الفصل 9 | من 12 فصل

الفصل التاسع

المشاهدات
9
كلمة
3,645
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

رواية أنا من قتلهم الجزء التاسع 9 بقلم آية عيسى أنا من قتلهمرواية أنا من قتلهم الحلقة التاسعة ياسين أول ما شاف دينا مرمية بالشكل المرعب ده، الصدمة لجمت لسانه لثواني، كأنه مش مصدق إن البومة —زي ما كان مراد بيقول عليها —بقت هي نفسها الضـ.ـحية الجديدة. جرى عليها بخطوات مهزوزة، وركع على ركبه في وسط بركة الـ.ـدم اللي بتوسع كل ثانية. مد إيده المرتعشة على كتفها وهزها بنفاذ صبر وهو بينادي : —دينا! .. دكتورة دينا!

ردي عليا.. مين اللي عمل فيكِ كدا؟! انطقي! ​مفيش رد.. النظرة المتجمدة في عينيها المفتوحة أكدت له إن الروح فارقت الجسد من دقايق. ياسين لف راسه بسرعة جنونية ناحية الباب و زعق بأعلى صوته: —يا عسكري!! يا زفـ.ـت هات إسعاف وقوة حالاً!!

​لكن الصوت رجع له بصدى مرعب في ممر المـ.ـشرحة الفاضي. مفيش أي إجابة. ياسين وقف على رجليه، وعينيه دارت في المكان الشبه مهجور، وفجأة استوعب.. العسكري اللي كان واقف برا واكتشف اختفاء كريم، اختفى هو كمان! الشك اتأكد في عقله بالمللي؛ العسكري ده مش مجرد شخص مُهمل، ده شريك وليه علاقة مباشرة بالموضوع وسهّل خروج كريم والتخلص من دينا! ​الغضب عمى عينين ياسين، عروق رقبته برزت وهو بيزعق في اللاسلكي بقمة العصبية:

—ابعتوا لي قوة حالا للـ مشـ.ـرحة ! عمليات فورا.. تبلغوا كل الأكمنة ومداخل ومخارج القاهرة، الدكتور كريم يتحط اسمه على قوائم الممنوعين من السفر ويتقبض عليه فوراً ! والطب الشرعي ييجي حالاً ينقل الجثـ.ـتين ويعاين المكان! اخلصواااا!

​قفل اللاسلكي وهبد إيده على الحيطة لدرجة إن صوابعه نزفـ.ـت، وسند راسه عليها وهو بينهج ونظرته بتتنقل بذهول ورعب بين جـ.ـثة الست سلوى المشـ.ـنوقة وجـ.ـثة دينا المتصـ.ـفية على الأرض. ضرب كف على كف وبدأ يكلم نفسه بهيستيريا: —مش معقول.. يستحيل اللي بيحصل ده! أنا في كابوس حقيقي.. كابوس ومش عارف أصحى منه! 4 ضحايا في نفس الأسبوع؟! مراتي، و سلمى، والست سلوى، ودلوقتي دينا؟! لا كدا كتير.. كدا كتير قوي عليا!

(وهو طبعاً مكانش يعرف إن أسامة رئيس المعمل الجنائي انضم للقائمة وبقى ضحية قبل موت دينا! ​ياسين بدأ يتحرك في الأوضة رايح جاي زى الديب ، ملامحه اتحولت لجمود مرعب ونبرة صوته بقت مليانة توعد وغل: —هقـ.ـتلك.. والله لـ أقتلـ.ـك بإيدي يا كريم! أنت زودتها.. زودتها قوي ولعبت مع الشخص الغلط! لو طلعت أنت القاتـ.ـل —وده بقى أكبر احتمال عندي —أنا هعلقك على باب المديرية.. هعلقك ومستحيل ارحمك!

​سكت ثانية، وحط إيديه الاتنين على راسه وضغط عليها بعـ.ـنف كأنه بيحاول يمنع عقله من الانفجار، وعينيه ضيقت بقلة حيلة وسأل نفسه: —بس هموت وأعرف إزاي؟! إزاي واد دكتور زي ده، وبروده يقرف، يكون ليه علاقة بالـ 23 ضحية دول كلهم من 3 سنين؟! إزاي العقلية دي تطلع منه؟! يا رب.. يا رب الهمني الصواب ونور بصيرتي عشان مبقتش شايف قدامي! ​أخد نفس طويل وبص لجثـــ.ـــة دينا تاني وكمل :

—أكيد معاك شريك.. يستحيل.. يستحيل تقوم بكل ده لوحدك! يستحيل يكون عقل واحد بس هو اللي بيدبر، وينفذ، ويـ.ـدبح، ويشـ.ـنق، ويهرب مننا وسط المديرية والمـ.ـشرحة بالسرعة دي! في شبكة.. وفي واحد واصل اوى بيحركك غير عاصم!

