تحميل رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز pdf
بقلم رشا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز.
الفصل 12
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
تأهبت حواسها تنتظر أن يفصح عما يخفيه، وتجمدت عيناها على شفاهه المرتعشة التي بدأت تجف كأنه يقاوم شيئًا. أخرج لسانه يرطبها استعدادًا لإلقاء ما يعتليه صدره، خفق قلبها بخوف وعلمت أن ما ينتظرها ليس بالهين.
_«رحمة» اتمنى ماتفهمنيش غلط.
تعالت وتيرة أنفاسها فصمته المتكرر ضاعف توترها، نظرة خاطفة طأطأ بعدها رأسه بخزي لتتسرب كلماته بصوت خفيض:
_أنا يا «رحمة» خارج من قصة حب فاشلة.
شهقة انفلتت منها، فجملته كانت الرصاصة التي اخترقت قلبها لتجمد عينيها عليه بصدمة، وسالت دموعها رغماً عنها. شعر باهتزاز جسدها لكنه لم يلتفت، ظل على وضعه يكمل حديثه بثقل:
_حب من طرف واحد صدقيني.
أغمض عينيه يعتصرهما بألم وهو يسمع صوتها المرتعش بقهر:
_اتجوزتني ليه؟
اختنق صوته وتحشرجت الكلمات بين ثنايا صدره يخبرها بحسرة:
_عشان عاوز أبدأ حياة جديدة وأنسى.
تعاظمت كسرتها واحترقت روحها بنيران الخذلان، شعرت كأنها مجرد بديل لتغلي الدماء في عروق قلبها الممزق لتصرخ به:
_اتجوزتني عشان تنساها! أنا مجرد بديل مش كدة؟!
صمتٌ لا يعرف بماذا يجيب وهي تعري الحقيقة أمامه، حقيقة لم يجهلها ولن ينكرها، هي ليست سوى مسكن للآلام وترياق لذلك المرض. انهارت لتجد نفسها بلا وعي تمسك كتفه وتهزه، تصرخ به بهستيريا:
_رد عليا أنا مجرد بديل؟ عملت كدة ليه؟ أنا ذنبي إيه؟ حرام عليك!
استدار نحوها وأمسك ذراعيها، وصوت صراخها يسحق قلبه، لا يعرف أيشفق عليها أم على نفسه:
_اهدي يا «رحمة» اهدي واسمعيني.
لكن آذانها صُمَّت لا تسمع سوى نحيب قلبها الباكي، لتنهال على صدره بلكمات تخرج معها حزنها. تركها تخرج غضبها منه حتى خارت قواها ليأخذها بين أحضانه يحتضنها بقوة رغم تمنعها، لكنه أحكم ذراعيه يطوقها، يقاوم حركاتها العنيفة وهي تحاول التملص، لكنه شدد على ضمها حتى استسلمت تبكي بحرقة بين ذراعيه، وبدأ يحرك يده على ظهرها بالتدرج ويهدئها:
_اششش.. اششش.. اهدي أرجوكِ.
لم تبكِ وحدها، هو أيضاً شاركها البكاء حتى اختفت دموعها ولم يعد يسمع سوى شهقاتها ونشيجها. حركتها أصبحت ثقيلة وهي تشعر بعطره يخنقها، وصوته أصبح يصيبها بالاشمئزاز، لكنه أكمل ومع كل كلمة كان يضمها أكثر لصدره:
_عارف إني آذيتك بكلامي، بس أنا مكنتش عاوز أغشك، وكنت عاوز نبتدي حياة بوضوح ونقاء. «رحمة» أنا عاوز نعيش سوا من غير كدب، أنا عاوز نبني حياة جديدة.
ثم سمعت صوت ضربات قلبه المتسارعة وشعرت بصدره يعلو ويهبط باضطراب ليخرج صوته راجياً:
_ساعديني يا «رحمة».. ساعديني أرجوكِ أنا عاوز أحبك أنتِ، خليني أحبك.
تصلب جسدها بين يديه ليشعر هو بذلك، أخرجها من أحضانه لكنه كان لا يزال يأسرها بين يديه، ينظر لعينيها التي انتفخت أجفانها وتحول بياضها إلى اللون الأحمر. شعر بالندم، لقد دمر أجمل ليلة في حياتها.
مد يده بحذر يمسح دموعها بلطف، أحاط وجهها براحتيه وإبهامه يتحرك بحنان على وجنتيها، عينها تحدق به بلا روح كأن روحها احترقت وتناثرت تحت وطأة خيبة الأمل. رفعت يدها تحاول أن تزيح يده لكنها وقفت في المنتصف وهبطت بوهن على جسدها، استغل هو حالة التشتت والإعياء التي أصابتها ليحاول إقناعها بعين دامعة:
_«رحمة» خلينا نحاول هاااا، وأوعدك إني أعاملك بما يرضي الله صدقيني أنا محتاجك، أرجوكِ بلاش تتخلي عني.
هز رأسه يؤكد لها ويستميلها:
_أنتِ هتقدري تساعديني، أنتِ طيبة وعاقلة هتساعديني.
لم يتلقَّ أي جواب، صمتٌ ونظرات عتاب ولو كانت هي كل تعقيبها، لكنه استمر في محاولاته ليميل نحو الأمام يقبل جبهتها ويرجوها:
_«رحمة» اعتبريني حالة نفسية، اعتبريني إنسان مريض وعالجيني، «ورد» حكتلي إزاي بتساعدي الأطفال عشان يتخطوا فراق أهلهم، ساعديني عشان أتخطى ممكن؟
لم تستطع إغلاق عينيها لشدة تورم أجفانها، ولم يستطع لسانها أن ينطق أي كلمة، تشعر أنها وسط بحر هائج لكنها لا تستطيع النجاة، هي لم تكن تسمع سوى بصيص خافت من صوته، ترى تحرك شفاهه ولا تقوى على استيعاب حديثه. هل يطلب منها أن تعالجه؟ ومن يعالجها هي؟ من يعيد روحها المسلوبة في لحظة شعرت بها أنها مجرد رقم احتياطي؟!
