الفصل 7 | من 12 فصل

الفصل السابع

المشاهدات
23
كلمة
3,341
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

رواية أنا من قتلهم الجزء السابع 7 بقلم آية عيسى أنا من قتلهمرواية أنا من قتلهم الحلقة السابعة مريم كانت لسه بتصرخ بأعلى صوتها، ومحستش بنفسها ولا بالدنيا حواليها إلا وإيد كريم اللي بتترعش وهي بتسحبها لحضنه بقوة، وكأنه بيحاول يخبي عينيها عن المنظر الرهيب ده.. منظر أمهم سلوى وهي مشــ.ـنوقة ومتـ.ـدلية في نص الأوضة! يا نهار أزرق.. الصدمة كانت أكبر من عقله، والوجع شل حركته تماماً!

​وفي ثواني، اتهبد باب الشقة واقتحمت القوة والعساكر المكان بسبب صراخ مريم الهستيري اللي سمع المنطقة بالكامل. العساكر وقفوا مكانهم مذهولين، وعيونهم جحظت من هول المفاجأة المرعبة.. القــ.ـاتل نفذ جريــ.ـمته والحراسة واقفة تحت الشقة! طب ازاى؟! ​مريم كانت بتبكي بجنون و بتتنفض من الرعب، وبدأت تتكلم بنبرة مقطوعة وصوت مشروخ من كتر العياط: —إيه.. إيه الكابوس ده يا.. يا كريم؟! ماما.. ماما اتقتلــ.ـت يا كريم!

هو إيه اللي بيحصل لنا بالظبط؟ إحنا عملنا إيه لكل ده؟! ​كريم مكانش قادر ينطق بكلمة واحدة.. ملامحه جمدت، ودموعه كانت بتنزل في صمت تام وبحُرقة تقطع القلب، عينيه كانت مثبتة على جــ.ـثة أمه وهو مش قادر يستوعب ولا يصدق إن الست اللي كانت من ٣ ساعات بس بتدعي عليهم وبتزقهم برا الشقة عشان يغوروا، دلوقتي بقت مجرد جــ.ـثة هامدة ومتعلقة في السقف! ​تقدم العسكري منهم بخطوات بطيئة، وبنبرة مليانة أسى وحزن على حالهم قال:

—اتفضلوا لو سمحتم يا دكتور برا الأوضة.. اتفضلوا برا الشقة خالص عشان رجالة المعمل الجنائي والبحث يفحصوا المكان كويس.. اتفضلوا يا فندم. ​كريم، وبدون أي وعي منه، وكأن عقله اتفصل تماماً عن الواقع وهو لسه باصص لأمه بنظرة وداع مكسورة، مد إيده وسحب مريم معاه وخرجوا برا الشقة.. رجليهم مكانتش شايلاهم وهما نازلين على السلم زي الأموات.

​في ثانية واحدة، الشارع تحت كان مقلوب قالبة سودا؛ سارينات عربيات الإسعاف والشرطة كانت مسمعة في كل حتة، والناس بدأت تتجمع في البلكونات والشبابيك بذهول. كريم كان واقف في نص الممر تحت، تايه، وعينيه تايهة بين العساكر والظباط، ومريم ماسكة في هدومه بكل قوتها وبتعيط بقلة حيلة وتقول بصوت مخنوق: —رد عليا يا كريم عشان خاطري هنعمل إيه؟! أنا بموت من الرعب خلاص.. القا.تل كان هنا وماما ماتت بسببي.. رد عليا!

بص لها كريم بنظرة غريبة، مريم مش عارفة دي بصة إيه بالضبط … حزن … ولا وجع… ولا صدمة … ولا …. ولا غموض! ف​غمض كريم عينيه، و حط يده على رأسه بقوة ، وأخد نفس طويل طالع من وسط أشلاء روحه ، وقال بنبرة هادئة : —إنا لله وإنا إليه راجعون.. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين….

