تحميل رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز pdf
بقلم رشا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز.
الفصل 1
تعاقبت تلك السنين ومرت بحلوها ومرها، تبتسم لنا يوماً وتعبس آخراً، فخالط الشيب شعرنا وتجعد جلدنا، لكننا لم نفلت تلك الأيدي التي تمسكت بنا، ولم تتوقف تلك القلوب التي عشقت قربنا عن النبض بذلك الحب الذي خط طريق تلك الحياة وأضاءها لنسيرها معاً.
احتدم النقاش بينهم وتعالت الأصوات والأفكار المتناقضة، كل له وجهة نظره الخاصة. هزت رأسها بقلة حيلة؛ فذلك العنيد لازال يصر على وجهة نظره رغم أنها قد تناقشت معه كثيراً ووضحت له أسبابه، لكنه لم ييأس في إقناعها. ابتسامة جانبية زينت ثغرها وهي تجده يقف لها الند بالند، تعلم أنه ورث هذه الخصلة منها.
-"ما أنا قولتلك يا بني الموضوع دا أنا مش هقدر أعمله كدة، معناه إني هقصر على الكل؛ البيت والجامعة والمستشفى، أو إني أضحي بوجودي في الجامعة، وبصراحة أنا مش مستعدة لدا، أنا مرتاحة كدة."
زفر أنفاسه بعدم اقتناع وعاد يجد لها الحلول المناسبة عله يستطيع إقناعها، سند مرفقيه على فخذيه وبدأ يشرح لها بروية:
"بصي يا ماما، أنتِ ممكن تختصري أوقات العيادة على تلات أيام بس وتنسقيه مع شغلك في المستشفى."
توقف وعيناه مسلطة عليها يراقب إجابتها، لكنه استرسل عندما وجد استمرار صمتها:
"ماما، العيادة هتفرق معاكِ كتير، أنتِ اسمك معروف دلوقت والناس بقت تجيلك المستشفى بالاسم."
"سيف عنده حق يا ماما، اختصاصك مرغوب ويجنن وأنتِ شاطرة أوي ما شاء الله عليكِ."
التفت نحو شقيقته مبتسماً عندما أيدت حديثه، ورمش بعينيه يومئ لها لكي تسانده وتساعده على إقناعها:
"فعلاً قمر عندها حق، أنتِ شاطرة والعيادة هترفع اسمك وتثبت وجودك."
"أيوة يا ماما اسمعي كلام سيف، اختصاص الجلدية دلوقت بيدخل معاه الحقن والفلر والنضارة، يعني حاجة بقت مطلوبة خصوصاً الأيام دي، فكري يا ماما."
ساد الصمت لحظات، فتحركت حدقتاها يميناً ويساراً حتى انفرجت شفتاهما بابتسامة انتصار ظناً منهما أنها تفكر بكلامهما وربما قد اقتنعت، لكنها خيبت ظنهما عندما وزعت نظراتها بينهما وقالت ببرود أغاظهما:
"مقتنعتش.. الحكاية محتاجة وقت ومجهود وأنا مش مستعدة."
طالعها بنظرة يأس وعاد يبدأ محاولاته من جديد، لكن صوت قدوم والده وشقيقه أوقفه.
"خلاص يا سيف أنا مش مقتنعة."
هكذا أنهت جدالها معه، فصوت صاحب الخطوات القادمة شتت تفكيرها وجعل قلبها ينبض شوقاً لرؤيته واستقباله؛ تلك السنين الماضية أضافت متانة لذلك الحب وازداد تعلقهم ببعضهم.
لكن هناك خطوات مسرعة سبقت خطوات حبيبها لتجد ذلك المشاكس يقترب منها هاتفاً:
"دكتورة قلبي!" (رشا عبد العزيز)
وانحنى يقبل رأسها يخبرها من بين قبلاته:
"وحشتيني.. عاملة إيه يا قمر؟"
بادلته الابتسامة ويدها تتحرك على ساعده، فآخر أولادها "شريف" يمتلك لساناً معسولاً ويجيد الحديث بلغة "ولاد السوق" كما تصفه، فعمله مع والده أكسبه الخبرة واللباقة في الكلام.
"الحمد لله.. يا حبيبي."
"مساء الخير."
خفق قلبها لسماع صوته قبل أن تراه، وزينت ثغرها ابتسامة مرحبة. أشار لولده بالابتعاد عنها قائلاً بمزاح اعتادوا عليه:
"ابعد يا ولد عن حبيبتي."
ابتعد يلوح له معتذراً بحركة مضحكة ما جعل أشقاءه يبتسمون لفعلته وهو يعود إلى الوراء:
"أسف يا كبير، حقك عليا، تعديت الخطوط الحمراء والملكيات الخاصة."
"أيوة كدة الزم حدودك."
قالها فارس يشير له بالابتعاد والجلوس بجانب شقيقته التي اصطدم بجسدها بحركته المعاكسة، لتضرب كتفه تمازحه بسخرية، ليكشر وجهه بضيق لفعلتها وأبعد يدها بحنق جعلها تضحك على مظهره قبل أن تجلس تربع قدميها على الأريكة بجانبه.
اقترب فارس يجلس بجانب حبيبته يضمها ويقبل وجنتها بحب وهي ترحب به:
"الحمد لله على السلامة يا حبيبي."
"الله يسلمك يا روحي، عاملة إيه؟"
"الحمد لله."
استرخى بجلوسه بجانبها ويده تأسر جسدها لينظر إلى ولده الجالس بالقرب منها:
"أزيك يا دكتور؟"
ابتسم سيف لوالده الذي يحب دوماً مناداته بلقبه العلمي، يعلم شدة فخره به فلطلما كان يخبره بذلك:
"أهلاً يا بابا، الحمد لله يا حبيبي أنا بخير طول ما أنت بخير."
"تسلم يا بني.."
ثم أردف يعاتبه:
"طولت علينا المرة دي، بقالي يومين ماشفتكش."
أجابه متأسفاً يفسر له سبب غيابه:
"معلش يا حج حقك عليا، كان عندي نبطشية."
حرك رأسه بتفهم:
"ربنا يقويك يا بني."
انتقلت عيناه مرة أخرى نحو حبيبته يسألها بلهفته المعتادة وصوت خافت:
"عاملة إيه يا مشمش؟ وحشتيني."
رفعت عينيها نحوه تخبره بذات الصوت
المنخفض، رافقتها تلك الابتسامة التي يعشقها: ((رشا عبد العزيز)
"الحمد لله.. وأنت كمان وحشتني أوي."
استغل سيف وجود والده ومعرفته بتأثيره عليها لكي يطرح فكرته، ربما يستطيع هو إقناعها، ليسرع في سؤاله:
"بابا إيه رأيك؟ كنت بحاول أقنع ماما إنها تفتح عيادة."
كان مندمجاً في الهمس معها وتأملها وهي تجيبه وتسأله إذا كان يريد تناول العشاء أو رغبته بشيء آخر عندما سمع سؤال ولده، ليخطف نظرة نحوه ويعود إلى النظر إليها يتحرى صدق ما سمعه ويعطيها رأيه الداعم في أي قرار:
"حبيبتي أنا ماعنديش مانع، اللي تأمري بيه؛ أحسن عيادة وفي أرقى مكان لو تحبي، اختاري أنتِ بس وميهمكيش."
تعلقت عيناها به وقلبها ينبض بحبه، ينعشها كلامه ومساندته لها في تحقيق أحلامها، عيناه التي تؤكد لها أنه معها وتسبق لسانه في دعمه وتشجيعه، فنظراته كانت رسائل صادقة أحاطتها ومنحتها قوة ومؤازرة. ضمت نفسها إليه، تسند رأسها على كتفه بعد أن فشلت الكلمات في التعبير عن مشاعرها، حتى أفسد اندماجهم ما قاله سيف:
"بس ماما مش موافقة ورافضة الفكرة."
عقد حاجبيه في دهشة ليمسك كفها ويسألها متحرياً:
"الكلام دا صحيح؟ طب رافضة ليه يا مشمش؟"
عيناها التي لم تحِد عن ناظريه رمشت أخيراً واعتدلت في جلوسها لتوضح له وجهة نظرها:
"حبيبي العيادة هتسبب ليا ضغط في الوقت ومحتاجة مجهود إضافي أنا مش هقدر عليه كدة، أنا مش هعرف أوفق بينها وبين المستشفى والبيت والجامعة."
لكن عاد ذلك العنيد لمحاولاته أمام والده عله يوافقه هو أيضاً:
"بس يا ماما تقدري تنظمي..."
لتقاطعه مباشرة قبل أن يكمل جداله المضني:
"سيف أنا مش هقدر يا بني كدا محتاجة مجهود، بعدين أنا مرتاحة كده."
"يا ماماااااا..."
هكذا تذمر على رفضها قبل أن توقفه نظرات فارس عن المواصلة ويحسم الأمر:
"خلاص يا سيف، مادام ماما رافضة هي أدرى بمصلحتها."
توقف مشيحاً وجهه عنهم عندما يئس من المواصلة في إقناعهم
**********************************" *
صوت مفتاحه في باب منزلهم جعلها تنتفض راكضة نحو الباب. فتح الباب ودخل مبتسماً، فقد كان على يقين أنه سيراها أمامه، وصدق حدسه عندما وجدها تركض نحوه وتلقي نفسها بين أحضانه باشتياق:
"بابا حبيبي ألف حمد لله على السلامة."
بادلها العناق بلهفة مماثلة فهي الأغلى على قلبه وأقرب أولاده إليه:
"الله يسلمك يا وردتي، وحشتيني."
خرجت من أحضانه ولازالت تحتفظ بتلك الابتسامة التي تزين وجهها ونظراتها تحتضنه بحب:
"أنت كمان وحشتني من إمبارح للنهاردة يا حبيبي."
"يا روحي، أهو الاستقبال دا نساني كل التعب، ربنا يحفظك ليا."
تأبطت ذراعه تقوده نحو الداخل كي يستريح، تخبره بما أعدته له:
"أمال لو تعرف إني عملتلك المكرونة بالبشاميل اللي بتحبها، والبسبوسة بالقشطة كمان، مستنياك عشان تعرف غلاوتك عندي يا أبو زياد."
أخرج لسانه يلعق شفتيه بتلذذ كأنه يتخيل مذاق تلك الأكلات، ويقول لها بامتنان وأصابعه تقرص خدها:
"الله.. الله.. عليكِ يا دودو، أكيد تجنن، تسلم إيدك مقدماً."
"بابي!"
صرخت بها أحلام وهي تركض نحو والدها مرحبة بلهفة، ففتح لها ذراعيه يستقبلها بين أحضانه:
"أحلام حبيبتي وحشتيني."
خرجت من أحضانه لتتأبط ذراعه هي الأخرى تخبره بتوق:
"وأنت كمان يا بابي وحشتني يا حبيبي."
ساروا نحو الداخل ليسألهم وعيناه تبحث عنها بقلق، فلقد اعتاد على استقبالها له هي الأخرى لكنها اليوم متغيبة، فخشي أن تكون مريضة:
"أمال ماما فين؟"
أشارت الفتاتان في آن واحد نحو غرفة النوم بنظرات بات يعرفها:
"في أوضتها."
سحب يديه من بين أيديهما وحرك يده على ظهر الاثنتين قبل أن ينحني يقبل وجنة ورد ثم التفت نحو أحلام وقبل وجنتها أيضاً وقال بأمر مثّل فيه الصرامة مازحاً وهو يرفع سبابته بوجه الاثنتين:
"هاروح آخد حمام، أطلع ألاقي العشا جاهز، مفهوم؟"
لترفع ورد يدها تضعها بجانب جبهتها كتحية عسكرية وتقول بذات المزاح:
"تمام يا فندم."
ليدخل الثلاثة في نوبة ضحك ثم توقفوا تباعاً ليضرب طارق وجنتها بخفة:
"يله وروني شطارتكم."
هرول الاثنتان نحو المطبخ بخطى سريعة وعيناه تتبعهما بشغف، ثم تحولت عيناه نحو باب تلك الغرفة وحبيبته القابعة خلفه، ليخطو نحوها خطوات متوترة حتى فتح الباب ليجدها تجلس على السرير تمسك هاتفها بيديها وعيناها شاردة في الفراغ أمامها. تنهد بضيق واتجه إليها، جلس بجانبها فلم تشعر بوجوده حتى نادى عليها:
"ندى.. حبيبتي."
صوته انتشلها من دوامة أفكارها لتنتفض وتحرك عينيها ملتفتة نحوه بفرحة تلفظ حروف اسمه بوله مندهشة:
"طارق!"
"أيوة يا روح طارق، وحشتيني."
رمت نفسها في حضنه تطوق جسده بيديها وتضم جسده بقوة كأنها وجدت ملاذها المنشود، وما إن لامس جسدها دفء أحضانه حتى انهمرت دموعها تشكو له كطفلة تشكو لوالدها:
"وحشني أوي يا طارق."
أحاط جسدها وتنهد بعجز وهو يحرك يده على ظهرها يحاول تهدئتها:
"اهدي يا حبيبتي بتعيطي ليه؟ هو أنتِ كلمتِ زياد؟"
حركت رأسها دون أن تنقطع دموعها، بل ازدادت شهقاتها وعلا نحيبها ليؤنبها مستنكراً:
"طب يا حبيبتي مادام اطمنتِ عليه لازمتها إيه العياط؟ ابنك مش عيل يا ندى دا دكتور، وبعدين هي مدة مؤقتة هيدرس وراجع."
أنفاسها الساخنة تسللت إلى جسده حتى لسعته، ودموعها رطبت ملابسه بعد أن فقدت السيطرة على حزنها. تلك الحالة من الانهيار جعلته يشفق عليها ويغضب منها في آن واحد، يعلم مدى تعلقها بولدها الغائب، ليخرجها من أحضانه عنوة يحيط وجهها بيديه يحرك إبهامه بلطف على وجنتها مزيحاً تلك الدموع التي أبت التوقف وعيناه مسلطة على خاصتها:
"ندى.. اللي بتعمليه دا غلط، دا لسه مسافر من شهرين ، هتستحملي الشهور الباقية إزاي؟"
أغمضت عينيها لتفيض تلك الدموع المتجمعة بين جفنيها وهي تهز رأسها بعنف رافضة قدرتها على التحمل:
"مش قادرة يا طارق وحشني أوي."
مزق قلبه مظهرها ليجذبها نحوه ويضمها يمسح على وجنتها بحنان محاولاً التخفيف عنها وأكمل تأنيبها:
"ندى أنتِ المفروض تشجعيه، ابنك عاوز يطور نفسه قبل ما يفتح العيادة، لازم يتدرب على التقنيات الجديدة والأجهزة اللي هتكون نادرة في اختصاصه، تقومي أنتِ تعملي كدة وتحبطيه؟"
لتخرج من أحضانه بسرعة تحرك سبابتها بنفي:
"لا يا طارق أنا مش بعيط قدامه بالعكس، دانا بعمل نفسي بضحك وأنا بتقطع من شوقي له عشان ميزعلش ولا يتقهر."
ضحك طارق على مظهرها وحبها المبالغ به لوحيدها ليحاول مشاكستها وهو يقرص خدها مادحاً:
"شاطرة يا ندوش.."
ثم تنهد بحسرة وقال متمنياً بعبوس مفتعل:
"يا ستي ياريت تحبينا ربع حبك لسي زياد اللي واخد حصة الأسد في قلبك."
فتحت عينها التي كانت تمسحها بكف يدها تحدق به بعد أن سمعت عتابه لتقول بصوت بحّ من شدة البكاء:
"أخص عليك يا طارق، زياد ليه حصة الأسد برضو؟ أمال أبوه إيه؟"
قلب شفتيه بتذمر ولوح بيده قبل أن تهبط على فخذه بامتعاض وكلمات تخرج بخيبة أمل أدهشتها:
"أبوه ليه ربنا."
اتسعت عيناها لتضرب كتفه بحنق ترددد حديثه حانقة:
"ليه ربنا.. كدة يا طارق؟ دانت مالك القلب والروح وأنت متأكد إن مفيش حد بغلاوتك عندي، دا أنت لو طلبت روحي مش هتغلى عليك، مستكتر عليا حزني على فراق ابني؟"
أنهت حديثها تشيح وجهها وتهم بالنهوض ليمسك معصمها ويمنعها جاذباً إياها لتجلس بجانبه من جديد مقبلاً رأسها ليرضيها ويقول باسماً:
"أنتِ كمان أغلى حاجة في حياتي يا ندوش."
التفتت نحوه بنظرات سريعة وقالت متهكمة:
"أغلى حاجة عندك وست ورد نسميها إيه؟ ولا هي حلال عليك حرام عليا؟"
قهقه ضاحكاً وزوجته تضع حبها لابنها في مقارنة لحبه لابنته التي تنافسها دائماً ولو كان مجرد مزاح:
"أغلى حاجة وست الكل وحبيبة قلبي وأم ولادي وعشرة عمري وبنت عمي... نقول تاني يا أم زياد ولا كدة حلو؟"
توردت وجنتاها برضى وهو يرفع يده يعد على أصابعه ألقابها، وعيناها تتحرك مع كل إصبع، وكلماته حملت معنى أجمل من الآخر، لتشق ثغرها ابتسامة عريضة أنستها أحزانها، فتدعو له بصدق:
"ربنا يحفظك ليا يا حبيبي."
أعادها لأحضانة يبادلها الدعاء بعشق عرفت كيف تزيده في سنين عمرها الماضية، فتسكن قلبه بلا منازع؛ فطاعتها وحبها وسندها ودعمها وتربيتها لأولادها كل هذا جعله يوقن أنها امرأة أحلامه.
"ويحفظك يا غالية."
********************************
وقف أمام المرآة يمشط شعره المبتل، ثم أمسك مجفف الشعر يجففه ويسرحه يحرك رأسه يميناً ويساراً قبل أن يطفئ الجهاز ويضعه جانباً. نظر إلى مظهره باستحسان وابتسم، التقط زجاجة عطره المفضل لينثرها على جسده قبل أن يعيدها مكانها، ينفض أكتاف ملابسه الرياضية المهندمة.
جلس يحاول ارتداء حذائه الرياضي وهو يدندن إحدى الأغاني التي التصقت في ذاكرته فرددها لسانه ليتأفف متذمراً:
"يخرب عقلك يا مرتضى، أهي الأغنية مش راضية تخرج من دماغي.. استغفر الله."
وعلى ذكر الأخير وجد هاتفه يرن باسمه، التقط الهاتف وأجاب عليه:
"ساعة كمان وأكون عندك يا كوتش، بس والنبي بلاش الأغاني البيئية، احترم إني الباش مهندس حسين الجوهري."
قالها يرفع أنفه ويشير نحو نفسه بفخر.
"يعني لما أتتمرن أسمع مهرجانات يا ناس.. بلاها أغاني، أنا بحب أفكر لما أتتمرن يا سيدي... ماشي استناني.. مع السلامة."
أمسك هاتفه ينظر إلى الشاشة وعيناه تلتقط بعض الإشعارات التي تفقدها باهتمام وأجاب على بعض الرسائل. وكاد أن يعيد هاتفه مكانه لكنه توقف لحظة وخانته أنامله لتتحرك إلى ذلك "الفايل" المخفي والمغلق برمز سري ليفتحه، يتمعن بتلك الصور المحفوظة فيه، أصابعه تمر عليها برقة وقلبه ينبض بعشق مكتوم لصاحبتها. تنقلت عيناه بين الصور بلهفة ليتنهد بشوق قائلاً:
"وحشتيني أوي يا حبيبتي، امتى يجي بكرة وأشوفك؟" (رشا عبد العزيز)
حلم عاش وكبر معه منذ الطفولة ليصبح جزءاً من كيانه؛ حب عذري احتفظ به لنفسه حتى إنه لم يجرؤ على إخبار صاحبته ولا سمح لأي أحد بمعرفته، رغم أنهم لو دققوا لمحوا روحه التي تبتهج برؤيتها وقلبه الذي يرقص في صدره لو نظر إليها، لكنه عاهد نفسه أن يظل يحتفظ بسر حبه حتى يصبح حقيقة يوماً ما.
أغلق الهاتف ونهض على أمل لقائها غداً. نزل السلالم يدندن تلك الأغنية التي علقت في ذهنه، قدماه تتحركان بتناسق على تلك الدرجات الرخامية، يرفع أكمام ملابسه ويرتدي ساعته الإلكترونية حتى وصل إلى آخر درجات السلم، ليتلفت وعيناه تبحثان عنها، ليجدها تجلس في تلك الصالة الكبيرة أمام التلفاز تشاهد برامج الأزياء والموضة؛ عمرها الذي تعدى السبعين لم يمنعها من تلك البرامج التي تستهويها.
اقترب يبتسم ويهز رأسه مستغرباً اندماجها بجهاز التحكم الذي يهتز بين يديها مع مشاهد العارضات، وعيناها لا تحيدان عن شاشة التلفاز لشدة تركيزها:
"صافي حبيبي، عاملة إيه يا قمر؟"
صوته انتشلها من اندماجها لتلتفت نحوه مبتسمة وعيناها معلقتان به حتى جلس بجانبها ينحني يقبل يدها:
"سونه حبيبي أنت خارج؟"
هكذا سألته ويدها تمسح على وجهه بشغف:
"أيوة يا حبيبي، رايح الجيم وراجع."
"مش هتتعشى؟"
"لا هاكل حاجة خفيفة لما أرجع، متشغليش بالك."
ثم التفت نحو التلفاز يبتسم ابتسامة بسيطة، ثم رفع نظره نحو الساعة المعلقة وعاد بنظره ليستقر على وجهها:
"الباشا الكبير زمانه على وصول.. الحق أمشي قبل ما يلقطني وآخد محاضرة معتبرة عن الخروج بالليل."
ضحكت صفاء ثم وضعت يدها على كتفه:
"مش بس أنت، أنا كمان هاخد محاضرة عن سوء التربية."
شاركها الضحك يؤيد حديثها بإيماءة وقال:
"عندك حق، أهو أنتِ يا تيتة بتدفعي تمن حبك ودلعك ليا، نعمل إيه نستحمله يا صافي عشان خاطر ابنه."
ارتفعت ضحكات صفاء لتضربه بخفة على فخذه:
"طب ما تعقل أنت وتخلصنا من كلامه."
جذب يدها يقبلها من جديد يخبرها معتذراً:
"كان نفسي صدقيني، بس أعمل إيه اتعودت على الدلع يا روحي."
ثم نهض يقبل رأسها بحب، فهي جدته التي ربته وكانت له بمثابة أم، ولم تكتفِ بذلك بل حققت له أحلامه بعد أن أنشأت له مكتباً هندسياً من مالها الخاص حتى يزاول مهنته.
"ابقى شقر على مامتك، سألت عنك."
"ماشي، أنا كنت رايح لهم قبل الجيم، البت لوكا عملالي شغل تحفة كنت عاوزه أشوفه."
ربتت صفاء على يده الممسكة بيدها وقالت تدعو له:
"ربنا يرضى عنك يا حبيبي."
"حبيبتي يا صافي، عاوزة حاجة أجبهالك وأنا راجع؟"
"تسلم يا حبيبي."
هكذا ودعها مغادراً نحو منزل والديه المجاور لمنزل جديه.
دخل منزل والديه لتهرول نحوه شقيقته التي كانت تجلس في حديقة المنزل أمام حاسبها المحمول، لتغلقه عندما أبصرت دخول شقيقها وتهرول نحوه تستقبله:
"حسين!"
"لوكا حبيبتي."
أحاط كتفها يسحبها وسار بجانبها بعد أن حملت حاسوبها واحتضنته ليدخلا إلى المنزل، فترحب به والدته بشوق بمجرد أن لمحته:
"حسين أهلاً يا حبيبي، عاش من شافك."
اقترب منها حتى أصبح أمامها، انحنى نحو الأمام يقبل رأسها:
"أهلاً بيك يا ست الكل."
لكنها باغتته عندما أمسكت مقدمة ملابسه تجذبه نحوها، تحرك أنفها على صدره وعنقه تشمه وسط دهشته:
"إيه يا ماما فيه إيه؟"
أفلتته بغضب فارتد جسده إلى الوراء معتدلاً ينظر لها بتعجب، لتوبخه بحنق قائلة:
"أنت لسه بتشرب السجاير؟ مش وعدتني تبطل الهباب دا؟"
تنهد بضجر وقال موضحاً لها أسبابه الواهية بالنسبة لها:
"يا ماما هو أنا لما أبطل هبطل على طول؟ مش لازم أقلل شوية شوية، أهو أنا بشرب سيجارة بالليل وسيجارتين الصبح بعد ما كانوا أكتر."
نظرت له نظرة جانبية دلت على عدم اقتناعها بحديثه، ثم تهكمت قائلة:
"تقلل؟ لا مهو واضح."
رفعت صوتها بغيظ حاولت كتمانه لكنها لم تستطع:
"أنت بتضحك عليا؟ ريحة اللي معبية هدومك دي بتاعة سيجارة واحدة؟ دا ولا كأنك كنت في مدخنة."
تحمحم بارتباك فقد صدقت، فخطواته القليلة إلى منزلهم حرقت سيجارتين على الأقل، لكنه أصر على تكذيبها بثبات اصطنعه:
"يا ماما صدقيني هي واحدة."
"يووه يا ماما ما قالك واحدة، تعالى يا سونا أوريك الفيديوهات."
هكذا أنقذته شقيقته مليكة وأنهت نقاشه العقيم معها وهي تمسك يده وتجذبه نحو مائدة الطعام، جلست تضع حاسوبها عليها ليسحب الاثنان كرسيين وجلسا يتفحصان الفيديوهات، وعينا هدى تحدقان بهما بغيظ وعدم رضى.
انحنت نحوه مدعية أنها تريه فيديوهاتها لتهمس له لائمة:
"يعني مقدرتش تصبر لحد ما تخرج من هنا؟"
"وأنا إيش عرفني إني هتقفش منها؟ دا أنا هربت من جدو عشان أمي تمسكني."
تعالت ضحكات مليكة وهي تتمتم بخفوت:
"تستاهل عشان تبطل."
ضرب رأسها بخفة وقال بضيق مشيراً نحو حاسبها:
"ملكيش دعوة يا لمضة، ويلا وريني الفيديوهات."
ضغطت على أزرار التشغيل وبدأت تتنقل بين ما صنعت، وعين حسين تتابع بترقب واستحسان حتى انتهت، تلتفت نحوه مستفسرة:
"ها إيه رأيك؟"
ليجيبها بانبهار لم يخفَ عليها، فعيناه كانتا تظهران رضاه:
"تحفة يا بنتي أنتِ فعلاً مبدعة، أهي كلية الذكاء الاصطناعي جايبة نتيجة."
أمسكت ياقة بيجامتها ترفعها بفخر:
"أمال أنت فاكر إيه يا باش مهندس؟ دا أنا مليكة الجوهري، يعني أكيد شغلي هيكون بيرفكت."
ثم استدارت نصف استدارة كما فعل هو، يسند يده على ظهر الكرسي لتواجه عيناه عينيها:
"بس تعرف فيديوهاتك وفكرة التسويق حلوة أوي، فكرة بروفشنال برافو."
دعك جبهته يفكر في حديثها قبل أن يسألها:
"تفتكري هتنجح؟ أنا عندي أمل في الميديا أوي، دي بقت السوق المفتوح النهاردة."
"عندك حق، التسويق والميديا فتحوا مجالات جديدة، إن شاء الله هتنجح."
ضرب على كفها يسألها:
"حسابك كام يا أستاذة؟"
ادعت الخجل واعتدلت في جلوسها تشبك كفيها أمامها وتحرك رأسها بنفي:
"لا عيب، أنا آخد من أخويا الكبير تمن شغل؟ لا أكيد لا."
"يا ستي دا تعبك، بقالك أسبوع وأنتِ بتشتغلي، تلاقيكِ انشغلتِ عن مذاكرتك كمان، أهو اعتبريني الزبون الأول."
لتلتفت نحوه بسرعة تنزع عنها قناع الخجل:
"أنت كريم وأنا أستاهل."
مط شفته باستياء وقال مستهزئاً:
"هو دا اللي أخويا وعيب؟ أمال لو مش عيب يبقى إزاي؟"
"البزنس مفهوش أخويا وابن عمي، على رأي عمو فارس."
لوى شفته بسخط يكرر حديثها ساخراً قبل أن يستسلم:
"عمو فارس وأخويا وابن عمي.. ماشي يا ستي."
"مساء الخير."
كان هذا صوت شقيقهم الثالث حسن الذي اقترب منهم بخطى مجهدة، يوزع نظراته بينهم:
"مساء النور... أزيك يا حسن؟"
ليجيبه باقتضاب:
"أهلاً يا حسين، أزيك؟"
"الحمد لله."
عينه تعلقت به وهو يقول بوجه جامد وصوت يشوبه الجدية:
"عن إذنك أروح أستريح."
ليشير له:
"خد راحتك يا حبيبي، أنا كمان شوية وماشي."
ابتعد بخطى بطيئة، ليدنو حسين من مليكة يسألها:
"هو حسن ماله؟ تعبان من حاجة؟"
رفعت كتفيها بعدم معرفة وأجابته بلامبالاة:
"مش عارفة يا عم، أنت عارف حسن طول عمره قالب البوز ولابس وش خشب."
أومأ برأسه متفهماً، يعلم صدق حديثها، فأخوه طالما امتاز بجديته.
****"" "" ********************
دخلت غرفة شقيقتها لتجدها تجلس على سريرها تثني ركبتيها وتمسك هاتفها تكتب عليه كأنها تتحدث مع أحد، فتبتسم تارة وتضحك أخرى، ثم تعقد حاجبها بعبوس. كانت منشغلة في محادثتها ولم تشعر بدخولها، فنادت عليها:
"أحلام، بتكلمي مين؟"
رفعت نظرها نحوها ثم عاد تسلطه نحو شاشة هاتفها بترقب، تجيبها ببرود:
"شريف."
زفرت أنفاسها بضيق واقتربت تجلس أمامها على حافة السرير لتؤنبها:
"تاني يا أحلام؟ هي ماما مش منعتك؟"
رفعت نظرها نحوها لكن هذه المرة كانت نظراتها ساخطة يملؤها العناد:
"وأنا ميت مرة قلتلكم شريف صاحبي الأنتيم، دا إحنا صحاب من أيام ابتدائي وإعدادي وثانوي؛ مدرسة واحدة وتخت واحد مفترقناش عن بعض، ضيفي الجامعة كمان، يعني زي أخويا وطول عمرنا سوا، إزاي دلوقتي عاوزيني أبعد فجأة عشان تخرجنا؟ دا يعرف كل حاجة عني أكتر من نفسي."
نظرت لها نظرة حيرة قبل أن ترفع يدها تضعها على ركبتها تحاول أن تقنعها بهدوء:
"يا حبيبتي أنا فاهمة إنك بتعتبريه زي أخوكي أو صاحبك، بس ماما رافضة الفكرة دي وبتقول مفيش صحوبية بين ولد وبنت حتى لو كان ابن عمها، وبصراحة يا أحلام ماما عندها حق."
زفرت أنفاسها متأففة بغضب تخبرها بحدة تزامنت مع تحريكها ليديها مستنكرة:
"وأنا مليش دعوة بتفكيركم دا، أنا وشريف صحاب، طالما علاقتنا مفيهاش تجاوز يبقى مالكمش حق تعاتبوني."
تنهدت بيأس قبل أن ترمقها بقلة حيلة وتقول محذرة:
"بس خلي بالك، ماما مش هترضى ولا هتسكت."
لتزداد وتيرة أنفاسها بتحدٍ وقالت بإصرار:
"أنا مش غلطانة يا ورد."
نهضت ورد بعد أن تعبت من إقناعها، تخطو خطواتها نحو الخارج حتى وصلت إلى الباب وعين أحلام تراقبها، لتلتفت نحوها قبل أن تغادر:
"ربنا يهديكِ وتقدري تقنعي ماما إنك مش غلطانة."
ثم استرسلت تخبرها بحنق:
"بس أنتِ غلطانة يا أحلام."
خرجت تغلق الباب بعدها بقوة كأنها تبلغها اعتراضها على هذه العلاقة هي الأخرى. رفعت أحلام يدها نحو فمها تقضم أظافرها بقلق تفكر هل حقاً هي مخطئة؟ لكن رنين هاتفها الذي تعالى يخبّرها بوصول رسالة، التقطته لتجد الرسالة منه، فتنسى قلقها وتبتسم تعاود اندماجها في الحديث معه.
*******************************
تسللت يده تحيط خصرها جاذباً إياها نحوه، يضمها إليه، ما جعلها تنظر إليه بابتسامة خجلة وهو يتودد لها أمام أولاده غير مكترث بوجودهم. تنهدت بحرج فلم يغيره الزمن مهما لفتت نظره لوجودهم، تذمر رافضاً تمنعها. شعر بمحاولتها التملص والابتعاد ليضغط بيده على جسدها أكثر معلناً إصراره، ثم انحنى يهمس لها بتحدٍ:
"متحاوليش تبعدي."
اختطفت نظرة حرجة تشير له نحو أولادها كأنها تنبهه:
"فارس!"
ليجيبها ببرود ويحرك حاجبيه بعدم مبالاة لتحذيرها:
"عيون فارس."
نظرت له بقلة حيلة لتتورد وجنتها وهو يغمز لها مبتسماً قبل أن يحرك شفته بكلمة:
"بحبك."
مشهد رسمه في الماضي ليعيشه في الحاضر كما تمناه، غافلين عن تلك العيون التي تترصدهم خلسة، يمنعهم الحياء من التمعن والمشاكسة. ليدنو شريف، الذي كان يدعي مشاهدته التلفاز، من قمر وانحنى مبتسماً بفكاهة يهمس لها:
"شايفة أمك وأبوكِ رافضين يعدوا مرحلة البدايات، مش يراعوا السنجل البائس اللي قاعد معاهم؟"
كتمت قمر ضحكتها بصعوبة لتعقب بهزل:
"دا حب أصيل يا بني، اتعلم يا بائس."
ثم تنهدت بحسرة وقالت بتمنٍ:
"أوعدنا يا رب."
************************'' ''
كان داخل غرفته يتمدد على سريره مستعداً للنوم، يضبط منبه هاتفه ثم يضعه جانباً، جاورته في سريرهما ليبتسم يفتح ذراعه لها لتتوسد صدره كما اعتادت. أحاط جسدها بذراعيه وضمت هي جسده أيضاً ليسألها:
"مشمش؟"
همهمت مجيبة:
"ممممم."
أخذت يده تتحرك على خصلات شعرها ترافق حركتها كلماته:
"هو أنتِ ليه رافضة حكاية العيادة؟"
أجابته بصوت ناعس:
"ما أنا قولتلك أسبابي."
"بس أنا عارف إنك تقدري ترتبي وقتك زي ما قال سيف، أنا مرضتش أعارض قرارك قدامه، لكن أنا شايف إنك تقدري، ومادام فيها حاجة مفيدة ليكِ ليه لا؟ وأنا يا ستي مستعد زي ما قولتلك أفتحلك عيادة في أي مكان تختاريه."
قاطعت حركة يده عندما رفعت رأسها تسند ذقنها على صدره، تنظر لعينه التي أخفضها كي تلتقي بعينيها:
"بصراحة هو فيه سبب تاني."
تنبهت حواسه يحدق بها بترقب ينتظر معرفة أسبابها:
"وإيه هو؟"
حركت يديها تضعهما تحت ذقنها المسنودة على صدره تشمله بنظرة عاشقة:
"بصراحة أنت السبب.. أنا مش عاوزه أبعد عنك ولا حاجة تشغلني عنك، أنا رتبت حياتي عشان نكون مع بعض دايماً؛ الأيام اللي نبعد فيها لما تسافر أو يكون عندي شغل بحس فيها إني ضايعة، مش عاوزة حاجة تيجي تلخبطلي حياتي أو تتسبب ببعدنا عن بعض."
ابتسمت وهي تشعر بنبضات قلبه المتسارعة أسفل يدها متأثراً بحديثها، ليجذبها ويضمها إلى صدره بقوة كأنه يحاول أن يخبئها بين أضلعه، يخبرها بهيام إثر كلماتها:
"بحبك يا شمسي.. بحبك وبعشق حبك ليا يا روحي."
"أنا كمان بحبك، بحبك أوي يا فارس."
خفف من ضغطه على جسدها وقال:
"بس مش عاوز أكون سبب..."
بترت جملته بسرعة وقالت تمحو مخاوفه:
"فارس أنا مرتاحة كدة..."
تنهد بارتياح:
"براحتك يا حبيبتي."
ساد الصمت لبرهة واعتدلت مبتعدة قليلاً عنه:
"بكرة هنجتمع عند عمي حسن زي ما اتعودنا، هنقلهم على الفكرة اللي اتفقنا عليها؟"
"أكيد، ويارب يوافقوا
الفصل 2
صخب الضحكات تعالى، وحديث امتزج بين الماضي والحاضر؛ أجيال مختلفة كل له لونه وأفكاره، وتشكلت حلقات منزويه من الأشخاص اندمج أصحابها بحوارات معينة.
ابتسم وعيناه تتنقلان بينهم، يبصر ألفة هذه العائلة التي كان يصر على اجتماعهم بين الحين والآخر منذ وفاة والده وشقيقه من بعده، وهو يعد نفسه الأمين عليها بعدهم.
أخفض عينيه نحو يده الموضوعة على حجره، والتجاعيد تملؤها ترسم عليها سنين عمره المتقدم، وأوردته البارزة تخبره بشيخوخته. لقد مضى العمر ولم يتبقَّ الكثير. اختطف نظره نحو أحفاده وولده وأبناء إخوته كأنه يحصيهم، وزوجته التي شاركته تلك المسيرة، ليتنهد بعجز وأمنيته اليوم أن يطيل الله في عمره ليطمئن على تلاحم هذه العائلة من بعده.
"حسن باشا الجوهري، عراب العيلة الكبير".
سمعها قبل أن يشعر بتلك اليدين تحيط كتفيه، ويميل صاحبها يقبل وجنته بحب. ابتسم لصاحب ذلك الصوت الذي تيقن من هويته، فلم يكن سوى حفيده المدلل.
"أهلاً بحسين ابن علي البكاش".
ابتعد عنه مستديراً حتى أصبح بجانبه ينظر له مبتسماً، وعاتبه بلطف مدعياً انزعاجه:
"أنا بكاش؟! ده أنت حبيبي".
ليهتز جسده فجأة عندما ضربه أحدهم على ظهره، ولم يمهله الالتفات ليضم جسده معتصراً إياه بقوة، ثم أمسك أذنه يجذبها ليغلق إحدى عينيه متأوهاً:
"هو الواد ده مضايقك بحاجة يا عمي؟ أملصلك ودانه؟".
"آه... آه... عمي فارس، ليه كده؟ ده أنت الغالي، أنت هتقلب عليا!".
ضحك فارس كما ضحك حسن وهو يحتضنه مربتاً على ظهره بحنان أبوي:
"وأنت كمان غالي عليا يا ابن علي".
"حبيبي شيخ الشباب".
أخرجه من أحضانه يسأله عن أحواله، وحسين يجيبه بعملية ويتناقش معه بذكاء، طالما أطرى عليه فارس بالمدح.
*********************
اجتمعت تلك الفتيات وأمهاتهن داخل المطبخ يعدون الطعام، وأخذت كل واحدة منهن دوراً. التفتت ندى نحو ورد تأمرها:
"ورد، خدي الأطباق ورصيها على السفرة أنتِ وقمر".
تقاسمت عدداً من الأطباق الفارغة هي وابنة خالتها، وحملتاها بحذر نحو الطاولة. بدأتا في توزيع الأطباق وسط مزاحهما. أخذت تضع طبقاً أمام كل كرسي حتى رفعت عيونها بعفوية لتتسمر عندما وقعت عيناها عليه، ليخفق قلبها بقوة. تجمدت يدها تمسك بالطبق الذي كاد ينزلق لولا قمر التي تداركت الموقف قبل سقوطه وتحطمه.
"حاسبي يا ورد!".
رمشت عينيها تحاول استعادة توازنها عند سماعها لصوت قمر التي اندهشت من حالتها، لتنظر إلى حيث كانت عيناها معلقتين، لتهز رأسها بقلة حيلة وهي تبصر شقيقها الجالس في مكان قريب من الطاولة.
عادت ورد تحاول أن تشغل نفسها في ترتيب الطاولة، تتحرك بحرج بعد أن رأت قمر تنظر نحو شقيقها وتعود لتنظر نحوها تهمس لها بخفوت، فتخرج كلماتها بلوم ولو كانت نبرته فكاهية:
"والله يا ورد أنا مش عارفة عاجبك إيه في سيف، ده حتى قفل ومعقد!".
يدها التي كانت تحمل الملاعق هبطت على الطاولة بعد أن خانها ثباتها المزعوم، وهي تشعر بالعجز أمام تلك المشاعر اليتيمة، فسيف لم يشعر بها يوماً أو حتى يلتفت لها، رغم أنه كان قريباً منها في طفولته، إلا أنه بدأ يبتعد شيئاً فشيئاً وأصبح يعاملها بحدود التحية وأولاد العمومة فقط.
تنهدت بحسرة بعد أن طال صمتها، ورفعت عينها نحو قمر التي كانت تشعر بالأسى لأجلها، فورد ليست ابنة عمها فقط بل صديقتها المقربة وكاتمة أسرارها، لتستمع لها بحزن وهي تخبرها بصوت مخنوق:
"غصب عني يا قمر، من ساعة ما وعيت على الدنيا معرفتش غيره وقلبي مدقش غير له".
هزت رأسها تحاول نفض تلك الغصة التي بدأت تخنقها حتى لمعت الدموع في عينها، لتسرع بوضع الملاعق بإهمال وترسم ابتسامة مجروحة تداري خلفها خيبتها، وتغير الموضوع وهي تخطف نظرة سريعة نحو قمر وتلتفت نحو المطبخ تمثل عدم المبالاة الزائفة:
"هروح أجيب أطباق تاني، دول مش هيكفوا".
خطت خطواتها السريعة تهرب من أمامها. نظرت إلى أثرها وتنهدت بيأس. عادت تلملم تلك الملاعق وتوزعها عندما اقتحم سكونها صوت تبغضه بشدة ينادي عليها بلهفة:
"قمر بنت خالتي، إزيك؟".
زفرت أنفاسها متأففة وواصلت ما كانت تفعله دون أن تلتفت إليه أو تجيبه، ليعاود مناداتها ظناً منه أنها لم تسمعه أو هكذا أوهمه قلبه العاشق لها:
"قمر، إزيك؟".
أجابته باقتضاب مع استمرارها بما تفعل دون الالتفات له:
"أهلاً يا حسين".
"تحبي أساعدك؟".
قالها يقترب منها ممسكاً بعض الملاعق الموضوعة جانباً، لتلتفت نحوه هذه المرة بسرعة وتنتزع تلك الملاعق من يده بعنف:
"ملوش داعي، روح استريح أنا هكمل".
ابتسم لها وقال يمازحها:
"ما تسيبيني أساعدك، أنتم مش دايماً بتنادوا بالمشاركة بين الرجل والمرأة؟ إيه غيرتوا رأيكم؟".
تنهدت بضيق تشتمه بأقبح الشتائم في سرها، فهي لا تتحمل ثرثرته الدائمة ولا ابتسامته؛ كم تود لو تصفعه وتمحي تلك الابتسامة السمجة. تمتمت بهمس:
"يخرب بيتك غتت أوي وتافه". ثم رفعت صوتها وهي ترسم ابتسامة متهكمة: "لا متشكرة".
لا يعلم لماذا هو أمامها يتلاشى تعقله واتزانه، يحاول أن يطيل الحديث فقط فينعم بقربها، فآه من ذلك الذي يخفق لرؤيتها ويتمنى قربها. مد يده يمسك طرف الملاعق التي تمسكها بعناد ويقول محافظاً على ابتسامته:
"متتكسفيش يا بنتي عادي، أنا متعود أساعد ماما صفاء".
إلحاحه أثار غضبها وكادت أن تصرخ في وجهه تخبره أن يتركها وشأنها، لكنها لجمت غضبها وقالت له مستنكرة، تفلت يدها عن الملاعق التي أصبحت ما بين قبضته وقبضتها:
"جرى إيه يا حسين؟ ما قولتلك مش محتاجة مساعدة، روح اقعد جنب أخوك".
قالتها وهي تلتفت تشير له نحو شقيقه الجالس بوقار يتحدث مع شقيقها. يدها التي أشارت نحوه جعلت عينها تتجه نحوه بتلقائية ليتبدل حالها، فيخفق قلبها وتتسارع أنفاسها لرؤيته، فهو من ملك قلبها منذ الصغر. يا إلهي كم يمتلك شخصية قوية وحضوراً مهيباً عكس هذا "الغبي" الذي يقف بجانبها! لتتنهد محاولة التحكم بتلك المشاعر التي اجتاحتها لرؤيته، وبلا وعي عاد عينها إلى حسين لتسأله مستهجنة:
"أنا مش عارفة يا أخي أنتم توأم إزاي؟! هو هادئ وأنت حياتك كلها هزار... غريبة!".
ضحك حسين وهو يرفض الانصياع لها، يرتب الملاعق ويجيبها:
"بيقولوا عشان هو ربته ماما هدى فطلع رزين وهادي زيها، وأنا ربتني ماما صفاء فطلعت مدلع... آدي يا ستي كل الحكاية".
لوت شفتها بسخط وقالت مستهزئة بعد أن وجدته ينهي ما أصر على فعله:
"طب يا سيدي، أديك خلصت، متشكرين".
