[مؤتمر صحفي عاجل – داخل شركة R]
تتجه الكاميرات نحو المنصة، الضجة ترتفع، الأسئلة تتطاير:
– "هل صحيح إن الشركة مزوّرة؟!"
– "من خلف الاتهامات؟!"
– "هل في أسماء كبيرة وراء الحملة؟!"
ينفتح الباب بهدوء... رُبى الجاسر تدخل بثقة، مرتبة، ترتدي بدلة سوداء أنيقة، عيونها مباشرة للكاميرات، ولا تبتسم تقترب من المايك، ترفعه بهدوء، وتبدأ بصوت هادئ: أنا ما راح أتكلم كثير. بس في كم نقطة لازم توضح بخصوص الأوراق المزوّرة والبلاغ اللي وُجّه ضد شركتي... نعم، أنا عندي كل الأدلة اللي تثبت إنها مزوّرة وعارفة تمامًا مين ورى الموضوع... بالأسماء
تسكت لحظة... ثم تكمّل بنبرة أهدأ وأخطر: لكن، ما راح أتكلم عنهم... إلا في حالة واحدة إذا أحد منهم فكّر يتعدى حدوده مرة ثانيه في حال تم التعرض لي أو لشركتي بأي نوع من الأذى... قانونيًا، إعلاميًا، شخصيًا... القضايا بتُرفع، والدلائل بتُقدَّم... والمحاكم هي اللي بتحكم
نظرة حادة مباشرة للكاميرا: اللي سوّى شي... يعرف نفسه وإذا يعتقد إنه فوق القانون، يتفضل يجرّب يلمسني مرّة ثانية
تسكت لحظة، ثم تبتسم ابتسامة خفيفة لكنها جامدة، وتختم: شكرًا لكم... وعلى فكرة؟ أنا ما أحب أهدد... لكن أبدًا ما أسكت
تلف وتخرج، وسط صمت القاعة... الصحفيين يناظرون بعضهم، بعضهم منبهر، وبعضهم خايف... وفي قصر الجاسر؟ منيرة وموضي كانوا يشاهدون على التلفزيون، وعيونهم توسّعت بصدمة وحرقة... لأنهم عرفوا إنها قصّدتهم، وبأنها تمتلك كل شيء،
[الشركة، قسم الرجال، غرفة الاجتماعات الخاصة بشباب العائلة]
الجو رسمي، كلهم لابسين بدلات، مجتمعين حول طاولة كبيرة، الأوراق قدامهم، والقهوة موزعة الشاشة الكبيرة في زاوية الغرفة تعرض المؤتمر الصحفي "العاجل"، وكل الأنظار مركّزة على رُبى وهي تتكلم عبدالعزيز واقف ويده على خصره، حاجبه مرفوع: هذي بنت مين؟! والله قسّمتهم وما قالت اسم!
متعب متكئ على الكرسي، عاقد حواجبه: وشلون قدرت تتكلم كذا؟ من متى وهي واثقة لهالدرجة؟
تركي يضحك باستهزاء لكن واضح إنه متوتر: اللي معها أدلة... شكلها فعلاً ماسكة شي عليهم. بس منو؟
سلطان هادي دايمًا، جالس ويمسك الجوال بهدوء: قالت اللي سوّى شي يعرف نفسه... عاد أنتو تعرفون نفسكم؟
يبتسم بنص شفايفه وهو يناظرهم واحد واحد وليد ناصف وجهه، متكئ بكوعه على الطاولة: أنا احترمتها... ما قالت أسامي، ما صرّحت، بس خوّفتهم كلهم
عبدالعزيز يضحك وهو يركب رجله على الثانية: عاد شوفوا، لو هذولي اللي ببالكم فعلاً مسوينها... الله يعينهم
يلتفت لمتعب: تدري وش أحلى شي؟ إنها قالت ما أحب أهدد... بس أبدًا ما أسكت!