​وحضن أخته ، وفضل ساكت.. مقالش ولا كلمة تانية كان باصص جامد قدامه و رافع حاجبه بذهول ، لأنه ببساطة مكانش مستوعب الصدمة، ولا عارف إزاي حياتهم اتقلبت لكابوس دمو.ي في ليلة واحدة! ​………. ​في شقة ياسين، كان مراد واقف حاطط إيده في جمبه وبيبص لـ أسامة بطرف عينه وهو بيراقبه بتركيز رهيب بناءً على أوامر ياسين. أسامة كان شغال بمنتهى الطبيعية والمهنية، ومراد ملقاش عليه أي حاجة تثير الشك خالص، فنفخ بضيق وهمس في سره بغيظ:

—وبعدين بقى في الليلة اللي مش فايتة دي؟ أنا بقيت بفكر أخـ.ـلّص عليهم كلهم وأخلَص.. يخرب بيت كدا! هي الدنيا مفيهاش غير مراد اللي ينِشَف ريقه في البلد دي؟! ​وفجأة، موبايله رن واهتز في إيده، وبص في الشاشة لقى رقم سليم. مراد نفخ بقوة وقلب عينه بملل وقال في سره: —أهو كملت.. أكيد مصيبة جديدة نازلة على نفوخنا! ​فتح السماعة وزعق بعصبية: —أيوة يا سليم الزفت في إيه؟! هو أنا ناقصكم يا أهبل أنت وهو؟! ما تلموا الدور بقى!

​جاله صوت سليم من الناحية التانية وهو بيحاول يبان جاد على غير العادة: —معلش يا سيادة النقيب.. بس فيه مصيبة سودا حصلت حالا! ​مراد قلب عينه تاني ورد بسخرية وهو بيمد إيده يجيب قزازة ماية من على السفرة: —ما طبيعي يكون فيه مصيبة يا حياتي! هو الخير بييجي من وراك أصلا ً؟! طيب….. استنى عليا بس ثانية واحدة اطفح شوية ماية عشان ريقي نشف الله يحرقكم ويحرق الشغلانة دي معاكم!

​لسه مراد بيفتح القزازة وبيقربها من بقه وبيشرب أول بق، سليم قال بسرعة ومن غير مقدمات: —أم الدكتور كريم ومريم اتقتلــ.ـت يا فندم في شقتهم.. القــ.ـاتل دخل قتــ.ـلها لما كانوا عندنا في المديرية! ​في جزء من الثانية، مراد تــ.ـف الماية كلها من بقه في وش العسكري اللي واقف جنبه، وفضل يكح بجنون ، وزعق في الموبايل بصوت مبحوح: —إيه؟! أنت بتقول إيه ؟! يخرب بيوتكم كلكم.. هي المشـ.ـرحة ناقصة قتـ.ـلة؟!

دي مابقتش مديرية دي بقت مجــ.ـزرة! يالا احسن…. خلي البومة دينا تنبسط بالشغل وتتفشخر بالبالطو الأبيض، انقل الجثـ.ـة فوراً على الطب الشرعي…..وسكتلي العيال دي بمصاصة عشان متعيطش وتصدعنا، ولو عيطوا اضربهم ستين قلم على وشهم يفوقوهم! ​سليم سكت ثانية وقال بنبرة مستغربة: —بس الغريبة يا فندم في الموضوع ده بالذات…. ​مراد قاطعه بنفاد صبر وهو بيمسح بقه: —ما غريب إلا الشيطان يا سولوم.. قول واخلص في إيه تاني؟! انطق! ​سليم قال:

—إنها ماتت مشنــ.ـوقة بحبل في السقف.. مش مــ.ـدبوحة زي الباقيين! ​مراد حواجبه عقدت بذهول ، والشك لعب في دماغه وقال بصوت واطي: —مشــ.ـنوقة؟! غريبة فعلا وتدعو للشك.. طيب اخلص وانقلها زي ما قولتلك، وخليك قاعد مع العيال دي وم تفارقهمش، رغم إنهم يستاهلوا الحرق والله وبالذات ابنها كريم البارد اللي شبه لوح التلج ده.. بس الحق يتقال، صعبانين عليا هما و الولية اللي راحت في داهــ.ـية دي …. يالا غور في داهيــ.ـة! ​سليم رد

