رواية بعد ما اتقابلنا انكتب الفراق الجزء الخامس 5 بقلم محمد منصور بعد ما اتقابلنا انكتب الفراقرواية بعد ما اتقابلنا انكتب الفراق الحلقة الخامسة ويتجهوا ناحية باب المكتب، وسليمان بإيده المرتعشة يفتح الباب… وفجأة… يتجمد الكل في مكانه. دنيا كانت مشنوقة… جسدها متدلي من حبل مربوط في نجفة المكتب، ووشها شاحب كأنه فقد آخر ذرة حياة. عفاف شهقت شهقة قطعت القلوب، وصرخت بأعلى صوتها: دنياااا… بنتي!
وانهارت على الأرض وهي بتصرخ بجنون، فجريت نيفين عليها، حضنتها وهي بتحاول تهديها، لكن مفيش أم تقدر تستوعب المنظر ده. أما سليمان… فكان واقف مكانه، مصدوم، عينيه معلقة بدنيا، وكأنه رافض يصدق اللي شايفه. وفجأة لمح ورقة مربوطة في إيدها. وفي نفس الوقت، كريم طلع على السلم اللي جنب الجثة، وفك الحبل من النجفة، وبعدها نزل هو وسليمان جثة دنيا بكل هدوء، وكأنهم خايفين يوجعوها… رغم إنها خلاص فارقت الحياة.
فتح سليمان الورقة بإيدين بترتعش، وبدأ يقرا المكتوب… وكان الخط… خط دنيا. «”أنا هنتحر، عشان مريضة بمرض خبيث مش هقدر أقاومه، وهكون سبب في العذاب والحزن لكل اللي حواليا… لكن بموتي هارتاح، وأريح كل اللي بيحبوني.”» أول ما خلص قراية… ضم جثة دنيا لصدره بقوة، وسكت… ولا كلمة خرجت منه. كان باصصلها بعيون مليانة انكسار، وكأن عقله رافض يصدق إنها خلاص راحت. وفي الناحية التانية، كانت عفاف بتبص لبنتها وهي بتصرخ من قلبها:
حرام عليكي يا بنتي… ليه؟ ليه تموتي نفسك؟ ليه تقابلي ربنا بالطريقة دي؟ وسليمان فضل محتضن دنيا، ودموعه كانت بتتكلم بدل أي كلام. وفجأة… عفاف حطت إيدها على صدرها، واتوجعت جامد. نيفين جريت عليها وهي بتصرخ: طنط… مالك؟! فوقي! لكن بعد لحظات قليلة… أسلمت عفاف الروح. قلبها مقدرش يستحمل صدمة موت بنتها، وفارقت الحياة بسكتة قلبية. في دقائق معدودة… البيت فقد الأم والبنت. ومن داخل غرفة تغسيل الموتى…
كانت المغسلة بتجهز عفاف للقاء ربها. وفجأة اتفتح الباب، ودخلت شيرين. أول ما شافت أمها مسجاة قدامها، جريت عليها، ارتمت في حضنها وهي بتبكي بانهيار: ماما… هتسيبيني لمين يا ماما؟ والله لو كنت أعرف إن ده هيحصل، ما كنتش سافرت وسيبتك… سامحيني يا ماما… سامحيني. وانفجرت منها صرخة هزت المكان كله. المغسلة قربت منها، حضنتها، وقالت بحنان: كفاية يا بنتي… حرام عليكي. ادعيلها، هي محتاجة دعاكي أكتر من عياطك.
فضلت شيرين تبكي وهي باصة لأمها. فقالت لها المغسلة بهدوء: أختك دنيا بتتغسل في الأوضة اللي جنبنا… لو حابة تودعيها، روحي لها. شيرين بصتلها… لكن ما ردتش بكلمة. واتدفنت دنيا وأمها في نفس اليوم… وجنازتين خرجوا مع بعض. وكان سليمان واقف يتلقى العزاء في الاتنين، ووشه فقد أي إحساس. وبعد ما الناس كلها مشيت… قرب منه كريم وقال بهدوء: يلا بينا؟ رد سليمان بصوت كله حزن: خد نيفين وامشي… أنا هستنى شوية. قال كريم: براحتك… بس ما تتأخرش.
