الفصل 38 | من 49 فصل

رواية أنا بنت الغايب، بس ما ني غايبة الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم غير معروف

المشاهدات
18
كلمة
3,349
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

الماضي – لندن
شقة صغيرة في إحدى ضواحي لندن المطر يهطل بخفة، والجو بارد، صامت رُبى كانت جالسة بالصالة، لحالها. كانت تحل واجباتها على الطاولة، لابسة بيجامتها الرمادية، شعرها مرفوع بطريقة طفولية، والهدوء يملأ المكان... لكن عيونها فيها خوف قديم خمس سنوات مرت على طرد أبوها لها بعد جنازة أمها... خمس سنوات وهي تحاول تتأقلم بلندن، مع لُجين الي تعرفت عليها بوقت دراستها، اللي كانت تطلع أكثر مما تبقى يُطرق الباب رُبى تلتفت بتوتر، تناظر الساعة... متأخره تمشي للباب، وتهمس لنفسها: يمكن لُجين نسيت مفتاحها... كالعاده
تطل من العين السحرية... تتفاجأ بوجه غريب رجل، متوسط العمر، ملامحه غريبة، ابتسامة خفيفة بوجهه، عيونه مو مريحة هو جارهم... كانت دايم تحس إنه يطالع فيها من نافذته، بس تسكت تردد تفتح... بس يدها تتحرك بلا وعي، تدق السلسلة وتفتح شوي: نعم؟
الرجل بصوت بارد بالنجليزي: هاي... آسف على الازعاج، لكني لاحظت إنكِ وحدكِ كثيراً... احببت أن اطمئن فقط
رُبى بسرعة تحاول تقفل الباب وهي مو مرتاحه: أنا تمام، شكراً... مع السلامة
لكن... يده تمسك الباب قبل ما ينقفل رُبى تصرخ: لااا! ابتعد!
تحاول تدفعه، لكنه يدفع الباب بقوّة ويدخل رُبى ترجع للخلف، عيونها تتسع، يدها ترجف، الدموع تبدأ تنزل من الخوف، تحاول تهرب لكن طاولة الطعام توقفها الرجل يقرب... ابتسامة خبيثة تملى وجهه: لا تخافي.. فقط اريد ان اجلس قليلاً معكِ ياصغيرتي...
هي تصرخ، لكن صوتها مبحوح... مافي أحد في الأسفل... لُجين كانت راجعة، وسمعت الصرخة. تركض بسرعة أما رُبى... كانت تحاول تبعد... لكن رجله دفعتها شوي... طاحت على الطاولة الرجل زادت ابتسامته الخبيثة، عيونه مليانة مرض... رُبى تلتفت... تشوف سكينة على الطاولة جنبها دفترها الوردي تمسك الدفتر، وبقوّة تضربه بوجهه تصيح: لا تلمسني!!
يتراجع شوي... وهي تمد يدها بسرعة... تمسك السكينة... وتطعن طعنة سريعة، مفاجئة الرجل يتجمد، ثم يقع على الأرض، يأن، والدم يخرج من خاصرته الباب يُفتح بقوة... لُجين تدخل، تصرخ: رُبى!!!
تجمدت رُبى جالسة على الأرض، السكينة بيدها، دمعة على خدها، عيونها مو مصدقة ترتعش، تتنفس بصعوبة، وكأنها تبي تصحى من كابوس لُجين تركض لها، تسحب السكينة من يدها، تحضنها: رُبى!! أنتي بخير؟! أنتي بخير؟!
رُبى بصوت مخنوق: هو... دخل... دخل وأنا كنت لوحدي... كنت لحالي...
طفلة... بعمر 15، لحالها، وعيونها تقول كل شي... هذا الخوف؟ ما نسيته أبداً

