رواية أنا من قتلهم الجزء السادس 6 بقلم آية عيسى أنا من قتلهمرواية أنا من قتلهم الحلقة السادسة ياسين كان قاعد على ركبه، الأوضة حواليه فضيت من الهوا، والكون كله سكت.. مفيش غير صوت أنفاسه المخنوقة اللي طالعة بالعافية . لأول مرة من خمس شهور كاملين، من وقت ما جمد قلبه وبقى آلة في القضية دي، دموعه نزلت.. نزلت بغزارة وبحُرقة مكانش يتخيل إنها جواه.
مد إيديه اللي كانت بتتنفض برعب، وسحب نرمين لحضنه.. كلبش فيها بكل قوته، وبكى… بكى بكاء مكتوم، مرير، طالع من وجع راجل مكسور من جوا روحه. دموعه سالت على وشها الباهت واختلطت بد.مها السايل، وبدأ يتكلم بصوت مشروخ ومتقطع، ونبرة كلها عجز وقهر: —ليه سيبتيني يا نرمين؟ ليه يا حبيبتي؟ .. أنا السبب.. أنا اللي قتــ.ـلتك بإهمالي!
يا ريتني كنت معاكي هنا، يا ريتني ما نزلت من يومين وسيبتك.. يا ريتني ما زعلتك في يوم، ولا نمت برا البيت عشان قضية غبرة وفي الآخر تدفعي أنتِ تمنها! مسح بإيده المرتعشة على وشها الباهت، كأنه بيحاول يصحيها، وكمل وهو بينهج وصوته بيتخنق بالدموع: —أنتِ استحملتيني كتير أوي.. استحملتي طبعي الجاف، وعصبيتي، وشغلي اللي واخدني منك، وأنتِ ذنبك إيه في كل القرف ده؟!
خلاص.. خلاص يا نرمين قومي عشان خاطري وأنا هسيب الشغل وهصلح كل حاجة.. سامحيني.. أنا مادتكيش الحب اللي تستحقيه، ولا عيشتك يوم واحد متهنية.. والله العظيم غصب عني! ، سامحيني يا نرمين.. قومي ومتمشيش كدا! فضل حاضنها ويهز فيها لربع ساعة كاملة، منهار تماماً بشكل عمر ما حد شافه فيه قبل كدا ، قهر الرجال وعجزهم كان واضح اوى في اللحظة دي .
بعد ربع ساعة ، أخد نفس طويل كأنه بيلم أشلاء روحه، بص لملامحها بصة أخيرة، ومسح دموعه بقـ.ـسوة وعـ.ـنف.. وعينيه في ثانية اتقلبت لكتلة د.م وغل مرعب، ملامحه جمدت وبقت زي الحجر، وقال بفحيح مرعب: —والله لأقتــ.ـلك.. هقــ.ـتلك بإيدي يا ابن الـ…! هنتقم منك أشد انتقام.. مش هسيب فيك حتة سليمة!
لكن الحزن غلبه تاني، وكسر القوة الزايفة دي في ثانية، لقى نفسه بيبكي بضعف وكسرة أكبر وهو بيبص للملف بتاع “نور” اللي محطوط جنبها.. مسك الملف وهبده في الأرض بعصبية وعنــ.ـف . في اللحظة دي، موبايله رن وصوته هز هدوء الأوضة المرعب.. لقى مراد هو اللي بيتصل. ياسين بلع غصته، وداس زرار الرد، وتكلم بنبرة جامدة، فيها جمود غير بشري يخوف: —أيوة يا مراد. مراد كان بيتكلم بسرعة وبيتريق كالعادة: —أيوة يا باشا! فينك يا فندم؟
غورت في داهـ.ـية يعني من غير ما تقولي رايح فين؟ .. أنت فين كدا وسيبتلي اللي الله يحرقهم قاعدين في المكتب بياكلوا في بعض؟! ياسين عينيه كانت مثبتة على وجه مراته، ورد بصوت طالع من القبر: —مراتي ماتت يا مراد.. اتقــ.ـتلت. مراد فرمل رجله فجأة في نص الممر وهو ماشي في المديرية، والصدمة لجمت لسانه، ملامحه اتغيرت تماماً وقال بذهول ورعب: —إيه؟ .. يعني إيه؟! أنت بتقول إيه يا ياسين؟!
