الفصل 2 | من 49 فصل

رواية أنا بنت الغايب، بس ما ني غايبة الفصل الثاني 2 - بقلم غير معروف

المشاهدات
22
كلمة
3,591
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

غرفة رُبى – جناحها الخاص في القصر – الساعة 10:12 مساءً
الغرفة كانت فخمة... سجاد منسوج يدويًا، سرير ضخم، إضاءة ناعمة، شباك كبير يطل على الحديقة، وركن للقهوة مصمّم لها خصيصًا بأمر من جدها. رُبى كانت جالسة على كرسي طويل قدام المراية، توّها مغيّرة ثياب السفر، لابسة بيجامة حرير سادة، وشعرها مفكوك على كتفها. ماسكة جوالها، وسبيكر المكالمة شغال. على الطرف الثاني؟ صديقتها القديمة من لندن – لجين: هاه؟ وش صار؟ كيف الرجعة؟
رُبى تنهدت، وردّت وهي تتكحل قدام المراية: رجعت على قصر كأنّه مسرحية... بس بدون ممثلين محترفين.
لُجين: جد؟ لهالدرجة؟
ضحكت رُبى ضحكة مستفزة: اسمعي... عمتي موضي للحين حاقدة علي من ٢٠١٣ يوم كسرت شنطتها بالغلط، وتحسبني رجعت أعتذر. وعمتي دلال؟ تسوي نفسها مرشدة اجتماعية، بس عمرها ما عرفَت تنصح حتى نفسها.
صوت لجين يضحك من قلبها. رُبى كملت، وهي تطالع وجهها بنظرة جادة: وعمي سعود؟ يا الله... يحسب نفسه قائد العائلة، بس كل اللي يقوده... خيباته.
تدرين؟ أمس شفت وجهه يوم دخلت... كأنه بلع ليمونة حامضة.
ضحكت لجين بصوت عالي: ورجّال أبوك؟
سكتت رُبى ثواني، ثم قالت بنبرة مشبعة بالسخرية: فهد الجاسر؟
هذا لو فيه جائزة لأفضل شخص عرف يختفي من حياة بنته... يفوز فيها كل سنة.
بس عادي... خليه يحضر المسرحية. النهاية دايمًا تصفع الغايبين.
لجين ضحكت وقالت: ورجّال البودي جارد؟ صقر؟
رفعت رُبى حاجبها، وابتسمت بخبث: هذا؟ هذا حالة... يمشي كأنه دارس شريعة في قسم (اسكت وخلك صلب).
بس عيونه؟ تكشف إنه قاعد يراقب كل نفس آخذه.
وهو يظن إنه يحرسني؟ لا يا عمري... أنا اللي قاعده أدرسه.
لكن فجأة... الباب يُطرق خفيف: ادخُل.
قالتها رُبى بهدوء، وظنت إنه خادمة. لكن اللي دخل؟ الشيخ راشد... جدها. سكتت، نزلت الجوال ببطء، عيونها فيه، هو وقف بصمته، وبنظرة ثابتة، قال: واضح إنك مو ناوية تسكتين... ولا تنسين.
ابتسمت بخفة، وقالت وهي ترفع حاجبها: مو أنا اللي اتعلمت الصمت... أنا اللي تربّيت وسطه.
راح وجلس على الكرسي المقابل، وقال بصوت منخفض لكن واصل: كل كلمة قلتيها... سمعتها
: زين. وفّرت على نفسي خطاب رسمي.
قالتها وهي تقوم، تصب لنفسها قهوة، وتكمل: أنا جاية أقول الحقيقة، وجدّي؟
أنت أول واحد كنت المفروض تسمعها من زمان.
جلست رُبى على طرف الكنبة، فنجال القهوة بيدها، ناظرت جدها بهدوء، وقالت بصوت ثابت: اللي سمعته مني، مجرد عنوان كبير... باقي التفاصيل ما راح تعجبك أكثر.
الشيخ راشد اعتدل بجلسته، ملامحه مشدودة، صمته ما كان ضعف... كان غضب محترق: انتي شايلة حقد، يا بنتي.
قالها بنبرة ناعمة لكنها مقيّدة بالقوة. ابتسمت رُبى ابتسامة بلا دفء، وردّت بهدوء قاتل: أنا ما أحقد، جدّي. أنا أتذكّر... واللي ينسى الذل، يسقط فيه مرّة ثانية.
شدّ حواجبه، وقال: رجعتك كانت بطلب مني، لأني أبي ألّمّ شتات العائلة.
: وهذا مشكلتك.
قالتها وهي تحط فنجال القهوة على الطاولة الزجاجية قدامها: تفكر إن العائلة ممكن ترجع بكلمة، بغرفة، بجمعة. بس نسيت إن في ناس هنا... بنوا قصورهم من صمت البنات اللي غابوا عنهم.
ناظرها بعينين ثاقبتين، وسأل: ليش جاية بهالعناد كله؟ تبين تنتقمين؟ تبين تورينا إنك قوية؟
هنا وقفت رُبى. مشت ببطء نحو الشباك، فتحت الستارة، نظرت للحديقة المضاءة تحت، ثم قالت بصوت مكسور... لكنه ثابت: أنا رجعت علشان أحط لكل واحد فيكم مراية. تبون تشوفون البنت اللي تركتوها؟ شوفوها الحين، بس لا تتوقعونها تنسى.
سكت جدها، صوته صار أخفّ: أنا ما نسيتك، يا رُبى.
استدارت له، وقالت بعينين فيها دمع ما نزل: بس سكت... وسكوتك كان أكبر خيانة.
وقف الشيخ راشد، حط يده على عصاه، ونظر لها نظرة طويلة، وقال بنبرة فيها ألم: إذا ناوية تنقّمين، بتدمرين نفسك قبلهم.
ردّت بسرعة، بصوت خافت لكن مليان نار: أنا ما أدمّر... أنا أُعيد التوازن.
مشى نحو الباب ببطء، لكن قبل لا يطلع، استدار وقال: أعطيتك جناحك في القصر... بس لو نيتك حرب، ترى البيت ما رح يصير ميدان.
رُبى ابتسمت بدون ما تلتفت له، وقالت بصوت ساخر: أنا ما أحتاج ميدان... أنا أخلق المعركة وين ما أوقف.
وطلع الشيخ راشد، وهو يعرف... إن حفيدته مو بس رجعت، رجعت والشرارة بيدها،

