تحميل رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز pdf
بقلم رشا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز.
الفصل 22
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
هنالك جراحٌ لا تحتاج إلى دواء، بل تحتاج إلى زمنٍ كي ننساها ونمحو أثرها، وهناك جراحٌ تحتاج أن نغير جلدتنا حتى نتحمل ألمها.
ظل يطالعها بلا حراك، عينيه مثبتة عليها كأنه يحاول أن يستوعب؛ رغم أن شقيقته أخبرته بطلبها، لكنه ظن أن كلمة "أحبك" قد تكون كفيلة في نزع فتيل غضبها، لكن ما يراه الآن أنها زادت من عنادها وإصرارها.
_"أوعى تفتكر أن كلمة بحبك ممكن تنسيني اللي قلته واللي عملته، لا أنت واحد غشاش، أي كلام هتقوله دلوقت مش هصدقه."
_"بس أنا صادق المرة دي يا رحمة."
جملة قالها بترجٍ لعلها تقتنع وتمنحه فرصة، لكنه تفاجأ بأنها دخلت في نوبة ضحك ساخرة مزجت ألمها وخذلانها، تخبره بقهر بعد أن توقفت:
_"صادق؟ حلو صادق! يعني بتعترف أنك كنت بتكدب عليا كل الفترة اللي فاتت، وأنا الهبلة اللي صدقتك وحبيتك؟"
اشتدت نظراتها وتحولت ملامحها إلى تحدٍ وتوعد:
_"لكن لا، هدوس على قلبي يا زياد وأطردك منه، أنت متستهلش أصلاً وقفتي دلوقت قدامك، طلقني أحسن ما أخلعك."
ظل متسمرًا مكانه ينظر إلى الباب الذي أغلقته في وجهه بألم، اقترب يسند كفه عليه حسرة، ينكس رأسه متمتمًا بندم:
_"خسرتها يا زياد، خلاص."
رحل يجر أذيال الخيبة والندم. أما هي فانهارت باكية، قلبها ينزف بحرقة، وما تمنت أن تسمعه ذات يوم أصبح سكاكين مزقت قلبها بوجع وأنهكت روحها بألم.
*************************
كانت تراقب بحماس وخجل "قمر" وهي تري والدتها الفساتين التي اشتروها معًا، كانت رائعة وباهظة الثمن، فقد أعطاها "سيف" الفيزا خاصته وطلب منها أن تشتري لها كل ما يعجبها، لكنها تركت أمر الاختيارات لـ"قمر" بعد أن أبهرها ذوقها الرقيق وكأنها تعرف ما يعجبها.
أخرجت "قمر" ذلك الفستان ذا اللون الوردي تشهره لوالدتها وتنظر نحو "نور" تخبر والدتها بابتسامة مادحة:
_"شوفي يا ماما دا اختيار نور، شوفي جميل أد إيه."
تلمست "شمس" قماش الفستان وعيناها تشمله باستحسان لتنظر لها مبتسمة:
-"الله حلو أوي يا نور، تسلم إيدك."
أخفضت عينيها بخجل:.
_"متشكرة يا ماما."
لكن ما زاد حرجها هو حضور "سيف" الذي ألقى التحية على الجميع حتى ارتكزت عيناه عليها قبل أن تنتقل نحو "قمر" التي هتفت بلهفة:
_"تعالى يا دكتور شوف فساتين نونو الجميلة."
اتسعت ابتسامته واقترب منهم يجلس بجانب والدته ويطالعهم بسرور وهو يرى سعادتها رغم غطاء الخجل الذي كسى ملامحها، كانت كطفلة فرحة بملابس العيد:
-"وريني يا ستي اشتريتوا إيه.".
وكما فعلت "قمر" مع والدتها فعلت معه وهي تريه الفساتين واحدًا تلو الآخر، وهو ينتقد ويبدي رأيه الذي زاد من حرجها وامتعاض "قمر":
-"يا قمر دا ضيق، أكيد كنتِ اخترتِ حاجة أوسع."
لتقول بتذمر تضع الفستان على جسد "نور" التي ظلت متجمدة بتوتر:
-"يا سيف أهو كويس لا ضيق ولا حاجة."
لكنه أصر بعناد:
-"ضيق يا قمر."
لتجذب "قمر" يد "نور" وتقول بتحدٍ:
"تعالي يا نونو قيسي الفستان عشان نوري جوزك أبو دماغ ناشفة إنه مش ضيق."
وقبل أن تهتف بأي اعتراض وجدت نفسها تتبع "قمر" التي سحبتها نحو غرفتها بخطوات مسرعة.
"شمس" التي كانت تطالع المشهد بصمت أربكه، يعلم أن خلف ذلك الصمت ثورة مكتومة تخفيها تحت ستار الرضا، فوجدها تشغل نفسها عنه تطالع هاتفها تقلب صفحاته بسرعة يدرك معها أنها لا ترى ما أمامها، هي ترى أفكارًا تجوب رأسها وأنها تصطنع ذلك الانشغال، لكنه قرر أن يكسر ذلك الصمت ليجعلها تبوح بما يدور في رأسها، ليقول دون أن يلتفت إليها:
_"ساكتة ليه؟"
نفخت أنفاسها بضيق وقالت بهدوء مزيف:.
_"لو اتكلمت هزعلك."
ليعاتبها بحزن:
_"ليه يا ماما؟"
شعر بجسدها الذي تصلب من شدة انفعالها، تصك على أسنانها لتخرج كلماتها بغضب:
_"سيف، متستفزنيش، بص في وشها وأنت تشوف الفرحة عشان اشترت فستان جميل وعشان بتحقق حلمها، وأنا مش هنكر فضلك في دا يا سيدي، متشكر، لكن فكر معايا بعد أربع سنين وأنت بتنزع منها كل دا، قيمة الحلم مقابل سعادة وإن كانت السعادة دي مؤقتة، هتكون ولا حاجة."
حاول مقاطعتها يناقشها:
_"يا ماما..."
أمسكت ذراعه ولانت لهجتها بعض الشيء وقلت برجاء:
_"يا حبيبي أنت مش قادر تستوعب الموقف، البنت لسه صغيرة عايشة في بيئة منغلقة، أنت يا سيف دلوقتي هتخليها تعيش في بيئة مفتوحة وتتأقلم معاها، وبعد كده هترجع تقولها: لا لو سمحت دا مش مكانك، ارجعي مطرح ما جيتي، أنت فاهم التخبط اللي هيحصلها؟"
ثم أضافت بحقيقة مخاوفها أمامه:
_"كل دا مش بيهمني يا سيف، لكن نور لسه بريئة يا حبيبي، قلبها قلب طفلة، تفتكر في الأربع سنين دي وهي مراتك وأنت بالنسبة لها المسؤول عنها وسندها، مش هتميل ليك؟ قلبها مش هيتعلق بيك؟ عاوز في منتهى البساطة تيجي تقولها:
مع السلامة أنا كدة مهمتي انتهت، وتكسر قلبها للمرة التانية؟ كدة يا بني أنت هتقضي عليها."
تعلقت عيناه بعينيها وكلامها يدور في عقله كدوامات هوجاء يضيع بين ثناياها، لا يعلم ما الخطأ وما الصواب، لكنه تفاجأ بها تتوسل:
-"أوعدني يا بني لو ليك نية تكمل معاها فدا يوم المنى، نور بنت طيبة مش هلاقي ليك زوجة أحسن منها، ولو كنت مش هتكمل معها بلاش تعلقها بيك وخلي حدود في علاقتك معها."
قبل أن يجيبها صلح صوت "قمر" بانتصار وهي تجر "نور" خلفها حتى جعلتها تقف أمامهم:
-"شوف يا دكتور عشان تصدق كلامي."
تطلع لها بانبهار وهو يجدها تخلع عنها ملابس الطفولة وتبدو كامرأة بكامل أنوثتها رغم احتفاظها ببساطتها وبراءة عينيها. هنا أدرك صدق حديث والدته، "نور" ليست طفلة سيقنعها بقطعة حلوى كي يوقف بكاءها وينسيها حزنها، "نور" امرأة ناضجة تقودها مشاعرها، لكن مهلاً! لماذا رف قلبه عند رؤيتها؟
تحديقه بها جعلها ترتبك وجعل "قمر" تتسع ابتسامتها وتقول تمازحه وهي تنظر إلى والدتها:
_"إيه رأيك يا ماما مدام سيف لسه بيفكر؟"
_"جميلة أوي يا بنتي ما شاء الله تبارك الرحمن."
أجابتها "نور" على استحياء:
_"متشكرة يا ماما."
لتشاكسه "قمر" من جديد:
_"هااا يا دكتور، مسمعتش رأيك."
ليمثل الانزعاج قائلًا:
"كويس يا قمر، خلاص أنتِ اللي كسبتي."
رمقته بنظرة جانبية قبل أن تشير نحو نفسها بفخر:
_"دا أنا قمر الجوهري يا بني، عيني مقياس."
ليستهزئ بها:
"حوشي غرورك يا بنت الجوهري، أحسن طفح عليا."
ليضحك الجميع على استهزائه حتى "نور" التي كتمت ضحكتها بحرج.
لاحقًا في منزل "فارس"، حضر كي يشاهد مباراة مصركما دعاه "فارس"، والتي كان من المفترض أن تبدأ عند الثانية فجرًا.
وصل هو متأخرًا ليعاتبه "فارس" الذي استقبله بترحاب:
_"مش كنت تيجي تتعشى معانا؟"
اعتذر له كما اعتذر لخالته التي عاتبته ذات العتاب:
_"معلش أصل كنت معزوم عند واحد صاحبي، وأنا أصلاً أكلي خفيف بالليل."
_"شوف أهي فاتتك المكرونة بالبشاميل بتاعة خالتك."
اقترب منها يقبل رأسها بأسف:
_"حبيبتي أكيد تحفة، تسلم إيدك يا أحلى خالتو في الدنيا."
مسحت على ظهره بحنان:
_"حبيب خالتك أنت يا غالي."
حدجها "فارس" بضيق مزيف وقال يمثل الانفعال وهو يجذبها نحوه يضمها وينظر إلى "حسين" يمازحه وسط ضحكات "شمس":
_"إيه دا يا هانم؟ حبيبك مين؟ أنتِ ملكيش حبيب غيري، أهو عنده مراته تحبه زي ما هو عاوز."
قالها مشيرًا نحو "قمر" التي كانت تقف على مقربة تطالع المشهد بقلب يتألم. إشارة والدها نحوها جعلت عيون "حسين" تنتقل لها بتلقائية لتتعلق عيونهم ببعض لحظات في تواصل
بصري، حتى أنهاه هو عندما أشاح بصره عنها يلقي التحية على "سيف" و"شريف"، واتجه نحو الأريكة يطالع التلفاز معهم في انتظار بدء المباراة. تبعه "فارس" وجلس معهم بينما اتجهت "شمس" لتجلس مع "نور" في الجانب المقابل من الصالة.
بينما ظلت "قمر" متجمدة في مكانها وصورة واحدة تتكون في ذهنها يطبق على أنفاسها سؤال واحد، ترى ماذا سيكون موقف والديها منه عند انفصالهم؟ شعرت بحزن، ستتحطم تلك العلاقة بأبشع صورة، سحبت أقدامها تجبر نفسها على الحركة لتجلس برفقة "نور" ووالدتها.
اندمج الرجال في الحديث وكل منهم يعطي تصورًا للمباراة ويخمن نتيجتها، أما في الجهة المقابلة كانت "نور" تجلس على استحياء تشعر بالغربة عنهم، انتبهت "قمر" التي كانت تطالع هاتفها إلى شرودها فشعرت بالإشفاق عليها وهي تستذكر كيف كانت بريئة وبسيطة طيلة فترة تسوقهم، وكيف كانت عيونها تحمل حزنًا مخفيًا. حزنت لأجلها وهي ترى طفلة -وإن كان عمرها عشرون سنة- لكن ما حدث كسرها وكأن حياتها انتهت عند تلك النقطة. هي اليوم لا تلوم "سيف" على قرار مساعدتها فهي تستحقها، بل وتتمنى لو أخذت هذه العلاقة مجرى آخر وجمعهم الحب بدلًا من الشفقة والمساعدة. نهضت من مكانها وجلست بجانب "نور" تنهي شرودها، تشهر الهاتف أمامها وتقول ضاحكة:
_"تعالي يا نونو أوريكِ صور سيف وشريف وهما صغيرين، خلينا نضحك عليهم."
ضحكت "نور" وهي تطالع معها الصور لتشعر "قمر" بالسعادة وهي تراها تندمج معها، لكن في اللحظات التي تمسك فيها "نور" الهاتف تدقق الصور وتتنقل بينها كانت عينا "قمر" تهرب منها وتذهب إليه، تراقب اندماجه مع أشقائها وتبتسم بتلقائية عندما تراه يبتسم.
مضى وقت وبدأت المباراة وتعالت الهتافات والاعتراضات على الفرص الضائعة، ووسط ذلك الصراخ لمح "سيف" "نور" التي بدأت تتثاءب وعيناها يبدو عليها النعاس الشديد، ترك المباراة واتجه نحوها يحاول إعفاءها من الحرج وهو يجدها تقاوم النوم بصعوبة فقط لخجلها من المغادرة وتركهم، ليقول بأمر:
_"نور، أنتِ مش عندك كلية بكرة؟ يله روحي نامي وإلا عاوزة تتأخري في أول يوم؟"
أومأت له بطاعة وهمت بالنهوض.
حديث "سيف" وصراخ "شريف" المزعج أجبر "شمس" على إغلاق ذلك الكتاب الذي كانت تقرؤه، وخلعت عنها نظارتها الطبية تدعك عينيها وتحرك أصابعها المتشنجة من كتابة الملاحظات وتدوين المعلومات لتنهض بتعب، تقول لـ"نور":
_"خديني معاكِ يا نور، أنا كمان محتاجة أنام."
غادرت "شمس" مع "نور" بعد أن استأذنت، وبقيت "قمر" تشعر بضجر لكنها لم تكن تشعر بالنعاس، لتقرر صنع القهوة للجميع، ذهبت إلى المطبخ وعادت بعد قليل تحمل فناجين القهوة توزعها على الجميع لتقرر متابعة المباراة معهم.
جلست بجانب "شريف" الذي كانت أعصابه مشدودة، عيناه تتحرك مع الكرة بترقب، لكن ما هي سوى دقائق وأحرز فريق الخصم هدفًا جعلهم يصرخون بغضب.
التفت إليها ولكم ذراعها مازحًا وقال بانفعال مصطنع:
_"كله منك يا بومة، أنتِ السبب، جبتينا النحس."
دعكت ذراعها متأوهة والتفتت نحو "فارس" بضيق تشكو له:
_"شايف يا بابا بيعمل إيه؟"
رفع "فارس" كتفيه بلا اكتراث وقال لها مشيرًا نحو "حسين" مستنكرًا:
_"وبابا دخله إيه؟ جوزك أهو، اشتكي له أنا خلاص سلمته الأمانة، هو المسؤول دلوقت."
حديثه أصاب الاثنين بالتوتر لتصمت مرغمة، تتغاضى عن مزاح شقيقها المزعج.
لكن لم تمر دقائق أخرى حتى أضاف الخصم هدفًا آخر، لتتعالى الاعتراضات من جديد والصراخ على حارس المرمى كأنه يراهم! ضحكت "قمر" قائلة وهي ترى "شريف" يصرخ على حارس المرمى ويعاتبه بانفعال:
_"يا أهبل، وهو كده هيسمعك؟"
التفت إليها حانقًا لتشهق بصدمة وهي تجده يحملها، لتصرخ:
_"يا مجنون بتعمل إيه؟"
صرخ "فارس" و"سيف" يلومونه:
"ولد، سيبها، أنت واخدها فين؟"
لكنه تجاهلهم ليتفاجأ "حسين" به يجلسها بجانبه ويرفع ذراع "حسين" ليحيط به جسد "قمر" يضمها إليه كأنه يحبسها بأحضانه ويقول له بانفعال:
_"خلي مراتك جنبك، أوعى تسيبها أحسن خنقتني وهطلع غيظي فيها."
ثم تركه عائدًا نحو مكانه وسط دهشة وضحك "فارس" و"سيف" الذين تمتموا:
_"مجنون!"
ابتلع ريقه بارتباك وهو يجدها بين أحضانه ولم يكن حالها أفضل منه وهي تجد نفسها محتجزة بين ذراعه وصدره تسمع دقات قلبه المرتفعة، ابتعدت عنه بسرعة، وسحب هو ذراعه عنها ببطء لتعتدل وترفع يدها تعيد ترتيب خصلات شعرها المتبعثرة، لكنها لم تغادر مكانها، ظلت تجلس بجانبه تاركة مسافة بينهم تدعي اندماجها بالمشاهدة تخفي اضطرابها بقربه. هو أيضًا لم يكن حاله بأفضل منها، وحمد الله أن صوت التلفاز عالٍ ليضيع معه صوت قلبه الذي يخفق بشدة.
وبعد دقائق من التوتر تعالى صراخهم عندما أحرزت مصر هدفها الأول، هتف "شريف" و"سيف" وصفق "فارس" واكتفى هو بابتسامة.
التفت لها "شريف" وقال ساخرًا:
_"شوفتِ يا بومة جبنا جول إزاي من ساعة ما فارقتيني؟"
أخرجت له لسانها تحاول إغاظته وحركت رأسها مستنكرة كلامه، وما إن التفتت إلى الشاشة حتى كاد فريق الخصم أن يسجل هدفًا لولا حارس المرمى الذي أمسك الكرة، ليلتفت "شريف" هذه المرة نحو "حسين" ويقول بغضب:
_"امسكها يا حسين وحياتك، عندها طاقة سلبية."
ابتسم له "حسين" مجاملة، ورمقته هي بغيض، لكن فرصة أخرى ضائعة جعلته أكثر إصرارًا في طلبه:
_"يا ابني ارحمني وامسكها!"
ارتبك ونظرات "شريف" تحاصره وكأنه يطلب تنفيذ أمره بجدية، كادت أن تتفوه معترضة ليصرخ مرة أخرى مع فرصة ضائعة أخرى:
_"يا ابني امسكها!"
رفع يده بتوتر يحيط كتفها ليرتعش جسدها كما ارتعش قلبه بقربها، لكن ما حدث بعد قليل كان غريبًا، فقد أحرزت مصر هدف التعادل ليعلو الهتاف من جديد ويتجدد الأمل، فدخل "شريف" في نوبة ضحك يضرب كفًا بآخر وعاد يوجه حديثه له يحذره:
_"أوعى تسيبها."
ابتسم ابتسامة باهتة واحتقن وجه "قمر" وهي تسمع ضحكات "سيف" و"فارس" اللذان أيدا "شريف"، فقال "فارس" يمازحها:
_"معلش يا حبيبتي بس شكلك فعلاً أنتِ السبب."
ارتسم العبوس على وجهها وهي تمط شفتها بضيق تستهجن حديثه:
_"كده يا بابا؟ ماشي."
تأثر بحزنها رغم أنه يعلم أنه حزن مزيف ليضغط بعفوية على كتفها، رفعت رأسها نحوه ليبتسم ابتسامة بسيطة بالغت تحركت شفتيها معها قبل أن يهمس لها:
_"بيهزروا معاكِ."
أومأت له متفهمة وابتسمت له، لكن ابتسامتها كانت صادقة كأنها تشكره على مؤازرته لها. عادت عيناه تطالع التلفاز يخشى ضعفه أمامها، تنهدت بضيق عندما حادت عينه عنها، عادت تدعي اندماجها مع التلفاز، لكن عينها لم تكن تطالع المباراة بل كانت تعيش مباراة من نوع آخر ما بين عقلها وقلبها؛ أحدهما بدأ ينبض باهتمام لتفاصيله والآخر يذكرها بوضعهم، أحدهما يدعوها للاقتراب والآخر يحذرها، ربما قد فات الأوان.
لكنها وفي خضم ذاك الصراع وجدت عينها ترصد أبسط حركاته، وشعرت بيده التي انسحبت تفلت جسدها تجبرها على الابتعاد لتعتدل من جديد تشعر ببرودة جسدها الذي فقد الدفء بابتعاده. صراخ "شريف" الذي دوى فرحًا بعد أن أحرزت مصر هدف الفوز جعلها تنتبه لتلك الأفكار التي أصبحت تداهمها بقربه.
انتهت المباراة وعم الفرح بالفوز ليلتفت إليها ويقول بأمر:
_"يلّه يا قمر عشان نروح."
همت بالنهوض ليأتيه صوت "فارس" المعترض:
_"على فين؟ أنت هتبات عندنا، الوقت متأخر والفجر قرب يأذن، أوضة قمر موجودة وسريرها كبير يقضيكوا إنتوا الاتنين."
أصابه حديث "فارس" بصدمة ليرفض بسرعة:
_"متشكر يا عمي، الشوارع أكيد دلوقت مليانة ناس سهرانة، متخافش."
رفضه ووجه بحدة من "فارس" الذي أمره بحزم:
_"ولد اسمع الكلام، مزعلنيش منك."
ثم اتسعت ابتسامته يضيف في محاولة لإقناعه:
_"وبعدين أنا عازمكم على فطار ملوكي في الحسين، حلاوة الفوز."
_"حلاوتك يا بوب! أهو دي العزومات وإلا بلاش، مشاوي ولحمة رأس، حسين متضيعش الفرصة، أنا بنصحك."
هكذا هتف "شريف" ليؤيده "سيف":
_"أيوه يا بني، حد يضيع عزومة فارس باشا؟"
حاصرته نظراتهم تدفعه نحو الموافقة حتى وجد نفسه يقول بقلة حيلة:
_"خلاص موافق."
**************************
تمدد على ذلك السرير الذي هجره منذ أن غادرت هي المكان، استدار باتجاه مكانها الخالي ومد يده يتلمسه، برودته التي أصبحت تشبه برودة حياته بدونها، ليتنهد بحسرة قبل أن يسحب وسادتها ويحتضنها، يمرمغ أنفه على قماشها يستنشق عطرها العالق عليها، ليأخذ نفسًا عميقًا يعترف به لنفسه، لقد اشتاق لها، لتأخذه الذكريات إلى ذلك اليوم عندما كان يجلس على السرير يمسك هاتفه بيده ويتنقل بين المواقع ليفاجأ بها تندفع إلى الغرفة وعينها تدور في كل الاتجاهات كأنها تبحث عن شيء، انحنت ترفع غطاء السرير وتنظر تحته ثم نهضت تنظر جانبه ليسألها مستفسرًا بعد أن استشعر حيرتها:
_"بتدوري على إيه؟"
التفتت إليه تنظر له بارتباك وقالت بخجل طغى على كلماتها المتقطعة:
_"بدور على بيبو."
قطب حاجبيه بدهشة وسألها بفضول:
_"بيبو مين؟"
تحمحمت بحرج وهي تجيبه بتردد:
_"بيبو، الدبدوب بتاعي، أصلي ما بعرفش أنام من غير ما أحضنه."
كتم ضحكته حتى لا يزيد من حرجها وأشار لها نحو دولاب ملابسها:
_"شوفته مرمي على الأرض وحطيته في الدولاب."
ذهبت ناحية الخزانة بخطوات خجلة وأخرجته لتعلو شفتيها ابتسامة عريضة قبل أن تستلقي على السرير تدثر نفسها بالغطاء وتحتضنه تغلق عينيها تهرب من عينيه التي تتبعها بتعجب ليضحك عندما سمعها تقول:
_"متضحكش عليا، أنا متعودة ما أنامش من غيره، من صغري."
عاد من ذكرياته ولا زالت ابتسامة الماضي مرسومة على وجهه لتأخذه لذكرى أخرى، عندما توطدت علاقته بها وأصبحت تحتضنه بدل دميتها قبل أن تنام ليسألها مشاكسًا:
_"إيه دا؟ هو أنا بقيت مكان بيبو؟ أحسن بيبو يزعل."
ضحكت على كلامه وزادت من احتضانه تتمسح به بحب وتقول بهيام:
_"مش هيزعل عشان عارف إنك حبيبي، وحضنك عندي بالدنيا كلها."
عاد من ذكرياته هذه المرة يمسح دمعته الهاربة بوجع ويلوم نفسه بحرقة، يزيد من احتضان وسادتها يقبلها ويتمتم بقهر:
_"وحشتيني أوي."
***************************
تبعها بارتباك إلى غرفتها، فتحت له الباب فدخل بخطى متوترة، لكنها استأذنت منه وغادرت تاركة إياه يتجول في غرفتها بشغف، عينيه تتجول في جميع تفاصيلها وصورها الموضوعة على طاولة المذاكرة خاصتها، ثم انتقل إلى مرآتها وتلك الإكسسوارات التي وُضعت على طاولة الزينة، غرفتها تشبهها، أمسك زجاجة العطر وفتحها يستنشق رائحتها التي يعشقها، سارت عيناه على سريرها ليقترب حتى أصبح أمامه، كان واسعًا كما وصفه "فارس"، جلس على حافة السرير وسارت أصابعه على وسادتها ببطء تتلمس نعومتها، يتخيل وجهها عليه، لحظة إدراك صفعته فيها كرامته تنهره على تلك المشاعر التي خرجت منه بلا وعي منذ أن حطت قدماه تلك الغرفة، أخرج هاتفه من جيبه وحاول أن يشغل نفسه عن التفكير بها طيلة فترة انتظارها.
دقائق مرت ووجدها تفتح الباب تحمل وسادة وملابس، اقتربت منه بتوتر وقالت بصوت مرتبك:
_"دي غيارات جبتهالك من سيف عشان تبقى مستريح وأنت نايم."
التفت إليها يرسم الجمود على وجهه لينهض يلتقط منها الملابس يشكرها ببرود:
_"متشكر."
عيناها تبعته حتى أغلق باب الحمام الملحق بالغرفة، سحبت وسادتها التي كانت تتوسط السرير ووضعت وسادة خاصة له لتقرر أن تغفو حتى تعفيه وتعفي نفسها من الحرج.
بعد قليل خرج من الحمام يحمل ملابس ويضعها على الكرسي واقترب من السرير الذي احتل جسدها جزءًا منه، تمدد يواليِها ظهره ويستجدي النوم، لكن وهل يستطيع النوم وهي تشاركه سريره وتقاسمه أنفاسه؟
أما هي فقد هرب النوم من عينيها تنظر إلى ظهره وتلك المسافة التي تفصل بينهم تبتسم وهي تتذكر أحداث هذه الليلة لتتفاجأ به يستدير باتجاهها كما تفاجأ هو باستيقاظها لتسأله بخجل:
_"لو مش مرتاح أنا ممكن أخرج أنام في أي مكان تاني."
احتضن جسده بيده وقال بلامبالاة:
_"ملوش داعي، أنا بس متعود أنام على جنبي اليمين."
_"تحب نبدل؟"
_"لا، كدة تمام.".
ظل أحدهما ينظر إلى الآخر لحظات نسيا فيها الزمن وتناسوا وضعهم حتى أجبر عينيه على إغلاق أجفانه قبل أن يفضحه قلبه المرتجف بين أضلعه.
أما هي فلم تستطع غلق عينيها بل ظلت تحدق به كأنها تراه للمرة الأولى، تسأل نفسها لماذا بدأت تتقبل وجوده ولم تعد تنفر منه؟ أ لأنها تعلم أنها فترة مؤقتة؟ أم لأنها تراها فعلًا للمرة الأولى وأنها لم تكن تراه في الماضي؟
حل الصباح وأيقظه اتصال "فارس" الذي أخبره أنهم ينتظرونه، أغلق الهاتف يدعك عينيه التي لا زالت ترغب بالنوم ليفتح أجفانه المثقلة بصعوبة، اتكأ بمرفقه واعتدل، التفت ليجدها تغفو بجانبه، ابتسم ساخرًا بقهر، كم كان يحلم أن يفتح عينيه كل صباح على وجهها الجميل وها هو اليوم حلمه يتحقق، لكن بينه وبينها مسافة بعيدة. ظل يتأملها برهة من الزمن، لقد اشتاق للنظر لوجهها دون قيود ولم يستطع كبح رغبته في لمس خصلات شعرها، ليمد يده وقبل أن تلمس خصلاتها الناعمة تجمدت في الهواء وصوتها وهي تخبر "ورد" بعدم حبها له دوى في أذنه كجرس إنذار يوقفه عن تهوره، سحب يده بعنف كأنه يعاقبها وأزاح عن جسده الغطاء ينفض معه مشاعر تشعره أنه كان مغفلًا ذات يوم.
*************************
سار في ذلك الممر رغم أنه يعلم أنه ليس طريقه، لكن شيئًا ما كان يجذبه ليسير لعله يلمحها صدفة، بعدها واختفاؤها المفاجئ أثار ريبته، جعل يسأل نفسه هل أخطأ في كلمة؟ كان يسير وعقله يعيد عليه كلامه كشريط كاسيت يسرد ما حفظه، تنهد يؤكد لنفسه بثقة:
_"ما قلتش حاجة غلط يا أصيل."
ليكرر السؤال ذاته:
_"أمال اختفت ليه؟"
تنهد بشوق لم يستطع تجاهله ولام نفسه يعاتبها:
_"مالك يا أصيل، حالك متلخبط كدة ليه؟ ما تتقل شوية!"
رفع رأسه يحاول أن يخرج من دوامة أفكاره ليطالع الطريق أمامها، بدأ اليأس يتسلل إلى قلبه عندما أوشك أن يصل إلى النهاية، حتى لمحها تقف عند زاوية بعيدة مع إحدى زميلاتها، ظل ينتظرها حتى وجدها تبتعد عنها.
اقترب مدعيًا أنه رآها صدفة وقال بلهفة مبتسمًا:
_"إيه دا؟ مليكة! إزيك، إيه الصدفة دي؟"
بادلتُه الابتسامة باضطراب:
_"أهلًا يا دكتور، أهو بداية سنة جديدة وأنت عارف بحب أستعد من البداية."
طالعها باستحسان وقال مادحًا:
_"برافو عليك."
صمت لحظة قبل أن يسألها بتردد:
_"بس مبقتيش تبعتي فيديوهات، أوعى تكوني خسرتِ في امتحانات الكورس؟"
ابتسمت ابتسامة هادئة تخفي خلفها السبب الحقيقي وقالت بتلعثم:
_"لا الحمد لله، الكورس عدى على خير، بس حسين بقى اللي قيّم آخر فيديوهين."
بهتت ملامحه وابتلع باقي حديثه حين شعر بأنها تلمح لشيء، ربما أنها تضع حدودًا لها معه، وازداد توتره عندما اقتحمت عقله فكرة أن "حسين" ربما علم ومنعها من الحديث معه. صمته الذي طال أثار ريبتها لتقرر إنهاء هذا اللقاء عندما نظرت لساعة يدها وقالت كاذبة:
_"عن إذنك يا دكتور، بس أنا عندي محاضرة بعد دقايق وخايفة أتأخر، فرصة سعيدة."
تجاوزته قبل أن تسمع رده، تضع يدها على قلبها كأنها تربط عليه وتهدئ نبضه الذي تسارع عند رؤيته، أغمضت عينيها تغمغم:
_"هو دا الصح يا لوكا."
أما هو فتسمر مكانه ولم يلتفت حتى إليها، يوبخ قلبه المشتاق لها أن يتوقف، ويعزم على وضع حد لتهور ذلك القلب.