ياسين كان كاتم عياطه وقهرته بقوة رهيبة، ضاغط على سنانه لدرجة إنها هتتكسر ، مش عايز مراد ولا أي مخلوق في الدنيا يشوفه بالضعف ده.. كان عنده ثبات انفعالي رهيب في اللحظة دي، ورد بحسم جاف: —يعني اللي سمعته! مراتي اتقــ.ـتلت.. المجـ.ـرم دخل بيتي وقــ.ـتلها وسابلي رسالة ترحيب.. عرفت يعني إيه؟ مراد بدأ صوته يتهز ومش مصدق: —أنت بتهزر يا باشا صح؟ ده مقلب؟ أنت شكلك اتلسعت من كتر الضغط والله العظيم!
متهزرش الهزار ده يا ياسين بالله عليك! ياسين قام وقف على رجله بالعافية، وبدأ يغطي مراته بالكامل عشان يحميها ومحدش من الغرباء يشوفها لما الإسعاف والشرطة تيجي، وزعق في الموبايل بحدة وصوت مبحوح: —هات عربية الإسعاف وقوة من البوليس واخلص وتعالوا على بيتي حالا! وسامعني يا مراد.. مفيش مشـ.ـرط واحد هيمس مراتي! سامع؟! الطب الشرعي مش هييجي جنبها ولا هيشـ.ـرحها! مش هسمح بكدا أبداً! مراد عقله مكانش مستوعب الكارثة،
و قال بدون وعى منه : —بس يا فندم إزاي والطب الشرعي لازم يشوف.. ياسين قاطعه بصرخة زلزلت خطوط التليفون وعينيه بتطق شرار وغضب: —اعمل اللي بقولك عليه واخلص !! رمى ياسين التليفون على السرير بعــ.ـنف، ورجع وقع على ركبه في الأرض، وبكى بكاء شديد، بكاء طفل صغير تاه من أمه في الضلمة، رفع راسه للسقف والدموع مغرقة وشه وقال بصوت مكسور:
—يا رب قويني.. يا رب أنا خلاص تعبت ومبقتش قادر.. أنا مش عارف هجيب القوة منين عشان أقف قدامهم برا.. يا رب أقف معايا.. بس مش هسكت، والله ما هسكت، هجيب له الإعـ.ـدام بنفسي وهعلقه على المـ.ـشنقة بإيدي دي!
قعد وبص لـ جثــ.ـة مراته المتغطية، .. رغم إنها مكانتش حب عمره، وجوازهم كان تقليدي، والمشاكل بينهم كانت واصلة للسما لدرجة إنها لسه طالبة الطلاق الصبح، بس في النهاية.. بينهم عشرة، بينهم عيش وملح، وهو حبها بالعشرة دي ، متجوزها من ٣ سنين و هي يتيمة الاب والام ملهاش حد حرفيا ، اتجوزها و اتقى ربنا فيها ، ولما ربنا مرزقهوش منها بولاد، هو ماعترضش على حكم ربنا، ووافق يكمل معاها ويراضيها وميوجعش قلبها أبداً. رؤيتها بالمنظر ده، مقـ.ـتولة بسببه وبسبب قضيته، كسر قلبه ودمره وحنى ضهره حرفياً.
…………… على الناحية التانية.. المديرية كانت مقلوبة قالبة سودا وبقت شعلة نار بسبب الخبر ده! كمية عربيات شرطة وإسعاف خرجت من البوابة الرئيسية بصوت سارينات يِصحي الميت، والضباط والعساكر بيجروا في الممرات ومش فاهمين حاجة، غير إن في مصيبة حلت على نفوخ الكل. مراد كان بيجري في الممر زي المجنون، عرقان ونفسه مقطوع، لحد ما وصل لأوضة مكتب ياسين وهبد الباب برجله وفتحه على الآخر، وبص لكريم اللي كان قاعد بارد و مريم القلقانة،
وزعق فيهم وهو بينهج: —الله يحرقكم يا عالم يا نكد! يا نحـ.ـس! منكم لله.. من ساعت ما دخلتوا المديرية دي والشر والخراب حلوا علينا! كريم وقف بخضة هو ومريم، وقلبه سقط في رجليه من شكل مراد المرعوب، وقال : —خير.. خير يا سيادة النقيب في إيه؟! وشك قالب ألوان كدا ليه؟! مراد حط إيده في جمبه وبصلهم بنظرة لوم وكسرة وقال: —مرات الباشا اتقتــ.ـلت! المجــ.ـرم دخل البيت وقتــ.ـلها وسابله رسالة.. ارتحتوا كدا؟! وبص لكريم بغيظ وكمل:
—وبعدين أنت بتسألني ليه؟ أنت مالك يا زفت الطــ.ـين أنت وهي؟! هو أنا ناقصكم! كريم صك سنانه، وضرب كف على كف بذهول من الصدمة، وبص لمراد وقال: —لا حول ولا قوة إلا بالله.. الله يهدك يا بعيد! البقاء لله، الله يصبره ويربط على قلبه يا رب.. بس ثانية واحدة كدا … أنا مال أمي بالموضوع؟! أنا وأختي ذنبنا إيه تلبسونا في الحيطة؟! هو إحنا هنستنى هنا في مكتب النحس ده ولا نغور من وشكم ونروح لبيتنا أحسن؟!