ممر قصر الجاسر – الساعة 8:55 صباحًا
كان الممر طويل، والجدران المحيطة مزينة بألوان دافئة، لكن ما كان فيه أي شيء دافي في الجو. رُبى تمشي بخطوات ثابتة، وشعور غريب بالثقة بدأ يتسرب لها مع كل خطوة تأخذها، رغم إنها كانت داخلة في عالم مليء بالعداوات. عيونها كانت مليئة بالتحدي، وفكرها مشغول بكل شيء. من أول لحظة دخلت القصر، عرفت إن كل شيء رح يتغير. كانت على وشك الوصول لغرفة الطعام لما تركي لاحظ وجودها. هو كان واقف على طرف الممر، يحاول يكون بعيدًا، لكنه ما قدر يخفي نفسه. تركي، اللي دايمًا يشوف نفسه أكبر من الكل، كان يراقبها عن بعد وهو يحاول يتصرف بطريقة طبيعية. أما شهد، كانت تلاحقهم بخطوات سريعة خلفهم، وكل اللي كان في قلبها كراهية يعكس ملامح وجهها. تلاقوا فجأة في الممر عند زاوية صغيرة تؤدي لغرفة الطعام. رُبى وقفت فجأة لما شافتهم، وابتسمت ابتسامة باردة وقالت بتهكم: ما توقعت إني أول ما أرجع، ألاقي الترحيب من مغرور وصغيرة الحقد.
تركي نظر لها نظرة استغراب، وقال بصوت متعالي: أنتِ إيش فاكرة؟ إنك راجعة من السفر وكأنك الملكة اللي لازم نرحب بها؟
ثم أضاف بسخرية: ترى أنا مو محتاج أكون مهتم بعودتك، ما يهمني من رجعت ولا ما رجعت.
شهد كانت واقفة ورى، لكن كلامها كان أسرع من تصرفاتها. قالت بنبرة متوترة: رجعت عشان تزعجيننا؟ لو كنتِ على الأقل تحترمين نفسك، ما كان لازم تجي أصلاً.
رُبى التفتت لهما، وعينيها مليئة بالبرود، ثم ردت على شهد: اللي ما يستحق الاحترام هو الشخص اللي ينسى نفسه عشان يسير تحت جناح غيره.
وأضافت بهدوء: لكن إذا كنتِ شايلة كرهك لي في قلبك، فهذا مو شيء جديد. أنا ما جيت أطلب منكم تقبلوني.
تركي تنهد وألقى نظرة ملؤها التحدي، وقال: ما رح أضيع وقتي معك. إذا جيتي عشان تزعجينا، فخليكِ عارفه إنك ما رح تحققي أي شيء هنا.
رُبى ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت: أنا ما جيت أزعجكم، جيت أقول لكم إنكم ما رح تبقون في نفس المواقف القديمة. كل واحد فيكم رح يشوف حسابه، ويعرف قد إيش كنت غايبة بس عشان أنا ما كنت قادرة أكون معكم. بس اليوم، أنا هنا علشان أسوي حساباتي.
ثم تركتهم في الممر، وتابعت طريقها بثقة، معبرة عن نفسها بكل خطوة.
تركي وشهد وقفوا في مكانهم، والحيرة في عيونهم، لكنهم كانوا يعرفون إن رُبى هذه المرة، ما رح تمشي بدون حساب،