لينظر لها بلهفة يسألها عله يكسب مزيداً من الوقت معها:
"محتاجة حاجة تانية؟".
"لا... أنا أصلاً راجعة المطبخ".
إجابة سريعة ومختصرة قطعت عليه حبال الأمل وهو يراها تبتعد عنه وتتجه نحو المطبخ، وقلبه معلق بها يتراقص بين أضلعه بعد أن روى شوقه لها ببعض الكلمات وتلك اللحظات القليلة التي أطفأت نار حنينه لها.
****************
دخل يلقي التحية على الجميع لكن عينيه تبحث عنها بشغف، حتى اتجه نحو ابنة خالته الصغيرة التي كانت تحمل الطعام نحو المائدة يسألها عنها:
"أحلام فين يا مليكة؟".
وضعت الطعام على المائدة والتفتت برأسها تشير له نحو المطبخ:
"أحلام في المطبخ".
وقبل أن يتجه نحو المطبخ هاتفاً باسمها وجدها تخرج من باب المطبخ تحمل بعض الأشياء تتجه نحوه. التقت عيناه بعينيها لتتسع ابتسامته ويتجه نحوها بخطى متلهفة:
"أحلام، تعالي شوفي".
قالها يخرج هاتفه من جيب بنطاله. عقدت حاجبيها بدهشة وهي تسأله:
"فيه إيه؟ وتوريني إيه؟".
أخذ منها الأشياء التي كانت تحملها ليضعها على المائدة بسرعة ويجذبها لتسير خلفه متعجبة. تذمرت على فعلته تخبره بحنق:
"يا ابني واخدني على فين؟".
التفت لها بنظرة سريعة ثم أشار لها نحو الأريكة القريبة:
"تعالي بس اقعدي هنا".
سبقها يجلس ويشير لها لتجلس بجانبه. إصراره أثار فضولها لتجلس وتلتفت إليه وهو يشهر شاشة هاتفه أمامها يريها صورة لاثنين من زملائهم قد ارتبطا حديثاً. التقطت منه الهاتف تتمعن في تلك الصور وعيناها تتنقلان بين تفاصيلها، تكبر الصور ثم تعيدها إلى وضعها الطبيعي. كان يراقب ردة فعلها بترقب، وحالما انتهت رفعت عينيها عن الهاتف ونظرت إليه تخبره بانتصار:
"مش قولتلك؟ عشان تصدق كلامي بعد كده.. قلتلك معجب بيها قلت لأ هو عينه زايغة".
ضحك فقد توقع حديثها مسبقاً وقال يؤيد حديثها:
"تصدقي عندك حق، طلعتي بتفهمي يا مفعوصة".
ضربت كتفه بانزعاج وهتفت توبخه:
"بس، متقولش مفعوصة!". ثم استرسلت حديثها تلوح له بيدها تذكره بمشاهد من الماضي: "بعدين ده كان واضح أساساً، مش فاكر اتخض عليها إزاي لما اتعورت في رحلة؟".
قلب شفتيه يرفع أحد حاجبيه مستنكراً:
"ما أنا كمان اتخضيت عليها يا أحلام".
لكمت ذراعه بضيق ليرتد إلى الوراء ضاحكاً على حنقها:
"عشان أنت قليل الأدب مابتصدق تعمل نفسك هيرو قدام البنات، لكن هو كان خايف عليها بجد".
أمسك ذراعه يدعكها ينظر لها بيأس مستسلماً لأفكارها يهز رأسه:
"لا أنتِ عندك حق، من هنا ورايح هصدق كلامك يا لوزة".
أومأت بارتياح وقالت تجاريه:
"برافو عليك يا شاطر".
تعالت ضحكاتهما التي تبادلاها وهما يقلبان الصور يشاهدونها سوياً منتقدين الكثير من التفاصيل. تلك الضحكات وصلت إلى مسامعها لتقف تحدق بهم بعين غاضبة متوعدة ابنتها التي ترفض الانصياع لنصائحها أو الالتزام بأوامرها.
لكن هذا المشهد لم يجذب انتباهها هي فقط، بل جذب انتباه ابنتها التي رأت احتقان وجهها وعينها مسلطة على تلك التي اندمجت بالحديث مع ابن عمها رغم تحذيراتها لها بالأمس.
"ماما".
صوت ورد ويدها التي أمسكت ذراعها جعلها تلتفت نحوها تسألها بامتعاض، تجز على أسنانها وتخرج كلماتها الغاضبة من بينها:
"أنا مش قولتلك تنبهي على الزفتة دي تنتبه لتصرفاتها؟".
اختطفت نظرة نحو شقيقتها وأخفضت عينها تهرب من عين والدتها المصوبة نحوها تجيبها بقلة حيلة:
"والله يا ماما قولتلها بس مفيش فايدة". ثم أردفت تضغط على ذراعها برجاء تتوسلها: "ماما وحياتي، من غير عصبية، خلي العزومة تمشي بسلام وابقي حاسبيها لما نرجع".
قبضت على يدها بقوة تخرج غيظها منها، لتزفر أنفاسها الغاضبة تنظر لها متوعدة قبل أن تنفض يد ورد وتتركها تنظر لشقيقتها وعنادها بعجز، وتدعو الله أن تسيطر والدتها على انفعالها.
**************************
كان يدعي الانتباه لما يدور من حوله، لكن الحقيقة أن عقله في مكان آخر؛ فلا يزال حديث صديقه وليد عالقاً في ذهنه، يرن في عقله كناقوس الخطر وهو يخبره عن إحدى مغامراتها مع فتاة كانت زميلة لهم، تلك العلاقة التي استمرت ثلاث سنوات أبيح فيها كل المحرمات، من اللقاءات وتبادل الصور لمس اليد وربما تعدت حدود ذلك.
ابتسامة جانبية ساخرة ارتسمت على فمه وهو يتذكر حديث وليد وتبريره بأن هذه العلاقة كانت "بريئة" فهي لم تصل إلى العلاقة الجسدية، ليغلي دمه بانفعال وهو يتهكم على حديثه؛ كيف يصفها بالبراءة وهي تعدت جميع الحدود الدينية والأخلاقية؟ فالفتاة خانت ثقة والديها وهو خانها عندما ائتمنته على نفسها ووثقت بوعده الزواج منها ليتركها عند أول خلاف بينهم.
لكن زاد انفعاله أن هذه الفتاة قد تزوجت بشخص آخر منذ عدة أيام. عقله ضج بالأفكار السلبية وهو يتخيل: هل ممكن أن يكون جميع الفتيات هكذا؟ بماضٍ يحمل علاقات محرمة تحت مسمى الحب؟
شحب وجهه وهو ينظر إلى بنات خالاته وشقيقته اللاتي كن يتحركن أمامه، ترى هن أيضاً لهن علاقات مخفية؟ هل سقطن في براثن الحب الخادع وأشباه رجال استباحوا قلوبهن بلا رحمة واستغلوا سذاجتهن بوعود وهمية ليصبحن من ذوات الماضي المشوه؟
اختنق صدره لمجرد دوران تلك الفكرة في باله ودعا الله أن لا يكون تفكيره صحيحاً، وأن هناك من تحفظ ثقة أهلها وتلتزم بحدود دينها وأخلاقها تخاف الله في تصرفاتها.
"حسن... حسن..".
كان هذا صوت قمر الذي انتشله من دوامة أفكاره السوداء. اهتز رأسه كأنه ينفضها عنه، رفع رأسه ينظر إليها ليجدها تقف أمامه بابتسامة عريضة تقول له ضاحكة:
"الغدا جاهز وخالتو هدى بتنده عليك من بدري، اللي شاغل بالك يتهنى به".
أنهت كلماتها تضع يدها على فمها تخفي ضحكتها وارتباكها عنه. حرك رأسه يمنة ويساراً يحاول العودة إلى الحاضر لينهض بحرج ويقول وأنظاره تتجه حيث أشارت:
"ماسمعتهاش، هروح حالاً.. متشكر".
عينها تعلقت به وهو يبتعد عنها لتضع يدها على قلبها الذي يخفق بشدة أمامه، وتنهدت تحاول أن تخفف من تلك المشاعر قبل أن تفضحها.
***************"*****
اجتمع الجميع حول المائدة وانعزلت الفتيات في مكان مختلف كي يحظين بتلك المساحة من الخصوصية، يتبادلن فيها حديثاً يسوده المواضيع الأنثوية بعيداً عن أجواء العائلة الذي ملأته الجدية وطغى عليه حديث المال والسوق وبعض التعاملات الإدارية، الذي زاده رتابة حتى قررت أن تغير هي مجرى الحديث عندما طرحت عليهم اقتراحها:
"أحنا مسافرين قنا الأسبوع اللي جاي، إيه رأيكم نخلي السفرية جماعية ونعتبرها رحلة نغير فيها جو؟ من زمان متجمعناش في رحلة زي دي".
أنهت اقتراحها والتفتت نحو زوجها كأنها تطلب منه دعمها. لم يكن هو غافلاً عن مطلبها فقد أصبح يستطيع قراءة عيونها قبل أن تنطق شفتاها بما تريد قوله، فحبها وتلك العشرة الطويلة بينهما منحت أرواحهما تلك الشفافية والالتحام كروح واحدة في جسدين. رمشت عينه، كانت إشارة كافية منه بأنه سيستلم دفة الحديث:
"آه والله كلام شمس صحيح، أحنا من زمان متجمعناش، وراجح كلمني أكتر من مرة وألح عليا عشان أشوف مزرعة الخيل اللي هو عاملها".
"أصيل كمان نازل الأسبوع اللي جاي، وأهي فرصة ننزل معاه، أنا عن نفسي معنديش مانع".
جملة أيد فيها سيف والديه، فتلك البلد لها معزة كبيرة في قلبه. دارت عينا فارس وشمس حول الجميع في انتظار إجابتهم، لينظر كل منهم بدوره نحو زوجته وأولاده يستشف منهم رأيهم في هذه الرحلة.
"إيه رأيك يا ندى؟".
سؤال طرحه طارق لتهز رأسها باقتناع وأجابت:
"معنديش مانع أهو نغير جو".
ابتسم فارس عندما وافق شقيقه وزوجته على مرافقتهم، ليلتفت بسرعة نحو ابن عمه وصديقه المقرب يسأله بلهفة ويمني نفسه أن يوافق:
"وأنت يا علي، هتيجوا معانا؟".
ليسبق حسين والده في الإجابة، فقد كانت تلك الرحلة بمثابة فرصة له كي يقضي وقتاً أطول مع حبيبته علها تستطيع أن تقرأ مشاعره وتعرف مدى حبه لها:
"أكيد جايين معاكم مفيش كلام، ده أنا أموت في الخيل!".
ضحك علي وهو ينظر له نظرة جانبية وقال يؤنبه:
"شايف حضرتك بتقرر بقلب جامد وكأن قراري تحصيل حاصل يا حسين باشا!".
ليتدارك هو استعجاله ويغطي عليه بفكاهته المعهودة ومزاحه مع والده:
"هو أنا أقدر يا كبير؟ الرأي رأيك طبعاً، بس أنت أكيد مش هترفض عشان خاطري.. أكيد".
هز رأسه بقلة حيلة ولوح بيده باستهزاء وهو يعطي جوابه لابن عمه:
"خلاص يا فارس، مادام عشان خاطر حسين".
"يعيش علي الجوهري ناصر الغلابة!".
هتف بها حسين وسط ضحكات الجميع، وشريف ابن خالته يشاركه الهتاف:
"يااا يعيش!".
حتى صمت فجأة وهو يرى نظرة استهجان من والده اسكتته.
"طب هو بيهتف عشان هيروح معانا الرحلة، حضرتك بتهتف معاه ليه؟ ممكن أفهم؟".
هز رأسه مؤكداً بابتسامة عريضة:
"عشان هروح معاكم".
لكن بسمته اختفت تدريجياً ليصمت في لحظة إدراك وكأنه فهم تواً مقصد والده، لتتسع عيناه بدهشة وهو يسأله عما يخشى جوابه:
"تقصد يا بابا إني مش رايح معاكم؟".
"أيوه مش رايح، أمال مين هيمسك المحلات مكاني؟".
ليمط شفتيه بخيبة أمل ويعاتب والده مصطنعاً الحزن:
"كده يا فارس يا جوهري؟ اشمعنى أنا ابن البطة السودا يعني؟".
"ولد!".
صرخ بها يوبخه، ووالدته ترمقه بغضب قبل أن تسبق والده في زجره:
"أنا بطة سودا يا قليل الأدب؟!".
كتم الجميع ضحكاتهم على نقاش هذا المشاكس ووالديه، حتى أفلت سيف وحسين ضحكاتهم يحركون حواجبهم له في محاولة لإغاظته، فيبادلهم هو بحركات متوعدة ورافضة، يشير بحسرة نحو والده الذي حطم آماله حتى دب الأمل من جديد حين قال العم حسن:
"ما تأخذ الولد معاكم يا فارس وخلي صالح يأخذ باله من المحلات، الراجل أمين وبيشتغل معاك من زمان".
تنهد فارس يفسر له بعملية وسط ترقب شريف لتبريره:
"محدش هيكون أمين على مالك قدك، يا عمي أنت ابن سوق وفاهمني، بضاعة أوروبا هتوصل الأسبوع اللي جاي ولازم واحد فينا يكون موجود".
حرك العم حسن رأسه متفهماً ومؤازراً لقراره، مما جعل شريف يخفض عينيه نحو طبق طعامه يأكل منه بشراهة كأنه يخرج غيظه فيه.
"خذوا حسن معاكم يا علي".
قالها العم حسن مشيراً بيده نحو حفيده الذي اعترض مباشرة:
"وأسيبك إزاي يا جدي؟".
"ملكش دعوة بيا أنا هعرف أدبر نفسي".
"ما تيجي معانا يا با".
قالها علي برجاء وهو ينظر إلى والده الذي رفض بشدة معللاً ذلك بالمرض:
"صحتي يا بني مش هتستحمل مشوار طويل كده".
"ما تيجي أنتِ يا صافي وإلا مش هتقدري تبعدي عن حبيب القلب؟".
قالها حسين هذه المرة لجدته التي ابتسمت على مشاكسته وقالت تجاريه واضعة كف يدها فوق كف زوجها:
"أيوه مش هقدر أبعد عن حبيبي".
لينهره حسن بانزعاج مزيف:
"ملكش دعوة بمراتي يا ابن علي!".
استمرت الأحاديث حول الاستعدادات لهذه الرحلة حتى انتهى الغداء ببعض القرارات التي اتفق عليها الجميع.
*****"******************
اتخذ من حمل الأطباق وإعادتها إلى المطبخ حجة لرؤيتها. خطا بخطوات متلهفة نحو المطبخ يحمل عدة أطباق كأنه يستعرض قوته أمامها. خفق قلبه بجنون وهو يجدها تتحرك هنا وهناك تساعد العاملة وابنة خالتها ورد في تنظيم المكان، ليبتسم بتلقائية ويقترب منها متناسياً العالم من حوله، عيناه كانتا لا تحيدان عنها:
"أحط الأطباق فين يا قمر؟".
اختطفت نظرة جانبية نحوه حملت نفوراً مبطناً تغاضى عنه قلبه العاشق بل ولم يشعر به، وهي تجيبه باقتضاب مشيره نحو العاملة:
"أديهم لجيني".
لم تفارق ابتسامته فمه؛ كان صوتها سحراً فغاب عن العالم. وصل أمام جيني لكنه بقي متسمراً مكانه لا يعلم ماذا يفعل، حتى أفاقته هي حين سحبت منه الأطباق بعنف ووضعتهم في الحوض:
"أشكرك".
هز رأسه منتفضاً وقال متداركاً حرجه بعد نظرة الاستغراب التي حدجته بها جيني:
"سوري جيني كنت سرحان".
هزت رأسها مستهزئة كما فعلت قمر وهي تراقب الموقف من بعيد لتتمتم بشمئزاز:
"غبي".
التفت هو نحوها وقال مخاطباً ورد وعيناه تختلسان النظر نحوها:
"متحمس للرحلة أكيد هتكون جميلة".
ضغط على كلمته الأخيرة يقصدها، لكنها كانت مندمجة ولم تعره انتباهاً لتجامله ورد قائلة بابتسامة:
"بصراحة أنا كمان متحمسة، أنا مزرتش قنا قبل كده، كل ما ماما وبابا يسافروا كنت بكون مشغولة بالامتحانات".
كانت تتكلم وعيناها تتوزعان بين الاثنين، ليردف هو:
"لأ أنا رحت هناك مرتين تلاتة ومتحمس أشوف مزرعة الخيل، راجح بيه إنسان محترم أوي وذوق جداً.. مش كده يا قمر؟".
سألها بتلعثم كي يجرها للحديث معه مجبرة، لكنها خيبت أمله والتفتت التفاتة سريعة تجيبه كي تتخلص من وجوده قبل أن تعود من جديد لما كانت تفعله:
"آه".
مسح وجهه بيده وتحمحم بحرج من أسلوبها معه، لكن قلبه الغبي يعطيها العذر ويضع أمام عقله مجموعة من الحجج يحجب عن عقله رؤية فظاظتها معه في الحديث، ليحاول حفظ ماء وجهه بالفكاهة كما يفعل أمامها دائماً:
"أنا خايف لأتحمس كتير وأرجع متكسر، وبدل ما أستمتع أقضيها مستشفيات".
ابتسمت ورد على حديثه وقالت:
"لا إن شاء الله ميحصلش كده، أنت بس خلي بالك ومتندفعش في حماسك".
ليضحك ضحكة استفزتها وهو يقول:
"أنتم لما تلاقوني اتحمست حوشوني!".
ضحكت ورد وأكملت معه الحديث الذي تخلله بعض النكات الثقيلة التي جعلت وجهها يمتعض وتزفر أنفاسها بضيق، تتمنى لو تستطيع طرده من المكان.
***********" "" "*****************
حملت تلك فناجين القهوة توزعها على الجميع بعد انتهاء الغداء، ليستقبلها والدها بترحيب وهو يلتقط منها فنجان القهوة، فهي "حبيبة أبيها" كما يلقبها:
"أهلاً.. أهلاً يا وردتي.... تسلم إيدك يا نور عيني".
طرب قلبها المحب له وأشرق وجهها بابتسامة عريضة رغم خجلها وأعين الجميع تتوجه نحوها:
"تسلم يا حبيبي، بالهنا والشفا".
ذلك الترحيب أثار غيرة مليكة ابنة خالتها التي عاتبت والدها وهي تضع يديها على كتفيه بطفولة:
"شايف يا بابا؟ أونكل طارق بيدلع ورد إزاي، ما تدلعني زيه؟".
أنهت حديثها وهي تسند يدها على خصرها بوجه عبوس متذمر، جعل كل من يشاهدها يضحك على هيئتها، لتنهرها هدى قائلة بلوم:
"يعني بابا مش بيدلعك يا لوكا؟!".
أخفضت يدها ببطء وهي تطالع وجه والدها الذي يمثل الحزن، وقالت جملتها باعتذار:
"بابا حبيبي بيدلعني لكن مش زي ما أونكل طارق بيدلع ورد ولا زي تيتة صفاء ما بدلع سونة".
"إيه نظام القر ده؟ مالك بسونة؟ أنتِ مش كنتِ مركزة مع ورد؟ خلاص خليكي مع ورد وسيبي سونة".
هتف بها حسين معترضاً ثم نهض يكمل حديثه وهو يقبل رأس صفاء ويغمز لها:
"بيغيروا من حبنا يا صافي".
أمسكت يده وقالت مبتسمة:
"ملكش دعوة، محدش يقدر يفرقنا يا روحي".
ذلك الحوار جعل الجميع يبتسم، ليقول العم حسن مشيراً لحفيدته أن تجلس بجواره وهو يرمق حسين الذي احتضن صفاء بانزعاج زائف:
"تعالي يا لوكا أنا أدلعك يا حبيبتي، خلي حسين ينفع صفاء!".
أسرعت مليكة تلبي دعوة جدها لتجلس بجانبه وتحتضنه وسط ضحكات الجميع. أكملت مهمتها في تقديم القهوة لتقترب منه، وكل خطوة كانت تخطوها يرتجف معها قلبها، وتضغط متمسكة بتلك الصينية تخشى أن تتعثر وتهوي فناجين القهوة على الأرض. وقفت أمامه وانحنت نحو الأمام تصارع ارتباكها وتجاهد لإخراج صوتها الذي اختنق في جوفها، لتتوسل شفتاها أن تنطق:
"اتفضل".
كلمة واحدة لا تعرف كيف خرجت لترحمها. رفع نظره عن شاشة هاتفه الذي كان يمسكه ويقلب صفحاته بدقة، لتلتقي عيناه بعينيها. لحظات صمت فيها الكلام وحضرت معها مشاهد من الماضي وهم يلعبون سوياً، لترتسم ابتسامة عفوية على وجهه رقص لها قلبها قبل أن تسمعه يقول:
"متشكر يا ورد، تسلم إيدك".
كلمات معدودة منه كانت كفيلة ببعثرة مشاعرها حتى كادت أن تفلت الفناجين الباقية، لكنها تداركت ذلك دون أن يلاحظ أحد وأجابته بابتسامة:
"ألف هنا".
ابتعدت عنه وسمحت لنفسها بأخذ نفس طويل يحمل آمالاً جميلة بعد أن كانت أنفاسها حبيسة صدرها، لتتنهد بعشق وتسأل نفسها بتمني:
"يا ترى إمتى هتحس بحبي ليك يا سيف؟".
***********************"" ""
مساءً في منزل طارق، كان الجو هادئاً قبل أن يُطرق الباب وتهرول أحلام نحو الباب بسرعة، تتمنى أن صوته لم يصل للآخرين. فتحت الباب لتجده يقف أمامها مبتسماً، يشهر ذلك الكيس في وجهها ويقول مازحاً:
"اتفضلي يا هانم، الدليفري وصل".
ضحكت تنتشل ذلك الكيس وتقول بامتنان:
"متشكرة يا شريف، متشكرة أوي".
أشار لها نحو الكيس وقال:
"طب قيسيه الأول، مش يمكن يطلع مش مقاسك؟".
لوحت له مطمئنة وهي تجلس على الكرسي القريب وتحاول ارتداءه:
"ماتخافش هو مضبوط أكيد ولونه تحفة زي الصورة بالضبط، تسلم إيدك".
لوى شفته متهكماً وقال يمازحها:
"إيكش يثمر.. وانبسطي يا أحلام في الرحلة وابقي افتكريني".
حدجته بنظرة جانبية مستنكرة وقالت وهي تشهر أصابعها الخمسة في وجهه:
"قل أعوذ برب الفلق... أنت هتقر عليا؟!". لتضع الحذاء في الكيس بضيق وتنهض بسرعة متجهة نحوه ترفع الكيس أمامه: "أنت هتذلني بالجزمة؟ خدها!".
مد يده يدفع يدها بخفة ويقول ضاحكاً:
"أنتِ اتقمصتِ يا قموصة هانم؟".
ربعت يدها أمام صدرها وأشاحت وجهها عنه تخبره بحنق:
"أيوه".
ضرب رأسها بخفة وقال بلامبالاة:
"اتلهي يا بت، معنديش وقت أصالحك أنا عاوز اللي يصالحني.. أنا عايش اكتئاب في اللحظة دي ومستعجل عندي شغل امتلتل، ده أنا خطفت نفسي من الحج عشان أجلبيك الجزمة، لو فارس الجوهري عرف بغيابي هيطين عيشتي!".
لانت ملامحها وحلت ابتسامة مكان عبوسها لتلتفت نحوه تسأله بأسف:
"ليه ماقولتش إن عندك شغل؟ كنت طلبته أونلاين".
ابتسم لها يرفع سبابته أمامه:
"وافرضي اتأخر؟ أسيبك تروحي قنا من غير الجزمة اللي نفسك فيها؟".
ادمعت عينها وقالت بامتنان:
"متشكرة أوي يا شريف، أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه".
"اعملي شاي بلبن".
ضحكت على إجابته الهزلية وهزت رأسها بقلة حيلة فهي متعودة على ذلك، ليستدير ويهم بالرحيل، وقبل أن يصل إلى الباب أعادت شكره:
"متشكرة يا شريف".
التفت إليها وقال:
"مفيش شكر بين الإخوات".
أمسك مقبض الباب وادعى الحزن ليرفع يديه يمثل أنه يمسح دموعه الوهمية بطريقة فكاهية ويخبرها:
"افتكريني كل ما تاكلي بط وحمام وفطير مشلتت من إيد خالة فرحة.. سلام".
لوحت له مودعة:
"سلام".
فتح الباب ليغادر فوجد عمه أمامه، نظر إليه مندهشاً:
"شريف؟".
"أهلاً يا عمي".
وزع نظره بينه وبين أحلام التي تقف خلفه وتنظر لوالدها بتوتر. ليسرع شريف يوضح سبب وجوده بعد أن أشعرته نظرات عمه بتعجب:
"أنا جيت أجيب الجزمة اللي طلبتها أحلام".
تراخت ملامح طارق وأومأ برأسه متفهماً:
"كتر خيرك".
تركهم شريف وغادر لتتراجع أحلام إلى الوراء تفسح مجالاً لوالدها بالدخول، ليدخل فالتفتت لتصطدم عينها بعين والدتها التي كانت تقف تحدق بها ونظرتها لا تنبئ بخير، لتسألها بغضب:
"شريف كان بيعمل إيه هنا؟".
ارتبكت لتحتضن الحذاء كأنها تحتمي به، تجيبها بتلعثم:
"أصل فيه محل جنبهم بيبيع جزم حلوة، وريته الصورة وجاب لي الجزمة دلوقتي أصلها مريحة عشان الرحلة".
تلك الإجابة لم تقنع ندى التي هتفت بحنق معترضة:
"وليه مطلبتيش أونلاين وإلا كلمتِ أبوكِ؟".
بلعت ريقها برعب وهي ترى تصاعد غضب والدتها فخرجت كلماتها مرتجفة:
"خفت يتأخر".
"روحي يا أحلام على أوضتك".
قالها طارق يضرب على كتفها ويشير لها أن تغادر وسط نظرات ندى المستنكرة، لكنه كرر حديثه يعاود ضرب كتفها يحثها على سماع أوامره. نقلت نظرها بينه وبين والدتها التي صمتت على مضض، ليهز رأسه مؤكداً. هرولت راكضة نحو غرفتها تهرب من نظرات والدتها التي تخشى عقابها، وبمجرد اختفائها انفجرت ندى في زوجها:
"أنا مرضتش أكسر كلمتك قدامها، لكن البنت دي كان لازم تتعاقب!".
اقترب منها بهدوء يحاول امتصاص غضبها:
"متكبريش الموضوع يا ندى، شريف مهما كان ابن عمها يعني مش غريب".
لتهتف بغضب ويدها تتحرك بهيجان:
"أديك قولتها.. ابن عمها مش أخوها! زمان كنتوا بتقولوا زملاء، دلوقتي إيه حجتها يعني؟ ومتقولش قريبين وصحاب، ما أنا مش هحط البنزين جنب النار وأقول صحاب وولاد عم يا طارق!".
أمسك طارق ذراعها برفق وأشار لها محذراً:
"ششش... اهدي وبلاش العصبية دي وتعالي نحسبها بالعقل".
جذب يدها لتجلس على الأريكة وجلس هو قريباً منها، مد يده يمسك يدها التي ترتجف من شدة الغضب وقال:
"أنتِ صح مش هنختلف، لكن أنتِ كده بتنبهيها؛ بنتك يا ندى واخدة الحكاية إخوة وصداقة، أنتِ كده بتوعيها لما بتمنعيها فجأة وتزرعي جواها إنه ابن عمها مش أخوها، هتخليها تفكر فيه بشكل مختلف".
هدأ ارتجاف يدها وتطلعت به ثم بدأت تستوعب تفكيره، هي لم تفكر في هذه الزاوية. عاد بجسده إلى الوراء يسترخي في جلوسه وقال بندم:
"أحنا اللي غلطنا من البداية يا ندى، لما سبناهم مع بعض ابتدائي وإعدادي وثانوي وكلية، وكنا شايفين تعلقها بيه وإنه صاحبها الأنتيم وسكتنا وقلنا ابن عمها سندها وهيحميها من الغريب، ودلوقتي بنقول لها سيبيه!".
التقت أعينهما في حيرة، أحدهما يستنجد بالآخر من مجهول ربما بالغوا في الخوف منه. لحظات من السكون كسرتها هي تسأله:
"والحل إيه يا طارق؟".
انحنى قليلاً نحو الأمام ينظر إلى يديه التي شبكها يستجمع أفكاره، ليرفع نظره نحوها ويقول:
"سيبيها للزمن يا ندى، بكرة تتجوز إن شاء الله وتنشغل في بيتها وعيالها وتنسى شريف وصداقتهم دي". ثم ابتسم مازحاً يحاول التخفيف من اضطرابها: "وجايز تشوفه في الشارع وتتكسف تسلم عليه".
رسمت شبح ابتسامة، وقلبها لا يزال ينبض بتوتر، وتخشى أن تسقط ابنتها في حبه وهو يراها شقيقته، أو تخشى أن يسحبهما الشيطان لمنزلق أكبر رغم ثقتها في تربيتها وتربية شقيقتها، لكن هي تخشى ساعة ينتصر فيها الشيطان ويهزم حصون تربيتهم.
الفصل 4
تعالت أصوات الضحكات والنقاشات، وفرحة توزع الطعام عليهم وتلح عليهم بتناول أنواعه المختلفة. ابتسمت وهي تجد فخذ البط الموضوع أمامها وقد أصبح من نصيبها، وابتسمت وهي تتذكر ذاك الذي غاب عن الرحلة كلما قضمت قطعة منه، لتهمس سراً لنفسها:
_فينك يا شريف، تجي تشوف البط والحمام!
ثم كتمت ضحكاتها وقالت بشماتة محببة:
نفسي أطلع موبايلي وأصور الأكل وأغيظه.
ثم نهرت نفسها وهي تختطف نظرة نحو فرحة المندمجة في الحديث مع خالتها:
_بس عيب، الست هتقول عمرهم ما أكلوا بط وحمام.
لتشهق فزعة عندما وكزتها شقيقتها قائلة:
_بتبرطمي بتقولي إيه؟
لتبدأ في السعال بعد أن خنقتها تلك اللقمة التي توقفت في حلقها، لتلتقط قدح الماء القريب منها تشرب منه بسرعة وتحاول أن تلتقط أنفاسها، والتفتت نحوها بضيق بعد أن أفزعها تصرفها:
_كنتِ هتخنقيني يا مجنونة!
قطبت ورد حاجبيها بدهشة تؤنبها:
_وأنا مالي، أنتِ اللي كنتِ سرحانة وبتكلمي نفسك.
_اششش مالكم فضحتونا!
هتفت بها قمر بخفوت تنهرهم بعدما ارتفع صوت شجارهم. أشاحت أحلام وجهها بانزعاج بعد أن أشارت نحو ورد المتفاجئة من ردة فعلها:
_وأنا مالي، شوفي صاحبتك مش سايباني في حالي.
أخفضت عينها نحو طبقها بحرج وادعت اندماجها في تناول الطعام تنهي معه نقاشها مع شقيقتها بعد أن خجلت من ردة فعلها المبالغ فيها.
تابعتها عين قمر التي شعرت بالإشفاق عليها، فورد رقيقة وحساسة تؤثر فيها بضع كلمات. لتحاول التخفيف عنها، قطعت قطعة من الفطير وقربتها من رأسها المنخفضة، لترفع ورد رأسها وتنظر لها متعجبة:
_ذوقي الفطير يا ورد، ماما عندها حق، خالتي فرحة فطيرها يجنن، ذوقي بس.
حركت القطعة أمام فمها بإصرار تحثها على تناولها. ترددت في بادئ الأمر، لكن ابتسامة قمر وإلحاحها جعلها تفتح فمها تتناول منها الفطير وتبادلها الابتسامة شاحبة، مضغت لقمتها وابتلعتها بصعوبة، تهرب بعينها الدامعة من عين قمر التي تلاحقها وتحاول أن تواسيها، حتى انتبهت لسؤال خالتها الذي ساد الصمت معه:
_أخبار نور إيه يا فرحة؟ مرتاحة في القاهرة؟
تنهدت فرحة بشوق لابنتها الغائبة، ونظرت نحوها تجيبها في حيرة:
_الحمد لله، كل ما تتصل بتقول أنا بخير.
ربتت شمس على كتفها تدعو لها بسعادة:
_ربنا يسعدها يا حبيبتي، ويرزقها راحة البال والذرية الصالحة يارب.
ثم استرسلت تطمئنها:
حح_سيف بيشكر في جوزها دكتور حسام، أصلهم كانوا زمايل في الكلية قبل ما يقضي التكليف هنا.
هزت رأسها تستمع لكلامها، وشيء ما في داخلها يشعرها بالخوف، فصوت صغيرتها يوحي بوجود خطب ما رغم ادعائها عكس ذلك، ثم عقبت مؤكدة على حديث شمس:
_ما هو إحنا ما وافقناش عليه إلا بعد ما سألنا سيف وأكد لنا إنه إنسان كويس من عشرته معاه في الجامعة.
تعالت دعوات هدى وندى لها بالهناء، وختمت فرحة حديثها بدعوة جعلت قلبي ورد وقمر يخفقان بأمل.
*******************
أما هناك في غرفة الرجال، كان الحديث أكثر عملية، فما بين الحياة ومشاكلها وأخبار الناس انقضى وقت الغداء. اندمج حسين وسيف في الحديث مع محمد، يشرح لهما طبيعة عمله كمهندس زراعي يشرف على العديد من الأراضي الزراعية ويطمح في تحسين الإنتاج.
أما حسن فكان يصغي للحديث الذي يدور بين أعمامه والعم جابر عن أحوال المدينة وأخبارها.
نهض ينسحب من بينهم بعد أن داهمه صداع ناتج عن حاجته للتدخين، خرج نحو الخارج يتلفت يميناً ويساراً خشية أن تراه والدته. خطى خطواته نحو تلك الحديقة الكبيرة التي امتلأت بالزهور والنباتات العطرية وبعض أحواض الريحان والنعناع التي أكسبتها رائحة رائعة. أخذ نفساً عميقاً قبل أن يخرج سيجارته ويشعلها ليختلط دخانها بعبير المكان. امتص دخانها ثم نفثه في الهواء يغمض عينيه باسترخاء حتى انتهى، دهس عقب سيجارته بحذائه، نظر حوله واقترب من حوض النعناع ليقطف ورقاته يمسحها، ثم قربها من فمه ينفخ عليها قبل أن يتناولها ويمضغها ليغير من رائحة فمه التي تعشقت بها رائحة السجائر.
دارت عيناه بين الزهور التي وضعت تحت مظلات مخصصة لحمايتها من أشعة الشمس وحرارة الجو. اقترب تجذبه إحداهن بلونها الأحمر، مد يده يمسكها قبل أن ينحني يحاول استنشاقها، ليتأوه عندما غرست أحد أشواكها في أصبعه، ورغماً عنه كسر ساقها. سحب يده يمتص أصبعه يخفف ألمه، وشعر بالحرج عندما وجد الوردة قد تدلت منكسرة ليقطفها ويقربها من أنفه يستنشق عطرها، فتلوح صورة قمر أمامه؛ هي تشبه تلك الزهرة بجمالها ورقتها وشوكها أيضاً.
-حسين أنت هنا بتعمل إيه؟
انتفض عندما سمع صوتها وظن أنه يتخيل،
لكن لهجتها الهجومية جعلته يوقن أنها حقيقة
:-قطفت الوردة ليه؟ كنت سبتها حلوة مكانها.
ارتجف قلبه لسماع صوتها وشعر بالحرج ليستدير فيجدها تقف أمامه متجهمة الوجه، فيقول مبرراً بصوت متوتر:
-مكنتش عاوز أقطفها، حصل غصب عني.
لكنها استمرت في هجومها ولومها كأنها
وجدت متنفساً لكي تصرخ عليه وتفرغ ضيقها منه:
-مش تخلي بالك؟ دي أمانة، مش شايف هما محافظين عليها إزاي؟
عقد لسانه ولم يعرف بما يجيبها، لتمسك ورد يدها تؤنبها بعد أن شعرت باضطرابه:
-خلاص يا قمر، مكنش قصده، أنتِ مكبرة الموضوع ليه؟
ربعت يدها على صدرها لتزفر أنفاسها بانفعال:
-
-مش مكبرة الموضوع بس إحنا هنا ضيوف.
هذه المرة كلماتها آذته، ليتصبب عرقاً ويشعر بالانزعاج، مسح على وجهه بضيق يقترب منها ويمد يده بتلك الوردة:
-أنا قلت لك مكنش قصدي، وعلى العموم أنا هعتذر من محمد عشان أعفيكم من الحرج.
نظرت إلى يده الممدودة بالوردة ثم رفعت عينها لتواجه عينيه التي تنظر لها بحدة، ثم مدت يدها تخطف الوردة منه بغرور، وانسحب هو مغادراً.
نظرت ورد لأثره لتلومها قائلة:
-مالك يا قمر قسيتي عليه كده ليه؟ قال لك غصب عنه.
لوحت بيدها بعدم اكتراث ثم نظرت للوردة التي بدأت باستنشاقها.
أما هو فابتعد عنهم ليقف مستنداً على سيارة سيف، يشعل سيجارة أخرى يطفئ نيران حنقه ويفرغ فيها انفعاله، لكن قلبه الغبي بدأ كالعادة ينسج لها الأعذار:
-جايز مقصدش تنفعل، بس أكيد هي اتكسفت لو حد شافني بقطع الزرع.
واستطرد يقنع نفسه بمرارة:
-بصراحة هي عندها حق يا حسين، مش شايف هما محافظين على المكان إزاي.
قطع حواره مع نفسه ولومه لها خطوات سيف المقتربة منه ونظرات الاستهجان التي يطالعه بها بعد أن رآه يدخن، ليشيح وجهه إلى الناحية الأخرى ينفث دخان سيجارته بلا مبالاة:
-عرفت إنك خارج تشرب سيجارة، أنت مش هتبطل يا بني؟ خالتي هدى لو شافتك هتفرمك!
قالها سيف وهو يقف بجانبه مستنداً على السيارة، ليرتطم كتفه بكتف حسين متعمداً، مزيحاً إياه قليلاً كأنه يكمل عتابه، لكن حسين حافظ على صمته، فقد ثقلت الكلمات على لسانه؛ فماذا يخبره؟ أيخبره أن حب شقيقته هو السبب؟ يخبره أنها حرقت روحه بعشقها كما حرقت النار سيجارته حتى تطاير تعقله كما تطاير دخانها؟
صمته الذي طال جعل سيف يكزه مازحاً:
-إيه ساكت يعني، شكلك مش هامك حاجة، مالك يا بني؟ أنت من شوية كنت متحمس تركب الخيل وتلف البلد، مالك شايل طاجن ستك؟
أنهى سيجارته وألقاها أرضاً يجيبه دون أن ينظر إليه:
-مفيش حاجة، كدة في الشغل شغلاني.
دهس سيف عقب السيجارة الذي ظل مشتعلاً وتهكم بعدم اقتناع:
-حاجة في الشغل تقلبك 180 درجة!
هربت عيناه من مواجهته كما هرب هو من الإجابة عندما سأله:
-هو إحنا هنروح الاستراحة إمتى؟ أنا تعبت من الطريق.
وقبل أن يجيبه سيف صدح رنين هاتفه، وكان المتصل أصيل يسأله عن وقت حضورهم وعن عتاب والده له.
تنقلتا بين الأزهار وسارتا معاً عبر أحواض الريحان والنعناع يتبادلن الحديث ويلتقطن الصور حتى قررتا العودة إلى الداخل، لتلمحه عيناها يقف بجانب ابن خالتها يحمل هاتفه ويتحدث، لتتسمر قدماها وتعلنان تمردهما عليها، وتتعلق عيناها به، تشبع قلبها العاشق برؤيته.
تخطتها قمر، لتنتبه لتوقفها، عادت إليها تسألها بتعجب:
-ورد وقفتِ ليه؟
حتى انتبهت لما تنظر، فوجدتها تتأمل شقيقها الذي يقف بعيداً، لتتنهد بيأس وتعاود مناداتها:
-ورد يلا بينا.
انتبهت لتهز رأسها تنظر إليها بدهشة:
-بتقولي إيه؟
تأففت بأسف وهي ترى تعلقها بشقيقها الذي لا يعيرها انتباهاً، أمسكت ذراعها تجذبها بحنق:
-بقولك يلا بينا.
أطاعتها كالبلهاء، فعقلها المشتت لا يزال منسحباً مع ذلك الذي ملك قلبها.
-قمر.. ورد!
صاح بها بضيق ليتجاوزه محمد الذي كان يسير بجانبه مبتعداً عندما رأى اقتراب الفتاتين. رفرف قلبها عند رؤيته، وتوهجت عيناها بحبها المكتوم ليشرق وجهها بابتسامة عريضة تزامنت مع حروف اسمه التي خرجت من شفتيها بابتهاج:
-حسن!
ليقطب حاجبه ويسألهما بجمود:
-بتعملوا إيه؟
رفعت كتفها تجيبه بنبرة مندهشة لسؤاله، تشير نحو الحديقة الشاسعة:
-كنا بنتمشى.
_أصل منظر الورد جميل، مقدرناش نسيبه من غير ما نتصور معاهم.
هكذا أكدت ورد على حديثها وهي توزع نظرها بينهم. زفر أنفاسه بضيق ينظر إلى المكان حوله، فتلك الأفكار بدأت تسيطر على طريقة تفكيره حتى أصبح يشك بمن حوله. مسح على وجهه كأنه يحاول إزاحة ذلك الضيق عنه، وتطلع إليهما يحاول رسم ابتسامة على وجهه مجبراً، وقال بصوت يحاول تخفيف حدته:
-طب ادخلوا جوة لحسن حد غريب يشوفكم.
انصاعت لأمره مرحبة، تسير بخطوات سريعة نحو الداخل حتى توقفت تضع يدها على قلبها تخفف ضرباته المتسارعة وتتنهد بعشق قبل أن تلتفت نحو ورد تقول بلهفة:
-شفتي بيغير عليا إزاي؟
مطت ورد شفتها مستنكرة وكررت حديثها بقلة حيلة:
-بيغير عليكِ.. طب يلا ياختي خلينا ندخل.
استأذن الجميع من جابر وفرحة قبل أن يغادروا نحو منزل راجح وزهرة اللذين استقبلاهما بترحيب حار وعتاب محب:
-يا مرحب يا مرحب، أهلاً بيكم.. دا إحنا بنستناكم من الصبح!
احتضنه فارس يبادله التحية يبرر له:
-أهلاً يا أبو أصيل.. أنت عارف جابر أصر يستقبلنا، ربنا يعمر بيتك.
بدأ راجح يقدم التحية لجميع الرجال كما فعلت زهرة مع النساء وهي ترحب بشمش وشقيقاتها ثم بناتهن تباعاً. وانفردت بهم في مكانهم المخصص، تعرفهم على بناتها "سندس" و"بسملة" ، وتبدأ بثرثرتها المعتادة تروي لشمس عن أحداث البلد وعن الأشخاص الذين تعرفهم.
حل المساء، ليذهب الجميع إلى أماكنهم المخصصة للنوم بعد أن أنهكهم التعب من طول السفر. اجتمعت النساء للنوم في مكان واحد كما اجتمع الرجال في مكان آخر. جافاه النوم، فالتفت حسين نحو سيف الذي غط في نوم عميق كما فعل والده وطارق أيضاً، وتعجب وهو يجد سرير شقيقه فارغاً وكذلك سرير فارس. انتابه الفضول لينهض يبحث عنهم.
وما هي إلا بضعة خطوات خطاها نحو الباب ليصله صوت فارس يتحدث في الهاتف، كتم ضحكته بعد أن علم أنه يحادث خالته وانصت لحديثه الذي جعله يسأل نفسه سؤالاً: هل العشرة الطيبة تزيد من رباط الحب والتعلق لهذه الدرجة؟
-مقدرتش أنام قبل ما أسمع صوتك، ومش عارف هنام إزاي وأنتِ بعيدة عن حضني.
ضحكت تهمس له بحب:
-ولا أنا يا حبيبي، لو مكنتش اتصلت كنت أنا اللي اتصلت بيك. خلي بالك من نفسك واتغطى كويس، أنا عارفة سيف هيشغل التكييف وأنت بتاخد برد بسرعة، وخد الدوا متنساش.
صمت يستمع لأوامرها باستماع، يحرك رأسه بطاعة كطفل يستمع لأوامر أمه، حتى انتهت ليظل صامتاً، فتناديه بقلق:
-فارس حبيبي أنت سامعني؟
ابتسم ثم أجابها بصوت عاشق:
-سامعك يا حبيبتي.. حاضر هعمل كل اللي بتقولي عليه.
ثم اتسعت ابتسامته يخبرها:
-تعرفي يا مشمش بحب أوي أحس بخوفك وقلقك عليا كأني ابنك مش جوزك.
تنهدت تغمض عينها وتفتحها، فهي من تعشق تدليله، فترد له جزءاً من دلاله لها:
-حبيبي هو أنا عندي أغلى منك أخاف عليه؟ ربنا يحفظك ليا.
-ويحفظك يا روحي.
شعرت بتلك العيون التي تراقبها، لتشعر بالخجل وتحاول إنهاء المكالمة رغم أنها ودت لو تطول:
-طب تصبح على خير.
-خلي بالك من نفسك.. تصبحي على خير.
