سيارات الشرطة مصطفّة... أنوارها الزرقاء ترمش ببرود رُبــى واقفة وسط الضباط، لابسة بدلة سوداء رسمية، شعرها مربوط، وسلاحها مربوط على جنبها وجهها جامد، ملامحها نحتتها الأيام ضابط العمليات يقترب منها بملف، ينطق بصوت رسمي: أستاذة رُبى... راقبناه حسب التعليمات، لكن قبل دقيقة طار من الموقع. فيه معلومات أنه متجه للمنطقة الشرقية، عالأغلب بيهرب برا
رُبى تضرب بقدمها الأرض، تحك جبينها، تضغط على أسنانها بقهر: أنا... أنا اللي حركت كل رجال المراقبة! أنا اللي دفعت من حسابي، وكلمت مصادر دولية! سويت كل شيء بيدي، وبنفسي، عشان أمسك هذا الحقير...
تلتفت بحدة لرجال الشرطة: والآن تقولون لي... اختفى؟! وش هاذا الكلام تستهبلون انتو!!!
الكل ساكت، ماحد يتجرأ يرد رُبــى تركض لسيارتها وتفتح الباب بعنف تدخل وتقفل الباب بصوت واضح، تحط يديها على المقود، وتتنفس بسرعة نفسها يتصاعد... وجهها يرتجف من القهر: خطط مع موضي الزفت عشان يشوهون اسم امي.... والله مااتركه!!
ترمش بعيون دامعة بدون دموع: والله... والله ما أتركه... لو أركض وراه من هنا لآخر الدنيا، راح أجيب رقبته!!
تشغل السيارة... صوت المحرك يهدر بقوة وسط صمت المكان تمشي بشوارع مهجورة... الليل هادي لكن عيون رُبى نار وفجأة، وهي تمر عند تقاطع مهجور... تلفت يمين... وتشهق... واقف هناك، على بُعد عشرين متر نايف الراشد، لابس جاكيت غامق، شنطة فلوس بيده، يناظر حوله وهو يفتح باب سيارة سوداء نازلة بدون لوحات رُبــى تضرب فرامل! السيارة تصرخ! تنزل الزجاج تطلع سلاحها... عيونها تثبتت عليه تصرخ من قلبها: نـــــــايــــــــف!!!!!
هو يلتفت... يتجمد... رُبــى عيونها تشتعل، والسلاح مرفوع، إصبعها جاهز على الزناد نايف يحاول يدخل السيارة... رُبــى تصرخ مره ثانية بكل غل: أوقف!! والله لأمسحك من على وجه الأرض!!
ضوء الشمس الأول يضرب وجهها... تشبه نوال نايف يتجمد... لكنه يحاول يهرب... رُبى تضغط الزناد،
سيارة دورية توقف، الباب ينفتح بقوة، ينزل منه خالد بكامل بدلة الضابط، وجهه مشدود، نظراته نار خالد بصوت عالي وهو يقترب من مركز القيادة: وينه؟!! كيف هرب؟!
المسؤول يرد وهو يركض جنبه: سيدي... آخر رصد له كان قبل 10 دقائق عند الطريق الصناعي، بس اختفى قبل ما نوصل. فيه احتمال أنه استخدم سيارة مموهة
خالد يوقف فجأة، يصارخ: وين كانت أعيننا؟! كيف تتركون شخص زي نايف الراشد ينسحب كذا؟!!!
يجي ضابط شاب، مرتبك شوي، يمسك تابلت ويقول: سيدي... الحقيقة... فيه نقطة لازم تعرفها...
خالد يضيق عيونه: وشو؟
الضابط بتردد: فيه عملية موازية... كانت شغالة على نايف من جهة ثانية... وتحت أمر مباشر من... من رُبـى الجاسر
خالد يسحب التابلت بقهر، يفتح الملفات ويشوف التقارير صور، تسجيلات، خطة مراقبة، أوامر تنفيذ مكتوبة باسمها، موثقة من الأمن المدني يناظر الأوراق بصمت... وجهه يتغير يهمس لنفسه بصدمة: هي... كانت تشتغل عليه طول هالوقت؟
الضابط يرد: تقريبًا من ثلاث شهور... جمعت أدلة، وزرعت مصادر، ووصلت لنا قبل أمس تطلب دعم مباشر... هي اللي رتبت كمين الموقع اليوم
خالد يضحك بسخرية وهو يهز رأسه، حاط التابلت بيده: ذي المجنونة... ذي المجنونة ما نسيت...