وجدته يحيط جسدها ويساعدها على النهوض وهي تطيعه كالمغيبة:
_يلا يا «رحمة» عشان تغيري هدومك وترتاحي.
سندها حتى وصل بها إلى غرفة النوم، دارت عينها بها بحسرة، كان يجب أن تحتضن هذه الغرفة أحلى ليلة لها، لكنها الآن باردة خالية من كل شيء.
أوقفها أمام باب الحمام وقال بجدية:
_تحبي أساعدك؟
رمقته بنظرة مستهزئة وقالت بجمود:
_اطلع بره.
للوهلة الأولى توقف مكانه يحاول الاستيعاب، لكنه أومأ لها وانسحب وأغلق الباب خلفه. وقف خلف الباب يأكله الندم وتتقاذفه الأفكار ما بين قلب لائم وعقل داعم.
أما هي فخلعت عنها فستانها ورمته بإهمال على أحد الأرائك، ثم دخلت إلى الحمام ووقفت تحت المياه المنهمرة علَّ تلك المياه تطفئ نيران قلبها المشتعلة. سندت بكفيها على الجدار الرخامي البارد، تشبه بردته برودة هذه الحياة وقسوتها التي حرمتها من كل شيء.
لكنها رفعت رأسها فجأة تسأل نفسها ماذا ستفعل؟ هل تكمل أم تنهي كل شيء؟ لكن لو عادت الآن إلى منزل والدتها لن تكف الألسن عن الكلام وتأليف القصص، وعند ذكرها لوالدتها انهارت تسأل نفسها ماذا ستخبرها؟ هل تخبرها أنها تريد الانفصال؟ عندها ستتحول لنسخة منها، فتاة منفصلة.
وضعت يدها على فمها تكتم عبراتها، تغمض عينها من جديد تسمح للمياه أن تختلط مع دموعها. صوت خرير المياه التي تحتضن جسدها عزلها للحظات وصوته يطرق فكرها وهو يترجاها أن تساعده، مدت يدها تغلق صنبور الماء وتسأل نفسها:
_هعمل إيه؟
نظر إلى ساعة يده ليجد أن ساعة من الوقت قد مرت حاول فيها أن يشغل نفسه عن التفكير، لكن القلق تسلل إلى قلبه لينهض يطرق باب الغرفة فلم يجد إجابة، فتح الباب ليجدها ترتدي إسدال الصلاة وتقف على سجادة الصلاة. تنهد بارتياح وذهب نحو خزانة الملابس اختار بيجامة خاصة به وذهب نحو الحمام.
أخذ حماماً دافئاً يهدئ من ضجيج أفكاره ليجدها تجلس على السرير شاردة الذهن حتى أنها لم تشعر به، ربما صلاتها منحتها شيئاً من السكينة. رحل وعاد بعد قليل يحمل قدح حليب دافئ، اقترب منها بتوجس وجلس أمامها:
_«رحمة» اشربي.
قالها يمد لها يده بالقدح لتشيح وجهها رافضة، مد يده يمسك يدها لتسحبها بسرعة، زفر أنفاسه بأسى واقترب منها يتوسلها:
_أرجوكِ بلاش تحسسيني بالذنب أكتر من كدة.
نظرة خاطفة حملت تهكمها صاحبتها ابتسامة جانبية ساخرة كانت إجابتها قبل أن تبعد نظرها عنه، لكنه اقترب أكثر وأمسك ذقنها يعيد وجهها نحوه عنوة يخبرها بحدة:
_لو مش هتشربي هشربك أنا، امسكي.
وافقت مجبرة لتلتقط منه القدح ترتشف القليل قبل أن تضعه جانباً وتحاول الاستلقاء. استقام واقفاً واتجه إلى الناحية الأخرى من السرير بغية أن يستلقي ليجدها تصرخ به بانفعال:
_أنت بتعمل إيه؟
قطب حاجبيه يخبرها بدهشة:
_هنام، هكون بعمل إيه؟
لتلوح له بانزعاج:
_شوفلك أي مكان تاني، وإلا أقولك أنا اللي هشوف مكان تاني.
وقبل أن تحاول النهوض كان يمسك يدها يجذبها نحوه ويقول برجاء:
_«رحمة» أرجوكِ بلاش الحكاية دي، أنا عارف إنك واخدة موقف مني بس بلاش تحطي حدود، خلينا نجرب نعيش حياتنا سوا، نقرب من بعض حتى يا ستي نصاحب بعض، اعتبريني صاحبك.
نظرت إلى عينيه التي تتوسلها ويده التي تمسك بذراعها لتنفض يده عنها بغضب وتستلقي توليه ظهرها.
استلقى هو الآخر على طرف السرير صانعاً مسافة بينهما يشعر بالاختناق، لا يعلم أهو شعور الذنب أم الخيانة؟ إنه يخون حبه لها لتصفعه كرامته: أي حب أيها الغبي؟! لقد أصبحت لغيرك. لم يستطع النوم وعقله يعيد عليه مشاهد انهيار «رحمة» ليشعر بالإشفاق عليها، وبالمقابل قلبه يعيد مشاهد «قمر» في حفل زفافها فيشعر بالحنين إليها.
***************************
كان يجلس باسترخاء على مقعده الوفير يتحرك يميناً ويساراً يطالع حاسبه الشخصي الموضوع على سطح المكتب بتمعن حتى مال قليلاً لتبدأ أصابعه تتحرك بسلاسة على الأزرار، ثم أمسك قلمه يسجل بعض الملاحظات عندما سمع طرقاً على الباب فيأذن للطارق بالدخول:
_ادخل.
