الغرفة كانت ساكنة، بس الصوت داخل راس رُبى كان يضج بألف صرخة، نظراتها معلّقة بالأرض، وصقر كان واقف قدامها، ما بينه وبينها إلا الخطوة، قرب منها بهدوء، نزل على ركبته قدامها، ومد يده بحذر وحطها على كتفها، نظرها فيه خوف، توتر، كل المشاعر مضطربة في عيونها، قال بصوت منخفض، مليان رجاء: بس فرصة... أحتاج بس فرصة رُبى، وإذا شفتي إني غلطت أو جرحتك، اتركيني، أوعدك، أوعدك رُبى إني بكون معك، بكون جنبك، بس أعطيني فرصة، فرصة وحده، مو أكثر
رُبى عضّت شفتها، حست بحرارة عيونها توجع، رفعت يدها على راسها وكأن التعب ثقيل، وقالت بصوت متعب: خلص... بفكر، بس بطلع، أبي أفتح الباب صقر
هز صقر راسه، وكان كأن العالم كله متوقف على هالكلمة: أوعديني إنك بتفكرين
رفعت عيونها، نظرتها كانت حزينة بس صادقة: أوعدك
وقبل ما تتحرك، انسمع صوت طرق خفيف على الباب، وصوت لُجين من وراه: صقر، افتح الباب، تكفى افتح
وصوت خالد بعدها بصوت متوتر: لُجين، يكفي، خلّيهم لحالهم
بس تركي فجأة صرخ على خالد بصوت عالي، كأن قلبه بيطلع من ضيقه: انت، لا تتدخل، فاهم!!
رُبى خذت نفس طويل، مشت بهدوء وفتحت الباب، أول ما شافتها لُجين، طاحت عليها بحضن قوي وكأنها فقدتها سنين، قالت بصوت مبحوح وهي تمسك يدها: انتي بخير؟ خفت عليك، كنت بموت من الخوف رُبى
رُبى بادلتها الحضن بس بهدوء، وبعدت عنها شوي، عيونها انتقلت على تركي، اللي كان واقف متوتر وعيونه متصلبة على صقر، قالت له: تركي، ممكن توصلنا؟
خالد بسرعة قال: أنا أوصلكم
بس تركي ما أعطاه مجال، قال بحدّة وهو يقطع عليه: لا، أنا أوصلهم، بالنهاية، ما يصير زوجة أبوي تركب معك، صح؟
خالد تنهد، صوته نزل وهو يقول: أوك، روح وصلهم
ومشوا، رُبى تمسك يد لُجين، وعيونها تلمع، ووجهها تعب، بقى خالد مع صقر، لف عليه وسأله: وش صار؟
قال صقر بصوت واطي، كأنه متعب من الركض داخله: قالت بتفكر، هذا كل شي، بس بتفكر!!