أغلقت الهاتف لتجد شقيقاتها وبناتهن يحدقن بها لترتبك بحرج قائلة:
-مالكم بتبصولي كده ليه؟
لوت هدى شفتها بسخط وقالت تمازحها:
-عيني على الحب وسنينه!
ثم قلدت حديثها بطريقة مضحكة جعلت الجميع ينفجر ضاحكاً حتى هي، لتتوقف ندى عن الضحك تلومها:
-يا ستي سيبيها تحب دا جوزها لا هو عيب ولا حرام.
لتعقب هدى وعينها معلقة بشمس تبصر ردة فعلها على ما ستقوله:
-بالعكس أنا فرحانة ليها، أهي شمس عاشت قصة الحب الأسطورية اللي طول عمرها كانت تحلم بيها.
ابتسمت شمس وأكدت حديثها الذي سبقته تنهيدة طويلة:
-ياااا يا هدى أنتِ لسه فاكرة، بصراحة أيوه، حبي لفارس وقصتنا سوا هي الحاجة اللي كنت بحلم بيها، وفارس هو حبيبي اللي كنت دايماً بحلم بيه.
ثم استطردت بما جعل شقيقاتها يبتسمن:
-أهو فارس الحسنة الوحيدة اللي عملها بدران ليا.
-ربنا يرحمه.
دعاء قالته ندى وأمنت عليه شقيقتها، ليتفاجأن ببناتهن يزحن الغطاء عن أجسادهن وينهضن ملتفين حول شمس يحدقون بها ويقلن بصوت واحد:
-عاوزين نسمع الحكاية!
قطبت شمس حاجبيها وسألتهم مستفسرة:
-قصة إيه؟ أنتو مش كنتو نعسانين وعاوزين تناموا؟
-وحياتي يا خالتو لتحكي لنا، اعتبريها قصة قبل النوم.
هتفت بها أحلام التي أمسكت يدها برجاء تحثها على سرد القصة، لتوافقها الأخريات بإيماءة منهن. تطلعت نحو شقيقتيها اللتين أشارتا لها بسرد القصة بعد أن رأوا حماس الفتيات، لتهز رأسها بقلة حيلة وقالت وهي تنظر لشاشة الهاتف:
-خلاص أطمن على شريف وأحكي لكم الحكاية.
-شريف وصل من ساعة وتعشى ونام...
وضعت يدها على فمها بعد أن أدركت تهورها، بعد أن باحت بما يثبت تواصلها معه، لتتحمحم بحرج تخطف النظرات نحو والدتها التي ارتسم الحنق على محياها، فحاولت تدارك الموقف:
-أصله كلم قمر من شوية ومردتش، وكلمني أبلغك عشان متقلقيش.
رغم تعجبها بما تفوهت به ابنة خالتها، لكنها قررت أن تغطي عليها وتوافقها رغم عدم صحة كلامها، لكن نظرات خالتها الغاضبة ونظرات ورد المتوسلة أجبرتها على الكذب، لتدعي النسيان وتضرب جبهتها بيدها:
-أيوه صحيح إزاي نسيت أبلغك، هو اتصل فعلاً.
وصل غضب ندى إلى شمس التي قرأته بعينها وارتباك أحلام، لتفهم عدم رضا شقيقتها بعلاقة ابنها بابنتها. وضعت هاتفها جانباً واتكأت بظهرها على ظهر السرير وبدأت بسرد حكايتها مع فارس كي تخفف من توتر الجو المشحون. روت الحكاية وكيف أجبرها جدها على الزواج منه، لكنها اقتطعت منها انحرافه وما فعله بها كي لا تهز صورة فارس أمام الفتيات وبالذات قمر. وما إن انتهت حتى ابتسمت وهي تجدهم ينظرون لها بشغف ويقولون بهيام:
_الله، حكايتكم حلوة أوي يا خالتو.
صوبت شمس نظرها نحو شقيقتيها اللتين كانتا تنصتان أيضاً لحديثها وابتسمت ابتسامة ذات مغزى قبل أن تتهكم قائلة:
_شوفتو حكايتي طلعت حلوة أوي!
بادلتاها الابتسامة وغمزت لها هدى قبل أن تعقب ضاحكة:
_حلوة أوي يا مشمش.
تنهدت قمر وزفرت أنفاسها بقوة وهي ترفع يدها تدعو بقلب صادق:
_يارب أعيش حكاية حب زيك يا ماما.
تحركت عينها باتجاهها بسرعة واختفت ابتسامتها تبتلع غصة مرة، وكأن دعاء ابنتها أعاد ذكريات ذلك الجرح الذي داواه حبيبها عبر السنين، لتهمس سراً:
_يارب ماتعيشي اللي عشته يا بنتي.
ثم ابتسمت تتذكر ما فعله لها كي تنسى جرحه لها، لتتم لها داعية:
-ربنا يرزقك براجل طيب وحنين زي أبوكِ.
هتاف الفتيات حولها أخرجها من شرودها وهي تسمعهن يدعون بأن يرزقهن بحبيب مثل فارس، لتوافق أحلام قمر في رأيها وتدعو مثل دعائها:
_آه والله يا قمر، حد حنين زي عمو فارس ورومانسي.
لتبعها ورد قائلة بنظرة هائمة:
_وطيب وعاقل وزين.
وانضمت مليكة لهن تكمل سرد صفاته:
_ووسيم وجنتل مان ويحبني زي ما بيحب أونكل فارس خالتو.
فتحت عينيها على وسعهما وهي تنقلهما بين الفتيات بدهشة قبل أن تصرخ بهم موبخة:
_بس يا بنت منك ليها! بتتغزلوا بجوزي قدامي؟
ثم فتحت أصابعها "تخمس" في وجوههن تردد آيات التحصين:
قل أعوذ برب الفلق.. أنتو هتقروا على الراجل!
ثم علا صوتها تأمرهن بغضب:
-يلا كل واحدة على سريرها، جيل قليل أدب.
تحركن بسرعة هاربات من أمامها، واندست كل واحدة منهن في سريرها وسط ضحكات ندى وهدى. تسطحت على السرير بحنق ولسانها لا يزال يردد الدعاء له، لم يهدأ بالها إلا عندما أرسلت له رسالة تطمئن عليه قبل أن تغفو، لكن غفوتها لم تستمر سوى ثوانٍ ليوقظها رنين هاتف ندى الذي نظرت له بلهفة وأجابت على المتصل بشوق:
-زياد حبيبي ازيك؟ وحشني يا روح أمك، أيوه يا نور عيني وصلنا، طمني عنك.
لتهمس شمس بانزعاج بعد أن أيقظها رنين الهاتف:
-آه حبيب قلب أمه بيتصل، هناخد وصلة عياط معتبرة بعدها.
لكن ندى خيبت ظنها وأغلقت الهاتف ثم قبلت شاشتها كأنها تقبل ولدها واحتضنته غافية بعد أن دهمها إرهاق السفر.
****************"" ""
أما عند فارس، فما إن أغلق هاتفه معها حتى سمع خطوات حسين القادم من خلفه، والذي تعمد أن يصدر صوتاً لينتبه فارس لوجوده. استدار مندهشاً نحوه وسأله باستغراب:
_إيه اللي مصحيك لغاية دلوقت؟
مسح حسين على خصلات شعره يدعك رقبته ويجيبه مبتسماً:
-ماجاليش نوم.
ثم استطرد بصوت عابث يغمز له:
-ووصلة الغرام اللي سمعتها طيرت النوم من عيني.
لكمه فارس في كتفه يؤنبه بمزاح:
-أنت بتتصنت عليا يا ولد؟
دعك حسين كتفه متأوهاً واقترب منه وأمسك عضده يكمل مزاحه معه هامساً له:
-بصراحة الفضول دفعني أسمع كلام حب بعد سنين الجواز الطويلة.
ثم ابتعد عنه تاركاً مسافة بينهما ينظر لوجهه كأنه يترقب ردات فعله على حديثه، شيء بين الأمل واللهفة لمعرفة سر إشراقة تلك العلاقة، ليخبره محاولاً حثه على الحديث:
-أصل طول عمري أسمع الرجالة تشتم نفسها بعد الجواز ويقولك كانت ساعة زفت يوم ما فكرت أتجوز.
قهقه فارس ضاحكاً وجذب مقدمة ملابسه حتى تقابل وجههما:
-أوعى يكون أبوك اللي بيقول كدة!
حسين الذي فاجأته حركته أجابه بارتباك:
-لا.
ليفلت فارس ملابسه ويكمل وصلة ضحكه وهو يتمتم ساخراً:
-هو يقدر؟ دي كانت هدى تعلقه!
ارتد جسد حسين إلى الوراء ليجذب ملابسه يعيد ترتيبها ويقول ضاحكاً على تعقيب فارس:
-لا بصراحة بابا بيحب ماما، بس مش زيك، جايز أنت رومانسي أكتر، أنت حبك لخالتو مختلف.
لمعت عين فارس بعد كلمة حسين الأخيرة، فقد صدق؛ حبه مختلف. شرد بذاكرته وكأن الماضي يمر أمامه كشريط طويل، ليسير بخطوات بطيئة ثم جلس على تلك السلالم الرخامية العرضية أمام باب الاستراحة، له حسين متعجباً من شروده وجلس بجانبه. التفت نحو فارس ونظر له نظرة طويلة أصابته بتوتر، حتى سمعه يقول:
-أنا فعلاً يا حسين حبي ليها مختلف، شمس بالنسبة ليا مش مجرد زوجة، شمس بالنسبة لي حياة، هي كل أفرادها؛ هي أمي وأختي وصاحبتي وبنتي.
ثم تنهد بحب ينظر إلى هاتفه متذكراً حديثها معه ليلفظ آخر صفاتها بعشق:
-وحبيبتي.
ثم ابتسم يعاود النظر لحسين الذي بادله الابتسامة فأكمل مفسراً:
-شمس يا حسين دخلت حياتي اللي كانت ضلمة ونورتها زي الشمس لما تنور عتمة الليل، ومش بس كدة، حياتي اللي كانت مكركبة لقيتها بتنظمها من غير ما تحس، كنت زي العيل التايه اللي لقى حضن الأمان معاها. عشان كدة هي بالنسبة ليا حياتي كلها، بحبها أكتر من نفسي، معنديش أغلى منها، الدنيا عندي كلها في كفة وشمس لوحدها في كفة تانية.
ضحك فارس وهو يجد حسين يسند ذقنه على راحة يده وينصت له باندماج دون أن ترمش عيناه، كأنه شارد في عالم آخر، ليصفعه بخفة أجفلته:
-رحت فين؟ القصة خلصت.
أخذ نفساً وزفره ببطء يسأله بذهول:
_هو فيه حب كدة بجد؟
-لا مافيش.
إجابة فارس السريعة صدمته، ليحدق به قاطباً حاجبيه، فيربت فارس على كتفه قبل أن ينهض ليغادر، يجيبه كي يرضي حيرته:
-مافيش لأننا حالة استثنائية ونادرة، فهمت يا بن علي؟
ختم حديثه وهو يضرب جبهته بمزاح تاركاً إياه يفكر: هل ستكون قمر شمساً يوماً من الأيام ويكون هو فارسها؟
***************************
أما في مكان بعيد قليلاً، كان حسن يجلس مستنداً على جذع الشجرة الكبير، ينظر إلى السماء كأنه يطلب النجدة من الله ليخرجه من مستنقع الأفكار المظلمة التي سقط بها والتي تأبى أن تغادره. أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بقوة عله يطرد معه تلك الأفكار التي جثمت على صدره وفارقت من جفنيه النوم. مسح على وجهه بإرهاق يتذكر كيف أصبح يفكر في بنات خالته ويسأل نفسه: هل هن مثل زميلته أم مثل زوجة جلال؟ ثم لام نفسه كيف يقارن بنات خالته معهن. ليتوارى خلف جذع تلك الشجرة يتحقق مما سمعه ليتصنم مكانه وهو يجد فتاة تخرج من باب ذلك البيت الكبير، تحمل صحناً معها، ليبدأ عقله يغزل تلك الأفكار السيئة، لكنه حاور نفسه بتعجب، فالفتاة في غاية الحشمة وكلما اقتربت كان وجهها يتضح أمامه، ملامحها بريئة، ليعود عقله يدس السم من جديد يخبره أن لا يثق في الملامح بسرعة.
ظلت عيناه تتبعها بفضول حتى وجدها تجلس القرفصاء قرب إحدى الأشجار وتنادي بخفوت:
_سكر..سكر.. أنتِ فين؟ جبتلك أكل يلا تعالي.
ابتسم بعفوية عندما سمع صوتها، واتسعت ابتسامته عندما وجد قطة صغيرة تقترب من الطبق، فتمسح هي على رأسها بلطف. المشهد كان بمثابة انتصار على تلك الوساوس والظنون اللحظية، فشكه بها ذهب أدراج الرياح. كان مندمجاً في مشاهدتها وأذنه تلتقط صوتها وهي تلاعب القطة باستمتاع، قطعه صوت آخر عندما وجد امرأة تهرول نحوها منادية:
-ست سندس.. ست سندس!
_أيوه يا أم محمد.
_الست الكبيرة بتدور عليكِ.
نهضت بسرعة تنفض ملابسها بخوف لتلومها السيدة محذرة:
_دي لو عرفت بحكاية القطة هطين عيشتنا.
نظرت لها برجاء وقالت متوسلة:
_أوعي تقوليها، دي ممكن ترميها بره.
لتومئ لها مؤكدة:
_متخافيش يا ستي سرك في بير.
ابتسمت لها لتدفعها تشير لها نحو الداخل بعد أن لوحت لتلك القطة المندمجة في الأكل مودعة:
_طب يلا بينا.. مع السلامة يا سكر.
عيناه ظلت معلقة بها حتى دخلت إلى المنزل، لينظر لأثرها مردداً ذلك الاسم:
سندس.
الفصل 5
وأشرق الصباح، وأعلنت الشمس وصولها لتمد أشعتها تداعب الأرض، وتعلن عن بداية يوم جديد تشق فيه براعم جديدة طريقها نحو الحياة. تسللت أشعة الشمس وشاكست أجفانه، ليفتح عينيه بضجر يمد يده يدعكها حتى اتضحت الرؤية له، ليتثاءب ويمد يده نحو هاتفه يطالع الساعة، ورغم معرفته بأن الوقت لا يزال مبكراً، لكنه قرر النهوض.
أخذ حماماً دافئاً واتجه نحو سرير شقيقه، جلس على حافته ومد يده يهز جسده في محاولة لإيقاظه:
-فارس... اصحى يا فارس.
تململ واستدار بانزعاج نحو الجهة الأخرى، ليمد يده يهزه من جديد:
-فارس... فارس!
ليهمهم متذمراً:
-امممممم.
ليصيح بضيق وصوت عالٍ نسبياً خشية إيقاظ الآخرين:
-اصحى يا فارس.. يا عم اصحى...
فتح إحدى عينيه والتفت إليه يسأله بدهشة، ظناً منه أن الوقت قد تأخر:
-طارق... هي الساعة كام؟
الساعة سبعة ونص.
زفر أنفاسه يلومه باستنكار:
-لسه بدري، بتصحيني ليه؟
عاوز اتمشى ومكسوف اتمشى لوحدي، أنت أقرب مني ليهم، تعالى تمشى معايا.
لوح بضجر وقال وهو يعاود دفن رأسه في وسادته:
-خد علي معاك، أنا عاوز أنام.
نظر إليه بيأس قبل أن يسحب الوسادة من تحت رأسه ليرتطم بمرتبة السرير، ليسمع طارق يكرر الأمر عليه:
-يا بني قوم معايا، أنا هصحي علي خلينا نتمشى شوية نشم لينا هوى نقي، قوم يا راجل يا عجوز.
ليرد عليه مغمض العينين ويقول متهكماً:
-سبنا الشباب ليك يا دكتور.
_ممكن أعرف عاملين غاغة ليه؟ مش فيه ناس نايمة معاكم؟
هتف بها علي متذمراً بعد أن أزعجه شجار الاثنين، ليلتفت نحوه طارق:
-كنت عاوز نتمشى سوا، الجو حلو.
اعتدل علي في رقوده وقال برضا:
-فكرة حلوة، هغير هدومي وأجي معاك.
لكن علي بدلاً من أن يذهب إلى الحمام، اتجه نحو فارس الذي لا يزال ممدداً مغلق العينين يحاول مشاكسته، لينحني يهمس له:
-قوم يا عجوز يا مراهق يا بتاع مكالمات آخر الليل.
ليجيبه دون أن يفتح عينيه:
-اتلم يا علي، لما أنت غيران كنت عملت زيي.
لكن علي كتفه وقال باستهزاء:
-أعمل زيك يا راجل؟ اختشي دا أنت قربت تجوز ولادك!
استيقظ أخيراً واعتدل يدفع علي بخفة ويوبخه:
-امشي من قدامي يا علي، أنا لسه شباب يا ابن الجوهري.
وقبل أن يكمل علي مناكفته صدح صوت طارق المعترض:
-بطلوا أنتوا الاتنين، اتأخرنا.
استسلم فارس لطلب شقيقه مجبراً وغير ملابسه، ليغادر الثلاثة في جولة صباحية
***********************
كان يقف أمام مرآته يمشط شعره وينثر عطره، التفت ليراها تقف خلفه تمسك عباءته الثمينة لتساعده في ارتدائها وتهندمها له، تمسح على أكتافه وعيناه تتابعانها، يملي عليها أوامره وملاحظاته لحسن الضيافة وهي تكتفي بإيماءة من رأسها، حتى انتهت ليبتسم لها:
-تسلم يدك يا غالية.
-الله يسلمك ويحفظك يا حبيبي.
نظر إليها ليجد عينيها تحاولان أن تخبراه بشيء تردد لسانها في نطقه، ليقترب منها يمسح على ذراعها يمنحها الأمان لتبوح بما تحمله:
-مالك يا زهرة؟ شكلك عاوزة تجولي حاجة.
تلعثم لسانها لحظات لكنها عزمت على إخباره بطلبها، لتمسك كف يده تشد عليه براحتيها تنظر له برجاء وتتوسله بصوت مضطرب:
-وحياتي يا راجح ما تجسى على أصيل ولا تهينه جدام أصحابه، بالله عليك خليه فرحان بيهم وحافظ جيمته جدامهم.
تبدلت ملامحه وتلاشت تلك الابتسامة، لتشعر بكفه يضغط على يديها بعنف، أيقنت معه أنها أغضبته. رفعت عينيها نحوه بخوف لتصطدم بعينيه التي ترمقها بحدة، لترتعش وجلة وهي تسمعه يقول بانفعال:
-وأنا من ميتي بجلل من جيمة ابني جدام الغريب يا زهرة؟
ارتجف صوتها وهي تخبره باضطراب:
-مش جصدي والله، بس جولت أنبهك عشان جصة امبارح.
تعالت وتيرة أنفاسه الغاضبة لتخرج كلماته بحدة حملت عتاباً ضمنياً:
-لا ماتخافيش يا زهرة هانم، أنا بعرف ميتي أربي ابني وأعلمه وميتي أرفعه وأكبره، أنتِ واجفة جدام راجح يا زهرة مش جدام عيل صغير عشان تنبهيه.
ابتلعت ريقها الذي جف من توترها وخشية خصامه لتقول بسرعة:
-فشر! مين اللي يجول عيل؟ ينجطع لساني جبل ما ينطجها يا سيد الرجال.
ثم باغتته باحتضانه، تضم جسدها له بقوة تعبر فيها عن اعتذارها وتقول بغنج تلومه وهي تتمسح به كقطة وديعة:
-كدة يا راجح؟ هي زهرة ممكن تجول كلمة عفشة عن حبيب جلبها؟ دا أنت الغالي.
لانت ملامحه واستطاع دلالها إخماد نيران غضبه، ليضم جسدها يمازحها بعتاب:
-شكل بجى فيه اللي أغلى مني عندك.
ابتعدت عنه بسرعة تخبره وعيناها تواجهان عينيه:
-ما فيش أغلى منك في جلب زهرة يا غالي.
ثم ابتعدت تمسك بمقدمة عباءته تعيد ترتيبها وعيناه معلقة بها وهي تخبره بصدق:
-هو أنا بحب ولادي ليه؟ عشان ولادك، وأصيل ماهو نسخة منك لكن الولد طالع لأمه طيب وحنين.
انفجر ضاحكاً وقال يداعبها:
-جصدك أبوه جاسي مش كدة؟
ضيقت عينيها وعادت تجذب أطراف عباءته:
-من غير زعل أيوه جاسي وخصوصاً معاه، مع إنه بيحبك، دا يكفي إنه دايما بيجول أنا طلعت دكتور عشان أبويا يفضل رافع راسه بيا.
قبض على كتفها بيديه ينظر إلى عينها بعمق يحاول إقناعها:
-زهرة، أنا بحب أصيل جوي دا ابني البكري، لكن دا ما يمنعش إني أجسى عليه عشان يبجى راجل صح، أنا مش عاوزه دكتور بس، عاوزه راجل يجدر يصرف بعجل وحكمة، فهمتيني؟
هزت رأسها توافقه الرأي وتبسمت تدعو له بقلب محب:
-ربنا يحفظك ليهم وليا يا حبيبي.
انحنى يقبل جبهتها قبلة طويلة رفرف لها قلبها، ثم همس يرد لها دعوتها:
-ويحفظك يا غالية.
***************************
سار الثلاثة بين الحقول يستنشقون هواء نقياً ويراقبون حركة الفلاحين النشيطة حتى مضى وقت أنهكت أقدامهم من السير، ليلتفت فارس نحو طارق الذي بدا مستمتعاً بتلك الأجواء:
-مش كفاية يا طارق؟ خلينا نرجع، رجلي وجعتني.
ليضع علي كفه على كتفه وينهج أنفاسه المتعبة يوافقه الرأي:
-آه خلينا نرجع، إحنا مشينا كتير.
مط طارق شفته ساخطاً وأجابهم باستهجان:
-شكلكم عجزتوا صحيح!
أمسك فارس ساعده مستنداً عليه يخبره ويده الأخرى تمسح حبات العرق التي تجمعت على جبهته يستنكر حديثه:
-يا أخي أنت متعود على الوقفة، إحنا ناس مش متعودة وبقالنا أكتر من ساعتين بنلف، خلينا نرجع.
-آه وأنا جعت كمان خلينا نرجع، تلاقي الفطير السخن مستنينا.
هتف بها علي ويده تتحرك على معدته الفارغة وهي تصرخ مصدرة أصوات استغاثتها مشيراً نحوها:
-سامع بتصوصو إزاي؟
ضحك طارق وفارس على حديثه واستداروا عائدين.
*********'*' *****
أصبح أسيراً لأحلام هي بطلتها، وكأنه يفرغ شوقه إليها في تلك الأحلام التي يصنعها عقله مجيباً لنداء ذلك القلب العاشق. رآها تركض نحوه ليفتح لها ذراعيه فترتمي بين أحضانه ليحملها ويدور بها يصرخ بصوت عالٍ:
-بحبك.. بحبك!
فتتعالى ضحكاتها وهي تبادله اعترافه:
-وأنا كمان بحبك يا حسين... حسين... حسين!
تكرر اسمه لكن صوتها الناعم تغير وأصبح خشناً، ليختفي كل شيء وهو يشعر باهتزاز جسده. فتح عينيه بفزع ليجد أصيل يقف أمامه يضحك بشكل هستيري استفزه. مسح على عينيه ووجهه ثم على شعره وهو يتمتم:
-بسم الله الرحمن الرحيم...
ثم زفر أنفاسه بانزعاج متعوذاً من الشيطان الرجيم، معتدلاً في رقوده يسند ظهره على ظهر السرير، ليضرب أصيل كتفه ويقول مازحاً:
-إيه مالك؟ شفت عفريت؟
تثاءب يشيح وجهه عنه بتذمر، لكنه التفت ينظر لأصيل بهلع بعد أن سمعه يقول:
-ولا قطعنا عليك حلم جميل يا عم الحبيب؟
ارتبك وعيناه تراقبان أصيل، يسأله بتلعثم:
-هو أنا اتكلمت وأنا نايم؟
أزاح أصيل قدمه قليلاً وجلس على حافة السرير ينظر له بعبث ويهمس:
-إلا اتكلمت! دا أنت قلت بلاوي!
انتفض يمسك ساعد أصيل ويسأله بترجٍ:
-قلت إيه؟
انحنى نحوه يهمس بجانب أذنه بخبث محبب:
-قلت بحبك... بحبك.
ابتلع ريقه وشلته الصدمة لدقائق وهو يخشى أن يكون قد لفظ اسمها، ليبتعد عن أصيل ببطء ويسأله بقلق:
-بحبك بس؟
عاد أصيل يضحك من جديد وهو يشاهد ملامح الفزع ترتسم على وجهه، ليربت على يده مطمئناً:
-ما تخافش، قلت بحبك بس.
زفر أنفاسه بارتياح واعتدل من جديد قبل أن تدور عيناه في المكان ليرى حسن الذي خرج تواً من الحمام وسيف الذي أنهى صلاة الضحى وجلس يتمتم بعض الأذكار. حرك عينه لتعود فتلتقي بعيني أصيل الذي أمسك يده يجذبها ويحثه على النهوض:
-يلا يا بني قوم خد شاور وصلي خلينا نفطر علشان نروح مزرعة الخيول، أنت مش كنت متحمس تروح هناك؟
لم يكد يكمل أصيل جملته ليجده ينتفض ويقف يفرقع أصابعه أمامه ويخبره بنشاط قبل أن يتركه ويدخل الحمام:
-ثواني!
***************************
وصلوا إلى منزل راجح ليستقبلهم بحفاوة ويدعوهم لتناول الفطور. دخل الثلاثة واستأذنوه الاطمئنان على زوجاتهم وبناتهم قبل تناول الفطور، رافقهم إلى الجناح المخصص لهم. دخل الثلاثة لتهرول الفتيات نحو آبائهن بشوق.
ارتمت وردة في حضن طارق الذي احتضنها بلهفة:
-بابا حبيبي وحشتني.
بادلها العناق يحتضنها بقوة:
-روح بابا ودنيته، أنتِ كمان وحشتيني.
أبعدتها أحلام عنوة عن أحضان والدها واحتضنته هي:
-بابا حبيبي وحشتني.
-وأنتِ كمان يا روح بابا.
ابتعد عنهم ليقترب من ندى التي كانت تشاهد المنظر مبتسمة، وهي تجد بناتها تنعمان بما حرمت هي منه يوماً، فطارق يشبه والدها في حنانه على بناته:
-عاملة إيه يا أم زياد؟
-الحمد لله يا حبيبي.
واقتربت هدى ومليكة نحو علي الذي ضم ابنته ونظر لهدى:
-وحشتوني.
وأنت كمان يا حبيبي، نمت كويس؟
-الحمد لله.
أما فارس الذي كان يحتضن قمر وعيناه معلقة بها وهي تبتسم له، ليبتعد عن قمر ويتحرك نحوها بخطى سريعة يسبقه شوقه ولهفته إليها، واقترب ينحني نحوها يهمس لها غامزاً:
-وحشتيني يا روحي، ماعرفتش أنام امبارح، أدمنت حضنك يا بنت ورد.
بادلته الابتسامة تجيبه بذات الهمس:
-وأنت كمان وحشتني يا حبيبي.
انحنى أكثر يهمس لها مجدداً:
-وحشتني صباح الخير اللي بتفاءل بيها وبتعدل مزاجي، اصطبحت بوش علي وطارق عشان كدة مزاجي متعكر.
كتمت ضحكتها تعض على شفتها تحاول منعه من إكمال حديثه:
-فارس!
-عيون فارس وكل دنيته.
-احم... احم... فارس اتأخرنا على الراجل.
كان هذا صوت طارق الذي انتبه إلى تحديق الفتيات بهم وابتساماتهن التي ملأت وجوههن كأنهن يشاهدن مشهداً رومانسياً، ليحاول تنبيهه بهذه الطريقة. ابتعدت عنه بحرج كما ابتعد هو مرغماً.
****************************
وصل الشباب إلى المنزل يتقدمهم أصيل يرشدهم نحو الطريق، ليتوقف حسن فجأة عندما صدح رنين هاتفه. مد يده يخرجه من جيبه ليجد جده يتصل به، فتح الهاتف يجيب على جده ليسبقه الباقي نحو الداخل، فانشغل هو فترة في مكالمته التي كان يستفسر فيها الجد عن بعض الأمور حتى انتهى منها، ليجد نفسه وحيداً بالقرب من باب المنزل. فحار في أمره ماذا يفعل، أيدخل أم ينتظر أصيل ليعود إليه؟ ليحسم أمره ويقرر الدخول.
دخل نحو الداخل وخطى خطوات معدودة لا يعلم في أي اتجاه يتحرك، حتى تفاجأ بمن تخرج من إحدى الغرف دون انتباه. التفت إليها فتصعقها الصدمة عند رؤيته أمامها، ولم تكن صدمته أقل منها، فتلك هي الفتاة ذاتها التي رآها في الأمس. شُلت أطرافها ولم تدرِ ماذا تفعل لتخفض رأسها تحاول الهروب، ليقول بسرعة وهو يتلعثم بارتباك يحاول أن يبرر لها:
-أنا مش...
فهمت هي من يكون، رفعت يدها تشير له نحو إحدى الغرف دون أن تتكلم وتفر هاربة بخطى مسرعة. ظل ينظر لأثرها لثوانٍ ليبتسم بتلقائية على تصرفها ويذهب حيث أشارت.
****************************
دارت عيناه في المكان بانبهار، يراقب حركة الخيول ويتمعن في جمالها عن قرب. اقترب أصيل منه مبتسماً يبصر افتتانه بما يرى، وضع يده على كتفه ليلتفت نحوه يخبره بذهول:
-المكان حلو أوي، مكنتش أعرف إن الخيل له رهبة كدة.
عقد أصيل حاجبه وسأله ضاحكاً:
-يعني إيه؟ قررت تنسحب؟
ليهز رأسه رافضاً ويقول بحماس:
-بالعكس، أنا متحمس بزيادة دلوقت.
أمسك أصيل عضده يسحبه بحماس مماثل نحو أحد الأحصنة:
-تعالى أعرفك على حصاني الأشهب.
وقف حسين يتابع أصيل يمسك لجام الفرس ويسحبه نحو الخارج لتتسع عيناه بذهول وهو يجد فرساً أسود كسواد الليل يمتلك سحر الخيل العربية برشاقته. اقترب منه بحذر وأصيل يمسح على جسمه برقة ويخبره بفخر:
-أنا والأشهب صحاب من خمس سنين، بس حصان فوق الوصف.
مد حسين يده بتردد يحاول لمسه ليومئ له أصيل مشجعاً:
-المسه متخافش يا حسين، طول ما أنا موجود جنبه هو حاسس بالأمان.
مرر يده على عنقه بلهفة، تمر يده على شعره بحنان ليشعر بالسعادة والارتياح وهو يبصر تقبله له، وأصيل يراقبه مبتسماً:
-تعالى يا حسين عشان تشوف أصيل وهو بيتمشى.
قال أصيل ذلك وأمسك لجامه يجره نحو الحلبة ه حسين بشغف، وعندما وصلوا تفاجأ بابن خالته سيف يركب أحد الأحصنة ويعدو حول الحلبة بمهارة.
-سيف كان بيدرب على ركوب الخيل كل ما ييجي زيارة.
لوح له سيف ليبتسم ويبادله إشارته. صوت صهيل الخيل جعله يرتبك، لكنه أخذ يمعن النظر للحصان الذي يركبه سيف، كان ناصع البياض كأحصنة الروايات والأساطير، ليعود قلبه العاشق يفكر بها ويتخيلها تركب خلفه على حصان مثله.
كان الثلاثة غارقين في تعليم حسين مهارات ركوب الخيل وحسن يراقبهم من خارج الحلبة ويلتقط الصور لشقيقه كلما طلب منه ذلك، حتى تسلل الملل إليه. زفر أنفاسه بضجر وأمسك هاتفه يتنقل بين مواقع التواصل تارة، يتابع بعض أعماله وتارة يقرأ بعض الأخبار التي لم تخلُ من قصص الخيانة التي زادت من أفكاره السوداء، ليرحل بذكرياته نحو ذلك اليوم الذي تعرف به على فتاة من خلال أحد التطبيقات فنشأت بينهم علاقة استمرت بضعة أيام. كان سعيداً بتلك العلاقة وظن أنه سيبدأ قصة حب، ذلك الشعور الذي سمع عنه ولم يجربه.
وبدأ يتعلق بتلك الفتاة التي أخبرته أنها تسكن في محافظة أخرى، حتى أتى ذلك اليوم الذي طلب منها أن يراها وظن أنها سوف ترفض، ليتفاجأ بها ترسل له صورها، مما دفعه ليروي لصديقه المقرب ما حدث، فطلب منه أن يجرب هو معها الحديث، وإن تجاوبت معه إذاً تلك الفتاة لا تناسبه. اقتنع بفكرته وليبدأ صديقه بالحديث معها فتتجاوب معه وترسل له صورها كما فعلت معه بل وفي وقت أقصر، لينسحب هو من تلك العلاقة السامة التي كانت البذرة لتلك الأفكار السوداء التي تراكمت بعدها قصص أصدقائه الآخرين ومغامراتهم تبني في عقله جداراً من عدم الثقة في جميع النساء.
قطع سلسلة أفكاره قدوم والده وأزواج خالته يتقدمهم راجح يشير نحو الإسطبل ومضمار الخيل يشرح لهم تلك المزرعة التي أنشأها لاستقطاب الخيل. انتبه علي لوجوده وحيداً ليقترب ويجلس بجانبه يسأله بدهشة:
-مركبتش خيل معاهم ليه بدل ما أنت قاعد تتفرج لوحدك؟
مسح على خصلات شعره بضجر وقال متنهداً:
_مليش مزاج وما بحبش الخيل.
ثم التفت يخطف نظرة نحو شقيقه المندمج معهم بحماس قبل أن يعاود النظر نحو والده ويقول بتهكم:
-كفاية عليهم حسين اللي عامل فيها خيال.
ابتسم علي يطالع ولده المندفع دوماً نحو المغامرة والاكتشاف بعكس شقيقه الذي كان هادئاً دوماً محباً للانعزال، ليهز رأسه بحيرة فلا أحد سيصدق يوماً أنهم توأم، فهما مختلفان بالشكل والطباع. نهض من جانب حسن الذي عاد يطالع هاتفه بذهن شارد ليقترب من سور المضمار يتمسك به قبل أن يهتف بصوت عالٍ وصل لمسامع الجميع:
-خلي بالك من نفسك يا حسين!
ليضحك فارس الذي اقترب يقف بجانبه يستند بساعديه على ذات السور ويخبره مطمئناً:
-ماتخافش على حسين، هو بيتعلم بسرعة.
عينيه لم تحيد عن ولده يتابعه بقلب قلق عندما وجده يعتلي أحد الأحصنة:
-مش عارف أنت جايب الثقة دي منين؟ مش شايفه مرتبك إزاي؟
وكزه فارس بحنق لائماً:
-بقولك حسين راجل مايتخافش عليه، وبعدين سيف معاه.
ليلتفت إليه علي هذه المرة ويسأله باستغراب وهو ينحني ويسند ساعديه على السور تماماً مثله:
-طول عمرك منحاز لحسين يا فارس.
اختطف نظرة سريعة نحو علي وابتسم قبل أن يعود ينظر لحسين بترقب:
-دايماً بحس إنه شبهي، طموح وطيب.
انتفض علي مستديراً نحوه يستبدل ساعده بقبضة يده ليستند على السور ويطالعه باستهجان مصطنع يحاول مشاكسته:
-ما بلاش شبهك يا ابن محسن!
رمقه بنظرة جانبية مستنكرة وقال يعاتبه:
-وماله ابن محسن يا سي علي؟ مش عاجبك؟
ليصطنع الانزعاج ويمثل عدم الرضا يكمل المزاح معه وهو يربت على كتفه:
-فارس، هو إحنا هنضحك على بعض؟ أنت مش فاكر وأنت في سنه كنت بتعمل إيه؟ - خليني ساكت، نسينا الخمرة والملاهي... وإلا عيب لولادك يسمعوا؟
لوى شفته بسخط وقال بضيق:
-العبرة في النهاية، شوف أنا بقيت إيه دلوقت.
كان علي يطالع ضيقه ويكتم ضحكاته التي انفجرت بعد جملته الأخيرة، تلك الضحكات استفزت فارس لينهض ويقف مقابله ويلكمه في ذراعه بغضب:
-بتضحك ليه دلوقت؟
مسح على ذراعه وقال رافعاً أحد حاجبيه:
-أصل افتكرت صاحبة الفضل في النهاية.
ثم رفع نظره إليه وقال بطريقة هزلية:
-بركاتك يا دكتورة... وإلا هتنكر يا أبو الفوارس علاج الدكتورة؟
كان الضحك هذه المرة من نصيب فارس الذي لانت ملامحه وتبخر غضبه بعد كلمات علي الأخيرة التي وضحت عدم جدية علي في الحديث وفي ذات الوقت أعادته للماضي ليتنهد بعشق لتلك التي كانت سبباً في نجاته، ليهز رأسه يؤيد كلامه:
-عندك حق، الفضل للدكتورة.
صوت صهيل فرس سيف جعلهم يلتفتون بسرعة نحوه ليطالعه فارس بفخر وهو يعدو بمهارة أسعدته، والفخر لم يكن من نصيب فارس فقط بل من نصيب راجح الذي يشاهد أصيل يمتطي حصانه الأشهب كفارس ولد في مضمار سباق ليقول مشيراً نحوه بتباهٍ وهو يشاهد انبهار الرجال به:
-أصيل خيال من الدرجة الأولى.
*******************"" "*
وفي المساء كانت شمس وشقيقاتها يتبادلن الحديث مع زهرة التي لم تتوقف عن الثرثرة كعادتها، كانت تروي لهم حكايات من البلد لتتوقف فجأة عندما حركت رأسها ملتفتة تطالع ابنتها بسملة التي اندمجت مع الفتيات، لتلمح ابنتها سوسن التي انزوت كعادتها في مكان قريب تجلس وتطالعهم بصمت.
لتنهض مستأذنة وتذهب نحوها تقف أمامها تأمرها بضيق:
-تعالي يا سوسن عاوزاكي.
نهضت تتبع والدتها بخطى هادئة حتى وصلوا إلى المطبخ، لتجذبها بعنف قبل أن تقف أمامها تتحدث بلهجة موبخة:
-ممكن أعرف جاعدة ساكتة زي الخرسة ليه؟ متتكلميش مع البنات زي أختك؟
لهجة والدتها الغاضبة أصابتها بتوتر:
-طب أجول إيه؟
لوحت بيدها مستنكرة وأكملت توبيخها:
-جولي أي حاجة، جاملي الناس حتى.
أنا ما أعرفهمش، ما أعرفش غير جمر بنت خالتي شمس.
هتفت بها تبرر لوالدتها سبب صمتها. تصاعدت وتيرة غضبها التي تجلت لسندس لتزيد من خوفها:
-طب ما أختك ما تعرفهمش وبتجاملهم!
ثم زفرت أنفاسها مستغفرة وحاولت أن تستحضر هدوءها واستطردت قائلة وهي تقبض على ذراعها برفق:
-يا بنتي أنتِ كبرتِ، واللي بسنك بيجوزوا ويفتحوا بيوت، لازم تتعلمي إزاي تتكلمي وتجاملي، أنتِ مش شايفة البنات اللي في سنك بيتكلموا إزاي وبيعملوا إيه؟
تجمعت الدموع بعينيها وعبس وجهها بحزن وهي تخبر والدتها بصوت مختنق:
-أعمل إيه؟ بتكسف.
لانت ملامح زهرة وأشفقت عليها وهي تنظر لها بقلة حيلة:
-خلاص يا بنتي، أنا بجول كدة عشان مصلحتك، إذا كان كلامي هيزعلك بلاها منه.
لتتركها واقفة في مكانها وتحمل طبق ثمار النبق عائدة لضيوفها، تاركة سوسن تنظر لأثرها وتتنهد بيأس، فلا أحد يفهمها ويفهم مشاعرها وتوترها أمام الغرباء.
عادت زهرة إلى ضيوفها لتضع الطبق على المنضدة الوسطية أمام شمس، لتطالع شمس الطبق ثم رفعت نظرها تطالعها فيضحكان سوياً وسط استغراب الموجودين، لتلتفت شمس نحو شقيقاتها توضح سبب الضحك وهي تعاود النظر نحو زهرة الضحاكة:
-أصل راجح بيه كان بيهادي زهرة نبق عشان عارفها بتحبه.
-شفت الخيبة بتحب إيه؟
قالتها زهرة تشير نحو نفسها متهكمة بفكاهة. لتهتف هدى تلومها وهي تلتقط إحدى الحبات تمضغها بفمها بتلذذ:
-طب دا والله جميل، أنا بحبه أوي، وحسن ابني بيشتريه بالشيء الفلاني لما موسمه يخلص أصله بيحبه أوي.
ذكرهم لاسمه نبه حواسها لتطالع خالتها وتقول بسرعة وتهور:
-تحبي آخذ له حبة يا خالتو؟
لتجيبها هدى بترجٍ:
-يا ريت يا قمر.
لكن طالعتها شمس باستغراب لتدرك تهورها وقالت متلعثمة تحاول تصحيح ما اقترفته:
-أصله شفته بره في الجنينة.
لتنهض زهرة بسرعة تضع كمية منه في طبق وتمده لها:
-خذي يا بنتي اديله دول مادام بيحبه.
نظرت نحو والدتها كأنها تستأذنها لتومئ لها بالموافقة. رفرف قلبها بعد أن اتخذت هذه الحجة سبباً لرؤيته، والتقطت الطبق من يدي زهرة تتجه بخطوات مسرعة نحو الخارج.
*******"" *******
في الخارج كان حسن يجلس مع نفسه يتركها لصراعها الذي لا ينتهي، ليسمع مواء قطة جعله يبحث عنها بفضول ليجدها تقف عند إحدى الأشجار تنظر له بوداعة. ابتسم مقترباً منها وناداها باسمها الذي عرفه من الفتاة الصامتة كما أسماها. جلس القرفصاء ومد يده ينادي القطة:
-سكر... سكر.
اقتربت منه القطة بحذر لكنها تركت مسافة بينه وبينها، ليسألها ضاحكاً:
-شكلك جعانة... أكيد مستنية صاحبتك.
ظلت القطة تحدق به ليهمس لها كأنها تفهمه، مظهراً يديه أمامها:
-أنا معنديش أكل مع الأسف، استني سوسن أكيد هتيجي كمان شوية.
استدارت القطة مبتعدة عنه ليتذكر لقاءه بها هذا الصباح ويعاود الابتسام على تصرفها.
-حسن... حسن.
كان هذا صوت قمر التي أتت تلهث أنفاسها وتقف أمامه بشوق، عيناها تتفرسان ملامحه بحب، تخبره بصوت ناعم:
-إزيك يا حسن، خالتو بعتت لك دا.
نهض مندهشاً من وجودها لكن دهشته اختفت وحل محلها ابتسامة عريضة وهو يرى ثمار النبق الموجودة في الطبق ليقول بلهفة:
-الله! دا أنا نفسي فيه.
اختطف منها الطبق يتناول حباته تباعاً وسط نظراتها المترقبة:
-متشكر يا قمر.
-ألف هنا.
قالتها وظلت متسمرة مكانها، فلم تشأ أن تغادر بل ظلت تتأمله بعين لامعة وقلبها يخفق بالحب له ولتفاصيله الهادئة، حتى انتبه هو لوقوفها الذي طال أمامه وتحديقها به، ليتحمحم بحرج ويقول بجدية يلتقط الحبات الباقية من النبق واضعاً إياها في جيبه:
-تسلم إيدك يا قمر، خلاص تقدري تاخدي الطبق وتخشي جوة قبل ما حد غريب يشوفك.
قالها يمد لها يده بالطبق ويحثها على المغادرة ويتلفت يميناً ويساراً خشية أن يراها أحد. انتشلت منه الطبق بحركة بطيئة قبل أن تستدير مغادرة، وقلبها يخبرها أنه يغار عليها لتزداد خفقاته وعقلها ينسج الأوهام أنه ربما يحبها كما تحب ويغار عليها، فلا يغار سوى المحب.
أما هو فقد تناول حبات النبق بتلذذ وهو يجلس مستنداً على جذع الشجرة الكبيرة ويقذف بذورها بعيداً. داهمه النعاس لكن شيئاً ما منعه من النهوض كأنه ينتظر شيئاً يجهله، لكن بعد دقائق غفلت عيناه حتى انتفض فزعاً عندما سمع خطواتها القادمة ونداءها على تلك القطة:
-سكر... سكر... تعالى جبت لك أكل.
توارى وجلس يراقبها كما فعل بالأمس، لكن أذنه اليوم التقطت شكواها للقطة وهي تجلس القرفصاء تمسح على جسدها بحنان تراقب تناولها للطعام:
-شفتي يا سكر؟ ماما زعلت مني عشان مش بتكلم وأجامل الضيوف، أعمل إيه؟ مش راضية تفهم إني بتكسف من الناس.
"بتكسف" كلمة رددها عقله بتعجب، هل هناك فتاة تخجل من النساء؟ ثم استمر بالإصغاء لشكواها:
-ماما بتقول هيقولوا بنتك خرسة.
ليعبس وجهها وتقول بعين دامعة:
-أعمل إيه؟ مش قادرة، ولا هما فاهمين إني بتكسف، أنا مش زي بسملة بتضحك وتتكلم معاهم زي ما يكون بتعرفهم من زمان.