************************.
في أحد الكافيهات المطلة على نهر النيل، جلس أمامه يروي له ما حدث اليوم، وكيف أصر "فارس" على دعوتهم لطعام الإفطار، وكم كانت الأجواء جميلة، وكيف استمتع بتلك الوجبة اللذيذة، كان يثرثر وحده و"زياد" يستمع له بصمت حتى توقف وسأله بعد أن لفت نظره شحوب وجهه:
_"زياد، مالك؟ أنت بقالك فترة مختفي، قلت يمكن مشغول في العيادة أو في البيت، ولولا إني أصرّيت عليك إني أشوفك ما كنتش جيت. مالك يا صاحبي؟ وشك مخطوف وعينيك ذبلانة، هو فيه إيه؟"
تنهد بألم وقال بصوت مرهق:
_"تعبان يا حسين."
أصابه القلق ليربت على يده الموضوعة على الطاولة وقال بخوف:
_"اتكلم يا زياد، شغلتني."
سرد له "زياد" بلا وعي كل ما حدث كأنه يريد أن يلقي بثقل همومه، وحافظ على شخصية حبيبته مجهولة، باح له بكل شيء حدث ليجد وجهه قد تجهم، فقد تسلل الشك إلى قلبه فسأله:
_"أنا أعرف البنت دي؟"
أصابه التوتر ونفى بصورة قطعية وعينيه ترسم ثقة مزيفة:
_"لا أكيد، بقولك زملتي يا حسين، وحب من طرف واحد."
ليسأله بضيق:
_"أمال إيه اللي خلاك تتكلم تاني بعد ما قفلت الموضوع؟"
ابتلع غصة مرة وهو يتذكر خيانته له بندم، لكنه حافظ على ثباته يمثل الحنق منه:
_"ما قلتلك شفتها هي وجوزها في المستشفى."
قبض "حسين" على يده بقوة كأن ما يقوله "زياد" جمرة وضعت على نيران قلبه الخامدة فأشعلتها من جديد، ليقول بانفعال:
_"ولما أنتم قلبكم مشغول بتوافقوا على الجواز ليه؟"
كرر "زياد" حديثه بصدمة:
_"أنتم؟ أنت تقصد مين يا حسين؟"
تدارك ما تفوه به ليحاول تصحيح خطئه وهو يخبره بتلعثم:
_"أقصد أنت وافقت ليه عشان تنسى مش كدة؟ اعتبرت رحمة علاج حب فاشل، بس ما فكرتش بقلبها اللي انكسر ولا حطيت اعتبار لمشاعرها اللي دست عليها بالجزمة كأنها حجر من غير مشاعر."
استغرب طريقته الهجومية وحاول أن يبرر له بصدق:
_"لا يا حسين، أنا فعلاً كنت عاوز أنسى، وصدقني أنا حبيت رحمة، حبيت طيبتها وحنيتها، وكنت صادق لما طلبت فرصة تانية."
ابتسم ساخرًا وقال بتهكم:
_"بعد إيه؟ بعد ما دمرتها؟"
_"يا حسين أنت أكتر واحد عارفني، واللي حصل كان غصب عني، حسيت إني بكذب عليها وبظلمها."
_"وإيه الجديد؟ ما أنت فعلاً بتظلمها."
اختنق صوته وقال بحرقة:
_"اكتشفت إنها وحشتني أوي، وحياتي بدونها مالهاش طعم، أنا حبيتها يا حسين صدقني، الأيام اللي فاتت عرفتني مكانتها عندي، يمكن تضحك عليا وتقول حب بين يوم وليلة بس باين إنه مش بين يوم وليلة، أنا الظاهر كنت بحبها وبنكر، عايش في وهم زي ما حكى بابا."
_"وإيه فايدة الكلام دلوقت وهي رافضة؟"
كانت هذه جملة "حسين" الذي يعيش ما تعيشه "رحمة" ويشعر بوجعها.
_"طب أعمل إيه عشان ترجع؟ مستعد أعمل أي حاجة بس ترجع."
_"الزق لها."
كلمة قالها "حسين" مستهزئًا، لكنها رنت في عقله يكررها بتفكير حتى اتسعت ابتسامته وهتف بما جعل "حسين" ينظر له بدهشة:
_"يا حبيبي يا حسين، كنت عارف إنك هتساعدني، فعلاً دا أحسن حل."
مال "حسين" برأسه ينظر له بتعجب وقال ساخرًا:
_"أنت اتجننت يا ابني؟"
قهقه ضاحكًا يخبره بسعادة:
_"شكلي كدة يا صاحبي."
**************'' '*************
كانت جالسة في الصالة تقرأ وردها اليومي عندما انتفضت بفزع، وأغلقت المصحف بوقار قبل أن تضعه بجانبها، وتراجع قلبها في صدرها حين اقتحم الشقة كعاصفة هوجاء، يصرخ في وجهها بغضب جحيمي:
_"إنتِ عملتِ 'لايك' لصاحب الحساب ده؟!"
ارتعش جسدها بالكامل وهي تطالع هيئته التي لا تبشر بأي خير؛ ملامحه المشتعلة وحركاته العنيفة جعلت الأفكار تتشتت في رأسها، راحت تحاول جاهدة استرجاع ما فعلته، وما الخطيئة التي ارتكبتها لتستحق هذا الهجوم!
تعالى صراخه مجددًا وهو يقذف الهاتف نحوها، وعيناه تقدحان شرارًا:
_"ردي يا هانم! إنتِ عملتِ لايك ولا لأ؟!"
التقطت الهاتف بيدين مرتجفتين، وما إن وقعت عيناها على الصفحة حتى اتسعت عيناها بذهول؛ لم تكن سوى صفحة شاعرٍ رقيقٍ أعجبها ما يكتب، بل إنها كانت قد احتفظت بإحدى قصائده وأرسلتها له بالأمس تعبيرًا عن حبها.
رفعت نظرها عن الشاشة، وقالت بصوت متهدج تسبقه دموعها التي لم تستطع حبسها أمام هذا القهر:
_"أيوه.. دا الشاعر اللي بعتلك شعره إمبارح، وقلتلك إنه بيوصف حبي ليك!"
تسمّر في مكانه، وبدأت حدة نظراته تذوي وهو يرى دموعها تنهال، ويسمع تبريرها البريء الذي سحق جبروته في لحظة، لكنه سأل بنبرة خفت حدتها قليلًا، وإن ظل يغلفها الارتباك:
-"طيب.. وعملتِ لايك ليه؟"
تعالت شهقاتها وهي تقول بمرارة:
_"ما كنتش أعرف إن ده هيزعلك.. أنا بس الشعر عجبني، وكنت ناوية أبعتهولك أنت!"
لم تعد تقوى على الوقوف أمامه أكثر، رمت بكلماتها الأخيرة بقلب مكسور، وهرولت هاربة نحو غرفتها، تحتمي بداخلها من قسوته.
وقف في مكانه، مسح على وجهه بضيق شديد يلوم نفسه؛ فقد كانت دموعها كفيلة بإطفاء نيران غضبه، ليحل محلها شعور ثقيل بالندم على ما اقترفه لسانه في لحظة طيش وانفعال.
جلس بثقل يلوم نفسه وهو يسمع صوت بكائها، وبعد دقائق هدأ واتجه نحو الغرفة ليعتصره قلبه بندم وهو يراها تجلس على السرير تكفكف دموعها المنهمرة، اقترب منها بتوجس حتى جلس أمامها، لكنها أشاحت بوجهها المحمرّ من شدة البكاء إلى الناحية الأخرى تسمع نداءه الخافت دون أن تجيب:
_"سندس... حبيبتي."
طأطأ رأسه بخزي وقال باعتذار:
_"أنا أسف يا حبيبتي، أنا انفعلت عليكي، بس اعذريني، أنتِ عارفة إني عصبي."
رمقته بنظرة جانبية مستهجنة دون أن تعقب، ما جعله يتنهد بيأس ومد يده يسحب يدها وانحنى يقبلها ويعاود اعتذاره:
_"سندس، أنا اعتذرت وبعتذر تاني أهو."
لم تستطع التماسك، فتعالى صوت بكائها وكأن اعتذاره أصبح يؤلمها أكثر، وهل تكفيها كلمة اعتذاره لتغفر اتهامه؟
انهيارها الصامت قطع نياط قلبه ليجذبها يحتضنها بقوة رغم اعتراضها، يشدد من ضمها ويحاول تهدئتها:
_"متعيطيش يا حبيبتي أرجوكِ."
دفء أحضانه منحها الأمان لتتحدث تشكو له قسوته وتعاتبه بحرقة:
_"أنا ما كنتش أقصد يا حسن حاجة، أنا متربية وبنت أصول ومش هغلط، أنا مش مستهترة، وإن كنت هغلط ما كنتش هبعتلك الشعر."
مسح على ظهرها وقبل رأسها بأسف:
_"عارف يا روحي، أنتِ أحسن بنت في الدنيا، بس أنا بحبك أوي وبغير عليكي غصب عني، اعذري غيرتي عليكي يا قلبي."
تعالت شهقتها وقالت بصوت مبحوح تلومه:
_"بس أنت بتوجعني كده."
شدد من ضمها من جديد يعتصر جسدها بندم قبل أن يبتعد يقبل جبهتها قبلة طويلة، يحيط وجهها ويمسح الدموع بإبهامه:
_"سامحيني... والله غصب عني... بحبك... دا أنتِ أغلى عندي من روحي."
ظلت تحدق به لحظات لا تعلم بماذا تجيبه وقلبه لا يزال مكسورًا ليسألها بلهفة:
_"هاااا سامحتِني؟"
ترددت لحظات قبل أن تومئ له بالموافقة ليعاود احتضانها من جديد ويقول بسعادة:
_"بحبك."
أما هي فظلت تفكر داخل أحضانه؛ ترى هل أخطأت عندما سامحته؟ أم هو يستحق السماح؟ فهي ترى صدق حبه في عينيه.
الفصل 23
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
في هذه الحياة طرق نسيرها بمحض إرادتنا، وأخرى نجبر أن نسيرها مرغمين، وبين مفترق الطريقين نقف، نجهل النهاية ونأمل بمستقبل أجمل من حاضرنا.
عادت إلى عملها في دار الأيتام منذ فترة، لكنها عادت بروح مطفأة ميزها الجميع، فيكررون عليها ذات السؤال دوماً: "هل أنتِ بخير؟"، لترسم ابتسامة مزيفة تداري خلفها وجعها وتجيب ذات الإجابة الكاذبة: "نعم، أنا بخير".
تجاوزت تلك البوابة، عيناها بدأتا تبحثان عن أولئك الصغار، كانوا دوماً يلعبون في حديقة الدار صباحاً، تتعالى ضحكاتهم فتطرب مسامعها وتنسيها آلامها ولو مؤقتاً.
انتابها القلق من اختفائهم، وعند باب المبنى الداخلي التقت بزميلتها "أية" لتسألها بتعجب بعد إلقاء التحية:
_"أية"، همة الولاد فين؟
أشارت لها نحو إحدى الغرف وقالت:
_فيه دكتور متطوع جمعهم في درس توعوي.
قطبت حاجبيها بتعجب، تردد ما أخبرتها به بدهشة:
_دكتور متطوع؟
_أيوه، ومز كمان!
مطت شفتيها بعدم اهتمام وقالت تهز رأسها بقلة حيلة:
_وأنا مالي مز ولا لأ، بس غريبة!
ذهبت إلى إحدى الغرف المخصصة لهم وتفاجأت بباقة زهور كبيرة وضعت على الطاولة الخاصة بها.
اقتربت منها بتوجس تتلمسها قبل أن تحملها منبهرة من جمالها، التقطت عيناها ذلك الكارت المرفق، ومدت يدها تلتقطه ليتحول انبهارها لتعاض عن علمت بهوية المرسل، قرأت الكلمات بضيق:
_صباح الخير على أحلى عيون، وحشتيني يا "رحومة"..... بحبك..... "زياد".
قذفت الباقة على الطاولة باشمئزاز كأنها تحمل وباءً، والتقطت ذلك الكارت تمزقه وتنثر أجزاءه على الطاولة بإهمال.
لكن غضبها تصاعد عندما هداها تفكيرها إلى هوية الطبيب المتطوع لتندفع بانفعال نحو تلك الغرفة.
فتحت الباب بحنق دون استئذان لتجد الأطفال ملتفين حوله يتابعون بشغف ما يخبرهم به، اقتربت بخطوات سريعة تباطأت بتعقل عندما وجدت مديرة الدار تجلس في إحدى الزوايا، أشارت لها بتحية واقتربت أكثر.
انتبه الأطفال لوجودها ليهرولوا بسرعة نحوها يرحبون بها بسعادة ويهتفون بصوت عالٍ:
_أبلة "رحمة"!
أحاطوها يتناوبون على احتضانها، ووقف هو يطالعها بقلب خافق يصرخ شوقاً لها، تردد في الاقتراب لكنه خطى خطوة نحوها بحذر، وتسمر مكانه عندما شاهد الغضب مرتسماً على ملامحها، ليقف مكانه يشاهدها تسحب الأطفال خلفها من دون أن توجه أي كلمة له، وتجاهلت حتى وجوده.
تنهد بيأس واستأذن من مديرة الدار، واعداً إياها أنه سيعود غداً مع أدواته يجري فحوصات مجانية للأطفال.
خرج من الغرفة لتتسع عينيه بصدمة وهو يجد الأطفال كل منهم يحمل زهرة سعيد بها، لكن ما أدهشه أنها ذاتها زهوره التي أحضرها لها، ومع خروج آخر الأطفال اقتحم الغرفة عليها لتصرخ عليه وبغيظ:
_ممكن أعرف أنت بتعمل إيه هنا؟
تحلى بالصبر وحاول السيطرة على ضيقه ليجيبها بهدوء:
_متطوع زي زيك.
ثم اقترب منها خطوة لتتراجع هي أخرى مع حفاظها على ثباتها المزعوم أمامه، انحنى نحو الأمام مقترباً منها يهمس ببطء:
على فكرة إحنا متفقين على كده من زمان.
تعمد الاقتراب أكثر، وتحدته هي بعناد ولم تتحرك؛ كأنها تريد أن تثبت له أن لا تأثير له عليها رغم ارتجاف قلبها بين أضلعها:
_فاكرة ولا أفكرك؟ يمكن نسيتي!
استفزها حديثه فرمقته بنظرة جانبية مستهجنة، ورافقت ابتسامتها الساخرة حركة رأسها بعدم الاكتراث، لكنه همس لها بصوت منخفض أكثر:
_لما كنتِ نايمة بحضني وبتحكيلي زي مكنا متعودين عن الولاد هنا، قلتلك أنا عاوزة أعمل حاجة ليهم، أنتِ وقتها اقترحتِ عليا الفكرة دي.
أنفاسه القريبة أربكتها وزاد من توترها عينه المحدقة بها، لكنها حاولت الصمود ولم تتزعزع، بل تفاجأ بها ترفع يدها تصفق بها وتقول بتهكم:
_برررافوووو يا دكتور، مشكورين على جهودك!
ثم أضافت مشيرة نحو ما تبقى من الشرائط الملونة التي كانت تحيط باقة الورد وأجزاء الكارت الذي مزقته متناثرة حولها:
_ومتشكرين على الورد، بصراحة عجب الولاد أوي!
ختمت حديثها بضحكة ساخرة حاول بها إضاعة توترها وإغاظته انتقاماً منه.
غص قلبه بحرقة وهو يرى تلك البطاقة الممزقة كما يتمزق قلبه بقهر، وعينه تتوزع بينها وبين ما تشير له، ليقول بصوت مهزوز بعد أن تلاشت ثقته وحل محلها خيبة الأمل:
_أنتِ ما قريتيش اللي مكتوب في البطاقة؟
ضربت كفاً بآخر تخبره بحنق:
_ولا شفتها لأنها متهمنيش!
ثم أكملت ترفع سبابتها أمام وجهه تقول بتحدي:
_ابعد عني يا "زياد" ومتحاولش... أنا مش هسامح.. طلقني!
شهقت فزعة عندما باغتها يقبض على عضدها يجذبها نحوه بغضب ويقول بتحدي:
_مش هطلقك، متحلميش أطلقك يا "رحمة".
ليجذبها نحوه أكثر حتى لامست جبهته جبهتها، وعينيه تواجه عينها يخبرها بحسم:
_مش هطلقك.. عشان بحبك.
ثم صمت يلتقط أنفاسه الغاضبة قبل أن تتحول نبرة صوته إلى نبرة عاشقة:
_بحبك ومقدرش استحمل بعدك.. افهمي... بلاش عناد.
وواصل برجاء:
_بلاش تنهي كل حاجة، إحنا محتاجين نبتدي مش ننتهي، اديني فرصة أداويكي.
كادت أن تفتح فمها ليسبقها كف يده الأخرى يضعها على فمها يكممها، فتتسع عيناها بذهول تحاول مقاومته:
_متستعجليش في الرد عشان أنا عارف إني غلطت وأستحق العقاب، وأنتِ تستحقي أحارب عشانك، بس خلي عندي أمل إنك تسامحيني، هعيش عشان الأمل دا وأستحمل.
أبعد كف يده لتنطلق كلماتها الجارحة له:
_متحلمش بأمل يا "زياد"، أنتِ متستحقش حتى الأمل دا.
ثم نفضت يده بعنف عن عضدها وتراجعت إلى الوراء تدعك يدها ليدهشها عندما ابتسم ابتسامة حزينة وقال بقهر:
_مش هيأس وهتسامحيني.
غادر بسرعة وتركها لتنهار معلنة هزيمة مقاومتها الواهية لتلك الدموع الحبيسة، تمسحها بوجع، وكلماته سهام ضربت قلبها بألم فقد جاءت بعد فوات الأوان.
*********************،،،،،،
في أحد مواقع البناء قيد الإنشاء كان يسير بحذر، عينيه تقيم العمل المنجز بدقة، حتى وجد من يركض نحوه ملوحاً له بيده من بعيد، اقترب ليتبين هويته فاتسعت ابتسامته مرحباً به:
_"حسين الجوهري"، نورت يا باشمهندس!
بادله العناق بود:
_منورة بيك يا "منتصر"، أخباركم إيه يا باشمهندس؟
مسح "منتصر" على وجهه يزيل عنه حبات العرق ويخلع عنه خوذته البيضاء يخبره بعملية:
_تقريباً نقدر نقول 80% شغل منجز، يعني إحنا بنركب الإزاز النهارده.
ثم ضرب على كتفه بمزاح وقال بثقة:
_ماتخافش على صاحبك يا "حسين"، الرسومات اتنفذت بالملي يا موسس!
ضحك على تعقيبه يخبره بعملية مادحاً:
_بالعكس، أنا مرتاح عشان اتنفذت على إيدك، بس أنت عارف بحب دايماً أشوف النتيجة، جايز عشان جديد.
لامه "منتصر" بثناء:
_جديد إيه يا بني؟ دا شغل فاخر على الآخر، صاحب الفيلا متكيف أوي من التصميم، تعالى شوف يا جديد.
أشار له نحو الأمام يحثه على التقدم ليتجول في المكان مبتهجاً بثمرة إنجازه، لكن فجأة وعلى حين غفلة منه انزلق لوح زجاج كبير من أيدي العمال خلفه وسقط عليه وسط صرخات العمال:
_حاسب يا باشمهندس!
لكنه لم يستطع تفادي ذلك اللوح ليتحطم على جسده بعد أن سقط على الأرض، هرول "منتصر" يزيح عنه القطع المتكسرة ويصرخ ينادي عليه بفزع:
_"حسين" أنت كويس؟ رد عليا!
تأوه من الألم وصرخ وهو يحاول تحريك يده التي بدأت تنزف، ليصيح "منتصر" به يمنعه من الحركة بعد أن أصابه الهلع وهو يرى قميصه قد تلوث واصطبغ بدمائه:
_حاسب يا "حسين"، متتحركش خلينا نشيل القزاز الأول.
نفض عنه قطع الزجاج وخذه إلى المستشفى، ليتبين بعد ذلك إصابة يده اليسرى وكتفه الأيسر بجروح بليغة اضطر الأطباء لخياطتها، أما وجهه وباقي جسده فقد أصيب بخدوش وجروح بسيطة.
عاد إلى شقته، فتح الباب بألم ودخل، كانت "قمر" تجلس في الصالة عندما رأته لتشهق بفزع وتهرول نحوه تسأله بلهفة:
_مالك يا "حسين"؟ حصل إيه؟
أغمض عينه بوجع وقال يحاول طمأنتها:
_مفيش حاجة، حادثة بسيطة.
استنكرت حديثه وعيناها تتجول على جسده بتفحص:
_بسيطة إيه يا "حسين"؟ هدومك مليانة دم!
تجاوزها متجهاً نحو غرفته يردد بألم:
_ماتخافيش، مفيش حاجة.
تتبعته إلى غرفته ليدخل فتدخل خلفه، ودون طلب منه أخرجت له ملابس واتجهت نحوه تحاول مساعدته في تغيير ملابسه، لكنه رفع يده يمنعها قائلاً:
_أنا هعرف أغير لوحدي.
تجاهلت حديثه ومدت يدها بعناد تفتح أزرار قميصه وسط دهشته من هلعها عليه، لكن عقله لجم قلبه وأقنعه أنها تشفق عليه، خلعت عنه قميصه بهدوء وحذر، كان يغلق عينيه بألم ويتأوه مع حركاته، ثم سألته:
_مش هتقدر تاخد شور صح؟
أومأ لها برأسه ليجدها تتركه مسرعة تتمتم:
ثواني.
عادت تحمل طبقاً من الماء وضعت فيه قطعة كبيرة من القطن، أشارت له بالجلوس ليجلس، جثت على ركبتيها أمامه وعاد يعترض من جديد:
_أنا ممكن أمسح...
لم تسمع باقي حديثه بل بدأت تمسح آثار الدماء التي تجلطت وجفت على جسده، كانت عيناه تتبع حركة يدها بقلب خافق، وخشى أن يخونه وينسى، أغمض عينيه عندما لامست برودة الماء جسده لتتصلب عضلات صدره تحت لمساتها الحذرة.
أزاحت هي خجلها جانباً واندمجت في البحث عن بقع الدماء متجنبة إيذاءه، تحاول أن تشغل عقلها أنه أمامها عاري الصدر، رفعت نظرها نحوه وسألته دون أن تنظر لعينه، واتخذت من إبعاد خصلات شعرها الهاربة عن وجهها ذريعة لذلك:
_لو وجعتك نبهني.
هز رأسه بالموافقة وعادت عيناه تراقبها بعشق، ليتوتر عندما وجدها تنتقل من صدره ويديه لوجهه، اضطرب كثيراً عندما شعر بقرب أنفاسها منه تمسح على جرح في وجنته، أغمض عينيه تحسباً لفقدان سيطرته، فقربها بهذا الشكل يرهقه، قاوم تلك المشاعر التي ضربته عندما وجدها تنفخ على ذلك الجرح، أنفاسها الباردة ضربت قلبه قبل أن تضرب بشرته، ابتلع ريقه بارتباك وقال بتلعثم يحاول التخلص من هذا القرب المهلك:
_خلاص يا "قمر"، متشكر.
توقفت تنهض من جديد تلتقط قميص بيجامته وساعدته على ارتدائه قبل أن تبعد الغطاء سامحةً له أن يتمدد.
حاول أن يتمدد رغم صعوبة حركته، لم يسمح لها بمساعدته بل اكتفى بحركة سريعة تنهي الأمر، رفضه مساعدتها زاد من توترها، حملت ذلك الطبق وخرجت من الغرفة.
وما إن خرجت حتى التقطت أنفاسها المتسارعة، وأخفضت عينيها نحو ذلك الطبق الذي تعكر صفو مائه بعد أن خالط دمه، ونظرت إلى يديها وتنصتت إلى قلبها الذي يخفق باضطراب لتسأل نفسها: لماذا خافت عليه وساعدته؟ هل تشفق عليه أم تلك المشاعر التي بدأت تتسلل لقلبها بقوة هي السبب؟
كان يتألم بصمت وتلك الخدوش تحرقه، بدأ ينفخ بيأس على خدوش يده اليمنى علها تهدأ، أما يده اليسرى التي اختفت تحت لفات الشاش الكثيرة، بدأ يختفي ذلك البنج المؤقت ليشعر بوخزات الألم تشتد، حاول أن لا يحركها.
التفت يميناً ويساراً يحاول أن يتذكر أين وضع كيس الدواء ليجفل فجأة يسمع طرقات الباب الذي فتح، وأطلت منه هي تحمل حاملة طعام وضعت عليها طبقين وكأس عصير وقالت مبتسمة:
_أنا جبتلك حاجة بسيطة عشان تتعشى.
ليقول باقتضاب دون النظر إليها:
_متشكر، مليش نفس.
لتقول معترضة وهي تضع أمامه الطعام:
_لا.. لازم تأكل عشان الدوا.
ثم أضافت تحاول إقناعه:
وبعدين دي شوية شوربة وسلطة تونة اللي أنت بتحبها.
نظر لها بتعجب كيف علمت أنه يحبها، يبدو أن علب التونة قد أعلمتها بذلك، ارتبك عندما وجدها تجلس على السرير أمامه وتحاول التقاط الملعقة لإطعامه، لتسبقها يده برفض معلن يلتقط الملعقة ويحاول أن يتناول الطعام بنفسه.
أصابتها فعلته بتوتر وكادت أن تنهض من أمامه، لكن أوقفها إمساكه للملعقة بصعوبة ومكابرته الواضحة، يعتصر عينيه بقوة يقاوم الألم حتى لم يستطع المواصلة وأفلت الملعقة لتسقط من يده، التقطتها هي بسرعة متجاهلة اعتراضه بعناد ودستها في الوعاء تحمل القليل من الطعام وتقربها من فمه، لحظات لامست الملعقة شفتيه وعيناه تهرب من مواجهة عينيها، يخشى أن يضعف قلبه أمام نظراتها، وبعد تردد فتح فمه مرغماً وتناول ما تقدمه له.
بضعة لقمات معدودة رفع بعدها يده يشير لها أن تتوقف:
_خلاص الحمد لله.
رفعت قدح العصير نحو فمه تحاول إقناعه:
_دا عصير برتقال، أنت محتاج تعوض الدم اللي فقدته.
استسلم لها كي يتخلص من هذا القرب الذي بدأ يفتك به ويشتت ثباته المزيف، ارتشف القليل وتمتم:
_متشكر.
التقط منديلاً ويزيح ما علق بفمه، نهضت من أمامه وخرجت لتعود بكيس الدواء وقدح الماء، أخرجت علب الدواء الواحد تلو الآخر تساعده في تناولها حتى انتهت ليتمدد بصعوبة، دثرته بالغطاء وخرجت لتتوقف عند الباب عندما سمعت صوته:
_متشكر يا "قمر".
كانت إجابتها ابتسامة بسيطة غادرت بعدها، جلست على الأريكة تتعجب مما فعلته ومساعدتها له، لكن رغم حيرتها، لا تعلم لماذا ما فعلته منحها شعوراً بالراحة.
**************************
قذفت القلم بتذمر وتأففت وهي تطالع أوراق المحاضرة المتراكمة أمامها:
_أف... تعبت من المذاكرة، امتى أخلص بقى؟
مدت يدها تمسك الهاتف تقلب صفحاته لتجد أصابعها تسوقها نحو رقم هاتفه، تفتح محادثاتهم السابقة، تراجعها رغم أنها تحفظها، لا تعلم لماذا رؤيتها له اليوم بعثرت وهم صمودها وعاد قلبها يخفق بشوق له.
كادت أن تكسر قرارها وتحدثه، لكنها تراجعت تلوم نفسها:
_بتعملي إيه يا "مليكة"؟ إحنا مش اتفقنا نبعد خلاص؟ استحملي.
لتتنهد بحزن تهمس لنفسها بذلك السر الذي علمت حقيقته بعد رؤيتها له رغم إنكارها المستمر:
_أنا بحبه... أيوه بحبه، قلبي النهاردة كان عاوز ينط ويروحله.
لتتأوه بحسرة وهي تمسح على وجهها بضيق:
_كنت فاكرة إنه إعجاب بس.
وعلى الجانب الآخر كان هو أيضاً يفكر بها، يجلد قلبه بقسوة على تهوره ويلومه معاتباً إياه:
كيف لم يستطع كبح جماح شوقه لها؟ بل والأدهى أنه أصبح كالمراهق يقف ينتظر رؤيتها! هل جن وفقد تعقله إلى هذه الدرجة؟ وعاد يذكر قلبه بمخاوفه عله يتوقف عن الصراخ بحبها.
هي لا تزال صغيرة وربما لا تفكر بالارتباط الآن، وما يخيفه أكثر، ترى هل ستوافق على الارتباط بشخص يعيش في الصعيد؟ هل ستترك القاهرة وحياة المدينة لتسكن في الريف وإن كانت حياة مرفهة؟
تنهد بحيرة تملكت منه، وصراع نشب بين عقله وقلبه، وما بين رافض ومؤيد، أحدهما يجره جراً نحوها والآخر يحيطه بقيود مخاوفه ويمنعه من الانجراف وراء مشاعره، حتى توقف عند مفترق الطرق بينهما وأقنع نفسه أنه سينتظر انقضاء سنة الامتياز ليعتبرها هدنة لهذا الصراع، يستطيع بعدها أن يتخذ القرار الصائب.
**********************
لمعت عيناها بسعادة تنظر لكلمة: ""، بفخر، هكذا تكون انتهت روايتها، بعد التدقيق لم يبق سوى إرسالها لدار النشر كي تكون جاهزة للطباعة، حلماً بدأ يقترب من تحقيقه، وأدت هواجس الفشل التي بدأت تراودها، وأيقنت أنه وإن فشلت ستبقى تلك الخطوة نجاحاً بالنسبة لها، تنهدت بارتياح وهي تشعر أنها استطاعت أن تنفض عنها غبار
الماضي، وابتسمت بحمد تؤازر نفسها، فبعد تجربة "زياد" أصبحت تدرك أن الله اختار لها الأفضل، فيبدو أن الحب من طرف واحد ليس سوى سراب يهوي صاحبه نفسه فيه حتى يظن أنه يغرق رغم أنه يقف على أرض صلبة.
لاح طيف ذلك الذي كان يسكن قلبها لتضرب آخر حجر في وهم حبه وهي تدعو له بصدق:
ربنا يسعدك يا "سيف".
ثم ابتهجت وهي تتذكر أنها بعد انتهاء كتابتها للرواية ستأخذ قسطاً من الراحة لتعود فيه إلى صفوف القراء، وتبحث عن روايات جديدة لتقرأها.
*************************
في شقه حسين اليوم التالي فتحت الباب لشقيقها الذي ابتسم عند رؤيتها:
_"قمور" حبيبي، إزيك؟ وحشاني.
اتسعت ابتسامتها ترحب به بحب:
"سيف" حبيبي، أنت كمان واحشني، اتفضل.
دخل يسألها بقلق:
_الباشا أخباره إيه النهارده؟
أجابته بدهشة:
_الحمد لله، أنت عرفت منين؟
ما أنا كنت معاه إمبارح في المستشفى.
_أصله نبه عليا إن محدش يعرف، خايف على خالتو "هدى" وتيته "صفاء".
ليقترب منها ويهمس ساخراً يحاول مشاكساتها:
_عنده حق، عارف إنه مجوّز "وكالة رويترز"!
امتعض وجهها لتضرب صدره بخفة وتقول بعبوس:
_كده يا "سيف"؟ ربنا يسامحك.
قرص وجنتها مازحاً وقال محاولاً إرضاءها:
_بهزر معاكِ يا جميلة.
ثم أضاف بجدية مشيراً لها نحو الداخل:
_يلا شوفي جوزك، اتأخرت على المستشفى.
اتجهت نحو غرفته، طرقت الباب وقالت بتوتر بعد أن فتحته ورأته يجلس على السرير المفرد:
_"سيف" هنا وعاوزك، أخليه يدخل...
توقفت تفرك أصابعها بارتباك قبل أن تكمل بتلعثم:
_بس مش هقدر أدخله هنا، ممكن تروح الغرفة التانية أو تخرج للصالة عشان ما يفهمش...