ركبت رُبى بالسيارة وسكّرت الباب بهدوء، تعابير وجهها مرهقة، وصمتها كان يصرخ أكثر من أي كلمة، فتحت لُجين الباب الثاني وكانت بتجلس جنبها بالخلف، لكن تركي وقفها بصوت جاف: أنا مو سواق، اركبي قدام
رفعت حاجبها لُجين، وبنظرة ضيق تنهدت وجلست قدام، وربطت الحزام وهي تلتفت على رُبى وقالت بصوت هادي وفيه قلق: رُبى، وش فيك؟ صقر سوى لك شي؟
رُبى رجّعت ظهرها للمقعد، وسندت راسها وغمضت عيونها، كانت كأنها تحاول تهرب من الدنيا كلها، ردّت بصوت ناصي ومتعب: لا، ماصار شي... بس بفكر شوي، وأرتاح
لف تركي السيارة وبدأ يمشي بالشوارع الهادية، يدينه مشدودة على الطارة، ونظراته قدام لكن قلبه ورا، على المقعد الخلفي، على رُبى، كان واضح الضيق في عيونه، وبعد دقايق قال بدون ما يلتفت: تفكرين؟ تفكرين في إيش؟ إنك ترجعين له؟ بعد كل شي سواه فيك؟
رفعت لُجين نظرها له وابتسمت بتوتر: يمكن... يمكن يستحق فرصة، يمكن يحبها صدق
ضحك تركي ضحكة مكسورة وهو يهز راسه: يحبها؟ هذاك؟ اللي تركها وهي تتكسر، يحبها؟ لا والله، اللي يحب ما يخلّي، ولا يخذل، ولا يخون
رُبى ما ردّت، بس ظلت ساكته، تنفّسها هادي وعميق، كأنها تحاول توازن قلبها بعد عاصفه، قالت لُجين بصوت ناعم، وهي تناظر بالشباك: أنا مو معاه، بس أقول يمكن، بس يمكن رُبى تحتاج تسمع قلبها مو كلامنا
رد تركي وهو يعصر الطارة بقوة: القلب؟ أحياناً القلب أغبى شي فينا، يسامح ناس ما تستاهل، يعطي فرص لأشياء ما تتصلّح، وانتي تعرفين رُبى، إذا سامحت مره ما راح تقدر توقف بعدين، وهو يعرف نقطة ضعفها
رُبى فتحت عيونها بهدوء، وهمست: أنا اللي بقرر يا تركي، لا أنت، ولا لُجين، ولا حتى صقر...
سكتت، كأنها تفكر هل هي فعلاً صاحبة القرار، ولا القرار اتخذ لحاله قبل حتى ما تفكر فيه، لفت لُجين عليها بنظرة حزينة وقالت: إحنا معك بكل قراراتك، بس تكفين، فكري بقلبك وعقلك، لا تخلين الوجع هو اللي يقرر
تنهدت رُبى، وناظرت الشارع اللي يمر من جنبها، والناس تمشي، والحياة تكمل، وقالت بصوت واطي: أفكر... بس مو اليوم
وسكتوا كلهم، بس كل واحد فيهم كان عقله يدور ويدور، بين الوجع، والخذلان، وبين الحب اللي ما يندفن،
بجو جناح العيال في صباح اليوم الثاني، كانت الشمس داخلة من الشباك بشكل خفيف، وصوت القهوة يغلي في المطبخ الصغير. تركي جالس على الكنب، بهدوء غريب، يشرب قهوته ويطالع بجواله، كأن كل الدنيا ماشية على مزاجه صقر كان داخل غرفة النوم، وطلع عليه اتصال، بصوت واضح خلا خالد يرفع راسه من جريدته، بس ما علّق، وصقر دخل الغرفة يرد بعد كم دقيقة، فتح صقر باب الغرفة بقوة، وطلع وهو منرفز، نظراته كانت مليانه غضب وهو يوقف قدام تركي، ناظر له وقال: ترا الرجال يجي قدام الرجال ويطلب طلبه، مو يرسل الحريم!