هبطت دموعها بعجز لتمسحها وشعور بالنقص يتملكها أظهرته بكلماتها المختنقة:
-تفتكري يا سكر إني فعلاً مش طبيعية؟ وإلا هما اللي بيبالغوا؟
واستطردت تسألها كأنها تفهمها:
-تفتكري يا سكر أنا كدة عشان أنا مادخلتش جامعة؟ أو يمكن عشان ماخطلتش مع ناس كتير؟
لتبتسم من بين دموعها وتعاود تمسح على ظهر قطتها المندمجة في تناولها الطعام:
-أنتِ الوحيدة يا سكر اللي بتكلم معاك براحتي.
ظل يراقبها بصدمة ألجمت حركته، وعقله يترجم حديثها بتعجب شوش تفكيره؛ هل هناك فتاة مثلها؟ بدأت الأسئلة تتدفق إلى عقله فترضي بحديثها فضوله دون جهد منه. بدأ في ترتيب حديثها الذي أجاب على أسئلته؛ خجلها دون إرادتها، لم تختلط، لم تذهب إلى الجامعة، وبدأ يسأل ذات السؤال: هل هذه هي أسباب خجلها المفرط؟
وابتسم عندما وصل لمسامعه صوت ضحكاتها الرقيقة وهي تلاعب قطتها المتجاوبة معها باستمتاع، استدار يسند ظهره على جذع الشجره يردد اسمها كأنه يحفظه
الفصل 6
في يوم جديد يحمل الكثير في طياته، بدأ كل منهم يومه بشكل مختلف. أراد هو اليوم قضاءه مع شخص يكنّ له مكاناً في قلبه. قدمه التي وطئت تلك الأرض الزراعية تغرس آثارها بين طبقات الطين المبتل وتترك أثرها، كما ترك حبه آثاره في قلب صاحبها. ابتسم وهو يراه يعمل بجد؛ يصرخ على هذا تارة وعلى ذلك أخرى، يوجه عماله نحو عملهم بانتظام، يشق طريقه بين نبات قصب السكر المزروعة بمساحة واسعة.
وضع «سيف» يديه على جانبي فمه ونادى عليه بصوت عالٍ:
-عم «جابر»... عم «جابر».
التفت «جابر» بسرعة نحو مصدر الصوت ليبتسم ابتسامة عريضة تزامنت مع لفظه لحروف اسمه بشغف قبل أن يتجه نحوه بخطى مسرعة يستقبله بلهفة:
_«سيف»!
-ازيك يا عم «جابر»؟
ربت «جابر» على عضده وأجابه محافظاً على ابتسامته فرحاً بوجوده:
-بخير مادام أنت بخير، نورت يا غالي.
ليجذب يده نحو تلك المصطبة العريضة الموضوعة تحت إحدى الأشجار:
-تعالى اجعد دا أنت وحشني.. وحشتني جعدتي معاك.
جلس «سيف» يربت على فخذه بامتنان:
_تسلم يا عم «جابر»، أنت كمان واحشني والله.
ثم التفت يميناً ويساراً ليسأله مستفسراً:
أمال «محمد» فين؟ مش شايفه.
_وصل مشوار وراجع طوالي، أصلو الحمد لله بجى بيراعي أكتر من أرض زراعية هنا، والناس بجت تطلبو عشان شغلو نظيف.
-خير ما عمل والله، برافو عليه.
حدق به «سيف» وسأله مازحاً يحرك يده يتفقد وجهه وجسده:
_أخبار صحتك إيه؟ شكلك عاوز كم تحليل على فحص شامل على...
ليقاطعه بضيق وينهره بذات المزاح:
_واد يا «سيف» أنت هتعملهم عليه؟ جاي تعمل دكتور هنا؟ عمك «جابر» صحته بمب وبميت راجل.
قالها «جابر» رافعاً كتفيه بتباهٍ، ثم ضرب على صدره تعبيراً عن تعافيه، لينفجر «سيف» ضاحكاً يؤكد على حديثه بمدح جعله يبتسم بغبطة:
_ربنا يديك الصحة، طول ما أنت بتشتغل يا عم «جابر» عمر المرض ما هيهوب ناحيتك، الشغل عافية يا راجل يا سكر.
وفي غمرة حديثهم وصل «محمد» الذي بدا عليه الإجهاد يلهث أنفاسه ويبتسم لـ«سيف» مرحباً:
_هلا يا دكتور، منورنا.
_بنورك يا بشمهندس.
نهض «جابر» يفسح مجالاً لولده على الرغم من رفضه، وقال يشير له بإصرار:
_تعالى اجعد، أروح أجيب حاجة وراجع.
جلس «محمد» بجسد متعب، عينيه تتبع والده ليلتفت نحو «سيف» يقول ضاحكاً:
_أنا عارف هو راح فين.
قطب «سيف» حاجبيه يسأله باستغراب:
_راح فين؟
_دلوجت تعرف، اصبر وهتشوف.
اندمج «سيف» و«محمد» في حديث علمي حول مشاريع «محمد» المستقبلية في إقامة منحل وتوظيف دراسته في زراعة أنواع نادرة من المزروعات تحت بيوت زجاجية؛ تلك الأفكار التي نالت استحسان «سيف» وتشجيعه، حتى إنه عرض المساعدة عليه لكن «محمد» اختار الرفض إلا أن تكون تلك المساعدة بشكل مشاركة في المشروع. ابتسم «سيف» متوقعاً جوابه، فهو يعلم أن «محمد» يتصف بعزة النفس وهذا أكثر ما يعجبه بشخصيته، ليربت على فخذه داعماً:
_طب ماشي يا «محمد»، شوف التكلفة وأنا مستعد أشارك.
وقبل أن يجيب «محمد» وجدوا «جابر» يقترب منهم حاملاً بطيخة كبيرة، ليضحك «سيف» و«محمد» وهم يجدونه يفرش الأرض ويدعوهم لتناول البطيخ كما كان يفعل عندما كانوا صغاراً؛ فالاثنان يعشقان البطيخ. هرول الاثنان نحوه فرحين ليهتف «سيف» مبتهجاً:
_الله بطيخ... متشكر يا عم «جابر»، جه في وقته.
_أمال أنا جبته ليه؟ عارف إنك بتعشجة يا غالي.
التقط منه «سيف» شريحة البطيخ وقال له بامتنان قبل أن يقضمها بتلذذ:
_تسلم يا عم «جابر».
ووسط ضحكات وكلام كثير استمتع به معهم، خطر في باله سؤال ليسأل:
_هو دكتور «حسام» أخباره إيه؟
تعجب «سيف» من تغير ملامحهم ونظرة الحزن التي سكنت عيونهم بعد أن كانت مبتهجة، ليجيبه «جابر» بصوت مضطرب:
_من ساعة ما اتجوز البت من ست شهور مشفناهمش.
رغم تعجبه من ذلك لكنه ادعى غير ذلك ليقول محاولاً تبرير فعلته:
_ما هو جايز الطريق طويل يا عم «جابر»، وهو كمان مشغول في المستشفى، «حسام» دكتور شاطر وأكيد انشغل في دراسته.
طالعه «جابر» بقلة حيلة وقال ما أشعره بالقلق:
_والله يا ابني إحنا لولا مدحك ليه وإنك تعرفو مكناش رضينا بيه، دا حتى البنت لسه صغيرة، لكن جولنا نصيب كويس دكتور ومحترم ولما كلمتك أكدت عليا إنه كويس.
ابتلع «سيف» ريقه بتوتر وتلعثمت كلماته بعد أن أصاب الشك مكاناً في قلبه، رغم سنوات الدراسة التي قضاها مع «حسام»، لكن يبدو أن هناك شيئاً خفياً في الموضوع لا يفهمه، ليقول معللاً بنبرة يشوبها شيء من الاعتذار:
_أنا والله يا عمي مشفتش منه حاجة وحشة طول ما كنا زمايل بس...
ليصمت يبتلع ذلك الخوف الذي يخشى إظهاره بأن يكون «حسام» ليس كما عهده. عين «جابر» التي كانت معلقة به ينتظر منه أن يكمل حديثه جعلته يكذب ليريح قلب ذلك الرجل المضطرب، ليرسم ابتسامة مزيفة وهو يوزع نظره بين «محمد» المترقب كوالده و«جابر» الذي لم تحِد عينيه عنه ويخبرهم مدعياً أنه تذكر شيئاً:
_آه... صحيح افتكرت، أنا شفته من شهرين في المستشفى وكان كلمني عن شغله مع دكتور كبير باين، عشان كده مشغول.
ابتسم «جابر» مقتنعاً بحديثه، لكن ابتسامة «محمد» كانت باهتة حملت بين طياتها شكه في صدق كلامه، ليقرر الهروب:
_«محمد»، ممكن نطل على خالتي «زهرة» أنا وأنت؟ أكيد هتزعل مني لو مزرتهاش.
ليهتف «جابر» مبتسماً:
_يووووو.. ده هي من امبارح كانت متضايجة عشان مطلتش عليها تاني.
لينهض بسرعة مشيراً لـ«محمد» بالذهاب معه:
_يبقى لازم أروح أصالحها.
****************************
أمسكت هاتفها ترسل له الصورة كما وعدته، ليعلق هو عليها بطبيعته الفكاهية ليسألها:
_هو مفيش صور لمزرعة الخيل؟ نفسي أشوفها.
لتجيبه بعبوس متذمرة:
_محدش رضي ياخدنا هناك، داحنا قضينا اليومين دول في بيت خالتي «زهرة».
_ما تكلمي عمي أو بابا يوروكم المزرعة.
لتتنهد بيأس تضغط على أزرار الهاتف تخبره بتمنٍ:
_ياريتك كنت معانا، كنت خدتنا هناك.
_ومين قالك إني هرضى آخدكم هناك؟
ضحكت بصوت منخفض خشية أن يسمعها أحد:
_كنت هزن عليك وأخليك توافق.
كرر كلامها مستنكراً:
_هزن عليك! ماشي يا ست «أحلام»، ما أنت حافظاني وعارفة أسراري اللي بتذليني بيهم.
_أكيد يا ابني، ما أنت عشرة عمر.
_آه، شبه عشرة «توم وجيري».
انفلتت ضحكتها التي تداركتها تكتمها بكف يدها تلتفت يميناً ويساراً تخشى أن يكون قد سمعها أحد، لتكتب له:
_طب أنت «توم» ولا «جيري»؟
_أكيد «توم» المغلوب ديماً، ما أنت واحدة مفترية يا «أحلام» متنكريش دا.
استهجنت حديثه وقالت تعاتبه:
_أنا مفترية؟ ماشي يا «شريف»، شوف مين هيبعتلك الصور بعد كده.
_«أحلام» اتلهي يا بت، أنت مفترية وأنا مش هجاملك، وسيبك من الكلام دا واسمعي؛ كلمي بابا أو عمو «طارق» ياخدوكو المزرعة بقى، عندي فضول أشوفها.
أغلقت هاتفها قبل أن تجيب عليه عندما وجدت «قمر» و«مليكة» يقتربون منها وتجلسان تتأففان بتضجر:
_أنا زهقت، هو إحنا خرجنا من بيت عشان نقعد في بيت تاني؟
قالتها «مليكة» وأيدت ذلك «قمر»، لتقترح عليهم «أحلام» اقتراح «شريف» علهم يساعدونها في إقناع والدها:
_إيه رأيكم نروح مزرعة الخيل؟
اتسعت عين «مليكة» وهتفت بحماس:
_يا ريت!
أخبرتهم «أحلام» باقتراحها ليؤيدنها ويقررن مفاتحة آبائهن، وبمجرد وصول «فارس» و«علي» التفت الفتيات حولهم يتوسلونهم برجاء الذهاب لرؤية الخيل، وبأساليب التدلل استطعن إقناعهم بذلك رغم رفض «شمس» لمعرفتها بتقاليدهم، وأيد «طارق» هذا الرفض لكن مع رجاء «ورد» لم يستطع المقاومة.
*****************************'
كان يلقى تشجيعاً من «سيف» و«أصيل» على تعلمه ركوب الخيل بسرعة وقدرته على إعطائه الأوامر. صفق «أصيل» يحيه وهو يرى «الأشهب» يتجاوب مع أمره بالسير:
-برافوووو.. حلو جوي يا «حسين»، خلي بالك.
صفر «سيف» ضاحكاً يزيد من دعمه بكلمات محفزة:
-أيوه كده يا بشمهندس.
أمسك اللجام بقوة وحذر يلوح لهم بتفاخر مع خطوات الحصان المتزنة، ليجرفه الحماس ويحاول زيادة سرعته كما علمه «أصيل». تسارعت خطوات الحصان وسط أنظار «سيف» و«أصيل» القلقة، دار حول الساحة يشعر بسيطرته عليه وكاد أن يجعله يعدو لكن هتاف «أصيل» المحذر منعه:
_«حسين» خلي بالك، كفاية كده، مشدش عليه عشان مينفرش منك.
أومأ له يطمئنه وبدأ يستمتع بذلك الشعور الذي منحه انتعاشاً ونسمات الهواء تداعب وجنتيه بلطف، كما تداعب خصلات «الأشهب» الذي كان يتحرك بخطوات سريعة ومتزنة. أغمض عينيه هنيهة قبل أن يفتحها فجأة وهو يستمع لأصوات متعالية وجلبة تقترب، اتسعت عينيه بدهشة وهو يجد الفتيات يقتربن بصحبة والده وأزواج خالاته. تشتت وهو يرى غضب «حسن» وجداله المعاتب مع والده في رفضه اقتراب الفتيات لوجود رجال غرباء، ثم استنكار والده الذي حاول أن يبرر له ويقنعه، ليستشيط غضباً عندما تجاوزته الفتيات بعناد نحو مكان وجود الخيل. اقترب «سيف» بحصانه الذي امتطاه منذ قليل نحوهم كأنه يحاول تلطيف الأجواء.
كل هذا ولا يزال هو يسيطر على «الأشهب» حتى وجدها تقترب من «سيف» تحاول لمس حصانه، لتضحك فرحة عندما لمسته. ضحكتها التي أربكته جعلت «الأشهب» يشعر بارتباك ليصهل بصوت عالٍ أفزعه قبل أن يرفع قدمه في محاولة لنفضه عن ظهره. فقد «حسين» السيطرة وأرعبه الموقف كما أرعب «أصيل» الذي ركض نحوه محاولاً تهدئة حصانه «الأشهب»، لكن حركته القوية جعلت «حسين» يفلت اللجام ويسقط طريحاً على الأرض وسط صرخات الخوف من الجميع يرددون اسمه بفزع:
_«حسين»... «حسين»!
«سيف» الذي نزل من الحصان بسرعة و«حسن» الذي قفز السور راكضاً نحوه اقتربوا منه يتفقدونه برعب، وصوت أبيه الملتاع يصرخ يطلب منهم طمأنته عليه. جثى «سيف» على ركبته يتفحصه ليقول «حسين» بصوت متألم ويده تمسك قدمه بوجع:
_رجلي بتوجعني.
هتف «سيف» بلهفة وصوت يملؤه الخوف:
_وضهرك يا «حسين»؟
هز رأسه نافياً يعتصر عينيه يحاول كتم صرخاته المتألمة:
_لا، أنا وقعت على رجلي.
«أصيل» الذي وصل متأخراً بعد أن أبعد «الأشهب» عنهم نظر لـ«سيف» بخوف يسأله بأنفاس متسارعة:
_طمني يا «سيف».
تلمس «سيف» قدمه يتفقدها ويسأله بعض الأسئلة، ليهتف «حسن»:
_خلينا ناخده المستشفى.
ليؤيده «أصيل» بعد أن جثى يجلس بجانب «سيف»:
_أيوه يا «سيف»، خلينا ناخده الوحدة.
_يا ولاد طمنوني!
صاح بها «علي» بفزع وصوت مرتجف، فقلبه يكاد يتمزق رعباً على ولده، ولم يكن «فارس» بأفضل منه ليصيح بغضب:
_«سيف» أنت مستني إيه؟ خلينا ناخده المستشفى.
دخل «طارق» الساحة بخطوات مسرعة وجلس يتفقده ليقول بهدوء:
_طمنهم يا «سيف»، مفيش خطر، مفيش كسر بس خلينا ناخده الوحدة.
لكنه التفت نحو «أصيل» وسأله:
_عندك شنطة إسعافات أولية أكيد؟
نادى «أصيل» على أحد العمال ليأتي بالحقيبة بسرعة، أجرى له «طارق» الإسعافات الأولية، وحمله «سيف» و«أصيل» نحو المستشفى، تبعهم «طارق» و«علي» و«فارس»، ليوكلوا مهمة إعادة الفتيات لـ«حسن».
************************
وقفت «مليكة» تذرف الدموع خوفاً على شقيقها لتقترب منها «ورد» تضمها وتحاول أن تهدئها. تأثرت «أحلام» لحزن ابنة خالتها وخوفها لتقول في محاولة للتخفيف عنها:
-متخافيش، هما مش طمنونا؟
لكن «مليكة» استمرت بالبكاء مما جعل «قمر» تشعر بالأسى عليها، لكنها تمتمت سراً بانزعاج متذمرة:
-الغبي ضيع علينا الخروجة، عاملي فيها خيال.
-«لوكا»!
صاح بها «حسن» الغاضب من تواجدهم، لكن رؤيته لشقيقته الباكية جعل ملامحه تلين فيشفق عليها ويحاول السيطرة على غضبه منهن لتهدئتها. هرولت «مليكة» نحوه ترتمي بين أحضانه وتنهار بالبكاء ليحتضنها يمسح على ظهرها كي يهدئها، كان يعلم مدى تعلقها به ليقول لها بهدوء وهو يقبل رأسها:
-اهدي يا حبيبتي، «حسين» بخير صدقيني.
وكطفلة صغيرة سألته من بين شهقاتها ودموعها:
-بس هو كان بيتوجع.. هو هيقدر يمشي تاني؟
أخرجها «حسن» من أحضانه ليمسح دموعها بيده ليبتسم ويخبرها يطمئنها:
-هيمشي يا حبيبتي، دي حاجة بسيطة.
ليجذب يدها ويشير للأخريات أن نه نحو السيارة:
-تعالوا عشان أرجعكم وأطمن ماما.
كانت «قمر» تسير خلفه وقلبها يخفق بقوة؛ كان مشهد احتوائه لشقيقته زادها عشقاً له، كم هو حكيم ورزين! هكذا كانت تحاور نفسها وعينها تشمله بنظرات هائمة، لتبتسم فتلمح «ورد» تلك الابتسامة فتتنهد بيأس وهي تعلم سببها؛ فعين «قمر» المعلقة بـ«حسن» فضحتها أمامها لتوكزها خشية أن ينتبه الآخرون:
-خفي هتفضحينا.
استطاعت «ورد» بتوبيخها أن تنبهها لتستعيد السيطرة على تلك المشاعر التي كادت أن تفضحها.
****************************
وقفت بجسد مرتجف تبكي بانهيار، تردد الأدعية بخوف فتعلو شهقاتها بفزع فتنتحب بشفاه مرتعشة:
-يا حبيبي يا ابني.. ملحقتش تفرح يا قلب أمك.
لتبدأ بلطم فخذيها بهستيريا:
_خدني يا «حسن» اطمن عليه، ابني يا ناس قلبي قايد نار.
أمسكت «شمس» يدها تمنعها من ضرب فخذها وتنهرها بصوت حاد:
_أنت اتجننتي؟ بتفأولي على الولد؟ بيقولك مفهوش حاجة.
جلست «ندى» بجانبها تضمها محاولة تهدئتها:
_اهدي يا «هدى» مش كده، ما «حسن» طمنك وأنا والله اتصلت بـ«طارق» وطمني، استهدي بالله وصلي على النبي.
_إن شاء الله خير متخافيش يا أم «حسن»، «أصيل» كمان بيجول إنهم راجعين كمان شوية.
هتفت بها «زهرة» التي وقفت تطالعها بإشفاق، لكنها ظلت تبكي من دون توقف، ينهش قلبها القلق على ولدها.
وقف «حسن» ينتظرهم بقلق، عينيه تتحرك باضطراب، وبحركة عفوية رفع رأسه يدعو الله أن يكون شقيقه بخير، ليلمحها تقف خلف زجاج غرفتها المطلة على الحديقة، لتلتقي عينيه بعينيها؛ ثوانٍ كانت كفيلة بتغيبه وإرباكه. رعشة طفيفة أصابت قلبه فتجمدت عينيه عليها، لكنها هربت نحو الداخل بسرعة كما تفعل دائماً. أنزل رأسه يطالع الفراغ وكأن تلك الثواني بعثرته وهزت شيئاً بداخله لا يعلمه؛ طيفها الذي يلاحقه منذ الصباح ورؤيتها الآن زادت من تلك المشاعر التي ضربته ما بين فضول وتعجب من حديثها البارحة أو ربما شيء آخر بات يجهل تفسيره. صوت عجلات السيارات التي توقفت فأفزعه صريرها ينتشله من ضجيج تلك المشاعر المبهمة، ليركض نحو شقيقه الذي كان يمشي مستنداً على «سيف» و«أصيل» بعد أن جُبست قدمه.
تشبثت بأحضانه باكية تلومه بانهيار:
_كده يا ابني تعمل في أمك كده يا «حسين»؟ كان لازم تركب خيل؟ أبوك مش حذرك يا ابني؟
ضمها بقوة يحاول أن يطمئنها ومسح على رأسها بلطف:
_يا ماما ما أنا زي القرد قدامك أهو، وعمو «طارق» بيقول حاجة بسيطة هفك الجبس بعد أسبوعين متخافيش.
ربت «علي» على ظهرها بحنان وأيد كلامه:
_بس يا «هدى» الولد كويس أهو خلاص بطلي عياط.
قبل رأسها عدة قبلات وجذب يدها يقبلها متوسلاً:
_خلاص يا ماما كفاية يا روحي.
لتجذبها «شمس» تبعدها عنه عنوة لتحتضنه هي:
_يا هدهد سيبيني أطمن عليه.. الحمد لله على سلامتك يا حبيبي.
ابتعدت «هدى» تمسح دموعها لتحتضنه «شمس» فيبادلها هو العناق مبتسماً:
_حبيبتي يا خالتو.
ابتعدت عنه ترتب شعره وتنفض عنه التراب،العالق بين خصلاته وانحنت تقبل وجنتيه بعينين جاهدت فيها دموعها لكنها خانتها فانهمرت رغماً عنها بين أحضانه:
_يا روح خالتك.
_خيانة خيانة! بتحضنيه وتبوسيه كمان وقدام عينيه؟ طب راعي شعور جوزك الواقف.
هتف بها «فارس» مستنكراً وهو يقترب يمسح وجنة «حسين» يتصنع الانزعاج من تقبيل «شمس» له مازحاً، ليضحك الجميع على فعلته، ثم انحنى يمسح دموعها وينظر لـ«حسين» يمثل الحنق يخبره بعتاب محبب:
_كده خليت حبيبتي تعيط؟
ليحاول «حسين» إغاظته فينحني نحو الأمام يقبل «شمس» ويقول مشاكساً:
_حبيبتي خالتو القمر.
ليصيح «فارس» ينهره بمداعبة وهو يمسح قبلته لها:
_ولد! بتبوسها قدامي؟ اتقي شري يا ابن «علي».
ضحك الجميع على مناكفتهم لينحني «فارس» يضمه ويقبل رأسه بحب أبوي:
_الحمد لله على سلامتك يا حبيبي.
_الله يسلمك.
قالها «حسين» بامتنان وهو يطالع حزنهم ولهفتهم عليه، ليأتي دور «ندى» التي كان خوفها عليه مشابهاً لخوف أخواتها لتحتضنه وتقبله هي الأخرى تتحمد له بالسلامة، فطالما ذكرها «حسين» بوالدها الغائب فهو صديقه المقرب:
_ألف حمد لله على سلامتك يا «حسين»، _والله مش عارف «الأشهب» عمل كده ليه، دي مش طبيعته.
قالها «أصيل» يتحمد له بكلمات امتزجت بالاعتذار، ابتسم له «حسين» وقال مهوناً عليه:
_الغلط مش غلط الحصان، الغلط غلطي أنا يا «أصيل»، أنا اللي تحركت وخوفته.
بالكاد أنهى جملته ليجد من تندفع نحوه بسرعة تحتضنه بلهفة وتخبره بصوت باكٍ:
_خفت عليك أوي.
ضمها بقوة وقال يطمئنها:
_«لوكا» يا روحي متخافيش أنا كويس.
حركت يدها على ذراعيه ووجهه كأنها تتفقده وتتأكد من صدق حديثه، ليبتسم لها «حسين» ويعاود احتضانها قبل أن يخرجها ويقبل جبهتها مردداً:
_بخير الحمد لله صدقيني.
انسحب «أصيل» عندما وجد بنات خالته يدخلن إلى المكان، لتنظر له «ورد» و«أحلام» بقلق قبل أن يقلن بارتياح بعد الاطمئنان عليه:
_الحمد لله على السلامة.
التفت نحوهم وأجاب مبتسماً:
_الله يسلمكم، متشكر.
كانت عينيه تبحث بشوق عمن تقف خلفهم وينتظر أن يسمع صوتها أو حتى كلمة طيبة منها، عم الصمت لحظات ليسمع صوتها أخيراً تقول باقتضاب وهي تخطف نظرة سريعة نحوه:
_الحمد لله على السلامة.
ارتجف قلبه بين أضلعه كأن صوتها كان دواءه وكلماتها أنعشت قلبه ليجيب بسرعة:
_الله يسلمك، متشكر يا «قمر».
عينيه أبت أن تحيد عنها حتى أجبره نداء «سيف» المشاكس له:
_ابسط يا عم، شفت طلعت غالي إزاي؟ شايف خايفين عليك إزاي؟
دارت عينيه بين الجميع وهم ملتفين حوله ينظرون لنجاته بسعادة، ليدعو لهم بصدق:
_ربنا يحفظهم ويديم المحبة يارب.
أمّن الجميع على دعائه ليقترب منه والده يمسح على رأسه ويسأله بريبة:
_حبيبي، أنت متأكد إن رجلك بس اللي تأذت؟
لامه «طارق» الذي حمل الأدوية يظهرها أمامه يحاول إقناعه:
_«علي» إيه حكايتك أنت و«هدى»؟ ما قلنا مفيش حاجة، حتى حكاية رجله حاجة بسيطة، إحنا جبسناها احتياط عشان متتعبش.
_يعني هيقدر يمشي عليها تاني بعد ما يفك الجبس؟
هتفت بها «هدى» بحرقة وهي تجلس بجانبه تضمه إليها بخوف، ليؤنبها «طارق»:
_هيمشي إن شاء الله بلاش التشاؤم دا.
مسحت على صدره تردد الحمد لله قبل أن تمسح دموعها العالقة بين أجفانها.
خلت الغرفة من الجميع بعد قدوم «راجح» وتفقده ثم تحمد له بالسلامة واعتذر له على ما حدث، ليرحل الجميع بعد أن أصر عليهم العودة لتناول العشاء.
أراح جسده على الوسادة وتنهد بضجر؛ فقد باءت آماله بالفشل، كل ما خطط له ذهب أدراج الرياح. التفت نحو «حسن» الذي ظل يرافقه في الغرفة ليجده مندمجاً مع هاتفه. رفع رأسه يطالع تلك الجبيرة بضيق كأنها قيد كبّل حركته، زفر أنفاسه بحزن لكنه تعوذ من الشيطان عله خير، ليتمتم بالحمد ويريح رأسه على الوسادة من جديد:
_الحمد لله.
_محتاج حاجة يا «حسين»؟
قالها «حسن» بعد أن أحس بحركته ليلتفت نحوه مبتسماً ويقول بامتنان:
_لا، متشكر يا «حسن».
اعتدل «حسن» في جلوسه يرمقه بنظرة متفحصة قبل أن يسأله بتعجب:
_أنت وقعت إزاي يا «حسين»؟ أنا كنت شايفك مسيطر أوي على وضع الحصان، إيه اللي حصل؟
فاجأه سؤال «حسن» ليتوتر ويرمش بعينيه محاولاً الهروب؛ فماذا يخبره؟ أن ابتسامتها هي السبب؟ فقد أطاحت باتزانه ولخبطت كيانه. رحمه رنين هاتفه من إجابة السؤال، التقط هاتفه ليهتف بلهفة خالطها الشوق بعد أن علم هوية المتصل:
_«زياد»!
صاح بها ينظر نحو «حسن» قبل أن يجيب:
_ألو.
جاءه صوته الخائف يسأله بقلق:
_«حسين»، الحمد لله على السلامة، إيه اللي حصل؟
_متخافش يا «زياد» أنا كويس.
_أمال ماما بتقول وقع من الحصان؟
_أيوه صح بس متخافش حاجة بسيطة.
ليتنهد الآخر بارتياح قبل أن يسأله مجدداً:
_الحمد لله.. يعني أنت كويس أكيد يا «حسين»؟
ابتسم بسعادة وهو يشعر بخوف ابن خالته عليه وقلقه الظاهر بوضوح في نبرة صوته، ليخبره بشوق لذلك الغائب:
_كويس.. وحشتني، امتى راجع؟
_وأنت كمان يا «حسين» واحشني، لسه قدامي شهرين كمان أو أكتر لسه مش عارف.
_والله ليك وحشة يا راجل، فين أيامك يا «أبو طارق» وأيام العزومات والجيم؟
قهقه «زياد» ضاحكاً يجيبه متفائلاً:
_هترجع قريب إن شاء الله يا صاحبي.
انتهت تلك المكالمة التي أسعفته بعد أن عاد «حسن» لاندماجه بما كان يفعله ليتنهد زافراً أنفاسه بارتياح.
************************
كانت تجلس أمام حوض الزهور الذي أخذتها نحوه «بسملة» تريها إياه، صاحبتها «قمر» إلى ذلك المكان ليبتهجن مسرورات بذلك المنظر رغم أن الليل كان قد أسدل ستاره على المكان، لكن رائحة الزهور وتلك النجوم المتلألئة في السماء أضفت على المكان شاعرية جميلة. تناوبن على استنشاق الزهور والانبهار بمظهرها وتلك الجلسة الجميلة القريبة منها لتخبرهم «بسملة» وهي تشير نحوها:
-دا المكان المفضل عند بابا وماما، دايماً بيسهروا هنا.
ثم أضافت ضاحكة:
-لما يحبوا يزوغوا منا.
شاركتها «قمر» و«ورد» الضحكات، لتتوقف «قمر» وتسألها بحرج:
-بس شكل باباكي شديد أوي.
ابتسمت «بسملة» وقالت موضحة لهم:
-هو صوح عصبي وشديد لكن هو طيب وحنين جوي عليا ومع ماما كمان، هي ديماً بتجول أبوكم مع الناس شكل ومعانا شكل تاني.
أكملت حديثها لتنهض واقفة تشير نحو الداخل:
-هروح أجيبلنا حاجة نشربها.
رحلت «بسملة» وعادت «قمر» تطالع النجوم والسماء لتأخذ نفساً عميقاً وتزفره بقوة تحاول إنعاش نفسها بذلك الهواء العليل، لتنتبه لشرود «ورد» الجالسة أمامها فتسألها:
-مالك يا «ورد»؟ سرحانة فين؟
أعادها صوت «قمر» من شرودها لتلتفت نحوها تطالعها بصمت قبل أن تسألها:
-هو «سيف» يعرف يركب خيل؟
أومأت لها «قمر» تخبرها:
-أيوه «سيف» بيجي هنا كتير و«أصيل» علمه، دا اللي فهمته منه هو مرة حكى لبابا الحكاية دي.
هزت رأسها متفهمة وصورته وهو يمتطي ذلك الحصان كان أشبه بصورة بطل من أبطال رواياتها؛ كم كان جميلاً وجذاباً! لا يزال قلبها يخفق منذ أن رأته على ظهر حصانه ولا يزال عقلها الحالم يرسم لها لوحات تجمعها به كحبيبين. هزت رأسها من جديد تحاول نفض تلك الصور أو إخراجها من مخيلتها لتستغفر لعلها تتخلص من تلك المشاعر التي سكنت قلبها واستعمرت تفكيرها.
كانت «قمر» تراقب قسمات وجهها وتعابيره بإشفاق وهي تعلم بحبها لشقيقها الذي لا يشعر بها، لتقرر التخفيف عنها بطريقة فكاهية فقالت:
-شفتي ابن خالتك الأهبل اللي عاملي فيها فارس؟ يستاهل اللي جراله.
هزت «ورد» رأسها بقلة حيلة وهي تناظرها بعبوس وتلومها قائلة:
-حرام عليك يا «قمر»، «حسين» طيب دا أنا زعلت عليه.
لوحت بيدها مستهزئة قبل أن تنفجر ضاحكة تخبرها:
-بس شكله كان بيضحك!
ابتسامتها استفزت «ورد» وأغاظتها لتعاود تأنيبها بغضب:
-بس يا «قمر» حرام عليك، «حسين» مايستاهلش تقولي عليه كده.
نفت بيدها تستنكر حديثها:
-يووووو.. أنت هتفضلي تدافعي عنه؟ طب إيه رأيك إنه غبي وأهبل؟
-«قمر» عيب الكلام دا، افرضي «مليكة» ولا خالتك سمعوكي!
صاحت بها بحدة تنهرها لتلوي شفتها حانقة، لكنها توقفت عن الحديث عندما لمحت «بسملة» تقترب منهم.
**************************
في اليوم التالي وعلى مائدة الطعام جمعت «جابر» وعائلته بـ«سيف» الذي كان ضيفهم على وجبة الغداء، و«فرحة» تضع أمامه أنواعاً من المأكولات وأصنافه المفضلة حتى امتلأ ذلك الطبق بما لذ وطاب ليرفع كفه يشير لها أن تتوقف:
-كفاية كده يا خالة مش هقدر آكل كل دا.
لتحمل هي تلك الحمامة المقلية تضعها وتأمره بعناد:
-كل يا واد، دانت خاسس، أوعى تجولي ريجيم زي الواد «محمد» ما بيجول، النهاردة مفيش الكلام ده.. كل دا أنت خاسس.
-اسمع كلام خالتك يا «سيف».
هتف بها «جابر» وهو يضع له تلك الحمامة ويطعمه قطعة منها في فمه ليمضغها «سيف» مستسلماً لأمرهما:
_كل حاكم أنا عارفاك بتعشك الحمام.
قالتها «فرحة» تراقب تقييمه لها، لينظر لها ويقول بتلذذ قبل أن يقضم قطعة أخرى:
_تحفة.. تسلم إيدك يا خالة.
_بالهنا والشفا يا روح خالتك أنت.
_هو أنتو هتدلعوا «سيف» بس وتوكلوه؟ ما توكلوني زيه!
صاح بها «ساجد» وهو ينظر لوالده متذمراً. هز «جابر» رأسه بيأس قبل أن يقطع له قطعة ويضعها في فمه، فضربت «فرحة» كفيها بتعجب ثم صاحت به موبخة:
_يخيبك! أنت هتغير من «سيف» يا واد؟ دا ابني جبل ما تكونوا أنتم ولادي.
قالتها «فرحة» وهي تربت على كتفه ليجيبها مبتسماً بامتنان:
_ربنا يحفظك يا خالة، وأنت كمان غالية عليا أوي أنت وعم «جابر».
_ابسط يا دكتور، أم «محمد» وأبو «محمد» بيعزوك جوي دا إحنا مدلعين النهاردة على حسك.
صاح بها «محمد» هو الآخر مشيراً نحو المائدة العامرة أمامه:
_وأنا كمان بعزهم يا «محمد»، متبقاش زي «ساجد»، وأديني يا سيدي مسافر بكرة عشان تدلعوا.
لتشهق «فرحة» بدهشة وتسأله بوجه عابس:
_بالسرعة دي؟ دا أنتم مكملتوش تلات أيام.. متخليكو أسبوع.
_ما أقدرش أسيب المستشفى أكتر من كده يا خالة.
التقطت عينيه حزنها ليبتسم يطمئنها:
_متزعليش مش هتأخر، هاجي أزوركم قريب إن شاء الله.
_ياريت يا ولدي.
قالتها وعادت تضع أمامه الطعام ليقول فجأة كأنه تذكر شيئاً:
_أيوه صح يا خالة، لو عندك حاجة تحبي أوصلها لـ«نور»، أنا مستعد أوصلها لدكتور «حسام».
تحشرجت اللقمة في فمها مع ذكر تلك الغائبة التي تشعر بالخوف من صمتها المبهم وادعائها الراحة رغم صوتها المجهد. ابتلعت تلك اللقمة بصعوبة، كأن طعمها تحول علقماً في فمها، التقت عينيها بعيني «جابر» الذي لم يكن حاله بأفضل منها، ونظرات عينيهما تسأل:
«هل نور بخير؟»
الفصل 7
بعض اللقاءات القدرية تعجزنا أمامها، نقف كغصن فتيّ تتصادمه رياح الشتات، تطيح به تارة وتعدله أخرى، مذبذب في مواجهة المجهول، فإما تكسر وإما تصمد.
علقت صورتها في ذهنه وأبت الرحيل، تطرق ذاكرته كلما صمت. أخذ يحاول أن يلهي نفسه بأي شيء، لملم ملابسه وملابس شقيقه وحزم حقائبهم، أخذت عيناه تدور في المكان يتفقده خشية نسيانه شيئاً آخر.
استقرت عيناه على شقيقه الذي سند ظهره على ظهر السرير:
_مش شكلك مستعجل يا «حسن»؟ كنت خلتها لليل.
حول نظره نحو الحقيبة قبل أن يعود ينظر إليه بذهن غائب، يدعك جبهته كأنه يحاول تذكر شيء، ليفتح عينيه يسأله:
_مش عارف ليه حاسس إني نسيت حاجة بس مش فاكرها!
قطب حاجبيه يحاول إلقاء حديثه السابق عليه:
-يا بني مستعجل ليه؟ كنت استنيت لليل.
أمسك الحقيبة ينزلها ويسحبها مبرراً له:
_كدة أحسن ما نستعجل وننسى حاجة.
سار حتى الباب وقبل أن يخرج استوقفه صوت شقيقه يسأله برجاء:
_«حسن» خرجني برة شوية، حاسس نفسي مخنوق.
التفت نحوه التفاتة سريعة يومئ له بالموافقة، غاب قليلاً وعاد يقترب منه، يمد له يده ليسنده حتى الخارج، ثم ساعده في الجلوس على درجات السلم الرخامية وجلس بجانبه، ليأخذ «حسين» نفساً عميقاً قبل أن يزفر بهدوء:
_الهوا هنا حلو أوي، تحس بالطبيعة، ريحة العشب والورد والنعناع، حاجة جميلة.
_فعلاً، والسما كمان صافية.
هكذا أيده «حسن» رافعاً رأسه ينظر إلى السماء باستحسان. الصمت ساد بينهما، كل واحد فيهما كان غارقاً في أفكاره؛ «حسين» الغارق بتلك الشرسة، و«حسن» لا يزال يعاني من طيف تلك الصامتة، حتى قطع ذلك الصمت صوت «سيف» القادم نحوهم:
_مساء الخير.
_مساء النور.
أجابوه بصوت واحد قبل أن يأخذ مكاناً بجانبهم ويبدأ بحديث بحماس عن مشروع «محمد» وما رآه.
كانوا مندمجين في الحديث عندما لمحوا إخوته «أصيل»، «آسر»، و«ياسين» يدخلون حاملين كرة بيدهم، لينادي «حسين» عليهم، فيطيعوا أمره ويتقدموا يقفون أمامهم:
_كنتوا بتلعبوا كورة؟
_أيوه، بس اتخانقنا وطردونا من الفريق.
_أيوه، عشان عارفين إن إحنا كنا اللي هنفوز.
_ما أنا كمان مسبتهمش وربيتهم!
_أحسن، يستاهلوا عشان يبطلوا يغلطوا فينا.
هذا كان نقاش الأخوين الذي أنصت له الشباب محاولين منع انفلات ضحكاتهم المكتومة، حتى أنهى هذا النقاش صوت «حسين»:
_طب ما تزعلوش، إحنا هنلعب معاكم.
اندهش الأخوان وتحركت أعينهما نحو جبيرته يرمقانها بنظرة ساخرة، قبل أن يتهكم «ياسين» يسأله:
_هتلعب معانا وأنت مجبس؟
ابتسم «حسين» على كلامه وأشار نحو «سيف» و«حسن» وقال بحماس:
_لا، أنا هكون الحكم والشباب هيلعبوا معاكم.
التفت الاثنان نحوه بسرعة يطالعانه بتعجب، لكنه استطاع إقناعهم ليبدأوا اللعب وسط تشجيع «حسين» للأخوين، وكرة ترفع هناك وتعود لتسقط هنا وسط صراخهم وضحكاتهم التي صدحت في المكان. استقرت الكرة تحت قدم «سيف» ليركلها بقوة، فصرخ الجميع معترضاً لأنها ابتعدت بشكل كبير، ليهرول «حسن» نحوها يبحث عنها، عيناه تدوران يمنة ويساراً حتى تسمر مكانه عندما وجدها تتدحرج نحو ذلك الملاك الجالس تقطف أوراق النعناع بهدوء وتجمعهم. كانت تبدو أنها تعمل بذهن منشغل عما تفعله، حتى لامست الكرة قدمها لتنتفض بذعر وترتد نحو الخلف، وازداد ذهولها عندما استدارت ووجدته يقف أمامها، لتشهق واضعة يدها على فمها في محاولة لكتمها.
رفع يده يحاول تهدئة خوفها واقترب من الكرة بحذر وسط تتبعها له، التقطها ونظر إليها بعد أن شعر بخطواتها المتعثرة في محاولة للهرب:
_استني!
صوته زاد ارتباكها لتتعثر قدمها أكثر، فأسرع قائلاً:
_استني.. أنا هاخد الكورة وأمشي.
وبحركة عفوية خانتها عيناها لتنظر له فتلتقي بعينيه المحدقة بها. لحظات قليلة سحرته تلك العينان البنيتان لتشل حركته هنيهة، أضاعت هي سحر تلك اللحظة عندما أشاحت نظرها نحو الجهة الأخرى، تاركة إياه مشتتاً يحاول لملمة ثباته ويستدير هارباً من أمامها. ابتلعت ريقها الذي جف من تلك المفاجأة ووقفت تحاول استجماع قواها لتستعيد اتزانها، ثم نظرت لأثره؛ هو ذات الشخص الذي رأته سابقاً، رفعت يدها تمسح على صدرها تلتقط أنفاسها المتسارعة قبل أن تلتقط سلتها وتهرول نحو الداخل.
أما هو، فعاد بالكرة ليواجه امتعاض الجميع من تأخره، عاد يلعب معهم لكن عقله كان في مكان آخر.
*********************
وفي اليوم التالي، انتهت تلك الرحلة بعد وداع بدموع على أمل اللقاء مرة أخرى، فلم تترك «زهرة» و«فرحة» «شمس» إلا وأخذتا الوعد منها أن يعودوا من جديد في زيارة أخرى.
استعد أن يغادر بعد أن ساعد شقيقه الركوب بجانب «سيف»، واتجه إلى مكانه أمام سيارتهم، لمس مقبض الباب ولكن قبل أن يفتح الباب رفع نظره نحو ذلك المنزل، وشيء ما نغز ذلك القلب لا يعلم ما هو، سوى أنه تمنى في تلك اللحظة أن يراها قبل أن يغادر، لكن أمنيته لم تتحقق ليركب السيارة ويغادر.
"************
لم يعرف كيف يقنعها أنه بخير منذ أن وصلوا، تضمه بين أحضانها تمسح على جسده بخوف وتسأله بين الحين والآخر:
_يعني أنت كويس يا حبيبي؟
ضحك على سؤالها المتكرر ليؤكد لها كي يريحها:
_والله يا تيتة كويس، هما مش طمنوكي؟ مش عمو «طارق» كمان طمنك؟
لتضرب ذراعه بخفة تلومه بحزن:
_كان لازم تركب خيل يعني! وإلا عشان تلفت نظرها كنت هتودي نفسك في داهية...
كادت أن تسترسل لكنها بترت جملتها تبتلعها بارتباك، ليبتعد عن أحضانها بسرعة ويسألها باضطراب:
_تقصدي مين يا تيتة؟
تهربت من سؤاله وادعت عدم فهمها لحديثه:
_أقصد إيه يا حبيبي؟ أقصد مامتك طبعاً، مش أنت ديماً تقول هبهر أمي؟
وباقتناع مصطنع ابتسم عائداً نحو أحضانها يسايرها ويضفي على حديثه نوعاً من السخرية:
_أهي انبهرت آخر انبهار!
عادت تمسح على رأسه بحب وتبتسم، فرغم إنكاره لكنها كانت تعلم بذلك الحب الذي يخفيه عن الجميع، لكنها استطاعت أن تعرفه من نظراته فهي تحفظه عن ظهر قلب.
***********************
كانت تقبع داخل أحضانه، يضمها بشوق يمرمغ أنفه بين خصلات شعرها، يأخذ نفساً عميقاً ويزفره بلوعة متأوهاً بهيام:
—آه... وحشتيني أوي أوي أوي أوي أوي.
ظل يكررها حتى قهقهت ضاحكة، فيهتز جسدها بين ذراعيه ليماثل اهتزاز جسدها ارتجاف قلبه بين أضلعه، وتنتقل ضحكتها كعدوى له ليضحك معها، حتى رفعت رأسها تنظر له بشوق نافس شوقه لها:
-وأنت كمان وحشتني أوي يا روحي.