ببرود المعتاد قبل ما يقفل: —ماشي يا فندم.. في داهــ.ـية تاخدك أنت كمان! ​قفل مراد الخط وهو بيبرطم، فـ أسامة (رئيس المعمل الجنائي) رفع راسه من فوق السجاد وبصله بفضول وقال: —خير يا فندم؟ في إيه والمديرية مقلوبة تاني ليه؟ ​مراد بصله بنظرة حادة ومن تحت لفوق وقال بجفاء: —مالكش دعوة يا نونة.. خليك في حالك وفي حرزك و فتش وأنت ساكت!

​أسامة بصله باستغراب شديد واستنكار من الكلمة، بس هز راسه بقلة حيلة وكمل شغل وهو مش فاهم مراد ماله قفش عليه ليه كدا. ​أما مراد، فـ قعد على أقرب كرسي وهو حاطط إيده على دماغه، ورغم إن مصيبة ياسين ووجعه بموت مراته نرمين لسه طازة وكبيرة وتهد جبال، إلا إن طبع مراد غلبه، ورفع عينه للسقف وبدأ يدعي على ياسين بقلب محروق وفكاهي في نفس الوقت: —هي ناقصة يا ربي غُلب ونكد؟!

إلهي تنستر يا ياسين يا ابن أم ياسين في داهيــ.ـة تاخدك مطرح ما روحت! إلهي تتـ.ـشك في ركبتك يا بعيد أنت وقضاياك النحــ.ـس دي اللي ملهاش آخر! يا رب تاخده وتريحني منه ومن بروده، وتلطف بينا عشان المرارة متفرقعش …… يالا داهــ.ـية تلمنا كلنا في ساعة واحدة! ​………… ​عدا وقت كبير وياسين قاعد في مكتبه، عينه مثبتة على عقارب الساعة اللي بتتحرك ببطء رهيب… القلق كان بياكل في قلبه وعقله عمال يودي ويجيب:

—يا ترى إيه الحاجة الخطيرة قوي اللي جايبها آسر معاه من الصعيد، ويستحيل كان ينفع يقولها في التليفون؟ تنهد بيأس ورفع راسه لفوق وقال بصوت مخنوق: —يا ربي.. هو أنا ناقص مصايب؟ اللهم لا اعتراض على حكمتك.. يا رب قويني. ​بعد فترة من الانتظار المرير، انفتح باب المكتب ودخل العسكري، أدى التحية العسكرية وقال: —تمام يا فندم.. سيادة الرائد آسر برا ومستأذن يدخل. ​وقف ياسين بتعب وحزن وهز راسه وقال بصوت مهدود: —دخله فورا يا ابني.

​الباب اتفتح ودخل آسر بخطوات سريعة، ملامحه كان باين عليها اللهفة والحزن الحقيقي على صاحبه. أول ما عينه جات في عين ياسين، قفل المسافة بينهم وحضنه بقوة ، وفضل يطبطب عليه بظهر إيده وقال بنبرة مليانة أسى: —البقاء لله يا صاحبي.. شد حيلك. أنا جيت جري من ساعة ما سمعت الخبر، من ٣ ساعات كاملين وأنا دايس بنزين وعربيتي مكانتش واقفة على الأرض عشان أوصلك وأكون جنبك في محنتك دي. ​رد عليه ياسين بنبرة مكسورة وجافة:

—الدوام لله يا آسر.. تسلم يا صاحبي. ​قعد آسر على الكرسي اللي قدام المكتب، وبص في وش ياسين بتمعن وتنهد بحسرة وقال: —أنت اتغيرت أوي يا ياسين.. مش ده ياسين الصخرة اللي أنا نعرفه من أيام الكلية والسلك العسكري! الوجع هدك أوي يا صاحبي! ​ياسين سند ضهره وغمض عينه بضعف وقال: —روحي مش فيا خلاص يا آسر.. خلاص، أنا حاسس إني انتهيت وضهري انحنى. ​آسر ضرب بقبضة إيده على المكتب بخفة وقال بحسم: —لا يا صاحبي.. لا متقولش كدا!