مراد شهق بصوت عالي وحط إيده على صدره ، وقال: —الله الله! كمان! أنت بتدعي عليا يا فالح؟! وبتتبلى علينا وعايز تغور؟ لا بقولك إيه.. وحياة خالتي هطلع عينك وعين اللي جابوك لما أرجع من برا! تروحوا فين؟ ده أنتوا رجلكم هتتــ.ـسلخ هنا لحد ما نطلع القــ.ـاتل من تحت الأرض! ولف مراد ونده بأعلى صوته في الممر: —سليم! يا زفت يا سلييييم! دخل شاب طويل، لابس بدلة الملازم ، بس سرحان في ملكوت تاني خالص، وقال ببرود: —إيه يا مراد؟
بتجعر كدا ليه؟ في إيه؟ مراد مسكه من ياقة بدلته وهزه بعــ.ـنف: —الحقني يا سليم.. إحنا في مصيبة سودا! معلش يا حبيبي ركز معايا.. مرات الباشا سافرت من غير وداع! سليم فتح عينيه على آخرهم وشهق بذهول وقال: —بجد؟! سافرت فين؟ والتذاكر منين؟ هيهيهي.. هي لحقت تحجز في الصيف ده إزاي؟! مراد هبده على قفاه ، وزعق فيه: —إيه يا سيادة الملازم؟! هتستظرف ولا إيه؟! بقولك اتقتلــ.ـت! ماتت! إحنا في مصيبة تهد جبال!
اترزع هنا في المكتب واقفل الباب، ولما البومة دينا تيجي —ويا رب ما تيجي وتموت في الطريق ونخلص من بوزها الفقر —تبقى استقبلهم واقعد معاهم واسألهم بطريقتك لحد ما أرجع! يالا.. أنا رايح الحق الباشا في البيت قبل ما يتهور ويضرب نفسه عيارين ونبقى خسرنا القوة كلها! مراد لف ضهره وجري في الممر، فـ سليم حط إيده في جمبه ونده وراه بصوت عالي : —ويا ترى عيار ١٨ ولا ٢١ ؟ هيهيهي! عشان نعمل حسابنا في المحضر بس!
كريم أول ما سمع الجملة دي، ضرب كف على كف تاني وبص لمريم بذهول وصدمة كاملة، وقال بصوت واطي: —إيه المجانين دول؟! إيه العا.هات دي يا ربي؟! سليم سمع الكلمة، فـ لف ببطء زي أبطال أفلام الرعب، وبص لكريم بنظرة مميتة وقال: —نعم يا حياتي؟ سمعني كدا كنت بتقول إيه؟ مين دول اللي مجانين يا عين أمك؟ كريم بلع ريقه ورجع خطوة لورا، وقال بتلعثم: —ها؟ لا يا فندم، العفو!
ده أنا بقول ان سيادتكم منورين ومثقفين جداً.. الله أكبر عليكم يعني! سليم قعد على كرسي ياسين المريح، وحط رجل على رجل وسحب تفاحة من درج المكتب وقضمها بصوت عالي وقال: —بحسب.. أصل أنا في الشغل مفيش أرحم مني، بريح المتهم على الآخر.. بس برا الشغل بقلب دراكولا! المهم بقا.. قولي يا كيمو، حكايتكم السودا دي إيه بقى ؟ كريم نفخ بضيق وزهق وهو بيحط إيده على وشه وقال: —يادي النيلة.. هو أنا هقول الحكاية دي كام مرة النهاردة؟!