مركز الشرطة | لندن
غرفة تحقيق صغيرة، ضوء أبيض بارد، ورائحة معقمة تملأ الجو رُبى جالسة على الكرسي، وجهها شاحب، دموعها تنزل بصمت، يدينها ترجف، والسواد تحت عيونها واضح... جنبها لُجين، ماسكة يدها، تحاول تهديها، عيونها فيها دموع لكنها تحاول تصمد عشان رُبى الباب يُفتح فجأة... يدخل فهد، وجهه مليان غضب، ومعه أفراد من العائلة، واقفين بعيد لكن واضح إنهم حضروا يستعرضون موقفهم فهد بصوت عالي، أول ما شاف رُبى: وش سويتِ بعد؟!! ما تكفين مشاكل؟!
رُبى ترفع راسها، عيونها ترتجف فهد يقترب منها بسرعة، وقبل أحد يوقفه، يصفعها كف قوي صوت الصفعة يرجّ الغرفة لكن لُجين تسبق الجميع لُجين تصرخ: انت مجنون؟!!! تضرب بنتك وهي تضحك على الموت؟!
فهد يصرخ بوجهها: بنتي؟ هاذي ما هي بنت! هاذي عار، بس تجيب لي القرف! رجال يدخل عليك بالبيت؟ إلا إذا انتي مغرّيته
لُجين فجأة تصرخ، عيونها حمراء، تصرخ: أنت الحقير!!! أنت اللي رميتها لحالها وأنت تعرف أنها طفله!!!
لُجين تصرخ: الله ياخذك! مريض! انت مريض! كيف تقول كذا؟!!
يدخل الضابط من الباب، ويقول بهدوء لكن بحزم: كفى. هذه دائرة تحقيق، وليست ساحة خلافات عائلية
ينظر إلى فهد مباشرة: سيدي، الفتاة لم ترتكب جريمة. تقرير التحقيق واضح: اقتحم الرجل منزلها وهاجمها، وتصرفها كان دفاعًا عن النفس
فهد يحاول يتكلم، لكن الضابط يقاطعه بحدة: إن كنتم لم تحموا ابنتكم سابقًا، فلا تحمّلوها ذنب إهمالكم. الأمر منتهٍ، ولن تُسجن على جرم لم ترتكبه
لُجين تلتفت لفهد وتقول بحرقة: سمعت؟!! مو بس هي اللي انكسر، حتى إحنا انكسرنا من اللي سويته! طردتها وهي بنت! تخليت عنها وهي محتاجة لك، والحين تجي تتهمها؟
فهد يصرخ: هي اللي تخليت عن كل شي، هي سبب كل وجع!
الضابط يرفع يده: ارجوك، غادر المكان حالًا. البنت لن تُحاسب على دفاعها عن نفسها. ولو أردتم العدالة، فابحثوا عن خطاياكم أولاً
فهد يطالع في رُبى بنظرة أخيرة، ثم يلتفت ويخرج من الباب بعصبية، الباب يُغلق خلفه بقوة لُجين تجلس جنب رُبى، تمسك يدها برفق، وتناظر وجهها الحزين، وتهمس: أنا آسفه... آسفه على كل شي... بس والله ما راح أتركك بعدها أبداً
رُبى ما زالت ساكته، نفس عميق يطلع منها، كأنها عمر كامل محبوس جوا صدرها ومن وقتها لُجين عايشه عندها ماتركتها للحضه،،








