فيلا رُبى – الليل
الدنيا تمطر، صوت قطرات المطر يضرب أوراق الأشجار ويغسل جدران الفيلا، في الحديقة الخلفية، نور خافت من لمبة جانبية، وظلال الأشجار تتمايل بهدوء، في زاوية مغطاة بـ"برجولا" خشبية، فوقها نباتات متسلقة، تجمّع المطر حولهم... لكن ما نزل عليهم رُبى جالسة على كرسي خشبي، لابسة عباءة خفيفة، شعرها مربوط، وكوب شاي بيدها وجهها هادي... بس مو بارد، هادي كأنها بدأت ترتاح شوي، تتنفس شوي، تعيش شوي يُفتح باب الفيلا الخلفي بهدوء... ويدخل صقر لابس جاكيت غامق، شعره مبلول شوي من المطر اللي بدأ قبل لا يدخل، عينه تطيح على رُبى... ويبتسم يمشي بخطوات هادية، لين يوصلها، ما قال شي أول ما جلس، بس طالعها...
كأن ملامحها صارت وطن بعد تيه طويل قال بصوت دافي، مطري أكثر من المطر نفسه: من زمان ما جلستِ كذا... بدون قتال
رُبى ابتسمت بخفة، وتهمس وهي تطالع قطرات المطر: يمكن المطر يطهر شوي من اللي جوّا... يمكن
صقر يميل شوي، يتكئ على الطاولة، يناظرها وقال بابتسامة هادية: تتوقعين... أني أتخلى عن حبك؟
رفعت عيونها له... وتابت... وانكسر فيها شي بسيط، بس حلو. ابتسمت وهو كمل بصوت حنون، صادق: أنتِ حلوة... كـ وفا، كـ جمال، كـ قلب... أنتِ أنقى قلب مرّ بحياتي، وأجمل صدفة... ولهذا السبب، حبيتك
مد يده، بهدوء، ولمس خدها بأطراف أصابعه، كأنها نعمة يخاف تنكسر.
وقال بصوت يتنفس حب: حتى لو كنتِ تجرحيني كل يوم، مستحيل يجي يوم وأجرحك.. أنا ما تعوّدت أجرح شخص غالي على قلبي وأنتِ يا رُبى... أغلى من كل شيء
سكت لحظة، قام من مكانه... ووقف قدامها، تحت المطر مباشرة المطر غزير، يضرب كتفه وراسه، بس عيونه تلمع، وابتسامته ساكنة مد يده لها: تعالي... نرقص تحت المطر، نغسل كل وجع، ونبدأ من جديد
رُبى طالعته... وعيونها تدمع، مو حزن، بس من شعور إنها أخيرًا... تستحق مدت يدها، ومسكته، قام يسحبها بلطافة، وضحكوا وهم يدورون وسط الحديقة، تحت المطر... هو يحتضنها وهي تميل عليه، ضحكتها خفيفة، بس صادقة، وصوته وهو يهمس قرب أذنها: الحين... أنتِ صرتي الحياة اللي كنت أدورها
والمطر يستمر... بس صار خلفية لحبهم، مو وجع،
ليل – شقة خالد المتواضعة – شمال الرياض
الشارع ساكن، حتى ضوء السيارة اللي مرّت ما خلّى أثر، باب الشقة ينفتح بهدوء، وخالد يدخل، يسكّر الباب خلفه، ينفُض بدلته من المطر الخفيف،
يحط مفاتيحه على الطاولة الصغيرة، ويبدأ يفتح أزرار بدلته بتعب واضح يطيح على الكنبة الجلدية، يمد رجوله، وينفخ بهدوء، يتنهد... تعب يوم كامل كضابط، ضغط، شغل، أوراق، قضايا... تطيح عينه فجأة على صورة مؤطرة فوق الرف الخشبي... صورة قديمة شوي، فيها أبوه، وأمه، وأخته نوال وهي مراهقه... وأمه كانت حامل فيه وقتها، يبين من شكلها خالد يمد يده، ياخذ الصورة... يطالع فيها، وابتسامة صغيرة تطلع... مو ابتسامة فرح، بل ابتسامة وجع عرف الطريق للحنين بصوت هادي، فيه تعب وصدق يقول: شفت بنتك أمس يا نوال... كانت تشبهك، ومثلك تمامًا... حلوة... بس ما هي نعومة وجهك، كانت فيها شي ثاني... كانت قوية، مثل فهد
ينزل صوته شوي، ونبرته تصير حادة، مخنوقة بالقهر: قوته اللي قتلتك... بس بنتك؟ بنتك قتلته
يضغط على طرف الصورة بقهر، كأن الأصابع ما تحمل كل اللي بداخله...