دخلت بخطواتها الواثقة وجسدها الممشوق، رائحة عطرها تسبقها لتقف أمامه تحمل الأوراق بيدها وتهتف بسعادة وهي تمد له يدها:
_إيدك على الحلاوة.
رفع عينيه عن حاسوبه ونظر لها بتعجب قبل أن تعلو وجهه ابتسامة ساخرة:
_حلاوة إيه يا «سالي»؟
لتهز كتفها بدلال تملي عليه شروطها:
-مش هرضى بأقل من شنطة أو عطر من ماركة غالية خليك فاكر.
لتتسع ابتسامته ويقول متذمراً:
-يا بنتي اتكلمي وماشي اللي تأمري بيه بس...
ليكمل وعده يحرك سبابته أمامها:
-لو المفاجأة تستاهل خليكِ فاكرة..
لوت شفتها بتفكر قبل أن تزمها بثقة وتخبره بابتسامة:
-شركة Msls وافقوا على تصميمك الابتدائي وهتدخل مسابقة القرية في الساحل الشمالي.
انتفض بتعجب يسألها بسعادة غامرة:
-بتتكلمي جد يا «سالي»؟
-أيوه وادي الفاكس اهو وكمان تلاقي فيه رسالة تأكيد بالكود وصلت على الإيميل بتاعك.
قالتها تمد له يدها بالورقة لينتشلها منها ويلتقط هاتفه بحماس يبحث عن موقعهم بشغف، ثم جلس يمسك حاسبه يدخل بعض الأرقام ويسجل رقم الكود السري ليشرق وجهه ببسمة مبتهجاً يخبرها:
-دا بجد يا «سالي» أنا دخلت المسابقة بجد!
ألف... ألف مبروك يا «حسين» أنت تستاهل.
قالتها بقلب صادق وعينيها تراقب فرحته بسعادة. أخذت تنظر إلى ملامحه التي طالما عشقتها منذ أن كانوا زملاء في الكلية وقلبها ينبض لأجلها، غابت ابتسامتها السعيدة ليحل محلها ابتسامة مكسورة تتذكر كيف كان قلبه دائماً ملكاً لغيرها، انتبهت إلى لمعة ذلك الخاتم الذي يحاوط بنصره لتتذكر كيف انتهت آمالها منذ أن ارتبط بابنة خالته.
ضمت تلك الأوراق التي كانت تحملها إلى صدرها تواري قلبها الخافق بقربه، تتذكر كم حاولت أن تبتعد عنه لكنها عجزت عن ذلك، فيكفيها وجودها إلى جانبه ورؤيتها له كل يوم.
كانت يده تتحرك على الأزرار وعيناه تتحركان على الشاشة لتبهت ملامح وجهه فجأة، فبنود المسابقة تشترط التواجد هناك في ورشة اختبار لمدة شهرين إلى ثلاثة أشهر. تنهد باستياء والتفت نحوها بوجه ممتعض، دهشت لتغيره المفاجئ لتسأله بقلق:
-إيه مالك؟ شكلك قلب 180 درجة فيه إيه؟
مط شفتيه بيأس ثم طالعها يخبرها بحيرة:
-لازم أتواجد في الموقع وبشكل إقامة دائمة شهرين أو تلاتة حسب المسابقة...
أجابته بتعجب:
-طب عادي وماله؟
قضم شفته بتفكير استغربته لتهتف بسرعة ظناً منها أن العمل في المكتب هو السبب:
-ولا يهمك أنا موجودة متخافش وهنتواصل بشكل يومي عشان تطمن.
لكنه ظل صامتاً وعيناه زائغتان في عالم آخر، قطبت حاجبيها لتقول مازحة تضرب على صدرها بفخر:
-هو أنت عندك شك في قدراتي؟ خليها عليا.
منحها ابتسامة مجاملة وقال بثقة:
-بالعكس يا «سالي» أنتِ مهندسة شاطرة أوي والمكتب بأمان معاكِ بس الفترة طويلة.
لتحاول إقناعه بتعقل:
-ما أنت مش هتحس أكيد هيكون فيه ورش عمل واختبارات ونماذج يعني يعني مش هيكون عندك فراغ، الشركة كبيرة والقرية فيها أكتر من موقع.
زفر أنفاسه بقلة حيلة قبل أن يحدق بها يسألها بجدية:
-تفتكري هقدر أنجح؟
لمعت عيناها وأجابته بسرعة تدعمه:
-أكيد هتنجح أنا متفائلة وكمان عندي ثقة فيك.
ابتسم لها بامتنان:
-متشكر يا «سالي».
بادلته الابتسامة ووضعت الأوراق أمامه تخبره بعملية:
-اتفضل يا سيدي الأوراق دي محتاجة توقيع، اتأخرت على شغلي.
غادرت ليحول نظره على شاشة الحاسب ويتمنى أن يتحقق حلمه، ففوزه في مسابقة كهذه مع شركة عالمية يعني ستفتح له أبواب النجاح، وفي خضم أحلامه لاح طيفها أمامه ليتنهد باستياء يسأل نفسه:
-هبعد عنكِ إزاي تلات شهور
***********************'' ''
طرقٌ على الباب أيقظه من نومه ليفتح عينيه بصعوبة، دعكهما حتى اتضحت رؤيته ليلتفت يجد تلك التي تغط في نومها ووجهها يختفي خلف خصلات شعرها. اقترب منها وأزاح خصلات شعرها يمسح على رأسها ويناديها بهدوء:
-«رحمة» اصحي.
-مممممم.