أنا ريقي نشف و ربنا ! مريم لقت أخوها هيضيعهم، فتدخلت بسرعة ولحقت الكلام وقالت: —يا فندم إحنا والله العظيم ما لينا دعوة بأي حاجة من المصايب دي! الحكاية وما فيها إن في القاتــ.ـل دخل شقتنا لما كنا هنا ، وحطلي الحلق ده في أوضتي …. إحنا خفنا وجينا هنا، وسيادة الرائد ياسين قعد معانا وخد الحلق، وبعدها على طول سابنا ومشي، ومراد بيه دخل لنا ووشه كان مخطوف وقالنا خليكم هنا عشان المصيبة اللي حصلت دي وجري.. بس، دي كل الحكاية!
مريم بصت لسليم بقلة حيلة وكملت: —إحنا ذنبنا إيه بقى في كل ده؟ عملنا إيه عشان نتحبس في المكتب كدا؟ سليم هز رأسه ببرود كامل، وقضم حتة تانية من التفاحة وطلع تنهيدة وقال: —معلش.. معلش يا مريومة، كله ثواب، أهو تغيير جو برضو بدل خنقة البيوت! هنا كريم جابه آخره واتعصب جداً، ووقف وزعق: —معلش إيه؟! هو إحنا عيال صغيرة بتسكتهم بكلمتين يا حضرة الظابط؟! إحنا ورانا بيوت ومصالح، ومش هينفع نقعد في وسط قتــ.ـلة و مجــ.ـرمين كدا!
سليم ملامحه اتقلبت في ثانية، وبصله بنظرة حادة وشاور بصباعه وقال: —لسانك طويل أوي يا دكتور على فكرة.. اتلم واقعد مكانك بدل ما ألمك بطريقتي، أنت هنا في مديرية أمن مش في عيادة كحـة! في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت الدكتورة دينا بوقارها المعتاد والبالطو الأبيض، بصت في الأوضة وقالت بنبرة جادة: —السلام عليكم.. خير يا فندم؟ وفين سيادة الرائد ياسين؟ ولفت وشها فجأة، وعينيها جت في عين كريم، فبرقت بذهول وقالت: —كريم؟!
أنت بتعمل إيه هنا يا ابني في التوقيت ده؟! سليم رجع بضهره على الكرسي، وشاور بإيده في الهوا وقال ببرود: —سيادة الرائد بح.. طار يا دكتورة! دينا عقدت حواجبها بحدة وقالت: —يعني إيه بح وطار؟! في إيه بالضبط؟ سليم اتنهد وقال:
—يعني مراته اتقتــ.ـلت لسه من شوية لِلأسف، والمديرية كلها مقلوبة برا وعربيات الإسعاف والشرطة طلعت على بيته.. فخليكي هنا مضلمة المكتب عبال ما مراد يرجع هو وياسين ونشوف الإجراءات، وبعد كدا نبقى نفهم من مراد باشا كان عايز من سيادتك إيه بالظبط مع الجماعة دول. دينا الصدمة ظهرت على وشها، ولفت بصت لكريم تاني ورفعت حاجبها باستنكار وغموض، فكريم بص لها بضيق حقيقي ونفخ وقال وهو بيبص للسقف:
—يا رب صبرني.. أنا اتخنقت حقيقي ومبقتش طايق نفسي! سليم ضحك ببرود وقال: —معلش يا حبيبي.. خلي دينا تخنقك براحتها يا بابا، والله أنا صابر بالعافية عليك عشان خاطر أختك اللي مرزوعة جنبك دي…. صابر ؟! …. صابر المداح.. هيهيهي! حلوة حلوة! دينا بصلت لسليم بقرف ، وراحت قعدت على الكرسي اللي قدام المكتب وحطت شنطتها، وقالت: —طيب.. أديني مستنية لما نشوف آخرة الليلة دي إيه. وبعدين لفت وشها لكريم، وهدت نبرة صوتها شوية وقالت بفضول:
—عامل إيه يا كريم في الليلة السودا دي؟ وإيه اللي جابك أنت وأختك هنا بالظبط في وسط العك ده؟ كريم ضحك بمرارة وسخرية، وعدل قعدته وقال: —الحمد لله يا دينا.. زي الزفت زي ما أنتِ شايفة كدا بالظبط! مفيش جديد، النحس لابسنا من راسنا لرجلينا! ………
وصل مراد الشقة، ومعاه قوة مكثفة من رجال المباحث والجـ.ـنايات وعربيات الإسعاف اللي كانت واقفة تحت البيت وساريناتها بتقطع سكون الليل. دخل مراد الأوضة بخطوات مترددة، وقلبه كان مقبوض.. أول ما عينه جت على ياسين وهو قاعد في الأرض جنب الكنبة ، حس بغصة في حلقه. ياسين كان بيتظاهر بالجمود، وضهره مفرود زي الصخر، بس مراد صاحبه وعارفه، وشايف النبض المكتوم في رقبته والقهر اللي بينزف من عينيه الحمرا.