ثم ابتعدت عن أحضانه رغم اعتراضه، لكنها اعتدلت تواجه عينيها عينيه تخبره بصدق:
-تعرف يا «فارس» حصلت حاجة هناك خلتني أخاف وفي نفس الوقت أفرح.
بهتت ملامحه وتنبهت حواسه يسألها بقلق تملكه بعد حديثها:
-حصل إيه؟
ضحكة قصيرة خففت من توتره الظاهر لها لتقول ويدها تتلمس وجنته مطمئنة:
-حبيبي ما تخافش، أنا هحكيلك.
لتميل بجسدها نحو الأمام تهمس له بفكاهة:
-طلعنا متراقبين يا باشا!
زاد حديثها من ريبته يخبرها بضيق:
-اتكلمي يا «شمس» قلقتيني، إيه وبلاش الألغاز دي.
وضعت يدها على فمها تطلق ضحكاتها التي زادت من حنقه، فيصيح بها بعد أن نفد صبره:
-يوووه ما تتكلمي!
ومن بين ضحكاتها المتتالية، لا تدري من مظهره أم من ذلك الموقف، لتمسك يده:
-خلاص يا حبيبي هتكلم، يا سيدي طلع البنات بيحسدوني عليك، وكلهم نفسهم في «فارس» رومانسي زي أونكل «فارس» أيقونة الحب.
غادر العبوس وجهه لتحل محله ابتسامة عريضة وصمت يحدق بها قبل أن يسألها بفخر:
-بجد يا «مشمش»؟ هو أنا مفضوح كدة؟
نظرت له نظرة جانبية قبل أن تقول متهكمة:
-مفضوح بس؟ مفضوح أوي يا حبيبي، دول أصروا يعرفوا حكاية حبنا حصلت إزاي، وسر رواية الحب الأسطورية على رأي «هدهد».
أخفض عينيه نحو خاتمه الساكن في بنصره يلمع، ليضيء في عقله شريط الماضي يتراءى أمام عينيه في لحظات أدهشتها، لتنادي عليه تسحبه من الماضي إلى الحاضر، ليرفع رأسه يستمع لسؤالها المتعجب:
-مالك يا «فارس» روحت فين؟
تنهيدة طويلة سبقت جوابه وهو يومئ لها:
-معاكِ يا نور عيني.
ثم باغتها يسحبها نحو أحضانه من جديد، مكبلاً جسدها بذراعيه رغم تملصها، يمنعها بعناد عن الابتعاد، ويسألها بصوت اختلطت فيه المشاعر ما بين عشق وخجل، ما بين ماضٍ يود نسيانه وحاضر أزاح ألمه:
-وحكيتي الحكاية؟
عاودت محاولتها الابتعاد لكنه ثبط محاولاتها وطلب بصوت منخفض:
-احكيلي وأنتِ في حضني، بلاش تبعدي، عاوز أسمعها وأنتِ بين إيديا.
روت له ما سردته للفتيات مبتسمة، يتخلل حديثها الضحكات وهي تصف له ردة فعلهم على روايتها، وما إن انتهت حتى شعرت بيديه تتراخى من حولها وحصار يديه ينتهي، لكن أذنها التي كانت تستمع إلى دقات قلبه فتشعر بقلبه يزداد خفقانه رغم ارتخاء جسده، لتبتعد عنه مسرعة، تحيط وجهه بيديها وتسأله بخوف:
_مالك يا «فارس»؟
تعلقت عيناها بعينيه تبصر نظرة منكسرة سبقت كلماته المتألمة يخبرها بصوت مهزوز:
_القصة ناقصة يا «مشمش».
مسحت على وجنتيه بإبهامها برقة بعد أن فهمت ما يقصده بأن قصتها ينقصها جرحه لها:
_القصة كاملة يا «فارس».. كاملة يا حبيبي.
لمعت الدموع في عينيه عندما وجد الدموع تتجمع في عينيها تخبره بحب كبر معهم وأثرى مشاعرهم:
_أنا شيفاها كاملة، أنت «فارس» حبيبي وأمير أحلامي اللي بعشقه، غير كدة ما فيش.
مسحت دموعها بيديها بسرعة وتبسمت تلقي عليه بمشاعرها التي اختلجت في صدرها لتخرج بهيئة رجفة طفيفة أصابت يدها التي حطت على صدره تؤكد له صدق كلماتها:
_تعرف بالعكس، لما حكيت للبنات حسيت قد إيه حبنا له طعم تاني، حب مستحيل واتحول لحقيقة. حقيقة قد ما هي حلوة خلت الناس كلها تاخد بالها منها وتتمنى تعيش زيها.
صبت كلماتها على قلبه كما يصب الماء البارد في جوف عطش، تروي ظمأه وتزيل مرارة الماضي، ليجذبها نحو أحضانه يحتويها قبل أن يضمها بقوة آذتها لكنها تغافلت عنها تستمتع بدفئها وجمال كلماته التي تلتها:
_بحبك... بحبك... يا أغلى حاجة في حياتي.
ثلاثة أشهر مرت منذ تلك الرحلة، جاهد فيها على نسيانها ليواري طيفها مقبرة النسيان، لكن كلما داهمته تلك الأفكار وجد صورتها تقف أمامه تخبره أنها موجودة، أيقونة من زمن مضى. تلك الفتاة الخجولة التي تحلم بها، بدأ عقله يرص أمامه صفاتها كأنه يزيد من إقناعه بها، فهي خجولة بتربية صارمة صعيدية، أكيد لازالت نقية كهواء مدينتها، لم يلوثها غبار صخب الموضة وزيف التمدن، جذورها عريقة لم تسمح لها بأخطاء، ستجعل منها تتمسك بالعادات والتقاليد كي تحافظ على مكانة عائلتها. لينبض قلبه في لحظة غفلة من عقله يرسم عينها الجميلة، لكنه لن ينكر أن عقله يختارها. قطع شروده نداءات متكررة:
_«حسن».... «حسن»!
صوت أمه سحبه من ضجيج تلك الأفكار ليلتفت نحوها وهي تجلس بجانبه تسأله بريبة:
_مالك يا «حسن»؟ عمالة أناديك وأنت ولا أنت هنا!
رمش بعينيه كأنه يعود إلى الواقع، يطالعها بتيه لا يعلم أيخبرها بما يجول في خاطره أم ينتظر. تعجبت من صمته لتمد يدها تتلمس كتفه وتسأله بحنان:
_مالك يا حبيبي؟ شكلك تعبان.
أومأ بحركة بسيطة نافياً يطمئنها، قبل أن ينطلق لسانه المتردد قائلاً:
_لا يا أمي أنا كويس يا حبيبتي، بس فيه حاجة شغلاني، ما تشغليش بالك.
زجرته بنظرة عتاب حانية تمسح بيدها على صدره:
_ما أشغلش بالي إزاي يا «حسن»؟
ثم واصلت مسحها على صدره تحثه على الكلام:
_اتكلم يا حبيبي وأنا هسمعك.
لكنه واصل صمته واكتفى بمنحها ابتسامة باهتة يخفي خلفها تردده، مما زادها قلقاً عليه لتستطرد محاولة التخفيف عنه وجعله ينساق معها في الحديث:
_مش شوفتلك عروسة!
عيناه التائهتان تجمدتا عليها بدهشة وهي تسترسل ببهجة:
_بنت جارتنا هنا وكمان زميلة «مليكة»، بس هي فرقة رابعة، أنا رحت بيتهم وشفتها، بنت
_حلوة وطيبة يا «حسن»...
كان ينظر لشفاهها تتحرك ولا يسمع ما تقوله، فوميض عينها بحماس كان كجرس ينذر بالخطر؛ والدته تسعى لتزوجه بل واختارت الزوجة التي تراها مناسبة له، بل وتخطو نحوها بخطوات مسرعة. إذن فليسبقها هو ليقاطعها بسرعة قبل أن تكمل وصف محاسن الفتاة التي اختارتها:
_ملوش داعي يا ماما.
تعثرت باقي الكلمات بين شفتيها ترمقه متذمرة، ظناً منها أنه يرفض فكرة الزواج، وتسأله بتعجب:
_ليه يا ابني؟ وأنت ناقصك إيه يا حبيبي؟
لتتسع عيناها بدهشة عندما ألقى عليها باقي حديثه:
_أنا لقيت العروسة.
تحركت بجسدها مقتربة منه وقالت متلهفة:
_هي مين يا حبيبي؟ نعرفها؟
ابتلع ريقه وهو يرى عينيها المصوبة نحوه بترقب أربكه، لكنه قرر إنهاء هذا التردد ليقذف عليها الاسم بسرعة، كأن عقله يخشى أن يتراجع:
_«سندس» بنت «راجح» بيه.
ظلت تطالعه برهة من الزمن تحاول استيعاب ما سمعته، تزاحمت الأفكار أمامها وسؤال واحد سبق كل أسئلتها:
_وأنت شفتها فين دي؟ البنت مش بتخرج من بيتهم، وكمان منطوية أوي ومش بتتكلم ولا بتختلط مع حد.
هربت عيناه من مواجهة عينيها المتربصة بجوابه ليخبرها باقتضاب:
_لمحتها في جنينة بيتهم.
ارتد جسدها مستندة بظهرها على ظهر الأريكة، وعينها تزوغ في الفراغ أمامها. تعجبها وردة فعلها جعل الشك يتسلل إلى قلبه، استدار نحوها يسألها بخوف:
_هي البنت فيها حاجة يا ماما؟
طالعته في حيرة وهي تجيبه ببطء حمل ترددها هذه المرة:
_لا يا ابني، بالعكس دي ما شاء الله مؤدبة وهادية أوي، بس.....
_بس إيه يا ماما؟
هتف بها بضيق يود سماع سبب ترددها.
بس مختلفة عننا يا بني، هي تربيتها وبيئتها مختلفة.
تراخت ملامحه وتنهد بارتياح بعد سماع أسباب رفضها، ليمد يده يمسك يدها ليحاول إقناعها:
_حبيبتي ما تخافيش، أكيد لما تعيش هنا هتتعود.
_وافرض رفضوا؟
جملة والدته أرهبته، فهو لم يفكر بالرفض. هل ممكن أن يحدث هذا ويخسرها؟ وإن خسرها أين سيجد فتاة خاماً مثلها؟ دارت حدقتاه يحاول أن يجد حلاً، ليهتف بلهفة عندما ظن أنه وجد الحل:
_نخلي خالتو «شمس» تضغط عليهم.
نفت رافضة وهي تحرك سبابتها أمام وجهه محذرة:
_لا.. لا مش عاوزة أدخل «شمس» في الحكاية دي، عشان ميحصلش إحراج بينهم لو رفضوا، على الأقل أنا معرفتي فيهم سطحية مش زي علاقتهم بـ«شمس».
عبس وجهه وملأ صوته خيبة الأمل يسألها:
_وهنعمل إيه؟
ضمت يديه بقوة تحاول منحه الأمل وهي تقول بابتسامة:
_هكلم «زهرة» وأشوف رأيها، وأنت صلي استخارة وربنا يقدم اللي فيه الخير
********************
انزوت في غرفتها تختبئ بها كما تفعل منذ أسبوع، تهرب من حديثهم منذ أن علمت بخطبة ذلك الشاب لها وهي لا تعلم ماذا تفعل. سقطت عيناها على يدها المرتعشة كما يرتعش سائر جسدها، فإظهارهم موافقتهم أمامها؛ فـ«راجح» و«أصيل» أشادوا بأخلاقه، و«زهرة» أعربت عن راحتها لـ«هدى» وطيبتها، لتحاصرها عيونهم تخرسها، كأنهم يدفعونها برفق نحو الموافقة، لتجد نفسها تقف أمام كلمة واحدة:
_موافقة.
ازداد ارتجاف جسدها لتهرب من أمامهم حتى لا يشعروا بها. شعرت كأنهم ينسجون حولها خيوطاً ويحركونها كدمية نحو اتخاذ القرار الذي كان من الأساس قرارهم، فهي لا تمتلك حق الرفض رغم أنهم لم يخبروها بذلك، لكن كلمات المدح التي ذكرت بحقه وحق عائلته، لمعة الرضا والفرح في عيونهم، تلك الابتسامة العريضة التي رسمت على وجوههم أخبرتها أن عليها الموافقة.
تنهدت بفتور تتذكر حديث شقيقتها «بسمة» التي تحسدها أنها ستترك الصعيد وتعيش في العاصمة، سترى ذلك العالم المبهر كما وصفته. ليتها تعلم ما تشعر به وذلك الخوف الذي استوطن قلبها، كيف ستعيش هناك بعيدة عنهم في مكان غريب لا تعلم عنه شيئاً؟ تسللت دموعها تحرق وجنتها بحرقة، فلا أحد يفهمها حتى والدتها أخبرتها أن بعد الطريق ليس بالمشكلة، يمكنها القدوم مع شقيقها متى شاءت، وأن الهواتف وبرامج التواصل لم تجعل لتلك المسافات قيمة.
نهضت بثقل تقف أمام مرآتها تواجه شحوب وجهها وتلك المشاعر، لعلها تستطيع السيطرة على مخاوفها. مدت يدها تمسح دموعها وتسأل نفسها:
_مش جايز كلامهم صح وأنتِ بتبالغي؟ خايفة من إيه يا «سندس»؟
لتجيب بصوت يائس:
_أنا ما بعرفش أتكلم مع حد كلمتين على بعض، هعيش إزاي مع ناس معرفهمش؟ وكمان ليهم تقاليد وعوايد غيرنا.
لتتسارع أنفاسها مع سؤالها التالي ويخفق قلبها بين ضلوعها باضطراب، تخرج كلماتها باستحياء:
_هعيش مع راجل ما شفتوش غير مرتين... كيف؟
ليلوح طيفه أمامها وتستعيد ذاكرتها لقاءه معها. هل يعقل أنه أعجب بها من النظرة الأولى كما يقولون؟ أو ربما اختارها لاسم عائلتها؟ أنهك التفكير عقلها لتسند يديها على طاولة الزينة وترفع عينيها نحو السماء تدعو الله وحده منجيها:
_يارب أنا صليت صلاة الاستخارة ووكلت أمري، يارب ريح قلبي.
ربما يكون هذا الشيء الوحيد الذي منحها الطمأنينة، فما سيختاره الله لها هو الأفضل.
***********************
كانت «أحلام» تغفو على وسادتها، حرارتها المرتفعة جعلتها تهلوس بأحاديث غير مفهومة تخرج من بين أسنانها المصطكة. جبينها متعرق ووجهها شاحب، أثار فزع شقيقتها التي كانت تجلس بجانبها وتصنع لها الكمادات. مسحت على جبهتها برفق تزيل حبات العرق التي تتكون عليها، يبدو أن خافض الحرارة الذي تناولته لم يجدِ نفعاً حتى المسكن الموجود في صيدلية منزلهم الخاصة لم يعطِ مفعولاً. بدأت تهمهم:
_ماما... ماما...
_يا حبيبتي يا بنتي.
هتفت بها «ندى» بعين دامعة بعد أن أغلقت الهاتف مع «طارق» تخبره بقلق عن تدهور حالتها، لتسألها «ورد» بلهفة:
_قالك إيه يا ماما؟
_بيقولي استني شوية الدوا ياخد مفعول، ودخلوها الحمام تبرد جسمها شوية على ما هو يرجع ويجيب الدوا تاني يكون مفعوله أقوى.
وميض هاتفها وصوت رنينه برسائل متكررة جعل «ندى» تنتبه لتقول ضجرة بصوت متعب:
_ما تشوفي تلفونها اللي مبطلش رن من ساعة.
التقطت «ورد» الهاتف، كانت شاشته مغلقة لكن إشعار الرسائل كان يظهر هوية مرسلها. ابتلعت ريقها باضطراب وهي تجد اسم ابن خالتها الذي زادت رسائله عن 30 رسالة. كانت تحاول جعل الهاتف صامتاً وهي تختلس النظرات نحو والدتها التي جلست بجانب شقيقتها تحاول جعلها تشرب قليلاً من الماء. تنهدت بارتياح وهي تجدها منشغلة عن سؤالها، لكن رنين الهاتف المفاجئ جعلها ترتبك وكاد الهاتف أن يسقط من يدها من شدة ارتباكها لولا تداركها الأمر. ازداد اضطرابها بعد سؤال والدتها:
_هو مين اللي بيتصل يا «ورد»؟
تلعثم لسانها وهربت عيناها بعيداً عنها واضطرت أن تكذب عليها وتقول بتهتهة قبل أن تخرج من الغرفة كي تجيبه:
_دا... أقصد دي «فرح» صاحبتها.
خرجت مبتعدة عن المكان وزفرت أنفاسها بارتياح بعد أن توقفت نغمة الرنين، لكن رنينه عاد ليصدح من جديد فأجابته بسرعة:
_أيوه يا «شريف».
ليسألها بصوت ملأه القلق الذي امتزج بضيق:
_«أحلام» فين ومبتردش على التلفون ليه؟
أصلها تعبانة يا «شريف».
وقبل أن تكمل حديثها سألها بصوت خائف:
_عندها إيه؟ تعبانة من إيه يا «ورد»؟
شرحت له حالتها وأغلقت الهاتف عائدة نحو غرفة شقيقتها، ولم تمر نصف ساعة حتى سمعوا جرس الباب. سبقت «ورد» العاملة نحوه لتفتحه وتتفاجأ به يقف أمامها، لفظت اسمه بتعجب:
_«شريف»!
مد يده بكيس الدواء وقال بأنفاس لاهثة:
_الدوا دا كويس أوي، استخدمته لما كنت تعبان هينفع «أحلام».
التقطت منه الكيس شاكرة، وكانت تخشى أن يطلب منها الدخول لكنها حمدت الله عندما قال لها:
_عن إذنك أنا مستعجل، ابقي طمنيني عن «أحلام».
أومأت له بالموافقة وشكرته بامتنان:
_متشكرة يا «شريف»، هطمنك إن شاء الله.
انصرف هو فأغلقت الباب خلفه وعادت إلى غرفة شقيقتها لتواجهها عين والدتها مستفسرة:
_مين اللي كان على الباب يا «ورد»؟ وإيه الكيس اللي في إيدك؟
تلجلجت الكلمات بين شفتيها واحتارت بما تجيب حتى استجمعت قواها تلقي الإجابة دفعة واحدة:
_«شريف» جايب دوا لـ«أحلام».
تجهم وجهها وعقدت حاجبيها تسألها بضيق:
_وهو عرف منين إنها عيانة؟
طأطأت رأسها بارتباك تجيبها بخفوت:
_أصل سأل عليها وقلت له إنها عيانة.
زفرت أنفاسها متأففة وكتمت غيظها، فهي لم تكن في حالة تسمح لها بالجدال.
****************************
جاء ذلك اليوم المخصص للتجمع العائلي لتمتزج الأحاديث والضحكات كالعادة. تجمع الجميع يستمعون لحديث «فارس» و«علي» يقصون عليهم بعض ذكرياتهم. كان «حسين» يحدق بشقيقه المبتسم بدهشة، وجهه المبتهج وعيناه اللتان تومضان بشكل غريب لم يعتد عليه، لينحني نحو شقيقته الجالسة بجانبه يسألها بتعجب هامساً:
_هو «حسن» ماله؟ شكله سعيد كدة؟
التفتت نحوه تخبره بذات الهمس، تخبره بسر سعادته:
_شكل أهل العروسة وافقوا.
اتسعت عيناه متفاجئاً من هذا الخبر:
_بجد! طب ألف مبروك.
عادت «مليكة» تقترب منه تخبره بذات الهمس:
_شكلنا مستنيين الإعلان الرسمي.
مط شفتيه يرفع حاجبيه بدهشة قبل أن يعود يثبت عينيه على والديه، فلفت انتباهه كلام العيون بينهما وتلك النظرات المتبادلة بينهم وبين جدته «صفاء» التي لم تغادر البسمة شفتيها، حتى وجد والدته تقول بحماس ظهرت معه ملامح الحرج على شقيقه وشاركها ذلك الحماس نظرات والده الداعمة:
_عندي ليكم خبر يا جماعة هيفرحكم.
اتجهت الأنظار نحوها بترقب وساد الصمت المكان، كان الجميع يريد سماع ذلك الخبر بشغف لتلقي هي عليهم الخبر بسعادة:
_«حسن» هيخطب «سندس» بنت «راجح» بيه، و«زهرة» كلمتني النهاردة وبلغتني إنهم موافقين.
تعالت التبريكات واتسعت الابتسامات ممتزجة ببعض العتب المحبب من شقيقاتها اللاتي تولين تقديم التهاني لها يلمنها على عدم اطلاعهن بتلك الخطبة.
ووسط ذلك الضجيج كان هناك ضجيج من نوع آخر، فقد تيبست الدماء في عروقها تنظر إليهم بعين شاخصة تحاول استيعاب ما يجري. تسارعت أنفاسها تشعر بقلبها يحترق بين أضلعها وهي تبصر السعادة المتجلية على وجهه يستقبل التبريكات من الجميع بسرور ظاهر. ودت لو تستطيع الصراخ تسأله لماذا فعل بها ذلك؟ ألم يرَ حبها؟ لماذا ذهب لخطبة أخرى وهي تعشقه؟ لماذا مزق قلبها ودهس على مشاعرها بلا رحمة؟ شعرت بهواء تلك الصالة الواسعة يتلاشى والأكسجين قد نفد من رئتيها، فبدأت أنفاسها تثقل حد الاختناق. حاولت النهوض والهروب من المكان لكن أقدامها خذلتها كأنها شلت.
اقتربت منها «ورد» تطالعها بإشفاق، فعينَا «قمر» معلقتان بـ«حسن» لا تحيدان عنه كأنها تمثال ثلج. مدت يدها تلمس يدها التي شعرت ببرودتها لتناديها بقلق:
_«قمر» أنتِ كويسة؟
لكنها لم تجب عليها، هل صمت أذناها ولم تعد تسمع سوى أنين قلبها يتلوى على نار الخذلان؟ كم تمنت أن تبتلعها الأرض الآن كي تتخلص من ذلك الألم.
وقبل أن تحاول «ورد» مناداتها من جديد، صدح صوت «صفاء» قائلة بسعادة:
_هو أنا كمان عندي حاجة عاوزة أقولها وطلب، مش عارفة لو ممكن أطلبه هنا رغم إنه مش من الأصول يطلب هنا، لكن أنا عشمانة فيك يا «فارس» أنت و«شمس».
نظرت «شمس» نحو «فارس» بحيرة قبل أن تصوب نظرها نحو زوجة عمها التي استرسلت تخبرهم بثقة:
_لكن بيت «حسن» هو بيتكم كلكم يا ولاد، عشان كدة أنا هعتبر إنكم في بيتكم عشان أقول طلبي اللي أتمنى إنكم مترفضهوش.
_اتفضلي يا امرأت عمي، واللي أقدر عليه مش هتأخر.
قالها «فارس» باضطراب، وازدادت حيرتهما ينظران لها بترقب وعيناهما تتقابل باستفهام بين اللحظة والأخرى، لتخطف هي نظرة نحو حفيدها الغالي وزوجها الذي فطن طلب زوجته فابتسم يدعمها وتقول:
_أنا عاوزة أفرح بأحفادي في يوم واحد، وبما إني اللي مربية «حسين» وبعتبره ابني، فأنا بطلب إيد «قمر» بنتك لـ«حسين» ابني.
كان يتأملها كالأبله، لا يستطيع أن يتخيل أنها تحقق له حلمه، خفق قلبه بجنون وهو ينظر لها بدهشة شاركها بها الجميع، حتى والداه اللذان كانت سعادتهما كبيرة يهتفون بلهفة:
_إحنا نتشرف بنسبك يا «فارس» وياريت توافق.
_أيوه يا «مشمش»، هو أنا هلاقي عروسة لابني أحسن من «قمر»؟
ألجمت الصدمة الاثنين وعيون الجميع تترصدهم كي يعلموا الإجابة، ليلتفتوا نحو صغيرتهم تلك التي كانت في حالة يرثى لها. توالت عليها الصدمات بلا رحمة؛ حبيبها يخطب غيرها، وشقيقه الذي لا تطيقه يخطبها. كادت أن تنهار لولا يد «ورد» التي ضمت كفيها تدعمها لتشعر بارتجافها وعيناها تتحرك نحو أشقائها ووالديها دون أن تلتفت تلتقط الإجابة، لتسمع والدها يقول:
_بصراحة «حسين» دا غالي عليا، ولو اتمنيت لبنتي راجل مش هتمنى أحسن منه.
ثم التفت نحو والدتها التي أكدت كلامه وهي توزع نظرها بين شقيقتها وزوجها من جهة، وعمها وزوجته من جهة أخرى:
_«حسين» دا ابني زيه زي «سيف» و«شريف»، وشهادتي فيه مجروحة بس هو عارف أنا بحبه قد إيه.
قالت كلمتها الأخيرة تنظر له بحب، ليبادلها هو بنظرات امتنان رافقتها ابتسامة عريضة:
_متشكر يا خالتو.
لكن تلك الابتسامة لم تدم طويلاً، فقد بهتت واضطرب صاحبها عندما سمع «فارس» يقول مشيراً نحو «شمس»:
_إذا كان على رأيي أنا و«شمس» فإحنا معندناش مانع، لكن يفضل الرأي الأول والأخير لـ«قمر».
ذكر اسمها جعل الجميع يلتفت نحوها وأولهم هو، ليجدها تجلس صامتة. بلع ريقه بخوف من رفضها وخفق قلبه بفزع وهو يتخيل ماذا سيحصل لو رفضته، لكن وقبل أن تطلب «شمس» منحها مدة للتفكير، فاجأت الجميع بما جعل الدهشة ترتسم على وجوههم، والصدمة الأكبر كانت من نصيب «ورد» الجالسة بجانبها وهي تسمعها تقول بجمود:
_أنا موافقة.
الفصل 8
_موافقة.
كلمة ألقتها في لحظة تهور ظنت فيها أنها تداري خيبة أملها وترضي قلبها المكسور. إن كان هو اختار غيرها فهي أيضًا ستختار غيره، لكن مهلاً ماذا فعلت؟
تلك الكلمة التي قالتها في لحظة عناد كانت كغفلة غاب فيها عقلها، كانت وليدة لحظة طيش لم تحسب عواقبها. حوار دار بينها وبين نفسها قبل أن ترفع عينها وتصدمها الحقيقة.
وجدت الجميع يلتفون حوله يهنئونه بسعادة، والأدهى تلك الفرحة التي تراها على وجه عائلتها؛ والدها الذي يحتضنه بفخر ووالدتها تقبله، إخوتها يربتون على كتفه، خالاتها وأولادهم. تسارعت أنفاسها وكادت أن تتهور من جديد وتخبرهم أن يتوقفوا، لقد تراجعت، هي غبية ووافقت في لحظة استهتار منها. حركت شفاهها تحاول أن تنطق، لكن صوتها بحّ ولم تستطع أن تخرج الكلمات من صدرها، ألجمتها الحقيقة التي تغافلت عنها. تجمعت الدموع في عينها وهي تجد حبيبها يقف بجانبه يضمه بسرور.
وهبطت دموعها الهاربة حين غمرها «فارس» و«شمس» يباركان لها، كانت تشعر بشفتي والدها تلامسان خدها بحنان وصوته يخرج مرتاحًا:
_كبرتي يا روحي وبقيتي عروسة.. عروسة لأحلى عريس، «حسين» الراجل اللي كنت بتمنى يكون من نصيبك.
ضمها إليه لتسند رأسها على صدره، دفء أحضانه جعل دموعها تنساب رغمًا عنها، لكنها تداركت ذلك؛ حركت وجهها على صدره تسمح لقماش قميصه أن يمتص تلك الدموع قبل أن تفضحها.
جذبتها «شمس» تحتضنها وتبارك لها، تبعتها «هدى» التي كانت سعادتها تفوق الجميع تقبلها وتعدها أنها ستكون ابنتها منذ هذه اللحظة، تبعها الجميع حتى جاء دور «ورد» وكادت أن تنهار بين أحضانها عندما همست بجانب أذنها تعاتبها:
_عملتي كدة ليه يا مجنونة؟
لتسمع شهقتها المكتومة فتنهرها بسرعة:
_أوعي تعيطي لتفضحينا، أمسكي نفسك.
ضمتها «ورد» مدة تطلق ضحكات مزيفة تداري بها صوت أنينها الخافت حتى استطاعت «قمر» السيطرة على نفسها.
*********************
لا تعلم كيف انتهى ذلك اليوم الذي حُدد فيه يوم الخطبة، وانصرف الجميع نحو منازلهم لتجد نفسها أمام باب غرفتها. دخلت الغرفة وأغلقت الباب ولم تعد قدماها تستطيعان حملها لتسقط تفترش الأرض، تستند بظهرها على الباب وتسمح لدموعها أن تتحرر من محبسها لتنهار باكية بانتحاب. وضعت كفيها على وجهها وظلت تبكي حتى رفعت وجهها وبدأت تلطم خديها في لحظة استيعاب هستيرية:
_أنا عملت إيه؟ أنا اتجننت؟ إزاي أعمل كدة؟!
نهضت بسرعة نحو الحمام الملحق بغرفتها ووقفت أمام الحوض، فتحت الماء وبدأت تجمع الماء بيديها وتلقيه على وجهها بجنون لعل ما حدث يكون مجرد كابوس وستصحو منه. كررت فعلتها عدة مرات حتى تعبت، لتتوقف تستند بيديها على الحوض تلهث أنفاسها والماء يقطر من وجهها وملابسها. نظرت لانعكاس وجهها في المرآة، رفعت يديها تمسح وجهها بعنف وهي تردد اسمه مستنكرة:
-«حسين».. «حسين»!
تسارعت أنفاسها رافضة وهي تتذكره باشمئزاز، لتضع يدها على فمها كأنها تلطم لسانها لتعاقبه قبل أن ترفعها تردد بازدراء:
-أنا أتجوز «حسين»؟!
أما هو فقد كان على النقيض منها؛ دخل غرفته والفرحة تملؤه، خلايا جسمه ترقص باستماع. جلس على السرير وأغمض عينيه باسترخاء يحاول تذكر ما حدث منذ قليل بتعجب؛ حلمه يتحقق، أصبحت خطيبته بل ووافقت بمحض إرادتها! يتذكر تلك اللحظة بانتشاء، كم كان يود أن يهرول نحوها ويأخذها بين أحضانه ويضمها بقوة يخبرها بحبه الخفي. تنهد بعشق وأمسك هاتفه ينظر لصورتها المخزونة ليقبل شاشته عدة قبلات مرددًا:
-بحبك.. بحبك.
ثم احتضن الهاتف يتخيل أنه يحتضنها ليتأوه بهيام:
-آه.. آه.. يا «قمر» بعشقك يا حبيبتي.
توقف فجأة لتتسع عيناه في لحظة إدراك تمنى بها أن يكون استنتاجه حقيقة، ليهمس متسائلاً:
هو أنتِ ممكن تكوني بتحبيني زي ما بحبك؟
عاد ينظر إلى صورتها ويقول مبتهجًا كأنه يحاورها وعقله يصور له مشاهد من المستقبل:
-أكيد بكرة لما نتخطب ونتجوز أكيد هتعترفي ليا بحبك زي ما هعترفلك بحبي.
زفر أنفاسه العاشقة بأمل:
—إمتى آخذك في حضني وأقولك بحبك من سنين؟
**********************
وفي اليوم التالي لم تخرج من غرفتها فلم تستطع مواجهة والديها، وادعت أنها تعاني من صداع وتحتاج إلى النوم. كانت تمثل النوم عندما سمعت طرقات على الباب أعقبها فتحه وإغلاقه، لتسمع وقع خطوات تقترب منها، ثم شعرت بمن يجلس بجانبها ويهزها مناديًا:
-قومي يا «قمر» أنا عارفة إنك صاحية، يلا عاوزة أتكلم معاكي.
أزاحت الغطاء بسرعة وقالت بدهشة:
-«ورد»؟!
لتجيبها «ورد» بصوت محتقن:
—أيوه يا أختي اتعدلي خلينا نتكلم.
اعتدلت في رقودها ورفعت يدها تعيد ترتيب خصلات شعرها قبل أن تضعها خلف أذنها وتقول بتوتر:
-نتكلم في إيه؟
لتجيبها «ورد» ساخطة:
-في الهباب اللي عملتيه امبارح، ممكن أعرف وافقتي على «حسين» ليه وأنتِ أصلاً مش بطيقيه؟
نظرت إلى عين «ورد» التي تحاصرها، لا تعلم بماذا تجيب حتى وجدتها تسألها بتهكم:
-عاوزة تنتقمي من «حسن»؟
حركت رأسها نافية وقالت بتيه:
-مش عارفة.
ضحكة ساخرة خرجت من فمها تردد حديثها باستنكار:
-يا سلام مش عارفة! أمال وافقتي ليه؟
هربت بعينيها بعيدًا وأجابت بصوت باكٍ:
-صدقيني مش عارفة، جايز بانتقم زي ما قلتي، بانتقم لكرامتي.
صاحت بها «ورد» تؤنبها:
-تنتقمي لكرامتك إيه؟ هو كان وعدك بحاجة ولا قالك بحبك؟ ده أصلاً ماكنش شايفك!
لتلتفت نحوها بسرعة تخبرها بحرقة وبصوت غاضب:
-بس أنا بحبه، ليه محسش بيا؟
ضربت «ورد» جانب رأسها توبخها بسخط:
-أنتِ مجنونة يا بنتي؟ ما حسش بيكِ إيه؟ أنتِ واعية يا «قمر» بتقولي إيه؟
انسابت دموعها بقهر لتطالعها «ورد» بإشفاق، زفرت نفسًا طويلاً تخرج معه غيظها منها لتحاول التخفيف من وتيرة كلامها لتسألها بهدوء:
-طب هو محسش بيكِ، «حسين» ذنبه إيه؟
لتلوح بيدها بعدم مبالاة:
-مش عارفة.
وضعت «ورد» يدها على ساعدها ثم رفعت يدها تمسك ذقنها وتعيد رأسها لتتواجه عيونهما تخبرها بتعقل:
-«قمر» الوضع حساس، أنتِ كده هتسببي مشكلة بين خالتو «شمس» وخالتو «هدى» وأنتِ عارفة علاقتهم حلوة إزاي، حتى عمو «فارس» بيعتبر أونكل «علي» أخوه. اهدي يا «قمر» وفكري أنتِ حطيتي نفسك وحطيتيهم في الموقف ده.
عضت «قمر» على شفتيها بحزن تدرك حقيقة كلامها وأغمضت عينيها لتنساب دموعها أكثر دون أن تعقب، لتكمل «ورد»:
-انسحابك دلوقتي هيعمل مشاكل أكيد.
ثم تنهدت مستاءة قبل أن تستطرد بما جعل «قمر» تنظر لها بتيه:
-و«حسين» مايستاهلش اللي بيحصل ليه.
******************************
لقد جاء ذلك اليوم الذي انتظره منذ ثلاثة أشهر؛ كان يجلس بجانب والدته وقدماه تهتزان باضطراب، لاحظته «هدى» لتدنو منه تربت على يده وتهمس مؤنبة:
-مالك يا «حسن» ما تهدى.
التفت لها نصف التفاتة قبل أن يرفع يده يمسح بمنديله الورقي حبات العرق التي تكونت على جبينه من شدة الحرج. عيناه تخطفان النظرات نحو باب الغرفة ينتظر حضورها، تحركت عيناه بنظرات مستهجنة نحو خالته الجالسة بجانب والدتها التي لم تكف عن الثرثرة منذ أن جلسوا، تنهد باستياء مغمغمًا:
-يارب يا «سندس» ماتطلعيش زي أمك بتتكلمي كتير.
سئمت «هدى» هي الأخرى من الانتظار لتسأل «زهرة» بأسلوب مؤدب:
-هو إحنا مش هنشوف العروسة يا «أم أصيل»؟
التفتت نحوها «زهرة» المندمجة في الحديث وقالت بخجل وهي تنهض واقفة:
-أيوه أكيد حالاً.
رحلت «زهرة» ليمضي وقت طويل لكنها لم تعود، طالع «حسن» ساعة يده بضجر قبل أن يزفر أنفاسه متأففًا، لتلوح ابتسامة مشاكسة على وجه «شمس» وهي تهتف تمازحه:
-الصبر حلو يا عريس، البنية بتتكسف.
شعر بالخجل وهو يرى تلك الابتسامات والإشارات المتبادلة بين والدته وخالته. ما هي سوى لحظات ليجدها تدخل تتبع والدتها باستحياء، خطواتها يبدو عليها التوتر ووالدتها تسحبها خلفها وكأنها تسحبها جبرًا، لتلقي السلام بصوت خافت بالكاد سُمع.
نهضت «هدى» تستقبلها بحب وكذلك فعلت «شمس»، انتبه لإجاباتها الخجلة. جلست بجانب والدتها مخفضة الرأس ولم تنظر حتى اتجاهه حتى إنها لم تلقِ عليه السلام. ابتسم وهو يجد بشرتها تتحول للون الأحمر عندما سمع «هدى» تطلب منهم أن يبتعدوا عنهم فاسحين لهم المجال لتتعرف هي عليه. واتسعت ابتسامته عندما وجدها تمسك بيد والدتها تنظر لها بعين متوسلة أن لا تتركها، لكن «زهرة» أزاحت يدها بقوة وأشارت لها نحو نهاية الصالة تهمس لها بما وصل إلى مسامعه:
-أنا هقعد مع خالتك «شمس» وأم «حسن» هناك، «حسن» عاوز يقولك كلمتين وخلاص، عشر دقايق وراجعة.
أتبعت حديثها بنظرة حازمة تجبرها على البقاء قبل أن تتركها وتذهب حيث أشارت.
كانت المسافة بينهما كبيرة لينهض يجلس في الكرسي القريب من الأريكة، وما إن تحرك حتى وجدها تنتفض مبتعدة تزحف بجسدها إلى نهاية الأريكة الأخرى. انفلتت ضحكة بسيطة منه على تصرفها، جلس يتأملها؛ جسدها يرتعش، يداها الموضوعتان على حجرها تدعكهما ببعضهما بقوة، شفتاها ترتعشان ارتعاشة بسيطة لتخرج لسانها تلعقهما كأنهما جفتا من شدة ارتباكها. كل هذا جعله يبتسم بانتشاء وهي بتصرفاتها تغذي فكرته أنها اختياره الصحيح، تلك الفتاة الخام التي يبحث عنها، كل شيء يوحي أنها بلا ماضٍ. لاحت على شفتيه ابتسامة انتصار ليتحمحم:
-احم.. أنا «حسن».
حافظت على صمتها ولم تجب عليه.
-إزيك يا «سندس» عاملة إيه؟
تابعت هي الصمت ليحاول مشاكساتها فيكرر نداءه:
-«سندس».. «سندس».. «سندس».
رفعت رأسها بنظرة خاطفة قبل أن تحاول خفضه ليضحك:
-الحمد لله افتكرتك مش بتسمعي.
ابتسامة خجلة ارتسمت على وجهها تجيبه بصوت خافت ورقيق:
-الحمد لله.
سماعه لصوتها جعله يبتسم، يتذكر حوارها مع قطتها ليشاکسها من جديد:
-وكمان طلع صوتك حلو، أمال حارمانا منه ليه؟
ازداد تورد وجنتيها وبدأت تضغط على يديها أكثر ليمزحها:
-مش هترفعي رأسك وتشوفي عريسك؟
استمرت في صمتها ليسترسل بمزاحه:
-يا «سندس» ارفعي رأسك ما هو دي فرصتك الأخيرة مفيش بعدها تراجع، يعني مش هتيجي بعد ما نتجوز تقولي ماشوفتكش كويس.
جملته هذه جعلت قلبها يخفق بشدة وانفرج ثغرها بابتسامة مرتبكة، لم تكن تستطيع رفع وجهها ولم تكن بحاجة لذلك فمنذ أن تقدم لخطبتها استرجعت لقاءاتهما البسيطة وطبعت صورته في عقلها. يئس من استجابتها برفع رأسها ليقول:
-يعني خلاص مافيش فايدة مش هترفعي رأسك وتبصيلي؟
تنهيدة طويلة خرجت منه ليقول لها:
_طب معندكيش سؤال عاوزة تسأليه؟ طلب عاوزة تطلبيه؟طب هو حد ضغط عليك؟ اجبرك يعني
اكتفت بهز رأسها رافضة، ورغم أنه كان يود أن يراها لكن رفضها وخجلها أسعداه ليقرر أن يحاول للمرة الأخيرة وهو يقول راجيًا:
-أنا خلاص همشي بس ممكن قبل ما أمشي أشوف عروستي؟ ممكن يا «سندس»؟
ثبت عينيه عليها وظل ينتظر استجابتها لطلبه. شعرت بالحرج لكنها خشيت أن رفضها يكون غير لائق، فهذا حقه وما جاء لأجله في هذه الجلسة. رفعت رأسها ببطء لتلتقي عيناها بعينيه، لحظة فقط تضاعفت فيها ابتسامته بسعادة لتخفضه بسرعة من جديد، وانتفض قلبها يرتعش بمشاعر تجربها للمرة الأولى وهي تسمعه يقول:
_بسم الله ما شاء الله تبارك الرحمن، قمر وأحلى من القمر.
واستطرد قائلاً بتمنٍ صادق:
-ربنا يبارك لنا ويكتب لنا الخير سوا.
قلبها دعا بما دعا به لسانه وتمنت أن يستجيب الله دعاءه.
**********************
كانوا يجلسون مندمجين مع أحد الأفلام ينتظرون خروج «طارق» من الحمام كي يتناولوا الطعام، يتناقشون في هذا الفيلم الذي لم تعجب قصته «ندى» واعتبرت أنه مجرد فيلم مفسد للأخلاق يحلل ما حرمه الله باسم الحب، رغم أنها لم تشاهد سوى مشهدين منه الآن.
-ما هو يا ماما هي دي الأفلام اللي مطلوبة في السوق يعني بالمختصر بتجيب فلوس.
هتفت بها «ورد» تفسر لوالدتها ما تعتقده، لتزجرها «ندى» بنظرة غاضبة:
-يعني أفسد جيل عشان أكسب فلوس؟ ده إيه المنطق ده؟ حسبنا الله ونعم الوكيل.
ربعت «أحلام» قدميها على الأريكة وقالت توزع نظرها بين الشاشة ووالدتها:
-ماما المنتج بيفكر بالفلوس، وإلا الجيل؟ الفلوس أكيد.
-لا حول ولا قوة إلا بالله.
تمتمت بها قبل أن تصرخ بالاثنتين توبخهما:
-ما أنتو السبب، أنتو لو بتقاطعوا الأفلام الهابطة دي مكانش هيكون فيه مكسب ولا فلوس ولا فساد.
لوت «أحلام» شفتها بسخط وقالت تستهجن حديثها:
_يا ماما المشاهدات بتاعته بالملايين، يعني هو إحنا الجوز اللي هنأثر؟
تبعت حديثها تشير نحو شقيقتها التي أيدت كلامها بابتسامة تلاشت تدريجيًا وهي تسمع تأنيب والدتها:
_ولو، ابدأ بنفسك أولاً، مالكم أنتو ومال ملايين المشاهدات.
_ابدأ بنفسك أولاً.. كده مس «ندى» بتدي درس.
قالها «طارق» ضاحكًا يمسح على خصلات شعره الرطبة موزعًا نظره بين الثلاثة قبل أن يجلس بجانبها، يبتسم على ضيقها من تهكمه ليحاول مراضاتها:
_مزعلينك في إيه البنات دول؟ وأنا أملص لك ودانهم يا حبيبتي.
ضيقت عينيها واضعة يدها على ذقنها تجيبه باستنكار تستهزئ من تهكمه:
_لا أنا كنت بس بديهم درس.
انفجر ضاحكًا يرفع يده يضمها رغم تمنعها، حتى توقف يمسح دموعه من شدة الضحك يخبرها من بين ضحكاته:
_طب ما تديني أنا كمان يا «ندوش» درس معاهم.
زفرت أنفاسها بضيق بعد أن استفزتها ضحكاته وقالت بحنق وهي تحاول النهوض:
_لا أنا أقوم أحضر العشا أحسن.
جذبها نحوه يمنعها ثم غمز لصغيرتيه وصرخ بانفعال مزيف:
_قوموا يا بنات حضروا العشا، اتحركوا!
كتمت الفتيات ضحكاتهما وهما تنهضان تمتثلان لطلب والدهما الذي التفت نحوها بعد أن غادرتا يقبل رأسها:
_هو الجميل زعل مني ولا إيه؟
ابتعدت ونظرت له نظرة جانبية معترضة قبل أن تقول له معاتبة:
_كده يا «طارق»؟ ده بدل ما نتعاون أنا وأنت عشان نحميهم من البلاوي والفتن اللي محاوطاهم.
ضمها من جديد وقال معتذرًا:
_عندك حق أنا آسف، بس معلش يا «ندى» أنا سايبلك المهمة دي وأنتِ قدها وقدود يامس.
أنهى حديثه يربت على ذراعها ليزداد حنقها منه وتنهض بسرعة تمتمت بغيظ:
_لا أنا أسيبك قبل ما أنفجر.
ارتفعت ضحكاته وعيناه تتابعانها وهي تنهض مبتعدة، وقبل أن تصل إلى المطبخ صدح صوت جرس الباب لتغير طريقها متجهة نحوه. فتحت الباب لتتسع عيناها وظلت متسمرة للحظات تتأمل الواقف أمامها كأنه حلم، حتى اقترب هو منها يهتف بشوق:
_وحشتيني يا ماما.