هكذا تململت تشيح وجهها نحو الجهة الأخرى ليلمس كتفها يهزها برفق:
-«رحمة» اصحي الظاهر والدتك جت.
أجفلت منتفضة تمسح عينيها وتسأله:
-بتقول ماما؟
-أيوه الظاهر، هقوم أفتح.
رفع يده يعيد ترتيب خصلات شعره ونهض حتى وصل إلى الباب ليلتفت إليها:
-«رحمة».
نداؤه أجبرها على أن تنظر إليه ليخبرها بحرج:
-بلاش والدتك تعرف حاجة.
لوت شفتها باستهزاء تربع يديها على صدرها وتنظر له بحنق:
-ما تخافش أنا أصلاً مش عاوزة أزعلها.
ثم اختنقت الكلمات على شفتيها تقول بعين دامعة:
-خليها فاكرة إن بنتها عايشة سعيدة.
ختمت كلماتها وهربت بسرعة نحو الحمام، طالع الباب الذي أغلقته بقوة خلفها وابتلع غصة مرة فقد جرحها بلا ذنب.
خرج يفتح الباب لتندفع «سماح» نحو الداخل تقول بتذمر:
-ساعة عشان تفتحوا!
-مش عرسان يا «سموحة»؟
قالها يدعي التثاؤب ويدعك عينه بنعاس مزيف جعلها تخجل من عبارتها:
-صباحية مباركة يا حبيبي.
قالتها «ندى» التي تبعت «سماح» تفتح له ذراعيها ليحتضنها مقبلاً رأسها ويديها:
-الله يباركلك يا ست الكل.
دخلت «ندى» تحدج «سماح» بعين لائمة تخبرها همساً:
-قلتلك نايمين خلينا نستنى شوية.
لتلوح لها بعدم مبالاة وتقول بضيق:
-إحنا بقينا بعد الظهر.
ثم بدأت عيناها تبحث بشوق عن صغيرتها حتى التقت بعين «زياد» الذي ابتسم وأجابها دون أن تسأل:
-«رحمة» في الحمام زمانها جاية.
وضعت صينية الإفطار على الطاولة الوسطية وجلست بجانب «ندى» التي كانت تضحك على حركاتها لتربت على فخذها:
-يا ستي عروسة زمانها جاية.
أما عندها فوقفت تخفي آثار شحوب وجهها وانتفاخ جفنيها بمساحيق التجميل، ونظرت إلى نفسها تزفر أنفاسها وتنفخها بقوة تحاول السيطرة على دموعها تخشى انهيارها عندما تراها لتهمس في نفسها توصيها:
-اوعي تضعفي... لما تشوفيها... اوعي تعيطي... خليكي قوية...
هكذا ظلت تردد حتى ارتدت فستاناً يناسب استقبالهم، وقفت أمام الباب تستعد لمواجهتها تدعو الله:
-يارب ساعدني يارب..
رسمت ابتسامة مزيفة ثم فتحت الباب لتجد عينيها معلقتين على الباب لتنسى جميع وصاياها لنفسها وتهرول بعفوية نحوه ترتمي بين أحضانها وتتشبث بها بقوة:
-ماما وحشتيني وحشتيني أوي.
أصابها القلق تمسح على شعرها بحنان وتقول بصوت متلعثم:
-أنتِ كمان وحشتيني يا نور عيني.
خانتها دموعها وانهمرت تعلن العصيان عليها، وكادت أن تتهور وتخبرها أن تأخذها معها لكنها تداركت الوضع عندما سمعت صوته يقول مدعياً المزاح:
-«رحمة» مالك يا حبيبتي؟ خلي بالك كدة «سموحة» هتفتكر حاجة وحشة.
وأردف يكمل مزاحه الذي استفزها:
-لا وحياتك كلو إلا «سموحة».
ولم يكتفِ بمزاحه السمج بل اقترب منها يسحبها من أحضان والدتها ليحتضنها هو يعاتبها:
-بس يا روحي كدة يا حبيبتي بتعيطي في حضن والدتك وتخضيها عليكِ؟ بس يا روحي أنا مستحملش أشوف دموعك.
صدمها حديثه المخادع وودت أن تخبرهم أنه كاذب بل وتصفعه كي توقفه لكنها صمتت من أجل والدتها.
لكن هذا المشهد كان بمثابة نسمة هواء باردة انعشت قلب «سماح» ومنحته الطمأنينة على صغيرتها وهي تشاهد اهتمام «زياد» الذي أخرجها يمسح دموعها بحنان.
التقت عيناها بعيني «ندى» المبتسمة تراقب المشهد مثلها بسعادة، لتغمز لها «ندى» مشيرة لها أن يتركوهم ويمنحوهم الخصوصية، تتحمحم «ندى» وتنهض مشيرة لـ«سماح»:
-يلا يا «سماح» خليهم ياخذوا راحتهم.
انتفضت «رحمة» تتشبث بها تمنعها من النهوض وتتوسلها:
-خليكِ يا ماما ماتمشيش لسه مشبعتش منك.
خلعت كلماتها قلب «سماح» من مأمنه لتمسح على وجنتها برقة، عيناها تتجول في ملامحها بتفقد، تشابكت عيونهم في لحظات ملأتها الاحتياج والشوق. «رحمة» التي كانت تتمنى أن تستطيع البوح بالحقيقة، و«سماح» التي يخبرها حدسها أن ابنتها ليست على طبيعتها، لكنها ظنت أن سرعة زواجها هي السبب، هي تشعر بالغربة مع «زياد» لكنها ستتعود عليها، هكذا أقنعت نفسها وهي تنثر قبلاتها على صفحات وجهها تودعها:
-هجيلك تاني يا روح ماما وبعدين دا بقى بيتي التاني هتلاقيني نطالك كل يوم.