الحاضر، اليوم الثاني - قصر الجاسر
المكتب فخم وهادي، تفوح منه رائحة العود. الشمس تدخل بخجل من بين الستائر. راشد الجاسر يجلس خلف مكتبه الكبير، يقرأ أوراق بصمت وهو لابس ثوبه الأبيض وعبايتة مبسوطة على كتفه. قدامه فنجال قهوة ما لمسها تدخل رئيسة الخدم بهدوء، تنحني باحترام: سعادة الشيخ، المعذرة... بس في أحد برا حابب يشوفك
يرفع راشد نظره بتثاقل: من؟
رئيسة الخدم: الأستاذ صقر... يقول يبغى يشوفك شخصياً
يركز راشد عيونـه فيها لحظة، يحس بالاسم يقلب له الذاكرة، بس ما يظهر شي بوجهه. يهز راسه ببساطة ويقول: خليه يدخل
تطلع الخادمة، وبعد لحظة يدخل صقر، واقف بثقة، عيونه فيها احترام، بس في عمقها تعب واضح. واقف قدام رجل بحجم راشد الجاسر، وهو يعرف أنه لازم ينتقي كلماته صقر: السلام عليكم يا طويل العمر
راشد بنبرة جامدة لكنه محترمة: وعليكم السلام... تفضل اجلس يا ولدي
صقر يجلس على الطرف، مستقيم، يردف بدون مقدمات: يا شيخ راشد... أنا جيت أطلب ترجعني أشتغل بالقصر... نفس قبل. حارس
راشد يضيق عيونه شوي... يترك عليه لحظة طويلة من الصمت، يحاول يقرأ نيّته، بس ملامحه تظل ثابتة. ثم يرد بهدوء: تترك اللي معك وتبينا نرجّعك حارس؟
صقر يهز رأسه: إيه... إذا ترضى
راشد يشرب من فنجاله بهدوء، ثم يحطه على الطاولة بنغمة واضحة، ويرد بكلمة وحدة: رجعت
صقر يرفع نظره له بدهشة بسيطة، ما توقعها بهالبساطة. يحاول يتكلم بس راشد يسبقه بصوته العميق: ما راح أسأل ليش رجعت ولا وش اللي تغير... لكن دامك جيت برجليك، القصر مفتوح لك
صقر يقوم بكل احترام: الله يطوّل عمرك ويخليك لنا يا بو ناصر
صقر ينسحب... وراشد يناظره لين يختفي برا الباب. يمد يده لهاتفه الأرضي، يضغط رقم

عند بدر الجاسر – جالس يراجع أوراق
الجوال يرن. يشوف الاسم: "الشيخ راشد" بدر بسرعة يرد: هلا يبه سم
راشد بصوته الهادئ الثقيل: بدر... رُبى وينها؟
بدر يتفاجأ شوي: ببيتها. ليه؟
راشد: أبيها تتغدى معنا اليوم. لا تقول لها إني طلبت. خلك أنت اللي تعزمها... وبأسلوبك، خلها تجي وهي ما تدري إنه بطلب مني
بدر بصوت خفيف: تم يبه... فيه شي؟
راشد: أبي أشوف بعيني... بعيني أنا، قبل لا أسمع من الناس
بدر: يصير خير
يغلق راشد الخط، ويرجع يناظر قهوته... بس هالمرة، يفكر،