أنت قدها وهتتحمل.. أنت بطل وعمر ما في قضية هزمتك، وعارف يعني إيه أنت لحد دلوقتي ماسك القضية دي رغم كل النكد والد.م اللي حواليك؟ اهدى كدا واستعيذ بالله. ​تنهد ياسين و أخد نفس طويل وقال وهو بيحاول يدخل في الجد: —خير يا آسر.. إيه الحاجة اللي قولت إنها خــ.ـطر ومينفعش تتقال في التليفون؟ وشغلت بالي بيها؟

​ملامح آسر اتقلبت تماماً للجدية والغموض، بص حواليه، وبعدين مد إيده في جيب جاكته وطلع ظرف بني مقفول. فتحه ببطء وطلع منه صورة قديمة شوية، وحطها قدام عينه عشان يشرح ، وقال بصوت واطي ومخيف:

—زي ما أنا شايف كدا.. الصورة دي أنا لقيتها بنفسي لما كنا بنهاجم وِبنحاول نقبض على وكر لواحد اسمه “عاصم”.. أنت طبعاً عارف حكايته، ده اسم مشهور جداً في الصعيد وسيرته على كل لسان، راجل تقيل قوي وبيمول وبيسهل الأعمال الإجر.امية الكبيرة من تجارة سلا.ح وممنو.عات، وبيصرف عليها بفلوسه ونفوذه ومحدش قادر يطوله.. وللأسف، فِلت مننا وهرب ومقبضناش عليه في المأمورية دي. ​ياسين كان بيسمع بتركيز، فـ آسر كمل وهو

بيشاور بصابعه على الصورة: —أنا أول ما شوفت الصورة دي جيتلك جري.. لأن الضحية “نور”، اللي قضيتها سمعت مصر كلها من ٦ شهور هنا، موجودة في الصورة دي معاه! بص كدا….. لف آسر الصورة و اداها له ، ​قرب ياسين من الصورة وبص فيها، وفجأة الصدمة لجمت لسانه وعينيه برقت بذهول مرعب!

الصورة كانت بتجمع “نور” الضحية ، وجنبها “عاصم” مــ.ـجرم الصعيد اللي آسر بيتكلم عليه.. وجنبهم واحد تالت واقف بس راسه مقصوصة ومقطوعة من الصورة بالمقص فمش باين ملامحه.. لكن الصدمة الكبرى والضربة القاضية، إن الشخص الرابع اللي واقف معاهم في نفس الكادر وبمنتهى الأريحية.. كان “أسامة”! ​في اللحظة دي، دقات قلب ياسين ضربت في ودانه، وتأكدت شكوكه بالمللي!

أسامة خلاص اتكشف وبقى في إيده، ومكالمته ليه من شوية وتكليفه لمراد بمراقبته مكانتش من فراغ. ​آسر كمل كلامه وهو مش واخد باله من ملامح ياسين اللي اتقلبت زي الحجر: —الصورة دي تقريباً متصورة من ٤ سنين، ولقيتها في مخبأ عاصم السري يا ياسين.. وللأسف لما لقيت الضحية رقم ١٧ دي، قولت لأ.. الموضوع كدا مبقاش قضية عادية في القاهرة، دي ليها علاقة بيك و بيا وليها أبعاد تانية خالص! ​ياسين بص للصورة ب غل وعروق جبهته برزت،

وقال وهو ضاغط على سنانه: —طيب مين اللي راسه مقطوعة ومقصوصة من الصورة ده؟ ​آسر هز راسه بقلة حيلة وقال: —معرفش يا ياسين.. هموت وأعرف مين ده، ومين اصلاً الشخص التاني اللي واقف جنبه ومبتسم ده؟ [يقصد أسامة]. ​هنا ياسين وقف على حيله، وعينيه بتطق شرار وغضب، وزعق بعصبية مكتومة: —ده أسامة يا آسر! .. رئيس فريق البحث الجنائي اللي شغال معايا في المديرية والمسؤول عن رفع البصمات والمعاينة في شقتي حالا!

