصدقني ما أحد يقدر يجبر رُبى على شي، هي قويّة وتعرف وش تسوي
ضحك تركي ضحكة ساخرة: تعرف؟! صقر ما يجي عندها شي، هي أقوى منه، أنظف منه، أطهر منه، هو نقطة سوداء بس، نقطة وسخه بتاريخها كله، ما أبيه يرجع لها، ما أبيه يقرب منها، ما أبيه حتى يذكر اسمها!
خالد وقف قدامه، ومد يده على كتفه، يحاول يهديه: تركي، أنا فاهم كل شي، وأقسم بالله إني أفهم وجعك، بس ما تقدر تتدخل بينهم بهالطريقة، اللي بينهم لازم يوضحونه هم، موب إحنا نقرر وش يصير
سحب تركي كتفه من تحت يد خالد وقال بعصبية: لا خالد، لا تدخلني بموقف يخليني أخسر نفسي، لأنك تدري وش يعني تكون قدام شخص ضيع أختك، وتحاول تتظاهر إنك طبيعي! تدري وش يعني تنقهر وتكتم، وانت تدري إن أختك دخلت جحيم بسببه؟
سكت خالد، وعيونه نزلت، لكنه ما قدر يرد لف تركي على الباب مرة ثانية، حط يده على المقبض وقال بصوت عالي: أنا بدخل... تأخروا!!
هنا خالد رفع صوته لأول مره، بحدة وعصبية: بس!! والله كفاية يا تركي! وش فيك؟ تبغى تسوي مشكلة؟ تبغى تصير قدامها مو صاحي؟ كل شوي تقول تأخروا! دقيقة دقيقتين، مو نهاية العالم!!
استدار له تركي، ملامحه تقطّر نار: كأنك ناسي وش سوا فيها!! كأنك ناسي إنها كانت تموت كل يوم وهو عايش حياته!! تبيه يرجع كأن شي ما صار؟ تبيني أسكت وأشوفه يحاول يرجع لها وأنا ساكت؟
خالد تنهد بقهر وقال: أنا ما قلت تنسى، ولا قلت تسامح، بس رُبى مو غبية، ولو ما كانت تبي تسمعه، ما كانت سكتت له، هي عطته فرصة، مو إحنا
رفع تركي عيونه، وكان واضح فيهم قهر الدنيا، وقال بهمس من بين أسنانه: أنا ما أطيقه، والله ما أطيقه، وأقسم بالله إني أتمنى يختفي من حياتها، أنا أدرى منك وش مرت فيه، أدرى من الكل... رُبى إذا رجعت له، هي بتنكسر ثاني، وأنا ما أتحمل أشوفها تتكسر مره ثانية بسببه
خالد قرب منه، ووقف قدامه، وعين بعين قال: وإذا ما رجعت له؟ وإذا كانت تحتاج تسمع منه عشان تقفل الباب؟ عشان تقدر تمشي؟ وشلون تبينا نمنعها؟ نحبها كلنا، بس مو بيدنا نقرر بدالها... لازم نترك القرار لها، مهما كان
سكت تركي للحظة، ثم ضرب الحايط بيده وقال: بس قلبي... قلبي ما يتحمل... أحسني بختنق...
ووقف هناك، ما بين القهر والخوف، عيونه ترجف، وصدره ضايق، كأن كل مشاعر الدنيا تجمعت بصدره وهو يحاول يصير كبير... بس داخله طفل خايف تنكسر أخته من جديد، تنهد خالد يوقف يحط يده على كتف تركي، يبتسم: اهداء، ترا مابيصير شي بالنهايه
التفت بعد كلامه يتوجه ل لُجين الي بغرفه لوحدها،،،
الغرفة كانت ضيّقة وهادية، بس القهر اللي في صدر لُجين كان يعبي المكان كله، جالسة على طرف السرير، رجل على رجل، تهز رجلها بعصبية وعيونها تشتعل، وكل شوي تلتفت للباب بنظرة قهر... وفجأة فتح الباب ودخل خالد، واقف عند الباب بنظرة هدوء باردة كأن ماصار شي، حط يدينه بجيبه وناظرها بثقل قالت لُجين بصوت عالي وهي تعض شفتها: تفقع، تفقع عينك يامريض، وش جايبك؟ وين وديت روبي؟!!