حرجها منعها أن تكمل سرد مخاوفها أن يعلم شقيقها حقيقة زواجهم عندما يرى إقامة زوجها في غرفة أخرى.
أومأ لها متفهماً خوفها لينهض ويتجاوزها بجمود نحو الخارج، لتتنهد بضيق تعلم أنها تضغط على جرحها له، لا يعلم أنها تتعذب مثله بشعور الذنب، اتجهت نحو الخارج لتجده
يجلس أمام "سيف" ويعطيه ظهره، و"سيف" يحل رباط كتفه ويشرع في تنظيف الجرح، يبدو أنه يتألم كثيراً ويحاول كتم آهاته بالضغط على شفتيه، اقتربت لتغمض عينها التي وقعت على ذلك الجرح الغائر الذي تسده عدة قطيبات في كتفه، تألمت لألمه وحاولت الابتعاد والهروب، لكن صوت "سيف" جذبها وهو ينادي عليها لتصيبها الصدمة عندما سمعت طلبه:
_تعالي يا "قمر" عشان أعلمك إزاي تنظفي الجرح، أنا مش هقدر أجي بكرة، عندي نبطشية في المستشفى.
ليعترض هو بسرعة:
_لا، ملوش داعي تعلم "قمر"، أنا هخلي "حسن" أو ممكن أحاول أنا، بلاش "قمر".
قطب "سيف" حاجبيه باستهجان وقال مستنكراً:
_وليه يا ابني؟ هي مراتك وهيكون أسهل إنها تطهرلك الجرح.
ليقول مبرراً رفضه ويخترع له أي حجة مزيفة كي يمنع اقترابها منه بهذه الطريقة:
_أصلها هتخاف من منظر الدم.
حرك "سيف" شفتيه باستهزاء قبل أن يقول متهكماً:
_يا عم النحنُوح... ملكش دعوة، هي أختي وأنا عارف إنها مش بتخاف.
ثم نادى عليها بإصرار:
_تعالي يا "قمر".
اقتربت تراقب "سيف" وما يفعله، ورغم انزعاجها من منظر الدم لكنها ادعت عدم مبالاتها حتى طلب منها الاقتراب أكثر لتساعده كي تتعلم كيف تربط الجرح.
يدها التي لامست جلد عضلاته تشتد وأنفاسه تضطرب حتى أنهت المهمة، لينظر "سيف" إلى ما صنعت ويقول باستحسان:
_تسلم إيدك يا حببتي، شاطرة يا "قمر".
******"******'' *'' ***************
وصل إلى المنزل في وقت متأخر، حيث كان ظلام الليل قد أسدل ستاره، ونسمات الهواء الباردة تطوف بالمكان، تضفي على الأجواء نوعاً من السكون. خطا خطواته نحو الداخل بتعب، يفرك جبهته بإرهاق، حتى تجمّد في مكانه حين وصلت إلى مسامعه همهمات خافتة كسرت هدوء المكان. التفت إلى مصدر الصوت لتتسع ابتسامته؛ فقد وجدها تجلس في إحدى زوايا الحديقة تذاكر، ويبدو أنها تحاول حفظ إحدى القصائد. اقترب منها، وتنحنح قبل أن يصل إليها.
قطع صوته اندماجها، فالتفتت إليه، وارتسمت على وجهها ابتسامة عفوية حين وجدته يقف أمامها.
_ مساء الخير.
_ مساء النور.
سحب كرسياً وجلس بالقرب منها، يسألها بفضول:
_ بتذاكري؟
أومأت برأسها مجيبة بسعادة:
_ أيوه، عاوزة أحفظ أول بأول، مش عاوزة المادة تتراكم عليا عشان أجيب علامة كويسة في الامتحان زي ما وعدتك.
لا يعلم لماذا خفق قلبه حين ذكرته بوعدها له؛ نظر إليها بفخر وقال مشجعاً إياها:
_ برافو يا "نونو"، شاطرة!
ثم أضاف وهو ينتشل الكتاب منها، وقال بتحدٍ مرح:
_ طب خليني أسمّع لك، عشان نشوف أنتِ حافظة صح ولا لأ.
توردت وجنتاها بحرج، وأربكها طلبه لتقول ببراءة:
_ بس ما تحاسبنيش قوي، أنا لسه ما سيطرتش عليها كويس.
قهقه ضاحكاً وقال يشاكسها:
_ شكلك مش حافظة أصلاً يا "نونو"!
امتعض وجهها قليلاً وقالت بإصرار:
_ لا حافظة، بس خايفة أغلط.
نظراته المشككة بكلامها منحتها دافعاً من التحدي؛ فنظرت إليه وقالت بحزم:
_ هتشوف إني حافظة.
_ هنشوف يا "نونو"، يلا ابتدي.
بدأت تلقي عليه ما حفظته، وكان يصحح لها أخطاءها. وحين انتهت، رفع كفيه يصفق لها مشجعاً:
_ برافو يا "نونو! بس محتاجة مراجعة كمان.
أسعدها تشجيعه، وجعلها تطمع في المزيد؛ فطلبت منه بخجل وهي تفرك يديها ببعضهما بتردد:
_ طب ينفع تسمع لي تاني؟
_ أكيد يا "نونو، يلا ابتدي من تاني، وهفضل أسمّع لك لحد ما تحفظي تمام.
عادت تلقي عليه ما حفظته، مع تقلص واضح في عدد الأخطاء عن المرة الأولى. ورغم تعبه الشديد، استمر يستمع لها بصبر، حتى منحها الثقة بأنها قد أتمت مهمتها، وحفظت القصيدة بامتياز.
*************" *"***********
جلست بجانبه تتلمسه بعين دامعة، يدها تتحرك على وجهه بقلق وهي تعاتبه:
_"كده يا روح صافي؟ تخبي على حبيبتك؟ كده تهون عليك وتحرق قلبي؟"
رفع يدها وقبلها محاولاً طمأنتها:
_"والله أنا كويس يا حبيبتي، كنت خايف عليكي.. متزعليش، حقك عليا."
حولت نظرها نحو "قمر" تعاتبها هي الأخرى:
_"وأنتِ يا قمر، أتصل عليكِ وتخبي عليا وتقولي لي مسافر مأمورية؟"
نظرت إليها "قمر" بحرج ولم تجد ما تقوله، لكنه تدارك الموقف مدافعاً عنها:
_"أنا يا صافي اللي منعتها تبلغك."
رمقته بنظرة حنق قبل أن تمسح دموعها التي انسابت على وجنتيها. ثم التفتت نحو "هدى" التي تنهدت بارتياح بعد أن اطمأنت على ولدها، وبجانبها يجلس "حسن".
_"لولا حسن حبيبي قالي، كنت بقيت آخر من يعلم."
اختطف نظرة لوم نحو شقيقه الذي هز رأسه بقلة حيلة، ثم عاد بنظراته إليها يحاول استرضاءها:
_"يا حبيبتي، والله أنا كويس."
صمت قليلاً، ثم أشار نحو "قمر" بامتنان:
"وقمر ما قصرتش، خدت بالها مني.. ما تخافيش."
رغم نبرة صوته البارده وعينيه اللتين كانتا تهربان من نظراتها، إلا أن قلب "قمر" نبض بسعادة لأنه لم ينكر اهتمامها به، رغم أنه رفض مساعدتها في تغيير ضماده واستعان بشقيقه لتلك المهمة.
تدخل "علي" بفكاهة وهو يعدل نظارته الطبية ويتفحص نوعية الأدوية المعطى له بمهنية:
_"خلاص يا ماما، أهو بيقولك مراته مهتمية بيه ومدلعاه!"
قالت "هدى" بصدق وعيناها تلمعان شكراً لابنة شقيقتها:
_"ربنا يخليكم لبعض ويديم المحبة بينكم.. تسلمي يا قمورة."
أجابتها "قمر" بابتسامة باهتة:
_"ده واجبي يا خالتي."
التفتت إليها "صافي" وقالت بصوت مختنق تتوسلها:
_"أيوه يا قمر يا حبيبتي، خلي بالك منه.. ده الغالي."
اقتربت "قمر" منها وجلست بجانبها تبتسم:
_"ما تخافيش يا تيتة، حسين في عيني."
ضمتها "صافي" شاكرة وقالت بود:
_"تسلمي يا حبيبتي، هو كمان بيموت فيكِ."
أصابت كلماتها الاثنين بتوتر شديد، وما زاد من ثقل الموقف استرسال الجدة:
_"اسأليني أنا! دايمًا كان بيجي ويحكي لي عنك وعن حبه ليكِ، دا بيعشقك!"
كانت عينا "قمر" مثبتتين على "صافي" تتابع كلمات الجدة، وقلبها يعتصر حزناً؛ فهي تعلم أنه يحبها، لكن كم كان فخوراً بهذا الحب حين سرد تفاصيله لجدته. أسبلت عينيها بندم؛ فهي تعلم أنها هي من داست على هذا العشق وحطمته تحت أقدامها. أما هو، فزاد حديث جدته من نزيف جرحه وأيقظ أوجاعه الخامدة، ولم يستطع الرد ليعم الصمت المكان.
_"ماما، فضحتِ أسرار الراجل!"
قالها "علي" ساخراً من حديث والدته، فرمقته "صافي" بنظرة مستهجنة ورفعت كتفها بعدم اكتراث، بينما ربتت "قمر" على يدها قائلة بثقة:
_"مالكش دعوة، هما بيحبوا بعض وهيفرحوا باللي قلته."
حدث نفسه متهكماً من ثقة جدته في حبهما:
_"آه يا صافي، لو تعرفي حقيقة هذا الحب.."
أما "قمر"، فلم تعد تستطيع الثبات أو مقاومة تلك الحقائق؛ التي بدلاً من أن تسعدها، مزقتها، وتمنت أن تنقضي هذه الزيارة بسلام قبل أن تفضحها دموع الندم أمامهم جميعاً.
*********************،، ******
ظنت أنه لن يعود إلى الدار مجدداً، لكنه فاجأها بتكرار زياراته؛ يحمل في كل مرة باقة ورد يرافقها كارت اعتذار وطلب للسماح. كانت تسمع ضحكاته المجلجلة ونصائحه للأطفال، فتجبر عينيها على عدم الالتفات نحوه، تقاوم قلبها الذي يصرخ شوقاً له، لكنها تكتم صراخه بتذكير نفسها بجراحها. كانت تتجاهل وجوده وتتجه نحو الغرفة التي تمكث بها، ورغم ذلك، كان يتملكها شغف خفي لمعرفة لون الزهور التي اختارها اليوم، رغم توزيعها للزهور على أطفال الدار وقراءة عبارات الاعتذار التي - كانت تقرأها ثم تمزق البطاقة إمعاناً في "الانتقام" الصامت.
دخلت الغرفة ورأت باقة زهور بلون أصفر مباغت؛ استغربت اللون واقتربت منها يسوقها الفضول لمعرفة ما دوّنه على البطاقة. أخذت تبحث عنها فلم تجدها، حركت الباقة يميناً ويساراً، وعيناها تتنقلان بين الزهور بتلهف، لكن دون جدوى.
لم تكن تعلم أنه يقف عند باب الغرفة يراقب حيرتها بابتسامة، قبل أن يقترب منها بهدوء ويخبرها بلهجة مشاكسة:
— ما تتعبش نفسك، مفيش بطاقة النهاردة. مادام بتقطعيها، قررت إني أنا اللي أقول الكلام؛ أهو نوفر تمن البطاقة!
اتسعت عيناها بذهول حين سمعت صوته خلفها، تملّكها الارتباك، فحاولت رسم ملامح الغضب والاستدارة كي تواجهه بكلمات لاذعة:
— أنت إزاي....
وما إن استدارت حتى باغتها مُحيطاً خصرها بذراعيه، وقال بصوت خافت مشبع بالحب:
— صباح الخير على أحلى عيون في الدنيا، على عيون حبيبتي.. بحبك يا رحمة، ومش عايز غير فرصة أعوضك فيها.
كادت تنساق مع نبرته الدافئة، لكن استيقاظ كرامتها جعلها تستجمع قواها؛ وضعت يديها على صدره ودفعته عنها بعنف، قائلة بحدة:
— أنت إزاي تعمل كده؟ أنت اتجننت؟ افرض حد شافنا في الدار؟ ما فكرتش في منظري قدامهم؟ ومحدش يعرف إنك......
ابتلعت الكلمة التي لم تقوَّ على نطقها، فقد باتت غصة تذكرها بآلامها، فأكمل هو بهدوء وثبات استفزها:
— إني جوزك.
قالت بتحدٍ مرير:
— لأ.. طليقي، باعتبار ما سيكون!
تلك الكلمة التي دأبت على تكرارها كلما رأته، كانت كفتيل أشعل نيران غضبه، لتحرق قلبه وكرامته معاً وهي تستهين برباطهما. ارتاعت حين رأت عينيه وقد احمرّتا بانفعال، اقترب منها وجذب ذراعها نحوه بقوة، ثم قال بنبرة حادة:
— في أحلامك يا رحمة! بطلي تقولي الكلمة دي، لأنك هتفضلي مراتي لآخر نفس في عمري.
أفلت ذراعها مكملاً بحدة مماثلة، تحت نظراتها الساخطة:
— على العموم، أنا خارج. كنت بقولك الكلام اللي كان مفروض يكون على البطاقة وبس.
غادر صافعاً الباب خلفه بعنف. بقيت تنظر إلى الباب المغلق بحزن، تساقطت دموعها بحرقة، وقلبها يتمزق من تلك المواجهات التي تنهك صمودها المزعوم، بينما تحاول جاهدة كبت مشاعرها التي تجتاحها بمجرد قربه.
********************************
استيقظت مبكراً على غير عادتها، ربما كان ذلك الكابوس الذي راودها وسلبها لذة النوم؛ فتعوذت من الشيطان واستغفرت، وقررت النهوض لتشرب كأساً من الماء، لعلها تستطيع بعد ذلك العودة إلى النوم.
خرجت متجهة نحو المطبخ، وفي طريقها مرّت بجانب غرفته، لمحَت بابها الموارب، فساقها فضولها لتنظر من خلال الفتحة؛ وجدته يقف أمام المرآة يحاول مداواة جروحه بنفسه. تنهدت بقلة حيلة؛ فلا يزال يرفض مساعدتها بعناد.
راقبت عدم قدرته على معالجة جراحه وصعوبة حركته، ففتحت الباب بهدوء ودخلت دون أن تتحدث. وقع خطواتها جعله يدرك وجودها، وما إن وصلت خلفه حتى تجمدت يده الممتدة نحو ظهره حين لامستها أصابعها، محاولةً التقاط قطعة القطن منه. رغم تمسكه بها، وعودته للمكابرة رافضاً مساعدتها:
_"ملوش داعي، أنا هعرف..."
لم تمهله لاستكمال رفضه، بل جذبت قطعة القطن منه وبدأت تداوي جرحه. أغمض عينيه، يشعر بلمساتها التي كانت تؤلمه أكثر من جراحه. حتى انتهت من مهمتها، فالتفتت لتصبح أمامه محافظةً على صمتها، جذبت يده لتفك رباطها وتظهر جروحه، وعيناه تتبعانها بعشق وقلبه يخفق بقوة. أمعن النظر في وجهها، كم هي جميلة! أشاح بنظره عنها ليمنع قلبه من الانسياق خلف شوقه لها. أكملت هي لف الرباط حول يده، واعتقد أنها ستغادر بصمت كما دخلت، لكنها فاجأته عندما
التقطت قميصه وساعدته في ارتدائه. وقفت تزرر أزرار القميص، فسخر من قلبه؛ لحظة تمنى حدوثها أن تساعده في ارتداء ملابسه! وكم رسم لتلك الأحلام سيناريوهات عديدة غير وقوفه بجمود هكذا؛ كان سيداعبها، يشاكسها، يقبلها...
"آه".. خرجت من قلبه بحسرة وهو يرى ضياع أحلامه.
انتهت وأخذت عيناها تبحثان عن سترته حتى وجدتها، فالتقطتها وحاولت مساعدته في ارتدائها، لكنه قبض على سترته وقال باقتضاب:
_"ملوش داعي، مش هلبسها.. متشكر".
طالعته بتوتر، فسألت بتلعثم:
_"تحب أعملك فطار؟"
كان يلملم أغراضه متجاهلاً وقوفها، فأجاب ببرود:
_"هشرب قهوة في المكتب".
غادرت بخطى سريعة، تشعر بشيء من الإهانة لتجاهله لها، حتى خرجت. التفت ينظر لأثرها، فانتابه شعور بالندم؛ يبدو أنه قد قسا عليها. رنين هاتفه أوقف محاسبته لنفسه، فأجاب:
_"أيوه يا سالي.. لا، أنا في الطريق، عشر دقائق وأكون في المكتب".
كانت تقف عند الباب تلتقط أنفاسها الحبيسة بألم عندما وصلها صوت حديثه عبر الهاتف، لينغزها قلبها حين سمعته يتحدث مع امرأة؛ فكررت اسمها بدهشة:
_"سالي؟!"
ثم تساءلت بضيق:
_"مين سالي دي؟ هو معاه ستات في المكتب؟"
نفضت تلك الأفكار من رأسها؛ فما يعنيها لو كان معه نساء؟ لتتسع عيناها بدهشة وهي تسأل نفسها: هل تغار عليه؟!
**************************'***' **
في إحدى قاعات الأفراح، حيث الأضواء المتلألئة وأجواء البهجة، كان "شريف" و"أحلام" مدعوين لحفل زفاف أحد زملائهم القدامى. وقف الاثنان يتبادلان التحية مع أصدقاء الدراسة الذين لم يروهم منذ التخرج، وكلما التقيا بأحدهم، انطلقا في استعادة الذكريات والاستعلام عن أحوالهم.
توقفوا أمام "رامز"، فسأله شريف باهتمام:
_"وأنت يا رامز، بتعمل إيه دلوقت؟ وبتشتغل فين؟"
أجاب رامز بابتسامة:
_"بشتغل في شركة بابا."
رفع شريف حاجبه باستحسان، مثنيًا على تلك الشركة وسمعتها الطيبة في السوق:
_"والله برافو! فعلاً شركة الوالد صيتها مسمع في كل مكان."
_"متشكر يا شريف."
ثم التفت رامز نحو أحلام وسألها بفضول:
_"وأنتِ يا أحلام، بتشتغلي؟"
هزت رأسها بقلة حيلة، وقالت بيأس ساخر:
_"للأسف، أنا عاطلة عن العمل منذ التخرج."
عرض رامز سريعاً:
"_لو تحبي، أنا ممكن أشوفلك شغل في شركة بابا."
قبل أن تجيب، قاطعها شريف بحزم:
_"لا، هي هتشتغل معايا إن شاء الله في التسويق."
قطب رامز حاجبيه بدهشة، وسأله مستفسراً:
_"بس أنت بتشتغل في الملابس الرجالية؟"
أجاب شريف بثبات:
_"آه، ما إحنا هنفتح قسم نسائي إن شاء الله."
كانت أحلام توزع نظراتها بينهما بتعجب؛ فهي لم تسمع منه قط هذه المعلومة. تساءلت في نفسها: هل هو صادق؟ لم تكد تخرج من صدمتها حتى وجدته ينهي لقاءه برامز بلباقة ويشير لها باتباعه:
_"عن إذنك يا رامز.. يالله يا أحلام، قمر مستنيانا."
هزت رأسها متفهمة وسارت بجانبه، ثم سألته:
"هو الكلام اللي قلته بجد يا شريف؟"
"كلام إيه؟"
_"شغلي معاك بجد؟ هو عمو فارس هيضيف قسم نسائي؟"
_"لا."
توقفت تنظر له بامتعاض قبل أن تقول مغتاظة:
_"أمال قلت كده ليه قدام رامز؟"
التفت إليها قائلاً بجمود:
_"عشان مش عاوزك تشتغلي معاه ده."
عبس وجهها بحنق، وضربت قدمها في الأرض بضيق كالأطفال:
_"ليه؟ ما أنت بتقول شركة والده سمعتها كويسة!"
كرر جوابه ببرود استفزها:
_"عشان مش عاوزك تشتغلي معاه وخلاص."
اشتد غضبها حتى لمعت الدموع بعينيها:
_"ليه؟ مادام مش هشتغل معاك، دي فرصة حلوة!"
جزَّ على أسنانه بغضب مماثل، وانحنى نحوها يهمس لها بانفعال:
_"دي شركة أغلب موظفيها رجالة.. هتشتغلي إزاي؟ فهمتي رافض ليه؟"
ربعت يدها على صدرها وقالت بانزعاج:
_"ما اقتنعتش."
قال بعناد:
_"ما تقتنعيش.. مش هتشتغلي."
_"هو تحكم وخلاص؟"
تنفس بعمق ليغير نبرة صوته محاولاً إقناعها:
_"أحلام، مش أنا وعدتك إني هلاقي لك الشغلانة اللي تناسبك في المكان اللي يناسبك؟ وأنا عند وعدي، صدقيني."
احتدت عيناها بتحدٍ وقالت:
_"إمتى؟ ده بقالي كام سنة متخرجة، وأنت لا حس ولا خبر!"
أشار نحو نفسه يسألها:
_"هو أنا عمري كدبت عليكي؟"
هزت رأسها نافيةً، ليقول بثقة:
_"يبقى تصدقيني؛ أنا بدور ولسه ما لقيتش المكان المناسب. ويا ستي وعد، لو ما لقيتش حاجة تناسبك، هكلم بابا وأقنعه نفتح فرع نسائي تكوني أنتِ مسؤولة عنه تحت إشرافي طبعاً."
تنهدت بقلة حيلة وعدم اقتناع، لكنها رضخت لوعده ومنحته فرصة أخيرة، قائلة بتوعد:
_"هديك فرصة يا شريف، بس لو اتأخرت هشتغل مع رامز."
حاول مسايرتها بابتسامة مازحة:
_"متشكر يا أحلام هانم على ثقة حضرتك."
ثم أشار لها بعينه حيث تجلس شقيقته:
_"يالله، عشان قمر مستنيانا بقالها كتير."
*******************. '**
خفت الصخب تدريجياً، خفتت الأضواء، وتلاشت حدة الموسيقى لتستحيل أنغاماً هادئة تلامس القلوب. اقترب 'العريس' من عروسته، يضمها في رقصة تمايلت فيها بين يديه بتناغم رومانسي ساحر، خطف أنظار الحاضرين وأسرهم بجمال المشهد.
كان 'شريف' يطالعهم بعينين تملؤهما الحسرة، قبل أن يهتف بتمنٍّ عميق:
ـ "أوعدنا يا رب.. امتى أرقص مع مراتي كدة؟"
أتبع حديثه بتنهيدة طويلة حملت صدق أحلامه المكبوتة.
انفلتت من 'قمر' ضحكة ساخرة قطعت عليه اندماجه، قائلة بتهكم:
ـ "وهي مين تعيسة الحظ اللي أمها داعية عليها عشان تكون مراتك؟"
امتعض وجهه، واستفزه حديثها ليقول بحدة:
ـ "ليه يا ست 'قمر'؟ دا أنا 'شريف الجوهري' يعني سعيدة الحظ اللي هكون من نصيبها!"
لوت 'قمر' شفتيها باستهجان، وكررت كلماته بسخرية لاذعة:
ـ "سعيدة الحظ؟ ربنا يعينها على جنانك!"
ازداد انفعاله؛ فقد أزعجه حديثها وقرر أن يغيظها انتقاماً لكرامته:
ـ "ملكيش دعوة يا ستي، مدوريش ليا على عروسة."
ثم أشار بيده نحو 'أحلام' الجالسة بجانبهما، وقال بنبرة ملؤها الثقة:
ـ "أنا هخلي 'أحلام' هي اللي تختار لي عروستي."
ورغم حرص 'أحلام' على الحفاظ على ابتسامتها، إلا أن كلماته أصابتها بصدمة شلّت تفكيرها؛ شعرت باختناق حاد. يطلب منها هي أن تبحث له عن زوجة؟ اعتصر قلبها الحزن، لكنها سألت نفسها بحيرة: "لماذا أشعر بكل هذا الحزن؟ ألم أكن دوماً أعتبره شقيقي؟ ولماذا انزعجتُ حقاً عندما تحدث عن الارتباط بأخرى؟"
الفصل 24
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
وروح غزتها الجراح تأن بصمت، فلا يسمعها أحد، تبتسم كاذبة فيظن الناس أنها بخير، تخونها الكلمات فتنتصر الهواجس، وأثرت الكتمان؛ فمزقتها الآلام حتى ماتت دون أن تُدفن، وانطفأت لتسكن الظلام.
كانت تجلس شاردة الذهن، تستمع إلى صوت الشيخ "عبد الباسط" الذي يصدح في المكان فيمنحه طمأنينة تعاكس ضجيج روحها المتعبة. هذا التناقض الذي تعيشه أصبح ينهكها، وكأنها تشتت؛ لم تعد تعرف ماذا تريد، ومن هي، وهل هي على صواب أم على خطأ؟ أصبحت تجهل نفسها.
تلك المواقف التي بدأت تتكرر كأنها أصبحت جزءاً من روتين حياتها؛ يغضب فينفعل، ثم يطلب الغفران. كلمات الحب التي يغدقها بها لم تعد تداوي جراح كلماته، ورصيد حبه لم يعد يتحمل أخطاءه، ومخزون صبرها شارف على النفاذ. كل موقف باتت تعيشه معه يهشم جزءاً من روحها حتى أصبحت خاوية، تبلدت مشاعرها ولم تعد تتأثر بكلمات حبه وتوسلات غفرانه.
حتى إنكارها لمشاكلها أمام والدتها وشقيقتها أصبح يخنقها، حتى فرت الدموع من عينها. كانت تتمنى أن تجد شخصاً تشكو له، تبوح له بحزنها، لكن إلى من تشكو؟ فـ "قمر" علاقتها محدودة بها، و"شمس" تخشى أن تشي لأمها.
تنهدت بتعب وأسرعت بمسح دموعها عندما سمعت صوت مفتاحه في الباب. دخل مبتسماً يقترب منها بتوجس وهو يرى آثار تلك الدموع على وجنتها، فاعتصره قلبه؛ يعلم أنه قد قسى عليها في الصباح، فهو أصبح يحرمها من أبسط حقوقها في الترفيه، حتى هاتفها أصبح نقمة في حياتهم. جلس بجانبها وانحنى يقبل رأسها ويردد تلك الكلمة التي حفظتها:
-أنا آسف.
الصمت فقط كان جوابها، حتى ملامح وجهها لم تتأثر؛ كأنها تعرف نهاية هذا المشهد كمسلسل تكررت حلقاته حتى حفظت الحوارات بين شخوصه. أضاف يحاول إقناعها:
-سندس، أنا عارف إني تعبتك وإني غلطان، بس عشان خاطري سامحيني، أنا عصبي وأنتِ عارفة دا.
ومرة أخرى لم يواجه سوى الصمت. تنهد بيأس واستمر في محاولاته:
-سندس، أنا بحبك، والله بحبك وبغير عليكِ.
أنهى حديثه وهو يجذب يدها يقبلها في محاولة لاسترضائها:
-سندس، اتكلمي، قولي حاجة، متفضليش ساكتة.
والغريب أنها لم تعد تقوى حتى على الكلام الذي أصبح بلا جدوى معه؛ لا الخصام ولا العتاب ولا البكاء أصبح يجدي نفعاً، لتقول بصوت مختنق:
-أقول إيه؟
نظر لها بلهفة وقال يحثها بندم:
-أي حاجة بس اتكلمي، خليني أسمع صوتك الجميل.
رفع يده يضمها بقوة ويهتف بحب:
-بحبك... والله بحبك يا روحي، أنتِ قولي إنك سامحتيني.
شعرت بالاختناق، حتى أحضانه أصبحت باردة لا تشعر فيها بالأمان. ابتعد عنها يحيط وجهها بكلتا يديه ويسألها بلهفة، ويهز رأسها يحثها على السماح:
-سامحتيني، مش كده؟
تعجب من نظراتها المنكسرة التي حطمت قلبه، واكتفت بابتسامة باهتة يملؤها القهر كإجابة على سؤاله، لتتسع ابتسامته رغم أنه يعلم أن عفوها مصطنع. رفع ذلك الكيس الذي أحضره معه ووضعه على حجرها:
-دا فستان عربون الصلح بينا.
ظلت تحدق به بصمت كأنها في عالم آخر، حتى وجدته يربت على فخذها يحثها على النهوض:
-ممكن تقيسيه؟ عاوز أشوفه عليكي.
أومأت برأسها ونهضت تطيع أوامره بذهن مشوش ومرهق. دخلت الغرفة وأخرجت الفستان من الحقيبة ورفعته أمام ناظرها لتتهكم باستهزاء وهي تقبض على قماشه؛ فحتى هديته لترضيه لا ترضيها، ثوب رائع الأناقة لكن بلون داكن لا يناسب عمرها، وفضفاض حتى يبدو أنه أكبر من حجمها. ارتدته على مضض وخرجت إليه ليبتسم بسعادة ويطالعها برضا قبل أن ينهض نحوها يرفع يديها ويقول باستحسان:
-تحفة يا روحي، يجنن عليكي.
هزت رأسها بالموافقة المزيفة ولم تعقب، فلم تعد تقوى على المجادلة لتستسلم له؛ لعل استسلامها يمنحها شيئاً من الراحة.
*******************************
جلست على سريرها بحزن تطالع شاشة هاتفها التي لم تتوقف عن الإضاءة والاهتزاز مع رسائله التي تجاوزت المئة رسالة، ومكالماته التي لم تعد تحصي عددها. تمسح دموعها التي انسابت رغماً عنها؛ فثلاثة أيام مضت منذ حفلة زفاف صديقهم وهي تتجاهله، فكلماته التي قالها كانت كحجر ألقاه في بركان مشاعرها الخامد لتثور معلنة حقيقة دوماً أنكرتها؛ هي تحبه، نعم تحبه. كانت والدتها محقة، هو ليس شقيقها ولا ابن عمها، هو حبيبها. كيف يكون من نصيب غيرها؟ هي لا تعرف أحداً غيره ولم يكن لها صديق سواه.
نيران الغيرة والخذلان تشتعل في صدرها منذ ثلاثة أيام، تلوم حالها؛ ليتها سمعت حديث والدتها وتجنبت تلك العلاقة، ليتها وضعت حداً وعرفت حقيقة مشاعرها تجاهه قبل أن يخبرها أنه ينوي الارتباط بغيرها. لكن كل هذا اللوم لم يعد يجدي نفعاً، فقد وقعت في شراك حبه وهو لا يشعر بها.
أما على الجانب الآخر، كان شريف يطالع هاتفه بين الحين والآخر ينتظر إجابتها لكن دون جدوى. يتصل فلا ترد على اتصاله. نظر إلى الرسائل التي لم تقرأها وتساءل بدهشة وقلق:
-هي مابتردش ليه؟ ليكون جرالها حاجة؟
ثم أجاب سؤاله عندما تذكر حديث شقيقته:
-بس "قمر" كانت عندهم إمبارح، ماجبتش سيرة حاجة وحشة.
-شريف، شوف الولاد رتبوا البضاعة كويس.
قالها "فارس" ينادي عليه لتصيبه الدهشة عندما رأى شروده، فاقترب منه يكرر نداءه:
-شريف، مالك يا شريف؟ أنت يا ولد سرحان فين؟
نداء والده انتشله من حيرته ليلتفت نحوه يطالعه بنظرات ضائعة:
-نعم يا بابا.
-سرحان فين؟ بقالي ساعة بكلمك.
ليمثل الإصغاء:
-معاك يا بابا، قلت إيه؟
يكرر "فارس" حديثه مستهزئاً:
-معاك وقلت إيه؟ لا واضح إنك سمعتني!