​آسر فتح بقه ووقعت الصدمة عليه كأنها صاعقة، وبص لياسين بذهول وقال: —إيه؟! أسامة؟! يبقى هو شريك القا.تل ومنهم وفيهم! إحنا كدا بنلف حوالين دايرة مقفولة يا ياسين.. الخاين من جوة البيت! ​ياسين سمر عينه في الفراغ وقال بفحيح مرعب: —بالضبط.. بس اللغز هنا: إيه علاقتهم ببعض كلهم؟ نور.. والراجل المقطوع راسه ده.. وأسامة.. وعاصم؟ أنا قريت ملف نور حتة حتة ومكانش فيه أي إشارة أو خط يربطها بأسامة أو بالصعيد اصلاً!

​تنهد آسر وقام وقف جنب صاحبه، وحط إيده على كتفه بقوة وقال بنبرة حاسمة: —يبقى الملفات اللي في المديرية دي فيها “إن” وممسوح منها حاجات يا صاحبي.. و رايح، لازم نشتغل شغل صح وعلى ماية بيضا يا ياسين، ومن ورا الكل.. وأنا معاك يا صاحبي ومش هسيبك لحد ما نجيب حق مراتك وحق الغلابة دول ونقفل الدايرة دي على رقابهم! ​آسر بص لصاحبه بحزن وقال بنبرة رجاء:

—طيب قوم ارتاح شوية يا ياسين.. روّح حتى على بيت عيلتك ونام لك ساعتين، أنت بتتدمر يا صاحبي وإحنا عايزينك جامد وواقف على رجلك عشان المعركة اللي جاية دي! ​ياسين ابتسم بمرارة وسخرية وقال وهو بيعدل قعدته: —ارتاح إيه بس يا آسر؟ هو أنا بقا في حياتي راحة؟! متقلقش عليا أنا صاحي.. وأكيد فيه مصايب تانية جاية في الطريق، أنا حاسس بكدا.

​آسر لسه بيتكلم معاه وبيحاول يضغط عليه عشان يقوم، عينه لمحت بالصدفة حاجة غريبة بتلمع في برواز الصورة اللي محطوط على المكتب.. صورة بتجمع بين ياسين ومراته الله يرحمها نرمين. آسر دقق النظر اوي، ولمح حاجة صغيرة جداً بحجم راس الدبوس مزروعة في جنب البرواز!

​في ثانية ملامح آسر اتغيرت، وشاور لياسين بإيده وعينه وعمل له حركة بمعنى “اسكت وكمل كلام عادي”.. ياسين ذكاؤه أسعفه وفهم ان آسر اكيد لقى مصيبة ، فبدأ آسر يتقدم خطوتين وقال بنبرة حزينة ومصطنعة عشان يغطي على حركة صاحبه: —الله يرحمها يا صاحبي.. مالهاش نصيب بقا ، متقلقش هي شهيدة بإذن الله، ربنا يرحمها.

​في اللحظة دي، تقدم آسر خطوة سريعة، ومد صابعه وبقوة خرج الحاجة الصغيرة دي من البرواز، ورماها في الأرض وكسرها تحت جزمته بعنـ.ـف وقــ.ـسوة! ​ياسين بص للأرض بصدمة تامة وقال بصوت واطي: —إيه ده يا آسر؟! في إيه؟ ​آسر رد بغضب مكتوم وعروق جبهته نافرة: —زي ما أنت شايف كدا بالظبط.. كاميرا وجهاز تنصت بحجم الفتفوتة، بتنقل ليهم كل حاجة بتحصل هنا صورة وصوت!