متعب يتنرفز شوي: يعني وش تقصد؟ تهدد العيلة؟
وليد ببرود: لا... تهدد اللي غلط عليها. فرق
تركي يرفع حاجبه: بس ما تحسون إنها بديت تاخذ أكبر من حجمها؟
سلطان يهز راسه وهو يتابع الشاشة: لا... إحنا اللي كنّا مصغّرينها طول الوقت
لحظة صمت تعم المكان، الكل يناظر الشاشة اللي انتهى فيها البث، يظهر فيها شعار المؤتمر فقط عبدالعزيز يهمهم وهو يرفع كوب القهوة: واضح إن المرحلة الجاية، رُبى مو بس راجعة... رُبى جايه تشيل كل شي قدامها... بالهدوء
الشمس بدت تغيب، ودفا الجو تغير بهدوء يسبق العاصفة. أمام مبنى الشركة، طلع الشيخ راشد الجاسر وهو يمشي بثقة، عقاله ثابت وخطوته معتادة، وورا ظهره يمشون أولاده الثلاثة سعود، ناصر، وبدر راشد وقف عند سيارته ولف عليهم بنظرة حادة: وين فهد؟ ما شفته لا اليوم ولا البارح
ناصر قال وهو يتجنب عيون أبوه: سافر أمس الليل بدري، قال عنده شغلة مستعجلة... بيرجع اليوم
راشد حاجبه ارتفع بنبرة استغراب: سافر؟ ومن غير ما يعلّمني؟
سعود تدخل بسرعة يحاول يخفف: يمكن ما حب يزعجك، قال بيخلص شغله ويرجع بدري
راشد ما رد، سحب عقاله شوي وهو يلف وجهه على الشارع، بعدين قال بهدوء لكن بصوت مليان قرار: اليوم بعد المغرب، أبي الكل يتجمع ببيت العائلة. رجال، حريم، صغار، كبار... ما عاد أبي البيت متفرق كذا ومنه نستقبل فهد
بدر تنحنح وهو يطالع في ناصر: حتى رُبى؟
راشد رجع له بنظرة حادة: إيه، حتى رُبى
بدر ابتلع ريقه وهو يهز راسه: حاضر
راشد كمل وهو يفتح باب سيارته: أنت تروح لها... تكلمها. هي تحترمك. قل لها جدها يبيها، ولا تقول دعوة... قل لها أمر
سكت لحظة وهو يطالع السماء، كأنه يراجع عمره كله، وبعدين ركب سيارته وسكر الباب بقوة هادية... لكن معناها ثقيل. ناصر وسعود تبادلوا نظرات مستغربة، وبدر وقف بمكانه لحظة، كأنه عارف إن المهمة اللي جايه له... مو سهلة أبد،
مها كانت جالسة على طرف السرير، بيدها دفتر غلافه باهت وعليه رسومات صغيرة. عيونها كانت تتحرك بسرعة بين السطور، والحواجب معقودة. كل صفحة تزيد من حدة نظرتها فجأة، تُفتح الباب بهدوء... نورة تدخل وهي تمسك مقبض الباب بتوتر، عيونها تلقى على الدفتر بين يدين أمها تردف بصوت مهزوز: يمه... أنا أقدر أشرح لك، بس اسمعيني للأخير...
مها تقطعها بحدة وهي تقوم واقفة: لا تشرحين شي! ما يحتاج شرح، اللي ببالي واضح... أنتي وهو؟ مستحيل! مستحيل يا نورة!
نورة تبلع ريقها وتحاول تهديها: بس يمه هو ولد عمي، وأنا...
مها تصرخ: ولد عمي، ولد عمي! هذا ولد زوجة سعود الكلبه، أنسي الموضوع!
وش بقى؟ تصيرين كنة اللي أكرهها؟ مستحيل أخليك تنزلين لهالمستوى!
نورة بصوت منخفض: أنا ما قلت لك بشي، بس وش سويت عشان تكرهيني كذا؟
مها تقترب منها ببطء: أنا أكره إنك عنيدة، ما تطيعين، تبين تعيشين بطريقتك وكأن أمك ميتة! لكن ما علي منك... بعد يومين، بيجي اللي يخطبك، وخطبتك بتصير رسمية، غصب عنك وما راح أستشيرك، ولا أطلب رضاك
نورة تشهق وهي تصرخ: يمه... لا تسوين فيني كذا... أنا أحبّه!
مها تضحك بسخرية: تحبينه؟! الحب ما يعبي بطن، ولا يسوي قدر أنا اللي أعرف مصلحتك، وانتي بتسوين اللي أنا أقول عليه
نورة تنهار على الأرض، تنكمش على نفسها، دموعها تنزل بدون صوت، تحط يدها على فمها عشان تكتم شهقاتها مها قبل ما تطلع: أنا قررت وانتهى، ما عاد فيه نقاش نامي، عندك خطوبة بعد يومين
تغلق الباب وهي تطلع، يبقى صوت شهقات نورة وحده يملأ الغرفة،
[شركة رُبى – الدور العلوي – مكتبها الخاص الواسع.]