جلست رُبى في صدر الطاولة بثقة، ترتشف عصيرها ببطء، وعينيها تتنقل بين الوجوه ببرود لاذع. تركي على يمينها، يضغط على فكه كلما رمقتْه بنظرة متعالية، وشهد على يسارها تهمس بشيء ل امها وهي تختنق من الغيظ. قال سعود عمّها، بنبرة ثقيلة: انتي تغيّرتي كثير يا رُبى، صايرة تشوفين الناس من فوق.
رُبى رفعت حاجبها بسخرية خفيفة، ومسحت فمها بمنديلها المخملي، ثم قالت بهدوءٍ يقتل: ما أشوف أحد تحت عشان أشوف من فوق يا عم سعود.
صمتٌ خيّم، حتى أدوات المائدة توقفت عن الحركة. ضحكت رُبى بخفة وكأنها قالت نكتة، ثم التفتت إلى تركي: ليش ساكت؟ مو دايمًا تحب تعلّق؟ أو يمكن خلاص، ما لك مكان بالكلام وأنا هنا.
تركي كتم غضبه، وعيونه تشتعل، لكنه التفت وقال: دامك جايه تتكبّرين، لا تتوقّعين نعاملك كضيفة.
رُبى انحنت قليلًا للأمام، وبنبرة هادئة: أنا ما جيت أكون ضيفة... أنا رجعت أسترد مكاني.
سكت الجميع بعد كلمات رُبى. الجو مشحون، والعين على تركي اللي واضح إنه على وشك ينفجر، لكن رُبى؟ كانت بكامل هدوئها... ومزاجها العالي.
قالت شهد بغيظ، وهي تقطع قطعة من الخبز كأنها تنفّس غضبها فيها: اكيد راجعة تستردين مكانك، بس مو كل شيء يترقّع يا رُبى، في أشياء تنكسر وما تنصلح.
رُبى ابتسمت بنعومة مزيفة، مالت برأسها وقالت: أكيد، بس الكسر دايمًا يرجع يلمع أكثر إذا رجعته في وجه اللي كسره... وأنتِ يا شهد؟ خلي بالك، مو دايمًا اللي يصير ظل، يقدر يطول النور.
ضحك تركي بسخرية، وقال: واضح إنك جايه تلعبين دور البطلة في فلم درامي، بس هنا الواقع، ومحد بيصفق لك.
رُبى رفعت كوبها وقالت وهي تبتسم له بابتسامة باردة: أنا ما أحتاج تصفيق، وجودي لحاله ضجّة... وكونك تنفعل من أول كلمتين؟ معناته إني أوجعت، وأنت حسّاس زيادة عن اللزوم، تركي.
سعود قال بنبرة يحاول فيها حفظ ماء الوجه: واضح إن عندك كلام كثير، بس عيب تحرجين عيلتك على سفرتهم.
رُبى وضعت الكوب برقة على الطاولة، ثم نظرت له بنظرة ثابتة وقالت: أنا مو اللي خلّى هالبيت ينحني، أنا بس رجعت أرفعه على مزاجي.
شهق الكل، وتركي رفع صوته وقال: احترمي نفسك!
رُبى وقفت، تمسح فستانها برشاقة وقالت وهي تمشي بهدوء: أنا محترمة نفسي كثر ما أنتم محتاجين تعيدون ترتيب أنفسكم... وبالمناسبة؟ لا أحد يتعب نفسه يقول لي (مرحبا بك)، لأن المكان هذا كان لي قبل لا يصير لبعض الناس مسرح.
وغادرت الغرفة وهي تتركهم في دوامة من الصدمة، وكأن إعصار غرور وأناقة مر من هناك، والشيخ راشد يراقب ملامح احفاده واولاده ب ابتسامه مخفيه بدات رُبى تتصرف زين هالمره،،