-تشرفينا يا «سموحة».. أكيد دا بيتك وبيت ابنك وبنتك.
هكذا رحب بها «زياد» لتنظر له شاكرة ترحابه:
-متشكرة يا حبيبي ربنا يخليه ديماً عامر بحسك، وعقبال ما تملوا عليا البيت يفرحوني ويفرحوكوا.
أغمضت «رحمة» عينيها ودعاء والدتها يخترق قلبها كنصل سكين حاد بعد أن ذهبت أحلامها أدراج الرياح، لتنظر لـ«زياد» نظرة جانبية
أشعرته بالخزي، وذلك الدعاء لم يؤلمها هي وحدها بل آلمه أيضاً.
رحلت «سماح» و«ندى» ليغلق «زياد» الباب والتفت ينظر إليها ليجدها ترمقه بتهكم قبل أن تشيح وجهها عنه، لينكس رأسه يخبرها بحزن:
-أنا عملت كدة عشان والدتك مكنتش عاوزها تقلق أو تزعل.
لوت ثغرها بابتسامة ساخرة طعنته تزيد من إحساس الندم داخله، ليتنهد بأسى ويقترب منها بخطوات جمعت بين الحذر والتودد ثم سحب تلك الطاولة ووضعها أمامها:
-خلينا نفطر أنتِ مكلتيش حاجة من امبارح.
-مليش نفس.
قذفتها بوجهه بحدة وهمت بالمغادرة ليقبض على رسغها يمنعها بلطف:
-«رحمة» أرجوكِ متعمليش كدة، أنا عاوز نبدأ حياتنا سوا بلاش تبعدي.
نظرت إلى يده التي تمسك يدها ثم رفعت عينيها نحو عينيه تهتف بانفعال:
-وانا مش عاوزة الحياة دي!
شدد قبضته على يدها لتحاول سحبها بالقوة لكنه منعها لتصرخ متأوهة:
-آه.... آه.... سيب إيدي.
ليصرخ هو هذه المرة بعناد ويسحبها فتسقط بجانبه، وما إن سقطت حتى ضمها بيده:
-مش هسيبك غير لما تأكلي.
حاولت أن تتملص بانزعاج لكنه أبى إفلاتها لتتأفف بحنق وتتوقف عن الحركة تستسلم مجبرة لإصراره.
ابتسم عندما وجدها تهدأ أخيراً، ليمد يده يقطع قطعة من الفطير يغمسها بالعسل ويقربها من فمها، ورغم إحساسها بالجوع لكنها أشاحت وجهها مكابرة، ليضغط بيده الثانية على جسدها يرغمها على الاستدارة:
-يلا يا «رحمة» مش هاكل إلا لما أنتِ تأكلي وأنا جعان.
هزت رأسها متمنعة لتخفي بسمتها وهي تسمعه يغني لها كالأطفال كي يقنعها:
يلا الطيارة جت يلا هم يا جمل «رحمة» الحلوة هتاكل دلوقت.
لكنها لم تستجب ليعاود استمالتها:
-«رحمة» طب عشان خاطر والدتك هي لقمة واحدة وخلاص يلا، أنا قلت مش هاكل إلا لما أنتِ تأكلي وبصراحة عيني هتطلع على الحمام ريحته عششت في مناخيري يا بنتي يلا متعنديش.
استدار رأسها ببطء لتتسع ابتسامته عندها، فتحت فمها والتقطت الطعام بشفتيها على استحياء، مصمص أصابعه قبل أن يرفع لقمة ثانية نحوها وقبل أن تعترض كان يدسها في فمها، وكرر فعلته حتى امتلأ فمها لترفع يدها أمامه تحاول إيقافه لكنه ضحك يخبرها مازحاً وهو يرفع يده بلقمة ثانية:
-لسه فيه مكان.
لتضحك هذه المرة تضع يدها على فمها كي تمنعه:
-كفاية يا «زياد».
كلمات خرجت مختنقة من فمها الممتلئ حتى بدأت تمضغ الطعام بصعوبة وعيناه تراقبها ليفلتها ويذهب إلى المطبخ، ثم يعود حاملاً قدحاً من الماء يمد يده لها:
-اتفضلي.
رفعت عينيها له لتلتقي بعينيه لحظة، لتمد يدها إليه بخجل تلتقط الماء وترتشف منه بحرج، تحديقه بها أربكها لتنهض محاولة الهروب:
-أنا... هروح أغير هدومي.
قالتها بتوتر لكنه فاجأها عندما طلب منها قدحاً من الشاي كأنه يجبرها على الاندماج معه:
-«رحمة» لو سمحتِ عاوز كوباية شاي دماغي مصدعة وكمان عشان أحبس بيها بعد الحمام.
لكنها ظلت واقفة تحدق به ليرجوها متوسلاً:
أرجوكِ لو سمحتِ.
توقع أن ترفض ذلك لكنها زفرت أنفاسها بضيق ثم أومأت له مستجيبة وتركته ذاهبة نحو المطبخ بخطوات مجبرة.
نظر إلى يده التي حملت أثر الطعام وتنهد بحزن يخبر قلبه بأن عليه أن يحاول أن يتخطى وينسى فهي لا ذنب لها.
********************'' '****
جلست وعيناها تتنقلان بين باقة الزهور الرائعة وتلك العلبة المخملية التي وضعها على الطاولة أمامها، لتسمع صوته المضطرب يخبرها بحزن:
-أنا جايز أغيب شهرين أو تلاتة مش عارف، حسب المسابقة هتكون مدتها أد إيه.
لم ترفع عينيها ولم تعقب، ليسترسل بمشاعر صادقة لم يستطع كتمانها:
-هتوحشيني من دلوقت.
وانفلتت منه ضحكة خافتة يكمل ساخراً من نفسه:
-أصلاً أنا مش عارف هيتحمل مشوفكيش إزاي المدة دي كلها.
