رُبى نزلت من المصعد، خطواتها ثابتة، قلبها مليان رضا بعد نجاح العرض، لكن ملامحها كعادتها... جامدة، لا فيها لا نصر ولا ضعف. لما وصلت عند الباب الزجاجي، لمحَت من بعيد السكرتير الأمني يوقف امرأة كبيرة بالسن، ملامحها هادئة ووقورة، لابسة عباية سوداء بسيطة، بيدها كيس فيه علب طعام.ووقفها السكرتير وقال بنبرة رسمية: عذراً خالة، ما يصير تدخلين بدون موعد مسبق أو إذن من أحد الموظفين.
قالت المرأة بابتسامة خجولة: ولدي يشتغل هنا... اسمه صقر. جايبة له غدا.
رُبى رفعت حاجبها، وتقدمت بهدوء. قالت للسكرتير بنبرة هادئة لكنها حاسمة: في مشكلة؟
التفت لها السكرتير فورًا بانضباط: لا أستاذة رُبى، بس السيدة ما معها تصريح دخول... تقول إنها والدة أحد الموظفين.
نظرت للمرأة بنظرة فاحصة سريعة... فيها دفء الأم، وفيها حياء نادر. قالت رُبى بنبرة ناعمة لكنها مباشرة: منهو ولدك؟
قالت المرأة بخجل: صقر...
سكتت رُبى لحظة، وانخفضت نظرتها للكيس: هذا له؟
وضحى: ايه... طبخت له رز ودجاج... ما يرضى ياكل من المطاعم، وقلت أمرّ عليه.
ابتسمت رُبى بخفة نادرة، وقالت للسكرتير: خَلها تدخل... وإنت إذا جاء أحد من العائلة، تعلّم تفرّق بين اللي يدخل بوجهه وبين اللي يدخل بواسطه.
السكرتير قال على طول: حاضر أستاذة.
التفتت رُبى لوضحى وقالت: تفضلي معي.
مشَت جنبها، يد وضحى فيها رجفة خفيفة، ورُبى ما فاتتها الملاحظة. قالت وهي تفتح لها باب المدخل: ما كنت أعرف إن لصقر أم بهالطيبة.
وضحى ابتسمت وقالت: ما حب أزعجه، بس حسّيت اليوم إن خاطري أشوفه.
رُبى ردت بهدوء: وجودك بيكون خفيف عليه... وعلى المكان كله.
وقبل لا تكمّل طريقها، قالت: أنا رُبى... محاميّة الشركة.
وضحى وقفت، وعيونها تلألأت بلطافة: وأنا وضحى... أم صقر.
ضحكت رُبى بخفة وهي تمشي: تشرفنا فيكِ يا أم صقر.
ضحكت وضحى معها وهي تدخل، وصوت خطواتها صار خفيف كأنها داخلة بيت أحد عيالها. ورُبى؟ كانت تمشي للخارج، لكن بعقلها بدأت تخيط مشاعر جديدة: الرجال اللي ورى صقر... ناس متواضعين، بس فيهم أصل كبير،
في بيت صقر، بعد المغرب، كان داخل لتوه من الباب، يمدّ يده يفك شماغه، وريحة الأكل ضاربة بالمكان. صوت وضحى من المطبخ، هادي لكن فيه نغمة رضا: غسّل يدك وتعال، الأكل جاهز.
صقر دخل المطبخ وهو يرفع حاجبه: يمّه، ما قلتي إنك ما راح تطبخين اليوم؟
وضحى كانت تحط الصحون على السفرة وقالت بهدوء: غيرت رايي... قلت أمرّ عليك قبل أرجع، بس ما دخلت، عطيت الغدا لواحد من الشباب اللي عند الباب.
صقر وقف مكانه، حواجبه تقطّبت: وشو؟ ليه؟ وش جابك الشركة؟ ليه ماارسلتي بدر؟!
ضحكت وضحى بخفة وهي تفتح قدر الرز: وش جابني؟ قلت أجيب لك غدا، تحسّفت عليك تاكل من المطاعم كل يوم. وصلت الباب، وواقفني السكرتير. قلت له إنك ولدي، بس ما خلاني أدخل... وربك جاب بنت حلال.
صقر رجع خطوة وقال: من؟
قالت بهدوء: محامية الشركه رُبى... كانت طالعة من المبنى، وشافتني واقفة. سألتني، وفهمت السالفة، وقالت لي تفضلي، ودخلتني... وإنّي ما عرفت أرد عليها من ذوقها.