والهواء بارد خفيف يلف الرياض في ساعة العصر. سيارة سوداء فاخرة توقفت عند أحد أرقى الأسواق المفتوحة، وخرج منها صقر أولًا، طويل القامة، ملامحه صارمة ونظراته دايمًا يقظة. فتح الباب الخلفي، ونزلت رُبى بكل كبرياءها المعتاد. فستانها الفخم الطويل ينساب وراها، ونظارتها الشمسية تخفي عينيها لكن ملامحها تكفي لتخلي الكل يلتفت. مشيت قدام، وصقر وراها بخطوات مدروسة، كأنهم في موكب ملكي. قال بصوته المنخفض: المكان زحمة، ياليت نكون سريعين.
ما التفتت له، بس ردت ببرود: أنا ما أشتري بسرعة، صبرك إذا قليل ارجع للسيارة.
رفع حاجبه شوي، لكن سكت. تعود على أوامرها، لكن اليوم كانت مختلفة، وكأنها تستفزه متعمدة. دخلت واحد من المحلات الفخمة، وصارت تطلب القطع اللي تعجبها بدون ما تطالع الأسعار، وكل شوي تلتفت له وتقول: صقر، خذ هذا. وهذا بعد. وهذاك شيله، ما بي أشيله بيدي!
كان يمسك الأكياس بدون ولا كلمة، لكن مع كل طلب، كانت نبرة صوتها تصير أوقح. لما خلصت، وقفت قدام المراية في المحل، تأملت نفسها شوي، ثم التفتت له وقالت بضحكة خفيفة ومغرورة: صدق، ما أدري كيف تتحملني، بس يعجبني إنك ما تتجرأ ترد.
رد بنظرة ثابتة، صوته هادئ لكن فيه نغمة حادة: أنا أشتغل عندك، مو تابع لك.
ضحكت رُبى ببرود، ولفت شعرها بأصابعها: الفرق؟ أنا ما أشوفه.