ثم عاد يسأله بريبة:
-مالك؟ فيه حاجة شاغلاك؟ أنت مش على بعضك بقالك يومين.
هز رأسه نافياً وقال يبرر له:
-لا يا حبيبي، مافيش حاجة، متقلقش، أنا بس عندي شوية صداع.
إجابته زادت من قلق "فارس" ليقول معاتباً:
-يا بني، كنت كلمت أخوك والا والدتك يكتبولك علاج.
-ملوش داعي، دي حاجة بسيطة.
اقترب منه يتلمس جبهته بخوف:
-طب قوم روح نام وارتاح، وأنا هنا مكانك.
ابتسم "شريف" يطالع خوفه بامتنان:
-يا بابا متخافش، أنا كويس، بلاش قلق يا بوس، وبعدين مش هقدر أسيب المحلات النهارده، البضاعة وصلت والأولاد بيرصوها يعني لازم حد معاهم.
ضرب "فارس" وجنته بخفة، عينيه تشمله بفخر، ليدعو له وهو يربت على كتفه:
-ربنا يرضى عنك يا ابني
-تسلم يا أجمد بوس في الدنيا، ربنا يحفظك لينا.
قالها "شريف" وهو يجذب يده ويقبلها قبل أن ينهض يغادر من أمامه قائلاً:
-عن إذنك، أروح أشوف الشباب عملو ايه.
رحل من أمام والده وأخذ يدور في المكان يراقب عمل العمال بدقة، لكنه لم يتحمل ذلك القلق الذي تملكه فترة طويلة لينزوي في إحدى الأركان وأخرج هاتفه يتصل بـ "ورد" التي ولحسن حظه كانت في غرفتها تطمئن عليها وتسألها سبب انعزالها عنهم في هذه الأيام:
-ممكن أعرف مالك؟
قالتها "ورد" الجالسة أمام شقيقتها لتجيبها باقتضاب:
-مليش.
لوت شفتها باستهجان وقالت مستنكرة:
-ملكيش إزاي وأنتِ ضاربة بوز وعنيكي دبلانة كأنك معيطة؟ مالك يا بنتي؟
-مليش يا ورد، قلتلك مصدعة شوية، الظاهر منمتش كويس.
وقبل أن تعقب "ورد" رن هاتفها لتجيبه بسرعة:
-ألو... أهلاً يا شريف.
-أهي قدامي.
قالتها "ورد" قبل أن تلمح إشارة "أحلام" لها أنها لا تريد الإجابة، لتجدها تمد لها يدها بالهاتف. التقطت الهاتف بتردد وعينيها تهرب من عيني شقيقتها المعلقة بها لتجيب بتوتر:
-ألو.
ليأتيها صوته المتلهف يسألها بقلق:
-ألو أحلام، أنتِ فين؟ مش بتردي على اتصالاتي والرسايل ليه؟ مالك؟ فيكِ حاجة؟
خفق قلبها بعنف بين أضلعها كأنها تسمع صوته لأول مرة بوضوح بعد أن انقشعت تلك الكذبة المسماة صداقة بين فتاة ورجل؛ فها هو صوته يؤكد لها ما تشعر به. أجابته بصوت مهزوز وكلمات متقطعة:
-معلش، عندي صداع.
تضاعف قلقه يسألها بخوف:
-ألف سلامة عليكِ، أجيبلك دوا؟
لتجيبه باقتضاب:
-لا متشكرة، بابا جابلي دوا.
ثم أضافت بشيء من الحدة كأنها تقطع عليه وعلى نفسها الاسترسال في الحديث كما تعود منها:
-عن إذنك، أنا تعبانة وعاوزة أنام... مع السلامة.
أغلقت الهاتف قبل أن تسمع إجابته، وأعطته لـ "ورد" التي سألتها مستفسرة بعد أن استغربت أسلوبها في الحديث معه:
-أنتِ متخانقة مع شريف؟
-لا.
ثم تمددت تشير لشقيقتها بالخروج:
-لو سمحتي يا ورد، عاوزة أنام، ابقي اقفلي الباب وراكي.
نظرت لها "ورد" بتعجب قبل أن تمط شفتيها وتغادر بقلة حيلة. أما هو فما أن أغلقت الهاتف حتى نظر إلى الشاشة بدهشة يسأل نفسه ما سر هذا الغضب؟ ولماذا تتحدث معه بهذا الأسلوب؟ لكنه برر ذلك ربما كانت صادقة وهذا من تأثير الصداع.
******'' '' *******************
كان يوزع الهدايا على الأطفال في الدار، لا ينكر أن قضاء الوقت معهم يمنحه شعوراً بالراحة؛ فابتسامتهم تسعده ويجعله يتذوق لذة العطاء. استمر بالتوزيع والأطفال يتجاوبون معه مسرورين، حتى لمحها تجلس بجانب طفل منعزل يجلس وحيداً يبكي وهي تواسيه، فتذكر حديثها؛ يبدو أنه اليوم الأول لهذا الصغير في هذا المكان.
اقترب منهم بتوجس وجلس بجانب الصغير دون استئذان، لينكمش الصغير فتنظر له "رحمة" بامتعاض. أشعر الهدية أمامه وقال:
-أنا دكتور زياد، ودي حصتك يا بطل.
طالعه الصغير بخوف ولم يتقبل ما يقدمه له، بل ظل يمسح دموعه بأصابعه الصغيرة، و"رحمة" تمسح على ذراعه تحاول تهدئته بوجه متجهم من تطفل "زياد" الذي قطع عليها حوارها مع الصغير. لكن "زياد" عاد يحاول من جديد فقال بفكاهة يهز أمامه الكيس:
-بصي يا بطل، متخافش، دي فرشة أسنان صغيرة ومعجون أسنان، وبص دي.
ليخرج من جيبه مرآة خاصة بأطباء الأسنان موضوعة داخل مغلف، أزال الغلاف وبدأ يشرح له والطفل توقف عن البكاء وبدأ يراقبه بفضول:
-بص يا سيدي، دي مراية هنقدر نشوف بيها السوسة اللي في السنان.
بدأ الصغير يعقد حاجبيه بعدم فهم، لتتفاجأ "رحمة" به ينهض ويتجه نحوها ويباغتها بأن يمسك فكها يجبرها على فتح فمها. انتابها الغضب وحاولت التملص منه ليقول لها هامساً:
-بس هتخوفي الولد، اهدي.
حاولت دفع يده بقوة لكنه كان يحكم قبضته على فكها ودس تلك الأداة في فمها، ووجهه تزينه ابتسامة من تعابيرها المنفعلة، ليهتف محاولاً تهدئتها:
-تعالى يا حبيبي، شوف السوسة اللي في سنان أبلة رحمة.
هدأت حركتها عندما وجدت الصغير يقترب منهم، واستجابت مرغمة لأصابعه التي تضغط على فكها، وفتحت فمها وهي تجد الصغير يميل ليشاهد ما يريه "زياد" الذي بدأ يتغزل بها مستغلاً هذا الموقف:
-شايف يا حبيبي، سنان أبلة الجميلة زي اللولو، دا عشان بتفرش أسنانها.
ابتسم الطفل بعفوية وعينيه تبصر بانبهار ما يفعله "زياد" وهو يحرك المرآة على أسنانها. لكنها احمرت بخجل عندما تنهد بهيام يخبر الصغير:
-شايف عينيها؟ تجنن إزاي! وحشوني أوي.
-عينين إيه يا عمو؟
سألها الطفل ببراءة، ليرتبك "زياد" يكتم ضحكاته ويصحح له:
-عينين إيه؟ سنان يا حبيبي.
ضربت بقدمها على قدمه تجبره على الابتعاد، ليصرخ متأوهاً وابتعد عنها قليلاً، فنفضت يده عنها بعنف:
-آه... رجلي يا مجنونة.
نظرت له بتحدٍ وقالت حانقة:
-أحسن، عشان تحرم يا مستغل.
كان الطفل يوزع نظراته بين الاثنين بتعجب وعدم فهم. قهقه "زياد" ضاحكاً على امتعاضها واقترب من الصغير ينزل لمستواه ويخرج أداة جديدة يعطيها له ويقول له مبتسماً:
-دي جديدة عشانك يا بطل، عشان لما تكبر تكون دكتور أسنان زيي.
ثم ناوله هديته لينسى الصغير بكاءه ويتشبث بالهدية فرحاً بها، فانصرف بعد أن انحنى يهمس لها:
-مع السلامة يا حبيبة روحي.
تركها تنظر لأثره بغيض، فكل مرة يقترب منها يشعرها بضعفها أمام قربه، فتعود لتجلد قلبها الخائن وتبني سوراً حوله من جديد.
**************'' '****************
كانت تجلس بجانب "صفاء" السعيدة بوجوده اليوم معها بعد مرور فترة على تلك الحادثة وجراحها التي التأمت بشكل جيد، فقررت دعوته هو و"قمر" لتناول العشاء معهم. انتبهت "صفاء" لذلك الحزن الذي سكن عينيها لتسألها بقلق:
-مالك يا قمر؟ شكلك زعلانة، فيه حاجة مضيقاكي يا بنتي؟
تنهدت بيأس تجيبها بقلة حيلة:
-ثالث شركة يا تيتة أقدملها الـ (سي في) بتاعي وأترفض، بابا عرض عليّ يكلم صحابه بس أنا رفضت، كنت عاوزة أشتغل في اختصاصي.
رغم ادعائه اندماجه مع جهازه اللوحي لكن أذنه التقطت شكواها لجدته ليعلم سبب ضيقها في الأيام الماضية. ليتفاجأ بنداء جدته التي صدمته بطلبها:
-حسين، ما تاخد قمر تشتغل معاك في المكتب.
رفع نظره نحوها ببطء فصدمت بعينها التي كانت تترقب جوابه ليسألها:
-أنتِ عاوزة تشتغلي معايا في المكتب يا قمر؟
وقبل أن تجيب سبقتها "صفاء" التي قالت بحدة تؤنبه:
-أيوه تشتغل مع جوزها أحسن ما تشتغل مع الغريب، وبعدين باختصاصها هتنفعك في المكتب.
ثم أضافت تجبره على الموافقة:
-ممكن تدي عرض بعد التنفيذ، ممكن تصميم الديكور كمان.
كانت "قمر" توزع نظراتها بينهم، وأدهشها عرض "صفاء" التي شعرت أنها تضغط عليه كي يوافق، عيناها تثبتت عليه عندما قهقه ضاحكاً يشاكس جدته:
-إيه دا يا صافي؟ دا أنتِ داخلة حامية ولقيتي العرض كمان!
لتتحول نظراته إليها وقال مازحاً:
-خلاص يا قمر، أنتِ واسطتك قوية، من بكرة تقدري تيجي المكتب وتستلمي شغلك.
ابتهج وجهها بسعادة لتقول بصوت متلهف:
-متشكرة أوي.
لتزجرها "صفاء" تلومها مستنكرة:
-بتشكري على إيه يا هبلة؟ دا جوزك يعني دا واجبه.
-صافي، مالك قالبة عليّ النهاردة ليه؟ وإلا من لقى صحابه نسي أحبابه.
هتف بها "حسين" متذمراً، لكن "صفاء" استمرت تحادثه بتحدٍ:
-دي الحقيقة يا ابن علي، هي الراجل إذا ما كانش يسند مراته هتتسند على مين؟
لتربت على يد "قمر" مبتسمة:
-وبعدين دي "قمر" مرات الغالي، يعني غلاوتها من غلاوتك يا سونة.
لتقبل "قمر" وجنتها بامتنان:
-متشكرة يا تيتة.
أما "حسين" فنهض من مكانه حتى جلس بجانبها يحتضنها بعد أن قبل رأسها:
-حبيبتي يا صافي يا ست الكل، أيوه كده، دا أنا ابتديت أغير، افتكرتك نسيتيني، بس أدام قلتي "سونة" أنا اطمنت.
-حد بينسى روحه يا سونة؟
قالتها وهي تبادله العناق. ابتعد عنها لتضرب فخذه بخفة وتأمره بجدية:
-ما تقوم تشوف أبوك وأمك اتأخروا ليه.
استقام واقفاً ينفذ طلبها ليتوقف عندما هتفت تناديه:
-خد قمر معاك.
ولم تنتظر جوابه بل التفتت نحوها تحثها على مرافقته:
-يالا روحي مع جوزك.
ارتبكت توزع نظراتها بينهما لتجد الإصرار في عين "صفاء" والهروب في عينيه. نهضت بتردد واتبعته ليسبقها بخطوة نحو الخارج، سارت خلفه في صمت حتى وجدته يقف في منتصف الحديقة، والتفت إليها مشيراً نحو منزل والديه:
-اسبقيني يا قمر، أنا هدخن سيجارة وألحقك.
أخرج علبة سجائره وأشعل إحداها ليتفاجأ بها لا تزال تقف مكانها، فيطالعها بتعجب:
-أنتِ لسة واقفة ليه؟
فركت يديها بارتباك وقالت خجلة:
-معلش هستناكِ، بتكسف أدخل لوحدي.
ابتسم ساخراً يردد حديثها باستهجان:
-بتتكسفي من بيت خالتك؟
احمرت وجنتاها بحرج لتزداد فتنة، أشاح وجهه بعيداً يهرب من مشاعره التي تتأجج بحضورها:
-أهو بتكسف وخلاص.
أجابته هاربة هي الأخرى من عينيه، ليعم الصمت الذي تخلله صوت أنفاسهم المضطربة، حتى اخترق سؤالها جدار ذلك الصمت حين سألته بتوتر:
-حسين، هو أنت وافقت على شغلي معاك بسبب ضغط تيتة صفاء؟
نفث دخان سيجارته وسألها بجمود:
-ليه بتقولي كده؟
تنهدت بحيرة قبل أن تجيبه:
-مش عارفة، حسيت كده.
التفت نصف التفاتة لها ورمقها بنظرة جانبية أربكتها، قبل أن يعود لينفث دخان سيجارته من جديد ويقول ببرود:
-محدش يقدر يجبرني على حاجة أنا مش مقتنع فيها وتيتة عارفة دا كويس، أنا وافقت على شغلك عشان هي عندها حق، أنتِ تشتغلي معايا أحسن ما تشتغلي عند الغريب.
ثم أضاف متهكماً بمراره:
-أهو في الآخر اسمي جوزك.
نبرته المتهكمة نغزت قلبها بضيق، تجاوزته واكتفت بالصمت وانتظاره، لكن سيجارته أتبعها بأخرى. ظنت أنه يحاول استفزازها لتقول بحنق:
-دي سيجارة تانية.
-عندي صداع.
قالها ببرود زاد من غيضها، لتربع يدها على صدرها بانزعاج وتنفخ أنفاسها متأففة بضجر. لكن ما لا تعلمه أنه كان يحاول أن يطيل الوقت بلا وعي مستجيباً لنداء خافقه.
-هو أنتِ مجربتش تبطل تدخين؟
-كنت ناوي بس الظروف مسمحتش.
ابتسم ساخراً بحزن قبل أن يردف:
-بالعكس، أنا دلوقت بدخن أكتر.
لا تعلم لماذا أشفقت عليه، تعرف أنه يقصدها لتقول له ناصحة:
-لازم يكون عندك إرادة عشان تبطل، كده مش كويس عشان صحتك.
-عمر الشقي بقي.
هكذا أجابها قبل أن يلقي عقب سيجارته ويدهسه، ثم استدار نحوها يشير لها أن تسبقه.
دخلا بيت خالتها ليخلع عنه جموده ويهتف بمرح:
-يا أهل الدار، أين أنتم؟
-نحن هنا، تعالى يا حبيبي.
هتفت بها "هدى" بفكاهة وهي تستقبله حيث كانت تجلس هي و"علي" و"حسن" و"سندس" في صالة منزلهم. رحب الجميع بهم ليسألهم "حسين" بدهشة:
-أنتوا جاهزين؟ تيتة بتستناكم، اتأخرتوا ليه؟
لوت "هدى" شفتها باستهجان وقالت متذمرة:
-آه والله جاهزين، بس بنستنى ست "لوكا" اللي بقالها ساعة بتجهز.
ثم أشارت إليه أن يجلس:
-اقعد يا حبيبي، واقف ليه؟
ثم حولت نظرها نحو "قمر":
-قعدي يا قمر.
جلس لتجلس بجانبه على استحياء، اندمج هو بالحديث مع والديه، اكتفت هي بالاستماع، لكن وقعت عينيها على "سندس"؛ لا تعلم لماذا تشعر أن الحزن يكسو ملامحها. لمحت ثوبها بلونه الداكن ومقاسه الواسع قليلاً وتعجبت من شرودها، رغم أن "حسن" يحادثها لكنها لا تجيب سوى بإيماءة وابتسامة باهتة خالفت ابتسامتها السابقة؛ كانت يملؤها الحياة لكنها اليوم خامدة كشمس خريف غطتها الغيوم. لتداهمها تساؤلات عديدة: ترى هل بعدها عن أهلها هو السبب أم حياتها مع "حسن"؟ هل ما تسمعه من "مليكة" عن مزاج "حسن" المتعسر وانفعاله السريع طغى على علاقته مع زوجته؟ أم هي فقط من تعتقد ذلك؟ عيناها رحلت نحو "حسن" الجالس بجانبها تمعن النظر إليه؛ لتنتبه لحاجبيه المعقودين ووجهه المتجهم كأنها تراه للمرة الأولى.
*******'' '' '***************
هبط سلالم منزلهم بإرهاق، يعلم أن الوقت متأخر لكنه يحتاج إلى فنجان قهوة، ربما يستطيع التخلص من هذا الصداع الذي لازمه منذ ساعات. اتجه إلى المطبخ ليقف مبتسماً وهو يراها تقف أمام الموقد تعد قهوة هي الأخرى. استند على حافة الباب لحظات يراقبها قبل أن يتحمحم كي تنتبه.
لتجفل فزعة وتلتفت بسرعة واضعة يدها على صدرها:
-بسم الله الرحمن الرحيم.
التقطت أنفاسها بارتياح عندما شاهدته لتعاتبه بأنفاس لاهثة:
-خضتني يا دكتور.
ابتسم يخبرها معتذراً:
-آسف، والله ما كانش قصدي.
-خلاص، ولا يهمك.
اقترب يسحب أحد الكراسي وجلس يسألها برجاء:
-ممكن تعمليلي فنجان قهوة معاك يا نونو؟
ابتسمت بطاعة وقالت:
-من عينيا، حاضر.
وفي لحظة إدراك وهو يراقب حركتها سألها بفضول:
-بس أنتِ ليه بتعملي القهوة هنا مش في مطبخ الجناح؟ هو أنتِ ناقصك حاجة؟ قولي يا نونو متتكسفيش.
هزت رأسها نافية تجيبه بحرج:
-لا والله، مش ناقصني حاجة بس كنت بذاكر في الجنينة وجلت أعمل قهوة عشان أقدر أذاكر.
ليلومها بخوف:
-بس الجو ابتدى يبرد، كده هتاخدي برد.
هزت رأسها مؤيدة لمكانه بررت له:
-أصلي بحب جو الجنينة، بحس إنه بيفتح نفسي عالـمذاكرة.
-خلاص، البسي تقيل ومتتأخريش بالليل.
-حاضر.
وضعت أمامه القهوة وسحبت كرسياً قريباً تشرب قهوتها معه. رفع فنجانه يستنشق رائحة القهوة كما تعود قبل أن يرتشف القليل بتلذذ فيخبرها باستحسان:
-حلو أوي يا نونو، تسلم إيدك.
اتسعت ابتسامتها بخجل إثر مديحه ليسألها مستفسراً:
-هاااا، أخبار الدراسة إيه؟
تبدلت ملامحها ورحلت تلك الابتسامة التي كانت تنير وجهها ليحل محلها عبوس أقلقه:
-إيه؟ مالك يا نور؟ هو فيه حاجة؟
تلالأت الدموع في عينها وأجابت بصوت مختنق:
-أقولك ومتضحكش عليا.
ضحك بعد جملتها ليمتعض وجهها وتقول مستنكرة:
-أنت بتضحك قبل ما أتكلم!
هز رأسه يحاول السيطرة على ضحكاته وقال معتذراً يضع كفه على فمه:
-لا خلاص مش هضحك، قولي أنا سامعك.
-حاسة بالغربة جوي، مش قادرة أصاحب حد، خايفة من كل اللي حواليا وساعات بتكسف لما بشوفهم بيبتسموا على طريقة كلامي.
ابتلع ضحكاته متأثراً بحديثها ودموعها التي تزامنت مع كلماتها كأنها كانت تحبسها وتحررت مع بوحها بمشاعرها المكتومة ليسألها بقلق:
-هو فيه حد من زملائك بيضايقك؟
هزت رأسها نافية وهي تكفكف دموعها:
-لا، ما حدش جرب لي، بس أنا حاسة إني غريبة عنهم مش زيهم.
-طب ليه حاسة كده؟ أنتِ ناقصك حاجة؟ لو ناقصك حاجة وبتجلي كأنها، قوليلي إيه اللي عندهم مش عندك.
طأطأت رأسها بحرج وقالت بخفوت:
-مش ناجصني حاجة، بالعكس لبسي حلو وحاجتي حلوة، بس...
احتدت لهجته يسألها بتعجب:
-أمال إيه اللي بيخليكي تحسي كده؟ اتكلمي خليني أفهم.
حدة لهجته ضاعفت خوفها لتجيبه بكلمات متقطعة:
-مابعرفش أتكلم زيهم ولا أتصرّف زيهم، وكمان بتكسف أتكلم.
-ليه يا نور تتكسفي من كلامك؟ بالعكس، دا أحلى حاجة إن الواحد يفخر بأصله ولهجته.
اقترب نحوها وقال يحاول إقناعها برفق:
-بصيلي يا نور.
رفعت عينيها لتتشابك نظراتهم فقال بلطف:
-بلاش يكون تفكيرك سلبي يا نور، أنتِ مش أقل من غيرك، بلاش تنتقصي من نفسك، نظرتك لنفسك هي اللي هتحدد نظرة الناس ليكِ، يعني أنتِ مراية نفسك، زي ما هتبصي لنفسك الناس هتبصلك، فهماني؟
أومأت برأسها ليسترسل:
-وبعدين أخلاقك واجتهادك وتفوقك هي اللي هتجبر الناس تحترمك، مش الكلام ولا اللهجة ولا الأفكار الغريبة اللي في دماغك.
ثم أضاف بحزم ضاغط على كلماته:
-أنا مابحبش أشوفك ضعيفة كده، أنا عاوزك قوية ومتفوقة زي ما واعدتيني.
مسحت آثار الدموع تحرك رأسها بتفهم لتتسع ابتسامته وهو يحثها:
-يالا اشربي قهوتك، وخليني أشوف ضحكتك الحلوة قبل ما تروحي تذاكري.
ابتسمت بحرج واحتست قهوتها التي بردت، ليشاكسها:
-شفتي؟ أهي القهوة بردت يا جبانة.
لتقول بحرج معتذرة بصوت مبحوح:
-أعملك واحدة جديدة؟
ضحك يشربها بقلة حيلة يوهمها بانزعاجه:
-لا يا ستي خلاص، اديني شربتها، ومش عاوز قهوة، عاوز وعد إني مشوفكيش ضعيفة تاني.
-حاضر.
ليجد نفسه يضع يده على يدها الموضوعة على الطاولة بلا وعي يكرر طلبه:
-وعد؟
سحبت يدها بسرعة وقالت وهي تنهض بارتباك وقالت قبل أن تفر من أمامه مسرعة:
-وعد، عن إذنك.
نظر إلى أثرها ليدرك خطأه متأخراً فيلوم نفسه على تصرف لم يكن يقصده، لكن يبدو أنه قد ضايقها.
***************************'
اليوم ستبدأ عملها معه، اختارت ثوباً أنيقاً وانضمت إليه في سيارته ليطالع مظهرها برضا قبل أن ينطلق نحو مكتبه، وفي داخله شعور متضارب بين سعادة لأنها ستكون معه دائماً، وخوف أن يتعبه هذا القرب ويضعف قلبه أمامها. ساد الصمت طيلة الطريق حتى وصل إلى المكان، فترجل من السيارة وتبعته هي كما الطفل والدته.
دخلا إلى المبنى الضخم وصعدا المصعد نحو الطابق المنشود. خرج من باب المصعد ليتفاجأ بها تتشبث بذراعه؛ فقد أحاطت عضده وساعده بكفيها. انتفض قلبه من لمستها، ثم سكن جسده لحظات يحاول أن يستوعب ما تفعله. اختلس نظرة نحوها، فرأى حدقتيها تتحركان باضطراب، مما جعله يتفهم قلقها من المكان.
توسل إليه قلبه أن يطمئنها، لكنه بات يخشى أن يمنحه الأمل فيطعنه خنجر الخذلان من جديد. عاد يتحرك وهي تتبعه، فأشار لها نحو المكان. تحولت عيناها المضطربتان إلى عينين مبهورتين؛ فقد كانت تظنه مجرد مكتب صغير، لكن ما تراه أمامها الآن مكتب فخم يشبه شركة مصغرة. كانت تراقب دخوله المكان بخطوات متزنة يملؤها الثقة، وتراقب الموظفين الذين يقفون له باحترام، ورغم قلتهم، إلا أنهم كانوا يطالعونه بهيبة.
ـ صباح الخير.
ـ صباح الخير يا باشمهندس.
وقف لثوانٍ يعطي أوامره بعملية، وهم ينصتون له بإمعان، يعقبون على حديثه ويستلمون منه التعليمات. حاولت أن تخفي دهشتها مما تراه؛ هل هذا هو "حسين" الذي كان لا يكف عن المزاح؟ هل هذا هو من كانت تنعته بالتافه؟
أخفضت عينيها تلوم نفسها؛ هل كانت عمياء إلى هذه الدرجة ولم ترَ حقيقته؟ خفق قلبها بقوة عندما أشار نحوها يرسم ابتسامة بسيطة ويعرفهم بها:
-الباشمهندسة قمر.. المدام.
-أهلاً يا فندم.
توالى الجميع يرحبون بها، فمنهم من حضر زفافها فكانت تعرفهم، ومنهم من تراه للمرة الأولى. سار نحو مكتبه، فتح الباب ودخل. اتسعت عيناها بذهول حاولت إخفاءه عندما وجدت فتاة جميلة تستقبله بوجه مشرق وابتسامة عريضة، تلاشت تدريجياً عندما رأتها معه.
ـ صباح الخير.
صوتها الذي خرج بتوتر، ونظرة عينيها المصدومة، جعلت "قمر" تدرك أن هذه الفتاة تحمل خلفها شيئاً مبهماً. ازدادت صدمتها عندما أجابها "حسين" مبتسماً:
-صباح الخير يا سالي.
ليشير نحو "قمر" ويخبرها محافظاً على ابتسامته:
-باشمهندسة قمر، مراتي.
ثم التفت نحو "قمر" مشيراً لها:
-سالي، زميلتي من أيام الكلية، مهندسة شاطرة وذراعي اليمين هنا في المكتب يا قمر.
لم تستطع إخفاء ضيقها وهو يمدح امرأة أخرى أمامها، ليشعر بأصابعها تضغط على ذراعه عندما التفتت نحو "سالي" ترسم ابتسامة كاذبة وتقول ببرود:
-أهلاً.
أما "سالي" فتلجلجت الكلمات على لسانها، فرؤيتها لزوجته المتشبثة بذراعه حطم قلبها العاشق له، لكنها مثلت الثبات:
-أهلاً يا مدام.
وازدادت صدمته سالي عندما قال لها:
-قمر هتشتغل معانا، هتاخد مكان "عليا" مؤقتاً لحد ما ترجع من إجازتها ونوضب مكتب جديد ليها.
ثم أضاف يخبرها بمقترح جدته لتومئ له:
-اللي تشوفه... عن إذنكم.
انصرفت وعين "قمر" تلاحقها بنظرات مستنكرة. انتبه ليدها التي لا تزال متشبثة به نظر إليها يسألها:
-تحبي أوريكي مكانك وأعرفك على زمايلك، وإلا نكمل اليوم استطلاع بس؟
كانت عيناها لا تزال معلقتين على الباب المغلق لتنتبه لسؤاله وتفلت يده أخيراً:
-براحتك.
اتجه نحو مكتبه وقال بعد أن جلس مكانه:
-خلاص، هعمل كم حاجة وبعدين آخدك عشان تشوفي مكانك وطبيعة الشغل.
ثم أشار إليها:
-اتفضلي، تحبي تشربي حاجة؟
-لا متشكرة.
ظلت تراقبه وهو يعمل وتتابع اهتمامه بعمله وتعامله مع الآخرين، وبذات تلك التي لم يخفَ عليها نظرات الإعجاب التي ترمقه بها، ليتملكها الضيق والانزعاج من تلك النظرات التي لم تَرُق لها.
***********************
الجميع بدأ يلاحظ مزاجه الذي أصبح معكراً دائماً وانفعاله السريع هذه الأيام. هو نفسه لا يعلم لماذا أصبح لا يطيق سماع أحد ويثور من كلمات بسيطة، يشعر بالاختناق غير المبرر.
أغلق محلات والده واتجه نحو سيارته، ركب السيارة ينظر لهاتفه بحنق يطالع رسالته التي لم تُجب عليها منذ يومين، ليبعث لها رسالة أخرى. وتبخر صبره وحاول الاتصال بها، لينفخ أنفاسه بغيض عندما انقطع الاتصال دون أن تجيب. أعاد رأسه إلى الوراء يستنده على المقعد خلفه وزفر نفساً طويلاً يسأل نفسه كأنه يحاور طيفها:
-بطلتي تردي ليه؟ هو أنا غلطت معاكِ في إيه؟ ليه تغيرتِ كده فجأة؟
ثم أضاف معترفاً لنفسه:
-وحشتني أوي، ما كنتش عارف إن بعدها هيأثر فيّ كده.
اهتز هاتفه وتعالى رنينه ليلتقطه بلهفة ظناً منه أنها هي، اختفت فرحته عندما وجد المتصل صديقه "رامز". أجاب بجمود:
-ألو، أهلاً يا رامز.
-أهلاً يا شريف، عامل إيه يا أبو النسب؟
تعجب "شريف" من نعته له بهذه الصفة ليكرر كلمته بدهشة:
-أبو النسب؟
قهقه "رامز" ضاحكاً من دهشته:
-شكلك لسه معرفتش.
قطب حاجبيه باستغراب وسأله:
-معرفش إيه؟
-أنا اتقدمت لبنت عمك "أحلام" إمبارح.
اتسعت عيناه بذهول وشلت الصدمة أفكاره، يحاول استيعاب ما يتفوه به هذا المجنون:
-بتقول إيه؟ خطبت أحلام؟!
الفصل 25
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
كم جميل أن تملك حلمًا تتمنى أن تصله، لكن الأجمل أن تلمس ذلك الحلم بيدك، أن تستنشق رائحة نجاحك وتتذوق حلاوة الوصول، وإن كان حلمك بسيطًا يبقى حلمًا أغمضت عينك ذات يوم وتمنيت حدوثه.
سارت بجانب والديها لتدخل ذلك المكان، صرح كبير وحدث ضخم، دخلته في السنوات السابقة كقارئة، لكنها اليوم تدخله ككاتبة. خفق قلبها بمزيج من الخوف والسعادة، تملكها شيء من الرهبة، قشعر جسدها لها وهي تسير بين الجموع؛ خطوات مزدحمة، أصوات متداخلة، كتاب حملوا ثمار جهودهم بفخر، وقراء التمعت عيونهم لرؤية مفضليهم. رائحة الكتب كانت تملأ المكان، تعطيه طابعًا مختلفًا وتمنحه جوًا من الرقي يخلد فيها أسماء.