كانت رُبى جالسة على طاولتها، تراجع بعض الملفات الإلكترونية على الآيباد، حولها عدة مستندات وأجهزة حديثة. المكتب أنيق، أنيق جداً، كل تفصيلة فيه تصرخ احتراف يُفتح الباب بخفة، وتدخل السكرتيرة بثقة وخجل بسيط: أستاذة رُبى... الاستاذ بدر الجاسر عند الباب، يسأل إذا ممكن يدخل يشوفك
رُبى توقف لحظة، عيونها تركز على السكرتيرة: بدر؟
السكرتيرة تهز رأسها بتأكيد: إيه، الاستاذ بدر الجاسر شخصيًا
رُبى بعد لحظة صمت: خليه يدخل
السكرتيرة تنسحب، وبعد ثوانٍ، يُفتح الباب من جديد ويدخل "بدر الجاسر"، هادئ الملامح، ثوبه ناصع البياض، وكله هيبة رُبى تقوم من كرسيها باحترام: ياهلا عم بدر... تفضل
بدر يبتسم بنبرة هاديه: هلا بنت أخوي... والله إنك مشرفة
رُبى بهدوء واحترام واضح: الله يسعدك، تفضل اجلس
يجلس على الكرسي المقابل، وعيونه تسرح في تفاصيل المكتب، ثم يلتفت لها بدر: أنا ما جيتك كـ"عم" اليوم بس... جيتك بتوصية من جدك الشيخ راشد
رُبى تعدل جلستها: خير إن شاء الله؟
بدر: جدك ناوي يسوي جمعه عائليه... الكل بيكون موجود، وطلب مني أجيك بنفسي قال "بنتنا ما نرسل لها أحد... نكلمها بعيوننا."
رُبى تنزل نظرها للطاولة، لحظة صمت تمر بينهم بدر بهدوء: وأنا جيتك لأني أعرف إنك ما ترفضين وجهي تدرين إن لي مكانه عندك، وأنا ما عمري قصّرت معك... ولا أنتي قصرتي معي
رُبى بصوت ناعم، تخفي توترها: أكيد لك مكانه، ووجهك غالي يا عم بدر
بدر بابتسامة صغيرة: يعني تقولين بتجين؟
رُبى تبتسم بهدوء، ونظرتها فيها احترام ومراوغة بسيطة: إذا على شانك... أنا أجي
بدر يوقف وهو يعدل شماغه: وهذا اللي كنت متأكد منه... بنت الأصول ما تخيّب عمّها
يطلع من المكتب وهو يبتسم، ورُبى تجلس على كرسيها من جديد، تفكر، وعينها تسرح شوي في الفراغ رُبى بهمس لنفسها: وجهك يا عم بدر... هو الشي الوحيد اللي يمنعني من قول "لا"
عيونها راحت مباشرة للجوال اللي كان مرمي جنب الآيباد مسكت الجهاز، فتحت محادثة لُجين، قلّبت فيها كأنها تدور على أي علامة... أي شيء يطمنها رُبى بهمس وهي تناظر الشاشة: وينك يا لُجين؟ وش فيك مختفيه كذا؟
نزلت إشعار "آخر ظهور قبل يوم" رُبى تتنهد بقلق، ونبرتها صارت أكثر توتر: مو من عوايدك... حتى ما رديتي لا على مكالمتي ولا على رسالتي
وقفت، تمشي بخطوات سريعة جهة الزر المخصص لاستدعاء السكرتيرة، تضغطه بعد لحظات، تدخل السكرتيرة: نعم أستاذة رُبى؟
رُبى بصوت حازم لكن فيه استعجال: أحتاجك تحجزين لي تذكرة سفر اليوم... بأقرب رحلة
السكرتيرة ترفع حاجبها باستغراب: أكيد... بس وين الوجهة؟
رُبى ترفع جوالها وتشوف رسالتها لـ لُجين: لدبي
السكرتيرة تدوّن بسرعة: أوكي، درجة الأعمال كالعادة؟
رُبى: إيه، بس أهم شي تطلع الرحلة اليوم. ما أقبل تتأجل. لو حتى بعد ساعتين... خليني أطلع
السكرتيرة: تمام، أعطني ٥ دقايق وأرجع لك بأقرب حجز
تخرج السكرتيرة، وتبقى رُبى واقفة مكانها، تضغط على الجوال من جديد وترسل آخر رسالة رُبى بهمس: إذا ما رديتي... بلقى نفسي واقفه على بابك
[الليل، قصر الجاسر]
لطيفة تبتسم: نورتي رُبى... ما توقعتك تجين الليلة
رُبى بهدوء وهي تمسك كوب قهوة: جيت أشوف الجو بس...