قرب مراد منه ببطء، وحط إيده على كتفه بحنان وصوت واطي ومبحوح: —ياسين.. يا صاحبي قوم.. قوم بالله عليك وخلي بتوع الإسعاف يشوفوا شغلهم، مينفعش كدا. ياسين نفضه بعنــ.ـف وقســ.ـوة، وبص له بنظرة مرعبة خلت مراد يرجع خطوة لورا، وقال بصوت فحيح زي الأفاعي: —محدش هيشيلها غيري.. سمعت ولا لأ؟! مفيش غريب هييجي يمها!
وبالفعل، مد ياسين إيديه المرتعشة، وشال مراته المتغطية ما بين إيديه بكل حرص وكأنها حتة من زجاج خايف عليها تتكسر، ومشى بيها بخطوات تقيلة وضاغطة على الأرض لحد ما سلمها للإسعاف برا الأوضة عشان يستقبلوها. لف ياسين لمراد وقال بنبرة آمرة وجافة: —خلي رجالة البحث الجنــ.ـائي يقلبوا الشقة حتة حتة.. يفتشوا كل ركن، فاهم يا مراد؟ وبعد ما يخلصوا، الشقة دي تتشمع بالكامل بالورق الأحمر! مراد بص حوالين الأوضة و
للشقة وبلع ريقه وقال بقلق: —حاضر يا فندم، كله تمام وهيحصل.. بس، أومال سيادتك هتعيش فين دلوقتي؟ الشقة هتتقفل! ياسين بص لمراد بنظرة خالية من أي حياة، ومد إيده على الأرض أخد ملف “نور” ، وقال بنبرة طالعة من القبر: —أنا مش عايش يا مراد.. مش عايش عشان تسألني هعيش فين! ولف ضهره ولسه هيمشي ويتحرك، مراد مسكه من دراعه بسرعة وقال بنبرة رجاء: —ياسين.. على الأقل خلي الدكتورة دينا تفحصها، ماشي؟
لازم الطب الشر.عي يشوفها يا ياسين.. اعقل عشان خاطر حقها وعشان نلبس المــ.ـجرم القضية صح، أنت سيد العارفين بالقانون! ياسين نفخ بضيق هَد ضلوعه، ومسح عينه بقسوة وهو بيحاول يحبس دموعه اللي هتنزل تاني، وقال بصوت مكتوم: —تشوفها وبس.. سامع يا مراد؟ تشوفها برا وجوا من غير ما مــ.ـشرط واحد ييجي يمها! مفيش تشـ.ـريح.. مفيش مــ.ـشرط هيمس نرمين، لو حصل أنا ههد المديرية على اللي فيها! مراد طبطب على كتفه بحزن وقال:
—حاضر يا صاحبي، والله حاضر، هفهم دينا بنفسي.. ربنا يصبرك ويربط على قلبك يا رب. أمال هتعمل إيه دلوقتي؟ خطوتك الجاية إيه؟ ياسين عينيه اتقلبت لكتلة شرار وغضب مرعب ، وقال بنبرة تخوف: —هقــ.ـتله بإيدي.. مش هسيبه يا مراد! لو هو فاكر إنه باللي عمله ده بيهدمني ولا بيكسرني، يبقى مغفل.. ده بيزود غلي وانتقامي أضعاف! ده مش وقت الحداد.. ده وقت الانتقام! مراد طبطب عليه تاني وقال بتهدئة:
—طب بلاش انا استجوب دينا دلوقتي وهي لسه واصلة لا هي ولا كريم ، خليها تشوف الجثـ.ـــة الأول وتعمل تقريرها المبدئي.. و روّح أنت كريم وأخته، وابعت معاهم قوة تحمي بيتهم عبال ما نخلص من الإجراءات دي كلها.. روح أنت ارتاح. ياسين هز راسه بجمود وقال: —روّحهم.. و ابعت القوة تحرسهم عبال ما أد.فن مراتي.. إكرام الميت دفنه. مراد اتنهد وقال: —حاضر يا باشا.. حاضر، روح أنت وتوكل على الله.