ومشي هو ونيفين. أما سليمان… فقعد قدام قبر دنيا، ودموعه بتنزل من غير ما يحس. وبص للقبر وقال بصوت مكسور: ليه يا دنيا؟ ليه حرمتيني منك؟ مرض إيه اللي يخليكي تعملي في نفسك كده؟ ليه تموتي الموتة البشعة دي؟ ربنا يسامحك… وجعتي قلبي عليكي. وفجأة… حس بحد قعد جنبه. لف لقى شيرين. حطت إيدها على كتفه وقالت بهدوء: إزاي سابتك ومشيت؟ لو كانت بتحبك بجد… كانت استحملت أي حاجة عشانك. بصلها باستغراب وقال: هو إنتِ لسه هنا؟ ابتسمت وقالت:
استنيتك… عشان نمشي سوا. وقربت منه أكتر، وبصت في عينيه بنظرات غريبة. فسليمان اتراجع لورا وهو مستغرب: إنتِ عايزة إيه مني؟ مدت إيدها ولمست شعره برقة مصطنعة، وقالت: عايزاك… سليمان زق إيدها بعيد بعصبية، وقال وهو واقف: إنتِ اتجننتي؟! أمك وأختك لسه مدفونين النهارده، وإنتِ بتقوليلي الكلام ده؟! حتى لو ميفرقوش معاكي… احترمي حرمة المكان اللي إحنا فيه. ضحكت شيرين بمنتهى البرود، وقالت:
اللي مات… مات. وإحنا لبعض… وبكره هتفتكر كلامي. وغمزتله بابتسامة مستفزة، ولفت ومشيت. فضل سليمان يبصلها باشمئزاز، وقال لنفسه: إزاي دي تبقى أخت دنيا؟! أعوذ بالله… شكله كريم كان عنده حق. البنت دي عمرها ما كانت بتحب أختها… بس ليه؟ إيه اللي مستخبيه وراها؟ ثم رجع بعينيه لقبر دنيا. طلع المصحف من جيبه، وقعد يقرأ ما تيسر من القرآن، والدموع بتنزل في صمت. ولما قام يمشي… كان كل كام خطوة يلتفت يبص للقبر، وكأنه لسه مستني معجزة…
مستني دنيا تقوم، تمسك إيده، وترجع تكمل معاه الحياة اللي كانت لسه في أولها.،،، رجع سليمان للفيلا، ودخل وهو تايه، وقفل الباب وراه بهدوء. طلع على أوضة نومه، فتح الباب، ورمى نفسه على السرير وهو مهموم، وعقله مشغول بكل اللي حصل. كان لسه مش قادر يستوعب إن دنيا… انتحرت. غمض عينيه للحظات، لكن فجأة فتحهم مرة واحدة، وكأن فكرة ضربت دماغه. قام بسرعة من على السرير، ونزل جري على المكتب… نفس المكان اللي لقى فيه دنيا.
بدأ يدور في كل ركن، لحد ما لمح الورقة اللي كانت مربوطة في إيد دنيا مرمية تحت المكتب. انحنى، ومد إيده جابها، وفضل يبصلها بتركيز شديد، وكل ثانية كانت بتأكدله إن فيه حاجة غلط. طلع موبايله بسرعة واتصل بكريم. أول ما كريم رد، قال سليمان بلهفة: كريم… إنت فين؟ رد كريم: في البيت. قال سليمان بحزم: أنا جايلك حالًا. وبعد حوالي ساعة… كان سليمان قاعد في شقة كريم، وقدامه كريم ونيفين. حط الورقة على الترابيزة، وقال وهو بيبصلهم:
ركزوا في الورقة دي كويس. مسكها كريم هو ونيفين، وفضلوا يبصوا فيها. قال كريم: مالها؟ أنا مش شايف فيها أي حاجة غريبة. رد سليمان: أنا شايف فيها أكتر من حاجة. أولًا… الورقة دي مقطوعة من أجندة بتاريخ من سنة كاملة… نفس الفترة اللي ظهرت فيها نتيجة تحاليل وأشعة دنيا، وعرفت وقتها إنها مريضة بالسرطان. وسكت لحظة، ثم أكمل:
ثانيًا… أنا معنديش أصلًا أجندة بالشكل ده في المكتب. يبقى الورقة دي كانت مكتوبة من زمان واتسابت لفترة طويلة، والدليل إن لونها متغير. ثم رفع عينيه إليهما وقال: وثالثًا… بنت كانت طايرة من الفرحة، وبتجهز لفرحها، ومستنية تعيش مع الإنسان اللي بتحبه… تصحى الصبح فجأة تقرر تنتحر؟ مش غريبة؟ بصتله نيفين باستغراب وقالت: إنت عايز تقول إيه؟ أنا مش فاهمة. رد سليمان بصوت ثابت: عايز أقول إن دنيا… ما انتحرتش. اتسعت
عينا كريم من الصدمة وقال: إيه؟! قال سليمان: أيوه… دنيا اتقتلت. وحد حاول يلبسها قضية انتحار. وأنا لازم أعرف مين اللي عمل فيها كده. ثم وقف واتجه ناحية الباب. سأله كريم بسرعة: رايح فين دلوقتي؟ رد سليمان: رايح أبلغ البوليس قال كريم بقلق: إنت عارف ده معناه إيه؟ هز سليمان رأسه وقال: عارف… هيطلعوا جثة دنيا من القبر، ويعيدوا تشريحها. لكن دي بقت جريمة قتل، ومينفعش أسكت. وبالفعل…
حرر سليمان بلاغًا رسميًا، وتم استخراج جثة دنيا من قبرها، وإرسالها إلى الطب الشرعي لإعادة فحصها. وفي الوقت نفسه، بدأت المباحث تحرياتها لكشف الحقيقة… هل ماتت دنيا منتحرة… أم مقتولة؟ واستدعت المباحث شيرين للتحقيق معها. وبعد استجوابها والتأكد من تحركاتها، ثبت بالأدلة إنها كانت خارج القاهرة وقت وقوع الحادث، فتم استبعادها مؤقتًا من دائرة الاتهام. وبعد أيام… صدر تقرير الطب الشرعي.
وجاء فيه أن هناك خدشًا واضحًا في ظهر دنيا، لم يستطع الطبيب تحديد سببه بشكل قاطع، لكنه أشار إلى احتمال حدوث احتكاك أو مقاومة قبل الوفاة. كما أوضح التقرير أن وجود هذا الأثر لا يستبعد وجود شبهة جنائية. ورجحت التحريات أن الجاني ربما باغت دنيا، ولف الحبل حول رقبتها حتى فارقت الحياة، ثم علق جثتها في النجفة، ووضع الورقة في يدها ليبدو الأمر وكأنه انتحار. وبينما كان سليمان ينتظر القبض على القاتل… وقعت الصدمة. فجأة…
صدر قرار بحفظ القضية، وقيدت رسميًا ضد مجهول باعتبارها حالة انتحار. من غير أي تفسير مقنع. جن جنون سليمان، واقتحم مكتب ضابط المباحث وهو يصرخ: يعني إيه؟! الأول تقولولي فيه شبهة جنائية، وبعدها تقفلوا القضية وتقولوا انتحار؟! رد الضابط ببرود: مش من حقك تسأل. التقرير النهائي قدامك… القضية اتقفلت. وياريت تمشي بدل ما أضطر أحبسك. اندفع سليمان ناحية الضابط، لكن كريم أمسكه بسرعة وأبعده عنه وهو بيقول:
إحنا آسفين يا فندم… حقك علينا. وسحب سليمان بالقوة وخرج بيه من القسم. أول ما خرجوا، قال كريم بغضب: إهدى بقى! آخر العصبية دي إيه؟ كنت هتدخل نفسك الحبس! لكن سليمان كان بيغلي من جواه، وقال: يعني أدفنها للمرة التانية من غير ما أعرف مين قتلها؟! رد كريم وهو بيحاول يهديه: هنجيب حقها… سواء كانت فوق الأرض أو تحتها. لكن حرام تفضل جثتها برا. إكرام الميت دفنه… وبعدها نقلب الدنيا كلها لحد ما نوصل للي عمل فيها كده.