صقر سكت، وعيونه انخفضت شوي. وضحى جلست على طرف الكرسي، تمد له الصحن: ترى بنت قوية... بس ورا القوّة هذي، في شي يكسر القلب. عيونها ما تكذب... فيها جرح، بس ما تبينه
صقر رد بنبرة هادية، وهو يمد يده للملعقة: يمكن... بس هي ما تبين لأحد إنها ضعيفة، حتى لو احترقت من جوّا.
وضحى ابتسمت بخفة: وهذا اللي وجعني... البنت ذي ما تستاهل الناس اللي حولها، بس يمكن ربك كاتب لها أحد يكون سند، مو سبب وجع.
صقر ما رد، لكنه حرك راسه بخفة، كأنه يحفظ كلامها في قلبه، وكل كلمة من أمه صارت تغرس داخله قناعة... إن رُبى مو زي أي أحد، وإنه يمكن كان يطالعها غلط،،
الشركة – اليوم التالي بعد العرض
كانت رُبى جالسة في مكتبها، ملفات الصفقه جنبها، وصقر على الجهة الثانية يكمل ترتيب بعض المستندات بصمت. الجو هادي، بس فيه تركيز عالي. فجأة، رن هاتف رُبى، نظرت له، ردت، صوتها رسمي لكنها مو باردة: أهلاً ريم...
على الطرف الثاني، ريم بنت عمها، اللي دايم تحاول تقلدها: رُبى، حنا بالمكتب المشترك نراجع أوراق للعرض القادم، بس فيه شي ناقص... وتوقعت إنك ممكن تفيدينا.
رُبى رفعت حاجبها، مستغربة إن ريم تتصل تطلب منها شي، لكن ردت بثبات: تم... أعطيني خمس دقايق وأكون عندكم.
قفلت السماعة، جمعت الأوراق، وقامت. قبل لا تطلع، التفتت لصقر: بكمل شي بسيط، وراجعة.
وصلت للمكتب المشترك، اللي يجتمعون فيه أغلب أولاد العم وبنات العم. الباب مفتوح، دخلت بثقة، حضورها غيّر جو الغرفة على طول. متعب رفع عينه، تركي تنحنح وهو يسوي نفسه مشغول، وريم ابتسمت مصطنعة.
رُبى قالت بنبرة هادية: سمعت إن في شي ناقص؟
وليد أشار للملف: بس بعض البيانات القانونية، ما كنا متأكدين منها.
رُبى سحبت الكرسي، جلست بدون لا تطلب إذن، وبدأت تراجع الملفات بصوت واضح. ركّزت، وشرحت لهم النقاط اللي ناقصه، وسوّت التعديلات بدون تعقيد. بعد عشر دقايق، سكرت الملف وقالت: صار كل شي واضح... تأكدوا بس من إرسال النسخة النهائية اليوم.
ريم قالت بابتسامة متملقة: شكراً رُبى، ما قصرتِ.
ردت رُبى بدون أي مجاملة: أنا هنا أشتغل مثل غيري، مو أكثر.
وقبل لا تقوم، رفعت عيونها وناظرت فيهم كلهم: ترى نجاح كل صفقة ما يعتمد على مين أبرز... بل على مين قدر يشتغل مع غيره بدون غرور.
قالت الكلمة ومشت، وتركتهم كلهم في حالة صمت. كلماتها لامست شي ما كانوا يواجهونه: الحقيقة!!
رُبى طلعت من مكتبها بعد يوم ضغط، كانت تحتاج هوا. أخذت قهوتها وطلعت للسطح اللي قليل يستخدمونه. الهواء عليل، والهدوء نادر. وصلت للسطح، لكنها ما توقعت تلاقي صقر واقف عند السور، شاخص ببصره للبعيد. كان لابس ثوبه الداكن ومعطفه الخفيف، ويدينه ورا ظهره. سمع خطواتها، التفت، ناظرها بدون تعبير واضح. قالت بهدوء وهي توقف على بُعد مترين منه: شكلك سبقتني على المكان.
ابتسم بخفة بدون ما يبتعد بنظره: أنسب مكان عشان أفكر، ما فيه زحمة، ولا وجيه تتصنع.
رُبى شربت من قهوتها وقالت: تبي تتكلم عن التمثيل؟ أكثر ناس يمثلون هم اللي يتظاهرون إنهم ما يهتمّون. واكملت بنفسها: واولهم انت!!