اهتز قلبها ليس تأثراً بتلك المشاعر، لكن هذه المرة شعرت بحقارة تصرفها فلم تعلم ماذا تقول، أما عيناه اللتان يفيض منهما الشوق قبل الفراق وصدق المشاعر الظاهرة في نبرات صوته هي لم تقوَ على النظر إليه.
أخذت تدعك يديها بتوتر ملحوظ ليلمح هو ذلك، فنادى اسمها بنبرة حانية يرجو أن ترفع رأسها فيشبع عينيه بصورتها قبل أن يغادر:
-«قمر».
رفعت عينيها مرغمة لتتسع ابتسامته ويتوهج وجهه بسرور فيشاطرها أحلامه فهي ستكون شريكة هذا الدرب كما كان يخبره قلبه العاشق:
-ادعيلي يا «قمر» المسابقة دي حلم بالنسبة لي، لو فزت اسمي هيتعرف وكمان هتكون ليا فرص كبيرة في المستقبل.
ابتلعت ريقها بغصة ولسعت الدموع عينيها من فرط الندم، رغم أنها لا تتقبله لكنها اليوم تشعر بالإشفاق عليه، كيف لها أن تعني له كل هذا؟ وكيف يطلب منها أن تدعو له بل ويشاركها أدق طموحاته؟!
أحزنه صمتها لينسحب بحرج وينهض مستقيماً ويقول لها ببسمة لم تغادر شفتيه:
-أنا مسافر بكرة بس حبيت أودعك، خلي بالك من نفسك.
ثم استدار مغادراً بخيبة أمل من صمتها حتى باغته صوتها يناديه:
-«حسين».
ارتعش قلبه واستدار بسرعة نحوها لتدعو له بكلمات متلعثمة:
-ربنا يوفقك.
خفق قلبه بسعادة وأشرق وجهه من جديد بابتسامة عريضة يجيبها:
-متشكر.. خلي بالك من نفسك.. مع السلامة.
حدق بها كأن عينيه تودعانها للمرة الأخيرة، ثم اتجه نحو الباب وفي تلك اللحظة فتح الباب «فارس» الذي تفاجأ بوجوده ليقول مرحباً:
-إيه دا «حسين الجوهري» هنا؟ يا أهلاً يا أهلاً.
بادله «حسين» الترحيب بود ليشاكسه «فارس»:
_عاوز تفلسع قبل ما تسلم على عمك «فارس» يا ولد؟ هو أنت بقيت تيجي البيت هنا عشان خطيبتك بس؟
أتبع آخر كلماته ينظر لـ«قمر» التي أخجلها حديث والدها فطأطأت رأسها، ليعود نحو «حسين» الذي برر له سبب وجوده بأنه جاء يودعها قبل سفره ثم أخبره بقصة المسابقة ليصغي له «فارس» بتركيز يرمقه بنظرات فخر، فنظرته به لم تخيب فطموحه وحماسه حتى طريقة تعامله مع ابنته تثبت له أنه شاب ممتاز، ليضع يده على كتفه يشجعه ويدعو له برضا:
-ربنا يوفقك يا ابني.
*************'*********
بعد مرور أسبوعين في منزل «شمس»، كان الجميع مجتمعين حول المائدة يتبادلون الحديث وتتعالى ضحكاتهم على قفشات «شريف» الفكاهية، ليقطع هذا الصفو طرقاً عنيفاً على الباب. جمدت الضحكات واجفلت القلوب ليلتفت الجميع نحوه، نهض «سيف» نحو الباب ليفتحه ليصدم عندما وجد فتاة يغطي وجهها الكدمات تصرخ برعب:
-فين خالتي «شمس»؟
ليهتف بدهشة:
-«نور»!
اقتربت «شمس» من الباب لتشهق وتلطم صدرها بذعر عندما رأتها، هرولت «نور» نحوها لتنهار باكية بين أحضانها تنتحب:
الحقيني يا خالة أنا عاوزة اروح لأمي.
انفطر قلب «شمس» عليها واحتضنتها تسحبها نحو الداخل، والتف حولها الجميع بخوف ليسألها «فارس» بذهول:
-مين عمل فيكِ كدة يا بنتي؟
أجلستها «شمس» على الأريكة وجلست بجانبها وطلبت من «قمر» أن تحضر لها قدحاً من الماء، أخرجتها من أحضانها تنظر لوجهها المشوه بإشفاق.
أحضر لها «سيف» علبة الإسعافات الأولية وجثى على ركبته ليساعدها، لكن وقبل أن تصل يده إليها أمسكتها «شمس» بلطف وأخذت منه قطعة القطن التي غمرها بمحلول معقم بعد أن رمقته بنظرة فهم من خلالها ما تقصده، فرغم اندماجها بالبكاء لكن «نور» انكمشت على حالها بمجرد أن لمحت «سيف» يقترب وكأنها تخشى يد أي رجل، فتولت «شمس» تلك المهمة لتبدأ بإزالة بعض آثار الدماء المتجلطة على وجهها.
ناولتها «شمس» كأس الماء لترتشف منه القليل ويدها ترتعش، شهقاتها لا تتوقف وعبارة واحدة كانت تكررها بين شهقاتها المتلاحقة:
عاوزة أمي يا خالة.
مسحت «شمس» على رأسها وذراعها تحاول تهدأتها:
-طب اهدي يا حبيبتي واحكيلي مين اللي عمل - فيكِ كدة؟
ظلت شهقاتها تعلو برهة حتى التقطت أنفاسها بصعوبة وقالت بقهر:
-«حسام» جوزي.
وما إن ذكرت اسمه حتى اتسعت عينا «سيف» غضباً واتجهت عينا «شمس» بتلقائية نحوه قبل أن تعود نحو «نور» تسألها:
-احكيلي يا حبيبتي.