بس فجأة يغيّر نبرته، ويهدى، يحط الصورة بهدوء على الطاولة، يقوم، ويمشي باتجاه غرفة في الزاوية... يفتح الباب بهدوء شديد الجو داخل الغرفة مظلم إلا من لمبة خفيفة عند السرير تكون أمه، حرمة كبيرة بالعمر، طايحة على السرير، مشلولة نص جسمها، عيونها تلمع، لكنها ساكتة، مو قادرة تتكلم، بس واعية خالد يقرب منها، يجلس على طرف السرير، ياخذ يدها، يقبّلها بهدوء، ويبتسم ابتسامة فيها شوق عمر: يمّه... لقيت اللي من ريحة نوال
يناظر عيونها: بنتها... رُبى ما تخيّلت بيوم ألقى شي يشبه أختي لهالدرجة... نفس الوجع بعينها، نفس الوقفة... حتى وهي تنكسر، فيها كبرياء نوال
أمه تدمع عيونها شوي، ويلاحظ، يمسح دموعها بإصبعه بلطف، ويكمل بصوت هادي حنون: بس يمّه... خايف عليها، هي وسط نار... كل العيلة ضدها، وكل شي حولها ينزف... بس أقسم لك، ما راح أتركها مثل ما نوال كانت تسندني يوم ما كان لي ظهر... أنا بكون ظهر لربى
ينزل راسه، يحط جبهته على يد أمه... ويهمس: دعواتك بس... أدري ما تتكلمين، بس قلبك يدعي... وأنا أحتاج هالدعاء يمه
شركة رُبى – الدور الأعلى – مكتب رُبى
صوت الباب يُفتح، السكرتيرة تحاول توقّف خالد بهمس مرتبك: أستاذ خالد، الأستاذة مشغو—
لكن خالد يدخل بخطوات ثابتة، ما عطا مجال لأحد رُبى كانت واقفة عند الطاولة الجانبية، تصب قهوة باردة بكوب زجاجي أنيق ترفع عيونها تشوفه، تبتسم بسخرية، ما تقول ولا حرف خالد، بنبرة ثقيلة وباردة، يناظرها من فوق لتحت ويقول: مو أنتي مريضة؟ وش جاب المرضى لمكاتب مرموقة أستاذة رُبى... وش صاير؟
رُبى تضحك ضحكة قصيرة، ترجع للكرسي وتجلس، تحط القهوة قدامها وتقول وهي تميل بجسدها شوي لقدّام: كذبوا عليك، وقالوا لك إن رُبى مجنونة... وإنت مثل غيرك، صدّقت، لأنه أسهل من إنك تسأل
تشرب رشفة من القهوة، تبتسم بثقة وتكمل، بنبرة استفزازية: بكم قرش؟ رضيت تلعب دور البطل في نص غبي؟ نفسهم... شروك بالكلام، وصدّقت إنك مختلف، وأنت بس نُسخة مكررة من غيرك
خالد يتقدم خطوتين، نظراته حادة، وصوته يقطر تهكم: الظاهر كل هالبرستيج... غطاء لحالة متقدمة تبين تقنعين العالم إنك طبيعية؟ وأنتي بنفسك ما عرفتي وش تبين، ذبحتِ، خربتِ، وسويتِ نفسك الضحية
رُبى ترفع يدها فجأة، تشير للباب: اطلع، لا ترفع صوتك هنا، لا تنسى إنك جاي على مكاني، مو العكس
خالد يضحك بصوت خافت، لكن قبل ما يقول شي، الباب يُفتح فجأة... ويدخل صقر صقر يشوف الوضع، يقف لحظة يطالعهم، يقول بخفة يحاول يلطّف الجو: رُبى، حبيبتي، وش فيك؟
يناظر خالد، يبتسم: خالد؟ هلا والله.. كيفك؟
خالد ابتسم: كنت جاي أشوفك، بس ما توقعت... إن هاذي تكون مديرة الشركة؟
رُبى تلتفت بحدة، تناظر خالد وتقول بصوت فيه نبرة قرف: إذا جاي تتكلم معه، فاطلع برا أنا ما أستقبل ناس جايين يتمسحون بالفلوس، لأن اللي مثلك دايم يدور رزق تحت الطاولة
خالد يضغط على فكه، يحاول يتمالك أعصابه، يردف صقر: حبيبتي رُبى، شفيك هاذا خالك!