يسكت شوي ثم يهمس بحزن: بس ما قالت لي
المسؤول يقول: الحين رُبـى لحالها بالمنطقة الشرقية، إحنا فقدنا الاتصال معها من لحظة الانفجار الصوتي، ونتوقع إنها لحقت عليه
خالد بعصبية: كم شخص معاها؟!
الضابط: كانت لوحدها
خالد يصرخ: لوحدهاااا؟! لحالها تطارد مجرم دولي؟!!! كيف توافقون؟!!!
المسؤول يرد: ما عطتنا مجال. عندها تفويض قانوني وتفاصيل دقيقة... بصراحة... كانت مستحيل نوقفها
خالد يتنفس بقوة، ويهمس: هذي بنت نوال فعلاً... ما تنسى ولا تسامح...
واقف وسط الفوضى، ماسك التابلت... صدمة وحزن، لكن وراه فخر صغير، لأنه عرف إنها ما كانت أبدًا ضحية... كانت صيّادة يردف: جهز دوريه، بنروح وراها!!
الطلق يخترق الليل، ويصيب كتف نايف، يصرخ بصوت مكتوم، ويده تمسك الجرح وهو يتمايل من الألم نايف باضطراب وهو يفتح باب السيارة: تبا...
رُبـى تلف السيارة من الجهة الثانية، تدعس على الفرامل فجأة الباب ينفتح، ونايف يركب مقهور وينزف، يسوق بعشوائية وهو يحاول يكتم أنينه رُبـى تخرج نصف جسدها من النافذة، وعيونها مصوبة بثبات على كفر السيارة الخلفيه تطلق طلقة ثانية، والثالثة – الكفر ينفجر بعنف السيارة تلتف بقوة، تدور حول نفسها، وتصطدم بعمود كهرباء، الدخان يتصاعد منها وصوت الحديد يصرخ ورُبـى تفتح الباب وتقفز بخفة، تمسك مسدسها، تمشي نحو السيارة بثبات وبنظرات حديدية نايف يحاول يخرج من السيارة، يتمايل، يتنفس بصعوبة، لكن فجأة رُبـى تقفز عليه من الخلف، تضربه برجلها على ظهره، يطيح بقوة على الأرض، يسقط سلاحه، ويزحف محاولًا التقاطه رُبـى تضربه بقدمها وتبعد السلاح، تركله في بطنه مرتين، ثم تجثو فوقه، تمسك ياقة قميصه وتضربه بقبضتها في وجهه مره... ومرتين... نايف يتنفس بصعوبة، وجهه مليان دم، لكن عيونه تتحداها رُبـى تصرخ بوجهه: ليه؟ ليه أمي؟ ليه سويت كذا فيها؟!! ليه ساعدت موضي ومنيره؟!
نايف يضحك وهو يتنفس بصعوبة: كانت تستحق كل شي صار لها، وفهد الي مات تدريجياً... الي خرب حياتنا
رُبـى توقف، ترفع المسدس، تصوبه نحو رأسه... يدها ترجف... عينها تدمع لكنها تمسك نفسها لحظة صمت... النفس متقطع... قلبها ينبض بقوة... لكنها تخفض السلاح: أحمد ربك الي انا متعامله مع الشرطه لو ماكنت متعامله كنت دفنتك بمكانك!!