صوته أكد لها وجوده لتشهق وتنساب دموعها تصرخ باسمه متلهفة:
_«زياد»!
احتضنها يقبل رأسها عدة قبلات وضمته بقوة تستنشق قربه تردد عبارات الشوق له:
_وحشتني يا قلب وروح أمك.
أبعدها عن أحضانه يقبل يديها بعين باكية وبلهفة مماثلة، لكنها جذبته من جديد نحو أحضانها تعتصره تود لو تحبسه بين ثنايا قلبها فلا يبتعد عنها مرة أخرى:
_الحمد لله على سلامتك يا حبيبي.
صراخها باسمه جعل «طارق» يهرول نحوهم، ولم يكن شوقه بأقل من شوق والدته، كان يطالع المشهد بعين دامعة وفخر والد بولده. ابتعد «زياد» عن أحضان والدته لينتبه إلى وقوف والده خلفها، ليبتعد عنها رغم تمسكه بها كأنه طفل صغير، لكن شوقه لوالده دفعه نحو أحضانه. احتضنه «طارق» بتوق كبير:
_الحمد لله على السلامة يا غالي.
_الله يسلمك يا بابا.
خرج من أحضانه يمسح دموعه ليربت «طارق» على كتفه قبل أن تندفع نحو شقيقاته يستقبلنه بشوق. وما إن انتهى من استقبالهم حتى سحبته «ندى» التي لم تتوقف دموعها نحوها، تمسح على وجهه وكتفه كأنها تتفقده تسأله بصوت مختنق:
_الحمد لله على السلامة يا حبيبي، أنت كويس؟
عاد يضمها ويقبل رأسها من جديد يطمئنها:
_حبيبتي والله أنا كويس.
وصلة من الضحك والمحادثات أخذتهم حتى استأذن منهم ليأخذ حمامًا قبل أن يتناول العشاء معهم. وبعد مضي فترة من الوقت جلس الجميع على مائدة الطعام لتبدأ «ندى» بوضع الطعام أمامه رغم اعتراضه على الكمية، لكنها لم تستمع إليه بل بدأت بإطعامه بنفسها:
_كل يا حبيبي شكلك هفتان وأكيد طبخ أمك وحشك.
ليجيبها والطعام يملأ فمه بالكاد يستطيع مضغ اللقمة لتدس أخرى مكانها:
_وحشني أوي.. أوي يا ماما تسلم إيدك.
كان «طارق» يراقبهم مبتسمًا ليحاول مشاكساتها وهو يدعي الضيق ويقول بتهكم:
_أيوه حبيب القلب شرف يبقى «طارق» يتركن على الرف.
حنقه المزيف جعلها تلتفت إليه تستهجن حديثه وتعاتبه:
_أنا يا «طارق» أركنك على الرف؟
وقبل أن تكمل عتابها سبقها هو مشيرًا نحو الطبق الفارغ أمامه يقول بحدة مصطنعة:
_بصي يا «ندى» لطبقي وأنتِ تعرفي، ده أنتِ كنتِ بتمليلي الطبق قبل ما تحطي لقمة في بقك!
عينها التي طالعته بأسف، فلهفتها على صغيرها وفرحتها بوجوده أنستها الجميع، لتلتقط الطبق تملأه وتضعه أمامه معتذرة:
_معلش يا حبيبي حقك عليا.
أومأ برأسه متقبلاً اعتذارها لكنه أراد أن يمازحها فغمز لها:
_بس أنا محدش أكلني.
أصابها حديثه بالحرج لتلتفت وعيناها تتنقلان بين أولادها الذين يكتمون ضحكاتهم، وعادت بعينيها نحوه متعجبة من جرأته أمامهم. عضت على شفتها السفلية كنوع من التنبيه، لكنه عاد يغمز لها من جديد لتبتسم وتلتقط الطعام تطعمه كما طلب.
وعادت تتناول هي طعامها قبل أن تعترض وهي تسمعه يخبر ولده بعد أسئلة عديدة عن دراسته وشهادته التي حصل عليها في تعامله مع أجهزة وتقنيات حديثة في علاج وتجميل الأسنان:
_خلاص إحنا ناخد الشقة اللي قدام عيادتي ونفتحها عيادة ليك، أهو كدة نكون قريبين من بعض وهشوف مهندس ديكور يشطبها قبل ما الأجهزة توصل من برة.
_وجوازه يا «طارق»؟ هو إحنا مش اتفقنا إنه يتجوز أول ما يرجع؟
هتفت بها بامتعاض قوبل باستنكار من «طارق»:
_«ندى» خلي الولد يفتح عيادته وحكاية الجواز خليها بعدها.
زاد اعتراضها فحاولت إقناعه:
_وماله يا «طارق» لو مهندس الديكور اشتغل العيادة والجناح بتاعه في نفس الوقت؟
_وليه الصربعة دي؟ يعني هو الجواز هيطير؟
وضعت كفها على يده الموضوعة على الطاولة تسأله برجاء، تنقل بصرها بين ولدها الذي بانت على قسماته علامات الخجل:
_وحياتي يا «طارق» عاوزة أفرح بيه.
تنهد «طارق» بيأس، يعلم مدى أهمية هذا الموضوع بالنسبة لها، لينظر نحو ولده عساه يكون هو المخرج من إلحاحها ليشير نحوه:
_طب أنت إيه رأيك يا «زياد»؟
لكن «زياد» لم يكن ليخيب ظنه عندما قال ببرود:
_اللي تشوفوه يا بابا.
وبعد أن سمعت جوابه عادت عيناها تتوسله ليزفر نفسًا طويلاً ويحرك رأسه بقلة حيلة متمتمًا:
_خلاص يا ستي اللي تشوفوه.
كده إحنا محتاجين فساتين جديدة عشان _هيكون عندنا أكتر من عريس.
قالتها «أحلام» وهي تصفق بحماس، لتصيب الدهشة «زياد» فسألها مستفسرًا:
_ليه؟ هو فيه عريس تاني؟
أيوه «حسن» ابن خالتك «هدى» خطب.
أجابته «ندى» لتتسع ابتسامته وهو يلومهم:
_من إمتى؟ وليه محدش قالي؟
يا بني وهو أنت كنت بتكلم حد؟ ده أنت من أسبوعين وأنت مش بتتكلم يدوبك السلام عليكم أنا بخير مع السلامة.
أومأ لها يوافقها حديثها ويقول:
_عندك حق ما هو الامتحانات كانت واخدة كل وقتي، بس «حسين» ليه متصلش بيا وبلغني؟
ليضحك شقيقتاه وتقول «أحلام»:
_سيب «حسين» ده مشغول هو كمان بخطوبته.
زادت دهشته وقال يقطب حاجبيه متعجبًا:
_بجد! وما قالش ليه؟ ده هما أسبوعين اللي متكلمتش فيها معاكم ألاقي العيلة كلها مخطوبة! طب بس أما أشوفه الخاين ده.. طب وخطب مين؟
لتجيبه «ورد» قبل أن تدس اللقمة في فمها:
_«قمر» بنت خالتو «شمس».
تجمد جسده يحاول استيعاب ما سمعه، لا لا عقله يرفض تقبل الفكرة إلا هي، حبيبته التي قرر أن يخبر والدته عنها اليوم، حلم طفولته وصباه تضيع وتذهب لأعز أصدقائه! احترق فؤاده وتحشرج صوته بين ثنايا صدره يحاول السيطرة على نفسه قبل أن ينهار أمامهم. أفلت الملعقة لينهض ويقول بتلعثم:
_الحمد لله.
اعترضت «ندى» على إنهائه طعامه لتمسك يده تمنعه:
_على فين يا حبيبي؟ أنت ما أكلتش حاجة.
سحب يده من بين يديها برفق وقال بتوتر:
_معلش تعبان وعاوز أنام.
غادر المكان وأعين عائلته تتبعه. وصل غرفته ليدخلها بجسد أنهكته الحسرة وخيبة الأمل. جلس على سريره، أحنى رأسه واضعه بين يديه، لا يستطيع أن يصدق ما يحصل. زفر أنفاسه لعله يستطيع إطفاء تلك النار المشتعلة داخله. قلبه يعتصره من شدة الآلام وهو يرى أحلامه تحترق كما يحترق صدره بين أضلعه. رفع رأسه يلتفت نحو حقيبة سفره الموضوعة على السرير ليمد يده يفتح سحابها ويخرج تلك العلبة المخملية من داخلها. فتحها لينظر بسخرية حزينة إلى خاتم الخطبة الذي انتقاه من أجلها، وشرد بتفكيره وهو يتخيلها برفقة صاحبه؛ مجرد الخيال أصابه بالانهيار، إذاً كيف سيتحمل رؤيتها بين أحضان غيره؟
نظر إلى تلك العلبة المخملية القابعة بين يديه بحسرة ليقبض عليها بأنامله بقوة كأنه يقبض على قلبه، يخرس أنينه يرتجف كطائر ذبيح يتمنى الموت ليتخلص من هذا الألم. كم ود لو يستطيع الصراخ بكل قوته يخرج تلك النار التي تحرق قلبه بندم.
_غبي.. غبي! هكذا نعت نفسه يشتمها، لماذا لم يخبر والدته التي وعدها بأن يتزوج ما أن يعود، فتنتظر عودته بفارغ الصبر كي تحقق حلمًا لطالما تمنته تكرره عليه كل يوم برجاء. عاد يشتم نفسه:
غبي.. غبي ليه ماقلتلهاش على اسمها بدل ما أرجع ألاقيها مخطوبة؟ ومن مين؟ من أعز صحابي!
تأوه بكسرة يضرب بقبضة يده على قلبه يندب بالدموع حبه الضائع:
آه.. آه.. يا حب عمري اللي ضاع.
وفي وقت لاحق كان لا يزال متمددًا على سريره، لم يستطع حساب تلك الساعات التي قضاها شارد الذهن يتذكر كيف كان يخطط لإخبارها وكيف كان سيكون شكل بيتهما وماذا يود تسمية أولادهما، وكيف أن كل شيء تبخر في لحظات. ليعود لجلد نفسه من جديد يلومها على عدم اتخاذ تلك الخطوة بعد التخرج وإصراره على تطوير ذاته ليسبقه ابن خالته لها. لماذا لم ينسَ كل شيء ويخطبها أولاً؟ لماذا لم يخبرها بمشاعره وأثر الإفصاح عنها عن وجود رباط رسمي؟
أسئلة كثيرة وصراع عقيم بينه وبين ذاته، وما بين «لماذا» و«لو» كانت تتقاذفه الأفكار وتنهكه. توسل عينيه أن تنام لعله يتخلص من ذلك الصراع المقيت وينسى الحزن الجاثم على صدره، لكن حتى النوم سُلب منه ليسمع فجأة طرقات على الباب، ضربات كانت تشابه عزفًا لنغمة شعبية. اضطربت ضربات قلبه وخشي أن يكون هو من يقف خلف الباب، وتمنى أن لا يصدق حدسه، ولكن قبل أن يكمل تلك الأمنية صدح صوته مناديًا:
_اصحى يا «أبو طارق» اصحى يا بني، «حسين الجوهري» وصل! يعني الفرفشة يعني الخروجات يعني مفيش نوم.
أغمض عينيه يعتصرهما وقلبه يسأله كيف سيواجهه. نهض بإرهاق يخطو خطواته بثقل حتى وصل الباب وحمد الله أنه أقفله. مد يده يلمس المقبض، وقف لحظات يتأمل الباب الذي يفصل بينهما ويتذكر كيف كانا كشخص واحد، لكن اليوم ليس الباب فقط من يقف بينهما، أصبحت هي الحاجز الذي سيبعده عن صديقه. تمزق قلبه وهو يسمع صوته المتلهف يناديه:
_يا بني اصحى بقى إيدي تعبت.
تحلى بأقصى درجات الثبات ورفع يده يشعث شعره وأخذ نفسًا عميقًا وزفره بقوة قبل أن يفتح الباب يغمض عينًا ويفتح أخرى يتصنع النوم وبصوت مثل فيه النعاس وافتعل فيه الفكاهة قال متذمراً:
_يا بني إيه الغاغة اللي أنت عاملها دي؟
_«زياد»!
صاح بها «حسين» قبل أن يندفع نحوه يحتضنه بقوة يميل بجسديهما يميناً ويساراً هاتفا بشوق:
_ألف حمد لله على السلامة وحشتني.. وحشتني يا صاحبي.
اعتصره قلبه وارتجفت أوصاله ويد «حسين» تتحرك على ظهره. تماسك حتى لا ينهار ورفع يده التي كانت مترددة يبادله العناق، يرمي حزنه أمام شوقه لصديقه وينسى في هذه اللحظة أنه غريمه:
_الله يسلمك يا «حسين»، أنت كمان وحشتني يا صاحبي.
خرج من أحضانه ليلكمه على كتفه بقوة يعاتبه:
_اسكت يلا، أوعى تكون عاوز تنسيني خيانتك.
أغمض إحدى عينيه يدعك كتفه متأوهاً يسأله بضيق:
_خاين إيه يا حيوان؟ حد يضرب حد كده؟
ليلكمه مرة أخرى وهو يقول بغضب:
_أنا ولا أنت الحيوان؟ تخطب من غير ما أعرف؟!
ليشرق وجهه بابتسامة ويرفع يداه يمسح على كتفيه ويقول بغضب مصطنع:
_يا سلام! وهو أنت كنت بترد؟ أنا رنيت عليك كام مرة وأنت مديني طناش.
رفع حاجبيه يجيبه باقتناع:
_عندك حق كنت مشغول شوية مع الامتحانات.
جاهد ليبتسم ويبتلع غصة مرة ويتحامل على حزنه فتخرج كلماته مجبرة:
_ألف مبروك يا صاحبي.
بادله العناق بسعادة:
_الله يبارك فيك عقبالك.
تلعثم صوته وامتزج بجدية مزيفة:
_إن شاء الله.
*********"" "" *************
وقفت أمام مرآتها تلتقط أحمر شفاه يتناسب مع عمرها ويتناسق مع فستانها الذي انتقته رقيقاً وبسيطاً يليق بوالدة العروس. رفعت أحمر الشفاه تطلي شفتيها فتعض عليها لتمتزج ألوانه معها، ثم رفعت إصبعها ترتبه. عندها لمحت صورته المنعكسة على المرآة يتأملها بعشق فاضت به عيناه، لتبتسم وهي تجده يقترب حتى أصبح خلفها. طوق خصرها بيديه وانحنى يقبل كتفها قبل أن يسند ذقنه عليه يخبرها بهيام:
-كل ما بتكبري بتحلوي أكتر.
أنا حلوة من زمان يا «ابن الجوهري».
هتفت بها معترضة قبل أن تضع أحمر الشفاه على الطاولة وتستدير لتواجهه، حافظ هو على أسرها بين ذراعيه لتضرب صدره بخفة بيدها تعاتبه:
-يعني زمان ماكنتش حلوة يا باشا؟
ليجيبها بسرعة ترافق إجابته قبلة على جبينها:
-كنتِ قمر.
انحنت نحو الأمام تقبل وجنته ثم ابتعدت لتنظر إلى عينيه بعمق تبادله كلمات غزله:
-حبك هو اللي بيحليني يا نور عيني.
ثم أردفت وهي تمسح أثر أحمر الشفاه عن وجنته برفق:
-ألف مبروك يا «أبو الولاد».
تجعدت ملامح وجهه متذمراً بعبوس يلومها مازحاً يضرب جبهته بجبهتها:
-إيه «أبو الولاد» دي؟ أنا حبيبك قبل وأهم من كل حاجة.
قهقهت ضاحكة تحيط عنقه بذراعيها وتعتذر بدلال:
-ولا تزعل، ألف مبروك يا حبيبي.. تعرف يا «فارس» مش مصدقة إن النهاردة خطوبة بنتنا، أنا فرحانة أوي.
تنهيدة طويلة خرجت منه حملت عبئاً مخزوناً بين ثنايا صدره، تعجبت هي منها لتحرك كفيها تمسح على كتفيه بقلق استشعرته خلاياه من حنان لمساتها، ليخبرها بمخاوفه:
-صدقيني يا «شمس» لولا إن العريس هو «حسين» عمري ما كنت هوافق إني أجوز «قمر» دلوقتي.
كلماته قرأت حقيقة دُفنت داخلها هي أيضاً كأنها تشاركه الهواجس ذاتها لتؤيده:
-عندك حق، بس «حسين» هيحافظ عليها إن شاء الله.
ليحرك رأسه بثقة يوافقها الرأي:
-«حسين» شاب ممتاز وطموح.
-وبيحبها.
كلمة قذفتها بعفوية جعلت عينيه تتسعان بحنق أربكها، حين شعرت بيديه تضغطان على جسدها ووجهه يتجهم بغضب، حتى إنها ندمت على البوح بها لتتدارك حديثها وتقول مفسرة في محاولة لامتصاص غضبه:
-أنا اللي حاسة بكدة يا «فارس»، ده مجرد إحساس لما شفت فرحته بعد موافقة «قمر».
تراخت ملامحه الغاضبة وتمتم يدعو لهما:
-ربنا يسعدهم.
**********************
على الجانب الآخر كانت «قمر»؛ كانت كالجسد بلا روح، تتحرك كالمغيبة. فستان بلون اللؤلؤ زينته قطع الكريستال والدانتيل غطى جسدها، اختاره والدها كهدية لها في هذا اليوم. مررت يدها عليه تتلمسه لتصطدم يدها بأحجاره ونقوشه، تخدش قلبها قبل أصابعها، فلم يكن فستاناً لخطبتها بل كان زياً لإعدام روحها التي سترتبط بذلك السمج، لا تطيق الحديث معه فكيف ستعيش معه حياة؟
نظرت إلى مرآتها تبصر عينيها التي أخفت احمرار جفنيها بمساحيق التجميل وشحوب وجهها الذي غطته بطبقات من اللون الوردي الزائف. لم تذق طعم النوم الهانئ منذ ثلاثة أيام، ولم تتوقف عينها عن البكاء تسأل نفسها: أي مصيبة أوقعت نفسها بها؟ خفق قلبها بحرقة، فلم تخطُ هي بعد جرح شقيقها لتصنع هي لنفسها جرحاً أعمق بارتباطها به. طأطأت رأسها بخزي على ما صنعته بنفسها. ساعة منبهها التي رنت فجأة أوقفتها في دوامة أفكارها كصاعقة، وكان ذلك الصوت رن في عقلها. نظرت إلى ساعة يدها لتجد أن حفلة خطبتها قد اقتربت. رفعت رأسها تنظر إلى نفسها بتمعن لتتسارع أنفاسها باضطراب مع اقتراب وقوع تلك المصيبة، تهمس بإصرار تحاول إصلاح ذلك الخطأ:
-لازم أتصرف، لازم أبلغ بابا إني غيرت رأيي.. أنا مش موافقة أتخطب لـ «حسين».
الفصل 9
شعرت أن هذه هي الطريقة الوحيدة للفرار من تلك الهاوية، عادت بنظرتها نحو مرآتها كأنها تحاور نفسها، تؤكد لنفسها أن تلك هي الطريقة الوحيدة للخلاص وأعطت لنفسها بعض الإغراءات تهمس بثقة:
_بابا أكيد مش هيغصبني مهما كان.
لملمت شتات أمرها وعزمت على الفرار من مأزقها قبل فوات الأوان، اندفعت نحو الخارج بخطوات سريعة كأنها تسابق الزمن، وصلت لدرجات السلم تنزل درجاته الرخامية وكعب حذائها يطرق بقوة مصدرًا صوتًا عاليًا شد انتباه الجميع ليلتفتوا نحو الدرج.
كانت في منتصف الطريق عندما اصطدمت عيناها بعيني والديها اللذين كانا يقفان تشرق ابتسامة وجوههم السعيدة، تباطأت خطواتها بتردد والحقيقة تنقشع أمام عينها وهم ينظرون بلهفة، تلك الخطوات كادت أن تتلاشى حتى وجدت قدمها تتيبس في مكانها عندما اقتربت خالتها «هدى» من والدتها تحتضنها بود أخوي وكذلك فعل «علي»، لتجد نفسها ترى الحقيقة من زاوية أخرى؛ ستحطم بيدها صورة هذه العائلة المتآلفة وتمزق بقرارها تماسكها.
ارتجفت يدها المستندة على سور الدرج مع اقتراب والدها من الدرجة الأخيرة يمد لها يده كي يستقبلها، والدها لم يقف وحيدًا بل جاورته والدتها، نظرات الابتهاج كانت مرتسمة على وجوههم. بهتت ملامحها وودت لو يتوقف الزمن عند هذه اللحظة، ورغم شغفها بمعرفة المستقبل اليوم تتمنى أن تعود إلى الماضي وتوقف تلك الحماقة التي ارتكبتها، قلبها الذي تسارعت نبضاته ليس من الفرحة والخجل كمثيلاتها من الفتيات في مثل هذا اليوم، لكن خوفًا من القادم. نداء والداها اللذين ظنا أن استحياءها يمنعها من النزول أيقظها مجبرا إياها على النزول، لتنزل تمسك يدها بيد والدها، ولما وصلت ضمها إليها همت بإخباره الحقيقة ليسبقها هو حينما قال:
_ألف مبروك يا روح بابا، كبرتي يا قمري وبقيتي عروسة، ربنا يكتبلك السعادة يا بنتي، «حسين» راجل وهبقى مطمن وإنتِ معاه.
لجم مدح والدها لسانها لتبتلع ريقها الذي جف من شدة التوتر، ومن أحضان والدها انتقلت إلى أحضان والدتها التي جذبتها نحوها تحتضنها بحذر خشية أن تفسد مكياجها:
_ألف مبروك يا نور عيني أنا فرحانة يا «قمر» وأنا بشوفك عروسة قدام عيني..
اغرورقت عيناها من حديثهم الذي امتزج بين الحنان والفرح لتؤنبها «شمس» حين أحست باضطرابها، فتلك الرعشة الطفيفة التي سرت في جسدها بتلقائية وهي تحاول كبح دموعها أصابت «شمس» بالقلق:
_مالك يا «قمر» إنتِ بتعيطي ليه؟
كان سؤالها فرصة لتبوح لها برفضها لولا تلك الكلمات التي تبعتها وهي تسألها وعيناها تطوف وجهها بريبة:
_إنتِ زعلانة ولا خايفة يا عبيطة؟ «حسين» شاب يجنن حبيب خالتو.
أحبطت كل آمالها وكسى اليأس ملامحها لتهز رأسها تؤيد حديثها بقلة حيلة.
«ورد» التي كانت تراقب المشهد من بعيد قلبها يختنق من أجلها، لكن ماذا تفعل تلك المجنونة تحصد ثمن تهورها؟ التفتت نحو «حسين» الواقف يرتدي بدلته الرسمية الأنيقة يصوب عينيه عليها بسعادة لتشعر بالأسى من أجله. اقتربت «هدى» من «قمر» تحتضنها بود وتخبرها بفخر: (رشا عبد العزيز))
_«قمر» يا حبيبتي، يا بخت «حسين» بيكي.
ذكرها لاسمه جعلها ترفع عينيها تبحث عنه بعفوية، التقت عيناها به يحدق بها مبتسمًا، لحظة واحدة فقط كانت كفيلة. تمزق قلبها وهي تسأل حالها كيف ستتحمل الحياة معه؟ هربت بعينيها من هذا اللقاء المهلك لروحها. توالت التبريكات ووجدت نفسها تقترب شيئًا فشيئًا منه حتى وقفت أمامه ليقول بلهفة:
_إزيك يا «قمر»؟
لتجيبه ببرود دون أن تنظر له:
_الحمد لله.
ثم تجاهلت وقوفه متأهبًا يحمل باقة زهور رائعة ينتظر وصولها لتجلس دون أن تعيره اهتمامًا، حركتها أصابته بتوتر لكنه تخطاها وانحنى يقدم لها تلك الباقة:
_اتفضلي.
جذبت الورد منه تضعه على حجرها بإهمال ليجلس هو تاركًا مسافة بينهم، ورغم تلك المسافة لكن قلبه كان يرقص بين أضلعه ليحمد الله أن أصوات النقاش العالية غطت على صوته الذي لو سكن المكان لسمع نبضه الجميع، لا يصدق أنها ترتدي ثوبها خطبتها من أجله وبعد قليل ستكون خطيبته.
كانت جلسة بدايتها عائلية بحديث عادي حتى بدأها العم «حسن» بطلب يدها بشكل رسمي من والدها الذي كان أكثر من مرحب يمدح «حسين» كأنه ولده، حتى عيون أشقائها كانت تنظر له بإعجاب، لم تسمع هي معظم الحديث الذي دار فقد كانت تعيش في عالم مختلف يفصلها عنهم، عالم كانت تحرق فيه روحها وتجلدها على تلك الخطيئة. تجمدت يدها التي تقبض على باقة الزهور وهي تراهم يرفعون أكفهم يقرأون سورة الفاتحة معلنين اتفاقهم وخطبتها الرسمية.
لقد خُطت النهاية، لا مجال الآن للتراجع، جف حبر آمالها وطُبع اسمها بجانب اسمه، ضج قلبها بالحزن حتى شعرت به على وشك التوقف من شدة الألم، ودت لو تستطيع الصراخ وإنهاء ما يحدث، لكن العيون المتعانقة بسعادة وتلك الألفة والابتسامات المتبادلة قيد لسانها وهيمن عقلها يخبرها: هل ستحطم تلك العائلة ولحمتها بأنانيتها وتهورها؟
وعلى النقيض منها قرأ هو حروف سورة الفاتحة كأنه يقرأ إعلان ميلاده، هو وُلد اليوم عندما أصبحت هي له. مسح على وجهه كأنه يمسح حياتها السابقة، فحياته بدأت اليوم، كم كان يود أن يجذبها نحو أحضانه يحتضنها بقوة يخبرها بعشقه لها، اختلس النظر نحوها ليجدها صامتة وعينها منخفضة نحو باقة الزهور فظن أنها تشعر بالخجل، لا يعلم أنها تحترق في صمت وهي ترى «حسن» يقترب من شقيقه ويبارك له على خطبته يتمنى له السعادة معها، ضحكت ساخرة في سرها فحبيبها كان أول من يهنئه.
وقف بعيدًا ينظر إلى «حسين» وهو يتلقى التبريكات من أعمامه وجده، نظر إلى الواقفة بجانبه تتلقى التبريكات من النساء والحسرة تملأ قلبه، كم كان يتمنى لو كان مكانه، كم من المؤلم أن نرى من نحب يكونون من نصيب غيرنا. تألم قلبه وانهار رغم تماسكه الزائف وهو يراها ملكًا لغيره، توسل عينيه ألا تفضحاه وتظهرا حزنها المخفي. شعر بيد تربت على كتفه بحنان، التفت ليجد والدته تنظر له بحب وتقول بقلب متمنٍ:
_عقبالك يا حبيبي.(رشا عبد العزيز)
وبابتسامة مغتصبة من وسط أحزانه كي يبدو طبيعيًا، أجابها وهو ينحني يقبل يدها:
_إن شاء الله بوجودك يا أم «زياد».
مسحت على ذراعه برضا تدعو له:
_يارب أفرح بيك قريب يا قلب أمك.
تمالك نفسه قبل أن ينهار ويرمي نفسه بين أحضانها باكيًا يشكو لها ضياع حبيبته ليحاول الهروب من أمامها قبل أن تقرأ حزنه مشيرًا لها نحو العروسين:
_هروح أبارك لـ «حسين».
تركها تنظر له في حيرة واقترب من «حسين» الذي فتح له ذراعيه واحتضنه ليتحلى بأعلى درجات التحمل والصبر وهو يقول له:
_ألف مبروك يا «حسين».
ليجيبه بلهفة امتزجت بالسعادة الغامرة:
_حبيبي يا صاحبي عقبالك.
ابتلع غصة مرة وهو يذكره بأنه صاحبه وأنها أصبحت زوجة صاحبه المحرمة حتى أن تخطر على باله، ليبتعد عنه بسرعة وشعور أنه يخونه حينما يفكر بها يلسع قلبه، ودون أن ينظر لها بل اكتفى بالتفاتة بسيطة قال لها وهو ينظر لعين صاحبه كأنه يعطيه وعدًا لا يعلمه إلا هو، أن يحارب قلبه الذي يحبها ويخرجها منه كما يخرج المدمن المخدر من جسده:
_مبروك يا «قمر».
_شكرا.
إجابة خافتة كانت ردها عليه ليبتعد عنهم فاسحًا المجال لإخوتها اللذين وقفا أمام «حسين»، ليمسك «سيف» بكتفه الأيمن ويمسك «شريف» بكتفه الأيسر بطريقة فكاهية يحدقان به بنظرات حادة مفتعلة، يتصنعان الحدة ويتوعدانه بطريقة هزلية:
_إحنا إخوات العروسة.
قالها «شريف» قبل أن ينقل نظره نحو «سيف» الذي قال:
_عارف لو جرالها حاجة أو اشتكت منك هنعمل فيك إيه يا «حسين»؟
كان يوزع نظره بين الاثنين ضاحكًا ويسألهم بفكاهة مماثلة:
_هتعملوا فيا إيه يا ولاد «فارس»؟
لينحني «شريف» نحوه يخبره بصوت منخفض يمازحه: (كروب روايات رشا عبد العزيز)
_هنفرمك.
تبعه «سيف» وهو ينحني أيضًا ويقول:
_هندمرك.
ادعى الخوف والفزع ليتوسلهم مازحًا:
_لا أرجوكم ارحموني.
ثم خرجت كلماته متلعثمة مثل فيها الخوف ساخرًا:
_أنا هسمع كلامكم واللي تأمروا بيه وإنتوا عاملين كده زي «ريا» و«سكينة».
ختم كلامه يطلق ضحكة صاخبة شاركه فيها الاثنان قبل أن يحتضناه تباعًا:
_ألف مبروك يا أبو نسب.
بادلهم العناق شاكرًا:
_متشكر عقبالكم.
اقتربت «صفاء» تبارك لـ «قمر» ثم اتجهت نحوه احتضنته بقوة ليبادلها العناق يقبل رأسها وهي تهنئه:
_ألف... ألف... مبروك يا حبيبي.
_الله يباركلك يا أمي.
تلك الكلمة التي تعشقها منه فهي تعتبره ولدها وليس حفيدها فقط، ابتعدت عنه تنادي على «مليكة» التي اقتربت تبارك لشقيقها وتعطي جدتها علبة مخملية لتمسح «صفاء» على ذراعه بحنان تسلمه تلك العلبة وتقول وهي توزع نظرها بينه وبين «قمر»:
_الشبكة هدية مني لابني حبيبي.
ابتسم لها «حسين» بامتنان قبل أن ينحني يقبل يدها شاكرًا:
_متشكر أوي حبيبتي يا «صافي».
مسحت على رأسه وأشارت له نحو «قمر»:
_يلة لّبست خطيبتك.
اقتربت «هدى» تطلق الزغاريد بفرح ورفقتها «ندى» وبنات خالتها يشاهدونه كيف يلبسها خواتم الخطبة، وتولت «أحلام» و«مليكة» أمر التقاط الصور. نظر للعلبة بسعادة ليجلس متلهفًا يستدير نحوها، التقط الخاتم المخصص لها ووضع العلبة جانبًا ثم مد يده بالخاتم يشير لها أن تعطيه يدها. أجفلها المشهد وأصابها بالارتباك وهي تبصر العيون المحدقة بها بترقب لتسمعه ينادي عليها، كان صوته كنداء أخير نحو النهاية:
_يلة يا «قمر».(رشا عبد العزيز)
أغمضت عينها وفتحتها علها تستيقظ من هذا الكابوس لكن لم يتغير شيء، كانت تطالع لهفته بعين ضائعة ليرتعش جسدها كما ارتعشت يدها التي أجبرتها تشجيع الفتيات على مدها نحوه، كانت تراقب يده التي اقتربت من يدها ليضع ذلك الخاتم في بداية إصبعها، لتسحب يدها خشية أن تلامس يده يدها فتولت هي مهمة دفعه داخل إصبعها.
ليلتقط الخاتم الخاص به وأعطاه لها، أمسكت الخاتم بيد مرتعشة تنظر لذلك الخاتم كأنه صك ملكيتها له، ثم نظرت نحوه لتجده يمد لها يده بابتسامة عريضة:
_يلة يا «قمر» لبّسيه يا بنتي.
هتفت بها «هدى» بعد أن طال انتظارهم لها لتشعر بالحرج وتمد يدها تضعه في مقدمة إصبعه، ليفعل هو كما فعلت ويتولى مهمة إكمال ارتدائه يمنع تلامسهما محافظًا على كونهما مخطوبين فقط، لكنها حدقت به بصدمة عندما وجدته يقرب يده من فمه مقبلًا ذلك الخاتم لتتعالى الهتافات والتصفيق من الفتيات، وعادت «ندى» و«هدى» يطلقن الزغاريد في جو من الفرح والابتهاج.
أكملت «هدى» مساعدتها في ارتداء "الشبكة" وهي تطيعها بذهن شارد لم تستفق منه إلا عندما وجدت الصالة قد خلت من الجميع إلا منهما بعد أن طلب «فارس» من الجميع التوجه نحو الحديقة لتناول وجبة العشاء المعدة في الخارج، تاركين المكان لهم بعد أن وُضع أمامهم عشاء خاص لهم، لتسمع حمحمة خشنة وشعرت به يقترب بجسده منها حتى أصبحت المسافة بينهم صغيرة لتلتفت نحوه تنظر له بحدة قبل أن تبتعد مباشرة نحو طرف الأريكة الآخر تزيد من البعد بينهما. نظر لها بتعجب لتقول بحنق دون النظر إليه:
_إحنا مخطوبين بس.
لم يفسر تصرفها على أنه نفور ولكن عوضًا عن ذلك ابتسم يعتقد أنه تهور وهي محقة في تصرفها:
_عندك حق آسف.
ساد الصمت بينهما برهة قبل أن يقطعه هو بما جعل عينيها تتسع بذهول:
_«قمر» متتصوريش أنا فرحان أد إيه، أنا مش مصدق نفسي كأني بحلم، أنا بحبك يا «قمر»، بحبك من زمان وكنت بتمنى تكوني من نصيبي.
ألجمتها الصدمة وشلت أركان تفكيرها، تضاعف شعورها الحارق بالندم؛ هي أجرمت بحقه وحقها، هي لا تكن له المشاعر وهو غارق في حبها ، وبعد موافقتها الغبية سيظن أنها ترغبه كما يرغبها. اعترافه كان كخنجر دُس في قلبها ينحر ما تبقى من أمل في الابتعاد عنه، هكذا هو سيتمسك بها، لم تقو عيناها على الالتفات نحوه ولا مواجهة بريق عينيه، طأطأت رأسها تطالع تلك الزهور القابعة في حجرها تعبث ببتلاتها هربًا من تلك المواجهة. صمتها المطبق أثار ريبته ليميل نحوها يسألها بنبرة قلقة:
_«قمر» إنتِ سمعتي اللي أنا قلته؟ أنا بحبك.
"توقف أرجوك توقف" كان هذا ما تود أن تخبره به، لا تريد أن تسمع تلك الكلمة منه، ارتعشت يدها لتقبض على الباقة تعتصرها تخفي عنه ارتعاشها، حاولت أن تتماسك فعاد هو يكرر سؤاله بقلق:
_«قمر» إنتِ سمعاني؟
أجابته بإيماءة بسيطة ليبتسم ويشاكسها:
شكلك مكسوفة يا حبيبتي.
ثم ضحك يخبرها بمزاح:
_لا متتكسفيش لازم تتعودي تسمعي مني كلمة بحبك دا أنا نفسي أصرخ وأقول للعالم كله إني بحبك، بحبك أوي.
احمر وجهها فظن أنه خجلاً، لكنها كانت تشعر بضيق، تلك الكلمة تخنقها هي من تود الصراخ تخبره أن يتوقف، لم تعد تطيق سماع المزيد. لّام نفسه فيبدو أنه أصابها بالحرج ربما تسرع فهي لم تتعود عليه بعد، لكنها وافقت عليه إذن لماذا؟ ليجيبه قلبه المدافع عنها دائمًا ربما خجلاً أن تخبره أنها تبادله المشاعر ليحاول أن يخفف عنها:
_ربنا يتمم علينا بالخير.
ثم استطرد يقرب المنضدة الموضوع عليها الطعام منهم:
_يلة يا «قمر» عشان تاكلي متتكسفيش وإلا تحبي أكلك بنفسي؟
ختم عبارته مازحًا يلتقط الطعام بشوكة يقربه من فمها، أشاحت بوجهها بعيدًا عن مرمى يده وتمتمت:
_خلاص أنا هاكل.
التقطت الشوكة من يده تمسكها دون أن تتناول الطعام، ظل يراقبها ليلتقط هو طعامًا بشوكته ويقول لها بإصرار:
_مش هاكل غير لما تاكلي إنتِ.
رفعت الشوكة تضع الطعام بفمها في يأس من إصراره، لكن تلك اللقمة كانت كالعلقم، مضغتها ببطء ثم ابتلعتها بصعوبة كأنها مشوكة تجرح جوفها. أما هو فابتسم عندما رآها تتناول الطعام ليأكل هو أحلى طعام تناوله في حياته، فتلك أول وجبة لهما معًا.
*************************
صخب الضحكات ملأ المكان وجو الألفة زاد ترابطًا فلم تعد قرابة فقط بل أصبحت مصاهرة.
-كبرت يا «فارس» وبقيت أبو العروسة.
هتف بها «علي» مربتًا على كتفه، حدجه بنظرة جانبية قبل أن يجيبه متهكمًا:
-يا سلام دا على أساس إنك مكبرتش وبقيت أبو العريس؟
ارتسم على وجهه عبوس مصطنع وقال مستنكرًا:
-لا يا عم أنا مكبرتش إنت بس اللي عجزت.
مط شفتيه باستهزاء وقال يسايره بفكاهة:
-آه فعلاً إنت ماكبرتش والشعر الأبيض دا صبغة، والشحط اللي خاطب دا ابن واحد صاحبك وأنا عازمك على عشا عشان خطوبة بنتي.
ثم اتسعت عيناه ضاحكًا باستهزاء حمل نوعًا من الضيق المحبب يكمل سخريته:
-مش بنتي اتخطبت يا «علي» وأنا عجزت؟
انفجر «علي» ضاحكًا حتى ادمعت عيناه ليبادله الضحك بقلة حيلة، حتى انتهت نوبة ضحكه فمسح «علي» عينيه يخبره بأنفاس متقطعة من شدة الضحك:
-يخرب عقلك.
رفع حاجبيه بدهشة ليلومه متذمرًا:
-وأعملك إيه وإنت مش راضي تقتنع إنك كبرت والنهاردة خطوبة ابنك؟
التقط أنفاسه ثم تنهد بحب أخوي ينحي نحوه ويخبره بصدق:
-أهو أحلى حاجة في «قمر» إنها بنتك يا «فارس»، تعرف إنت صاحبي وأخويا ويمكن أكتر من كده، دا أنا لو كان ليا أخ مكنتش حبيته زي ما بحبك.
ربت «فارس» على فخذه بامتنان وقال:
-ربنا يديم المحبة يا «علي» وإنت كمان غالي عندي أوي و«حسين» كمان إنت عارف بحبه أد إيه.
-وهو كمان بيحبك ويعزك أوي.
ثم غمز له مشاكساً:
-وأنا بقول سر محبتكم إنتوا الاتنين لبعض إيه؟ أتاريكم مكتوبين لبعض حما وجوز بنته.
ثم دنا منه يعاود مشاكسته برجاء:
-بس وحياتي تخلي بالك من الولد بلاش دور الحما الخنيق خليك فرفوش معاه.
ليرفع «فارس» يده مشيرًا بتوعد زائف:
-أما طلعت عينيه دا أنا هطلع عليه القديم والجديد.
انفجر الاثنان بضحكة واحدة ينظر لآخره بمحبة وأخوة.
*********************
انتهت تلك الحفلة التي أدت فيها هي دور العروس، دخلت غرفتها الغارقة بظلام إلا من ضوء خافت تسلل من شباكها، تشعر بالاختناق لتجلس على سريرها بجسد مثقل بالحزن تسأل نفسها في حيرة: كيف ستكون النهاية وما هو طريق الخلاص؟ أم لقد فات الأوان ويجب أن تقتنع أن «حسين» أصبح خطيبها وهو قدرها المحتم؟ نظرت إلى يدها وذلك الخاتم الذي لمع مع انعكاس ضوء القمر الطفيف يؤكد لها ارتباطها به، سحبت الخاتم من إصبعها بسرعة ورمته على الطاولة بجانبها بإهمال، ثم تأفأفت باستياء تسأل نفسها وهي تسترجع مشاهد اعترافه:
-هتعملي إيه يا «قمر» دلوقت دا طلع بيحبني؟
وعلى ذكر الأخير أومض هاتفها بوميض خافت يعلن وصول رسالة، التقطت الهاتف فوجدت رسالة من رقم مجهول، فتحت الرسالة لتجدها منه:
-أنا «حسين» يا «قمر» أخدت رقمك من «مليكة».. كنت عاوز بس أعرفك برقمي وأقولك تصبحي على خير يا حبيبتي.
أغلقت الهاتف دون أن تجيب وقذفته بعيدًا:
-يووو هنبدأ بشغل الحبيبة.
لكنها توقفت تفكر قليلاً ماذا سيحدث لو لم تجب؟ من المؤكد أنه علم باستلامها الرسالة، مدت يدها تحني بجذعها العلوي تعاود التقاطه وفتحه بتردد تكتب كلمة واحدة:
-شكرا.
رمت جسدها تستلقي على السرير تحدق في سقف غرفتها بضياع. أما هو فكان يمسك هاتفه بلهفة وترقب وعندما ظهر له إشعار استلامها الرسالة لكنها لم تجب تسلل القلق إلى قلبه وبدأ عقله يحيك الهواجس، حتى وصلت رسالتها ليخفق قلبه بجنون يقبل شاشة الهاتف ويحتضنه، ثم بدأ يقلب تلك الصور التي أرسلتها له شقيقته يتأمل صورتها بهيام حتى أغلق عينيه غافيًا يمني نفسه برؤيتها في أحلامه.
*************************
وبعد مرور أسبوعين
فنجان القهوة الذي تصاعدت أبخرته فملأ عبقه المكان كان شريكهم الثالث في ذلك الحديث المنسجم الذي يجمعهم بين الحين والآخر، وضعت فنجانها على الطاولة بعد أن ارتشفت القليل منه ونظرت لها بتمعن قبل أن تردف ساخرة:
-يا أختي كنا خلينا «زياد» يرجع من زمان عشان وشك ينور تاني.
ضحكت على جملتها ولوحت لها تؤيد حديثها:
-اسكتي يا «سماح» دا كأن روحي ردت ليا ما إنتِ عارفة كنت بتعذب إزاي في بعده.
لوت شفتها بسخط وقالت تستهجن حديثها بفكاهة:
-عنده حق دكتور «طارق» يسميه حبيب القلب.
لامتها مستنكرة:
-يووو يا «سماح» مش ابني الوحيد؟
ثم استطردت تعاتبها بشيء من الضيق:
-وبعدين حضرتك بتلوميني على حبي لـ «زياد» ألا يعني إنتِ مش بتموتي في «رحمة» وبتحبيها بجنون؟
شرد ذهنها لحظات وسكن الألم نظراتها قبل أن تتنهد بحزن تخبرها بصوت مقهور:
-أعمل إيه يا «ندى»؟ عاوزة أعوضها وأنسى معاها اللي عملوا فيا أبوها.
نظرت لها «ندى» بإشفاق وشعرت بندم على حديثها الذي فتح جرح الماضي القاسي، اقتربت منها ومالت تربت على فخذها تؤنبها:
-إيه يا «سماح» هو إحنا اللي هنعيده هنزيده؟ مش قلنا ننسى الماضي خلاص ونعيش الحاضر وربنا يعوضك بـ «رحمة».
تعلقت عيناها بها لحظات ترى الكسرة التي لازمتها رغم مرور السنين وطعم الخيانة والخذلان الذي لم يفارق صوتها، فلم تنسَ ما فعله بها، خرجت كلماتها بحرقة من بين نيران قلبها الذي لم يستطع الزمن إخمادها:
-أنسى إيه يا «ندى»؟ أنسى إنه خاني واتجوز عليا بعد ست سنين جواز؟ أنسى إزاي وقفت معاه وساندته وصبرت على الحلوة والمرة لحد ما وقف على رجله؟ حرمت نفسي من كل حاجة عشانه وضحيت بأبسط حقوقي عشان نوفر، وبعد دا كله لما ربنا كرمه واترقّى بدل ما يعوضني يحب ويتمعشق ويتجوز عليا؟ سنة يا «ندى» سنة علاقة هو وهي وأنا زي الهبلة نايمة على وداني وواثقة فيه لحد ما لقيته واقف قدامي بكل بجاحة يقولي أنا اتجوزت.
توقفت تلتقط انفاسها بقهر قبل ان تكمل بألم
_ عاوزاني أنسى الكسرة والخذلان؟ أنسى وهو حاطط عينه في عيني يطلب مني نفترق بالمعروف عشان مراته مش عاوزة ضرة؟ أنسى يا «ندى» إنه نسي بنته السنين دي كلها ومفكرش يسأل عليها وعايش حياته مع مراته وولاده ولا كأن ليها وجود؟
اختنق صوتها وانسابت دموعها رغماً عنها بقهر وحسرة على من لم يستحق حبها وعطاءها. سحبت «ندى» منديلاً ورقياً وأعطته إياها وهي تربت على كتفها بحنان:
_اششش... اششش... اهدي يا «سماح»
خلاص يا حبيبتي هو ما يستاهلش دموعك ولا يستاهل يتبكي عليه.