ما تمر دقايق، إلا والباب يفتح ويدخل فهد الجاسر... وكل العيون تلتفت له، خاصة إنه مو داخل لحاله معاه وحده بكامل زينتها، لابسة عباية مطرزة وفوقها طرحة خفيفة، واقفة بخجل لكن واضح عليها الارتباك ريم بصوت مستغرب: هاذي مين؟
هند تهمس لأختها: ما أعرفها... شكلها مو من العيلة
يقف فهد قدامهم بكل هدوء وبرود، ونبرته حازمة: مساء الخير... حبيت أعرّفكم. هاذي زوجتي
العيلة تصمت، وكل الوجوه تتحوّل إلى صدمة كاملة، والكل يبدأ يتبادل النظرات... ورُبى واقفة مكانها، وجهها يبهت لحظة تشوف وجه لُجين منيرة تصارخ من آخر المجلس وهي تقوم: وشووو؟! زوجتك؟! فهد أنت تستهبل؟! أنا زوجتك! ولا جا على بالك تقول لي؟! من متى وانت تخطط ورا ظهري؟!
فهد بهدوء: منيرة اجلسي، لا تسوين فضيحة...
منيرة تنقض عليه وهي تصرخ: أنا أسوي فضيحة؟! أنت تتزوج عليّ بهدوء وتدخلها عليّ؟! قدام العايلة بعد؟! ولا كأنك شايفني!
الشباب يسمعون الصراخ ويجون على المجلس، والبنات واقفين يطالعون بعض بذهول بدر: فهد وش صاير؟! من ذي؟ وش السالفة؟
فهد بهدوء: مافي شي... هاذي زوجتي الجديدة
تركي يرفع صوته: زوجتك الجديدة؟! وأمي؟! وش صاير براسك؟ أنت طبيعي؟ يبه تكفى لاا عاد امي ماقصرت بحقك ابداً!!
فهد ناضره ب استخفاف يبتسم ب استهزاء، وتركي ضغط ع يده يهز راسه ب اساء: الله يعين يبه الله يعين!!
خرج تركي بعد كلامه، وأغلب العائلة غادرت المكان وهم معصّبين ومتضايقين. منيرة طلعت وهي تصرخ وتبكي، والبنات راحوا يهدّونها. الشباب طلّعهم بدر مع تركي، والبيت صار فاضي تقريبًا إلا من رُبى، فهد، ولُجين صوت خطوات رُبى وهي واقفة بوسط المجلس، واقفة بثبات، كأنها جبل، عيونها ما ترف، وصوتها طالع ببرود ساكن: كويس إنهم راحوا... عشان أقدر أتكلم وأنا مرتاحة
فهد يلتفت لها، بنظرة فيها محاولة تماسك، ولُجين تناظرها بنظرة حزن وتوتر فهد ببرود: رُبى، الموضوع أكبر من كذا...
رُبى تقاطعه مباشرة: لا، لا تحاول تشرح... ما في شي يحتاج شرح
تأخذ خطوة قُدام، وتوقف قدامهم تمامًا، عيونها على فهد، كلامها ثقيل مثل الطعن: خذلت أمي قبل سنين يوم تزوجت صديقتها. واليوم، تعيد نفس الغلطة... بس هالمرة مع بنتك تخيل... تخذل بنتك بصديقتها؟! ما لقيت في الدنيا كلها إلا لُجين؟! اختي؟ اللي كنت أشتكيلها منك؟! اللي كانت تعرف كل أسراري؟! او لحضه مثل كلامك انا مو بنتك انا بنت حرام!!
لُجين تنزل راسها، تبغى تتكلم، لكن رُبى ترفع يدها في وجهها بدون ما تطالعها رُبى: لا تتكلمين... وجودك هنا لحاله يكفي
ترجع تناظر فهد، وتضحك ضحكة مكسورة فيها غضب: ما كنت أظن إنك بتطيح لهالدرجة. الله لا يسامحك... لا على أمي، ولا عليّ
تدمع عيونها لكنها ما تنزل دموعها، تمسك نفسها بقوة تكمل بصوت أوطى لكن أقوى: إذا في شي باقي من اسم الجاسر... فأنت اللي لوّثه اليوم
تلف وبتطلع، تمر من عند لُجين، اللي تمد يدها تمسكها بخوف وبهمس: رُبى... لا تكفين...
رُبى تطالعها، نظرة خذلان باردة تخترق، وتهمس بكلمة واحدة وهي تسحب يدها منها: بيني وبينك انتهاء كل شي!!
تمشي بخطى ثابتة، تطلع من المجلس، تتركهم واقفين، فهد في صمت ثقيل، ولُجين على وشك تنهار
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!