بيت رُبى – غرفتها – الصباح المتأخر
الغرفة شبه مظلمة، الستائر مسدلة، والجو ثقيل. رُبى ممددة على السرير، عيونها مفتوحة تناظر سقف الغرفة، أو يمكن الفراغ اللي جوّاها. ملامحها هادئة جداً... بس مو هدوء الراحة، هدوء الميت الحي الساعة تمشي ببطء، وكل شي حولها ساكن. فجأة... يبدأ جوالها يرن بصوت خافت. تلتفت له ببطء، تسحب الجوال، تشوف الاسم: "أم راكان – رئيسة الخدم" ترد بدون لا تغير نبرة صوتها: ألو؟
أم راكان بصوت محترم: مدام رُبى، عمّك بدر وصل... يقول يبي يشوفك شوي إذا تسمحين
تسكت رُبى لحظة، بعدين ترد بهدوء: تمام، جاية
تقفل المكالمة، تضل دقيقة ساكتة... بعدين تنهض من السرير ببطء. تمشي للمرآة، تناظر نفسها بدون تعبير. شعرها مبعثر، وجهها شاحب، بس عيونها... متماسكة. تسحب مشط، تمشط شعرها بعناية تشد حزام الروب الحريري حول خصرها، تقفله تماماً، وتتنهد تخرج من الغرفة وتنزل الدرج بهدوء، خطواتها واثقة، لكن في شيء طافي بعينها... مثل وحدة تمثل قوتها كل يوم، صالة الجلوس، بدر جالس على الكنبة، يطالع حوله. المكان نظيف، مرتب... بارد. تدخل رُبى، تمشي بهدوء، وتجلس مقابله بكل كبرياء. تنادي بهدوء: أم راكان... جيبي عصير مشكّل، بارد
بدر يطالعها نظرة طويلة قبل لا يتكلم، بنبرة هادئة جداً، فيها حنية العم، وفيها مسؤولية الرجال: اليوم عزيمة غداء عند جدّك... بعد ساعتين. نبيك تجين
رُبى بصوت منخفض وهي تحط رجل على رجل: ما أتوقع إني راح أقدر...
يقاطعها بدر بلطف، بنبرة توصل قبل الكلمة: عشان خاطري، رُبى
تسكت تنزل عيونها لحظة، ثم ترفعها له، نظرتها فيها صراع واضح... بس كبريائها ما ينهار، ترد بنبرة ناعمة بس فيها تلميح تحدّي: بشوف إذا قدرت...
بدر يومئ بهدوء ويقوم، وقبل لا يمشي يقول بصوت واطي، أقرب للعتب المحب: مو كل الناس ضدك يا رُبى... بس مو كلهم يقدرون يفهمونك مثل ما أنا أفهمك
يمشي بهدوء ويطلع، ورُبى تظل جالسة، تناظر العصير اللي انحط قدامها، تحرك الكأس بصمت، وكأنها ما تذوق شي، بس تفكر... هل فعلاً تقدر تواجههم؟،













قصر الجاسر – جناح البنات
الجو هادئ في القصر الكبير، والشمس بدأت تدخل من الشبابيك الضخمة. تمشي لطيفة في الممر، لابسة فستان ناعم وبشعر مفرود، وتوقف قدام باب غرفة نورة. تطرق الباب بخفة وتفتحه بهدوء، تطلع نورة نايمة وسط السرير الكبير لطيفة بصوت ناعم وهي تدخل: نورة... نورة قومي، رُبى بتجي تتغدى معنا اليوم
نورة تتحرك شوي، تبعد البطانية عن وجهها وترد ببرود: وش عندها؟ غريبة
لطيفة تقرب منها، تحاول تبين فرحتها المصطنعة: مدري، بس يمكن الوضع يتعدل... قومي بس، لا تسوين سالفة
نورة تتقلب على جنبها وتدف المخدة بيدها: أنا ما أبي أنزل، تعبانة
لطيفة تنزل ملامح وجهها، تقرب أكثر، وتمسك يد أختها: نورة لا... بتنزلين. ترى أمي كل اللي صار فيها كان من قراراتها، مو من رُبى. ورُبى تأذت كثير منها، و... ما نقدر نكره أمنا حتى لو غلطت، بس بعد لازم نفهم إن رُبى كانت ضحية بعد، فاهمه؟
نورة بصوت حاد تقاطعها: أنا ما يهمني اللي صار، فاهمه؟؟ أنا بس أبي أنام، تعبانة وبس!!
لطيفة توقف، تصير ساكته لحظة، بعدين تقول بنبرة حزن وهي تناظر أختها: متعب مات يا نورة... حتى أمه خبّت حزنها، وانتي للحين كذا؟
نورة ترفع راسها بسرعة، عيونها تلمع، وتصرخ: اسكتي! لا أحد يسمع! مابي أحد يعرف، فاهمه؟!! أنا... أنا بس تعبانة
ترجع تستلقي وتلف البطانية حولها، تخفي وجهها. لطيفة تضل واقفة مكانها، نظرتها حزينة... توصل لها مشاعر أختها اللي تحاول تدفنها، بس ما قدرت تتنهد وتقول بهدوء: خوفي عليكِ مو لأنك زعلانة... خوفي لأنك قاعدة تحرقين نفسك بصمت
تطلع من الغرفة وتسحب الباب وراها بهدوء، تترك نورة في صمت الغرفة ووحشة الحزن اللي مافيه مفر،،