خطت بالورق والقلم قصصًا وروايات، أفكارًا كانت تنسج في خيالها لترى النور اليوم عبر صفحات الكتب.
عينيها كانت تدور بانبهار، لسانها يلهج بالحمد، لكن خطواتها كانت تحمل نوعًا من التوتر كلما اقتربت من المكان المخصص لدار النشر.
اضطربت دقات قلبها فجأة، وجثا على صدرها خوف أقلقها، حاولت أن تزيحه عن فكرها. التفتت يميناً ويساراً لتشعر بالدفء في نظرات والديها، كانا يطالعانها بفخر، منحها ذلك شيئاً من الطمأنينة لتغدو خطواتها أكثر ثقة بوجودهم معها. شعرت بيد "طارق" تلمس يدها الباردة، فتوقف فجأة لتتوقف بعده "ندى" التي كانت متأخرة عنهم بخطوة، والتفت إليها تشق ثغرها ابتسامة هادئة:
_ وردتي، مهما حصل إحنا هنكون فخورين بيكِ، وجودك النهاردة هنا في حد ذاته إنجاز إحنا فخورين فيه.
مسحت "ندى" على يدها تدعم كلام "طارق" وتقول بصوت دافئ:
_ افتكري دايماً إنك سعيتِ للحلم ده، وعملتِ اللي عليكِ، وكفاية إن اسمك اتحط جنب أسماء كبيرة.
تلالأت عينيها بالدموع، وحمدت الله على نعمة وجودهما في حياتها. يدها الباردة هدأت بعد أن تسلل دفء يد والدها إليها، وسكنت دقات قلبها الخائف بعد نظراتهم المطمئنة لها.
وصلت إلى الجناح حيث تمكث رواياتها على الرفوف بين روايات أخرى، لمعت عينيها بسرور عندما لمحتها بغلافها الجميل تزين المكان، وكأن عينيها لا ترى سواها. اقتربت منها تلتقطها بيد مرتعشة شابهت ارتعاش قلبها لتنساب دموعها فرحاً، فمسحتها كفوف والدها الذي ضمها إليه مبتسماً:
_ ألف مبروك يا وردتي.
ابتعد يفسح المجال لـ"ندى" التي ضمتها هي الأخرى تبارك لها:
_ ألف مبروك يا حبيبتي.
_ الله يبارك فيكم، متشكرة أوي لأنكم معايا.
قالتها بامتنان صادق ليبادلها الاثنان الابتسامة بفخر.
وبعد مضي وقت قليل قرر "ندى" و"طارق" أخذ جولة في المعرض بينما هي آثرت البقاء بجانب روايتها، كأنها تنظر لها كأنها ابنتها التي تخشى عليها البقاء بمفردها.
كانت تراقب المارة مستاءة بعد أن تسلل الضجر إليها، فقررت الذهاب إلى روايتها علها تستمد منها قوتها. انحنت تمد يديها في محاولة لالتقاطها، فارتطم رأسها بجسد باغتها مندفعاً نحو المكان، خرجت تأوه خافت منها:
_ آه.. آه.
ثم دعكت رأسها بضيق.
_ أنا آسف، حضرتك اتعورتِ؟ معلش أنا ماكنش قصدي، لكن المكان زحمة زي ما أنتِ شايفه.
زفرت أنفاسها بحنق وقررت أن توبخه بأدب، رفعت رأسها ببطء تستعد لصدام معه لكنها تسمرت مكانها لتتجمد عينيها وهي تجده يقف أمامها. بلعت ريقها بتوتر تسأل نفسها: هل يمكن لأبطال الروايات أن يوجدوا في الحقيقة؟ كيف خرج من الرواية ليقف الآن أمامها؟ هو نسخة منه؛ حتى ذلك الشيب الذي خالط خصلات شعره الداكنة، هيبته ووقاره، حتى عينيه التي تحمل تلك الحدة التي وصفتها الكاتبة.
تحديقها به واستمرار صمتها جعله يكرر أسفه ويسألها بقلق:
_ أنا آسف، أنتِ بخير؟
صوته أفاقها لتحاول لملمة شتاتها وتقول بارتباك:
_ محصلش حاجة، عن إذنك.
ابتعدت عن المكان بإكمله تخفي توترها، متخذة من البحث عن والديها حجة تشغل فيها عقلها عن لقائها به.
**********'' '' ***'*' ''*******'***' '
نظرت إلى ذلك التصميم الذي صنعته باستحسان وابتسامة رضى تهمس لنفسها تشجعها:
_ برافو يا قمر، والله تحفة.
رغم أنه كان تصميمًا تجريبيًا لكنها كانت سعيدة به كأول تصميم لها معهم. لتحمل جهازها اللوحي وتقرر أخذ رأيه به، اتجهت نحو مكتبه بسعادة غامرة، فتحت الباب لتتبدل سعادتها لصدمة شلت تفكيرها؛ وهي ترى "سالي" تقف قريبة منه، تميل باتجاهه تريه شيئاً وتبادله الضحكات. كادت نيران تنشب في قلبها، وكانت ستفر من المكان، لكن نظرة "سالي" التي انتبهت لصوت الباب جعلتها تتراجع عن قرارها وتتقدم نحوهم بثبات دون أن تنطق بكلمة.
_ أهلاً يا قمر.
عينيها المسلطة نحو تلك التي ابتعدت عندما وجدت خطواتها تقترب.
_ كنت جاية أوريك حاجة.
أطفأ سيجارته وعاد بنظراته نحو ذلك التصميم الذي وضعته "سالي" بين يديه.
_ ثواني وأكون معاكِ.
نظراته التي توزعت بين "سالي" والتصميم كانت كبنزين صب فوق نيران قلبها الذي لا تعلم لماذا بدأ يعتصرها بألم.
_ عدلي اللي قلتلك عليه وهاتي أشوفه تاني.
ابتسمت له شاكرة، وسط نظرات "قمر" التي كانت تتمنى في هذه اللحظة أن تجذبها من خصلات شعرها وتصفعها كي تزيل تلك الابتسامة السمجة عن وجهها.
_ آسفة، اتأخرت عن قهوتك، اتفضل.
قالتها "سالي" تقدم له فنجان القهوة الموضوع جانباً، لكن اضطرابها من نظرات "قمر" التي تخترقها جعل يدها ترتبك، فتنسكب القهوة على بنطاله لتشهق معتذرة:
_ آسفة.. آسفة.. ماكنش قصدي.
أجابها بسرعة:
_ حصل خير.
نفض بنطاله لكنه تفاجأ بيد "قمر" التي سبقت يده تسأله بقلق:
_ هي كانت سخنة؟
خفق قلبه بشدة ويدها تلامس جسده وعينيها تطالعه بلهفة. ثم نهضت تنتشل المناديل من يد "سالي" التي كانت تحاول الاقتراب منه، قبل أن ترمقها بنظرات حادة أوقفتها متصنمة في مكانها، لتتبع نظراتها بجملة ضغطت على حروفها علها تصل إلى تلك المتطفلة:
_ هنظفهولك حالاً، بس لو تقدر ترفعه عشان لو فيه حرق.
أخفضت "سالي" عينها بكسرة وانسحبت من المكان بعد أن فهمت رسالة "قمر"؛ فهي زوجته والأحق بالبقاء.
اتجهت نحو الثلاجة وأحضرت القليل من الماء تبلل تلك المناديل، ثم جثت على ركبتيها تنظف له تلك البقعة، وترفع رأسها تسأله:
_ ليكون فيه حرق؟
عينيه التي كانت تتبعها بشغف، وقلبه سعيد بحركتها رغم ذلك الخوف الذي يكبلها، بالكاد استطاع إخراج الكلمات من فمه بتلعثم:
_ لا، هي ماكنتش سخنة.
تنهدت بارتياح متمتمة:
_ الحمد لله.
نهضت وقالت تمازحه:
_ يله الحمد لله، البنطلون أسود مش هتبان البقعة عليه.
_ متشكر يا قمر.
ألقت المناديل المتسخة في القمامة، وقفت تلتقط جهازها اللوحي تهم بالمغادرة:
_ محتاج حاجة مني؟
_ لا، متشكر.
ابتلعت غصة مرة تخنقها تلك الرسمية التي يعاملها بها، لتجر خطاها بخيبة أمل نحو الخارج حتى استوقفها صوته:
_ "قمر"، هو مش كان فيه تصميم عاوزة توريهولي؟
ابتهجت ملامحها وهزت رأسها بنعم قبل أن تتجه نحوه بلهفة تقترب منه حتى وقفت بجانبه وانحنت تريه التصميم والصور ثلاثية الأبعاد التي صنعتها.
حاول السيطرة على توتره بقربها وتلك المشاعر التي تأججت من نظراتها وأنفاسها القريبة، لكنه كان سعيداً وهو يرى ابتسامتها التي تتسع كلما تنقلت بين الصور تشرح له أفكارها، بادلها الابتسامة يخبرها مادحاً:
_ برافو يا "قمر"، طلعتِ شاطرة، التصميم متناسق وألوانه هادية، مازج بين الحداثة والكلاسيكية.
لمعت عينيها بفرحة وسألته بريبة:
_ أنت بتتكلم بجد وإلا بتجاملني؟
ضحك على حديثها لتحدق به متعجبة؛ لم يضحك معها منذ زواجهم.
_ أنا مش بجامل في الشغل أبداً يا "قمر".
شعرت بالغبطة لتهتف وهي تصفق بلا وعي:
_ يس.. يس.. متشكرة أوي يا "حسين".
_ على إيه؟ يله عاوزك تحفظيه وتنسخيه عشان أعرضه على صاحب الفيلا، ولو وافق هيكون ليكِ مكافأة.
اتسعت عيناها بسعادة فقالت بامتنان وهي تحمل الجهاز:
_ متشكرة أوي.
وقبل أن تغادر التفتت إليه قائلة بحماس:
_ أوعدك إني دايماً أكون عند حسن ظنك..
ثم أضافت تمازحه:
_ ليك مني صينية مكرونة بالبشاميل على العشا.
ليسألها بذات المزاح:
_ يعني دي رشوة؟
هزت رأسها نافية:
_ لا، مكافأة.
خرجت وأغلقت الباب خلفها، لينظر إلى الباب المغلق ويضع يده على قلبه المنتفض بين أضلعه كبركان أثاره قربها، وأغمض عينيه يغمغم بأسى:
_ ياريتك كنتِ عند حسن ظن قلبي يا "قمر"، وحبيتِ زي ما حبك.
************************
جلست على ذلك الكرسي الخشبي تحت تلك الشجرة العملاقة تراقب الطلبه من حولها، تشعر بالملل. أنهت محاضراتها منذ نصف ساعة، وكانت تستطيع المغادرة، لكن جسدها تخشب كأنه أصبح جزءاً من الكرسي الذي تجلس عليه، يقاوم حركتها راضخاً لأوامر ذلك القلب الذي أرهقه الشوق في انتظاره. كانت تتصنع الصدفة وتصنع الفرصة كي تلتقي به بعد أن حفظت موعد حضوره للكلية. لم تستطع كبح جماح مشاعرها ولا منع قلبها من السقوط في بحر عشقه، حتى وجدت نفسها أسيرة عينيه، تعلم أنها مخطئة وتسير في طريق مجهول لا تعلم نهايته، لكن ماذا تصنع وقلبها لم يعد ملكها بل أصبح ملكه؟ لامت نفسها وكادت أن تجبر قدميها على النهوض قسراً، لكنها لم تستطع، أدمعت عينيها بقلة حيلة قبل أن يخفق قلبها بجنون عندما سمعت صوته:
_ "مليكة"، صدفة حلوة إن أشوفك النهاردة، إزيك عاملة إيه؟
_ الحمد لله.
صوتها المختنق ونبرته المضطربة أصابه بالقلق ليسألها:
_ "مليكة"، مالك؟ فيه حاجة؟ صوتك مش طبيعي.
هزت رأسها نافية وقالت بارتباك:
_ لا، الظاهر بداية برد.
تبريرها لم يقنعه ليهتف بريبة:
_ "مليكة"، عينك مدمعة، اتكلمي فيه إيه؟ قلقتيني.
مسحت تلك الدمعة الهاربة بسرعة؛ فاهتمامه زاد من تعلقها به، لكنها مثلت الثبات:
_ لا مفيش حاجة، بس كان عندي امتحان صعب وما حلتش كويس.
تنهد بارتياح مبتسماً وهو يجلس على أحد الكراسي القريبة منها:
_ خوفتيني.. يا ستي ده امتحان بكرة تعوضيه.
عم الصمت لحظات كانت خالية سوى من زفير أنفاسهم ونظراتهم الحرجة، كأنهم يسرقون من الزمن لحظات يعلم كل منهم أنها لحظات خاطئة.
_ أخبار الأهل، إزيهم عاملين إيه؟
_ الحمد لله.
أجابته بابتسامة هادئة وسألته بفضول:
_ إزاي الشغل في المستشفى؟ مرتاح هناك؟
ابتسم يخبرها بتهكم:
_ مفيش دكتور امتياز مرتاح، بس أكيد بتعلم وبكتسب خبرة، لكن بعافر عشان أوصل.
_ كل حاجة متعبة في البداية.
هز رأسه مؤيداً:
_ أكيد.. بس هو عشان أنا طموح زيادة عن اللزوم بتعب أكتر.
_ بس دي حاجة حلوة.
_ عندك حق.
ثم استرسل يسألها عن بعض الأمور التي أخبرتها عنها في دراستها، استمر الحديث بينهم حتى مضت ساعة كاملة مندمجين في النقاشات في مواضيع مختلفة، ليقطع هذا الاندماج صوت هاتفها.
رفعت الهاتف ونظرت له بتعجب من مضي الوقت بسرعة لتقول مندهشة:
_ ده "حسين"، شكلي اتأخرت.
أجابت على شقيقها معتذرة منه بعد أن أخبرها أنه ينتظرها منذ فترة في الخارج، لتغلق الهاتف بعد أن اعتذرت منه بحرج، ونهضت تحمل أغراضها وتتمتم باستغراب:
_ معرفش الوقت مشي بسرعة كده إزاي وما حسيتش بيه.
ثم نظرت إلى عينيه المعلقة به وقالت معتذرة:
_ معلش يا دكتور، آسفة مضطرة أمشي.
لكنها توقفت لحظات عندما وجدته يحدق بها بشكل غريب، لتتحمحم بحرج تستأذن منه للمغادرة:
_ عن إذنك يا دكتور.. مع السلامة.
خطوتين خطتهما مبتعدة عنه ليستوقفها سؤاله الذي ضرب أوصالها لتتيبس مكانها بتوتر:
_ "مليكة"، هشوفك تاني الأسبوع اللي جاي؟
لعنت تهورها وقلبها الغبي؛ هل يعقل أنه فهم أنها تنتظره وأن وجودها ليس محض صدفة، إنما هي من رتبت للقائه؟ خرجت كلماتها مبعثرة بتوتر:
_ إن شاء الله لو فيه نصيب.
غادرت من أمامه هاربة بخطى مسرعة، لكن ما لم تعلمه هي أنه هو أيضاً يخطط للقائها، بل والأدهى أنه رتب جدول حضوره للكلية ليتوافق مع أيام تناسب جدول محاضراتها.
ظل ينظر لأثرها، يضع يده على قلبه الذي يخفق بشدة ويتذكر عيونها التي تسحره وتغيبه عن العالم، ثم تمتم لنفسه معترفاً لنفسه: لقد أصبح يعشقها، لكن لا زالت تلك الأفكار تقيده؛ هل ستوافق أن تعيش في الصعيد؟ أم هل سيوافق أهلها على ارتباط ابنتهم قبل تخرجها؟ تنهد بيأس؛ وهذه الأفكار أصبحت كالنار تكوي قلبه وتحبسه في سجن مخاوفه من ألا تكون من نصيبه، ويكتب لحبه الضياع.
********'' '*****************
اليوم هو ثالث أيام المعرض، لكنها اليوم ستذهب بمفردها. دخلت إلى جناح الدار لتقف مصدومة وهي تجده يقف بطوله الفارع، منحني يوقع روايته لقرائه المتجمهرين حوله؛ إذن هو كاتب وليس قارئ كما توقعت. ظلت تطالعه بحسرة، كانت تتمنى أن يتجمهر القراء حولها مثله، رحلت عيناها نحو روايتها التي لم تغادر أي نسخة منها رفوف المعرض، لتتنهد بخيبة أمل وهي تجد القراء يلتفون حول كتابهم المفضلين وهي تقف وحيدة.
رفع رأسه بعد أن تشنجت رقبته بإرهاق ما بين توقيع ومجاملات والتقاط صور، حرك رأسه يميناً ويساراً كي يخفف من ألم رقبته ليلمحها تقف منعزلة، يبدو على وجهها الحزن.
حمل إحدى نسخ روايته واتجه إليها اقترب منها بتوجس:
_ مساء الخير.
التفتت إليه مندهشة وأجابته باقتضاب:
_ مساء النور.
أشهر روايته أمامها وقال يعرفها بنفسه:
_ "مهاب صادق".. محامي وكاتب روايات بوليسية.
أجابته برسمية مفرطة:
_ أهلاً وسهلاً، بتوفيق إن شاء الله.
_ متشكر، حضرتك كاتبة وإلا قارئة؟
أجابته بصوت حمل بين طياته حزناً مبطناً لمسه هو في نبرة صوتها:
_ كاتبة.. روايتي اللي هناك.
التفت حيث أشارت إليه ليبتسم مشجعاً:
_ رومانسي حلو أوي.. أول مرة؟
أومأت برأسها تؤكد صدق ظنه:
_ أيوه.
لتتسع ابتسامتها بسعادة عندما أدهشها طلبه:
_ طب أنا عاوز أشتري نسخة، ممكن تمضي لي عليها؟
لمعت عينها بفرح أشرق معه وجهها وأسرعت تحضر له واحدة، أشار هو لمدير الدار أنه قد اشترى النسخة.
أخرجت قلماً من حقيبتها ووقعت النسخة قبل أن تعطيها له.
فتحها يقرأ اسمها ببطء:
_ "ورد طارق الجوهري".. اسم جميل.
توردت وجنتاها لإطرائه وحافظ على ابتسامته، ثم أغلق الرواية يخبرها مازحاً:
_ رغم إني مش من هواة الرومانسي، لكن هقرأ وأديكِ رأيي.
ثم فتح روايته ووقع اسمه عليها قبل أن يهديها لها:
_ دي هدية مني ليكِ.. عاوزك تقرئيها وتديني رأيك من غير مجاملة.
التقطت منه الرواية على استحياء وكررت حديثه:
_ متشكرة.. رغم إني مليش في البوليسي لكن هقرأ وأديك رأيي.
انفلتت ضحكته وقال يحثها:
_ هستنى رأيك بفارغ الصبر، ما تتأخريش.
قبضت على الرواية بقوة تعده:
_ لا، إن شاء الله مش هتأخر.
ابتعدت عندما وجدت القراء يقتربون منه ويحيطون به من جديد. كانت سعيدة جداً أن أول نسخة من روايتها قد بيعت. كان يختلس النظرات نحوها ويبتسم سعيداً أن استطاع أن يمنحها الفرح في هذه اللحظات.
**************************،،،
سرت رجفة في أطرافها حتى اهتز الفنجان بين يديها، وتلاطمت القهوة بداخله، وكادت تنسكب هاربةً من حصار جدرانه الخزفية.
لم تكن قطرات القهوة وحدها من تشتهي الهروب؛ هي أيضاً أرادت التملص من قبضته، ولو لفرصة مؤقتة، هدنة قصيرة من حروبٍ استنزفت عقلها حتى تبلدت مشاعرها، وأضحى مذاق حياتها باهتاً كرمادٍ لا لون له.
تارةً يُشعرها أنها تحيا في ربيع سعادته، وتارةً تقذفها نيران غضبه في جحيم لا يُطاق، وأخرى تُغرقها في صقيع مشاعره المتجمدة؛ حياةٌ روتينية حفظت خطواتها حد الملل.
تنهدت بيأسٍ تستجمع شجاعتها؛ يجب أن تستغل وجود والدتها، الفرصة سانحة، والهروب بات ضرورة. كانت خطواتها نحو مقعده تشبه خطوات سجينٍ يسير إلى محكمته؛ إما البراءة والخلاص، أو الحكم بالسجن المؤبد. كان قلبها يخفق برعب، ولسانها يلهج بدعاء الخلاص.
وضعت القهوة أمامه وقالت بصوتٍ حاولت جاهدةً إظهار الثبات فيه رغم ارتعاشه:
_ اتفضل.
ابتسم لها وهو يلتقط الفنجان شاكراً:
_ تسلمي يا حبيبتي.
جلست بجانبه تنظر إلى هدوئه بتهكم، ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة التي سيُحدثها طلبها بعد قليل. ساد الصمت بينهما، لم يقطعه إلا صوت مذيع نشرة الأخبار يتلو أنباء الحروب والقتال والجرائم. ابتسمت بسخرية، فداخلها لا يقل صخباً عن تلك الأخبار. أغمضت عينيها، أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته بقوة، استعداداً لمواجهة إعصار غضبه القادم.
_ "حسن"، ممكن أطلب منك طلب؟
التفتَ إليها مجيباً ولا يزال فنجانه بين يديه:
_ أيوه يا حبيبتي.
استجمعت شجاعتها الواهية وقالت دفعة واحدة:
_ ماما جاية تزورنا بكرة، هي وأصيل أخويا.
وضع فنجانه جانباً وقال بترحيب:
_ أهلاً وسهلاً، يجوا ويشرفوا في أي وقت. البيت بيتهم، وإن ما شالتهمش الأرض أشيلهم فوق راسي، دول أهلك يعني أهلي.
منحه حديثه شيئاً من الطمأنينة، وأعطاها جرعة من القوة لتكمل، فابتسمت له بامتنان:
_ متشكرة يا حبيبي.
تنحنحت وحاولت استجداء دلالها، فمسحت على ذراعه قائلة:
_ ممكن أسافر معاهم "قنا"؟ بابا وحشني أوي.
_ لا.
كان جواباً حاسماً بدد كل آمالها، فتبدلت ابتسامتها إلى عبوس، وسألته بعينين راجيتين:
_ ليه يا "حسن"؟ بابا وإخواتي وحشوني، وأنا هروح معاهم وهرجع مع "أصيل"، يعني مش هطول.
نظر إليها بعمق بعد أن زلزل طلبها كيانه. هل تريد الابتعاد عنه بعد أن أدمن وجودها؟ ربما ما كان يخشاه هو ألا تعود؛ فهي الآن ضعيفة، لكن وجودها وسط أهلها قد يمنحها القوة لاتخاذ قرار الفراق الذي يرتعب منه.
_ اديني كم يوم آخد إجازة من الشغل وأسافر معاكِ.
حجةٌ حاول بها اكتساب الوقت وضمان بقائها تحت حصاره.
_ يا "حسن"، أنت قلت إن عندكم ضغط شغل، وأهي فرصة أسافر مع ماما، ولما تفضى أبقى الحقني. وحياتي يا "حسن" وافق.
هل يريد السفر معها؟ هي تحاول أخذ هدنة من وجودها معه لتقضيها بعيداً عنه، وهو يريد مرافقتها ليبقى مسيطراً. هكذا حاورت نفسها، لكن خوفها تضاعف حين تجهم وجهه وقال بحدة:
_ قلت لا يا "سندس".. يعني لا.
كلماته الحاسمة قطعت جميع آمالها ونسفت جميع مساعيها في إقناعه؛ لتنهض بعد أن استنفذت جميع السبل، وأخذت طريقها نحو غرفتها بخطوات سريعة تكتم معها شهقاتها، تلجأ إلى البكاء؛ الحل الوحيد الذي يخفف عنها ألمها، فتلك الدموع هي المتنفس الوحيد لتتخلص من ضغطه عليها.
حاول أن يتجاهل صوت بكائها الخافت ويشغل نفسه عنها بمطالعة التلفاز، لكن صورتها وصوت توسلاتها أبت مغادرة عقله. ضغط بيده على جهاز التحكم يتمنى لو كان يملك القدرة في التحكم بغضبه أو حتى أفكاره السلبية التي صارت تصنع المسافات بينهم. يعلم أنه يقسو عليها وهي تتقبل قسوته لضعفها، حتى بدأ حبها المتوهج يخفت شيئاً فشيئاً، حتى صورته الجميلة التي كان يبصرها في بريق عينها لم يعد يراها؛ عينها أصبحت تحمل الظلام، الظلام فقط.
لكن خوفه من أن يفقدها كان أقوى مخاوفه، حتى تخيل هذه الفكرة يرعبه، هو يحبها بل يعشقها؛ كيف يعيش بدونها؟ فراقها يعني الموت بالنسبة له. تباً لتلك الهواجس والأفكار السوداء، تباً لغضبه الذي يلغي عقله في لحظة هوجاء تجعله يخسرها ويخسر حبها له. هكذا كان يجلد ذاته كلما تعالت شهقاتها. نهض من مكانه معلناً استسلامه لرغبتها؛ يعلم أن ما سيفعله ربما يعني النهاية وضياعها، لكن سيبقى يتشبث بخيط أمل أنها ستعود.
كانت تبكي بحرقة على ضياع فرصتها لتشعر بأنامله تسير على وجنتها بحنان تزيح تلك الدموع. لم ترفع عينيها بل ظلت ساكنة تراقب جلوسه أمامها قبل أن يتنهد يعاتبها بحزن:
_ بتعيطي ليه؟ للدرجة دي عاوزة تبعدي عني؟
_ بابا وحشني ونفسي أشوفه هو وإخواتي.
هكذا بررت له بصوت بح من شدة البكاء دون أن ترفع عينها. لوى شفته بتهكم وعاد يكمل عتابه:
_ ما أنا بقولك نروح سوى، بس شكلك زهقتِ مني.
هزت رأسها نافية ليطأطأ رأسه بحزن عميق ساخراً من نفسه بألم، حتى لسانها لم ينفِ رغبتها.
مد يده يرفع رأسها لتواجه عينيها الباكيتين عينه التي تناظرها بأسف، وأخذ يمسح دموعها يؤنبها:
_ ما بحبش أشوف دموعك وعارف إني سببها.
غص صوته حتى تحشرج فخرجت كلماته صادقة لمست قلبها الذي يحبه:
_ "سندس"، أنا آسف، عارف إني بقسو عليكِ، بس عاوزك تتأكدي من حاجة واحدة بس، إني بحبك، بحبك أوي، يمكن أكتر ما أنتِ بتتصوري.. وبغير عليكِ من نسمة الهوا لو لمست خدودك.
تنهد وأفلتت يده وجهها منحدرة نحو يدها، يمسك كفيها بقوة ويخفض عينيه بندم جعل الدموع تتجمد في عينها ويرق قلبها:
_ عارف إني بوجعك، بس أعمل إيه؟ غصب عني، أنا طول عمري كده، بتعصب بسرعة.
_ بس ده غلط.
قالتها بتوجس ليرفع رأسه يبتسم ساخراً بحزن:
_ عارف.
ثم حاول تغيير مجرى الحديث لأنه يعلم أنه لا دواء لدائه، فاتسعت ابتسامته قائلاً:
_ أنتِ عاوزة تسافري معاهم؟
هزت رأسها بتوتر تجيبه:
_ أيوه.
ليقرص أنفها يتصنع عدم المبالاة رغم خوفه وانهياره الداخلي:
_ خلاص يا ستي أنا موافق.
اتسعت عيناها بدهشة وهتفت بفرح:
_ بجد يا "حسن"؟
_ بجد يا روح "حسن"، بس عندي شروط.
تهاوى قلبها وانطفأ بصيص الأمل الذي رافق حديثه حتى ظنت أنه يحاول أن يتغير، عندما وجدته يضع شروطه:
_ تتصلي بيا كل يوم تلات مرات أو أربعة أو خمسة تطمنيني عنك، وتردي عليا بسرعة لو اتصلت بيكِ، ما تتأخريش عليا، ماشي؟
لا تعلم لماذا نغزها قلبها من شروطه، لكنها حافظت على ابتسامتها وأومأت له تعده بتنفيذ شروطه.
ليفتح ذراعيه لها يدعوها:
_ ممكن أحضنك؟ عاوز أشبع منك قبل ما تسافري.
ارتجف قلبها العاشق لطلبه لتلبي دعوته بسرعة ترمي نفسها بين أحضانه ليحتضنها بقوة آلمتها لكنها لم تمنعه، بل استكانت تروي روحها بلحظات تتمنى دوامها وهي تشعر بحنانه ولهفته عليها. أخذ يستنشق عطرها ويقبل رأسها وفكرة واحدة تسيطر عليه: ربما كان هذا عناق الوداع.
**************************
عادت من كليتها تشعر بالإرهاق، تحمل كتبها وتجر خطواتها بتعب، وقبل أن تصعد الدرج نحو غرفتها، وصل إلى مسامعها صوته لتتسمر مكانها حتى ظنت أنه يخيل لها. لكنها أنصتت بدقة لتتيقن أنها لا تتوهم، هو موجود هنا في منزلها! اقتربت من غرفة الضيوف ليتضح الصوت أكثر، لامت قلبها الذي بدأ يخفق بجنون مع ذبذبات صوته لتجد قدمها تسوقها بشوق نحو الداخل. ألقت التحية واتجهت نحو "زهرة" التي كانت تضم "سندس" بين أحضانها ترحب بها:
_ أهلاً يا خالة.
بادلتها "زهرة" التحية:
_ أهلاً يا حبيبتي، كيفك يا بنتي؟
_ الحمد لله.
ثم تحولت أنظارها نحو "أصيل" الذي كانت عيناه تتابعها بشوق جاهد لإخفائه:
_ أهلاً يا دكتور.
_ أهلاً يا آنسة "مليكة".
لترتطم عينيها بعيني "حسن" الذي تجهم وجهه ينظر لها بضيق، فانسحبت مباشرة بعد أن فهمت سبب غضبه.
رحلت نحو غرفتها لتمسك قلبها الذي تسارعت دقاته لرؤيته، سندت ظهرها على باب غرفتها المغلق وأغلقت عينيها تتنهد بهيام مرددة:
_ بحبك.. بحبك أوي.
لتأخذها خيالاتها نحو أحلام تمنتها؛ ماذا لو كان خطيبها أو زوجها؟ لكانت تجلس معه الآن وسط أهلها دون حرج.
ثم امتعض وجهها تتذكر نظرات "حسن" المحتقنة لتقول بسخط:
_ وما كانش "حسن" قدر يبصلي كده.
ثم ابتسمت تكمل خيالاتها مبتهجة:
_ عشان وقتها هكون قاعدة جنب جوزي حبيبي.
كتمت ضحكتها الحالمة خشية أن يسمعها أحد وتكشف مشاعرها.
وفي المساء كانت تجلس مع "زهرة" و"سندس" ووالدتها يتسامرون بعد أن رحل "أصيل" إلى بيت خالتها "شمس".
ووسط حديث طويل سألت "هدى" "زهرة":
_ هو "أصيل" هيخلص السنة دي امتياز وبعدها تكليف كمان في "قنا"، مش كده؟
لتجيبها "زهرة" ببهجة امتزجت بالفخر:
_ أيوه إن شاء الله.
ثم أضافت بتمني:
_ ده أنا بستنى اليوم ده بفارغ الصبر، عاوزة أجوزه وأفرح فيه.
أمنية "زهرة" أطربت قلبها، لكن تجمد جسدها بصدمة عندما أكملت:
_ ده أنا اخترت له عروسة كيف البدر، أبوها صاحب أبو الروح في الروح، والبنت زينة ومؤدبة.