في الطابق الأعلى من شركة آل راشد، كان الشيخ راشد جالسًا على كرسيه الجلدي الفاخر، خلف مكتب ضخم من الخشب الداكن. خلفه نافذة تطل على ناطحات السحاب، وأمامه أولاده وأحفاده، كلهم منتبهين، يسجلون ملاحظات وينتظرون توجيهاته. راشد بصوته العميق: السوق تغيّر، واللي ما يتغير معه يطيح. أبي كل قسم يقدّم خطة واضحة خلال أسبوع. ما في مجاملات.
الجميع أومأ باحترام، الجو مشحون بالتركيز... حتى رن جوال الشيخ. نظر للشاشة، وصوته نزل نغمة خفيفة فيها استغراب وملل: رُبى...
ضغط على زر الرد، وفتح المكالمة على السماعة: نعم يا بنتي.
رُبى بنبرة متدلعة ومغرورة: يمه يا جدي، ما عاد أتحمل ذا صقر، إنسان بارد، غبي، وما يفهمني! أنا ما أحتاج حارس شخصي، حسيت نفسي طالعة من فيلم أكشن!
ضحكات مكتومة من بعض الأحفاد، لكنهم انصمتوا لما راشد رفع يده. راشد بهدوء لكنه حزم: يا رُبى، صقر ما هو للزينة، هو موجود عشان حمايتك، مو رضاك.
رُبى بانفعال: بس أنا أعرف أتصرف! وش يعني؟ أحتاج أحد يركض وراي؟!
راشد: أنتي حفيدتي، يعني مسؤولية، واللي مثلك ما تمشي في السوق لحالها. خلاص، خلّي الموضوع عليّ.
ثم ضغط زر الإنهاء. سادت لحظة صمت. متعب ولد سعود، شاب عشريني ومغرور، ضحك وقال بوقاحة: والله يا جد، اللي يسمعها يقول ملكة إنجلترا! ذي البنت شايفة نفسها فوق الكل، وأنا لو مكاني صقر، كنت علمتها الأدب.
القاعة سكتت. راشد نظر له بنظرة حادة، صوته منخفض لكن مرعب: متعب... لا تعلّق على رُبى لا بخير ولا بشر. أنا أربيها، مو إنت.
متعب ارتبك، وقال بخفوت: اعتذر يا جدي...
راشد بصوت صارم: وإذا عاد الكلام منها يطلع من فمك بهالشكل، لا تحضر عندي مره ثانية.
كل الموجودين حسّوا بثقل اللحظة. الشيخ راشد أعاد الجلسة إلى هيبتها بنظرة واحدة،


كانت السيارة تمشي بهدوء في شوارع الرياض، نوافذها مظللة، والمكيف يوزع برودته على مقعدين فقط: رُبى في الخلف، بكامل أناقتها وتكبرها، وصقر في المقعد الأمامي، يراقب الطريق بهدواء يسمع مكالمتها مع الشيخ راشد، صقر سمع كل حرف.ما تغيّرت ملامحه، لكن عينه انعكست في المرآة الأمامية، ترصد ملامحها. رُبى كانت تعرف تمامًا إنه يسمع... وتتكلم عمداً. أنهت المكالمة بابتسامة، ثم أطلقت ضحكة خافتة... فيها خبث واضح.
صقر بصوته الهادئ المعتاد، لكن فيه نغمة مرّة: سؤال.
رُبى بدون ما تطالع فيه: تكلم.
صقر: أنا سويت لك شي؟ نظرة؟ كلمة؟ حركة؟ علشان تشتكين وتكذبين بهالشكل؟
رفعت عيونها للمرآة، نظرت لعينيه مباشرة، وقالت ببرود مغرور: عاجبني.
لحظة صمت ثقيلة. صقر بجمود: وش؟
رُبى بضحكة خفيفة وغرور: أيوه، عاجبني إنك ما ترد، وإنك تحاول تمسك أعصابك. بس لا تدخل، لا تحاول تفهم، ولا تحاول تفسر.
ثم نظرت له بنظرة كلها تحدي وقالت: أنا ما اشتكيت لأنك سويت شي... أنا اشتكيت عشان يعرفون إن هاذي مجرد البداية.
صقر التفت لها عبر المرآة، عيونه غارقة في الصمت، لكن نبرة صوته أخيرًا كانت أعمق: اللعب بالنار يا آنسة، دايم له نهاية.
رُبى بضحكة واثقة: وأنا ما جربت أحترق.