ياسين طلع تليفونه، وبخطوات سريعة بعد عن مراد شوية، واتصل بـ أسامة (رئيس المعمل الجنائي) . التليفون مكملش رنتين وأسامة رد علطول بصوت باين عليه الصدمة والأسى: —البقاء لله يا ياسين باشا.. أنا لسه عارف الخبر حالا من اللاسلكي.. البقاء لله يا صاحبي، شد حيلك!
المشكلة إن ياسين كان صعب جداً يشك في أسامة؛ مركزه في المديرية كبير، وراجل تقيل، وكمان كان بيتكلم معاه عادي جداً وبمنتهى الطبيعية قبل ما ياسين يروح الشقة ويلاقي الكارثة، ده غير إن ياسين هو اللي راح لأسامة برجله قبل شوية ودخل مكتبه وإداله الحرز بإيده! يعني مفيش أي مؤشر ملموس يخليه يشك.. بس ياسين في اللحظة دي مكانش واثق حتى في دقات قلبه، وقرر يحطه تحت الملاحظة من باب “الحرص”. ياسين رد بنبرة هادية بس مرعبة:
—الدوام لله يا أسامة.. عايزك تيجي هنا في شقتي حالا، تشوف الأخبار إيه وتشرف أنت بنفسك على الوضع والمعاينة وتلملي كل فتفوتة.. تمام؟ أسامة رد بسرعة: —من غير ما تقول يا باشا، أنا على وصول وعربيتي داخلة الشارع اهيه.. مسافة الطريق. قفل ياسين معاه، ولف لمراد اللي كان واقف بيراقب المكالمة، وبصله بعيون حمرا زي الدم من كتر الكتمان والبكاء، وقرب من ودنه وهمس بفحيح: —حط عينك عليه.. راقبه في كل خطوة بيتحركها هنا في الشقة!
مراد فتح عينيه بذهول وصدمة وهمس هو كمان: —إيه؟! أنت شاكك في أسامة يا ياسين؟! ده رئيس المعمل الجنائي وصاحبنا! ياسين سحب مفاتيحه وملفه، وبص لمراد بصة أخيرة وقال وهو ماشي: —أنا شاكك في خيالي يا مراد.. شاكك في الهوا اللي بتنفسه.. أنا ماشي…. ماشي.. ويا رب ما ارجع تاني! مشي ياسين ، فـ مراد وقف في نص الصالة، وضرب كف على كف بقلة حيلة وصدمة، وبص على أثر ياسين وقال : —مع السلامة في ستين داهيــ.ـة يا فندم!
ربنا يصبركم ويسد نفسكم.. وتموتوا كلكم في ساعة واحدة ! إيه ده؟ ده أنتوا قطعتولي الخلف من الرعب والغم اللي عايشين فيه ده! يا عالم يا فقر يا نكد! ……….. على الجانب الآخر في مكتب ياسين بالمديرية، كان سليم حاطط رجل على رجل ومستمتع بآخر قَضمة في التفاحة، لحد ما موبايله رن برقم مراد.
سليم رد ببرود، وجاتله الصدمة والتوجيهات من مراد اللي قاله على كل حاجة؛ إن دينا لازم تتحرك فوراً على مصلحة الطب الشرعي عشان تستقبل الجثـ.ـــة وتفحصها زي ما ياسين شرّط، وإن كريم ومريم يغوروا من المديرية ويرجعوا بيتهم. سليم نفخ بضيق، وعدل قعدته وقال بنبرة مستهزئة: —طيب يا عم مراد، كله تمام وهيحصل.. بس قولي، أعمل حسابك معايا في كوباية الشاي بتاعة نص الليل دي؟ ولا أنت مش جاي وسايبني لوحدي؟
مراد رد عليه من الناحية التانية بدون وعي منه، وصوته طالع من وسط الغم اللي فوق دماغه: —شاي إيه وزفت إيه يا سليم! لا متعملش.. أنا شكلي هبيت مع العفاريت والبحث الجنا.ئي النهاردة في الشقة دي! سليم ضحك ببرود وقال: —أحسن برضو.. وفّرت حق السكر! مع السلامة يا صاحبي. قفل سليم الخط، ولف وشه وبص لكريم ومريم بغيظ وقرف كأنهم هما اللي قتــ.ـلوا القــ.ـتيل، وشاورلهم بإيده بحركة طرد وقال: —يلا يا أخويا أنت وهي.. غوروا !