​ياسين مَضيعش ثانية تانية في الكلام؛ لف بضهره وجرى بأقصى سرعة برا أوضة التشـ.ـريح، خطواته كانت بترن في الممر وهو خارج للشارع عشان يلحق بنفسه يترأس القوة، ويقلب الدنيا فوق تحت لحد ما يجيب كريم من تحت طقاطيق الأرض قبل ما يهرب أو يصفّي ضحية جديدة! ​………..

على الجانب الاخر في القبو المظلم، حيث تفوح ريحة الرطوبة والموت، كان القـ.ـاتل يجلس بمنتهى البرود، حاطط رجل فوق رجل، وفي يده كاس بيشرب منه ببطء. الإضاءة الضعيفة كانت مسلطة على ترابيزة خشب عليها صور كتير ، من بينها صورة الدكتورة دينا اللي انتهت حياتها من شوية . ​نظر إلى صورتها بنظرة باردة يغلفها القليل من الأسى، وقال بصوت خافت هادئ: —للأسف.. مكنتيش ضمن الضـ.ـحايا المستهدفين، مكنتش عايز أقـ.ـتلك يا دينا.. تعرفي ليه؟

لأن ليكِ فضل عليا كبير اوي ، و منكرش أعجبت بيكِ جدا ، وأنا يستحيل كنت أغدر بيكِ…… ​رجع رأسه لورا على ظهر الكرسي، وأغلق عينيه كأنه يسترجع ذكريات السنوات التلاتة الماضية، وتابع : —كنتِ شريكتي …. غطيتي عليا لمدة 3 سنين كاملين من ساعة ما بدأت أول جريمة قـ.ـتل. تسترتِ عليا في كل الجـ.ـرايم اللي فاتت….. مش هقول ليه تحالفتي معايا من الأول ، عشان الحيطان ليها ودان !

…..كنتِ بتاخدي الجثـ.ـث وتزوري التقارير الطبية كلها بشكل مقنع، وكانوا كلهم في المديرية بيصدقوا ويبصموا بالعشرة.. عارفة ليه؟ لأن ليكي مكانة وثقة عمياء عندهم ومحدش بيشك في حرف بتكتبيه. ​تنهد بعمق، وفتح عينيه لينظر للصورة من جديد، وأكمل بملامح جامدة:

—بس أنا قتلـ.ـتك عشان أشتت الحكومة.. للأسف، الغباء بتاع أسامة وعاصم ساب وراه خيط قوي، وآسر حبيبي جه القاهرة.. وآسر ده تعلب، ذكي ومبيتحركش بمشاعره عكس ياسين اللي العاطفة بتعميه ويتحرك بنرفزة.. آسر كان أكيد هيوصلك وهيشم خبر.. رغم إني عارف إنهم لما يفحصوا جثـ.ـتك وجـ.ـثة سلوى دلوقتي، ويعيدوا فحص الضحايا القدام، هيعرفوا إن التقارير السابقة كلها كانت مزورة وهيكتشفوا بلاوي تانية خالص غير اللي أنتِ كتبتيها.. بس مش مهم.. خلاص مش مهم، الله يرحمك بقى!

​سكت ثواني، وأخذ نفس طويل وهو يحرك أصابعه على الترابيزة وقال: —كدا فاضلي ضحية واحدة بس زي ما قولت وزي ما خططت.. لاني مكنتش عامل حسابي إني هقتلـ.ـك…… أنا كنت ناوي أقـ.ـتل الـ 24 وأخلَـ.ـص على نفسي، بس اللعبة وسعت.. مش مهم، لازم الضحية الأخيرة دي تتـ.ـقتل.. دي الضحية اللي بموتها هتفجر الحكومة كلها!

​وفجأة.. لمح بطرف عينه صورة “نور” في نصف الترابيزة. مد ايده اللي مكانتش بتترعش ابدا ، وسحب الصورة ببطء.. جمّد نظراته عليها، وتحولت ملامحه الباردة إلى مزيج مرعب من الغل، والكسرة، و المرض. ​نظر إلى ملامح نور في الصورة، وقال بنبرة صوت مجروحة: —أنتِ.. أنتِ السبب في كل اللي أنا فيه ده!