خالد يلتفت لصقر، يقول بهدوء مزيف: نتكلم بعدين
ويطلع بدون ما يناظرها صقر يوقف شوي، يناظر الباب، ثم يلتفت لها بهمس: كان ممكن تقولينها بأقل شوي...
رُبى ترتشف من القهوة وهي ترد ببرود: أوه، آسفة... نسيت إن عندكم نوع خاص من الاحترام للناس اللي يطعنون من الظهر
صقر يتنهد، ويمشي بسرعة يلحق خالد في الممر: خالد! استنى... أنا آسف، والله ما توقعت الوضع كذا، رُبى متوترة شوي، ما قصدها تهينك...
خالد يلتفت له، يرد ببرود: ما في مشكلة يا صقر... بس لا تجيبني مرة ثانية... دامك شايل مشروع انفجار قديم ومتلون باسم 'المديرة'
ويمشي بهدوء، وصقر يوقف مكانه، عيونه على الأرض... ما قدر يرد وفجاه صقر يركض يلحق خالد، وفجأة يقفز عليه من الخلف، يلف يده حول رقبته ويهزه بلطف، يضحك وهو يقول بصوت عالي: يا تبن! وش فيك صاير محترم زيادة؟ من متى تمشي وتخلي وراك عاصفة زي رُبى وما ترد؟
خالد يضحك، يهز راسه وهو يحاول يفك يد صقر: تعلّمت الاحترام من المدرسة الجديدة اللي انت داخل فيها... شكلها ما تمزح
صقر يضحك، يسحبه من يده ويقول: تعال، خلنا نروح للكوفي اللي تحت، شكلك تحتاج قهوة تنفض كل هالجمود
كوفي الشركة – طاولة خارجية – الجو مغيم
الاثنين جالسين، صقر ماسك كوب قهوته، وخالد يناظر الشارع، ساكت شوي... ثم يقطع الصمت: أنا جايك اليوم، يا صقر، عشان شي أهم من أي خلاف أو قهوة
صقر يرفع حاجبه، يستنكر: وش فيه؟
خالد بصراحة مباشرة: جاي أطلب مساعدتك بمهمة... بس بعد ما عرفت إنك متزوج رُبى بنت أختي... حسّيت إني تراجعت
صقر يستغرب، قلبه دق شوي، يميل للأمام: ليش؟ وش هي المهمة؟
خالد يرجع ظهره للكُرسي، يتنهد ويقول بهدوء ثقيل: إذا كنت مستعد تبعد رُبى عنك... أقصد تبعدها تمامًا... حتى لو وصل الموضوع للطلاق... بقولك وترا الموضوع يخص البلد
صقر على طول يتجمد، عيونه تتغيّر، ونبرة صوته تختلط بين الخوف والاستفهام: طلاق؟! وش الموضوع يا خالد؟ وش دخل رُبى؟
خالد يحط كوبه على الطاولة، صوته ينخفض، لكنه واضح: أنا ما أقول الكلام عبث المهمة تتطلب إنك تكون شخص ما عنده نقطة ضعف ورُبى... نقطة ضعفك الوحيدة أنا اخترتك لأنك الشخص الوحيد اللي أثق فيه بهالمستوى واختار وطنك او حُبك؟
صقر يتنفس ببطء، وتمر بعقله لحظات كثيرة ضحكة رُبى، دموعها، ضعفها عنده، رقصتهم تحت المطر، وكلامها عن الألم بس فجأة... ينسمع صدى كلمة (الوطن) براسه... ويتغير كل شي اكثر خيارين صعبين وكل واحد اصعب من الثاني، ينزل نظره شوي، ثم يرفع راسه، يردف بتوتر واضح، لكنه حازم: أنا موافق... قول لي وش المطلوب
فيلا رُبى – الليل