الباشا مراد بيقولكم اتفضلوا على بيتكم، وهنبعت معاكم قوة من الحراسة تحميكم تحت البيت.. يكش بس يطمر فيكم وملاقيكوش جايين بكرة بمصيبة جديدة! كريم أول ما سمع كلمة “غوروا”، وقف بسرعة الصاروخ، وضرب كف على كف بقلة حيلة وبص لأخته مريم وقال: —يلا يا بنتي.. يلا نمشي قبل ما نلبس في قضية إعد.ام إحنا كمان! دي حاجة تقصر العمر وربنا ! دينا هي كمان وقفت بكبرياء ووقار، ولمت حاجتها في الشنطة وبصت لسليم ببرود وقالت:
—طيب.. بما إن الأوامر جات، أنا همشي أروح على مصلحة الطب الشرعي أشوف الشغل اللي ورايا.. عن إذنكم يا حضرة الظابط. سليم شاورلها بإيده التانية بلامبالاة وقال: —مع السلامة ياختي والقلب داعيلك.. طريق السلامة أنتِ والست تفاحة اللي راحت في كرشي! أول ما كلهم خرجوا وقفلوا الباب وراهم، سليم رمى بذرة التفاحة في السّبت، ورجع ضهره لورا على الكرسي المريح، ورفع راسه للسقف وقال بتنهيدة نكد من قلبه:
—آه يا ربي.. ربنا ياخدكم كلكم في ساعة واحدة ونخلص من القرف ده! الواحد مبقاش عارف يلاقيها من قضايا القــ.ـتل ولا من العا.هات اللي بتدخل علينا المكتب دي! ………… مرت ٣ ساعات كاملة كأنها دهر.. ٣ ساعات من العذاب والانتظار، لحد ما جاله تليفون من الدكتورة دينا، أكدت فيه لياسين بنبرة حزينة ومصدومة إن طريقة قــ.ـتل نرمين هي هي نفس طريقة قتــ.ـل كل اللي فاتوا بالمسطرة!
ياسين مبكاش.. دموعه جفت وتحجرت في عينه. خلص إجراءات الدفن، و صلوا الجنازة في وسط نظرات العطف والشفقة من زمايله اللي كانت بتقطع في فروة راسه. سابهم كلهم ورجع المديرية في وقت متأخر من الليل.. خطواته كانت تقيلة، مهدودة، كأنه شايل جبل فوق ضهره. دخل مكتبه، وقفل الباب وراه بالترباس، وقعد على كرسيه ورمى راسه لورا، وغطى وشه بكفيه وهو بينهج ببطء.. الصدمة كانت شالة تفكيره، مش عارف يعيط، مش عارف يصرخ، ولا عارف يروح فين!
بعد دقيقتين، شال إيده عن وشه وعينيه جت على مكتبه.. سحب ملف المعاينة بتاع “نور”، الملف اللي أسامة كان عايزه وهيموت عليه قبل الجر.يمة. قعد يقرأه بتركيز رهيب، يقلب الورق وعينيه بتطق شرار، وسأل نفسه بهمس وفحيح غاضب: —يا ترى أنت كنت عايز الملف ده ليه يا أسامة؟ إيه اللي فيه ومجننك وخايف يقع في إيدي؟! قفل الملف بهبدة هزت المكتب، وقال بغضب مكتوم وعروق رقبته نافرة: —لا.. كدا بقى أنت بقيت مشتبه رسمي يا أسامة!