كتمت شهقاتها تخبرها بأنفاس متقطعة وهي تمسح دموعها:(تابع كروب روايات رشا عبد العزيز)
_صعبان عليا نفسي يا «ندى» وصعبان عليا عمري اللي ضاع بسبب حد ميستاهلش دا أنا كنت بحبه أكتر من نفسي واشتغلت ليل نهار عشان أساعده ينسى حبي ويجازيني كده.
حملت «ندى» قدح الماء تقدمه لها وتمسح على ظهرها تحاول تهدئتها:
_اهدي يا «سماح» وحياتي... قطعتي قلبي... خلاص بطلي عياط أحسن «رحمة» تخرج وتشوفك بتعيطي.
وعندما سمعت اسم ابنتها حتى ارتشفت بعض الماء ومسحت عينيها وأنفها تكتم عبراتها وتحاول السيطرة على دموعها ثم ابتسمت من بين دموعها تخبرها بامتنان:
_متشكرة يا «ندى» أنا عمري ماهنسى وقفتك معايا إنتِ مش بس صاحبتي إنتِ أختي.
احتضنتها «ندى» بحب أخوي تخبرها:
_وإنتِ كمان أكتر من أختي يا «سماح» دانتِ عشرة عمر.
_ربنا يديم المحبة.
تمتمت بها «سماح» وهي تبادلها العناق قبل أن تخرج من أحضانها لتمازحها «ندى» تشير إلى طبق الحلويات أمامها تخبرها بعتاب مصطنع:
-شفتي عياطك نساني آخد رأيك بالحلو اللي عملته.
مدت «سماح» يدها تلتقط قطعة تقضمها لترفع حاجبها قبل أن تمضغها بتلذذ:
_تحفة يا «ندى» يجنن إنتِ اللي عملتيه؟ طب هاتي الوصفة بسرعة.
نظرت لها نظرة جانبية وقالت ساخرة:
_هو إنتِ صدقتي؟ هو أنا بتاعة الحاجات دي يا بنتي دي البنت «ورد» اللي عملاه.
مطت شفتها باستهزاء وقالت تشاكسها:
_وأنا اللي فكرتك بقيتي شيف حلويات وهستفاد منك طلعتي بتشتغليني ماشي يا مس مردودالك.
_قلبك أبيض يا سموحة عديها المرة دي.
لتهز «سماح» رأسها بقلة حيلة وتحرك يدها مستهزئة بيأس، ضحكت «ندى» على تعابير وجهها لتشاركها «سماح» الضحك تنسى معها الماضي وآلامه
***********************
وعلى بعد مسافة قريبة كانت «ورد» و«أحلام» ينصتون لـ «رحمة» بإنصات وهي تسرد لهم قصص الأطفال المؤلمة وتلك المآسي التي تشاهدها كل يوم من خلال عملها كأخصائية اجتماعية متطوعة في إحدى دور الأيتام. كانت «ورد» تسجل ما تقوله «رحمة» كأفكار لرواياتها حتى توقفت فدمعت عيناها كما دمعت عين «أحلام» التي قالت مستنكرة:
-يااااا هو فيه أهل بيظلموا ولادهم بالشكل دا؟
لتجيبها «رحمة» بأسف:
-طبعًا وفيه قصص أبشع من اللي حكيتهالكم.
طب ما تحكي جايز أستفاد منها كفكرة لرواية واقعية.
هتفت بها «ورد» وهي تقلب صفحة دفتر ملاحظاتها وتفتح صفحة جديدة استعداداً لما ستمليه عليها «رحمة»، لتزجرها «أحلام» بنظرة متذمرة:
—يا بنتي هو إنتِ عاوزة تكتبي المآسي دي؟ هي الناس عاوزة تقرا عشان تتسلى ولا عشان يتنكد عليها؟
عقدت حاجبيها تستهجن حديثها تطالعها برفض وهي تخبرها:
-يا بنتي دي قصص واقعية الناس هتتعلم منها وتتعظ.
أيدتها «رحمة» وهي تحرك سبابتها نحوها وتهزها قبل أن تقول مادحة:
-برافو عليك يا «ورد» فعلاً الناس محتاجة تتعلم وتتعظ إحنا بقينا نشوف نماذج مخيفة.
كادت أن تكمل النقاش معهم لولا نداء والدتها لتستقيم واقفة وتهم بالمغادرة، فعيس وجه «ورد» فتقف هي الأخرى تسألها برجاء:
-إنتِ هتمشي يا «رحمة»؟ طب خليكي شوية تحكي حكايات جديدة عشان أسجلها.
أمسكت «رحمة» يدها تخبرها باعتذار:
-معلش يا حبيبتي مرة تانية إن شاء الله.
ثم التفتت نحو الباب كأنها تبصر تلك التي تناديها من خلفه:.
-أنا سامعة ماما بتنادي عليا.
خرجت نحو والدتها تتبعها «ورد» و«أحلام»، وقفت أمام والدتها تشير لها أنها مستعدة للرحيل، لتنهض «سماح» مودعة «ندى» حتى وصلوا عند الباب ليتزامن خروجهم مع دخول «زياد» ه «طارق»، لترحب به «سماح» بشوق تخبره بابتسامة متلهفة:
-أهلاً يا حبيبي الحمد لله على السلامة وحشتنا.
بادلها «زياد» الابتسامة يخبرها باحترام يكنه لها:
أهلاً يا طنط الحمد لله متشكر.
ثم أخذت تمازحه تفتح فمها وتضع إصبعها على أحد أسنانها تخبره بألم:
_كويس إنك رجعت عاوزة أحشي سنتي دي بتوجعني أوي.
ضحك على تصرفها وهز رأسه يطمئنها:
_ولا يهمك حضرتك أول مريضة في العيادة بعد ما تتشطبي ونفتح.
_كتر خيرك يا حبيبي.
لتنتقل أنظارها نحو «طارق» الذي قدم قبل قليل فرحب هو الآخر بها:
_أهلاً يا «سماح» إزيك؟
_أهلاً.. أهلاً يا دكتور ما تاخذنيش اتلهيت مع «زياد».
هتفت بها معتذرة وهي تطالع «طارق» الذي سألها عن حالها، ثم التفت نحو تلك الصبية الواقفة بجانبها ليسألها:
_إزيك يا «رحمة»؟
_أهلاً يا دكتور.
قالتها «رحمة» برسمية تجيبه دون أن تنظر إليه لتغادر الاثنتان.
******************************
أخذ حمامًا دافئًا وخرج ليجدها تجلس شاردة الذهن، وقف أمام المرآة يمشط شعره وعيناه تراقبها بدهشة فهي حتى لم تنتبه لوجوده، وضع الفرشة على الطاولة واتجه يجاورها على السرير ينادي عليها:
-«ندى»... «ندى».
زاد اضطرابه عندما لم تجبه كأنها في عالم مختلف، مد يده يمسك يدها ويناديها من جديد:
-«ندى» مالك؟
لمسته ونداؤه أجفلتها لتلتفت نحوه تسأله بتعجب:
-أيوه يا حبيبي.
_مالك يا حبيبي؟ شكلك كنتِ سرحانة إيه اللي شاغل بالك؟
نظرت إليه بعين دامعة تخبره بحزن بعد أن تنهدت بعمق:
_صعبانة عليا «سماح» لسه مش قادرة تتخطى اللي عمله فيها جوزها رغم السنين اللي عدت كلها ولسه جرحها بينزف.
اعتدل في جلوسه على السرير وغطى جسده بالغطاء وهو يخبرها:
_حقها يا «ندى» اللي حصل كسرها.
زاغت عيناها من جديد لحظات قبل أن تلتفت بسرعة كأنها أدركت شيئًا:
_إيه رأيك بـ «رحمة» يا «طارق»؟
عقد «طارق» حاجبيه بتعجب يسألها بعدم فهم:
_«رحمة»؟ أكيد بنت ممتازة بس مش فاهم إنتِ تقصدي إيه؟
استدارت نحوه نصف استدارة تمسك ساعده وتقول بلهفة:
_أقصد إيه رأيك بيها عروسة لـ «زياد» يا «طارق»؟
هز رأسه رافضًا وقال يلومها:
_متضغطيش يا «ندى» على الولد في حكاية الجواز، سيبيه هو يختار أنا مش عارف إنتِ مستعجلة على إيه.
زفرت أنفاسها بضيق وعادت تمسك يده كأنها تحاول إقناعه:
_عاوزة أفرح بيه يا «طارق» دا الحيلة، وبعدين أهو دلوقت هيفتح العيادة يبقى ناقصه إيه بس؟
واسترسلت تضغط عليه بعد أن رأت الامتعاض يرتسم على وجهه لعدم اقتناعه:
_وبعدين أنا مش هجبره أنا هعرض البنت عليه، عجبه خلاص معجبوش نسيبه يختار أو ندور بنت تانية. وأديك بتقول «رحمة» بنت ممتازة يبقى إيه المانع؟ دي بنت طبيبة ومتربية معانا يعني نعرفها، ليه نسيبه يختار ويا عالم اختياره هيكون إيه؟
_اختيار هيكون اختياره يا «ندى» أحسن ما إحنا نختار ومع أول مشكلة يلومنا.
هكذا كان يخبرها بحدة علها تقلع عن فكرتها وتتوقف عن الضغط عليه لكنها أبت التنحي عن فكرتها وهدفها لتعاتبه برفق:
_ليه يا حبيبي نقدر المشاكل؟ ما جايز يحبوا بعض.
ثم غمزت له تحاول أن تصيب هدفها تذكره بتجربتهم تخبره بغنج وهي تمسح على صدره بدلال:
_ما إحنا أهو تجربة حية قدامه، مش اتجوزنا جبر وحبينا بعض وعشنا سوا وعملنا عيلة وولاد؟
ابتسم يحرك رأسه بقلة حيلة قبل أن يرفع يده يحيط كتفها ويضمها إليه:
_«ندوش» يا روحي ماتقارنيش جيله بجيلنا ولا حالته بحالتنا، إحنا بحالتنا نختلف، وعشان أكون صريح معاكِ إنتِ يا «ندى» السبب في إننا نواصل ونفضل سوا، إنتِ اللي تحملتي وصبرتي.
ثم صمت لترفع عينها تلتقي بعينه في نظرة حب ليكمل:
_وحبيتيني وخليتيني أحبك، لو كان حد لازم أشكره يبقى إنتِ يا حبيبتي.
ثم انحنى يقبل جبهتها قبلة طويلة كأنها قبلة امتنان قبل أن يبتعد ويتطلع إليها:
_تفتكري «رحمة» و«زياد» لو ارتبطوا هيقدروا يتحملوا؟ ولا هتقدر «رحمة» تخليه يحبها؟
_إن شاء الله هتقدر «زياد» طيب والبنت سكرة إيه اللي يمنع؟
ضمها إليه يخبرها بمخاوفه:
_مش عارف أنا خايف من الخطوة دي، حاسس إن «زياد» لازم يستقر عشان يقدر يتجوز ويفتح بيت.
_ما تخافش يا حبيبي خليني آخد رأيه ونشوف.
بس افتكري يا «ندى» إني قلتلك بلاش.
جملته التي حملت تهديداً نغزت قلبها لكنها لن تثنيها فكرتها.
*************************
كان يعمل على جهاز اللابتوب الخاص به عندما سمع طرقات على باب غرفته ليأذن للطارق بالدخول، وابتسم عندما وجد والدته تدخل بابتسامتها المعهودة:
_حبيبي ممكن أتكلم معاك؟
أغلق الجهاز وأزاحه عن قدمه ليضعه جانبًا قبل أن يعتدل في جلوسه يبادلها الابتسامة:
_أكيد يا ست الكل اتفضلي.
اقتربت منه لتجلس أمامه، عينها تمسح على تفاصيل وجهه تستشف إذا كان هذا هو الوقت المناسب لتطرح عليه فكرتها:
_عامل إيه يا قلب أمك؟
كانت جملة البداية التي ضربت بها المسمار الأول لتبني حديثها الباقي مستندة عليه، رفع يدها يقبلها:
_بخير يا حبيبتي دام إنتِ بخير.
حبيبي كنت عاوزة آخد رأيك في موضوع.
اتفضلي يا أمي.
صمتت تنظر لعينيه بعمق تمهد طريقًا تخشى فيه الفشل، أمسكت يده لتدعم لسانها في التأثير عليه:
_إيه رأيك في «رحمة» بنت طنط «سماح»؟
عيناها كانت مسلطة عليه بترقب كصياد يترقب فريسته، لكن القلق ضرب أوتار قلبها عندما وجدت ابتسامته تتلاشى تدريجيًا وملامحه تبهت وهو يسألها بعدم استيعاب:
_تقصدي إيه يا ماما؟
جلت حنجرتها تستعد ثم تحمحمت تخبره ما تريد دفعة واحدة:
_أقصد أنا شايفة إن «رحمة» زوجة مناسبة ليك إيه رأيك؟
قالت هذا قبل أن تسترسل في وصف محاسنها التي لم تكن بالمبهمة بالنسبة له، فهو يعرف «رحمة» منذ الصغر رغم عدم احتكاكه بها، لكن عرفها من أحاديث شقيقاته ووالدته؛ هادئة رزينة وطيبة، عانت من حالة انفصال والديها رغم أنها كانت تخفي ذلك عن والدتها لكن كان حديثها مع شقيقاته كالمتنفس لها عن معاناتها التي تخشى أن تشعر بها والدتها. زاغ بصره في تيه ينظر إليها بضياع وقلبه يئن وهو يشاهد حماسها ولهفتها في إقناعه، زاد من ألمه فرحتها في اختياره وشوقها لرؤيته عريساً.
كان صوتها في وادٍ وعقله في وادٍ آخر يضعه أمام خيارات كثيرة؛ هو عليه أن يتزوج كي ينسى «قمر» ويبعدها عن تفكيره، هو يحتاج لشخص يملأ مكانها في قلبه، هو يحتاج لإسعاد والدته التي يبصر شوقها في نبرة صوتها، ليضعه عقله على المحك؛ إذا كان يحتاج لبديل أو ترياق ينجيه من لعنة الحب الفاشل، لماذا لا تكون هي؟ وإذا كان سيختار فهي أولى من غيرها مادامت تعجب والدته. تنهد في خفوت يخبر قلبه: النساء بعد حبيبته كلهن سواء، «رحمة» من غيرها لن تفرق. أخرجه من دوامة أفكاره سؤال «ندى»:
_هااااا يا حبيبي قلت إيه؟
صمتٌ يشوبه الترقب استمر لحظات قطعه هو يخبرها ببرود:
_اللي تشوفيه يا ماما.
الفصل 10
غمرتها السعادة تنظر له ببلاهة، لا تصدق أنها لم تبذل جهداً لإقناعه بعد أن ظنت أنه سيعافر ويرفض، لكن ها هو يفاجئها بالموافقة لتسأله من جديد تحاول التأكد مما سمعت:
_حبيبي يعني أنت موافق؟
رسم ابتسامة باهتة رغم تشتت صاحبها، ورفع يده يمسح على ذراعها يجيبها بحنان وصوت شق طريقه من بين أفكاره المبعثرة:
_أيوه يا حبيبتي اعملي اللي يريحك.
المهم أنت تكون مرتاح مش أنا يا بني.
أومأ لها مؤكداً:
_هبقى مرتاح طول ما أنتِ مرتاحة.
نظرت له برضا ودعت له بلسان والدة صادق:
_ربنا يريح بالك يا حبيبي.
تركت ولدها الغالي وقلبها يملؤه السعادة، تتجه نحو ذلك الذي تحداها أنه سوف يرفض. كان يمسك هاتفه يقلب صفحاته ويتابع آخر التطورات والأخبار عندما وجدها تندفع نحوه ترمقه بنظرة انتصار صاحبتها ابتسامة عريضة تخبره بسعادة:
_وافق يا «طارق» وافق!
نظر لها بدهشة قبل أن يخلع نظارته الطبية ويضع هاتفه جانبه يسألها بإصرار:
_أنتِ متأكدة يا «ندى»؟ يعني هو قال موافق ولا أنتِ ضغطتِ عليه ولا خمنتِ؟
طرح أمامها جميع الاحتمالات التي توقعها علها تختار أحداها، فموافقته المباشرة أثارت قلقه أكثر، وما زاد من حيرته: لماذا لم يطلب وقتاً للتفكير؟ اقتربت منه تجلس بجانبه، عينها تشع حماساً يسبق كلماتها التي خرجت بابتهاج:
_صدقني يا حبيبي دا أنا يدوبك قلت له رأيي وسألته إيه رأيك، قال اللي تشوفيه مناسب اعمليه. (رشا عبد العزيز
ختمت حديثها لتنتفض تبحث عن هاتفها كي تتصل بـ «سماح»، لكن قبل أن تضغط زر الاتصال سبقها صوته المعترض:
_استني يا «ندى» ماتستعجليش، خلينا نتأكد منه قبل ما تكلميها.
التفتت نحوه بضيق تستنكر حديثه وتلومه بسخط:
_يوووه يا «طارق» ما أنا قلت لك إنه وافق، يبقى نتأكد إيه؟ بلاش تفكير سلبي!
زفر أنفاسه القلقة وقال يحاول إقناعها:
_أنا مش مطمن يا «ندى» قلبي مش مرتاح.
اقتربت منه وعادت تجلس أمامه تمسح على صدره، وعيناها تتشابكان مع عينيه بنظرة مطمئنة تجاري كلماتها التي حملت شيئاً من اللوم والإقناع:
_ليه يا حبيبي التشاؤم دا؟ خلي توكلنا على رب العالمين وإن شاء الله خير، ما تخافش «زياد» عاقل والبنت طيبة، خايف من إيه؟
حدق بها بذهن مشتت، فهو ذاته لا يعلم سبب هواجس الخوف التي سكنت قلبه، ربما خوفه أن يظلم ولده تلك الفتاة، أو أنها لا تتحمل كما تحملت «ندى». يدها التي لا تزال تتحرك على صدره بحنان جعلته يبتسم رغم الأفكار التي كانت تدور في عقله؛ فحنانها ودلالها له، وخوفها عليه، كلها كانت قوت هذا الحب وأمان هذا الزواج الذي أنعشه وجودها واحتواؤها.
تعجبت وهي ترى ابتسامته التي ظهرت فجأة لتقطب حاجبيها تسأله بدهشة:
_أنت بتضحك ليه دلوقتي؟
وضع يده على يدها التي استقرت على صدره ورفعها يقبلها بحب زاده الزمان قوة، وتفاهم زينه الاثنان بالاحترام. أسعدها تصرفه وأثار ريبتها في ذات الوقت لتسأله:
_حبيبي فيه إيه؟
_زمان قلت لك ساعات بحس إنك أمي اللي بتخاف عليا وتهتم بيا، وأنا بحب أدلع أكتر عشان أشوف دلالك ليا.. كلمة بحبك ومتشكر قليلة في حقك يا «ندى».
احمرت خجلاً وخفق قلبها بشدة، وكلماته تروي بساتين عشق أزهرت في حبه وقلب تعلق به بات مسكنه لا يشاركه أحد سواه.
******************************
كانت تقف في المطبخ تكمل أعمال التنظيف وتراقب كعكة البرتقال التي تحبها ابنتها. فتحت باب الفرن بحذر وأطلت عليها لتجدها قد نضجت، أطفأت الفرن والتقطت قطعة قماش وبدأت بتجفيف الأطباق التي غسلتها وأعادتها مكانها، فتعجبت عندما سمعت صوت جرس الباب يصدح في المكان. وضعت الطبق الأخير في مكانه تهمس لنفسها بدهشة:
_يا ترى مين اللي جاي لنا دلوقتي؟
غسلت يدها وجففتها قبل أن تتجه نحو الباب الذي استمر رنين جرسه، لتصرخ بـ «طارق» متذمرة:
_أيوة يا اللي على الباب مالك متصربع كده!
فتحت الباب لتقف مندهشة وهي تراها أمامها لتردد اسمها بقلق:
_«ندى»! (رشا عبد العزيز
_ازيك يا «سماح» عاملة إيه؟
احتضنتها بلهفة ترحب بها، وأزاحت جسدها تشير لها بالدخول. دخلت «ندى» إلى المنزل وكأنها صاحبته، فلطالما جمعتهم لقاءات فيه وشهدت أركانه على مواساتها لها والفرح لأجلها.
_يا أهلاً يا أهلاً يا «ندوش» اتفضلي.
هكذا استقبلتها بحفاوة، لتجلس تكتم بسمتها وهي تبصر نظرات «سماح» التي تتبعها بريبة وقلقها البادي على وجهها رغم أنها تخفيه خلف ابتسامتها. استأذنتها تشير لها نحو المطبخ قائلة:
_ثواني أجيب الشاي عشان أذوقك كيكة البرتقال اللي عملتها.
ملوش داعي تعالي اقعدي ماتتعبيش نفسك.
هكذا رفضت «ندى» عرضها لكنها أصرت، لتذهب وتعود بعد قليل تضع الشاي والكعك أمامها، تقطع لها قطعة وتضعها في صحن خاص أمامها تشير لها نحوه:
_ذوقي واديني رأيك.
لوحت لها «ندى» باعتراض:
_تعالي اقعدي وسيبي الكيك، عاوزة أتكلم معاكِ.
جلست وعيناها تعلقت بـ «ندى» بترقب، قلبها يحدثها أن «ندى» تحمل شيئاً مختلفاً في جعبتها، فلمعة عينيها تشي بسعادة تظهر من نظراتها.
_اتفضلي يا «ندى» سمعاكي.
ابتسمت لها وبدأت حديثها بطلبها مباشرة:
_بصراحة يا «سماح» أنا النهاردة جاية أطلب إيد «رحمة» لـ «زياد» ابني، أنتِ أختي و«رحمة» بنتي ومش هلاقي أحسن منها لابني.
اتسعت عيناها وهي لا تصدق ما تسمعه، قلبها خفق بشدة وامتزجت المشاعر ما بين سعادة وحزن وخوف، لا تدري أيهم سيطر على الآخر؛ فسعادتها بشاب مثل «زياد» عريساً لابنتها يمتلك مميزات كثيرة تتمناها أي أم لابنتها، وحزنها على فراقها، وخوفها من رفض ابنتها أو أن يحدث شيء.. لحظات الصمت حملت سيلاً من الأسئلة اجتاح فكرها دفعة واحدة.
ذلك الصمت الذي تفاجأت به «ندى» المحدقة بها تنتظر جوابها، لكنها كانت تنظر لها بعين زائغة وعقل تائه حتى يئست لتسألها بريبة:
_«سماح» مالك؟ هو أنا قلت حاجة غلط؟
رمشت بعينيها كأنها عادت من مكان بعيد لتهز رأسها نافية:
_لا يا حبيبتي بالعكس يا «ندى»، أنتِ فرحتيني، «زياد» شاب يجنن أي أم تتمناه لبنتها بس...
فهمت «ندى» مقصدها لتعفيها عن إصدار التبريرات وقالت بتعقل:
_عارفة يا «سماح» أنتِ تقصدي «رحمة» حبيبتي، خدي وقتك واسأليها دا حقك يا «سماح» بس ما تطوليش عليا أنا عاوزة أفرح بيه بأسرع وقت.
انتهى لقاؤهم على أمل الرد في وقت قريب.
**************************
كانت تلتهم قطعة الحلوى وتتلذذ بنهم لتغمض عينيها باستمتاع قبل أن تفتحها وتمتدح والدتها:
_الله يا ماما تحفة، أحلى مرة عملتيها، بقيتي شيف ممتاز يا «سموحة».
كانت تتأملها في صمت وتبتسم على حركاتها الطفولية وطريقة أكلها بسعادة، هي لا تراها فتاة في العشرينيات من عمرها، هي تراها فتاة الخمس أعوام التي أصبحت لها أماً وأباً، تحاول تعويضها مشاعر سرقت منها بعد أن كانت متعلقة بوالدها وفقدته فجأة، بل الأقسى أصبح شخصاً غريباً في حياتها. تنهدت في حيرة: ماذا تفعل؟ هل تخبرها أنها تتمنى أن ترضى بـ «زياد»؟ فتلك العائلة الجميلة خيار الأمان حسب تصورها.
-ماما... ماما... «سماح» روحتي فين؟
التفتت نحوها تجيبها بضيق:
-مالك بتصرخي ليه؟
بقالي ساعة بنده عليكِ وأنتِ ولا أنتِ هنا، بقولك أنتِ غيرتِ الوصفة ولا عملتِ إيه؟
مصمصت شفتيها باستنكار وقالت تزجرها:
-لا يا اختي أنا بعملها حلو من الأول، قومي لمي الأطباق واغسليهم وتعالي عاوزة أتكلم معاكِ.
-حاضر يا عسلية ولا تزعلي.
شمرت عن أكمامها وحملت الأطباق تمتثل لأمر والدتها ورحلت نحو المطبخ، لتعود بعد قليل تنزل أكمامها وتجلس أمامها تخبرها مبتسمة تلوح لها بيدها:
-أديني خلصت يا ست الكل والمطبخ لمعته، عاوزاني في إيه؟ شكله موضوع كبير.
نظرت لها لتسألها بجدية:
-إيه رأيك في «زياد»؟
رفعت حاجبيها تمط شفتها وتجيبها بتعجب:
-اشمعنى؟(رشا عبد العزيز
لتصيح بها بحنق:
-بت أنتِ هتخشي لي قافية؟ بسألك إيه رأيك في «زياد»؟ «ندى» زارتني النهاردة وطلبت إيدك.
مهلاً.. هل ما سمعته حقيقة؟ «زياد» يتقدم لخطبتها! ذلك الشاب الذي كانت معجبة به أيام مراهقتها، لكن هذا الإعجاب رحل بعد أن نضجت، هو لم يكن سوى إعجاب بشاب وسيم، لكنها لا تنكر أن رؤيتها له البارحة أثارت بداخلها بعض المشاعر، ربما شيء عالق من ذكريات الماضي استفاق لوهلة بمشاعر عابرة.
نهضت «سماح» واقتربت منها تجلس بجانبها وتحيط كتفها بحنان تسألها بلطف:
-حبيبتي إيه رأيك؟
التفتت نحوها تسألها بحيرة كأنها ترمي ثقل اختيارها على أكتافها:
-أنتِ إيه رأيك يا ماما؟
ضغطت بأناملها على كتفها تضمها قليلاً تمنحها شيئاً من الأمان قبل أن ينطلق لسانها يسرد صفات «زياد»: شاب بشهادة عالية، مثقف، وسيم، بحالة مادية ممتازة، خلوق، والدته طيبة، أسرة متماسكة من الطراز الأول.
إذاً الاختيار واضح والرفض لم يكن سوى بطراً. لم تجبرها على الموافقة لكن يكفي ما تراه من لهفة في عينيها؛ مدحها له كأنه الأفضل وفرصة ستخسرها وربما لم تحظَ بأفضل منها. تضع أمامها الخيارات لكن عينيها تشير لها نحوه كأنها تقول لها: أترجاكِ وافقي. أخفضت عينيها تهرب من نظراتها المحدقة بها، هي لن تلومها، تعلم كم تحبها وتخاف عليها، ودائماً ما كانت تدعو لها بالأفضل وألا يكون نصيبها حظاً مثل حظها، ربما كونها تعرف هذه العائلة جيداً منحها الأمان في الاختيار؛ فمن تعرفه أفضل بكثير من الغريب، أسطوانة سجلت من الماضي وتكرر علينا سماعها حتى ظننا أنها الحقيقة، متناسين أن أصابعنا ليست متساوية ولكل قاعدة شواذ.
شعرت بثقل يجثم على صدرها كأنها تقف في منتصف الطريق لا تعلم أتركب السيارة القادمة وتذهب معها إلى المجهول أم تنتظر؟ لكن ربما انتظارها يطول ولا تجد من ينتشلها. جملة «سماح» التي ختمت بها حديثها جعلتها ترفع رأسها وتنظر لها بضياع:
-حبيبتي فكري وصلي استخارة ولما ترتاحي لجواب ابقي ردي عليا، بس هي طنط «ندى» مش عاوزانا نطول عليها.
اكتفت بإيماءة بسيطة قبل أن تنهض مغادرة المكان.
*********************************
عادت من عملها منهكة تجر خطواتها جراً، دخلت من باب المنزل ليلتقط أنفها تلك الرائحة، جعدت أنفها بنفور فهي علمت ما هي تلك الرائحة، فلن يخطئ أنفها رائحة "الفسيخ"، تلك الأكلة التي صنعت اختلافاً بينها وبينه؛ فـ «فارس» يعشقها وهي لا تحبها. ابتسمت عندما وصلت إلى مسامعها صوت ضحكاته، لتجده يجلس مع «حسين» و«شريف» يتناولون تلك الوجبة بنهم. اقتربت بخطواتها منهم تبصر استمتاعهم بسعادة غامرة.
وكأن قلبه أحس بحضورها ليلتفت مبتسماً عندما لمحها تقترب، لتهز رأسها بقلة حيلة عندما التقت عينيه بعينيها وازدادت ابتسامتها اتساعاً:
-مساء الخير.
قالتها وهي تضع كفا يدها على كتفيه ضاغطة عليهما برفق.
-مساء النور يا روحي.
-أهلاً يا خالتو... اتفضلي معانا الفسيخ والرنجة يجننوا.
هتف بها «حسين» يشير لها نحو ما يتناولون. سبقت كلماتها ضحكة بسيطة قبل أن تجيبه:
-أهلاً يا حبيبي... تسلم يا قلب خالتك أنا والفسيخ مش صحاب خالص، تقدر تقول كده ضرتي.
اهتز كتفه تحت يديها بعد أن انفلتت ضحكاته قبل أن يجيب هو على الدهشة التي ارتسمت على وجه «حسين»:
_أصل الفسيخ والكوارع هي نقاط الاختلاف بيني وبين خالتك، أنا بعشقهم وخالتك بتقرف يا سيدي، يعني أنا النهاردة في حالة طوارئ.
ضغطت على كتفه وإبهامها يتحرك بسلاسة تمنحه تأييداً لحديثه، رافقته كلماتها الفكاهية:
_آه... يعني خلي بالك أنت دلوقتي بتخوني يا ابن «الجوهري».
_والله يا روحي مش أنا السبب، «حسين» ابن «علي» هو السبب، هو اللي جاب الفسيخ وأغراني، أبوه بعته بيهم يعني «علي» الخبيث هو اللي دفعني للخيانة!
ضحك «حسين» حتى بانت أسنانه يوزع نظراته بينهم قبل أن يعاتب «فارس»:
_كده يا عمي بتسلمني لخالتو تسليم أهالي!
بادله «فارس» الابتسامة ليستهجن «شريف» اعتراض والدته ويقول ناصحاً لها وهو يحمل قطعة يعصر عليها بعض الليمون ويقدمها لها:
_والله يا ماما أنتِ غلطانة جربي شوية، هتحبيه أوي طعمه بيختلف عن ريحته صدقيني دا تحفة.
حركت رأسها رافضة وقالت:
_
تسلم يا حبيبي بالهنا والشفا.. كفاية أنت وبابا بتاكلوا كأني أكلت.
ثم انحنت تهمس له بجانب أذنه بما وصل لمسامع الآخرين:
_حبيبي بلاش تاكل كتير الأكلة تقيلة وهتتعبك.
_إن شاء الله مش هتهور ماتخافيش يا «مشمش».
لتربت على كتفه كأنها تكافئه:
_ألف هنا يا روح «مشمش».
قالت هذا وسحبت يدها تتركهم مغادرة الحديقة نحو مدخل المنزل. كان «حسين» يراقب الموقف وفي داخله يتمنى أن يعيش هو و«قمر» قصة حب كهذه جميلة بكل ملامحها من تفاهم واحترام وتقدير وثقة.
انتهت وجبتهم ليدعوه «فارس» لتناول الشاي، تناولوا الشاي ليستأذن منه «فارس» الذهاب لأخذ حمام دافئ. صعد، وصل إلى بداية السلم ليجدها تنزل السلالم بعد أن أنعشت جسدها بحمام دافئ يزيل عنها إرهاق يومها. اتسعت ابتسامته عندما وجدها تقف أمامه ليسألها باهتمام اعتادته منه:
_اتغديتِ؟
_كنت باخد شاور وهتغدى، حضرت لك هدومك هتلاقيهم على السرير.
ثم ضربته على كتفه بخفة وتقول مازحة:
_يله روح عشان تمسح ريحة الخيانة.
ابتسم وانحنى يقبل وجنتها قبلة بطيئة يتلذذ باستنشاق عطر خصلاتها الرطبة يخبرها بامتنان:
_يسلم لي حبيبي...
ثم قرص أنفها يداعبها:
_معلش استحملي ريحتي ثواني.
_حبيبي ألف هنا على قلبك... ولا يهمك أهم حاجة إنك انبسطت.
كلماتها القليلة كانت كفيلة ببعثرة مشاعره حتى كاد أن يميل نحوها من جديد لكنها أوقفته، تضع يدها على صدره تمنعه تهمس له بخجل:
_«فارس».. «حسين» مركز معانا فبلاش تهور، ولادك متعودين لكن الولد فرد جديد مش متعود.
ختمت كلماتها وانفلتت ضحكة منها وهي تجده يغمغم بشتائم على ابن شقيقتها ووالده قبل أن يتركها صاعداً درجات السلم بحنق.
كان يقف مع «شريف» يهم بالرحيل ويمني نفسه أن يراها قبل مغادرته، لتتحقق أمنيته ويجدها تدخل من باب المنزل. خفق قلبه بقوة واتسعت ابتسامته، عينه تغمرها بشوق فاضح لكن ابتسامته تبخرت بحرج عندما وجدها تضع يدها على أنفها بقرف وهي تقف أمامهم تسألهم باشمئزاز:
_إيه دا؟ أنتوا واكلين فسيخ؟ فيه ريحة مقرفة افتكرتها بره لكن باين إن أنتوا اللي واكلين فسيخ، يععع أنتوا بتستحملوا إزاي؟
شعر بدلو ماء سُكب على جسده وشعر بالحرج من نظرات الازدراء التي ترمقهم بها، ليتحمحم ويقول:
_آه فعلاً.. إحنا أكلنا فسيخ...
ثم أتبع كلماته بتحية نسيت أن تقولها عله يشعرها أنها لم ترحب به أصلاً:
_ازيك يا «قمر»؟
_أهلاً.
قالتها باقتضاب ويدها لا تزال موضوعة على أنفها وفمها. شعر «شريف» بالتوتر والخجل من تصرفات شقيقته ليقول مبرراً:
_معلش أصل «قمر» بتقرف أوي من ريحته.
ليجيبه بتلعثم:
_آه عندها حق... عن إذنكم.
ثم تجاوزها مغادراً بخطوات سريعة، صافعاً الباب خلفه لتنظر له بضيق، وكادت أن تلومها لكن صوت «شمس» سبقها وهي تصرخ بها موبخة:
_أنتِ إزاي تكلمي خطيبك بطريقة الزفت دي؟ ما تتعدلي يا بنت «شمس»، أد كده قرفانة يا بنت الباشا؟ على الأقل كنتِ استحملتِ واحترمتِ إنه خطيبك!
زفرت أنفاسها متأففة وهي تتجه نحو الدرج تلوح لها بعدم مبالاة:
_يوووه يا ماما ما أنتِ عارفة إني بقرف منه ولو أبويا ذات نفسه كنت قلت له نفس الكلام.
مرت من جانبها وكادت أن تتجاوزها لكنها أمسكت ذراعها بغضب تتوعدها:
_آخر مرة تكلمي خطيبك بالطريقة دي...
التفتت نحوها لتتواجه أعينهما في صراع ما بين نار وجليد، تخبرها ببرود تام:
_حاضر.
وأكملت «شمس» بحزم ضاغطة على ذراعها تأمرها بانفعال:
_تتصلي بيه يا بنت «فارس» وتعتذري منه، أنتِ فاهمة؟
ظلت تطالعها بصمت مرير حتى صرخت بها «شمس» من جديد:
_فاهمة؟ (رشا عبد العزيز
أفلتت يدها بعد أن هزت رأسها بالموافقة على مضض، لتتسارع خطواتها نحو الدرج وعين «شمس» تتبعها بتعجب. عادت بنظرها نحو «شريف» الذي شاركها الدهشة من غلظة تصرف شقيقته.
أما هو فخرج نحو سيارته، جلس خلف المقود يزفر أنفاسه بانفعال، صدره يعلو ويهبط بغضب. يتعجب من تصرفها الغريب، لماذا تصرفت هكذا؟ هو لم يرها منذ أسبوع، لم يتواصل معها سوى برسائل بسيطة لم تتجاوز السؤال عنها، إذاً لماذا تعامله هكذا؟ بدلاً من أن تستقبله بشوق تحرجه بهذه الطريقة.
أفكاره تضاربت وأنفاسه تسارعت، وبعد مدة من الزمن تباطأت أنفاسه وهو يجد هاتفه يصدح برسالة منها. رغم كلماتها القليلة لكنها كانت كماء بارد صُب على نار غضبه حتى جعلتها رماداً يتناثر في الهواء كأنه لم يكن:
_(آسفة يا «حسين» بس أنا مودي بيتغير لما بشم ريحة الفسيخ).
هدأت أنفاسه وعادت الدماء تسير في عروق قلبه التي تيبست بعد أن أُهدرت كرامته بجفائها. ظل يحدق برسالتها بعشق، فقد استرد قلبه سطوته على عقله يمنحها عذراً ليردد لسانه:
_بحبك.
أما هي فأغلقت هاتفها بإهمال بعد أن أرسلت رسالتها الكاذبة له، تراقب سيارته المصطفة أمام بابهم من شباك غرفتها، تلوم حالها من جديد. كانت تملك الفرصة لتخبر والدتها الحقيقة التي وقفت على طرف لسانها لكنها ابتلعتها من جديد.
************************
كل شيء حدث بسرعة غريبة؛ خطبتها، موافقتها، رؤيتها الشرعية التي لم يتحدث خلالها سوى بكلمات بسيطة، لتجد نفسها اليوم تقف كي تختار خاتم الخطبة وباقي أجزاء شبكتها. كانت تود أن يقف بجانبها يختاران معاً الخاتم، لكنه كان يقف بعيداً عنهم يترك لها حرية الاختيار كما زعم. تلك الخواتم التي كانت تلمع بتناغم مع أضواء المصابيح تعكس بريقاً أخاذاً يسحر من يراها، لكنها لم تكن تراها. شيء ما بداخلها كان يحجب عنها لذة الاختيار وسعادة اللحظة، خوف يتملكها من المجهول تفاقم مع برودة حماسه.
كانت تطالع الفرحة التي غمرت والدتها و«ندى» وهم يساعدونها في الاختيار وتؤنب نفسها، فربما كانوا على حق وبروده أمر طبيعي، هم لا يعرفون بعضهم بعد. هتاف «ندى» تناديه ليقترب جعلها تلتفت نحوه بتلقائية، لتقابل عينيه عينيها بعفوية؛ هناك شيء يسكن عينيه خلف ذلك. أخفضت عينيها باستحياء، اقتربت خطواته منها ليقف أمامها بجمود، يستمع إلى حديث والدته وهي تشهر أحد الخواتم أمامه:
_بص يا حبيبي إيه رأيك؟
رسم ابتسامة متكلفة يجيبها بهدوء تحرقها كلماته المقتضبة:
_حلو.
لكنه فاجأها عندما قال مشيراً نحوها:
_شوفي رأي «رحمة» هي صاحبة الشأن.
ناولتها «ندى» الخاتم تخبرها:
_البسي يا حبيبتي خليني أشوفه على إيدك.
التقطت الخاتم منها بتردد ويدها ترتعش وهي تشعر بعيونهم مصوبة نحوها، لم تكترث سوى بعينه التي تتابعها رغم برودة نظراته التي شابهت برودة زجاج تلك العارضة التي وضعت يدها عليها لتريهم شكل الخاتم في يدها.
_حلو أوي يا حبيبتي بسم الله ما شاء الله.
ذلك الصوت الدافئ الذي شق أجواء الجليد التي تحيطها منحها الدفء كأنه يحتضنها، كان صوت والدتها التي كانت تتأملها بعيون لمعت بها الدموع التي تحاول مداراتها. ابتعد يفسح المجال لـ «سماح» كي تقترب منها تمسك يدها تطالعها بانبهار كساه الحنان. التفتت «ندى» نحو «زياد» تسأله من جديد:
_ها يا «زياد» إيه رأيك ناخد الطقم كله؟
_مادام عجب «رحمة» خلاص يا ماما اللي تشوفه.
ابتسمت له وقلبها ينبض بفرح ليس من أجل وحيدها بل من أجل تلك الفتاه أيضاً، وهو يضع اختيارها في المقام الأول.
ابتعد بخطوات أكبر يجر معه شعوراً بالضيق، فمشهد «سماح» المتلهف وعيونها التي كانت تطالعه بأمل كانت تخنقه، وسؤال واحد دار في ذهنه: هل تستطيع «رحمة» شفاءه من مرض اسمه «قمر»؟ أم هل تستطيع اختراق أبواب قلبه الموصدة؟ أم أنها ستكون مجرد مسكن للألم يخفف عنه دون أن يشفيه
*******************
وبعد مرور شهر في غرفه
"حسن".
تحركت يداه تتلمس قماش ذلك الثوب الناعم، كان أنيقاً وبسيطاً في ذات الوقت، حمله ينظر له بانبهار، دوماً كان يثق في ذوق والدته وشقيقته. نفضه ليرفعه أمام ناظريه يطالعه برضا وهو يرى احتشامه وأكمامه العريضة، واسع بما فيه الكفاية أن يغطي مفاتنها، نقوشه من الدانتيل أضفت عليه لمسة جميلة. ابتسم وهو يتخيلها ترتديه، خفق قلبه بشوق عندما علم أنها قد حضرت مع والدتها وشقيقها لحضور حفل زفاف ابن خالته، لا يطيق الانتظار لزيارتهم في بيت خالته التي أصرت على إقامتهم عندها.
انتبه إلى نداء والدته التي فتحت الباب تستعجله:
-يله يا «حسن» كده هنتأخر على الناس يا بني.
ثم نظرت إليه تطالع هيئته وعطره الذي بالغ فيه حتى ملأ أركان حجرته لتبتسم تغمز له تخبره بمكر:
-إيه دا؟ اش اش إيه الجمال دا كله يا «أبو علي»! دا أنت ولا العريس في ليلة فرحه!
وقبل أن يعقب لمحت الفستان الذي يحمله لتسأله مشيرة نحوه:
-عجبك الفستان؟
نظر إلى الفستان ثم إليها يجيبها شاكراً:
-أوي، تسلم إيدك يا ماما زي ما طلبته بالضبط.
يا رب يعجبها ويجي مقاسها أصل أنا حساه واسع شوية.
حرك سبابته نافياً بسرعة يؤكد لها حسن اختيارها:
-لا كويس أوي، عاجبني أوي ومناسب أوي.
يا ابني أهم حاجة يعجبها هي.
أومأ لها كأنه يرفض أن لا يعجبها أو لا يناسبها:
_لا إن شاء الله هيعجبها.
****************************
في منزل «شمس» كانت تجلس مرحبة بضيوفها أحر ترحيب، تتبادل الحديث مع «زهرة» التي وكعادتها لم تتوقف عن سرد الأخبار لها، تسألها عن حال الجميع وتروي لها أخبار أحبائها بحماس لتسألها «شمس» بود:
-و«فرحة» ماجتش معاكم ليه؟ كانت انبسطت معانا ما أنا كلمتها بس هي رفضت.
أوضحت «زهرة» وهي تعدل وضعيتها:
-والله يا «شمس» ألحيت عليها تيجي معانا بس رفضت، بتقول مش هتقدر تسيب «جابر» أصله بعافية شوية و«محمد» مشغول.
ربنا يشفيه يا رب.
قالتها «شمس» قبل أن تهب ناهضة عندما سمعت جرس الباب وسمعت صوت شقيقتها القادم من الخارج، لتنظر لـ «زهرة» مشيرة نحو الباب بابتسامة:
-دي «هدى».
فتحت باب غرفة الضيوف تستقبلها بترحيب حار، كما رحبت بها «زهرة» بحفاوة قبل أن تنتقل «هدى» إلى خطيبة ابنها «سندس» التي رحبت بها بخجل لتسألها «شمس»:
-أمال «حسن» فين؟ مش هيجي يسلم على خطيبته وحماته؟
قالتها بطريقة هزلية تربت على كتف «زهرة» بمزاح. مجرد ذكرهم لاسمه جعل حمرة الخجل تكسو وجه «سندس» وخفق قلبها بشدة بين أضلعها لترتعش يدها دون إرادة منها وهي تسمع إجابة «هدى»:
-قاعد بره في الجنينة مع «سيف» و«أصيل».
جلسوا يتبادلون الحديث ويحتسون القهوة، و«هدى» تراقب «سندس» التي لم تنطق بكلمة واحدة، كانت تكتفي بإجابات مقتضبة على أسئلة توجهها لها، تخفي خلفها ارتباكاً هائلاً. وبعد مرور وقت قصير غمزت «هدى» لـ «شمس» تشير لها أن تسمح لـ «حسن» بالدخول، فهمت «شمس» إشارتها لتنهض متجهة نحو الخارج تستأذن من «زهرة» كي تنادي عليه.