الصالة هادئة، الأضواء خافتة، وطاولة العشاء مرتّبة بطريقة بسيطة بس مليانة دفء... شموع، أطباق مرتبة، وردة بيضاء على طرف السفرة رُبى واقفة تراقب الباب تنتظر، نظراتها مليانة حماس طفولي وراحة بعد أيام طويلة... ينفتح الباب، يدخل صقر يناظر الطاولة... يناظرها.. رُبى بابتسامة صغيرة، تمسك يده بلطف: تعال... تعشَّ معي، أبي هالليلة تكون مختلفة، ننبسط، نتابع فيلم، ننام سوا... أنا وانت
تجلسه، ثم تجلس مقابله... تمد يدها على الطاولة، تمسك يده، عيونها تلمع بأمل: قررت يكون يومنا هذا مميز... نتابع فلم ناكل فشار وننام انا وانت!
لكن... صقر يسحب يده فجأة تنصدم... تناظره: صقر؟...
هو يطالعها، عيونه فيها وجع ما ينوصف، صوته خانق: رُبى... أنا مو قادر... يكفي
هي تضحك بخفة، تحاول تخفف الجو: صقر مو من جدّك؟! عشاني طردت المعقد خالد؟ تزعل؟!
صقر يضرب الطاولة بيده فجأة الصوت يكسر الصمت: ياخي افهمييي!!! أنا... ما أعدت أحبك!
صوتها يرتجف، بس تحاول تبتسم: هاه؟ صقر؟ أكيد تمزح...
يوقف، صوته عالي، عيونه مغبشة من القهر: تحسبينها لعبه؟!! من أول يوم... من أول لحظة... هالعلاقة كانت غلط!!
هي بصوت مبحوح، وعيونها مفتوحة من الصدمة: صقر... أنا...
صقر: انتي إيش؟؟؟!! إيش رُبى؟؟
صمت... يلتفت صقر بيخرج بس رُبى تمد يدها، تمسك يده، بصوت خانق: أنا آسفه... تكفى لا تتركني...
صقر يغمض عيونه، ودمعة تنزل، يحاول يتماسك، صوته يطلع مكسور: أنا... أنا مقدر أكمّل... رُبى... أنتِ طالق
رُبى توقف فجأة... وكأن الوقت تجمّد دموعها تنزل ببطء وهي تهز راسها بلا: لا... لا صقر.. أنا تخليت عن الكل عشانك... تكفى لا... تكفى صقر...
صقر يناظرها، يعض شفته، يقاوم ينكسر: أنا أكرهك يا رُبى... أكرهك... كل وعودي لك كانت كذب، أكره اليوم اللي دخلتي فيه حياتي... أكره اليوم اللي تزوجتك فيه، لأنه كان بداية مشؤومة لي!!
رُبى تغمض عيونها، تنزل دموعها، تمسك يده، وتخليها على صدرها: أنا حبيتك... حُب مو طبيعي... أنت أول شخص ينبض له هالقلب... كيف تقدر تفرّط فيني بهالسهولة؟!!
صمت ثم بهدوء، بصوت متكسر: اطلع برا... ما أبي أشوفك مره ثانية...
ثم تصرخ فجأة، بصوت مليان وجع: اطلع برااااااااا!!!
تنهار، تجلس على الكرسي، تحط يدها على وجهها، وتبكي بصوت موجوع صقر يرجّع خطوة... يمد يده بخفة، كأنه بيمسك كتفها، يواسيها... لكن يتراجع يده تتراجع قلبه يتراجع بس القرار خلاص اتخذ يلتفت... يفتح الباب... ويطلع وصوت الباب يوم انقفل؟ كأنّه أقفل قلبها بعده، تارك رُبى لوحدها منهاره تشهق وتبكي بالم،
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!