طب لما تجيلي بس.. أنا حاطط عين مراد عليك، ولو طلع ليك صلة بالموضوع ده من قريب أو بعيد، و الله لأد.فنك بالحيا وبإيدي دي! وفي نفس اللحظة.. وسط السكون والضلمة اللي لافة المكتب، تليفونه رن بصوت عالي خطف دقات قلبه. ياسين رفع الموبايل وبص في الشاشة، ولأول مرة ملامحه تلين سِنة.. ده الرائد “آسر”، صديق عمره وروح روحه اللي افترقوا من وقت تخرجهم من السلك العسكري؛ آسر استلم شغله في الصعيد، وياسين كمل في القاهرة. فتح
الخط وصوته طالع مخنوق: —أيوة يا آسر.. جاله صوت آسر من الناحية التانية مليان حزن وأسى حقيقي: —البقاء لله يا صاحبي.. البقاء لله يا ياسين، أنا لسه سامع الخبر حالا ومش مصدق.. ربنا يصبرك ويربط على قلبك يا رب في المصيبة دي. ياسين غمض عينيه وضغط عليها وقال بنبرة مهدودة: —الدوام لله.. يا رب يا آسر، شكر الله سعيكم يا صاحبي.. تسلم. آسر اتنهد تنهيدة قوية وقال بحسم:
—أنا مش هسيبك لوحدك في المحنة دي يا ياسين.. أنا جايلك حالا، قفلت مأموريتي وتحركت بالعربية من الصعيد للقاهرة فورا عشان أكون جنبك وأعزيك.. وكمان عشان فيه حاجة تانية لازم تعرفها. ياسين عقد حواجبه باستغراب، ونبرة صوته اتغيرت لشك وقلق وقال: —حاجة؟ حاجة إيه يا آسر؟ خير في إيه بالظبط؟ آسر رد بصوت واطي وجاد جداً يخوف:
—لا.. مش هينفع في التليفون خالص يا ياسين، لما أجيلك وأقعد قدامك في المكتب هفهمك كل حاجة.. مسافة الطريق وهكون عندك، خلي بالك من نفسك. قفل آسر الخط، وياسين فضل ماسك التليفون وباصص للفراغ، وعقله عمال يودي ويجيب.. إيه الحاجة اللي جاية لآسر من الصعيد ومينفعش تتقال في التليفون؟ وهل ليها علاقة بـ مريم والحلق؟ ولا بقضية نور ونرمين؟ ……….. على الجانب الآخر.. وصل كريم ومريم الشقة.
الشارع من برا كان هادي تماماً، الحراسة ورجال الشرطة اللي بعتهم مراد واقفين تحت المدخل ماليين المكان تأمين، حاجة تخلي أي حد يحس بالأمان.. لكن جوا الشقة، كان فيه هدوء غريب، هدوء تقيل ومريب يقبض الصدر، كأن الهوا نفسه واقف ومبيتحركش. كريم دخل، تنهد بتعب ونكد وهو بيقفل باب الشقة وراه، وبص لمريم اللي كانت ماشية جنبه وزي الخيال، دموعها مش راضية تقف من كتر الصدمات اللي نازلة فوق دماغها من الصبح. كريم طبطب على كتفها
بحنان وقال بيحاول يطمنها: —خلاص يا مريم.. مفيش داعي للخوف بقا، استهدي بالله كدا وادخلي نامي وارتاحي.. شغلي قرآن في أوضتك يطرد الشيطان، والناس والحراسة تحت أهي وسامعينا لو حصل أي حاجة. مريم أومأت راسها بقلة حيلة وهي بتمسح دموعها بكف إيدها، وخطواتها كانت بتجرها جر لـ أوضتها. فتحت الباب، الأوضة كانت ضلمة كحل.. مدت إيدها المرتعشة ولمست كبس النور وشغلته.
في جزء من الثانية.. النور قاد، وفي نفس الجزء من الثانية، الزمن وقف، والهوا اتسحب من الأوضة، ومريم اتسمرت في مكانها كأن صاعقة ضربتها.. شلل كامل صاب أطرافها، و اتنفضت من الرعب وصدمة عمرها اللي مستحييييل تتخيلها! فوق.. متدلية من السقف، وفي نص الأوضة بالظبط.. كانت أمها “سلوى” مشنــ.ـوقة!
جثــ.ـتها متثبتة بحبل غليظ في السقف ، مــ.ـدلدلة في الهوا، راسها مايلة على جنب بشكل يقطع النفس ، ووشها أزرق .. ورجليها متــ.ـدلية وقريبة من سرير مريم! مريم رفعت رأسها لفوق وعينيها بتتحرك برعب شديد وجنون، عقلها رفض يستوعب المنظر، حست إن الدنيا بتلف بيها، ومحستش بنفسها ولا بالدنيا حواليها.. غير وهي بتفتح بوقها على آخره وبتصوت صرخة رعب مكتومة وشرسة هزت جدران الشقة وشقت سكون الليل بالكامل!
صرخة مفيهاش أي وعي، صرخة خوف هستيري طالعة من حنجرة واحدة شافت جهــ.ـنم قدام عينيها! ……. —🕵️♂️ —المهم بقا.. سيبكم من النكد ده كله وقولولي توقعاتكم في الكومنتات: تفتكروا آسر اللي جاي من الصعيد ده وراه إيه؟ وجايب مصيبة إيه معاه ؟ ومريم الغلبانة هتعمل إيه بعد الصدمة دي؟ ومين أصلاً اللي عمل كدا في أمها والحراسة واقفة تحت الشقة ؟! 🤦♀️
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!