سكت سليمان للحظات… وبص في الفراغ. قال بصوت مليان قهر وإصرار: أقسم بالله… لو الدنيا كلها وقفت ضدي، مش هرتاح غير لما أعرف مين قتل دنيا… وآخد حقها بإيدي.، ومن داخل فيلا اللواء فؤاد… ومن داخل غرفة النوم، كانت شيرين بين أحضانه، وهو بيبصلها بابتسامة رضا ويقول: أي خدمة يا قمر… القضية اتقفلت، وبقت رسميًا انتحار. ضحكت شيرين بدلع، وبصتله وقالت: ربنا يخليك ليا يا فؤش… هو أنا بدلع غير على حسك إنت؟ ابتسم فؤاد وقال:
طول ما إنتِ مدلعة فؤاد… فؤاد هيفضل يدلعك. حضري نفسك بقى، عندنا سهرة بكرة مع رجل الأعمال مشهور خميس. ابتسمت شيرين وقالت: من عيوني. سألها وهو بيراقب ملامحها: وإيه أخبارك مع سليمان؟ مش ناوية تخليني أشم ريحة فلوسه؟ ابتسمت شيرين ابتسامة كلها خبث وقالت: شوية بس… دماغه ناشفة، ومش سهل يتضحك عليه. ضحك فؤاد وقال ساخرًا: معقول شيرين مش قادرة على راجل زي سليمان؟ ردت بثقة:
حبه لدنيا هو اللي معطلني… لكن هييجي اليوم اللي يبقى فيه كله ليا. سألها وهو يضحك: ولسه برضه ناوية تتجوزيه؟ قالت وهي ترفع حاجبها: طبعًا… أومال كل اللي عنده هيبقى ملكي إزاي؟ انفجر فؤاد في الضحك. بصتله شيرين باستغراب وقالت: بتضحك على إيه؟ قال وهو بيحاول يسيطر على ضحكته: أصل متخيل شكل صاحبنا سليمان ليلة الدخلة… لما يكتشف الحقيقة. ابتسمت شيرين ابتسامة غامضة وقالت: وهو لازم أصلًا يدخل عليّ وهو في وعيه؟ رفع
فؤاد حاجبه وقال وهو بيضحك: إنتِ شيطانة… ضحكت شيرين وقالت بثقة: أومال فاكرني إيه؟ وتمر الأيام… كان سليمان قاعد لوحده في الفيلا. الهدوء حواليه كان مرعب، وكل ركن فيها بيفكره بدنيا. كل يوم كان بيرجع يعيد نفس المشاهد في دماغه… كلام دنيا عن شيرين… إحساسها الدائم إن أختها عمرها ما حبتها… نظرات شيرين ليه… سفرها المفاجئ وقت الفرح… وبرودها الغريب بعد وفاة أمها وأختها. كل تفصيلة كانت بترجع قدامه من جديد. وفي كل مرة…
كان الشك بيكبر. لحد ما الشك اتحول ليقين. وبقى مقتنع إن شيرين هي أكتر واحدة استفادت من موت دنيا… وإن اللي حصل مستحيل يكون مجرد انتحار. وفجأة… رن جرس الفيلا. رفع سليمان عينيه ناحية الباب وقال لنفسه: أكيد كريم. قام وفتح الباب… لكن أول ما الباب اتفتح، اتفاجئ. شيرين كانت واقفة قدامه. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: بنت حلال… أنا كنت لسه بفكر فيكي. دخلت شيرين من غير استئذان، وهي بتبصله بنظرات مليانة ثقة، وقالت:
وأنا جيا عشانك… من بعد موت ماما بقيت عايشة لوحدي، والوحدة صعبة أوي… وإنت أكتر واحد عارف الإحساس ده. ساب سليمان باب الفيلا مفتوح، وفضل متابعها بعينيه وهي قعدت على الكنبة. وقال بهدوء: مش مامتك بس اللي ماتت… دنيا أختك كمان ماتت. ردت شيرين بمنتهى البرود: وماله… دنيا كمان ماتت. ربنا يسامحها بقى. اصل اللي انا اعرف ان اللي بيموت منتحر يبقي كافر تأملها سليمان للحظات، ثم قال بنبرة حاسمة:
إنتِ غلطانة… دنيا ما انتحرتش. دنيا اتقتلت. بصتله شيرين باستغراب مصطنع وقالت: بجد؟ أصل الحكومة بتقول غير كده… هتكذب الحكومة؟ وقف سليمان من مكانه وقال بهدوء غريب: تشربي حاجة؟ ابتسمت وقالت: أي حاجة ساقعة. دخل سليمان المطبخ. فتح أحد الأدراج… وتوقفت عينه على شيء في الداخل. مد إيده نحوه ببطء… وفي اللحظة دي، كانت أنفاسه بتعلى، وعينيه مليانة غضب وقهر، وهو بيفتكر آخر مرة شاف فيها دنيا. قبض على الشيء اللي قدامه بقوة…
ثم لف وبص ناحية الصالة. شيرين كانت قاعدة بكل هدوء… ولا تعرف إن في عقل سليمان عاصفة من الأسئلة والغضب والانتقام. بدأ يتحرك ناحيتها خطوة… ورا خطوة… والتوتر كان بيزيد مع كل ثانية… أما شيرين… فما زالت مبتسمة… غير مدركة لما قد يحدث في اللحظة التالية.،،،،، …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!