حبيتك من 6 سنين.. حبيتك من كل قلبي وبكل جوارحي، وأنتِ رفضتيني ودستِ على مشاعري.. أنتِ اللي كسرتِ الإنسانية اللي كانت جوايا.. خلتيني شيطان ومسـ.ـخ مبيعرفش الرحمة.. بس اتصدقي؟ أنا لسه بحبك.. لسه بحبك رغم كل اللي عملتيه! ​وفي تلك اللحظة، ولأول مرة من تلات سنين ، انصهر الجمود الجليدي على وجهه، ونزلت دموعه ساخنة على خده . مسح دموعه بكمه وقال بصوت باكي ومبحوح:

—مبدأتش بيكي من 3 سنين عشان محدش يشك فيا واللعبة تنكشف من أولها وتتجه الأنظار ليا.. صفيت الأول صحابك البنات، الشلة اللي حرضوكي عليا وخلوكي تشوفي نفسك عليا ، و خلوكي تروحي تتخطبي لرجل اعمال ….. وبعد ما خلصت عليهم، الغل والـدم عموا عيني تماماً!

بقيت مش طايق أشوف أي بنت ليها علاقة بمجالك كـ مصممة أزياء، أو بنت شبهك في الملامح، أو حتى واخدة نفس طريقتك وأسلوبك في الكلام والتعامل.. مكنتش بطيق أشوف الصدف دي وأسكت، كان لازم تتـ.ـدبح! منكرش مش كل الضحايا اللي خلصت عليهم كانوا كلهم ليهم علاقة بيكي لاء! …. قتلـ.ـت معظمهم عشان اغطي و اشتت الحكومة !

​وفجأة.. انهار كل الثبات الانفعالي والبرود الذي كان يتفاخر بيه. القـ.ـاتل انفجر في بكاء هستيري شديد، وتهاوى جسده من فوق الكرسي ليسقط على الأرض ، محتضناً صورة نور و بكى…. بكى زى الطفل . ​ضرب الأرض بيده وصوته خرج متقطع و مشروخ من بين شهقاته المتتالية: —وحشتيني.. وحشتيني أوي يا نور!

أنا.. أنا عارف إني بقيت شيطان ومستحقش أعيش في الدنيا دي اصلاً.. بس خلاص هانت.. هانت أوي.. فاضل واحد بس.. هقتـ.ـله، وبعدها هقـ.ـتل نفسي فوراً وألحقك! ​وسط بكاء القاتـ.ـل الهيستيري ونحيبه وهو مرمي على الأرض وحاضن صورة نور، فجأة سكت تماماً وصوت شهقاته اختفى.. ودانه لقطت صوت خطوات جزمة على الأرض، خطوات هادية وواثقة وجاية من السلم اللي بيؤدي للقبو.

​الأنوار الخافتة بينت ملامح الشخص اللي داخل.. رجل في أواخر التلاتينات ، باين عليه العز، القيمة، والثراء الفاحـ.ـش من بدلة ماركة وساعة بتلمع.. ده “عاصم” مجرم الصعيد وشريك اللعبة! ​عاصم أول ما دخل، ملامحه اتقبضت، وطلع منديل قماش غالي من جيبه وكتم بيه مناخيره وقال بقرف و لوية بوز: —اوووف! .. إيه الريحة والقـ.ـرف ده؟ أنت إزاي طايق نفسك وقاعد في القر.ف ده ؟! ​ولف عينه وبص للقـ.ـاتل اللي على الأرض، وعقد حواجبه

باستغراب ودهشة وقال: —لحظة.. أنت بتعيط؟! الشيطان اللي مطير النوم من عين القاهرة كلها قاعد بيعيط زي العيال؟! ​القاتل ملامحه اتقلبت في ثانية، مسح دموعه بعنـ.ـف وقـ.ـسوة بظهر إيده، وقام وقف قدام عاصم وعينيه رجعت تطلع شرار، وقال بنبرة صوت حادة ومتحشرجة: —دي مش دموع.. ده انتقام!