في قصر الجاسر، كانت مائدة الغداء عامرة بكل أنواع الأكل، والجو العام مزيج بين الرسمي والعائلي. الكل جالس بمكانه: العم سعود في رأس الطاولة، وبجلنبه الغم ناصر، تركي يتصفح جواله بملل، والجميع يحاول يجامل بابتسامات مزيفة، لكن عيونهم ما تفارق الباب... ينتضرون الاميره النائمه. مرت دقائق، ثم دخل صقر بخطوات ثابتة، واقف عند مدخل الصالة بدون تردد، وقال بصوته الرجولي الهادئ: آنسة رُبى تعتذر عن الغداء. تقول ما لها نفس تأكل.
سادت لحظة صمت ثقيلة. العم سعود ضرب الملعقة على الطاولة بقوة خفيفة وقال بحدة: وش ذا الأسلوب؟ تتدلّع على مين؟!
تركي رفع عينه من الجوال، وضحك بسخرية: كالعادة، شايفة نفسها فوق العائلة.
شهد تنفست بعمق، وقالت بنبرة ناعمة لكنها لاذعة: غريبة، بس أمس كانت تاكل قطعة كيك الساعة 2 بالليل، يعني مو موضوع شهية.
صقر ظل واقف، ما قال ولا كلمة زيادة، لكن نظراته كانت فيها احترام لرُبى، وصرامة تكتم أي تعليق إضافي. فهد التفت له وقال بحدة: وانت؟ ليش تنقل هالكلام بدون ما تنصحها؟
صقر قال بهدوء لكنه بثبات: انا حارسها، مو مربيها.
ثم انحنى شوي باحترام وخرج. الغرفة خيم عليها الصمت من جديد، لكن الكل كان يغلي داخله. تركي تمتم: هالبنت بتجيب العيد، لا عم ولا أب يوقفها.
شهد بصوت خافت: من جد، وتقول عن نفسها راقية، وهي ما تعرف تحترم أحد.

في مساء نفس اليوم، كان الشيخ راشد جالس في مجلسه الخاص، يطالع بعض الملفات، لكن تركيزه مو كامل. من لحظة مكالمة رُبى، في شي داخله مو مرتاح. ما كان غضب... كان إحساس بـ اللعبة. دخل عليه ناصر، أبنه، ويده تمسك فنجال القهوة. ناصر: واضحة مثل الشمس، البنت تلعب.
راشد رفع عيونه له، بهدوء: كنت عارف إنك ملاحظ.
ناصر جلس قدامه، حط الفنجال على الطاولة: انا أراقبها من شهور. كل خطوة محسوبة، كل كلمة مدروسة. بس هالحين؟ هي بدأت تكشف مخالبها.
راشد بتنهيدة ثقيلة: وصقر؟
ناصر: جزء من لعبتها. قاعد تجرّه، خطوة خطوة، لين يصير أداة بيدها. أو ضحية.
راشد بصوت منخفض: بس صقر مو سهل.
ناصر باختصار: ولا رُبى، وهي حفيدتك وانت ادراء فيها!
لحظة صمت ثقيلة بينهم، والجو فيه رائحة حرب باردة. ناصر قال بهدوء وهو يراقب تعبيرات راشد: تبيني أتدخل؟ أختصر الطريق؟
راشد هزّ راسه: لا. خلّها تلعب. وإذا كانت فعلاً ناوية تكسر النظام... لازم نعرف إلى وين مستعدة توصل.
ناصر بابتسامة ماكرة: وإذا وصلت أكثر من اللازم؟
راشد بهيبة وصوت واطي: نعلّمها إننا علّمناها!

"يتبع"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...