تركي رفع عيونه بهدوء من جواله، ابتسم ابتسامة هادية ومليانة حدّة وقال: والرجال ياخذ إذن أخو طليقته عشان يتكلم معها، مو يخطفها ويتكلم معها وجهًا لوجه
صقر عضّ على شفته، وعيونه فيها شرر، بس خالد تدخّل وتنهد بقهر وهو يطالعهم بنظرات ضيق: سدوا حلقكم انت وياه، بالله وش فيكم؟ وصقر، انت وش عندك معصب؟
جلس صقر على الكنب، مدّ رجوله قدامه وتنهد بصوت واضح وقال: أبد... بس السيد هاذا، مرسل عمته لبيت أمي، يخطب أختي له
خالد انفجر ضحك، وهو يهز راسه بنص تصديق ونص استغراب، ناظر لتركي وقال: والبنت اللي كانت مسوي عنها قصة حب أمس، وينها؟
تركي رفع حاجبه، رفع كوب القهوة من على الطاولة وقال وهو يناظر فيه: طلعت ثقيلة... وأنا أحب الخفيفة
صقر رفع حاجبه بنظرة تهكم وهو يقول: وقدامي تتكلم؟
تركي لف عليه بنظرة ما هي سهلة وقال: وانت تتكلم عن أختي قدامي وأنا ساكت، احمد ربك ما قتلتك أمس
خالد دخل بينهم وقال وهو يتأفف بقوة: خلص سدوا حلقكم أوف! أنتم بزران ولا عاقلين؟
تركي همس وهو يرشف من قهوته ببرود: ولا كأنك أنت السبب
خالد ناظره وهو رافع حاجبه ببطء، وصوته مليان تحذير: وش قلت؟
تركي ما رد، بس ابتسامته ارتفعت شوي، وكأن السالفة بدأت تعجبه أكثر ما تضايقه، وصقر رجع يميل راسه ويمسك جواله وكأنه يتمنى أحد يتصل ينقذه من هالخرابيط الجو صار مشحون، وكل واحد فيهم يشيل شي بقلبه، بس التمثيل شغّال، واللي ما قاله اللسان كانت نظراتهم تصارخ فيه،،
في مكتب رُبى، الجو هادي بس فيه توتر واضح، الورق موزع قدامها، اللابتوب مفتوح على التصميم الأخير، والسكرتيرة واقفة قدامها تملي عليها تفاصيل الجدول الجاي... رُبى ترد بنبرة هادية: جهزي العرض النهائي، أبي كل التفاصيل كاملة بكرا الصباح، الإيميلات أرسليها للمستثمرين وسوي تأكيد الحضور، والعارضات خلّيهم يمرون البروفة الساعة خمسة، لا أحد يتأخر
السكرتيرة تهز راسها: أبشري آنسة رُبى
وفجأة، صوت لُجين يقطع التركيز، جالسة على الكرسي القريب، تلف شعرها بأصابعها وتقول: بعدين معاك انتي؟ بتقعدين تتكلمين عن العرض لين متى؟
رُبى ترفع عيونها وتناظرها بنظرة صبر: وش تبين جوجو؟
لُجين تنهض وتمشي يمين ويسار: أبغى أعرف وش قررتي عن صقر؟ ناويه ترجعين له ولا لا؟
السكرتيرة تأخذ ملفاتها وتستأذن تطلع، عارفة إن الجو بيشتعل، رُبى ما ردّت، ظلت تكتب بالمفكرة اللي قدامها، هدوءها مخيف لُجين قربت منها: روبي؟! خلاص جا الوقت تتكلمين، من أمس وانتي ساكته! ناويه تعطينه فرصه؟ وش اللي صار؟ وش قالك؟! أنتِ تحسين له؟
رُبى رفعت نظرها ببطء، عيونها فيها وجع بس مصرة تبقى قوية: يا جوجو، لا تضغطين علي، أنا مو طفله عشان أتسرع، أنا مجروحة من صقر... وكلامه عن الحب ما يكفّي، وأنا ما أبي قرار من قلب مكسور
لُجين جلست جنبها وهي تقول: بس واضح إنك لسه تحبينه، واضح من نظرتك له، من طريقتك، حتى من سكوتك
رُبى سكتت، وابتسمت ابتسامة باهته: الحُب لحاله ما يكفي... أنا أحتاج أصدق إنه ما راح يخذلني مره ثانيه، أحتاج أصدق إنه يقدر يحميني حتى مني، مو بس من الناس، أبي أصدق إنه صقر ما صار مثل الباقين
لُجين بصوت واطي: بس تحبينه؟
رُبى نزلت نظرها وقالت بهدوء: يمكن، أو يمكن أحب الذكرى اللي كنت أظن إنها حقيقية
لُجين حطت يدها على كتف رُبى: أنتِ أقوى من إنك تخلين الماضي يقرر مستقبلك، بس ترى بعض الفرص، لو راحت، ما ترجع
رُبى رفعت رأسها، نظرتها هالمرة كانت حادة: والثقة إذا انكسرت، ما ترقعها الفرص... ترقعها الأفعال
وقامت من مكانها، جمعت أوراقها ورتبتها وقالت: إذا رجع صقر فعلًا، مو بكلام، يمكن وقتها أفكر
لُجين همست وهي تراقبها تروح للباب: بس انتي تحبينه...