تطلع جهاز اللاسلكي الخاص بالشرطة وتضغطه: الهدف تمت السيطرة عليه. أحتاج وحدة دعم واستلام... المكان: الطريق 7، عند عمود الخدمة 216
السيارة تحترق بهدوء خلفهم، الضوء يعكس على وجوههم... وصوت سيارات الشرطة يقترب نايف مستلقي، وعيونه مفتوحه، وعيون رُبـى ترجف... لكنها ما طاحت... ما ضعفت... طلعت من المعركة منتصرة، ولكنها موجوعة،
أصوات صافرات الشرطة تخفت، والأرض مليانة أنوار حمراء وزرقاء تتراقص على وجوه الناس المتجمعة. نايف مربوط، ممدد على الأرض، وجهه عليه آثار الطلق والنزيف، عيونه فيها صدمة خالد ينزل من الدورية بخطوات سريعة، يركض له، يضربه في وجهه بكامل غضبه، ويركله بقسوة مرتين، قبل لا يجيه العميد ويشد ذراعه بعنف العميد بصوت حازم: اهدى، حضرة الضابط! الحين... هالكلب صار بيدنا. لا تضيّع تعبنا كله بانفعالك
خالد يتنفس بسرعة، يطالع نايف وهو يتلوى، يضغط على فكه، يسكت العميد يلتفت لرُبى، يشوفها واقفة بهدوء، السلاح ما زال بيدها، بس ما تحركت خطوة من مكانها، عيونها مافيها أي ارتباك العميد بنبرة محترمة: يعطيك العافية آنسة رُبى، ساعدتينا نمسك حقير مثل هذا. جهودك كانت فارقة
رُبى تكتفي بنظرة قصيرة له، تنزل السلاح، تلف ظهرها وتبدأ تمشي بدون ولا كلمة. كعبها يضرب الأرض بثقة خالد يتبعها بخطوات سريعة، يمسكها من ذراعها بخفة: رُبى... لحظة، كيف عرفتي إن له يد باللي صار لأمك؟
رُبى توقف، عيونها للأمام، صوتها يطلع ناعم لكنه مشبع بالحقيقة: كنت أشوفه، كل يوم، وأنا طفله... واقف بعيد يراقب أمي كنت صغيرة بس قلبي كان يحس بالخطر
تلتفت بنصف وجهها تكمل: ومن شهور... يوم بدأت أبحث، لقيت خيوط تربطه بموضي ومنيره... هو الرأس، هو كل الخراب عرفته زين... وسويت نفسي ضعيفه علشان ألفت انتباهه
تضحك ببرود: وهو مثل الغبي... لحقني
خالد يطالعها مصدوم، ساكت، لكنها ما تنتظر، تسحب ذراعها منه وتمشي تمشي وسط سيارات الشرطه، صوت كعبها فوق الإسفلت، نظرات كل الموجودين تلاحقها... بس هي، ولا كأن أحد حولها عيونها قدام، ظهرها مستقيم، وسلاحها لسا في يدها،،
الأنوار خافته، الجو ساكن... خطوات رُبى تدخل من باب الفيلا بصمت، ووجهها مشحون بتعب وقرار نهائي رُبى بصوت هادي وهي تفتح باب غرفة الخدم: أم راكان... قومي، جهزي نفسك، وطلعي الشنط اللي قلت لك عليها
أم راكان تنتفض من مكانها، نظرة سريعة فيها فهم لكل شيء، تهز راسها بتأكيد وتروح لُجين من الدرج، شعرها مفكوك ووجهها مصدوم وهي تنزل بخوف: رُبى؟ ليه؟ وش فيك؟ وين رايحة؟
رُبى ترفع نظرها لها، تناظرها بنظرة هادية لكنها كاسرة من جوا: رايحة لمكان بعيد يا لُجين... بعيد عن هالناس، عن الذكريات، عن كل شي...
وإنتِ... إذا خلصتي من هالعيلة، تعالي لي. أنا بنتظرك
لُجين بهمس فيه خضة: بس رُبى... صقر؟
رُبى تسحب ورقة مطوية من جيب جاكيتها، تمدها لها ببطء وتحطها بيد لُجين، عيونها ثابته: هذي الورقة... تسلمينها له، له هو وتركي أكيد بعد اللي صار، بيجون لهنا... قولي لهم إن رُبى راحت لمكان بعيد، وإنها مو مسامحة صقر
صمت بسيط، تهز راسها بهدوء وتكمل: أنا آسفة يا لُجين... أدري إنك ضيعتي نفسك وتزوجتي أبوي بسببي، أدري... بس
لُجين تقاطعها بسرعة وتبكي وهي تحضنها بقوة: اسكتي! انتي لو تبين أموت عشانك... بموت! عادي، صدقيني رُبى، عادي كل شي، المهم أنتِ تعيشين، وتعيشين زي ما تبين... مو زي ما هم يبون
رُبى تحضنها بقوة، ما تبكي، بس تغمض عيونها وكأنها تحفظ هاللحظة أصوات خطوات أم راكان وهي راجعة والشنط جاهزة رُبى تبتعد بهدوء، تمسح على خد لُجين، تلبس جاكيتها، وتروح الباب ينفتح، والهواء البارد يدخل. السائق واقف، وأم راكان وراها بشنط السفر لُجين تهمس وهي تناظر ظهرها يبتعد: رُبى... كأنك عمرك ما كنتِ هنا
رُبى توقف عند الباب لحظة... ثم تواصل المشي، بدون ما تلتفت،،
"يتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!