شعرت بأن الأرض تميد بها بعد أن انهارت أحلامها في لحظة واحدة وتبخرت أدراج الرياح. لم تعد عيناها ترى ما أمامها ولا أذناها تسمع ما حولها، كل ما تسمعه هو تحطم قلبها وتناثر أجزائه بألم. تحاول أن تستوعب ما سمعته، اختفى الهواء من حولها واختنقت، كأن الهواء نفد في رئتها كما نفد مخزون صبرها. لتجد نفسها تستأذن منسحبة نحو غرفتها، وفي لحظة غاب فيها عقلها وتعقلها وسيطر فيها قلبها الصارخ بها، يدفعها بتهور إلى التمسك بالأمل والسعي لإنقاذ حبها، وإن كان عبر خطيئة تنافي دينها وتربيتها وأخلاقها؛ فوجدت نفسها ترسل له رسالة غبية. وقبل أن تدرك حجم غلطها وتمسح تلك الرسالة، كان إشعارها قد وصل إلى هاتفه الذي من سوء حظها كان بين يديه، ليتجهم وجهه وتتسع عيناه بذهول امتزج بالغضب عندما قرأ محتواها الجريء:
_ "أصيل"، أنا بحبك.
الفصل 27
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
نبض ذلك القلب بصمت، وارتجف بهمس، حتى عشقه كان كلحن أغنية هادئ تسحر من يسمعها، ليحكم شباكه على ذلك العقل الواعي، يأسره فيشل حركته بلا رحمة، يقيد تعقله ويغيبه في لحظة قد تهدم حياتك فيها دون أن تشعر، فتبيح لنفسك الخطأ تحت مسمى الحب.
ارتجفت يده بعد أن هيمن غضبه عليه، فتقدت نيران انفعاله، فلا يكاد يصدق أنه فعلت ذلك! كيف لها أن تجرؤ على إرسال تلك الرسالة وإن كانت قد محتها؟ هل جنت لتتخطى حدودها بهذا الشكل، متجاهلة تربيتها وأخلاقها، لتنزل إلى مستوى ضحل من "الأهانه" لتعرض حبها على شاب؟
ورغم أنه كان يتمنى أن يسمع تلك الكلمة منها، لكن بهذه الطريقة وبدون ارتباط رسمي، نزلت تلك الكلمة على قلبه كجمرات تحرقه.
أما هي فتحجرت حواسها بذهول، تجلد ذاتها: كيف فعلت هذا؟ كيف انزلقت قدماها لتسقط في المحظور؟ كيف لها أن تخون ثقة أهلها وتعرض حبها بهذا الرخص؟ ارتجف قلبها عندما تقاذفت المخاوف إلى رأسها: ماذا لو لم يكن "أصيل" يبادلها نفس المشاعر؟ والأسوأ: ماذا لو أخبر "حسن"؟
قضمت أظافرها بتوتر تدعو برعب:
_ "يا رب ما يكونش قرأها، يا رب أكون مسحتها قبل ما يشوفها".
*************************
كانت تهم بالنوم بعد يوم مرهق في المعرض، وضعت جو هاتفها جانباً وتمددت لتلمح روايته التي كانت موضوعة على طاولة الزينة حيث تركتها، فساقها الفضول لمعرفة أسلوبه الكتابي. نهضت تجلبها وتعود لتتسطح على السرير، فتحت أوراق تلك الرواية التي أعجبها تصميم غلافها وبدأت تقرأ، ليجذبها أسلوب سرده وطريقة الغموض التي أسرتها لتكمل، فاندمجت مع أحداثها بسلاسة رغم عدم شغفها بالقصص البوليسية، لكن لا تنكر أنه يمتلك أسلوباً جذاباً، حتى قطع اندماجها صوت الإشعارات على هاتفها. التقطت الهاتف لتتبين ما هي تلك الإشعارات، فتفاجأت بأنه أرسل لها طلب صداقة؛ ترددت في قبوله وفكرت لثوانٍ لتقرر تجاهل طلبه، وعادت تندمج مع فصول روايته.
*************************
كانت تجلس في مكانها المعتاد، عقلها كبحر تتلاطم فيه الأفكار فيه كما تتلاطم الأمواج في ليلة عاصفة. لم تستطع دخول أي محاضرة، فآثرت الجلوس في ظل تلك الشجرة، تمنح نفسها وقتاً لعلها تستطيع نسيان ما فعلت.
تتذكر بألم كيف خجلت اليوم من النظر في عيني والدها وأشقائها، وكيف تواجه عيونهم وقد أجرمت في حقهم، ومزقت عهد الثقة الذي بينها وبينهم.
_ "مليكة".
حبست أنفاسها وهي تسمع صوته خلفها، تسارعت دقات قلبها بخوف مع اقترابه، لتتسع عيناها برعب عندما وجدته يقف أمامها يرمقها بنظرات تشع غضباً، يضغط على أسنانه ليتفادى الصراخ في وجهها:
_ "إيه الرسالة اللي بعتيها ليه امبارح؟".
ابتلعت ريقها الذي جف بحرج وقالت متلعثمة:
_ "أنا ما بعتش رسالة".
ازدادت نظراته غضباً ليقول بصوت ملأه الانفعال رغم خفوته حتى لا يلفت نظر أحد إليهم:
_ "ما تكدبيش، الرسالة وصلتني وشفتها".
أصرت على إنكارها تهز رأسها نافية:
_ "ما بعتش حاجة، أنت غلطان".
_ "لا بعتي".
قالها بنبرة حادة أجفلتها لتحتضن كتبها كأنها تحتمي بها من نيران غضبه:
_ "إزاي تعملي حاجة زي كده؟ إزاي تخوني أخلاقك وتربيتك وثقة أهلك فيك؟ مفكرتيش في والدك، والدتك، إخواتك؟ لو عرفوا إنك بتعترفي لراجل بحبك، حتى لو كنت بحبك بس اللي عملتيه غلطة كبيرة في حق نفسك وأهلك".
صمت يلتقط أنفاسه وتحولت نظراته إلى لائمة كأنها كسرت شيئاً داخله:
_ "كنت أتمنى أسمع الكلمة دي منك بس يا خسارة مش بالطريقة دي، أنتِ خليتيني أكرهها".
لتقتم نظراته من جديد ويقول بحزم:
_ "هعتبر نفسي ما سمعتش الكلام دا، وأنتِ تركزي في دراستك، أنتِ لسه صغيرة على الحكايات دي، مفهوم؟".
انسابت دموعها قهراً وهي تتجرع إهانته لها، حتى وإن كانت تستحقها لكنه جرحها وسحق كرامتها.
_ "ردي، مفهوم؟".
أومأت برأسها فلقد أخرسها هجومه القاسي عليها.
أضعفته رؤيتها لدموعها لكنه كان يجب أن يردعها كي تفهم خطأها، ليفر هارباً من أمامها قبل أن يتراجع ويعتذر لها على قسوته، لتكفكف دموعها بحزن، تحاول السيطرة على نفسها قبل أن تنهار ويفتضح أمرها أمام زملائها.
*********************
كانت تدور في أروقة المعرض بضجر وشعور الفشل يتسلل إليها رغم مقاومتها له، لكن كلما رأت نجاح من حولها شعرت بخيبة الأمل. عادت إلى جناح دار النشر لتلمحه يقف مع معجبيه، لتشيح نظرها نحو الجهة الثانية.
_ "كاتبتنا الجميلة".
صوت أجبرها على الالتفات لتتسع ابتسامتها وهي ترى "شريف" و"أحلام" يقفان أمامها:
_ "أحلام، شريف! إيه اللي جابكم؟".
_ "رجلينا اللي جابتنا، إيه السؤال دا؟".
قالها "شريف" يسخر من سؤالها باستهزاء، لتضحك على كلماته وتقول موضحة:
_ "يا بني مش كدا، إزاي أفرجوا عنكم وسابوكم تخرجوا سوى؟".
لينحني "شريف" نحوها ويغمز لها هامساً:
_ "بيني وبينك إحنا مزوغين".
نظرت إليهم ورد بدهشة وقالت معاتبة:
_ "هو إنتو مش بتحرموا؟"..
حركت "أحلام" يدها في الهواء بقلة حيلة تلوم "شريف":
_ "شفت؟ مش قلتلك هتصدق".
ضحك "شريف" يشير لها نحو الخلف بانزعاج:
_ "جيبان معانا بودي جارد يا ستي".
نظرت "ورد" نحو ما يشير إليه لتجد "قمر" تسير خلفهم، استقبلتها بسعادة لتحتضنها "قمر" مهنئة:
_ "ألف مبروك يا ورد، أنا فرحانة أوي ومكسوفة، عارفة إني اتأخرت عليك".
_ "الله يبارك فيك يا روحي".
_ "عن إذنكم إحنا بقى".
قالها "شريف" لهم، ليمتعض وجه "قمر" وتسأله:
_ "على فين؟ أحلام أمانة معايا".
انفلتت ضحكات "أحلام" وهي تجد وجهه يتجهم قبل أن يزفر أنفاسه ويشير نحوها يخبر شقيقته بيأس:
_ "خطيبتي.. يا قمر هانم.. خ.ط.بتي".
ثم أضاف بندم وتوعد:
_ "أنا غبي، كان المفروض أعملها كتب كتاب.. بس ملحوقة أما كنت أكتب كتابي الشهر اللي جاي".
وضعت "قمر" يدها على خصرها وقالت بسخط:
_ "عارفة إنها خطيبتك بس...".
سكتت تنظر له بذهول وهو يتجاهلها، ساحباً "أحلام" خلفه دون الاكتراث لسماع باقي حديثها.
جذبت "ورد" يدها قائلة:
_ "سيبك منهم، تعالي أوريكِ الرواية".
تبعتها حيث تتواجد روايتها والتقطتها منها بسرور تثني عليها:
_ "ألف مبروك يا ورد، يله اكتبي لي إهداء أنا هشتريها".
لمعت عيناها بسعادة وهي تكتب الإهداء عليها، وأشرق وجه "قمر" وهي تقرأ كلمات "ورد" بعد أن تخطتها، لتدمع عيناها عندما وصفتها بـ "أختي وصديقتي الغالية". كانت "قمر" مستمتعة بتقليب صفحات الرواية التي سلمتها "ورد" لها، عندما سمعت:
_ "ألف مبروك، شكل فيه نسخ تانية اتباعت".
رفعت عينها بسرعة تنظر بوجه ممتعض إلى هذا المتطفل الذي حشر أنفه بينهم، وتوقفت عيناها تطالع حواره مع "ورد" بترقب:
_ "آه، الحمد لله بس دي قمر بنت خالتي وأختي".
التفت لها وقال مبتسماً:
_ "أهلاً وسهلاً".
ردت باقتضاب:
_ "أهلاً يا فندم".
لتعود نظراته نحو "ورد" يشجعها:
_ "مش مهم مين اللي اشترى، الأهم إنك تعرفي إنه فيه ناس بتدعمك".
_ "الحمد لله".
عقدت "قمر" حاجبيها بتعجب عندما وجدته يسأل "ورد":
_ "أنا بعتلك امبارح طلب صداقة بس باين إنه الإشعار ما وصلش".
بهتت ملامح "ورد" وهي تجيبه مرتبكة:
_ "آه.. باين كده، وأنا بصراحة مش بقبل صداقات كتيرة خصوصاً لو رجالة".
ليقول بثقة وجرأة استفزتها كما استفزت "قمر" التي تراقبه بضيق:
_ "ياريت توافقي، اعتبريه شغل فيه ندوات لكتاب، هبقى أبعتلك دعوة عشان تحضري، هتستفادي كتير".
هزت رأسها تجيبه بحرج من نظرات "قمر" المحدقة بهم:
_ "إن شاء الله".
تركهم مبتعداً وعين "قمر" تتبعه قبل أن تلتفت تسأل "ورد" باستهجان:
_ "هو مين دا؟".
_ "كاتب معانا في الدار".
رمشت عينيها بحنق قبل أن تلوي شفتها بسخط وتقول باستياء:
_ "شكله مركز معاكي أوي وجريء أوي".
رفعت كتفيها بلا مبالاة وقالت تسحبها خلفها:
_ "سيبك منه وتعالي نلف شوية في المعرض، وأهو بالمرة ندور على شريف وأحلام"..
************************
تحلى بأعلى درجات الصبر وعيناه تراقب تنقلها من مكان إلى آخر، تلملم أغراضها بلهفة وتضعها في تلك الحقيبة التي لم تكن صغيرة، ما جعل قلبه يرتعب بين أضلعه. دعك يديه ببعضهما يعتصرهما بقوة، لعله يستطيع أن يسيطر على انفعاله قبل أن يتهور ويخبرها أنه تراجع عن قراره ولا يريدها أن تسافر وتتركه، فهو لا يقوى على فراقها. فرغت مما كانت تفعله وأغلقت الحقيبة تحت نظراته المحتقنة، يطالع الساعة الجدارية بين الحين والآخر كأنه يحب الوقت المتبقي لها معه، وتلك الهواجس المخيفة بعدم عودتها تضرب عقله بلا رحمة.
حتى إنه لم يشعر بوقوفها أمامه حتى سمع صوتها المبتهج:
_ "حسن، أنا خلصت، تقدر تساعدني وتنزل شنطتي؟".
رفع نظراته نحوها ببطء أقلقها، فصمته وتحديقه بها زاد من توترها، فارتدت خطوة نحو الوراء عندما وجدته يستقيم واقفاً، وارتعشت بريبة عندما وجدته يمد يده يتلمس وجنتها بحنان وعيناه تتأملها بحب كأنه يحفظ ملامحها:
_ "هتوحشيني أوي".
ابتسمت ابتسامة باهتة عكست خوف صاحبتها من تغير رأيه، تضاعفت دهشتها عندما تبعت يده الثانية شقيقتها ليرفعها يتلمس وجنتها الأخرى، قبل أن يحيط وجهها بيديه يرفعه قليلاً كي تواجه عيناه عينيها، يروي لها مخاوفه:
_ "مش عارف هعيش الأيام الجاية من غيرك إزاي".
تحرك إبهامه على وجنتيها ونظرات عينيه تتوسلها:
_ "ما تتأخريش عليا".
كانت عيناها مثبتة عليه وكأنها ترى شخصاً مختلفاً يخشى خسارتها، عيناه كان يكسوها ضعف هز وجدانها. وللحظة كانت ستتراجع عن قرارها، لكنه تعلم أنها بحاجة إلى الابتعاد، لعله البعد يمنح علاقتهم جرعة أمان قبل أن تنهار أركانها وتنهي كل شيء معها.
أغمضت عينيها تستشعر ملمس شفتيه على جبهتها وعينيها ثم وجنتيها قبل أن يحتضنها بقوة، فقد كان يخاف أن يكون هذا الوداع الأخير. أخذ نفساً عميقاً يعبئ صدره برائحتها يهمس لها بعشق:
_ "بحبك أوي".
_ "وأنا كمان بحبك يا حسن".
أطربت قلبه كلماتها ومنحته خيط أمل أنها لن تتركه وسوف تعود وإن طال غيابها.
********"***" ***************
ثلاثة أيام انقضت دون أن يقترب أحد من روايتها، أحست بخيبة الأمل وشعور بالحزن تملك منها. سارت وجلست في إحدى الزوايا الهادئة، جلست بضجر تزفر أنفاسها بيأس، وبعد مدة من الزمن قضتها في مطالعة المارة رفعت رأسها عندما سمعت صوته:
_ "على فكرة دي حاجة طبيعية لتجربة أولى".
ثم مد يده لها بكوب من القهوة:
_ "اتفضلي".
نظرت له ثم إلى ذلك الكوب الذي تتصاعد أبخرته بتردد:
_ "آنسة ورد، إيه؟ هتتحرق.. اتفضلي".
التقطت منه الكوب على مضض ترتشف منه القليل، تهرب بعينيها عن مرمى عينيه:
_ "ما تزعليش، على فكرة أنا قرأت روايتك وكتجربة أولى ممتازة ما شاء الله".
رمقته بنظرة جانبية، فهم مغزاها ليضحك بخفة يخبرها بجد:
_ "أنا بتكلم جد مش بجامل".
زفرت أنفاسها بقلة حيلة وأتبعتها بكلمة امتنان مقتضبة:
_ "متشكرة".
رفع حاجبيه باستياء وقال يشاكسها:
_ "هو رأيي مش مهم للدرجة دي؟ دا أنا كاتب معروف ومش بقرأ لأي حد".
أزعجه غرورها لكنها تأسفت منه قائلة:
_ "آسفة، مش قصدي بس أنا نفسيتي تعبانة شوية".
حاول مواساتها فقال باسماً:
_ "يا ستي، ما تزعليش وابتسمي، ما فيش حاجة تستاهل حد يزعل عليها".
_ "أنا مش زعلانة".
قالتها كاذبة وبصوت خافت ليمازحها قائلاً:
_ "أمال مقموصة بس؟".
ابتسمت رغماً عنها وهزت رأسها نافية:
_ "ولا مقموصة".
_ "أيوه كدة، ابتسمي وخليكِ متفائلة دايماً، كل اللي بيحصل لنا أقدار مكتوبة".
أومأت له تؤيد حديثه.
***************************،، *،
جلست على سريرها لتتنهد بارتياح، عينها تدور في غرفتها بغبطة، تستنشق الهواء القادم من شباك غرفتها المفتوح بانتعاش، تشبع رئتيها من رائحته النقية الممزوجة بطيب التراب ورائحة العشب والأزهار الزكية.
يا إلهي! كم اشتاقت لهذا الهدوء، وكم اشتهت هذا الصفاء! أغمضت عينيها باسترخاء تريح عقلها من ضجيج أفكاره وتنعم بتلك الحرية المؤقتة.
تحاول الاستمتاع بكل ثانية في منزل والدها، يا له من شعور أن تعود إلى أرضك وجذورك حيث تنتمي!
تشعر كأنها سمكة دبت بعروقها الحياة بعد أن عادت إلى الماء.
لكن لحظاتها الهادئة لم تدم طويلاً، لتجد هاتفها يتصاعد رنينه وكان هذا الاتصال الثالث له منذ وصولها، لتجيبه:
_ "ألو".
_ "ألو، أيوه يا سندس، وحشتيني، بتعملي إيه؟ نايمة؟".
_ "كنت لسه هنام يا حسن، تعبت من الطريق".
_ "حبيبتي ربنا يعينك".
_ "تسلم يا حبيبي".
صمت لحظات وتفاجأت به يقول:
_ "طب ابعتيلي صورة، وحشتيني أوي أهو أصبر فيها نفسي".
هزت رأسها بيأس وقالت بوهن تسايره:
_ "حاضر".
أغلقت الهاتف وبعثت له صورة كما طلب منها، لكنها تفاجأت به يرسل لها فيديو قصير جداً له وهو يقول لها: "بحبك". عقدت حاجبيها بتعجب من تصرفه، لم تعد تفهمه لكنها لن تنكر أن تصرفه أسعدها.
وضعت هاتفها جانباً وعادت تمتع بأجواء منزلهم الدافئ، تتذكر كيف استقبلها والدها بشوق يحيطها بحب، وكيف دللها وسعد لرؤيتها، ابتسمت تتذكر جملته:
_ "نور البيت بيك يا حبيبة أبوكِ".
وضحكت وهي تتذكر غيرة أشقائها الصغار من اهتمامه بها وتدليله لها، واتسعت ابتسامتها تتذكر كيف وضعت والدتها الطعام أمامها تطلب منها أن تتناول الكثير منه بعد أن تأثرت بشحوب وجهها:
_ "كلي يا بت، شكلك هفتان".
ابتسمت براحة وحب، شعور غريب لامس قلبها فهي لم تكن تشعر بكل هذا القدر من الحب قبل أن تتزوج.
انفلتت ضحكاتها تتذكر جملة شقيقتها "بسملة" التي نطقتها بتمني:
_ "إمتى أتجوز بجى عشان تحبوني كدة زي سندس؟".
حمدت الله على نعمة وجود والديها وحنانهم الذي منحها الأمان والطمأنينة. قطع صفو تلك اللحظة دخول "زهرة" المبتسمة:
_ "مساء الخير".
_ "أهلاً يا ماما، مساء النور".
جلست "زهرة" أمام ابنتها تشملها بنظرة متفحصة، تمعن النظر إليها بطريقة أصابتها بتوتر قبل أن تسألها بقلق:
_ "كيفك يا سندس؟ طمنيني عنك يا بنتي".
أجابتها "سندس" بدهشة:
_ "الحمد لله يا أمي".
تعلقت عين "زهرة" بها ثم مسحت على ذراعها تخبرها بريبة:
_ "يعني أنتِ مرتاحة في بيت جوزك؟ أصل يا بنتي لما كنت بتكلمينا في التليفون ما كانش شكلك يبان كده، أنا اتخضيت لما شفتك واتكسفت أسألك، بجى أنتِ سندس اللي كانوا خدودك موردة كيف الورد البلدي؟ شكلك تعبانة وخاسة كمان".
لم تعقب "سندس" على حديثها، لتسترسل "زهرة":
_ "يا بنتي لو فيكِ حاجة اتكلمي، أنتِ مرتاحة مع الجماعة؟ حماتك بتضايقك؟".
هزت "سندس" رأسها نافية بسرعة وقالت مادحة:
_ "بالعكس، خالتي هدى ست طيبة جوي وبتعاملني كيف بنتها، ودايماً بتعمل حاجات حلوة وتبعث لي نايبي مع حسن، ودايماً تسأل عليّ وتجولي: أنا مكان أمك".
حدقت بها "زهرة" وسألتها بحيرة:
_ "طب جوزك بيعاملك حلو؟".
بلعت ريقها بتوتر وقالت بارتباك:
_ "حسن كويس بس بيتعصب بسرعة".
لطمت "زهرة" صدرها وقالت بخوف:
_ "أوعى يكون بيمد إيده عليكِ".
لوحت "سندس" بيدها نافية:
_ "لا، عمره ما عملها، هو بزعق بس عمره ما شتمني ولا مد إيده عليّ".
لوت "زهرة" شفتها بسخط وقالت مستهزئة تكرر حديثها:
_ "بيزعق بس؟ هو أنتِ يا بت مش عشتي مع أبوكِ وشفتي جد إيه؟ هو بيتعصب ويزعق، هو فيه راجل مش بيزهق يا هبلة؟ دا الزعيق الغنيوة بتاعتهم، بيتونسوا بيها".
ثم ربتت على يدها تلومها:
_ "أنتِ اللي حساسة بزيادة يا بت".
ظلت تطالع والدتها تود أن تخبرها أن والدها يغضب في مواضع الغضب ليس كزوجها يغضب من أقل الخلافات، لكنها تراجعت، تعلم أن والدتها لن تفهمها.
**********************،،،،،
دخلت غرفتها المظلمة واقتربت من جسدها الممدد على السرير تنظر لها بقلق، جلست بجوارها تمسح على خصلات شعرها بحنان، ثم انحدرت تمسح على وجهها ليصيبها الخوف عندما لمست أصابعها آثار دموع، لتسألها بفزع:
_ "لوكا حبيبتي، مالك يا بنتي؟ وحياتي طمنيني، بقالك تلات أيام ما رحتِش الكلية وكل يوم تقولي حجة شكل، اتكلمي يا بنتي ما تقلقينيش عليكِ".
لتجيبها دون أن تستدير نحوها:
_ "ما فيش حاجة، ما تقلقيش يا ماما".
_ "أمال بتعيطي ليه؟ فهميني يا بنتي الله يرضى عليكِ، أنا قلبي والِع نار".
_ "قلت لك يا ماما، عندي امتحان جبت فيه علامة وحشة".
أغمضت عينيها بألم وقالت تعاتبها:
_ "وهي دي حاجة تخليكِ تعيطي وتقعدي تلات أيام في البيت؟ يا بنتي كده راحت عليكِ محاضرات ياما".
_ "ما تخافيش، ما عندناش محاضرات كتير، في احتفالية وندوة في الكلية".
ربتت على عضدها وقالت:
_ "طب قومي عشان تأكلي شوية، أنتِ ما أكلتِش حاجة من امبارح".
_ "ماليش نفس".
_ "يا بنتي وحياتي قومي، ما تتعبيش قلبي".
_ "سيبيني يا ماما أرجوكِ، أنا مش جعانة وحاسة بصداع، عاوزة أنام شوية".
_ "يا بنتي...".
طرقات على الباب ودخول "قمر" قطع توسلات "هدى":
_ "خالتو، أنتِ هنا؟".
_ "أهلاً يا قمر".
نظرت "هدى" إليها برجاء قبل أن تشير لها نحو "مليكة"، ففهمت "قمر" ما تريده لتومئ لها تطمئنها. نهضت "هدى" مغادرة، لكنها وقفت بالقرب من "قمر" لتربت على عضدها كأنها تتوسلها، وعادت "قمر" تومئ لها تطمئنها.
جلست "قمر" حيث كانت تجلس "هدى" تربت على عضدها وتقول بحزم:
_ "لوكا، خالتو هدى مشيت، قومي كلميني".
لتجيبها باقتضاب:
_ "مش عاوزة أتكلم".
لكن "قمر" أصرت وعادت تضرب على يدها بعناد:
_ "مش ماشية غير لما تكلميني".
لم تستجب لها، لتقول بتحدٍ:
_ "قومي يا مليكة بدل ما أقول لحسين إنك مش بتأكلي ومش بتحضري محاضرات ولا فيه ندوة ولا فيه احتفالية".
نهضت على مضض وقالت بضيق:
_ "سيبيني يا قمر أرجوكِ".
اتسعت عين "قمر" بخوف عندما رأت وجهها لتسألها بلهفة:
_ "أنتِ كنتِ بتعيطي؟".
مسحت "قمر" على رأسها وذراعيها برفق وقالت بخوف:
_ "مليكة مالك؟ اتكلمي، ما تشغليش بالي، اتكلمي يا حبيبي".
لم تستطع السيطرة على نفسها لتنتفض مدامعها ببكاء أصاب "قمر" بالفزع:
_ "مليكة ما تعيطيش، اتكلمي".
لحظات من التردد سبقت انفجارها وسردها كل ما حصل حتى مجيئه للكلية وكيف جرحها وسحق كرامتها.
تصنمت "قمر" لا تصدق ما تسمعه، لتقول لها لائمة:
_ "أنتِ يا لوكا تعملي كده ليه؟".
أخفت وجهها بين كفيها وانهارت باكية بندم:
_ "مش عارفة... يا قمر أنا غبية... غبية... مش عارفة اتهورت كدة إزاي".
ضمتها "قمر" بقوة تمسح على ذراعها لتهدئها:
_ "اهدي يا مليكة، خلاص اللي حصل حصل، ما تحمِليش نفسك فوق طاقتها".
ثم استرسلت تحاول مواساتها:
_ "ما تخافيش أكيد أصيل مش هيقول لحد، هو وعدك... وباين إنه بيحبك بس تصرفك ما عجبوش، ما تزعليش وحتى لو ما حصلش نصيب أنتِ ألف من يتمنى لكِ".
خرجت من أحضانها تمسح دموعها تخبرها بحرقة:
_ "أنا زعلانة من نفسي يا قمر وبحتقرها، إزاي رخصت نفسي كدة؟ إزاي خنت ثقة أهلي بالشكل دا؟... أصيل حقه يقول أكتر من كده".
مسحت "قمر" على ذراعها بلطف تؤازرها:
_ "خلاص يا مليكة، هوني على نفسك".
وبعد مدة و"قمر" تحاول إقناعها ومواساتها، حتى تنهدت بارتياح عندما تبسمت بعد أن حايلتها كثيراً، لتقترح عليها أن يتناولوا العشاء في الخارج في محاولة منها لإخراجها من حزنها، لكن "مليكة" رفضت ذلك.
وعادت "قمر" تحايلها وتترجاها حتى اقتنعت "مليكة" بعد محاولات عديدة، لتضمها "قمر" بحماس وتقول شاكرة:
_ "حبيبتي يا لوكا، أيوه كدة، خلينا نخسر أخوكِ عشا معتبر".
جلس الثلاثة في أحد مطاعم المشويات نزولاً عند اقتراح "قمر" التي كانت تتحدث مع "مليكة" بحماس، تلقي عليها النكت، ويتذكران معاً مواقف من الطفولة حتى شعرت بسرور ومليكة تندمج معها وتضحك على حديثها.
أما "حسين" فجلس يطالعهم ويصغي لتلك الذكريات التي كان جزءاً من بعضها.
خفق قلبه وهو يراقب ابتسامتها وعلاقتها الجميلة مع شقيقتها كأنهما أصدقاء مقربون رغم وجود فارق عمر بينهما.
تنهد بألم يفكر في تلك العلاقة التي ربما سوف تنتهي بعد انفصالهم.
_ "فاكر يا حسين؟".
سؤال شقيقته سحبه من أفكاره.
_ "أيوه يا حبيبتي".
_ "فاكر لما كنت تخطف العروسة من قمر بس عشان تتكلم معاك وتزعقلك وتقلها بحب أشوفك وأنتِ متعصبة بتبقي حلوة أوي؟".
ارتبك بتوتر من تلك الذكرى التي أصبحت اليوم مؤلمة وجارحة رغم أنه قبل أشهر كان يعتاش على هذه الذكريات التي تجمع بها.
رحمه قدوم النادل من الإجابة على سؤال شقيقته، واختطف النظرات نحو "قمر" التي بهتت ملامحها وكأنها دفنت هذه الذكريات في سراديب الماضي وجاءت "مليكة" لتضيء النور عليها وتذكرها بها.
هي لم تكن تراها حباً منه، كانت تراه مزعجاً وتصرفاته لم تكن سوى ليضايقها، اليوم فقط أيقنت أنه كان يحبها منذ زمن بعيد.
_ "يله يا قمر مدي إيدك، مالك سرحانة فين؟ مش كان نفسك في الكباب والكفتة؟".
قالت لها "مليكة" تشير لها نحو الطعام، لتومئ برأسها وتبدأ بتناول الطعام بصعوبة، فمرارة ما علمته من تلك الذكريات علق في فمها تتجرعه بحسرة.
غمس قطعة الخبز بصلصة الطحينة يقربها من فم شقيقته:
_ "دوقي يا لوكا، الطحينة حلوة أوي".
لكن "مليكة" دفعت يده نحو "قمر" حتى أصبحت لقمته أمام فمها:
_ "أنا ما بحبش الطحينة، قمر بتحبها".
وتحت نظرات "مليكة" التي تراقبهم كان يجب أن يمثلا دور الزوجين المتحابين، ليقرب لقمة من فمها أكثر واستجابت هي تفتح فمها تلتقطه منه بشفتيها بخجل زاده تشابك نظراتها، وتفاجأت به يمسح ما علق على شفتيها بإبهامه قبل أن يلعق إبهامه بعفوية جعلت قلبها يرتعش بمشاعر جدة، يتذوقها معه بتلذذ جعلت عينها تتبعه بشغف بين الحين والآخر، وظنت أنها لم تعد تعني له شيئاً، وأنه ما يفعله هو غطاء يمثل فيه السعادة أمام شقيقته.
لكن ما لم تعلمه أن قلبه العاشق خفق باضطراب عندما لامست شفتها أنامله، وازدادت خفقاته بجنون عندما تذوق بقايا طعام لامست شفاهها.
********"" ************
دخلت غرفتها وذلك الألم لا يزال يتعبها، أمسكت بطنها تتحامل عليه كي لا تقلقه، وغطت وجهها بابتسامة مزيفة.
اقتربت منه وانتابها الفضول عندما رأته مندمجاً مع هاتفه حتى إنه لم ينتبه لوجودها، وعيناه لم تفارقا شاشة هاتفه.
جلست بجانبه تسأله بترقب:
_ "بتعمل إيه يا طارق؟".
التفت إليها بنظرة خاطفة قبل أن يعود إلى ما كان يفعله:
_ "بشتري نسخ من رواية ورد".