ورُبى، على عتبة الباب، ردّت وهي تناظر قدامها بدون ما تلتفت: الحب مو دليل كافي... أبدًا جوجو، بعدين بعد ما اخلص من العرض بوقتها افكر جد!!
يوم عرض الازيا - لندن
في قاعة العرض الفاخرة، الأرضية تلمع تحت أقدام الحضور، الجدران مغطاة بديكورات أنيقة، والأنوار مركّزة على الممشى الطويل المنتصف، الكراسي مصفوفة بانتظام، وكل شخص جالس كأنه بانتظار لحظة ولادة نجم جديد كل شي مرتّب بعناية، الخدم يمرون بينهم، يقدمون المشروبات بعناية، الأجواء كلها توحي بأن الليلة عظيمة، اسم "رُبى الجاسر" يرفرف في كل زاوية، وتوقعات الجمهور تسبق العرض بدقايق رُبى كانت واقفة عند الطرف، بعيدة عن الزحمة، لابسة طقم أسود بسيط راقي، شعرها مرفوع بنعومة، وفي يدها كاسة عصير برتقال، وواقفة بثبات وكأنها وسط معركة ما يهمها شي، تناظر الوقت بين فترة وفترة، جنبها لُجين واقفة تهمس: تصدقين، لسه ما استوعبت إننا خلاص هنا، اليوم يومك يا روبي...
رُبى بصوت هادي، نبرة هدوءها أقوى من أي شي ثاني: اشتغلت كثير عشان هاللحظه... ما أبي أفرح إلا بعد ما أشوف النتيجة بعيني، خلينا ننتظر
مرّت الساعة، والموسيقى بدأت تعزف بهدوء، الأضواء تغيّرت، وكل العيون توجّهت للممشى... العارضات بدأوا يمشون، فساتين تحمل توقيع رُبى، قصّات دقيقة، خامات راقية، أفكار جريئة لكن أنيقة، كل تصميم كان أقوى من اللي قبله، أنفاس الجمهور تنحبس مع كل خطوة، التصفيق بدأ من أول صف وما وقف وبعد ما انتهى العرض، والناس قامت تصفق وقوف، تركض السكرتيرة لرُبى وعيونها تلمع: آنسة رُبى!!... عدد المبيعات زاد بشكل جنوني، الموقع وقف دقايق من الضغط!، التنزيل رفع المبيعات للضعف... السوق كله يتكلم عن اسمك!!
رُبى ترفعت كأنها ما تبغا تفرح بسرعة، بس ابتسامتها خانتها... ابتسمت فخر، ابتسامة شخص كسب معركة من العمر كله، التفتت على لُجين وهمست: نجحنا، جوجو... نجحنا
لُجين طاحت دمعتها بس خبتها وهي تضحك: كنت متأكده... كنت واثقه فيك
وفي الزاوية، صحافية معروفة من أهم القنوات تقدمت نحو رُبى: آنسة رُبى، مساء الخير، الكل يتحدث عن العرض، كيف استطعتِ الدمج بين النعومة والجرأة بهذا الشكل المتوازن؟ وهل تتوقعين أن ينقلك هذا العرض للعالمية؟
رُبى أخذت نفس عميق وردت بهدوءها المعتاد: أنا ما صممت عشان أتجاوز أحد، صممت عشان أوصل نفسي... وما دام الناس فهموا لغتي، فأنا وصلت... أما العالمية، فهي ما تجي من عرض واحد، تجي من الاستمرار
وفي نفس اللحظة، في فندق قريب، في جناح الشباب... صقر كان واقف قدام التلفزيون، يدّه مشدودة على الكنبة، عيونه ما ترمش، وقلبه يخفق كأنه هو اللي على المسرح، تركي كان جالس على طرف الطاولة، يناظر الشاشة بنص عين: يالله يا روبي... ذبحتينا بفستان، طلعي خلاص خلينا نشوفك ياخي جميله جميله مثل اخوها ياعالم
وخالد واقف عند الشباك، بيده فنجان قهوه، يرد وهو يضحك: ما قدرتوا تدخلون العرض، حتى واسطاتكم ما مشت...