بدأت «نور» تحكي لهم القصة منذ البداية وكيف كانت حياتها معه سعيدة في شهور زواجهم الأولى، لتبدأ معاملته بالتغير تدريجياً، فأصبح يسخر منها تارة ويقلل تارة أخرى، ينعتها بألفاظ كالجاهلة والقروية عديمة النفع والهمجية... ثم تطور الحال وبدأ يشتمها ويعنفها على أتفه الأسباب حتى اكتشفت خيانته.
فصبرت كي لا تحدث مشاكل عله يرجع عن خطئه، لكنها لم تعد تتحمل لتقرر مواجهته، لتتذكر ما حدث قبل ساعتين عندما دخلت عليه غرفة النوم ووجدته يتحدث مع امرأة يتغزل بها ويصف لها شوقه للقائها، لتفاجأ بوجود «نور» أمامه فيصرخ بانفعال:
-أنتِ إزاي تدخلي كدة؟ مش فيه باب يا بهيمة؟!
تصاعدت وتيرة أنفاسها لتنفجر تصرخ هي أيضاً:
-أنت بتكلم مين؟!
ليجيبها بوقاحة:
-وأنتِ مالك؟
فتهتف بقهر:
-أنت بتخوني يا «حسام»، فاكرني مش عارفة؟ أنا عارفة كل حاجة وساكتة، وبسمع كل القرف اللي بتقوله ومستحملة.
لينهض نحوها، يجذب خصلات شعرها بقسوة فتصرخ متألمة، زمجر في وجهها بصوت مرعب:
-أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ بتحاسبيني وتعلّي صوتك عليا؟! أنتِ نسيتي نفسك!
رفعت يدها تحاول إرخاء يده القابضة على شعرها وتصيح بقهر:
-أيوه أحاسبك، أنا مراتك، إزاي تعمل كده وأنت متجوز؟!
كلماتها تلك حررت شياطين غضبه، لينهال عليها بصفعات متتالية صرخت منها بوجع، لكنه لم يرحمها؛ استمر يكيل لها الضربات والشتائم:
-أنتِ يا حيوانة عاوزة تحاسبيني؟ أنتِ تحمدي ربنا إني اتجوزتك! هو أنتِ ست أصلاً عشان أعتبرك مراتي؟ أنتِ خدامة وبس!
اختلطت دموعها بدمائها، ورفعت يديها في محاولة يائسة لتفادي ضرباته بوجع لتصرخ بصوت مبحوح:
-اتجوزتني ليه؟
هز جسدها بعنف آلم جسدها الذي أنهكته ضرباته، ليخبرها بتجبر:
-عشان دخلتِ مزاجي، وأنتو صنف مينفعش معاكم غير الحلال، لكن دلوقتي أنا زهقت وقرفت منكِ!
مزقت اعترافاته قلبها، وسحق كرامتها لتستجمع أنفاسها بألم وتصرخ بحرقة:
-طلقني!
دفع جسدها حتى ارتطم بالجدار خلفها وسقطت أرضاً، كجثة هامدة، لينظر لها باشمئزاز ويقول:
-غالي والطلب رخيص، ده حتى أنتِ مؤخرك ملاليم.. عروسة رخيصة!
أتبع جملته بضحكة ساخرة، ثم توقف وقال قبل أن يبصق عليها:
-أنتِ طالق!
عادت «نور» من ذكرياتها لتنهار مجدداً بصراخ هستيري:
-عاوزة أمي... وديني عند أمي يا خالة.
كان «سيف» يستمع إليها ويرى انهيارها، يقبض على يده حتى بانت مفاصله. طفلة بريئة لم تتجاوز العشرين عاماً يفعل بها ذلك الحقير كل هذا؟! غلت الدماء في عروقه واشتعل غضبه حتى نفرت عروقه من مكانها وفكرة واحدة تسيطر عليه: هو السبب بما جرى لها، لولا تزكيته ومدحه لـ«حسام» لما رضي «جابر» وفرح به. ليقترب منها وسألها بصوت أجش غاضب أرعبها:
-هو فين دلوقت؟
لتنظر له بخوف وتجيبه بكلمات متقطعة:
-في الشقة.
اتجه نحو الباب لتصرخ «شمس» بقلق:
-رايح فين يا «سيف»؟
واعترض «فارس» طريقه يمسك ذراعه ويقول بتعقل:
-متتهورش يا «سيف» دا واحد حقير وممكن يستغل مراوحك ضدها.
ليتعاظم غضبه ويقول بأنفاس متسارعة:
-لازم أفهم يا بابا هو عمل كدة ليه.
-طب اهدى دلوقت وبعدين...
ليقاطعه بسرعة وهو يزيح يده عن ذراعه بلطف لكن بحزم:
-متخافش أنا هتكلم معاه بس.
ما إن أبعد يده عن ذراعه حتى تحرك بخطوات راكضة نحو الخارج متجاهلاً نداءات «فارس» و«شمس»، ليتلفت «فارس» نحو «شريف» وأمره بسرعة:
-
-الحق أخوك يا «شريف».
الفصل 13
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
أظلمت الدنيا من حوله ولم يعد يرى سوى صورتها أمامه، صوت نحيبها يصم أذنيه، وفكرة واحدة تصرخ في عقله: هو السبب في ما حدث لها. قبض على عجلة القيادة بقوة ولم يشعر بـ «شريف» الذي جلس بجانبه توًا، حتى سمع صوت إغلاقه للباب. التفت نحوه وعاد يدير سيارته متجاهلاً وجوده، فهو لا يملك وقتًا للنقاش أو الاعتراض، كل ما يريده الآن هو الوصول إليه وتكسير عظامه، هذا ما سيشفي غليله منه.