قصر الجاسر – وقت الغداء
تُفتح البوابة الرئيسية للقصر، والجو داخل فخم وهادئ. واقف صقر عند الباب الخارجي بهدوء، كأنه ينتظر شيء ما... توقف سيارة سوداء أنيقة قدام القصر، وتنزل منها رُبى... شعرها ناعم، لابسة طقم أنيق، وفي يدها كيس أنيق فيه حلا مغلف بذوق، وعطرها يوصل قبلها صقر يمشي بسرعة نحو الباب، يفتحه لها بصمت... وتناظر له رُبى نظرة بارده، بدون أي تعبير صقر بصوت هادي لكنه مليان توتر: اعطيني، أشيلهم عنك
رُبى تشد يدها للخلف، تبعد الكيس عنه: أنا أقدر أشيلهم، لي يدين
يصمت صقر، نظراته تتبعها وهي تدخل بخطى واثقة، كبرياءها يسبقها، وعطرها يطغى على المكان الكل جالس في المجلس، العيلة شبه متجمعه ساكت ويناظرها بهدوء، ووجوههم كلها مشدودة رُبى تدخل وتبتسم ابتسامة خفيفة، وتقول باختصار: السلام عليكم
الجميع يرد بهدوء، وكأنهم ينتظرون أي انفجار، تجلس على الكرسي المخصص لها، وتطلب من الخادمة: جيبي العصير
جلسوا على الطاولة، أصوات الملاعق تهز صمت الجو. الكل يحاول يتصنع الحديث العادي، لطيفة تبتسم، نورة ساكته، تركي يأكل بصمت لكنه عينه على رُبى راشد الجاسر يرفع نظره من صحنه، يناظرها مباشرة، ويقول بهدوء: رُبى، ما أدري إذا سؤالي ثقيل، بس... انتي وصقر، بينكم شي؟
رُبى تحرك الشوكة والسكين بهدوء، ثم تتركهم، وتحط يدها على خدها بابتسامة باردة، وترد: لا أبد، بس أمس تم طلاقنا
السكوت يضرب الطاولة. نورة توقف يدها، لطيفة تناظرها مصدومة، وصقر ينزل عينه ناصر، عمها، بصوت مصدوم: ها؟ طلاق؟ ليش؟
رُبى ترد بنبرة هادئة جداً، كأنها تحكي عن مشهد مو يخصها: هو ماقدر يتحملني... لا مرضي، ولا عقدي النفسية. فقرر ينفصل. عادي، الحياة قرارات
تركي يضغط على كفه بقوة، يحاول يمسك أعصابه، لكن غضبه واضح، ويردف بحدة مكتومة: هو أساساً يحمد ربه إنه طاله وتزوج بنت فهد الجاسر
تلتفت له رُبى، تبتسم بسخرية هادئة: روح اسأله، حتى أنا استغربت. بس الحمد لله ع كل حال
وفجأة يُفتح الباب، ويدخل عبدالعزيز بابتسامة استفزازية، يجلس وكأنه كان يتفرج من برا وينتظر دوره وهو يناظرها بنظرة مباشرة: أشوف مستمتعة بالتمثيل... انتي دايم تعرفين تلعبين دور الضحية صح، رُبى
رُبى ما تلتفت له حتى، ترفع الكوب، تشرب عصيرها، ثم تضعه بهدوء، وترد بسخرية ناعمة: ولأنك تحب المسرح، خلك متفرج، لا تصعد المسرح وانت مو كفو تمثل
عبدالعزيز يعقد حاجبه، كأنه بيرد، لكن تركي يحرك راسه بمعنى "يكفي" رُبى تمسح زوايا فمها بمنديل، وتقول بنبرة باردة كالجليد: أنا جيت احترامًا للي عزموني... مو عشان أسمع كلام من ناس آخر همهم الحقيقة
الجو يصير ثقيل، والكل ساكت، حتى صوت الملاعق،