زاد ارتعاش قلبها الذي كان يماثل ارتعاش يدها الموضوعة على حجرها تفرك إحداهما بالأخرى، كأن الأرض تميد بها. انتبهت «زهرة» لارتعاشها لتوكزها هامسة:
_اهدي مالك؟
عضت على شفتيها تخفي توترها الذي زاد حد الانهيار وهي تسمع نحنحته الخشنة يدخل قائلاً بصوت واثق:
مساء الخير.
مساء الخير يا بني.
قالتها «زهرة» برسمية.
ازيك يا خالة؟
الحمد لله.
هكذا رحب بـ «زهرة» قبل أن ينتقل بعينيه سريعاً نحو تلك الجالسة باستحياء جانبها وقال بنبرة أهدأ:
_ازيك يا «سندس» عاملة إيه؟
أجابته دون أن ترفع عينها:
_الحمد لله.
جلس أمامها يتأملها وخجلها يزيدها جمالاً في عينيه، يمنح اختياره يقيناً بصوابه. بضع جمل تحدث بها معهم لم تكن هي جزءاً من هذا الحوار، فقد كانت تشعر أن جسدها قد أصابته الحمى وحبات العرق تتجمع بكثافة على جبهتها رغم اعتدال الجو في المكان. رفعت يدها تمسح حبات العرق الطفيفة لينتبه لحركتها وقد تسارعت دقات قلبه هو الآخر. انتهى هذا اللقاء القصير حينما استأذنت «هدى» للمغادرة، تشير لابنها خلسة أن يتخلف قليلاً. انشغلت «زهرة» التي رافقتها نحو البوابة تندمج معها في الكلام، لينتهز هو هذه الفرصة الثمينة التي صنعتها والدته ليقترب منها يقدم بتردد لها حقيبة الهدايا:
_اتفضلي يا «سندس» دي هدية بسيطة مني.
شعرت بالحرج ونظرت بوجل نحو والدتها، لكن صوته الدافئ جذبها إليه مرة أخرى. التفتت تنظر إليه باستحياء:
_دي حاجة بسيطة يا رب تعجبك.
ارتعشت يدها وارتبكت لا تدري ماذا تفعل، لتمد يدها المرتعشة تلتقط منه الكيس بخجل، لتتسع عيناها بذهول وهي تجده ينحني مقترباً منها يهمس لها:
_فيه ورقة مع الفستان يا ريت تقريها.
قالها قبل أن يسحب نفساً عميقاً يستنشق عطرها بشوق لآخر مرة قبل المغادرة، لتخرج كلماتها متلعثمة غلفها الحرج:
_متشكرة.
لحظات ظل فيها يقف أمامها يروي شوقه لرؤيتها قبل أن يتركها مغادراً، يتركها بمشاعر مبعثرة. حمدت الله أن قدميها حملتها ولم تسقط مغشياً عليها من شدةالحرج
*************************
انفردت مع والدتها في الغرفة التي خصصتها «شمس» لهم، لتري والدتها الفستان، وتعمدت إخفاء تلك الورقة المطوية التي لمحتها أسفل الفستان لتبتسم تنتظر بتوق الفرصة لتقرأ ما تحتويه. نال الفستان استحسانها كما نال استحسان والدتها رغم أن حجمه كان كبيراً بنسبة ضئيلة جداً لكنه كان رائعاً.
_حلو أوي يا «سوسو» الواد «حسن» ذواق...
احمرت وجنتاها خجلاً ترى نظرات والدتها التي تطالعها بمكر، فابتسمت تخبرها:
-أنا هروح آخد حمام قبل ما أريح جتتي.
وما إن دخلت والدتها للحمام حتى هرولت نحو الحقيبة بفضول تخرج تلك الورقة، لتتسع ابتسامتها ويرقص قلبها بانتشاء وهي تقرب تلك الورقة الغارقة بعطره من أنفها تستنشقها وكأنها تخزن رائحته في رئتيها كي تحفظها. فتحت الورقة لتقرأها حتى ما عادت قدماها تحملانها لتجلس تقرأ كلماتها بتمعن، وقلب أعلن جنوناً تشعر كأنه سيخرج من بين أضلعها:
-(ازيك يا «سندس» وحشتيني... كان نفسي أتكلم معاكِ لكن عارف إنك هتخجلي.. أكيد دلوقتي شفتِ الفستان، يا رب يكون عجبك، متحمس أشوفه عليكِ في الفرح، أكيد هيكون يجنن مش لأنه جميل لا لأن اللي هتلبسه أجمل بنت في الدنيا، القالب غالب زي ما بيقولوا. فيه كلام كتير نفسي أقوله لكن الكلام ضاع مني، كل اللي بفكر فيه دلوقتي عيونك الحلوة اللي مشتاق أشوفها وبسمتك الجميلة يا جميلة.. أتمنى يجي اليوم اللي نتجمع فيه سوى عشان أقولك على الكلام اللي في قلبي.. خلي بالك من نفسك يا ملاكي).
أنهت قراءة الرسالة لتمسك قلبها الذي يضرب أسوار صدرها بعنف كأنه سيغادر مكانه لا محالة. غمرتها مشاعر تجربها لأول مرة، وكلمات غزله تنعشها، قلبها البريء يتذوقها كطفلة تتذوق الحلوى لأول مرة فتتشبث بها. احتضنت الورقة لتغمض عينيها ومشاعر الحب تدغدغ قلبها وتعزف على أوتاره لحناً عذباً أطرب روحها النقية، تعلقها به بخيوط خفية تأسرها بسرعة تدخلها في عالم لذيذ كانت تجهله. رفعت الورقة نحو أنفها تستنشق عطره بهيام قبل أن تطويها بسرعة تدسها تحت وسادتها بسرعة عندما سمعت صوت والدتها تخرج من الحمام، لتدعي النوم ويدها تتسلل تحت الوسادة تقبض على الورقة كأنها أغلى كنوزها، وتسأل نفسها سراً:
-هل هذا هو الحب الذي يتحدثون عنه؟
الفصل 11
اليوم ليس كباقي الأيام، اليوم سيقلب حياته ويأخذها نحو منعطف مجهول لا يعلم نهايته، لكن ما يخنقه ليس هذا فقط؛ ما يخنقه هو تلك التي سيصطحبها معه قسراً في ذلك الطريق. تلك اللقاءات البسيطة التي جمعتهم جعلته يرسم ملامح شخصيتها بسهولة، كانت واضحة ككتاب مفتوح لم تحتج إلى قاموس لتفسيرها.
رقيقة، بسيطة، جادة، متأثرة بعملها، وتعشق والدتها إلى أبعد حد. وهنا ابتلع غصة مرة خنقت أنفاسه وهو يتذكر تلك السيدة كم كانت سعيدة به، تكرر على مسامعه: "أنت ولدي الذي لم أنجبه"، ولا تزال تلك الوصايا التي تأتمنه عليها أن يحبها ويدللها، أن يعتني بها.
ولا يزال يذكر عندما اختلت به ذات مرة ترجوه أن يعوض ابنتها حنان والدها الذي فقدته مبكراً، وتوسلته أن لا يجعل صغيرتها تعيش ما عاشته هي.
نظر إلى انعكاس صورته في المرآة وهو يضع اللمسات الأخيرة على هيئته المنمقة، ينثر عطره على جسده ويسأل نفسه: كيف ستكون حياته معها وهل سيسعدها وقلبه ملك لغيرها؟ خنقته تلك الفكرة وشعور الذنب يضرب ثنايا صدره، يطبقها عليه حتى كاد يزهق أنفاسه. رفع يده يعدل ربطة عنقه يحاول منح نفسه القليل من الهواء.
سند بكفي يده على طاولة الزينة ليزفر أنفاسه المحترقة، قبل أن يرفع عينيه من جديد يطالع صورته؛ عريس في ليلة عرسه غابت السعادة عن روحه وأطفأ حبه الفاشل فرحته.
وبعد ساعة من هذا المشهد، وجد نفسه يقف ينتظرها في أحد مراكز التجميل، يسمع تلك الزغاريد تتعالى من والدته، ودعاء والدتها الذي صدح بصوت عالٍ تدعو لها أن يبعد عنها الحسد وترقيها، وتصفيق شقيقاته؛ أصوات تشجيع من الجميع ليصمتوا فجأة عندما علموا بحضوره في الخارج. ازداد توتره وهم يدعونه للدخول لرؤيتها.
بخطواته المترددة، يخطو واحدة ويؤخر الأخرى، وصل أمامها يحمل باقة الزهور البيضاء كما طلبت. عيناه تشملانها من الأعلى إلى الأسفل؛ لا ينكر أنها جميلة واليوم يراها بأبهى صورها، زادها بهاءً تورد وجنتيها خجلاً، لكن ذلك القابع في صدره كان جامداً كالثلج، لم ينبض، لم يرفرف، لم ينتفض حتى بمشاعر جديدة؛ كل ما يفعله واجب محتم عليه. رسم ابتسامة متكلفة عندما شعر بعيون النساء المسلطة عليه، ليتقدم منها يسلمها باقة الزهور ويهمس لها بعبارات فرح مصطنعة:
_ألف مبروك.
لوهلة شعر أن الخيبة ترتسم على وجهها، ربما كانت تنتظر شيئاً أكبر؛ إطراءً جميلاً، استحساناً، كلمة تمنحها الثقة. كأنه جرح أنوثتها، ليتدارك فعلته عندما خطى مقترباً أكثر منها، جلى حنجرته يخبرها:
_أنتِ حلوة أوي النهاردة.
ابتسامة باهتة اغتصبتها من ضجيج أفكارها التي تكالبت عليها وهي تستشعر برودة كلماته، كأنها صقيع خدش شغاف قلبها.
دخلوا القاعة المخصصة لعقد قرانهم ها مراسيم العرس، ارتفعت أصوات الموسيقى وسلطت الأضواء عليهم، لكنه وجدها تتسمر فجأة في مكانها. التفت إليها بدهشة واتجهت أنظاره حيث تنظر، ليجد والدها يجلس بجانب "المأذون" ووالده وأعمامه. علم سبب تخشب جسدها المفاجئ، انحنى نحوها هامساً بلطف:
-يلا يا "رحمة".
لكنها لم تستجب، ليجد والدتها تتأبط ذراعها وتطلق الزغاريد، وعيناها لا تحيدان عن ذلك الجالس كأنه شخص غريب في المكان؛ كانت تحاول أن توصل له رسالة أنها حققت أمنيتها، لم تنثنِ، لم تنكسر، وها هي صغيرتها عروس. تلك الزغاريد والهتافات التي شاركتها بها والدته كانت شعارات الانتصار تطلقها لتغيظه وتعلن فوزها في معركة الحياة. مشهد آخر صُفَّ ليزيد من شعور الضيق في صدره وهو يرى تلك المرأة تضع آمالها به، وهل يستحق هو كل تلك الثقة؟ لكنه قرر في قرارة نفسه: سيمثل هذا الدور أمام والدها، سيكون هو الفارس.
رفع جذعه بانتصاب يقترب منها ماسكاً ذراعها يسحبها نحو المكان لتبدأ مراسيم عقد القران. جلس بهيبة يلقي سلامه عليه وأجلسها بجانبه كأنه يخبرها أنه معها. وضع يده في يد والدها ليبدأ المأذون في إلقاء كلماته المعهودة حتى وصل إلى جملة:
-هل تقبل بـ "رحمة محمد الألفي" زوجة لك؟
كاد أن يسرد تلك الكلمات بجمود، لكن عينه أبصرتها "قمر" تقف بجانب "ورد"، ويقف "حسين" بجانبها؛ وكأن قلبه بحث عنها حتى وجدها في تلك اللحظة ليخفق بعنف متمرداً عليه، حتى وجد "حسين" يميل عليها يهمس لها بشيء فتبتسم. لسعت عينيه الدموع بعفوية، ليسحق ذلك القلب العاصي يصفعه كي يوقف نحيبه، فسعادة صديقه ألجمت جماح تهوره، لتخرج كلماته بقهر متلعثمة:.
—نعم، أقبل.
انتهت مراسيم عقد القران ليهب الجميع يباركون له، وأولهم والده الذي احتضنه بقوة يودعه فرحة تمنّاها وتحققت، كم شكر "ندى" على تلك المشاعر التي يعيشها اليوم وتلك السعادة التي تغمره. خرج من حضن والده لتحتضنه "ندى" بقوة، تسبق كلماتها دموعها وهي تهنئه:
-ألف ألف مبروك يا حبيبي، الحمد لله يا ضنايا عشت وشفت اليوم ده.
ربما دموع والدته منحته الفرصة ليحرر دموعه التي يأسرها بين جفنيه، فيبكي؛ ليس فرحاً لكن فراقاً. قبّل رأسها ويدها لتخرج من أحضانه تمسح دموعه بيدها..
-سيبيني أبارك له يا خالتو.
كان صوت "حسين" الذي زاد من قهره، يبعد والدته ليحتضنه بحب أخوي:
-ألف مبروك يا أخويا.
جمدته تلك الكلمة، ولماذا اختارها اليوم ليزيد من شعور الألم في قلبه ويلقي بها جبال حزن على عاتقه؟ بادله العناق يدعو له:
-الله يبارك فيك، عقبالك.
تناوب على تهنئته الجميع حتى وصل أمامها فازداد ارتباكه، فقد نسي ما عليه فعله. حركة يد "ندى" على ظهره تشجعه أعادت إليه عقله المسلوب، ليقترب منها يطبع قبلة سريعة على جبينها ويقول:
-مبروك.
لتخرج إجابتها مرتعشة كما يرتعش جسدها:
-الله يبارك فيك.
انتبه إلى عينيها الدامعتين تطاردان شيئاً؛ التفت ليجده والدها الذي غادر القاعة كضيف غريب، ألقى مباركته عليها كواجب وتركها. لمح عين "سماح" التي سالت منها الدموع تمسح على يد ابنتها تؤازرها، ووالدته التي اقتربت منهم تطالع "رحمة" بإشفاق ثم تشير له أن يساعدها في تخطي تلك اللحظة قبل أن تشير إلى منظمة الحفل لبدء حفلة العرس. نظر إليها بعطف يشعر بما تمر به، ليمد يده يمسح دموعها وابتسم ينحني نحوها يخبرها بصوت منخفض:
-يلا يا "رحمة" عشان الفرح هيبتدي وكده مكياجك هيبوظ.
ثم جذب يدها يتأبطها وهز رأسه لـ "سماح" التي فهمت مقصده، فعادت تطلق الزغاريد وتدعو لها لتعود وتندمج في أجواء الحفل، وتبدأ فقراته باقتراب منظمة الحفل منهم تخبرهم بما عليهم فعله.
**************************
عيناه بحثتا عنها بشوق ليجدها تجلس بهدوء بجانب والدتها، رقص قلبه برضا عندما وجدها ترتدي الفستان الذي أحضره لها؛ يا إلهي كم تبدو جميلة! اقترب من الطاولة حتى وقف يلقي عليهم التحية، فرحبت به "زهرة":
-أهلاً يا ولدي، كيفك؟
-بخير.
ثم انتقل بعينيه نحوها يسألها:
-إزيك يا "سندس"؟
خفق قلبها بجنون لكنها هذه المرة رفعت عينيها فالتقت بعينيه، ولأول مرة تعرف لغة العيون كطفل يتعلم القراءة والكتابة. شعرت بعينيه تستفسران منها دون أن يتحدث: هل رسالته قد وصلت؟ وهذه المرة ابتسامتها الخجولة كانت جواباً له عوض الكلمات التي كانت رسمية:
-الحمد لله.
بادلها الابتسامة وقال يسألها بشكل مبطن عن رأيها:
-عجبك الفستان؟
لتتوتر واكتفت بإيماءة بسيطة رافقتها ابتسامة حرجة قبل أن تخفض عينيها من جديد، فتولت "زهرة" شكره:
-تسلم يا حبيبي، تعيش وتجيب لها.
-"سندس" تستاهل الدنيا كلها.
قالها وعيناه لا تحيدان عنها حتى فطن لما قال وارتبك بعد أن شعر بحرجها، ونظرة "زهرة" مصوبة نحوه ليحمحم يسألهم:
-محتاجين حاجة يا طنط؟
-لا، متشكرين يا ابني.
تركهم وابتعد وقلبها يتعلق به وعيناها تتبعتاه خلسة، تشعر بنشوة تلك المشاعر البكر التي لامست قلبها.
************************
وعلى مسافة من المكان، كانت الفتيات يقفن ويصفقن فرحين بتلك الأجواء الجميلة، حتى التفتت "قمر" تلوم "ورد" الواقفة تصفق بهدوء:
-يا بنتي اللي يشوفك ميقولش إنك أخت العريس، فين الحماس؟ آه لو كان فرح أخويا كنت عملت الهوايل.
قطبت حاجبها تطالعها باستهجان:
-لا يا روحي، أنا آخري أسقف وبس، متتوقعيش مني حاجة.
رفعت يدها تفتح أصابعها الخمسة تشير لها بستنكار وهي تقول:
_كبّة... بنت نكدية صحيح.
مطت شفتيها بسخط وهتفت مستنكرة:
-مش نكدية، أنا بتكسف.
-بتتكسفي؟!
كررت كلماتها بتذمر لتلتفت نحو منتصف القاعة حيث تجمع أصدقاء "زياد" يجذبونه ويرقصون معه رقصة خاصة للشباب فقط؛ اشتعل فيها الحماس واندمج معها الجميع. لتهتف "مليكة" وهي تكز "قمر" كي تنتبه مشيرة لها في اتجاه معين:.
_أنا لو اتجوزت نفسي يكون جوزي زي أبيه "حسين"، فرفوش بصي!
رحلت عيناها حيث أشارت لها "مليكة" لتجده يرقص بحماس ممسكاً بيد "زياد" ويتحرك حركات اعتبرتها تافهة. أشاحت عينيها عنه مباشرة لكن عينها اصطدمت بذلك الواقف يصفق بوقار، ليرف قلبها وعقلها يقارن بين الاثنين. تنهدت بحسرة وحاولت أن تداري دموعها المختنقة.
جذبت "هدى" يد شقيقتها "شمس" واتجهوا نحو "ندى" في محاولة لمشاكستها، جذبوا يدها مبتعدين عن مصدر الموسيقى لترفع "هدى" صوتها كي تسمعها شقيقتها قبل أن _تضمها:
ألف مبروك يا أم العريس.
وكذلك فعلت "شمس" فرحين لسعادة شقيقتهم في هذا اليوم المنتظر.
_تسلموا يا حبايبي، عقبال ولادكم.
هكذا بادلتهم المباركة بعين دامعة ملأتها دموع الفرح تمنح وجهها إشراقاً بلون سعادتها. لتشاكسها "هدى" قائلة:
_بس أنتِ سبقتيني يا "ندوش"، بقى أنا أخطب لولادي قبل "زياد" وأنتِ تجوزيه قبلهم؟
_أنتِ اللي طول عمرك بطيئة، و"علي" ما شاء الله نسخة منك، وبعدين جناح "زياد" كان جاهز، إحنا عملنا الديكورات وجبنا الأثاث بس، بس أنتوا لسه بتشطبوا جناح "حسن".
زمت شفتها بعبوس مصطنع قبل أن تبتسم مازحة:
_عندك حق، أنا و"علي" بنشتغل على مهلنا، بس أنتِ ما شاء الله نازلة زن على الراجل لما خلص كل حاجة في أسبوعين عشان يخلص.
ضحكت "شمس" على حركات "هدى" الفكاهية وشاركتها "ندى" التي عاتبتها بهزل:
_أنا زنانة؟! ماشي يا "هدى"... بصراحة أنا زنيت فعلاً كتير، عاوزة أفرح بيه، و"طارق" كان بيشغل العمال ليل نهار عشان يخلص من زني.
_ربنا يحفظه ويبارك لك فيه.
قالتها "هدى" وأمّنت عليها "ندى" قبل أن يحتضنوها حضناً جماعياً كما تعودوا.
************************
كانت "أحلام" تقف تتابع مراسيم الحفل عندما وجدته؛ شخص يقترب منها ويسألها مبتسماً:
-حضرتك قريبة العريس؟
التفتت نحوه وأجابته بعفوية:
-أيوه.
ليعرفها بهويته حين أشار إلى نفسه وقال:
—أنا "باسم" صاحب "زياد"، أنتِ تقربي له إيه؟
وقبل أن تجيب سمعت صوتاً حملت نبرته غضب صاحبه، التفتت لتجد "شريف" يقف بجانبها ينظر لها بنظرات حانقة أخافتها:
-أي خدمة يا حضرة؟
ارتبك "باسم" عندما وجد شخصاً يقف أمامها فجأة ليجيب بتلعثم:
-أنا صاحب العريس.
ليمد "شريف" يده ويقول باستهزاء:
-أهلاً يا صاحب العريس، وأنا ابن عمه.
ابتلع "باسم" ريقه بتوتر وهو يجد الفتاة تبتعد خطوتين إلى الوراء ويقف الشاب أمامها يعمل كحاجز بينه وبينها كأنه حارسها الشخصي:
-أهلاً... ألف مبروك.
-الله يبارك لك، أي خدمة؟
قالها "شريف" بانفعال واضح جعل "باسم" يستأذن منسحباً بسرعة خشية الصدام مع ذلك الذي يحدجه بنظرات لا تنذر بخير:
-لا متشكر، كنت بسأل بس عن والد العريس عشان أسلم عليه.
أشار له "شريف" على مكان وقوف عمه وقال متهكماً:
-عمي واقف هناك، غريبة معرفتوش مع إنه شبه "زياد".
لم يعقب "باسم" واكتفى بكلمة مقتضبة تمنحه بطاقة الهروب من أمامه:
-متشكر.
وما إن رحل حتى التفت هو نحو تلك التي تقف خلفه تنظر له بتوجس، ليجز على أسنانه ويخرج كلماته الغاضبة من بينها:
-ممكن أعرف واقفة وبتتكلمي مع راجل غريب كده إزاي؟
رفعت كتفها بعدم معرفة وقالت مندهشة من حديثه:
-سألني وجاوبته بس يا "شريف".
استشاط غضباً حتى برزت عروقه، فصاح بها بانفعال:
-يا سلام! وتجاوبي ليه؟
لتجيبه ببرود غلفه شعور الغيرة التي أحرقته رغم إنكارها لها في تلك اللحظة:
-ومجاوبش ليه؟
تسارعت وتيرة أنفاسه وقبض على يده يعض عليها يكتم غضبه ويأمرها:
_امشي من قدامي يا "أحلام"، وأقسم بالله لو شفتك واقفة مع راجل غريب كده تاني مش هيحصل لك طيب، امشي!
قال كلماته الأخيرة بصراخ، فحمدت الله أن الموسيقى عالية غطت على صراخه لكان جذب أنظار الجميع إليهم. وقفت أمامه بعناد لحظات تنظر له بغيظ زاد من انفعاله قبل أن تفر من أمامه هاربة.
*********'' '' '********************
قبضت على فستان زفافها بقوة، وعيناها تتنقلان بين تفاصيله، تسرح في نقشات "الدانتيل" التي تزينه، علّها تلهي عقلها عن صراع الأفكار الذي يضجّ في أعماقها ما بين لائمٍ وخائف.
حرّكت عينيها دون أن تلتفت نحو ذاك الجالس بجانبها؛ كان يرسم ابتسامة متكلفة لا تظهر إلا لمن يتقدم لمباركة زفافه، ابتسامة تستشعر هي زيفها حتى لو أنكر عقلها ذلك، فبرودته في التعامل معها كانت جليّة طوال الأيام الماضية.
تنهدت بفتور، وبدأت تقنع نفسها بأن سرعة ارتباطهما، أو طريقة زواجهما التقليدية، هي ما صنع تلك المسافة الفاصلة بينهما. فجأة، شعرت بتلك الذبذبات تسري في جسدها، ترتعش معها خلاياها بقلق، فاهتزت أهدابها تنذر بسقوط الدموع الحبيسة. أسرعت ترفع رأسها، تمنع نفسها بشتى الطرق من الانسياق خلف تلك الشكوك، ولامت نفسها قائلة: "ربما هي مجرد وساوس ستتبدد حين يغلق علينا باب واحد".
خرجت من دوامة أفكارها حين اصطدمت عيناها بعيني والدتها؛ كان الفرح ينير وجه الأم، وتشرق عليه ابتسامة واسعة تعكس سعادة لا توصف. لمعت الدموع في عيني الفتاة، لكنها تداركت نفسها سريعاً، ورسمت ابتسامة مصطنعة تخفي خلفها هواجسها، بعد أن أربكها تحول نظرات والدتها من السعادة إلى القلق، وكأن قلب الأم قد شعر بقلب ابنتها.
كم ودت في تلك اللحظة أن تهرع نحوها، أن ترتمي بين أحضانها علّها تستمد دفئاً يخلصها من البرودة والخوف الذي يخنقها. ليتها تستطيع أن تخبرها بأنها تود العودة معها، أن تهرب من هذا المكان وتنهي تلك الظنون الجاثمة على صدرها. هل تستطيع العزوف الآن عن ذلك القرار المتسرع؟ أم أن الأوان قد فات فعلاً؟
أخرجها من سحابة أفكارها نداء منظمة الحفل تدعوهما لرقصة "السلو". نهض مستجيباً لندائها ومد يده لـ "رحمة" التي ظلت تنظر ليده الممدودة بضياع. رفعت يدها تضعها بيده ليجذبها فتنهض تسير بجانبه حتى وجدت يده تحيط خصرها لتريح هي يدها على صدره بخجل. بدأت رقصتهم وعينها تترقبه؛ عينيه التي تهرب منها، يرسم تلك الابتسامة الكاذبة على وجهه. ودت لو تصرخ به توقفه، فابتسامته زائفة أي طفل صغير يستطيع معرفة تمثيله للسعادة.
حتى استقرار نبضاته تحت راحتها كانت باردة كصاحبها، خفضت عينها المعلقة بوجهه وعادت تلك الهواجس تطحن تفكيرها. تمايلت حركتهم بأجواء كانت ستكون ساحرة لو كانوا بوضع مختلف. تسللت إلى ذهنها صورة صديقتها "فرح" التي تزوجت زواجاً تقليدياً وبظروف مشابهة لظروفها، لكنها كانت ترى انسجامها مع زوجها في رقصهم ونظراته التي شملتها بحب وتناسقهم معاً؛ إذاً لماذا هي تشعر بالجفاء؟ هو الآن قريب منها، تسمع دقات قلبه، تحس بأنفاسه، تستنشق عطره، لكنها تشعر أن بينها وبينه طريقاً بعيداً جداً، تشعر بالخواء كأنها في صحراء قاحلة.
وأمامهم بمسافة ليست ببعيدة، وقفت "ندى" تتأملهم بسعادة وتدعو لهم، كانت تتمايل بعفوية وتسيل دموعها رغماً عنها، لتجد من يحيط جسدها ويضمها بخفة ثم يمد يده يمسح دموعها برفق ويعاتبها بحنان:
-طب أنتِ فرحانة بتعيطي ليه دلوقتي؟
تنهدت تطالعه بابتسامة تبرر له دموع فرحها:
-فرحانة يا "طارق"، فرحانة أوي.
عاد يضمها بخفة ويشاركها سعادتها:
-عندك حق، أنا كمان فرحان أوي، ابننا اتجوز يا "ندى" وحلمنا تحقق، ربنا يوفقه يارب وتشوفي ولاد ولاده يا تيتة.
قالها مازحاً وهو يقرص وجنتها، لتجيبه بذات المزاح:
-آمين يا جدو.
ضحك الاثنان معاً قبل أن تتوقف فجأة تلتفت نحوه وتخبره بحزن:
-على قد ما فرحانة لابني، على قد ما زعلت على "رحمة" واللي عمله أبوها، هو فيه أب بالجحود ده؟
زفر نفساً طويلاً وقال يؤيد حديثها:
-عندك حق، نغص عليها فرحتها.
لتكمل بإشفاق وهي تشير له بعينها نحو "سماح" التي وقفت تتأمل ابنتها بسعادة مجروحة:
-حتى "سماح" بتحاول تخبي كسرتها بالضحك والزغاريد، ربنا ينتقم منه، طب كان على الأقل كمل معاها الفرح.
أمسك يدها وابتسم، كأن فكرة مفاجئة داهمته:
-إيه رأيك نحاول نخفف عنها شوية؟
قطبت حاجبها تسأله بحيرة:
-إزاي؟
-ثواني وهتشوفي.
ثم تركها تتبعه في ريبة واتجه نحو منظمة الحفل.
انتهت تلك الرقصة ليتوقفوا فيصفق لهم الجميع، وكادا أن يعودا إلى مكانهما لكنهما سمعا منظمة الحفل تقول:
-لو سمحتوا، بنطلب من العروسة تفضل مكانها، بابا عاوز يرقص معاها..
تجمدت في مكانها واتسعت حدقتاها تلتفت يميناً ويساراً تبحث عنه بين الحضور وقلبها يخفق بشدة تنتظر ظهوره، لكنه لم يظهر ليعبس وجهها بخيبة أمل تبدلت بابتسامة امتنان وهي تجد "طارق" يقترب منها حتى وقف أمامها يخبرها بابتسامة:
-تسمحي لي بنتي حبيبتي أرقص معاها؟
تجمعت الدموع في عينيها وخانتها الكلمات التي اختنقت في صدرها لتهز له رأسها بالموافقة. أمسك يدها يراقصها فسالت تلك الدمعة الحبيسة فمسحتها بحرج.
-"رحمة" يا بنتي، أنتِ من النهاردة عندي زي "ورد" وأكتر، أنتِ بنتي، أنا مش هقول لك اعتبريني أبوكي، لا، أنا هقول لك أنا أبوكي اللي لو خفتي هتلاقيني موجود، لو ابني زعلك هتلاقيني في ضهرك، لو حد من بناتي أو مراتي نفسها زعلك تعالي واشكي لي وهتلاقيني سندك، ولو أنا زعلتك تعالي واشتكي لي وسامحيني عشان أنا مابحبش حد يزعل مني..
قال كلماته الأخيرة بمزاح لتبتسم بخجل.
-ها قلتي إيه، موافقة؟
أصابها الإحراج ولم تعلم بماذا تجيب ليسترسل هو وصلة مزاحه يحاول التخفيف عنها:
-لأ ما هو لازم تقولي موافقة، أنا بقدملك إغراءات، لاحظي أهمهم هملص لك ودان "زياد" ابن أمه اللي فرحانة بيه.
ثم انحنى يهمس لها:
-بيني وبينك دي فرصة بالنسبة لي أنتقم منه وهو مشاركني فيها.
ضحكت على حديثه لترفع عينيها وتقول مبتسمة:
-موافقة.
-خلاص من النهاردة تناديني بابا، تمام؟
-تمام.
ليدعي الانزعاج ويقول بحدة مصطنعة:
-غلط، تمام يا إيه؟
ارتجفت تلك الكلمة على لسانها كأنها ثقلت أو نسيت كيف تنطقها، لكنه منحها الحنان لتجبر لسانها على لفظها طواعية لأنه يستحق أن يسمعها، لتخرج تلك الكلمات متقطعة:
-تمام... يا بابا.
اتسعت ابتسامته يخبرها بفخر:
-شاطرة يا "رحمة".
اضطربت أنفاسها تطالع ابتسامته التي كانت كنسمة هواء باردة هبت على روحها المحترقة فأطفأت لهيبها. تحركت عيناها نحو "ندى" التي تراقص "زياد" وعيناها تراقبها بحب، لتتنهد بارتياح؛ ربما الحقيقة الجميلة التي أحست بها اليوم أنها كسبت عائلة رائعة.
**************'' '' *****************
جذب يدها يسحبها إليه رغم اعتراضها، لكنه استطاع إقناعها بإشارة من عينيه ليحيط خصرها يضمها إليه. وضعت يدها على صدره تبتسم بخجل ليعاتبها بحدة:
-يعني واحد ومراته، فيها إيه لما يرقصوا سوا؟ لازم يعني جو الدراما والكسوف؟ هو إحنا بنسرق لا سمح الله؟ ده إحنا عشرة سنين وأنا جوزك على فكرة.
قالها بتهكم لتضحك على قسمات وجهه الممتعضة وتعتذر بدلال:
-عندك حق يا روحي، أنا بس بتكسف.
ثم انحنت نحو الأمام مقتربة منه تخبره بمخاوفها:
-بخاف نتحسد يا "فارس"، مش شايف الناس بتبص لنا إزاي؟
قالتها تتلفت حولهم بقلق تراقب أعين الناس المحيطة بهم، ليرفع كتفه بعدم اهتمام:
-ميهمنيش أي حد ولا يهمني بيقولوا إيه وإيه رأيهم، الأهم عندي أنا وأنتِ وبس، أصلاً أنا مش شايف حد غيرك.
لمعت عيناها بعشق ملأ قلبها وحبه يزداد مع الزمن، حتى أصبحت تشعر أنهم شخص واحد يتشاركون نبض القلب والأنفاس. سندت رأسها على صدره بأمان دون أن تعقب، لكنها ابتعدت فجأة عندما لمحت" شمس " "رحمة" ترقصمع طارق لتسأله بفضول:
_فاكر ليلة جوازنا يا "فارس"؟
ضح ساخرا وقال يؤنبها:
_ما بلاش الذكرى دي بالذات.
بادلته الضحك ورفعت يديها تحيط رقبته تسأله ببلاهة مصطنعة:
_طب وليه بلاش؟
_عشان أنا في اليوم ده كان نفسي أقطم رقبتك وأقطع لسانك.
تجهم وجهها وأصابتها كلماته بدهشة، انحدرت يدها لتستقر على صدره من جديد قبل أن تقول بضيق:
_يا ساتر! إيه جو الإجرام ده؟
ثم لوت شفتها بسخط وأردفت مستنكرة:
_ده المفروض أنا اللي كنت أتمنى أعمل ده مش أنت يا ابن "الجوهري".
خفض رأسه يسند جبهته على جبهتها ليلكمها بخفة، ثم عاد معتدلاً يلومها:
_وهو أنتِ ما عملتيش؟ ده أنتِ وقفتي في وشي ولا همك، مديتي إيدك تخربشي زي القطة الشرسة ، ومن ساعتها و"فارس" وقع في غرامك وبقى أسير حبك.
ضحكت على قسمات وجهه التي تتغير مع تغير نبرة صوته التي رقت في ختام كلماته، لتأخذ نفساً عميقاً قبل أن تزفره بقوة وعيناها تبحر في عينيه كأنها وجدت مرساها بعد عاصفة تلك السنين.
-وأنا كمان وقعت في حبك يا قلب "شمس"، وبقيت أسيرة لابن "الجوهري" بعد ما كنت "شمس" اللي محدش يقدر يوقعها.
-كدة نبقى متعادلين، فاضل بس مين بيحب التاني أكتر، ودي محسومة ليَّ أكيد، اوعي تنكري.
قالها يغمز لها رغم جدية حديثه، لكنها ابتسمت تحرك كف يدها على موضع قلبه تجيبه بهيام:
-مش هنكر يا "فارس"، طول السنين اللي فاتت وأنا عايشة بكرم حبك اللي محاوطني بيه، وعارفة إني أهم حاجة في حياتك... بحبك يا أحلى حاجة في حياتي.
-وأنا بعشقك يا روح "فارس".
**************************
على طاولة ليست ببعيدة، جلس "علي" يتحدث مع والده الذي كان يطلب من "صفاء" المغادرة، فهو لم يعد يتحمل صخب المكان، ليحاول إقناعه بالعدول عن قراره والانتظار قليلاً فقط:
-يا بابا خليك شوية كمان عشان خاطر "طارق".
يا بني أنا ما عدش ليَّ طاقة للأفراح، هخلي واحد من الولاد يوصلني.
التفتت "صفاء" نحو "علي" تؤكد حديث زوجها، تشير نحو "حسين" الذي هرول نحوها:
-أبوك عنده حق هو بيتعب بسرعة، نص ساعة وهخلي "حسين" يوصلنا.
-خير يا "صافي" عاوزة حاجة يا حبيبتي؟
قالها "حسين" الذي انحنى يقبل رأسها.
حبيبي نص ساعة وتعالى رجعنا البيت أنا وجدو.
تركها يحدج جده بنظرات ماكرة، يضع يده على كتفيه ويمازحه:
-عجزت يا "أبو علي" ومبقتش فرفوش، نسيت ليالي السهر والأنس؟
ليبتسم "حسن" على فكاهته لكنه وبخه بلطف:
-اخرس يا ولد، سهر إيه وأنس إيه؟ ما تحترم نفسك!
لينحني يخبره بصوت منخفض سمعه الجميع:
-هتنكر ده؟ الكل بيقول "حسن الجوهري" كان راجل فرفوش.
رمقه بنظرة جانبية يستهجن حديثه وقال مستنكراً:
-لا يا حبيبي، أنا عاقل وطول عمري في حالي، حتى اسأل "صافي" حبيبة القلب.
لتهتف "صفاء" تدعي توبيخه بدورها رغم ابتسامتها العريضة:
-ولد يا "حسين"! ابعد عن جدك، جوزي مش بتاع الحكايات دي.
-كدة يا "صافي"؟ أنا بقيت دلوقت العذول بينكم؟ ماشي، أروح أدور على خطيبتي وأتكلم معاها أحسن.
ثم تركهم مغادراً ليضحكوا على عبوسه المصطنع وانزعاجه المزيف.
التفت "علي" نحو "هدى" التي لم تكن معهم لكن عينيها كانت مسلطة على مكان آخر، تعجب "علي" لينحني يهمس لها بتعجب:
-سرحانة فين وبتبصي على إيه؟
لتشير له نحو "حسن" الذي يجلس على طاولة واحدة مع خطيبته وأهلها مندمج في الحديث مع "أصيل":
-بص يا "علي"، "حسن" فرحان إزاي بخطيبته.
نظر هو حيث تنظر ليبتسم هو الآخر:
-أيوه، ربنا يهنيه يارب.
تنهدت بحزن كانت تخفيه لتبوح به أمامه اليوم:
-كنت خايفة ميلاقيش الإنسانة اللي تعجبه، الحمد لله.
-"سندس" طيبة وبنت حلال، يا زين ما اختار والله.
أومأت له تؤيد حديثه، واتسعت ابتسامتها بحرج عندما شعرت بيده التي تسللت تحت الطاولة تحتضن يدها:
-الحمد لله يا حبيبتي إننا قدرنا نشوف الولاد مرتبطين، عقبال "لوكا" إن شاء الله.
-آمين يارب، إن شاء الله بوجودك يا حبيبي.
ثم أشار لها بعينيه نحو "فارس" الذي يراقص "شمس" ويقول باستهزاء:.
-شايفه "فارس" باشا فرحان وبيرقص ولا كأنه عدى الخمسين من زمان.
-ما تسيبه يفرح.
نظر لها بغيظ قبل أن ينهض ويجذب يدها عنوة يهتف بحماس أضحكها:
-طب اشمعنى هو يرقص ويدلع؟ يلا بينا!
***************************
ولم تكن "هدى" وحدها من تراقب "حسن"، كانت "قمر" أيضاً تراقبه بحسرة تسند جسدها على أحد أعمدة القاعة. تنهدت بحرقة وقلبها يشتعل من الغيرة تبصر سعادته بخطيبته ونظراته المتبادلة معها، لسعت الدموع عينيها وكادت أن تسيل قبل أن يجفلها صوت قادم من خلفها:
-عقبالنا.
انتفضت تلتفت خلفها لتجده يقف تزين وجهه ابتسامة عريضة استفزتها لتقول بضيق:
-"حسين" خضتني!
ليسرع بالاعتذار وخطواته تقترب منها حتى لم يعد يفصل بينهم سوى بضعة سنتيمترات:
-آسف يا حبيبتي.
أربكها اقترابه وكلمة "حبيبي" التي خرجت صادقة تصاحبها نظرات عشق طعنتها بخنجر الندم بدل أن تسعدها، لتعود خطوة إلى الوراء تحاول الهروب لكن نظراته حاصرتها يخبرها بتوق:
-إمتى يجي اليوم اللي أشوفك فيه بفستانك الأبيض؟ أنا بحلم باليوم ده.
ابتلعت ريقها باضطراب وأمنيته تخنقها، تتخيل ذلك اليوم لتغمض عينها تعتصرها بقهر وحلمه ليس سوى كابوس بالنسبة لها، لكنه لم يكتفِ ويرحمها بل أضاف يغازلها:
-أكيد هتكوني أحلى عروسة في الدنيا.
فتحت عينيها تلتقط أنفاسها بضيق تخبره بحدة:
-"حسين" لو سمحت أنا مابحبش الكلام ده، إحنا لسه مخطوبين وأنا...
قاطعها ضاحكاً:
-إيه؟ بتتكسفي؟ خلاص يا ستي أنا آسف عندك حق، خليها لوقتها، أكيد الحقيقة هتكون أحلى من الحلم بكتير.
فاجأها تهكمه والأدهى ثقته بجمال ذلك اليوم، تباً له! تمتمت بها في سرها وكم تتمنى أن يتوقف، فكلماته سهام تمزق قلبها النازف، تضيف له جرحاً اسمه الندم. حاولت الهروب من أمامه لتقول بتلعثم:
-عن إذنك يا "حسين"، ماما كانت عاوزاني وتأخرت عليها.
تحركت من أمامه بخطوات مسرعة دون أن تلتفت وراءها، فظل هو يطالعها مبتسماً وحلمه يلوح أمام ناظريه كأجمل وعود القدر.
************************
شارف الحفل على الانتهاء وعيناها لا تحيدان عن صغيرتها التي ستودعها بعد قليل؛ مزيج من الفرح والفقدان تصارعا داخلها، تتمنى لها السعادة وقلبها يتكوى بنار فراقها؛ كيف ستعود للمنزل وحيدة من دونها؟ اقتربت منها وخشيت أن تنهار لتجر قلبها أن يتحلى بالصبر، ودعت الله أن تسيطر على دموعها كي لا تخونها.
نهض "زياد" يتأبط ذراعها لتسير معه كي تغادر المكان وعيناها تبحثان عنها بقلق، حتى اتسعت ابتسامتها عندما رأتها، لولا تمسك "زياد" بيدها لهرولت نحوها وارتمت بين أحضانها. "ندى" التي شعرت بصديقتها وقفت بجانبها تؤازرها تمسح على ذراعها مطمئنة. وصلت أمامها لتفتح لها ذراعها وعينها معلقة بـ "زياد" تتوسله بصوت مبحوح:
-مش هوصيك عليها يا بني، دي نور عيني، خلي بالك منها يا "زياد".
كلماتها أثقلت كاهله وهي تحمله أمانة لا يعلم هل يستطيع حملها أم سيخونه قلبه العاصي، لكنه شعر بالإشفاق عليها ليسحب "رحمة" يضمها قبل أن يمسح دموعها ويعد "سماح":
_"رحمة" في عيوني متخافيش عليها.
ضربت "ندى" كتفها تعاتبها:
-بطلي عياط متنكديش عليها ليلتها، بنتك هي بنتي يا "سماح" متخافيش عليها.
ثم احتضنتها تقبلها تواسيها وتطمئنها في ذات الوقت، وتشير لـ "زياد" أن يأخذ عروسه نحو الخارج. تبعته هي و"سماح" التي ظلت تنظر لابنتها وتتمنى لها السعادة.
**************************
وقفا أمام مسكنهم الخاص، أحدهم ينظر للآخر بتيه، مشاعره غلفتها الحيرة وسكنتها الغربة؛ أحدهم لا يعرف الآخر ويفترض بهم أن يبدأوا حياتهم معاً بعد قليل. تقدم "زياد" يفتح الباب ويشير لها نحو الداخل:
_اتفضلي.
دخلت ليخفق قلبها بشدة كأن نبضاتها قرع طبول لبداية حرب، دخلت وعيناها تدوران في المكان وهدوئه لا يتخلله سوى صوت قماش فستانها الذي يحتك ببعضه مع خطواتها. توقفت في منتصف الصالة تراقب تفاصيلها بتمعن، فخجلها منعها من التدقيق بها في المرة السابقة عندما حضرت لتراها مع والدتها، لا تنكر أنها تحمل ذوقاً راقياً ربما كانت أجمل مما حلمت به. صوت إغلاق الباب خلفه أجفلها وارتعشت وهي تجد خطواته تقترب منها.
صمت لا يشوبه سوى صوت أنفاسهم المرتفعة قطعه صوت حمحمته المضطربة:
_اتفضلي اقعدي يا "رحمة".
تحركت بخطوات متوترة وجلست حيث أشار لها. زاد توترها وهي تجده يجلس بالقرب منها بعد أن فتح أزرار سترته، أخذ نفساً عميقاً شعرت أنه يحمل حديثاً يثقله، لكنها انتظرت أن تسمع منه ولم يخيب حدسها ليلتفت نحوها يحدق بها برهة من الزمن، عيناه سبقت لسانه وهي تبوح لها بالكثير. خفضت عينيها باستحياء بعد أن طال صمته، ليأتيها صوته المتردد:
_"رحمة"، أنا عارف إننا اتجوزنا بسرعة وإننا مقدرناش ناخد على بعض أو حتى نتكلم مع بعض بصراحة، لكن...
توقفه عن الكلام أقلقها، لترفع رأسها تتطلع له بقلق؛ كان قلبها أحس أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. ابتلع ريقه ومسح على وجهه؛ كان في صراع ما بين خيارين، لكنه اختار أصدقهما كي تكون بدايتهم صحيحة كما أخبره عقله، متجاهلاً عواقب هذا الخيار الطائش ظن انه به يرضي ضميره:
في حاجة لازم تعرفيها قبل ما نبتدي حياتنا سوا