ده الهدوء اللي قبل العاصفة.. قولي أنت بقا، ظهرت ليه دلوقتي وجيت هنا وأنت عارف ومتأكد إن الحكومة قالبة عليك الدنيا وممكن يقبضوا عليك في أي ثانية يا منيل؟! ​عاصم نفخ ببرود، وحط إيده في جيبه ولوى بوزه وقال بلامبالاة: —كدا كدا إحنا ميتين يا حبيبي واللعبة بتفنش.. ومتقلقش عليا، أنا مرتب كل حاجة وههاجر بطريقتي الخاصة وأطفش برا البلد دي كلها في وقت محدش يتوقعه. ​عاصم قرب خطوة من الطاولة، وبص لصور الضحايا

الجداد وكمل بملامح مشحونة: —بس قولي.. أنت ليه زودت جرعات القتـ.ـل أوي كدا في الأسبوع ده بالذات؟ بوظت الخط العريض اللي كنا ماشيين عليه من 3 سنين! ​المجـ.ـرم ضحك ضحكة باردة خبيثة وقال: —عشان أشتت الحكومة! كان لازم أعمي عيونهم وأخليهم يجروا ورا ضلهم.. ​عاصم هز راسه وبص في عيون القاتل مباشرة، وقال بنبرة فيها خبث : —طيب.. مش هتقول اسمك بقى وتظهر نفسك للدنيا يا………؟

​وقبل ما عاصم ينطق بالاسم اللي هيقفل اللعبة، القـ.ـاتل لمح النية في عينه، وجرى عليه بسرعة البرق وكتم بقه بإيده بقوة، وعينيه برقت بذكاء مرعب وضحك ضحكة مكتومة وهمس في وشه: —هششششش! .. الحيطان ليها ودان.. وممكن ياسو أو آسر…. يسمعونا صح؟ بلاش ذكاء أرجوك! ​عاصم سحب نفسه لورا ونفض هدومه، وضحك ضحكة صفرا وقال:

—ماشي يا سيدي.. على العموم، هحاول اغطي على جر.يمة دينا وسلوى بطريقتي وبمعرفتي، و هعين أي حد يزور الأوراق الطبية والتقارير دي بسرعة عشان أكسب وقت بس وأرتب طفشاني.. وأنت تخلص على الضحية الأخيرة بتاعتك. ​القا.تل ملامحه جمدت تماماً، وعينيه لمعت بـغل مريض وقال: —الضحية الأخيرة.. ​عاصم بص له بشغف وسأله: —ويا ترى مين بقى الضحية المحظوظة اللي هتقفل بيها الـ 24 ضحية وتفجر بيها الوزارة؟

​القـ.ـاتل من غير ما ينطق ولا كلمة، مد إيده على الطاولة ببطء، وسحب كارت لضحية معينة، ورفعه ووجهه ناحية عينين عاصم.. ​عاصم أول ما شاف الاسم والصورة المرسومة على الكارت، ملامحه اتمحت، المنديل وقع من إيده، ورجع خطوة لورا و قال : —لا.. مستحيل!! أنت اتجننت رسمي؟! ازاى هتنفذها وسط وجود كل الناس هناك؟! ……..

بعد ساعة كان آسر راجع من برا و معاه اوراق و دخل مكتب المديرية، قعد على الكرسي بعد ما أنهى مراجعة الملفات كلها بالكامل. كان بيضغط على راسه بقوة من شدة الصداع والتفكير المفرط، سحب ورقة بيضا وقلم، وبدأ يرسم مخطط شبكي معقد.. مخطط المشتبه بهم في القضية. ​رسم في نص الورقة دايرة وبدأ يفرع منه الأسماء وهو بيقول بصوت خافت: —اللي عليهم العين دلوقتي.. أسامة وده شيء أساسي و رئيسي في اللعبة، وكريم، ودينا، ومريم، وسليم!

​نفخ بضيق وضغط بالقلم على الورقة وكمل تفكير: —خمسة مشتبه فيهم بس.. بس أكيد لو حد فيهم طلع هو القـ.ـاتل، يبقى فيه ناس كتيرة اوي بتساعده تحت ومن ورا الستار عشان يمسحوا أي أثر للجـ.ـرايم دي كلها، وأكيد اللي اسمه عاصم ده كان بيغطي على نشاطه الإجـ.ـرامي…. دينا تقف قدامي بس هي وسليم وكريم، وهنفخهم.. هنفخهم واحد واحد لحد ما الحقيقة تظهر!