الساعة قرابة العصر، الكل متجمع في صالة القصر... أصوات النقاشات تعلو بين الحضور، حديث عن الشؤون العائلية، العمل، والهمسات حول طلاق صقر ورُبى رُبى تجلس على طرف الكنب، صامته، وجهها جامد، وعيونها تتحرك بين المتحدثين، بدون ما تقول ولا كلمة.. وفجأة يوقف تركي، يضبط شماغه بهدوء، ويقول: استأذن شوي، أبغير جو
يطلع من الصالة، يتجه نحو الحديقة الخلفية، يلمح صقر واقف عند بوابة القصر من جهة الخدم، يلبس زي الحراس القديم، واقف بنظرات ثابتة للفراغ يمشي تركي بخطوات واثقة، ولما قرب، صقر يلتفت له بهدوء تركي بصوت هادئ لكنه نبرة غضب تكتم نار داخله: وش عندك ترجع؟ تطلق أختي بكل برود، وبعدين ترجع تشتغل عندنا؟ بهالوقاحة؟
صقر يحاول يضبط أعصابه، ويرد وهو يشد على يده: تركي، والله ما لي خلق لك... ياليت تبعد عني
يدير ظهره عشان يروح، لكن تركي يمسكه من ذراعه، يلفه بقوة له، يواجهه بعين مشتعلة: لسّه ما خلصت
وفجأة يرفع يده، يضرب صقر بوكس قوي على وجهه، وصقر يسقط على الأرض بقوة، يحاول يقوم، لكن تركي ينقض عليه، يمسكه من ياقة ثوبه، يهزه بعنف ويصرخ: ذي البنت... تخلّت عنا كلنا، راحت لك!!! ذبحت أبوها، وسجنت عيلتها، ورجعت لك!!! كل شي في حياتها انتهى عشانك... وانت؟ بكل حقارة طلقتها!!!
صقر يرد وهو يتنفس بصعوبة: تركي... طلاقي من رُبى ما يخصك
تركي يهز راسه بقهر، يصارخ: وش ما يخصني؟!! البنت كانت تعتبرك أمانها... بس انت؟ انت صرت زي أبوها، بل أسوأ!!!
يضربه بوكس ثاني، ثم ثالث، وصقر يحاول يدافع عن نفسه لكن تركي كأن فيه نار تكويه وفي هاللحظة، يدخلون بسرعه: بدر، سعود، ناصر، سلطان، عبدالعزيز، ووليد... الكل يركض يبعد تركي عن صقر بدر: تركي اهدا!! خلاص يكفي!!
ناصر يحاول يمسكه من الخلف، وصوت تركي وهو يصرخ يكسر الجو: هي ما كانت مجنونة!! ولا مريضة!! كانت بس تبغى أحد يفهمهاااا!!! ليش؟! ليشش!!!
رُبى تطلع على صوت الصراخ من داخل القصر، واقفه عند باب الحديقة، تصير عيونها واسعة من الصدمة... تشوف صقر على الأرض، وعيونها تنتقل لتركي وهو يتهيج من الغضب صوت تركي يجلجل بآخر صرخة: ذبحت قلبها بيدك، وصرت زي كل أحد خذلها!!!
رُبى واقفه متسمّره، مو قادرة تتكلم، كل شي قدامها كأنه يوقظ جراح جديدة... و"صقر" جالس على الأرض، وجهه فيه أثر الضرب، لكن الألم الحقيقي مو بوجهه... الألم بعينه،

"يتبع"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...