يعني الكــ.ـلاب دول سمعوا كل الكلمتين اللي قولناهم يا ياسين، وعرفوا إننا كشفنا أسامة وعرفوا موضوع الصورة بتاعة الصعيد! ​ياسين ضرب كف على كف، وأخد تنهيدة قوية طالعة من وسط ضلوعه وقال بصدمة وزهق: —أستغفر الله العظيم يا رب.. أستغفر الله العظيم! حتى مكتبي اتمد فيه الإيد؟! ​آسر قرب منه وبصله بذكاء وقال: —عارف ده معناه إيه يا ياسين؟ ​ياسين رد بتوهان: —إيه؟ ​آسر قال بنبرة حاسمة:

—معناه إن فيه حد دخل مكتبك من فترة من ساعة مانت مسكت القضايا من خمس شهور ، وزرع القرف ده وهو مطمن ومحدش مراقبه.. قولي بقى، مين اللي بيدخل ويخرج من مكتبك ده بكل أريحية ومن غير ما حد يشك فيه ولا يفتشه؟ ​ياسين عقله بدأ يلف في دايرة مفرغة، وفجأة تذكر تصرفات مراد.. مراد هو الوحيد اللي بيدخل المكتب في أي وقت، وبيهزر ويفتح الدرج وياكل ويشرب وكأنه صاحبه…. ياسين هز راسه برفض تام وصدمة ونبرة مذهولة: —لا.. لا لا يستحيل!

مراد يعمل كدا؟! لا يمكن يخوني يا آسر.. مراد ده أخويا وصاحب عمري، يستحيل يكون هو! ​آسر بصله بنظرة ثاقبة وذكاء شديد وقال له: —وليه لأ يا صاحبي؟ وليه لأ؟! في الزمن ده وفي القضية دي بالذات كل شيء وارد والشك لازم يطول الكل.. حطه تحت الملاحظة و أوعى تصدق كلمة واحدة منه ورايح! ​وبعدين آسر طبطب على كتفه وقال بنبرة هادية عشان ينهي الحوار:

—على العموم.. روّح أنت دلوقتي غير هدومك دي، وارتاح لك ساعة زمن وتعالى.. واستأذنك أنا هقعد في مكتبك هنا، عايز أمسك القضايا الـ ٢١ كلهم وأراجعهم ملف ملف من أول ضحية لحد مراتك الله يرحمها، يمكن نوصل للخيط اللي ناقص.. بس قولي، هو مراد فين دلوقتي؟ ​ياسين رد بتوهان وعقله لسه مصدوم من شكوك آسر في مراد: —مراد كان مع أسامة في الشقة بيعاينوا، وخلصوا من ساعة تقريباً.. وزمان مراد على وصول وجاي على هنا. ​آسر

ابتسم بثقة وغموض وقال: —تمام قوي….. يبقى اكيد بيغطوا على بعض، و اكيد أسامة ده بيزور الملفات و يسلمها لك بكل راحة ، روّح أنت بس وتوكل على الله، ولما أسامة ومراد يجوا ويقعوا تحت إيدي هنا في المكتب، أنا هعرف إزاي أسحبهم بذكاء من غير ما يحسوا بأي حاجة.. ارتاح يا صاحبي وسيب الباقي عليا. قال ياسين بإصرار: —مش هقدر ارتاح و اروح يا آسر سيبني بالله عليك افش غلي! نظر له آسر بأسى و طبطب عليه …. …………

​في الشارع برا، كان أسامة واقف مع مراد ورجالة البحث الجنائي وبيستعدوا عشان يتحركوا ويرجعوا على المديرية. في اللحظة دي، أسامة عن طريق السماعة الصغيرة اللي حاططها في ودنه ومتوصلة بالمصيبة اللي في مكتب ياسين، سمع صوت تكسير الكاميرا تحت رجل آسر وعرف بطريقته إنه خلاص اتكشف وبقى مطلوب رسمي! ​ملامح أسامة اتقلبت تماماً، والدم هرب من وشه وبدأ يبص حواليه بتوتر ورعب. مراد لمح نظرته دي، فبصله برفع حاجب وتهكم وقال ببرود:

—خير يا حبيبي مالك؟ بتبص لي كدا ليه.. هو أنا فيا شبه من خالتك فتحية الله يرحمها؟! خلصّنا يا نونة عشان نغور من الشارع الفقر ده! ​أسامة بلع ريقه بصعوبة، وبص للعساكر اللي محاوطين المكان كله، وعقله شغال بأقصى سرعة عشان يلاقي مخرج ويهرب قبل ما يرجع المديرية ويقع تحت إيد ياسين وآسر، فحط إيده على بطنه وتظاهر بالوجع وقال بنبرة مصطنعة: —معلش يا فندم.. أنا بطني وجعاني أوي ومش قادر، حاسس بمغص هيموتني! ​مراد نفخ بملل

وقلب عينه وقال بسخرية: —يا نونة.. معلش يا كتكوتة، اتغطى كويس وصَوت يا حبيبي عشان المغص يروح! اخلص ياض وماتعطلناش! ​أسامة كمل بتمثيل وهو بيتحرك لورا خطوة بخطوة: —معلش يا سيادة النقيب.. هجري بس على الصيدلية اللي في أول الشارع دي جيب حاجة للمغص وأجيلك على طول.. مش هأخرك والله. ​مراد شاور له بإيده بلامبالاة وقال:

—طريق السلامة يا روحي.. يا رب الدكتور اللي هناك أول ما يشوف وشك الفقر ده يقـ.ـتلك ويريحني منك عشان المعمل الجنائي كله يفضالي! ​تنهد مراد ولف ضهره، ولكن حسه الأمني وذكاؤه لقطوا إن فيه حاجة مش طبيعية بالمرة؛ أسامة ملامحه مكانتش ملامح واحد بطنه وجعاه، ده كان مرعوب وعينيه بتدور على مفر! مراد لف وبص للعساكر وزعق فيهم عشان يغطي على اللي في دماغه وقال:

—يلا يا واد أنت وهو.. يلا اخلصوا هنتحرك على المديرية عشان نبلغ ياسين باشا بالمصيبة الجديدة بتاعة أم الدكتور كريم ومريم عشان يموت ونخلص! يلا أنا حابب أريحه من الدنيا دي ومن قضاياه النحس! ​وفي اللحظة اللي العساكر بدأوا يتجمعوا ويركبوا العربيات والكل ملهي، مراد استغل الهيصة، وبص بطرف عينه على أثر أسامة وهو بيجري ناحية الشارع الجانبي…… مراد ابتسم بسخرية و قال : –يا ترى ناوي على إيه ؟

وقرر ه ويمشي وراه في صمت ومن غير ما حد من العساكر يحس بيه، عشان يشوف النونة ناوي على مصيبة إيه بالظبط! …….. ​أسامة هرب زي التعابين، دخل في شوارع حواري ضيقة ومتاهات محدش يعرفها، لحد ما وصل لمكان سري قوي ومهجور. نزل درجات السلم المؤدية للقبو المظلم ده وهو بينهج وأنفاسه متلاحقة من الرعب. ​جوا القبو، الإضاءة كانت خافتة ومريبة، وصور الضحايا الـ ٢٢ كلهم كانت متعلقة على الحيطة زي ألبوم ذكريات دموي!