رفع حاجبه وهو يلتفت لها تمامًا: وأنتي وش تمثلين؟ الهدوء؟ ولا البرود؟
قالت وهي تمشي تقف على نفس خطه: أنا؟ ما أحتاج أمثّل. أنا أختار متى أتكلم، ومتى أسكت. وهذا لحماية نفسي، مو عشان أثير أحد.
صقر ضحك بخفة، لكنها ضحكة من النوع اللي يعرف تقرأه... فيها إعجاب خفيف. قال بهدوء: تعرفين؟ دايم يقولون إن الشخص اللي ما يصرّح بمشاعره، هو أكثر واحد يحس.
نظرت له، وما ردت، بس صمتها كان جواب. سألها فجأة: ليه وافقتِ تشتغلين على الصفقه معي؟ فيه أكثر من محامي غيرك.
ردت وهي ترجع تمشي شوي بخط مستقيم: مو لأني أبي، بس لأن جدي الشيخ راشد طلب... وعلشان أثبت إنّي أقدر أشتغل حتى مع شخص مثلك.
صقر وقف مكانه، وصوته نزل شوي: وش تقصدين بـ"شخص مثلي"؟
وقفت رُبى، التفتت له، وقالت بنبرة قوية: شخص جاي من خلفية مختلفة... شخص الكل يشوفه أقل، بس أنا؟ أشوفه تحدّي. وأنا أحب التحديات.
صقر ابتسم، بس كانت ابتسامة فخر مو استهزاء. مشى خطوتين باتجاهها. قال: والتحدّي هذا... ناوية تربحين فيه ولا تتهربين كالعادة؟
ردت بنبرة ثابتة: أنا ما أهرب... بس أحيانًا، أعرف متى أتراجع عشان أرجع أقوى.
صمت بينهما لحظة. النسيم لف شعرها، ونظرته وقعت على عيونها بثقل. قال بنبرة هادية: اللي مثلك... صعب أحد يقرب له، بس إذا وثق... يكسر الدنيا عشانه.
نظرت له نظرة طويلة، وقالت بهدوء: يمكن... بس مو كل الناس تستحق الثقة.
صقر هز رأسه: وأنا؟ أستحقها؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة بدون ما تبين، ونزلت عيونها على فنجان القهوة:
خلنا نبدأ ننهي الي جيت عشانه... بعدين نشوف.
استدارت تمشي بخطواتها الواثقة، وخلّته وراها يطالعها بنظرة فيها شيء من الإعجاب... وشيء من التحدّي،،
مكتب رُبى – بعد الظهر
كانت رُبى جالسة على مكتبها، ترتب ملفات الصفقة اللي انتهت منها، والهدوء يملأ المكان. صوت جوالها يرن، شافته: "عمتك موضي" ردّت بهدوء. رُبى: ألو؟
موضي بنبرة ناعمة لكن فيها تردد: هلا حبيبتي رُبى، كيفك؟
رُبى رفعت حاجبها، نبرة موضي دايم نادرة عليها اللطافة هذي: بخير، الحمدلله، عسى ما شر؟
موضي ترد وهي تتنهد: لا أبد، بس عندنا مشوار للسوق... أنا وعهود ودلال وبعض البنات، بنجهز سدن شوي للزواج.
رُبى تسكت ثواني، تنتظر باقي الكلام، لأنها واثقة إن الدعوة ما هي حبًا فيها. موضي تكمل: سدن ما ترتاح كثير للبنات، وتقول ما تعرف تختار... وتبغاك تجين معنا، تقول نظرتك غير.
رُبى بصوت ثابت: وإذا أنا قلت لا؟
موضي ضحكت بخفة: عاد ما نعرف نجاوب سدن... البنت ما تسمع إلا لك، رغم إنها ما بينكم معرفة كبيرة.
رُبى نظرت للساعة، بعد صلاة العصر ما عندها شي: طيب، أعطني الموقع وبمرّ.
موضي بنبرة فيها راحة: بنكون بالمول الجديد... جلسة الكوفي اللي فوق، ننتظرك هناك.
رُبى سكرت الجوال، وقلبها فيه حذر... لكنها تعرف إن هذي فرصتها تدخل دايرة البنات، مو عشان تقرب لهم، بل عشان تفهم أكثر مين فعلاً يستحق يكون جزء من لمّة العيلة،،
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!