​في اللحظة دي، انقطع حبل أفكاره لأن الباب انفتح فجأة، ومراد دخل كالعادة من غير أي استئذان ولا خبط على الباب، وكان بيصفر بنغمة فرفشة وفرحة لا تليق بأجواء المديرية، عشان خلاص شكل سليم هيتنفخ رسمي جوا. ​مراد وقف بثقة وأدى التحية العسكرية وقال بابتسامة شمتانة: —تمام يا فندم.. الولا سليم برا ومستني يدخل، بس النونة مكسوفة تدخل ومستنية إذن سيادتك ، يختي عليها! ​بص له آسر بنظرة حادة وباردة تخرس أي حد، وقال برصانة:

—وأنت متكسفتش وأنت داخل من غير استئذان ليه؟ ​مراد حك قفاه ببرود وقال: —معلش يا باشا.. اتغطى وصوّت! ​آسر عقد حواجبه وقال بحدة: —إيه؟! ​مراد رجع خطوة لورا وقال بسرعة وهو بيعدل كلامه: —لأ ولا حاجة بهزر يا فندم.. كنت دايماً بقولها لياسين باشا الله يرحمه.. أدخله يا فندم؟ ​آسر نفخ بنفاذ صبر وقال: —دخله يا مراد. ​مراد مَضيعش وقت، لف ناحية الباب ونده بأعلى صوته: —سلييييم! .. أنت يا زفـ.ـت يا سليييم!

.. تعالى ياض آسر باشا عايزك! ​سليم دخل بسرعة والتوتر باين على ملامحه، وقف قدام مكتب آسر وعمل تعظيم سلام عسكري مظبوط وقال بنبرة جادة: —تمام يا فندم.. طلبتني، خير يا سيادة الرائد؟ ​مراد كان واقف في الجنب، وباصص لسليم بفرحة وشماتة تامة، ومال على مكتب آسر وقال بوشوشة وصوت مسموع: —أطلع أنا برا بقى يا باشا عشان تنفخه براحتك وعلى مية بيضا؟ بس وحياة امك يا فندم عايز أسمع صويته واصل لحد برا عشان أرتاح! ​سليم لف له ووشه احمّر

من الغيظ وقال من تحت ضرسه: —ما تظبط يا مراد في إيه! لم لسانك ده! ​مراد رفع راسه لفوق بمنتهى الكبرياء وقال: —سيادة النقيب مراد بعد إذنك.. اقف ثابت ياض وماتتكلمش في حضور الرتب الأعلى! ​هنا آسر جاب آخره من مناقرتهم دي، وهبد إيده بقوة وعنــ.ـف على المكتب لدرجة إن الأقلام اتهزت، وزعق فيهم وقال : —بسسس! .. اتلموا أنت وهو.. أنتم المفروض ظباط محترمين في مش عيال في حارة! ​بص لمراد اللي كان رايح ناحية الباب وقال بلهجة آمرة:

—خليك هنا يا مراد.. أنا عايزك في المكتب ومش هتخرج. ​مراد لف بسرعة وابتسامته رجعت تنور وشه تاني وقال بمنتهى السرور: —بس كدا؟ من عيوني يا عسل! .. اؤمرني يا فندم دا أنا تلميذك! بص آسر لمراد بقرف وضرب كف على كف وهز راسه بيأس وقال: —اقعد يا مراد.. اقعد وبطّل خفة دمك دي.

​مراد مر من جنب سليم، وبص له بغيظ وطلع له لسانه في خباثة، وراح قعد على الكرسي وفرد ضهره وحط رجل على رجل بمنتهى الارتياح. هنا سليم مقدرش يمسك نفسه من الحركات الطفولية دي، وضحك ضحكة مكتومة وسط الأجواء المشحونة والساكتة دي. ​آسر بص ليهم هما الاتنين بملامح حادة وقال: —ما تبس يا مراد.. اكتم بقا وخليك جاد شوية! مراد بص لسليم بغيظ و قال : —ما تكتم يا سليم ، صدعت الباشا! ​سليم كتم ضحكته بسرعة، و بص لآسر ،

وعدل وقفته وقال باحترام: —حاضر يا فندم.. اتفضل خير، تحت أمرك. ​آسر سَند ضهره لورا، وشبك صوابع إيديه وبص لسليم بصة حادة وقال له: —أنت كنت فين كل ده لما كان مراد معايا في المكتب هنا؟ وليه غبت الفترة دي كلها؟ ​سليم بلع ريقه وهرش في قفاه بتوتر وقال بتهرب: —لازم يعني يا باشا أقول كنت فين بالظبط؟ ​آسر هبد على المكتب خفيف وقال بنبرة حازمة: —أيوة يا حبيبي انطق.. كنت فين في وقت زي ده والمديرية مقلوبة؟! ​سليم اتلجلج وقال:

—ما هو.. أصل يعني.. ​مراد قاطعه بنفاد صبر وهو بيلوي بوزه: —يووووه! ما تنطق يا سليم وتخلصنا! ولا تحب أتبرع أنا وأقول كنت فين وعامل إيه بره؟ ​آسر لف راسه بسرعة لمراد وعينيه ضيقت بشك وقال: —أنت عارف كان فين يا مراد؟ ​مراد رد بتلقائية شديدة ومن غير ما يفكر: —طبعاً يا باشا عارف.. وعارف البير وغطاه كمان! ​في اللحظة دي، نظر آسر بشك مريب ليهم هما الاتنين تاني، وحس إن مراد

—رغم إن تم إثبات براءته في اختبار الظرف الأحمر من شوية —ممكن يكون برضو ليه علاقة بالموضوع أو بيغطي على سليم في حاجة كبيرة! ​لكن مراد كمل كلامه بتلقائية وفضح سليم ببرود وقال: —كان النونة بيجيب مرطب و روج لأخته! الحقونا يا ناس.. راجل طول بعرض شحط كدا، يدخل الصيدلية ويقف قدام الدكتور ويطلب مرطب و روج! هيهيهي شكلنا بقا زفت قدام قطاع القاهرة كله! ​سليم وشه احمر دم من العصبية والإحراج، ولف لمراد وزعق بفقدان أعصاب:

—مش روج يا فالح يا جاهل أنت! دي زبدة كاكاو! وأنا يستحيل أخلي أختي تحط روج أصلاً وتخرج بيه! وبعدين المرطب ده غالي وماركة مش أي كلام يا جاهل! ​سليم كان هينفجر في مراد ويقوم يضربه في المكتب، وآسر قاعد بيتفرج على غسيلهم اللي اتنشر قدامه، فضرب كف على كف وقال بذهول: —لا حول ولا قوة إلا بالله.. إحنا في مديرية أمن ولا في فين بالضبط؟! ​بص آسر لمراد بعمق، ولقى نظرة الصدق العفوية في عينه، وتأكد إن مراد مش بيكذب ولا بيمثل.

نفخ بضيق وبص لسليم وقال بنبرة شبه مصدومة: —بجد يا سليم؟ أنت سايب القضية ورايح تشتري زبدة كاكاو؟! ​سليم وطى راسه في الأرض بإحراج شديد وقال بصوت واطي: —آه يا فندم.. إيوة معلش، زوغت من الشغل نص ساعة عشان ألحق الصيدلية قبل ما تقفل وأجيبها لأختي عشان كانت مصدعاني…. طالب القصاص من سعادتك.

​رغم إن الحكاية كدا تبان تافهة، بس آسر مقتنعش تماماً بالدوافع دي؛ عقله البوليسي قال ما يمكن سليم عمل نفسه بيشتري حاجة كحُجة و قال لمراد كدا ، وراح في الحقيقة لمكان تاني خالص، أو قرر يعمل جريمة أو يقابل حد من المساعدين! ​نفخ آسر بقوة، وكان لسه هيوجه له سؤال ثعباني يزنقه بيه في الوقت والمكان، لكن فجأة.. الباب اتفتح بعنـ.ــف من غير خبط ، والعسكري دخل وهو بينهج ووشه أصفر زي الليمونة، وعينيه بتترعش

من الرعب وزعق بأعلى صوته: —الحقنا يا فندم!! مصيبة.. مصيبة حلت علينا في المديرية!! سليم شهق بصدمة وحط إيده على صدره وقال بلهفة: —يا لهوي! أوعى يكون كيس الصيدلية اللي أنا لسه مشتريه اتسرق؟! ​مراد بص له بشماتة وفرحة تامة ولوى بوزه وقال: —أحسن! تستاهل عشان تزوغ تاني وتسيب المديرية غرقانة في دمها! ​آسر عروق جبهته برزت من برودهم، وقام وقف وهبد على المكتب بنفاذ صبر وزعق في العسكري: —اخلص ياض فيه إيه؟!