وفي النص، كان القــ.ـاتل قاعد بمنتهى البرود، بيضحك وسرحان وهو بيشرب، وبيلف في إيده كارت الضحية الجديدة اللي عليها الدور. ​أسامة وقف قدامه ووشه جايب ألوان، وزعق بصوت مرعوب ومخنوق: —مصيبة يا ريس.. مصيبة سودا حصلت! ​القــ.ـاتل مرفعش عينه حتى، وحط صباعه على بقه وقال ببرود قا.تل: —هششش.. اهدى خالص ، عارف يا حبيبي، عارف كل حاجة. ​وقعد يضحك ببرود مستفز، فـ أسامة جنونه علّي وزعق فيه بغضب: —أنت بتضحك على إيه؟! أنت مش مستوعب؟

إحنا اتكشفنا خلاص! آسر جه من الصعيد ومعاه الصورة القديمة وعِرف كل حاجة! القــ.ـاتل قال و هو بيشرب ببرود : —تؤ تؤ تؤ.. مين اللي اتكشف يا حبيبي؟ أنا؟ لأ طبعاً.. أنا راسي كانت مقطوعة ومقصوصة من الصورة ومحدش يعرف شكلي، أنت وعاصم الأهبل بس اللي اتكشفتوا وبقيتوا في الوش.. أنا مالي بقى؟ ​أسامة عروقه برزت وعينيه طق منها الشرر، وقرب منه بتهديد وعصبية: —لاء يا رو.ح أمك مش هروح في داهية لوحدي!

دا أنا بقالي ٣ سنين بغطي عليك و بزور الأوراق كلها ، لو اتقبض عليا هقول على كل حاجة، هقول أنت مين وهوديك في ستين داهية وهقلب الدنيا فوق دماغك! ​بص له القــ.ـاتل بملل وضيق، ونفخ وهو بيحط الكأس من إيده وقال: —ما تبس بقى!

بوظت مزاجي يا أخي و شوشت دماغي بكلامك الكتير ده.. على العموم، مكنتش أتوقع إن سيادة الرائد آسر هييجي بسرعة كدا ويسهل عليا الموضوع ويساعد ياسو حبيب قلبي.. بس كتر خيره، سَهّل عليا الخطة وخلاني أخلص من ضحايايا بسرعة الصاروخ. ​أسامة رجع خطوة لورا بشك وقال: —تقصد إيه بكلامك ده؟ ​القــ.ـاتل ابتسم ابتسامة مرعبة وعينيه لمعت في الضلمة وقال بفحيح زي الأفاعي:

—أقصد يا روحي إن الحيطان ليها ودان.. تحب تعرف مين الضحية رقم ٢٣ بعد سلوى أم مريم؟ ها؟ تحب تشوف الكارت؟ ​القــ.ـاتل رفع الكارت ببطء ولفّه في وش أسامة.. الصدمة لجمت أسامة وجسمه اتنفض بالكامل لما لقى صورته واسمه مكتوبين على الكارت! أسامة لف ضهره وكان لسه هيجري بجلده عشان يهرب من القبو،

بس فجأة وفي جزء من الثانية، القــ.ـاتل هجم عليه بلمح البصر، وبحركة احترافية وسريعة مسكه وشل حركته، وخرج أداته الحادة وغرزها في رقبة أسامة بعنـ.ـف وقســ.ـوة! ​أسامة مكانش ليه حتى فرصة يصرخ.. الوجع شل حركته، ووقع في الأرض وهو بيتصفى ودمه سايل ومغرق المكان، لحد ما روحه طلعت قدام عين القــ.ـاتل. ​وقف القــ.ـاتل يتأمله ببرود، وطلع منديل ومسح الد.م من على الأداة الحــ.ـادة بتاعته بمنتهى الهدوء، وبص لجثــ.ـة أسامة وقال

بنبرة لؤم وضحكة مكتومة: —يا خسارة يا حبيبي.. موت في عز شبابك! معلش ههه.. معلش، لازم أضحي بيك عشان خططي الكبيرة تكمل واللعبة تمشي صح! و خلاص هانت اتبقي واحد في اللعبة دي و أخلّص على نفسي و ارتاح ! ​………. نهاية هادية اهي 😂❤️ ، ترى مين ده؟ ومين هو القا.تل الحقيقي وصاحب الرأس المقطوعة؟! ​البارت ده كان مليان صدمات، والدايرة بتضيق خلاص، والكروت كلها بدأت تتكشف كارت ورا كارت! أنا عارفة إني همشت دور مريم شوية

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...