صقر بنبرة مليانة وجع: بس دخلت بقلوب الناس، شوف، الكل يصفق لها، هذا حلمها اللي صار حقيقه...
تركي وهو يعصب فجأه: بس ما نبيها تنجح لحالها، أبيها ترجع... أبيها تفرح معانا، بعدين ليش هي تعجبك؟؟
ترا انا اخوها وهي ورثت الجمال مني، هي عاجبتك وانا مو عاجبك ل اختك؟!
خالد وهو يهز راسه: اللي زي رُبى ما يحتاجون أحد، هم يصنعون المكان اللي يناسبهم، والمشكله إنكم ما قدرتوا تفهمون هذا من زمان، وبعدين احذف كلامك الي اخر شي، مالي فاضي لمبزرتكم
وفي قصر عيلة الجاسر بالسعودية، التلفزيون الكبير يعرض بث مباشر من لندن، الأضواء تنعكس على وجه البنات الجالسات قدامه، وكل وحدة فيهم تمسك كوب قهوة أو عصير، عيونهم مشدودة، ولا أحد يتكلم ريم تميل لقدام، مبهورة: هاذي... هاذي تصاميم رُبى؟ ياااه، كيف سوت كل ذا وهي لحالها؟
سدن تعض شفتها السفلية وتهمس: شوفي كيف الفساتين، ولا مشية العارضات!! كل تفصيل محسوب، ذي ما هي أي أحد... ذي أسطورة
سارة تهمس بصوت واطي: ما كنت أحبها أبد... بس، والله رفعت روسنا، غصب أحبها الحين
هند تلف وجهها عن الشاشة وهي تتنفس بعمق: بس يعني... الموضوع صار أكبر من حجمه، عرض أزياء وبس، ليه كل هالضجة؟
رغد تلتفت عليها بحدة: وش عرض أزياء وبس؟! ذي بنت الجاسر، اسكتي بس، خلي عندك ذوق شوي
مي تمسك جوالها وتصور الشاشة وتهمس: ودي أنزلها بستوري، بس أخاف تقول إني أتقرب...
غادة تبتسم بنعومة، وعينها فيها دمعة صغيرة: أنا فخورة فيها... جد فخورة، تخيلي، كانت صغيرة بيننا، الحين صارت اسم عالمي
عهود – عمّة رُبى – كانت ساكتة طول الوقت، تناظر للشاشة بنظرات بعيدة، وفجأة قالت بصوت حاد: ماهي غريبة عليها، رُبى من زمان في عينها نار، كلنا شفنا بس محد قدّر... لو فهد شاف ذا اليوم، كان بكى من الفرح، الله يرحمه
البنات سكتوا... المذيعة تظهر على الشاشة جنب رُبى وتقول: آنسة رُبى، هل توقعتِ هاذا لنجاح؟
ورُبى ترد ببرودها: أنا لم اصمم لاجل أتفوّق على أحد... صممت لاجل أوصل نفسي، والحمد لله لقد وصلت
سدن تضرب صدرها بيدها وتهمس: والله إنها ثقيلة، تكفين يا رُبى
هند تضحك وتقول: أقول بس، أنا كنت أقول من أول إن فيها شي مميز، بس ما صدقتوا!