عقدت حاجبيها بتعجب تكرر جملته وتسأله مندهشة:
_ "تشتري نسخ؟ يعني إيه ما فهمتش، وليه تعمل كده؟".
أجابها دون أن تحيد عيناه عن هاتفه:
_ "عاوز أفرحها يا ندى".
لتسأله بريبة بعد أن بدأ الشك يتسلل إليها:
_ "يعني هي عارفة إنك أنت اللي هتشتري النسخ دي؟".
_ "لا، أنا هشتريها من غير ما تعرف وأوزعها هدايا على أصحابي".
اتسعت عيناها بسخط وقالت مستنكرة:
_ "بس أنت كدة بتغشها وتخدعها".
وضع هاتفه جانباً والتفت إليها بهدوء يحاول إقناعها:
_ "ندى، هو أنتِ مش شايفة هي زعلانة قد إيه عشان محدش اشترى الرواية؟ وأنتِ عارفة إني ما أقدرش أشوفها زعلانة وفي إيدي إني أسعدها".
_ "بس يا طارق...".
قاطع جملتها بسرعة وأمسك يدها يرجوها:
_ "ندى أرجوكِ بلاش تجيبي ليها سيرة، أنا عاوز أساعدها وأسعدها وبس، سيبيها تفرح ولو كنا عارفين إنها سعادة مزيفة".
حاولت أن تعقب على حديثه لكن نغزات الألم التي كانت تحاول أن تخفيها منعتها لتتأوه ممسكة ببطنها:
_ "آه.. آه".
خفق قلبه بخوف يسألها بقلق ويده تتحسس وجنتها باضطراب:
_ "لسه الألم تاعبك ندى؟ لازم نعمل تحاليل، العلاج ما عادش نافع، خلينا نعمل العملية ".
أومأت له تؤيد حديثه، فلم تعد تتحمل ألم جسدها الذي تضاعف هذه الأيام.
*******************"*" *"******
دخل إلى شقته التي تسبح في الظلام، يكسو أركانها الحزن منذ أن رحلت عنها، ضج المكان برائحة الوحدة والشوق.
ذلك السكون القاتل إلا من صوت قلبه المتألم لفراقها وأنفاسه المتلهفة لاستنشاق عطرها، منذ فراقها وهو يدرك يوماً بعد آخر أنه أصبح أسير حبها ولم يعد يطيق العيش بدونها، رغم أنه يتحدث معها في اليوم أكثر من مرة لكن حياته بدونها ينقصها الكثير.
أصدر هاتفه تنبيهاً على وصول رسائل متتالية، أخرجه من جيب سترته بضجر يطالع تلك الرسائل لتتسع ابتسامته عندما وجد الرسائل منها:
_ "حسن، أنت رجعت من الشغل؟ اتعشيت وإلا لسه؟".
أنعش قلبه اهتمامها ومنحه ومضة أمل أنها لا زالت تحبه، يعلم أنها طيبة القلب لكن يخشى من نقطة اللا عودة، يخشى أن ينضب حبها له ويخسر وجودها في حياته.
_ "مليش نفس".
وصلت رسالتها تؤنبه بحنان أسعده:
_ "ليه يا حسن كدة؟ مش كويس عشانك، أنت تعبان في الشغل".
_ "الأكل ما لوش طعم من غيرك، كل حاجة ما لهاش طعم من غيرك".
خفق قلبها وهي تقرأ رسالته رغم كل الألم الذي يسببه لها، لكنها لا زالت تحبه وتشتاق له:
_ "طب عشان خاطري أتعشى يا حسن".
انتظرت إجابته بترقب لتصلها رسالته:
_ "عشان خاطرك أنا أعمل أي حاجة... ماشي يا روحي، هاكل حاجة خفيفة".
شقت ابتسامة رضا وجهها من جديد، تعلم أنه بارع في مغازلتها وإرضائها.
_ "خلي بالك من نفسك".
_ "وأنتِ كمان يا قلب حسن، خلي بالك من نفسك".
ابتسمت على رسالته وتمنت لو عاشت هذا الهدوء وهذا الاهتمام واللهفة دائماً معه.
**********************************
اضطربت دقات قلبه وهو يقف عند عتبة مسكنها؛ ذلك المسكن الذي كان مُقدراً له أن يجمعهما، لكنها اليوم تعيش وحيدة خلف جدرانه. لم يتجرأ من ذي قبل على طرق بابها في هذا الوقت المتأخر، لكنه جلب لها بعض الحلويات والشوكولاتة التي تحبها، معتبراً إياها محفزاً لها.
طرق الباب طرقات خفيفة ومتقطعة، وكاد يستدير مغادراً بعد عدم استجابتها، حين سمع صوتها القلق يتساءل من خلف الباب:
_ "مين؟".
شقت شفتيه ابتسامة عريضة وهو يجيبها:
_ "أنا سيف، افتحي يا نور".
فتحت الباب بتردد ووقفت أمامه متوترة، عيناها تهربان من مواجهة عينيه:
_ "أهلاً يا دكتور".
_ "أهلاً يا نونو".
ثم رفع أمامها الكيس يلوح به مبتسماً:
_ "الشوكولاتة اللي بتحبيها يا ستي".
التقطت منه الكيس وقالت باقتضاب، وكأنها تحاول إنهاء اللقاء:
_ "متشكرة".
كان صوتها خافتاً ومثقلاً، وكأنها تحاول مقاومة شيء ما؛ فسألها بريبة:
_ "مالك يا نونو؟ فيكِ حاجة؟".
استدارت بحركة مفاجئة، تخطو نحو الداخل هروباً منه:
_ "لا، ما فيش حاجة".
إنكارها زاد من قلقه، وأصبح يعلم يقيناً أنها تخفي شيئاً خلف ارتباكها. تبعها نحو الداخل واقترب منها بتوجس، وتحولت ملامحه ليسألها بحدة:
_ "نور، ما تقلقينيش، مالك؟ اتكلمي".
كان سؤاله مفتاح انهيارها، لتنفجر باكية بدموع حاولت حبسها أمامه، لكنها تمردت عليها لتنساب بقهر رغماً عنها. أرعبته دموعها، فمد يده يمسحها برقة وسألها بلطف:
_ "مالك يا نور؟ اتكلمي أرجوكِ".
وكطفلة تشكو لوالدها بخجل، أخبرته:
_ "جبت درجة وحشة في الامتحان".
قهقه ضاحكاً على عبوسها الطفولي، ليمتعض وجهها من ضحكاته وتعاتبه بحزن:
_ "بتضحك ليه؟ أنا كدة مش هوفي بوعدي ليك".
ختمت كلماتها بحرج وانخرطت في البكاء من جديد، ليضمها ويحرك يده على ظهرها مواسياً في محاولة لتهدئتها:
_ "طب اهدي، ما تزعليش.. أنا مسامحك يا ستي في الامتحان ده، وابقي عوضيها في الامتحان اللي جاي".
خفت صوت بكائها ليعم صمتٌ تخللته شهقاتها المتفاوتة. ظل يضمها إلى صدره، وتعجب من قلبه الذي بدأ يخفق بجنون، وكأنه يتمنى ألا تبتعد عنه أبداً.
أما هي، فشعورها بالأمان الذي افتقدته بين ذراعيه، وحرمانها من الاهتمام، غيّبها للحظات حتى استفاقت، فابتعدت عنه بسرعة ووقفت مطرقة الرأس بحرج، تعيد ترتيب خصلات شعرها خلف أذنيها بتوتر.
ابتعادها انتشله من غمرة مشاعره المتدفقة، ليعي انسحابه خلف قلبه الذي يجره نحو منطقة اعتبرها "محظورة"، فقال بارتباك:
_ "محتاجة حاجة تانية يا نور؟".
هزت رأسها نافية دون أن تنبس ببنت شفة. رحل بسرعة، فنظرت إلى أثره، ثم اتجهت إلى الباب وأغلقته خلفه ببطء، مستندة بظهرها عليه، وتوبخ قلبها بعنف:
_ "أوعى تفكري فيه!".
****************************
بعد مجموعة من التحاليل التي أجرتها وتلك الأدوية المسكنة التي تناولتها، أخبرها الأطباء أن لا حل سوى إجراء عملية جراحية لها واستخراج تلك الحصوات التي استقرت في مرارتها، وحددوا اليوم موعداً لتلك العملية.
على سريرها الأبيض، تلمست ملابس العمليات؛ فأصدر قماشها صوتاً أرعب قلبها، رغم علمها بأنها عمليةٌ هينة. لكن يظل فقدان الوعي، وأن يستبيح الجسدَ مشرطٌ وتخترقه أنابيب دقيقة، أمراً يثير الرهبة في النفس.
تنهدت، تحمد الله وتتمتم ببعض الأدعية، فقلبها معلق بمن ينتظرونها في الخارج؛ تخشى الرحيل قبل أن تطمئن عليهم، كما رحلت والدتها وقلبها معلق بهم بخوف. ابتسمت بحنان وهي تستشعر أنهم اليوم يعيشون بسعادة مغلفة ببركة دعاء أمها الراحلة، فتمتمت بصوت خافت:
_ "ربنا يرحمك يا أمي".
التفتت نحو الباب بعد أن سمعت حركة طفيفة، ظنت أن زوجها "طارق" قد جاء، وأن وقت دخولها غرفة العمليات قد حان. خفق قلبها بغصة حين تذكرت ذلك الغائب الذي حُرمت من وداعه؛ كانت تود أن تضمه بين أحضانها، لتخبره أنها تحبه حد الجنون، وأن قسوتها عليه ما كانت إلا لأجله. لم تكن يوماً أماً ظالمة، لكن عجز قلبها عن تجاوز ظلمه لزوجته، وتحمل ذنب حزنها وجرحها بسببه، جعلها تتخذ ذلك الموقف الصعب.
كم كانت تود رؤيته الآن! رغم مكابرتها أمام زوجها بأنها لا تهتم لغيابه، لكن الحقيقة أن قلبها يتمزق شوقاً إليه. كانت تخشى أن تموت وهو يحمل في قلبه حسرة خصامها، فأغمضت عينيها تدعو له:
_ "ربنا يسعدك يا زياد ويريح بالك".
فجأة، فُتح مقبض الباب، فتسلل ضوءٌ شوش رؤيتها، مما جعلها تغمض عينيها بانزعاج وهي تهمس:
_ "طارق؟".
عادت لتفتح عينيها ببطء، ترمش عدة مرات حتى اتضحت الرؤية أمامها. رأت طيفاً يقترب بخطوات متوجسة، ويناديها بصوت باكي:
_ "ماما..".
خفق قلبها بحنين جارف، ونادت بلهفة:
_ "زياد؟!".
ارتمى "زياد" منهاراً، يمسك يدها وينتحب كطفل صغير، يقبل كفها مراراً وتكراراً وهو يردد:
_ "سامحيني يا ماما.. سامحيني أرجوكِ، حياتي جحيم من غير رضاكِ".
أدمعت عيناها، ورفعت يدها الأخرى لتتخلل خصلات شعره الداكنة، تمسح عليها بحنان وهي تقول بصوت متهدج:
_ "بس يا حبيبي، ما تعيطش".
عاد يكرر رجاءه الباكي:
"سامحيني يا ماما".
الفصل 28
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
لم أخشَ يوماً ظلام الحياة لأني أعلم أن وجودك ينيره، ولم أخف يوماً ضياعي بين الزحام لأن يدك تمسك يدي، ولم أهتم يوماً بإرضاء من حولي؛ فرضاك أغلى النعم. أعلم أن دعاءك يحرسني، وعينيكِ تتبعني، وقلبك ينبض من أجل سعادتي.
هزم رجاؤها جيوش مقاومته، فانهمرت دموعها ما بين سعادة لوجوده وحزنٍ على حاله، لتحاول التخفيف عن كاهله:
_مسمحاك يا قلب أمك.
لكن كلماتها لم تكفه؛ كان يحتاج المزيد، فجفاؤها تلك الفترة لم يروِ ظمأه. رمى نفسه يتشبث بأحضانها الدافئة، يستلذ بنعمة رضاها عنه. طوقت جسده بيديها، تضمه إليها بحنان؛ فشوقها فاق شوقه بكثير. انتحب كطفل صغير، وعلت شهقاته بندمٍ فات أوانه، فمزقت دموعه قلبها.
_بس يا زياد، بس يا روحي، ما بحبش أشوفك كده يا حبيبي.
ولتغيير مجرى هذا الموقف، قادته نحو منحدرٍ كان أقسى بكثير، وهي توصيه بأخواته وأبيه وزوجته:
زياد يا حبيبي اسمعني، ما فيش وقت. لو جرالي حاجة، إخواتك وأبوك ورحمة أمانة في رقبتك.
أمانتها ضاعفت انهياره وأثقلت كاهله بحمل فوق طاقته، ليعاتبها بحزن:
_ليه يا أمي بتقولي الكلام ده؟ وحياتي بلاش السيرة دي!
ثم انحنى يقبل يدها بتوسل:
_بلاش سيرة الموت يا أم زياد، العملية بسيطة وبابا معاك.
شحب وجهها وزاغت عيناها في المجهول، كأن عقلها رحل إلى مكان آخر، حتى أحس برعشة يدها التي تلامس يده. أدهشه شرودها، وظل يراقبها بقلق حتى وجدها تلتفت إليه بلهفة كأنه طوق نجاتها:
_بلاش بابا يدخل معايا العملية.
زياد، الذي كان يمسح الدموع عن عينيه، أصابته الحيرة ليسألها بتعجب:
_ليه يا ماما؟ هو مش هيطمن غير لما يكون معاكِ، أنتِ عارفة هو بيحبك قد إيه.
هذه المرة كان الرجاء من نصيبها وهي تمسك يده بخوف:
_خايفة يجرالي حاجة ويلوم نفسه.. خليه بعيد أحسن، واقنعه أنت يا زياد.
تعلقت عيناها به بأمل، لكنه أشاح بوجهه بعيداً يخبرها معتذراً:
_آسف يا ماما، ما أقدرش أقنع بابا بحكاية زي دي.
_تقنعني بإيه يا زياد؟
كان هذا صوت طارق، المسرور بعودة ابنه الضال إلى أحضان أمه، ليقترب منهما مبتسماً، يربت على كتف زياد بفخر، وعيناه مثبتتان على ندى التي تطالعه باضطراب، ليشاكسها:
_حبيب القلب رجعلك ونسيتِ أبوه يا ندوش؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة تتأمله بحب:
_محدش يقدر ينسيني حبيبي.
وزع زياد نظراته بينهم وقال مازحاً:
شكلي بقيت عزول!
ثم نهض من جانب والدته، واتجه منسحباً نحو الخارج، ليأخذ طارق مكانه أمامها، يمسح على وجنتها بحنو ويقول مشجعاً:
_جاهزة ياحبيبتي؟
أومأت برأسها قبل أن تمسك يده ترجوه:
_بلاش تدخل العملية معايا، أنا عارفة إنه هيرفض وأنت مصر تدخل على مسؤوليتك، بس بلاش يا حبيبي.
تبدلت ابتسامته لوجوم وقال معترضاً:
_ليه يا ندى؟ أنا عاوز أكون معاكِ، كده هطمن.
ربتت على يده ونظرت إلى عينيه بعمق تفسر رغبتها:
_خايفة يجرالي حاجة وتلوم نفسك.
جذبها نحو أحضانه يضمها بقوة، ينهرها عن مواصلة حديثها ليوقف سيل تلك المشاهد السلبية التي اقتحمت عقله لمجرد الفكرة:
_مش عاوز أسمع منك الكلام ده. ما تخافيش يا ندى، دكتور مجدي صاحبي ومتخصص بجراحات الناظور، بلاش تخافي، إن شاء الله هتقومي بالسلامة.
ثم ابتعد يحيط وجهها بكلتا يديه، يحرك إبهامه عليه بحنان يحاول مؤازرتها وتشجيعها:
_دي عملية بسيطة يا ندى، ليه كل الخوف ده؟
ورغم اقتناعها بحديثه، لكن لسانها نطق بعفوية بما يخشاه قلبها لتوصيه بقلق:
_ولادي...
ليعاود عتابها بحدة:
_أشششش.... إحنا قلنا إيه؟
قبل جبهتها قبلة وداع طويلة قبل أن يجمع كفيه ويقرأ بعض آيات التحصين، ليمسح جسدها تحت نظرات عينيها الدامعة بعشق لحنانه وخوفه عليها:
_استودعكِ الله الذي لا تضيع ودائعه يا قلب طارق.
*****************'' ***
وقف الجميع أمام باب غرفة العمليات، تدفعهم قلوبٌ خائفة يملؤها القلق. جلس زياد بجانب والده الذي انصاع في النهاية لطلبها بعدم مرافقته إلى الداخل. كان يراقب والده القوي وهو يهتز كحبلٍ ضَربه زلزال؛ نال الوهن من شموخه رغم ادعائه عكس ذلك. توتره الواضح، عيناه المحمرّتان رغم خلوهما من الدموع، وتصلُّب عضلاته؛ كل شيء كان يشي بانهياره الداخلي، وإن حاول إظهار الصلابة أمامهم.
رفع زياد نظره نحو خالتيْه؛ كانتا تنتظران بعيون دامعة، وألسنة تلهج بالدعاء. بدا الخوف جلياً عليهما، كطفلتين تنتظران أمهما بقلق، ورغم شيب شعرهما، كان يدرك تماماً مكانة والدته في قلوبهما كأمٍ ثانية.
التفت إلى الجهة الأخرى؛ شاهد شريف يجلس بجانب شقيقته الباكية يواسيها بحنان، بينما جلست شقيقته "ورد" بجانب "قمر" التي كانت تضمها وتؤازرها، تمسح دموعها التي تنهمر رغماً عنها. تنهد زياد هو الآخر، داعياً الله في سرّه أن تعود والدته إليهم بخير.
مرّت الدقائق كدهرٍ من السنين، أرهق القلقُ أعصابهم، حتى فُتح الباب وخرج الطبيب، مقترباً من طارق الذي نهض مسرعاً باتجاهه. ابتسم الطبيب مطمئناً حين سأله طارق بصوتٍ متهدج:
ـ "طمني يا مجدي..".
أجابه الطبيب بابتسامة هادئة:
ـ "الحمد لله، العملية تمت بنجاح يا دكتور".
بادله طارق الابتسامة بارتياح، والتفتت عيناه نحو أولاده الواقفين خلفه بنظرة خاطفة مطمئنة، قبل أن يعود بنظره نحو الطبيب ويقول بامتنان:
ـ "متشكر.. متشكر أوي يا مجدي".
************************
جلس في مكتبه يمسك قلمه، يخطُّ بعض الكلمات ثم يمحوها، قبل أن يمزق الورقة ويجعدها، ساحقاً إياها بين يديه بامتعاض.
دارت عيناه على تلك الأوراق الممزقة باستياء؛ فهي المرة الأولى التي يخفق فيها في كتابة مرافعة لقضية ما، رغم أنها قضية بسيطة ومحسومة. أعاد جسده ليستلقي على ظهر كرسيه الوثير، زافراً أنفاسه بضجر. لا يعلم ما دهاه، ولماذا باله مشوش إلى هذه الدرجة، حتى هربت الأفكار من رأسه وشعر بضياعها رغم سعيه جاهداً للملمتها.
هو "مهاب صادق"، المحامي اللامع، ضليع اللغة العربية، الذي يصدح صوته في المحاكم بمرافعات يشهد لها القاصي والداني، يقف اليوم مشلولاً أمام قضية بهذه البساطة!
تنهد حانقاً؛ فهو يعلم أن معضلته ليست تلك القضية، بل تلك التي بدأت تشغل باله منذ أيام، تتسلل إلى مخيلته لتستقر في عقله، وتلتصق في ذاكرته كأغنية سأم من تكرارها. رمشت أهدابه بحالمية حين لاح طيفها أمامه، ليبتسم ابتسامة هادئة تزامنت مع رفرفة قلبه؛ يتذكر عينيها الخضراوين بشوق، وهو يعترف لنفسه أن غيابها ليومين عن المعرض ضرب أوتاد اتزانه، وهز كيانه الثابت، ورغم تصنعه عدم المبالاة، إلا أنه افتقدها بشدة.
شروده جعله لا يعي دخول صديقه المقرب المكتب، ووقوفه أمامه يطالعه وعيناه تشاهدان تلك الأوراق المتناثرة حوله بدهشة.
ـ "مهاب... مهاب!"
التفت نحوه بعد أن أجفله صوته، ليقول بضيق:
ـ "مالك يا أنس؟ بزعق ليه؟"
قطب صديقه حاجبيه حانقاً، قبل أن يقول باستنكار:
ـ "بزعق؟! دا أنا بقالي ساعة بنادي عليك وأنت في عالم تاني!"
اعتدل في جلسته وعاد يمسك ذلك القلم، هارباً من نظرات صديقه التي امتلأت بالتساؤلات.
ـ "أنا سامعك.. كنت عاوز إيه؟"
ابتسم أنس بمكر وهو يجلس أمامه، يزيح تلك الأوراق الممزقة جانباً، مشيراً له نحوها مشاكساً:
ـ "لا، أنا نسيت الموضوع لما شوفت اللي قدامك ده."
ثم غمز له مازحاً:
ـ "إيه الحكاية؟"
ادعى مهاب انشغاله بتلك الورقة التي كان يخط عليها كلمات مبهمة:
ـ "حكاية إيه؟"
قهقه أنس ضاحكاً، فاستفزته ضحكته ليرفع رأسه نحوه موبخاً:
ـ "ممكن أعرف بتضحك على إيه؟"
مسح أنس الدموع التي تكونت في عينيه من فرط الضحك وقال ملتقطاً أنفاسه المتسارعة:
ـ "ما بتعرفش تكدب يا متر."
رمقه بتحدٍ وقال بعناد:
ـ "مش بكدب يا أنس."
ـ "عيني في عينك يا صاحبي!"
قالها أنس وهو يفتح عينيه أمام وجهه باستهزاء. أشاح مهاب عينيه بانزعاج، ليعاود أنس الضحك ويقول بانتصار:
ـ "شفت؟ مش قلتلك!"
تنهد مهاب بضيق يحدجه بنظرات جانبية مستهجنة:
ـ "عاوز إيه دلوقتي؟"
ابتسم أنس يطالعه بإصرار:
ـ "تعترف باللي شاغل بالك يا صاحبي.. دا أنت لو خبيت على الدنيا بحالها مش هتخبي عليَّ، دي عشرة عمر يا متر."
زفر مهاب أنفاسه ببطء كأنه يخرج معها اضطرابه، ليخبره بخفوت دون النظر إليه:
ـ "ما جاتش المعرض من يومين."
أصابت أنس الحيرة قبل أن تتسع عيناه بإدراك، ليلفظ لقبها الذي أطلقه مهاب عليها:
ـ "ذات العيون الفيروزيه؟"
أومأ له قبل أن ينهض واقفاً أمام شباك مكتبه الذي يحتل نصف الجدار، يطالع حركة السيارات المتسابقة في الشارع، والتي تشبه دقات قلبه المتسابقة لمجرد ذكرها أمامه. فرك رقبته بإرهاق، ثم تنهد بيأس يبوح له بما يعتليه صدره:
ـ "مش عارف مالي يا أنس! أول مرة يحصلي كدة، مش عارف أخرج صورتها من بالي، بسمع صوتها في كل مكان، بقيت بكرر اسمها كأنه مسكن لقلبي اللي مش عارف بيحصله إيه لما بشوفها."
استدار نحو صاحبه الذي كان ينصت لحديثه بتمعن، وسأله ذلك السؤال الذي يخشى طرحه على نفسه:
ـ "هو أنا معقول أكون حبيتها في الكام يوم اللي شفتها فيها؟ معقولة بالسرعة دي؟"
رفع أنس حاجبيه وأجاب بسرعة:
ـ "وليه لا؟ مش فيه حب من أول نظرة؟"
تحركت حدقتا مهاب باضطراب وكرر حديثه بتعجب:
ـ "حب من أول نظرة.. معقولة؟"
ـ "وليه لا يا مهاب؟ أنت مش بتقول حلوة وطيبة؟"
ذكره لصفاتها الحسنة جعله يكمل بلا وعي:
ـ "أيوه، حلوة وطيبة ولطيفة، وعينيها تجنن."
ابتسم أنس بخبث وقال ساخراً:
ـ "كل ده وبتقول مش بحبها؟ دا أنت بتتغزل فيها!"
نفض مهاب رأسه بعد أن غزت صورتها مخيلته ليستغفر الله:
ـ "هي حد محترم أوي يا أنس، حاسس إنها فعلًا وردة، أي نسمة هوا بتأذيها، وخايف يكون جرى لها حاجة."
تعلقت عيناه بعين أنس لتصله حيرته هو الآخر، حتى اقترح عليه:
ـ "ما تشوف الأكونت بتاعها؟ البنات بيحبوا يقولوا كل حاجة عن حياتهم."
اتجه نحو المكتب بسرعة، والتقط هاتفه يبحث عن حسابها بأمل، حتى لمعت عيناه وهو يرى ذلك الخبر الذي أرفقته بطلب الدعاء لوالدتها بالشفاء، ليتسم؛ فالآن أصبح يعلم ما عليه فعله.
**********"" ******
أمسكت يدها بوهنٍ، تعاتبها بحنانٍ وعينين راجيتين:
_ كدة يا رحمة؟ ما أشوفكيش إلا وأنا على فراش المرض؟
ربتت رحمة على يدها باعتذار، وعيناها تقاومان الدموع التي بدأت تلسع مقلتيها، تنذرها بالهروب من سجن مقاومتها:
_ معلش يا ماما، سامحيني، غصب عني.
غصت الكلمات في جوفها كجمراتٍ تحرق روحها قبل أن تخرج لتبرر لها:
_ أنتِ عارفة الظروف.
شددت ندى على يدها، وخرج صوتها يتوسل بأمل:
_ عارفة يا حبيبتي، بس أنا كان عندي أمل إنك...
قاطعتها رحمة بسرعة قبل أن تسترسل، وعيناها تطالعان "ورد" و"قمر" بحرج:
_ هتخرجي إمتى؟
أسدلت ندى أهدابها بحزن بعد أن فهمت هروبها ورفضها المبطن لأي محاولة منها لاستمالتها:
_ المسا إن شاء الله، أنتِ عارفة طارق "موسس عاوز يطمن أكتر.
مازحتها رحمة محاولة التخفيف من الضيق المرتسم على وجهها:
_ مش بيحبك يا ماما وعاوز يطمن على حبيبته؟
ابتسمت ندى ابتسامة باهتة تدعو له بصدق:
_ ربنا يحفظه.
_ آمين يا رب، ربنا يحفظكم لبعض.
صوت طرقات على الباب جعلهم يلتفتون نحوه، قبل أن تنتفض واقفةً بارتباك ما أن رأته يدخل. التقت عيناها بعينيه لحظاتٍ خفق قلبها لها بشوق، وتسمر جسده، تتفقدها عيناه بلهفة، يراقب نهوضها وارتباكها عند رؤيته.
استأذنت من ندى متعللةً بوالدتها وقلقها عند تأخرها:
_ عن إذنك يا ماما، أنا اتأخرت وأمي هتقلق.
ندى التي كانت توزع نظرها بإشفاق بين ولدها الذي يتأمل زوجته بشوق، وبين رحمة التي ترى هروبها بخيبة أمل وتلومها:
_ ما تخليكي شوية كمان يا بنتي.
ابتسمت بتوتر وقالت معتذرة:
_ معلش يا ماما، مرة تانية إن شاء الله.
قالتها وهي تنحني لتقبل وجنتها قبل أن تلتفت نحو "ورد" التي حزنت عند رؤيتها لمغادرتها حال وصول شقيقها، وكأنها لا تريد أن يجمعهما مكان واحد:
_ مع السلامة.
ابتسمت لها ورد وودعتها بأسف على حالهم، رغم أنها ترى عيني شقيقها المسلطتين على زوجته بحب -رغم وجود قمر- مما يثبت صدق مشاعره، لكن يبدو أن رحمة لم تتخطَّ بعد جرحها رغم حبها له. ضمتها ورد وهي تقول:
_ مع السلامة يا رحمة.
سارت باتجاه الباب الذي يقف هو أمامه بخطوات مضطربة، تتحاشى النظر إليه؛ فقلبها الخائن كان يخفق بجنون كلما اقتربت منه. وقبل أن تتجاوزه، همس لها بشوق:
_ إزيك يا رحمة؟
استجمعت قواها وأجابته باقتضاب وهي تخطو مبتعدة:
_ الحمد لله.
وما إن خرجت حتى تنهدت بارتياح تلتقط أنفاسها المكتومة بحضوره، سارت ظنًا منها أنها نجت من هذا اللقاء. لكن بعد مدة، فزعت متفاجئة من قبضة يده تحيط معصمها وتجرها خلفه بقوة؛ يبدو أنه تبعها بعد خروجها، لتهتف بانفعال:
_ بتعمل إيه يا زياد؟ أنت اتجننت؟ سيب إيدي!
لكنه لم يلتفت إليها، وظل يسحبها خلفه بخطى مسرعة، وهي تتبعه بخطى متعثرة زادت من غضبها. مدت يدها تحاول إزاحة يده عن معصمها لكنه كان يتمسك بها بقوة آلمتها، لتهتف حانقة وهي تحرك أنظارها يميناً ويساراً:
_ زياد، أنت بتعمل إيه؟ إحنا في المستشفى!
لكنه كان كمن فقد عقله، لم يصغِ لها وظل يجرها حتى وصل إلى الغرفة المخصصة لوالده، فتح الباب ودفعها داخل الغرفة ليختل توازنها. وقبل أن تستعيد توازنها كان يجذبها ويدفعها نحو الجدار خلفها، محتجزاً إياها بين الجدار وجسده، لتصيبها الرهبة عندما وجدت نفسها محاطة بذراعيه، فتسارعت أنفاسها لتهتف بغضب وتوتر:
_ زياد ابعد، أنت بتعمل إيه؟
اتسعت عيناها بذهول عندما وجدته يدفن أنفه بعنقها يخبرها بهيام:
_ وحشتيني أوي.
رفعت يديها المرتعشتين، فقربه زلزل كيانها وكاد يطيح بمقاومتها المزعومة، لتضعهما على صدره تحاول إبعاده عنها وهي تقول بصوت مهزوز:
_ ابعد يا زياد... إحنا هنتطلق، ده غلط.
كان لا يزال هائماً بقربها وبرائحتها التي اشتاقها، ليرفع رأسه محركاً أنفه على وجنتها ليقول بقهر:
_ أطلقك إزاي وأنا روحي فيك؟
دفعته عندها عندما شعرت بأنفاسه الساخنة تضرب وجهها، لكن جسده الصلب لم يتحرك. قالت بصوت مخنوق وراجٍ:
_ أرجوك ابعد.
صوته الذي أحيا جرحها النازف جعل دموعها تنهمر بكسرة رغماً عنها، فتلامس شفتيه التي تقبل وجنتها فتلسعها بحرقة. أبعد وجهه محافظاً على حصارها بعد أن تذوق ملوحة دموعها بألم، يخبرها بصوت صادق:
_ والله بحبك... أحلفلك بإيه عشان تصدقيني؟
هزت رأسها بعنف رافضةً سماعه، تهتف بهستيريا:
_ لا.. لا.. أنت كسرتني!
فك حصاره وأحاط وجهها بيديه، يمسح دموعها بأسف ويقول معتذراً:
_ آسف.. آسف... سامحيني يا روحي أرجوكِ.
ثم أراح رأسها على صدره يضم جسدها بقوة، ولسانه يردد اعتذاره وحبه:
_ آسف... آسف... بحبك والله بحبك... صدقيني.