ابتسم خالد ابتسامة ساخرة وقال بهدوء يرفع ضغطها: روبي؟ والله خليتي فخامتها واحترامها يروح من ورا هالاسم، أستاذه لُجين، ما توقعت منك هالمستوى
هنا وقفت لُجين من مكانها، وعيونها فيها نار تحرق: مالك دخل يا وقح، التهي بحياتك، احقر شخص شفته بحياتي، والله عيب عليك كيف تسوي كذا في بنت أختك؟! إيش تبي منها؟!
كان خالد بيفتح فمه يرد، بس الباب انفتح فجأه ودخل تركي بخطوات سريعة، عيونه حمر ووجهه مشدود، وقال بصوت عالي: خالد! أنت وصديقك كملتوا كل شي! تهينوني قدام عيوني؟! واحد مع مرت أبوي، والثاني مع أختي، وأنا جالس بالصالة مثل الأهبل أسمع ضحككم وقهركم!!
خالد لف عليه وهو يحاول يمسك أعصابه: تركي، إهدأ، أنا ما سويت شي غلط، كل اللي سويته إني أحاول أصلّح بينهم
رد تركي بحدة وهو يشير له: أصلّح؟ على حساب كرامتها؟ تحبسها معه بالغرفة وتقول صلح؟ من جدك؟! لا تقول لي نياتك طيبة وانت شريّك بكل شي قاعد يصير
لُجين كانت واقفة بينهم، تناظرهم بعصبية: كلكم مافيين خير، أنت يا تركي تقول تدافع عن أختك؟ طيب ليش ساكت عن خالد؟ ليش ساكت عن قذارته؟
صرخ خالد وهو يوجه كلامه لتركي: أنا ما قلت شي غلط، ولُجين لو تحترم نفسها ماكانت وصلت لهالمرحلة!! هي اللي دخلت بنص شي ماله دخل فيها
هنا انفجرت لُجين، دفّت الكرسي من قدامها وقالت بصوت مرتفع: إيه دخلت، دخلت لأن رُبى أختي قبل لا تكون بنت فهد! دخلت عشان أوقف معها، موب زيكم، كل واحد فيكم يتفرج عليها وهي تنكسر
وقف تركي بينهم ومد يده: بس!!، والله كلكم تعبتوني، أنتم سبب البلاوي كلها، أنا ماعاد أدري مين العدو ومين الحبيب بهالقصة
خالد لف عليه وقال ببرود: عدوك؟ خلاص صنّفني زي ما تبي، بس أنا سويت اللي ما قدر أحد منكم يسويه، جربت أرجّعها له، لأنهم يحبون بعض، وكنت أبي أوقف هالحرب اللي مو مخلصه
قال تركي بصوت منخفض وهو يناظر الأرض: حتى لو، أحياناً الحب ما يكفي، خصوصاً إذا كان من طرف واحد
سكت الكل للحظة، لُجين نزلت وجلست عالكرسي، تمسح على وجهها بتعب: أنا تعبت، والله تعبت منكم كلكم، كل شي فيكم أنانية، ماحد فكر بروبي، كل واحد فيكم يبغاها عشان يثبت شي لنفسه
سكت خالد، وتنهد تركي، وكل الغرفة صارت هدوء ثقيل، كأنهم كلهم استوعبوا إنهم سبب الجرح الأكبر، بس كان فيه شعور واضح بين الكل، إن الوقت بدأ يضيق، وإن رُبى هي اللي بتقرر النهاية، سواء رجعت، أو كملت الطريق بدون أحد منهم،،
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!