انطق وقول المصيبة دي إيه هي! ​العسكري بلع ريقه بتوتر ورعب، وصوته كان بيرتعش وهو بيقول: —الدكتورة دينا اتقتلــ.ـت يا باشا! اتقتلــ.ـت وهي بتشرح جثـ.ـة الست سلوى في المـ.ـشرحة.. ماتت متصـ.ـفية، وكان آخر حد عندها جوة هو الدكتور كريم، وشكله كدا هرب بعد ما خلص عليها، وسيادة الرائد ياسين باشا قلب الدنيا وخرج وراه بالقوة فورا!

​آسر بص للعسكري بهدوء ، وهو بيفتكر المخطط اللي لسه راسمه في الورقة البيضا.. دينا اللي كان مستنيها تقف قدامه انضمت للضحايا! ​في اللحظة دي، مراد اتنطط من على الكرسي ووقف في نص المكتب، وملامحه الشمتانة اختفت تماماً وحل مكانها الذهول، وشهق وقال بصوت عالي: —البومة ماتت؟! …………

على حتة تانية اسود ، كريم كان واقف قدام الكورنيش، الهوا البارد بيخبط في وشه، ودموعه نازلة بغزارة ومن غير أي صوت. سَند إيديه الاتنين على السور الحديدي، وظهره انحنى بضعف مكسور، وقال بصوت مليان قهر وعجز: —يا رب.. يا رب أنا مبقتش متحمل كل ده.. فوق طاقتي والله العظيم!

​وفجأة، وسط سكون الليل وهدوء الكورنيش، انشق الصمت بصوت سارينات بوليس مرعبة وصوت فرامل عجل في الأرض بعـ.ـنف. كريم لف راسه ، لقى نفسه محاصر بالكامل.. عساكر كتير وقوات أمن مركزي نازلين بأسلحتهم وبيجروا عليه من كل اتجاه، وفي آخر العربيات، وقفت عربية ياسين .

​الباب اتفتح بعنـ.ــف، ونزل منه ياسين وعينيه حمرا زي الدم والشرار بيطلع منها. تقدم بخطوات سريعة وزي الإعصار، وقبل ما كريم ينطق بحرف واحد، ياسين عجنه ببوكس غشيم وقوي في وشه، خلى كريم يفقد توازنه ويقع على الأرض الصلبة، وبقه جاب دم. ​ياسين وطى عليه، ومسكه من لياقة قميصه بكل غل، وهزه بعنـ.ـف وهو بيزعق في وشه بأعلى صوت عنده وعروق رقبته هتنفجر: —انطق يا مجـ.ـرم! .. انطق واعترف بكل حاجة خلاص كرتك ظهر ولعبتك اتكشفت!

​كريم كان لسه في حالة ذهول، بيمسح الدم اللي نازل من بقه ومش مستوعب الضرب ولا الحصار ولا الهجوم ده كله، وبص لياسين برعب وقاله : —خير يا سيادة الرائد؟! في إيه بالظبط وأنا عملت إيه لكل ده؟! أنا جاي هنا أشم هوا من خنقتي! ​ياسين ضحك ضحكة سخافة وسخرية مليانة غيظ، وقال له بصوت جهوري هز الكورنيش: —عملت إيه يا روح أمك؟! قتـ.ـلت دينا! قتـ.ـلت الدكتورة دينا في المشـ.ـرحة بعد ما صفيت أمك، وجاي تعمل عليا عبيط هنا؟!

أنت مش عارف أنت عملت إيه بالظبط؟! ​كريم الصدمة نزلت عليه زي الصاعقة، عينه برقت على آخرها، وملامحه اتمحت منها أي تعبير غير الذهول التام، وصرخ برعب وهو مش مصدق ودانه: —إيه؟! دينا اتقتلــ.ـت؟! ………… في المديرية ، ​مراد حط إيديه على راسه و قال : —ينهار أزرق! .. ماتت؟! ماتت بجد يا جدع؟! وفجأة ملامحه اتغيرت ولوى بوزه وبص لسليم وقال : —بس اتصدق؟ أحسن برضه!