تركها تنهار داخل أحضانه كأنها تشكو منه إليه، حتى سمعا صوتاً في الخارج. ذلك الصوت أعاد لها وعيها، لتفتح عينيها وتستجمع قواها وتدفعه عنها بقوة في لحظة غفلة منه بعد أن استفاقت كرامتها، لتفلت من حصاره بعد أن ارتدَّ بخطوتين وكاد يسقط من ضربتها القوية.
ينظر لها بحسرة وهو يجدها تهرب نحو الخارج بخطى مسرعة، تصرخ بقهر:
_ ابعد عني... مش هقدر أنسى جرحك ليا!
كلماتها أصابته بصدمة لم يستطع بعدها حتى اللحاق بها، بل ظل واقفاً مكانه يحدق بحسرة بالباب المغلق خلفها، يلهث من تلك المشاعر الجياشة التي اجتاحته بقربها. تذكر بحزن كيف أن عينيه اليوم لم تريا "قمر" التي كانت تجلس بالقرب منها، وقلبه لم يخفق عندما رآها، بل خفق بجنون لرحمة وحدها، كأن المكان قد خلا إلا منها. اليوم يعترف لنفسه: لم تعد قمر سوى ذكرى، والحقيقة الوحيدة أنه يحب رحمة، وأصبح قلبه يعشقها وروحه تتمنى قربها.
تنهد مستهزئاً بحزن من تلك الحقيقة التي عرفها بعد أن فات الأوان، وبعد أن أضاعها من يديه بغبائه وتسرعه.
***************************
كانت تُرافق "ورد" وخالتها، رافضةً المغادرة حتى تطمئن على حالة خالتها الصحية. التفتت إليها "ندى" تشكرها بامتنان:
ـ "تعبتك معايا يا قمورة."
بادلتها الابتسامة بودّ، اقتربت منها وانحنت تقبّل رأسها، بينما تحرك يدها على كتفها بحنان:
ـ "حبيبتي يا خالتو، تعبك راحة، ربنا يحفظك لينا يا رب."
بعد مرور بعض الوقت، كانت تجلس بجانب "ورد" تستعرضان فيديوهات المعرض، وتتناقشان في بعض الصور وأغلفة الروايات. قاطع حديثهما طرقاتٌ خفيفة على الباب، أعقبها دخول "زياد" وبرفقته "حسين".
ابتسمت بتلقائية حين رأت "حسين" يلقي التحية؛ فقد أصبح حضوره يبهجها، وعيناها تترقب خطاه أينما تحرّك. بادر "حسين" بالاطمئنان على خالته بسلامة، مقبلاً رأسها، ومشاركاً "زياد" في مزاحهما؛ حيث كانا يصفان لها قلق والدهما عليها أثناء تواجدها في غرفة العمليات. كانت تبتسم بضعف لمشاكستهما، حتى التقت عيناه بعينيها للحظات، قبل أن ينتبه لوجود "ورد" بجانبها.
ـ "إزيك يا ورد؟"
ـ "أهلاً يا حسين، الحمد لله."
ثم عادت عيناه إليها مجدداً:
ـ "إزيك يا قمر؟"
تسارعت نبضات قلبها، واندهشت من هذا الاضطراب الذي لا تجد له مبرراً، فأجابت بخفوت:
ـ "الحمد لله."
ابتعد "حسين" عن خالته ووقف جانباً. حاولت هي النهوض لتفسح له مكاناً، لكنه أسرع نحوها واضعاً يده على كتفها برفق، مانعاً إياها بحزم لطيف، ثم وقف بجانب الكرسي. ظلت يده في مكانها، فالتفتت تنظر إلى كفه المستقرة على كتفها؛ شعرت بجسدها يرتعش خفية من لمسته، كما ارتجفت ثنايا قلبها. رفعت نظرها بتوتر نحو وجهه، تبصر ابتسامته التي باتت تراها أكثر جمالاً وهو يحاور "زياد".
لمعت عيناها وهي تتذكر ما حدث منذ أيام، وكيف كان يمدحها بفخر أمام إحدى زبائنه:
ـ "الباشمهندسة قمر شاطرة أوي يا مدام ريم، وأنا متأكد إن شغلها هيعجبك؛ لأنها بتعرف تمزج بشكل جميل بين المودرن والكلاسيك، وحضرتك تصميم الفيلا كمان مزج بين الاتنين."
تطلعت إليها "السيدة ريم" بنظرات أصابتها بالتوتر، مما جعل ابتسامتها المفتخرة بإطرائه ترتبك. قالت السيدة:
ـ "باين إن الباشمهندس عنده ثقة فيكي."
خطفت "قمر" نظرة سريعة نحو "حسين" قبل أن تجيب، فمنحتها نظراته الداعمة قوة خفية جعلتها تجيب بثبات:
ـ "باشمهندس حسين بيقدر الناس المجتهدة ومابيعرفش يجامل في شغله، وأنا بشكره على ثقته."
لم ترضَ السيدة عن تلك الإجابة، فانكمشت ملامحها وتفرست فيها بتعالٍ، قائلة باستهجان:
ـ "يعني ثقته دي مش عشان إنتِ مراته؟"
شعرت "قمر" بامتعاض شديد، وقبل أن تهمّ بالرد، سبقها "حسين" بضيق وحدة:
ـ "قمر مراتي صحيح، لكن عمري ما ده أثر على رأيي في شغلها. ولولا إنها شاطرة ماكنتش رشحتها لحضرتك."
ثم أكمل بلهجة تخللها الانفعال:
ـ "الظاهر حضرتك ماعندكيش ثقة فيا وفي اختياراتي، وعشان كده اعتبري المكتب منسحب، تقدري تشوفي مهندس تاني يعمل التصميم."
صدمتها لهجته الغاضبة، وجعلتها تتراجع عن استهجانها، محاولةً تخفيف أسلوبها المتعالي، خاصة وأن تصميمه لفيلتها قد أعجبها وتريد التمسك به، فقالت بابتسامة مصطنعة:
ـ "أنت فهمتني غلط يا باشمهندس، أنا مش قصدي أقلل من المدام، أنا كنت بهزر بس. وأظن كمان من حقي أدقق في خبرة الناس اللي هتشتغل معايا."
لم يزعزع حديثها ثباته، ولم يقلل من استنكاره لكلامها. استند بظهره على الكرسي يطالعها بسخط، محاولاً كبت غضبه والحفاظ على هدوئه:
ـ "بس أنتِ يا مدام شككتِ في اختياري، فكراني بغشك، وأنا أكتر حاجة بكرهها هي انعدام الثقة بيني وبين العميل، فعشان كده بطلب من حضرتك تشوفي مكتب تاني."
كانت "قمر" تطالعه بذهول؛ لقد تخلّى عن عمله مقابل الحفاظ على كرامتها! أطرقت رأسها بندم، فما يفعله كل يوم يثبت لها أنها كانت تحكم على شخصيته من مظهره فقط. نخزها قلبها بتساؤل: هل لا يزال يعشقها، أم أن ما فعله كان لكونها زوجته فقط؟
عادت من ذكرياتها عندما سحب يده، فخسرت دفء وجوده بجانبها. سرت قشعريرة في سائر جسدها، لتوقن أنه لم يعد مجرد شخص مؤقت في حياتها، بل أصبح ببعده وقربه يؤثر فيها على حد سواء.
*****************'*' **
عاد من المستشفى إلى المنزل منهكاً بعد يوم طويل؛ فقد اضطره وجود عمه وعائلته اليوم إلى التواجد في المستشفى الخاص خارج ساعات عمله الرسمية، قبل أن يعود لاستكمال مناوبته في المستشفى الحكومي، مما ضاعف من إجهاده.
دلك رقبته المتشنجة وهو يسير بخطوات ثقيلة نحو غرفته، ينشد الراحة. وما إن قطع خطوات قليلة حتى أوقفه صوتها تناديه بلهفة:
سيف!
التفت ليجدها تقف خلفه، تنظر إليه بحرج، وكأنها كانت تنتظر عودته. سألها بدهشة:
نور؟
اقتربت منه بخطوات متوترة، ثم قالت وهي تحاول شرح سبب انتظارها:
الحمد لله على السلامة.. كنت بانتظارك عشان عايزة أزور خالتو ندى في المستشفى. ماما شمس وشريف، وحتى عمو فارس، كلهم هناك.
نظر إليها بعينين غائرتين من التعب، وأجاب بصوت مبحوح:
خليها بكره يا نور.. أنا فعلاً مش قادر.
فوجئ بها تقترب وتُمسك يده، تتوسل إليه بعيون دامعة:
لا، أرجوك.. بكره عندي مذاكرة كتير ومش هعرف أروح.
شدد ضغطه على يدها بلطف، وقال محاولاً إقناعها:
طيب خلاص، بلاش تروحي دلوقتي. لما يرجعوا البيت ابقي زوريها.
هزت رأسها برفضٍ ورجاء، وعادت تتوسل إليه:
لا، هتحرج منهم؛ ماما وخالتو طيبين جداً معايا. أرجوك، خذني أنت عندها.
تنهد بيأس، وزفر أنفاسه بقلة حيلة وهو يقول مستسلماً:
أمري لله يا ستي.. يالا، خليني أوصلك.
لا.
عقد حاجبيه بتعجب، وسألها بحيرة ملوحاً بيده باستنكار ممزوج بالسخرية:
يا بنتي! مش بقالك ساعة بتترجيني عشان تروحي؟ ليه "لا" دلوقتي؟
أسبلت أهدابها بخجل، وقالت بصوت خافت:
تتعشى الأول وبعدين نمشي.. أنا حضرت لك عشا، عارفة إنك مش بتحب أكل المستشفى.
ابتلع ريقه بتوتر، وتسارعت دقات قلبه بسعادة غامرة؛ فهي تهتم لأدق تفاصيله! وبعفوية، ضم كفها التي لا تزال في يده برقة، وقال بصوت متلعثم من فرط اضطرابه:
_حاضر.. فين الغدا اللي "نونوهانم" حضرتُه؟
ابتسمت باستحياء، وأشارت بطرف عينها نحو المطبخ. حاولت سحب يدها من يده، لكنه قبض عليها بقوة أكبر وسحبها خلفه وهو يقول بمرحٍ آمر:
_لو عايزاني أتغدى، يبقى تتغدي معايا!
وصلا إلى المطبخ، تملصت من قبضته لتبدأ بتسخين الطعام، بينما بقيت نظراته تتبع حركاتها بسرور. وضعت أمامه طبقاً من المعكرونة بالصلصة الحمراء وقطعتين من صدور الدجاج المقرمش، وقالت بخجل:
_إن شاء الله يعجبك.
جذب يدها رغم اعتراضها، وأجلسها على الكرسي المجاور له:
_أنا قلت "تتغدي معايا".
توردت وجنتاها بخجل وجلست محرجك، عيناها تهربان من نظراته المحدقة بها، وتفرك يديها بتوتر. فجأة، شعرت به يضع الطعام في فمها، بينما هو يمضغ لقمته ويقول مادحاً صنيعها:
_تسلم إيدك يا "نونو"، طعمها يجنن! دوقي كدة.
رفعت يدها لتمسح أثر الصلصة عن شفتها، وأخذت تمضغ لقمتها بارتباك، تراقب تناوله للطعام بنهم وسعادة. وحين أدركت أنها تطيل النظر إليه، أشاحت ببصرها عنه بسرعة، توبخ قلبها بشدة، وتحاول كبح تلك المشاعر التي بدأت تتسلل إلى أعماقه.
******************
كانت تلملم أغراض والدتها استعداداً لمغادرة المستشفى، تساعدها "قمر"؛ تلتفت بين الحين والآخر نحو والدتها تسألها عن بقية أغراضها، حتى حزمت الحقائب وأغلقتها في انتظار والدها.
فجأة، تناهت إلى مسامعها طرقات متتالية على الباب، لم تنتظر طويلاً حتى فُتح الباب ودخل بابتسامته العريضة، حاملاً باقة ورد فخمة. اتسعت عيناها دهشةً، والتفتت نحو "قمر" التي كانت تبدو مذهولة مثلها تماماً. رمشت "ورد" بعينيها محاولة استيعاب جرأته ووقوفه أمامها.
ـ "مساء الخير."
نظرت له "ندى" باستغراب، وردت التحية بجمود ظناً منها أنه أخطأ الغرفة.
ـ "مساء النور."
لكن الصدمة عقدت لسانها حين رأته يقترب منها، يمد يده بباقة الورد قائلاً:
ـ "ألف حمد الله على سلامتك يا فندم."
التقطت منه الباقة بحيرة، زادت حدتها حين رفع عينيه نحو "ورد" وقال بابتسامة:
ـ "الحمد لله على سلامة الوالدة يا آنسة ورد."
أصاب "ورد" التوتر من نظرات والدتها المستفسرة، فاقتربت منهما باضطراب:
ـ "الله يسلمك، متشكرة."
أشارت نحو والدتها التي كانت توزع نظراتها بينهما بضيق؛ فهي لا تعرف هويته. حاولت "ورد" تعريفه بارتباك:
ـ "ماما، ده الأستاذ مهاب صادق، محامي وكاتب معانا في نفس دار النشر."
تلاشت تقطيبات حاجبي "ندى" المنزعجة تدريجياً، واسترخت ملامحها وهي ترحب به:
ـ "أهلاً يا فندم."
ـ "أهلاً بيكِ."
أجابها، وعيناه لم تفارقا تلك التي كانت تفرك يديها ببعضهما بتوتر. انتبه لنفسه أخيراً، فنظر نحو "ندى" مفسراً سبب حضوره وهو يشير إلى "ورد":
ـ "أنا عرفت إن حضرتك تعبانة من الـ (المنشور) بتاع آنسة ورد.. ألف سلامة عليكِ."
ثم عاد بنظراته نحو "ورد" التي امتعض وجهها من مراقبته لها وجرأته، فقال بتلعثم بعد أن استشعر ضيقها:
ـ "غيابك عن المعرض قلّقني."
احتدت نظراتها التي وبخته رغم صمتها، فحاول الانسحاب منعاً لإحراجها،فيبدو انه قد تهور بتصرفه وضايقها تسرعه لكن ذلك الصوت الذي صدح خلفه جعله يستدير بسرعة:
ـ "مساء الخير."
كان "طارق" الذي رمقه بنظرات مستنكرة، قبل أن يلتفت لزوجته التي فهمت نظراته المستفسرة، فعرفته:
ـ "ده الأستاذ مهاب، زميل ورد يا طارق."
ثم أشارت نحو "طارق" لتعرفه:
ـ "دكتور طارق، والد ورد يا أستاذ."
مد "مهاب" يده له مصافحاً:
ـ "أهلاً يا فندم، تشرفت بحضرتك."
صافحه "طارق" ورد التحية وعيناه تشمله بنظرة متفحصة:
ـ "أهلاً بك."
ثم أشار نحو الكرسي القريب:
ـ "اتفضل."
لكن "مهاب" قرر المغادرة بعد أن أحاطته نظرات والديها المتفحصة التي حملت نوعاً من الأستفهام:
ـ "متشكر يا فندم، بس أنا عندي ميعاد مع موكّل كمان نص ساعة، يادوب ألحقه. عن إذنكم."
هز رأسه مبتسماً: "تشرفت بمعرفتكم.. مع السلامة."
غادر "مهاب" الغرفة، لتتحول نظراتهم جميعاً نحو "ورد" بريبة، فهربت بعينيها منهم بتوتر، تدعو في سرها على ذلك "المهاب" الذي أحرجها بتطفله.
***********************
ثارَت أعصابه مُوبِّخاً ذلك العامل البسيط على خطأٍ تافه، وكأنه يُفرِّغ فيه مخزون غضبه الذي ملأ صدره منذ غيابها. أطرق العامل رأسه بحزن بعد أن انهال عليه سيلٌ من الإهانات، حتى توقَّف "حسن" يلتقط أنفاسه، خارِجاً من موجة انفعاله، ماسحاً على وجهه بقوة قبل أن يهدده بقسوة:
_آخر مرة أسمح بالخطأ ده، أنت عارف إن نتيجة إهمالك كانت ممكن توديك أنت ذات نفسك في داهية، أنا مش مستعد أخسر.. أنت فاهم؟
أومأ الرجل له بكسرةٍ قبل أن يغادر من أمامه.
وصل صوت الشجار إلى مسامع الجد، فهزَّ رأسه بيأسٍ قبل أن يستدعيه. بعد برهة من الزمن، دخل "حسن" مكتب جده، وقف أمامه بعينين تضِجّان غضباً، ووجهٍ شوهه التجهم:
_نعم يا جدو؟ طلبتني؟
أشار له بالجلوس بهدوء:
&اقعد يا حسن، عاوز أتكلم معاك.
جلس حسن ينظر إلى جده بتوتر بعد أن أثارت ريبته نظراته الصامتة.
_أنا مش نبّهتك قبل كده يا حسن بلاش القسوة وإهانة العمال بالشكل ده؟ إحنا ننبّه ونعاقب من غير إهانة، دول عمال مش عبيد عندنا.
ارتبك حسن، محاولاً التبرير بتلعثم:
_يا جدو أنت ما تعرفش هو عمل إيه، ده...
قاطعه الجد مُوبِّخاً بحدّة:
_مهما عمل يا حسن، مش من حقك تهينه! بلاش عصبيتك تُلغي إنسانيتك، ولا فلوسك تنسيك إنك بشر زيهم.. الجملة دي علّمهالي جدك "حسين" الله يرحمه زمان.
ثم استطرد قائلاً بنبرة تغيرت فجأة:
_هي مراتك لسه ما رجعتش من البلد؟
طأطأ حسن رأسه، يهزُّها نافياً:
_لا.
ابتسم الجد ساخراً وقال:
_عشان كده أنت زعلان ومتعصب؟
أجابه بسرعة، رافضاً ارتباط ضعفه ومزاجه السيئ ببعدها:
_لا.
هزَّ الجد رأسه بقلة حيلة، وتطلّع إليه بضحكه بسيطة يقول له لائماً:
_وهو كونك زعلان عشان مشتاق لمراتك حاجة عيب يا ابن علي؟
لم يُعقّب حسن، بل اكتفى بالتحديق به بصمت، ليستطرد الجد قائلاً:
_هتفضل زي ما أنت يا حسن، بتكابر ومصدر العصبية وسوء الظن لحد ما تخنق مشاعرك جواك وتموّتها.
فرفع الجد سبابته أمامه بوعيد:
_هييجي اليوم اللي تندم فيه يا ابني.
توقف الجد يزفر نفساً طويلاً قبل أن ينصحه بحزم:
_بلاش تخسر اللي بيحبوك وتسيب دماغك لشيطانك؛ شكلك بتعشق مراتك وبعدها فارق معاك، حافظ على المشاعر الجميلة دي، وخلّي بالك من مراتك، بلاش عصبيتك وتهوّرك يضيّعها منك في يوم وتندم بعد فوات الأوان.. اسمع نصيحة جدك.
ظلَّ حسن يُصغي إليه وعقله يقلّب حديثه بتمعن، حتى أضاءت كلماتٌ من بين زحام تلك الأفكار المتصارعة في رأسه: "سيخسرها بعد فوات الأوان".
كلماتٌ كانت كفيلة ببث الرعب داخله من مجرد تخيل حدوث ذلك.
*****************************
على الجانب الآخر، كانت تجلس وسط تلك النباتات الجميلة، تستنشق عبيرها وترتشف كوباً من الشاي الساخن الذي داعبت أبخرته وجهها فانتعشت. أغمضت عينيها مسترخية، تستمتع بذلك الهدوء، لكنها فتحتهما فجأة حين توهمت أنها سمعت صوته يناديها.
التفتت يميناً ويساراً كأنها تبحث عنه بذعر، ثم تنهدت بسخرية من نفسها ومن تلك الخيالات الغريبة. ورغم كل شيء، كان قلبها لا يزال يشتاق إليه. لم تتوقع أن يترك فراقه هذا الأثر العميق في نفسها، لكنها تناست لحظات ألمها، وراحت مخيلتها تتهافت على لحظات اهتمامه بها، وإن كانت قليلة. أصبح عقلها المشتت ضائعاً بين قرار العودة واللاعودة، بينما كان قلبها العاشق يصرخ متمرداً من فرط الشوق.
شعرت بدمعة تنساب على وجنتها، لتلسع بشرتها الباردة محاكية صراع الجليد والنار داخلها؛ فما بين نار غضبه وجليد هدوئه، وقفت حائرة تسأل نفسها: "هل سيمنحها حبها له القوة لتعفو وتغفر دائماً، أم سيحدث ما تخشاه، فيتحول هذا الحب إلى كره وضغينة؟".
أزاحت الدمعة بأناملها، ودعت الله في سرها أن يرشدها ويهديه.
ـ "صباح الخير... إيه المزاج الرايق ده؟"
التفتت نحو صاحب الصوت مبتسمة وبادلته التحية:
ـ "أهلاً يا أصيل، صباح الفل والياسمين."
جلس بجانبها يسألها عن حالها:
ـ "كيفك يا سندس؟ عاملة إيه؟"
ـ "الحمد لله، بخير ما دام أخويا الغالي بخير."
ربت على يدها قائلاً بامتنان:
ـ "إن شاء الله يخليكِ يا غالية... محتاجة حاجة أجبهالك؟"
ابتسمت له شاكرة:
ـ "تسلم يا حبيبي."
لكن ابتسامتها تلاشت تدريجياً، وحلت محلها نظرات متوترة عندما أخبرها:
ـ "أنا مسافر بعد أسبوع، هترجعي معايا ولا هتستني هنا؟"
نظرت إليه بتردد، لا تعلم بما تجيبه، لتقول باضطراب:
ـ "مش عارفة..."
ابتسم لها ابتسامة هادئة، وقبل أن ينهض مغادراً قال:
ـ "براحتك، فكري ولو حابة تسافري معايا بلغيني."
توقف فجأة، والتفت إليها يسألها بتردد:
ـ "هو أخبار حسن وعيلته إيه؟ كويسين؟"
لم يكن سؤاله عن حسن لذاته، بل كان سؤالاً مبطناً عن "تلك" التي سلبت النوم من عينيه؛ فهو يجلد نفسه كل يوم، يلومها على قسوته معها، ويحترق قهراً كلما تذكر دموعها.
ـ "الحمد لله، بخير."
أجابت شقيقته، لتنتشلَه إجابتها من دوامة ندمه، فقال باقتضاب:
ـ "الحمد لله."
********************************
داعبت قطرات المطر الخجولة وجهه، معلنةً بقدوم الشتاء بنسماته الباردة. مسح تلك القطرة التي استقرت على خده، ورفع رأسه ينظر إلى ضوء القمر الخافت الذي حجبته الغيوم، ثم سار بخطوات هادئة نحو المنزل.
ابتسم بتلقائية حين وصل إلى مسامعه صوت ضحكاتهما؛ ظل يطالع زوجته وشقيقته تلهوان بابتهاج تحت المطر كطفلتين صغيرتين. كان مشهداً شهياً دغدغ أوتار قلبه ليعزف لحناً حزيناً، يروي قصة سيختمها الفراق وإن طال الزمن. تنهد بألم، ثم اقترب بخطواته على الأرض الرطبة، وقال بنبرة توبخهما بسخرية:
ـ "بتعملوا إيه يا مجانين؟"
خفق قلبها لسماع صوته الذي طالما أطربها بنبرته الحنون، لتلتفت باستحياء، وتتحرك يدها باضطراب على خصلات شعرها المبللة. انتقلت عيناها بتلقائية نحو ملابسها التي لوثها المطر، ثم عادت تراقب اقترابه منها بخجل.
أضاف محذراً: "هتعيوا (ستمرضان)!"
قاطعته "مليكة" وهي ترفع هاتفها أمامه:
ـ "بنعمل ترند!"
ردد كلمتها مستهزئاً: "ترند؟!"
هز رأسه بقلة حيلة، واقترب يمازحها، فضرب وجنتها بخفة ونهرها بأمر تحت نظرات "قمر" الخجولة:
ـ "جو بارد، هتاخدوا برد!"
أمسكت مليكة بذراعه ودفعته نحو قمر قبل أن تبتعد خطوتين مشيرةً إليهما:
ـ "فاضل لقطة بسيطة، وكويس إنك جيت عشان أصوركم."
قطب حاجبه بدهشة وسأل بتذمر: "تصوري إيه؟"
دفعته مليكة نحو قمر بإصرار: "ارقصوا وأنا هصوركم؛ رقصة تحت المطر هتفضل ذكرى جميلة!"
كاد أن يعترض رافضاً، لكن نظرته الخاطفة نحو قمر التي توزع نظراتها بينهما بترقب جعلته يتراجع. اقترب منها، أمسك يدها، وقال مشيراً نحو مليكة بسخرية:
ـ "الظاهر المجنونة دي مش هتسيبنا في حالنا."
توترت حين أحاطت يده يدها، ولم تعد تسمع إرشادات مليكة؛ فقد كانت مندمجة مع قلبها الذي بدأ يخفق بجنون من لمسة يده وقربه، وعطره الهادئ الذي تسلل ليدغدغ مشاعرها. وما إن خرجت من تيهها حتى اصطدمت بنظرة عينيه التي زادتها ارتباكاً، وبيده التي أحاطت جسدها بتملك، يراقصها تحت ضوء القمر والمطر الذي غلّف خصلات شعره ليمنحه جاذبية ساحرة وهو يلمع عاكساً ضوء القمر.
تهادت بخطوات متناسقة وسط نسمات الهواء المنعشة التي منحت وجنتيها حمرة زادتها فتنة، حتى تمردت عيناه فلم تحيدا عنها، واندمج معها في حركات جعلتها تبتسم بسعادة. رفع يدها، ونظر إليها وهي تدور حول نفسها كراقصة باليه محترفة، قبل أن يمد يده لتلف جسدها بذراعه وتستقر بين أحضانه. كانت أنفاسهما متسارعة، وعيناهما متشابكتان في لحظة رومانسية تلاحمت فيها قلوبهما الخافقة، وإن حاول أصحابها الإنكار، كانت مشاعرهما ترتجف بتشابه غريب.
كانت تحدق في عينيه البنيتين اللتين زاد ضوء القمر جمالهما، وفجأة، أدهشها تصرفه حين ابتعد عنها منتفضاً، وكأنه استفاق من حلم جميل على حقيقة مرة. نهر قلبه "الغبي" الذي تجاوب مع مشاعره وانساق مغيباً، يزيح تعقله وصوت كرامته جانباً؛ هل سيصدق مرة أخرى؟ هل سيعود عاشقاً ليُجرح من جديد؟
لهث بأنفاسه بضيق، وقال متلعثماً:
ـ "كفاية كده.. يلا ادخلوا جوه."
وقفت تطالعه بتعجب من حاله الذي تغير فجأة؛ لقد كان متجاوباً معها منذ لحظات، ورأت في عينيه تلك اللمعة التي افتقدتها منذ بداية زواجهما.
عينها تابعته بترقب، يقترب من شقيقته، يمسح وجهها برقة، يزيل عنها قطرات المطر التي سقطت على وجهها، ويقول بحنان:
_حبيبتي، ادخلي جوة أحسن تاخدي برد.
عين 'مليكة' تعلقت بشقيقها، تبتلع غصة مرة؛ كيف كان لها أن تخذل ثقتهم وأن تلوث سمعتهم وأخلاقهم؟ كيف لها أن تفقد تعقلها وتتهور لتشوه هذه الصورة الجميلة للحب والحنان بينهم؟
صمتها الطويل جعله يعيد طلبه، ويده لا تزال تتحرك على وجهها وشعرها:
_يله يالوكا، يله ياحبيبتي.
'مليكة' التي أسعدها تصرف شقيقها، تحركت عيناها نحو 'قمر' بتلقائية، كأنها تنبهه أنها ليست وحدها هنا. اتجهت عيناه نحو 'قمر' بارتباك، يبتسم بتوتر:
_'قمر'، خذي 'مليكة' وأدخلو جوة.
أومأت له بالإيجاب، واتجهت نحوها، وما إن اقتربت منهم لمح قطرات المطر تلمع على خصلات شعرها الملساء؛ ليرفع يده بعفوية يمسح على رأسها، يزيل قطرات المطر عن شعرها برفق مرددًا:
_هتاخدو برد يامجانين عشان تريند...
تراقص قلبها بين أضلعها بسرور لحركته، لتخبره بحماس وهي تسحب يد 'مليكة' مطيعةً أمره:
_حاضر.
ظل يراقب رحيلهما نحو الداخل، يتنهد بيأس معاتبًا قلبه الخائن على خذلانه بقربها. وقف تحت المطر، علَّ الهواء البارد يطفئ نيران قلبه. أخرج سيجارته يشعلها، وينفث دخان احتراقها كأنه يحرق تلك المشاعر المتأججة في صدره؛ ربما يستطيع إخماد حبه لها فيرتاح من عذاب لعنة هذا الحب.
أما هي فظلت تراقبه من شباك غرفتها، تبصر دخان سيجارته الذي تصاعد يناقض بحرارته برودة ذلك الجو؛ يعتصرها قلبها بندم على حزن يسكن عينيه، وإن حاول هو إخفاءه. زفرت أنفاسها بقلة حيلة، وهي بدأت تشعر بالحزن لألمه، وتتمنى أن تتأكد من تلك المشاعر التي بدأت تسيطر عليها بقربه.
الفصل
الفصل 29
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
عينها تابعته بترقب، يقترب من شقيقته، يمسح وجهها برقة، يزيل عنها قطرات المطر التي سقطت على وجهها، ويقول بحنان:
_حبيبتي، ادخلي جوة أحسن تاخدي برد.
عين 'مليكة' تعلقت بشقيقها، تبتلع غصة مرة؛ كيف كان لها أن تخذل ثقتهم وأن تلوث سمعتهم وأخلاقهم؟ كيف لها أن تفقد تعقلها وتتهور لتشوه هذه الصورة الجميلة للحب والحنان بينهم؟
صمتها الطويل جعله يعيد طلبه، ويده لا تزال تتحرك على وجهها وشعرها:
_يله يالوكا، يله ياحبيبتي.
'مليكة' التي أسعدها تصرف شقيقها، تحركت عيناها نحو 'قمر' بتلقائية، كأنها تنبهه أنها ليست وحدها هنا. اتجهت عيناه نحو 'قمر' بارتباك، يبتسم بتوتر:
_'قمر'، خذي 'مليكة' وأدخلو جوة.
أومأت له بالإيجاب، واتجهت نحوها، وما إن اقتربت منهم لمح قطرات المطر تلمع على خصلات شعرها الملساء؛ ليرفع يده بعفوية يمسح على رأسها، يزيل قطرات المطر عن شعرها برفق مرددًا:
_هتاخدو برد يامجانين عشان تريند...
تراقص قلبها بين أضلعها بسرور لحركته، لتخبره بحماس وهي تسحب يد 'مليكة' مطيعةً أمره:
_حاضر.
ظل يراقب رحيلهما نحو الداخل، يتنهد بيأس معاتبًا قلبه الخائن على خذلانه بقربها. وقف تحت المطر، علَّ الهواء البارد يطفئ نيران قلبه. أخرج سيجارته يشعلها، وينفث دخان احتراقها كأنه يحرق تلك المشاعر المتأججة في صدره؛ ربما يستطيع إخماد حبه لها فيرتاح من عذاب لعنة هذا الحب.
أما هي فظلت تراقبه من شباك غرفتها، تبصر دخان سيجارته الذي تصاعد يناقض بحرارته برودة ذلك الجو؛ يعتصرها قلبها بندم على حزن يسكن عينيه، وإن حاول هو إخفاءه. زفرت أنفاسها بقلة حيلة، وهي بدأت تشعر بالحزن لألمه، وتتمنى أن تتأكد من تلك المشاعر التي بدأت تسيطر عليها بقربه.
👇💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐
❤️(