ساره تتمتم بغيظ: إن شاء الله ما تغتر على هالشهرة
غادة ترد بلطف وهي تطالع ساره: رُبى؟ تغتر؟ مستحيل، هاذي بنت فهد ونوال، عمرهم ما ربّوا مغروره
عهود تنهّدت، ومسكت طرف شيلتها وهي تقول: الناس تعيش عمرها تحاول تلمع اسمها، بس هي... اسمها لمع من غير ما ترفع صوتها
وكل البنات سكتوا، عيونهم مشدودة للشاشة ورُبى على المسرح ترفع يدها للجمهور وتبتسم، ريم قالت وهي تهمس لنفسها: ودي أرسل لها وأقول سامحيني
مي ترد وهي تمسح دمعة: ودي أقول لها فخوره فيك يا بنت عمي
عهود تهمس: أهم شي... إنها علمتنا إن القهر يصنع نجاح، وإن الغياب مو نهاية، أحياناً الغايب يرجع وبيده نصر عمره ما تكرر
وكلهم جلسوا ساكتين... يشوفون بنت الجاسر تكسر القاعدة وتبدأ عصر جديد، "رُبى... صنعت المجد من قلب التعب"
الليلة خلصت، والأنوار بدت تخف، الناس طلعت، والقاعة فاضية إلا من بقايا أصوات وضحك وموسيقى خافتة، رُبى طلعت من الخلف، تمشي بخطى هادية، فستانها الأسود الطويل يتحرك مع الهوا، ولُجين بجنبها، ماسكة شنطتها، وهم ما تكلموا، كأنهم ما يبغون يكسرون هدوء اللحظة، وقفوا عند زاوية قريبة من المدخل الخلفي، في زاوية ما فيها أحد
رُبى شربت موية، ولُجين مدت يدها وسوت حركة خفيفة بطرف شعرها، قالت لُجين وهي تناظر وجه رُبى بتأمل: وش تحسين فيه الحين؟
رُبى ما جاوبت بسرعه، نظرت للأرض وقالت بهدوء: أحس إني فزت... بس بقلبي حرب ثانية ما خلصت
ضحكت لُجين بخفه: كالعادة... النجاح لك، والمشاكل دايم تدور وراك
رُبى التفتت لها وناظرتها بابتسامة صغيرة: ما أحب أكون ضحية... حتى وأنا متعبة، أبي أوقف، وأكمل
وفجأة، لُجين رفعت يدها بخفة وأشرت بعيونها وراهم: روبي... شوفّي وراك
التفتت رُبى، وعيونها توسعت بلحظة، وهي تشوف تركي واقف على بعد كم خطوة، مبتسم، بيده ورد أبيض، ووجهه يضحك من قلبه، فخور فيها، قرب منها، مد الورد لها وهو يقول بصوته اللي دايم فيه خفة دم: ألف مبروك يا أول نجاح، عقبال الباقي... أمشي، نحتفل ع البحر، مجهز لك مفاجأة
رُبى ضحكت بروقان وهي تاخذ الورد: مفاجأة؟... بشوف، بس لا تطلع مزحة من مزحاتك
تركي: لا والله، جد، شي يعجبك
ركبوا السياره، ومرت الدقايق بينهم خفيفة، وضحك بسيط، بس كان واضح الفرحة في الجو، وصلوا للكورنيش، ونزلت رُبى وهي تلمح الأضواء تنور بهدوء بعيد شوي، كانت أضواء تتحرك، مركب، أو سفينة صغيرة، كلها مضاءة بأنوار خفيفة، فيها طاولة مزينة، وأكل مرتب، رُبى شهقت بخفة، واقتربت بخطوات متفاجئة، واللي واقف على طرف المركب، يطالعها بهدوء، كان صقر، لابس بدله بسيطة، ملامحه هادية بس عيونه كلها كلام، وخلفه خالد واقف، ساكت، لكن ملامحه كلها رضا، رُبى وقفت مكانها للحظة وهي تطالع تركي، ملامحه كانت متناقضة، بين فرحة مبطنة وحرقة واضحة، ابتسم بخفة وقال وهو يطالعها بنظرة أخ مايعرف كيف يخبي شعوره: والله مجبور، مجبور إني أكون سعيد عشانك بس من جوّا؟ ما أبيك ترجعين له بس وش أسوي؟ هددوني، ضغطوني، وأنا مو قدهم بس كنت أبي شي واحد، كنت أبيه يعطيني أخته
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!