أهو غارت في ستين مصيبة تاخدها، يا ساتر دي كانت بومة ووشها يقطع الخميرة من البيت! ​آسر مسمعش كلام مراد أصلاً، كان قاعد على الكرسي وماسك راسه بكل قوته ، وفجأة قام وقف وزعق في العسكري و قال: —بسرعة!! اخرج قول للظباط التانيين يتحركوا فوراً ويلحقوا جثـ.ـة دينا وسلوى في المشـ.ـرحة قبل ما حد يلمسهم أو يلعب في المكان! وعايز طبيب شرعي متخصص ومن برا المديرية و من برا المحافظة اصلا وبسررررعة.. اخلص!! ​العسكري ضرب

التحية برعب وهو بيترعش: —حاضر يا فندم.. حاضر! (وجرى برا الأوضة) ​آسر بدأ يلف في المكتب رايح جاي زي ، أفكاره بتضرب في بعضها واللغز بيكبر، وفجأة.. حبل أفكاره وقف أول ما عينه جت على سليم اللي كان لسه واقف قدامه ومبرق. ​بص له آسر بنظرة خبيثة وثاقبة، وضيق عينيه بذكاء مريب وقال له بصوت هادي: —هو فين الكيس اللي أنت لسه مشتريه من الصيدلية يا سليم؟ ​سليم اتنفس براحة وحط إيده على قلبه وقال:

—في مكتبي يا باشا.. الحمد لله المرطب وزبدة الكاكاو متسرقوش، دا أنا دافع فيهم دم قلبي! ​آسر ضيق عينيه أكتر ، وقال بنبرة آمرة: —طيب.. أنا عايز أشوف الكيس ده، وريني مكتبك يا سيادة الملازم. ​لمعت عيون سليم بالفرحة وافتكر إن آسر بيهزر معاه أو هيسيبه يمشي، فقال بتلقائية وفرفشة: —يا سلام! اتفضل يا باشا دا مكتبي يضلم.. قصدي ينور بوجودك طبعاً! بس قولي يا فندم، إيه الرقة دي؟

أوعى بس تاخد الكيس ده مني، دا بالشئ الفلاني وماركة غالية أوي! ​بص له آسر بقرف وجمود مفيهوش أي مكان للهزار، واتحرك بخطوات واسعة وصارمة لبرة الأوضة وتوجه مباشرة لمكتب سليم، ومراد وسليم ماشيين وراه. مال مراد على سليم بغيظ و قاله: —كنت مستني الماتش يحصل و تتنفخ جوا ! بس حصل خير ان شاء الله تنزل مصيبة على نفوخك و ينفخك من ازل و جديد ! بص له سليم بغيظ و طلع لسانه

​دخل آسر المكتب، لقى كيس الصيدلية الأبيض ملقي على التربيزة فعلاً. قرب منه ببطء يحبس الأنفاس، ومد إيده وسحب الكيس.. فتحه وبص جواه.. ​ملامح آسر اتمحت تماماً، وعينيه برقت بصدمة وغضب عارم؛ ملقاش جوه الكيس لا مرطب ولا زبدة كاكاو.. لقى أداة معدنية حادة جداً، غرقانة بدم دافي وسايل لسه منشفش! نفس الأداة اللي اتصفـ.ـت بيها رقبة الدكتورة دينا و باقي الضحايا !

​لف آسر راسه ببطء مرعب.. ببطء يقطع الأنفاس، وثبّت عيونه الصقرية في عيون سليم اللي واقف متوتر.. ​وهنا.. ينتهي البارت التاسع ! ​………. —🕵️‍♂️ بارت هادي 🌝 بحب العب باعصابكم اوي 😂😂 ، ويا رب يكون البارت عجبكم يا حبايبي.. خلاص اللعبة بتفنش والستارة قربت تنزل، للاسف مينفعش أكروت أي تفصيلة لأن كل كلمة وكل مشهد دلوقتي بيحركوا خيوط لغز الـ ٢٤ ضحية! ​شاركوني توقعاتكم بقا اللي بتفرحني اوي : * ​سليم!

يا ترى سليم هيعمل إيه بعد المصيبة اللي ظهرت في مكتبه؟ وهل ممكن يكون كل ده لعبة وفخ ذكي من آسر الثعلب عشان يوقعه؟ ولا سليم مظلوم وحد بيلبسه القضية؟ و لاسر ليه علاقة بكل ده اصلا ؟!!!!! * ​كريم! هل كريم فعلاً ليه علاقة مباشرة بكل المـ.ـجازر دي؟ ولا هو مجرد ضحية تانية اتنططت في النص واتلعب بيها؟ * ​ومريم! .. مريم اللي قاعدة في المكان المتأمن في المديرية، يا ترى بتعمل إيه دلوقتي؟

* ​الضحية الجديدة.. مين الضحية الأخيرة المرعبة اللي صدمت عاصم وخليته يقول “مستحيل تنفيذها وسط كل الناس”؟!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...