كان «شريف» يراقبه بقلق، رغم أنه غاضب مثله لكنه خائف من تهور شقيقه، حافظ على صمته طيلة الطريق، ربما ذلك الصمت يساعد في امتصاص غضبه ولو قليلاً.
وبعد مدة من الزمن وصلا إلى شقة «حسام» ليطرق الباب بعنف، واستمر في طرقه عندما لم يجد إجابة ليقول «شريف»:
_اهدأ يا «سيف» الظاهر مش موجود.
لم ينصت لحديثه واستمر يطرق الباب كأنه يفرغ غضبه فيه، حتى انفتح الباب فجأة وصرخ «حسام»:
_أي حد يخبط كدة؟
ليتمسمر بدهشة ويبهت وجهه وهو يجد «سيف» يقف أمامه بوجه غاضب ليقول متعجبًا:
_«سيف»!
قتمت عيناه وتفاقم غضبه عندما وجد شعره يقطر ماءً، يبدو أن ذلك الغبي كان ينعش نفسه بحمام وكأنه لم يفعل شيئًا، ليباغته يمسك مقدمة ملابسه ويدفعه نحو الداخل، يهزه بعنف ويصرخ بوجهه:
_عملت فيها كدة ليه؟ هي دي الأمانة اللي أمنتك عليها؟ قلت لك دي أختي وحافظ عليها وأنت وعدتني إنك هتصونها!
أنهى كلماته ولكمه بقوة حتى شج شفته وأسقطه أرضًا:
_اتكلم يا حيوان!
مسح «حسام» الدماء بظهر يده ينظر بانفعال لنزفها ويصرخ هو الآخر:
_أنا حر أنت مالكش دعوة بيا، مراتي وطلقتها محدش له حاجة عندي.
حديثه أثار ثورته من جديد ليجذبه مرة أخرى يلكمه من جديد ليردها «حسام»، لكن «سيف» أعاد لكمه عدة مرات حتى دخل «شريف» حائلاً بينه يبعد شقيقه بالقوة يصرخ به:
_اهدأ يا «سيف» مش كدة خلينا نسمع منه.
أبعده «شريف» عنوة بعد عدة محاولات ليقف يلهث أنفاسه ينظر لـ «حسام» الذي جلس على الأريكة يلتقط أنفاسه ويتحسس الكدمات التي سببها له.
_قصرنا معاك في إيه؟ كنت جيت واشتكيت لي، كنت فهمتني، اتكلمت معايا راجل لراجل، مش رايح تتشطر عليها وتضربها!
لم يجب «حسام» عليه واكتفى بنظرته الغاضبة التي يحدجه بها، وأصابعه تزيل الدماء عن أنفه، ليسأله «شريف» الذي وقف أمام شقيقه يمنعه من التقدم نحو «حسام»:
_اتكلم يا «حسام» أنت عملت كدة ليه؟ خلينا نسمع جايز تكون هي غلطانة.
ليقاطعه «سيف» بانفعال وهو يصرخ به لائمًا يشير نحو «حسام»:
_
غلطانة إيه؟ دي بتقول لك ضبطته بيخونها وبيكلم ستات عليها، دا إذا كانت الحكاية كلام وبس، جايز الأمور أكبر من كدة بس هي غلبانة مش فاهمة حاجة!
استشاط «حسام» غضبًا وصرخ بغيظ متبجحًا:
_أيوه بخونها وبعرف ستات وزهقت منها، دي أصلاً كانت غلطة، استريحت كدة؟!
ثارت جنونه واهتاج غاضبًا ليحاول الاندفاع نحوه وهو يشتمه، لكن «شريف» وقف في طريقه يدفعه بعيدًا رغم استمراره بالصراخ:
_آه يا حيوان يا ندل كنت فاكرك راجل!
_راجل غصبًا عنك!
قالها «حسام» وهو يهب واقفًا يستعد لعراكه ليتقدم «سيف» أيضًا، لكن «شريف» دفعه نحو باب الشقة:
_بس يا «سيف» خلاص كفاية كدة.
ثم التفت نحو «حسام» وقال بحزم:
_خلاص أنت كمان يا «حسام».
ليهتف «حسام» بتوعد:
_ما تشوف أخوك اللي عامل فيها البطل الحامي، بس والله لأندمه!
ليرد «سيف» بغضب قبل أن يخرج ه «شريف»:
_أعلى ما بخيلك اركبه يا كلب!
جلس «حسام» على الأريكة يلهث أنفاسه ويتحسس وجهه متألمًا يردد:
_الحيوان خرشم لي وشي.
وصل إلى سيارته يتمتم بشتائم، ليشير له «شريف» أن يستلم هو القيادة، جلس في السيارة يمسح أنفه النازف:
_مكانش لازم تعمل كدة، خايف يعمل لك حاجة ولا ما يطلقش أو يديها مستحقاتها.
زفر أنفاسه بغضب يسحب منديلاً ورقيًا ويمسح أنفه يجيبه بعدم اكتراث:
_ولا يهمني ولا يقدر يعمل حاجة، دا طلع أتفه مما كنت أتخيل.
أراح ظهره على الكرسي يلفظ أنفاسه المتسارعة كبحر هائج هدأت أمواجه، وينظر إلى يده المرتعشة من شدة الغضب كيف بدأت تستقر شيئًا فشئ
*****************"" "**
جلس «زياد» على مائدة الطعام يراقب حركتها الهادئة وهي تضع الأطباق على المائدة، ثم جلست في صمت اعتاد عليه منها، لكنه كان سعيدًا أنها بدأت تتقبل وجودها معه رغم أن حديثهم قليل، لكن كان راضيًا بتلك الابتسامة الباهتة وبعض كلمات تخفف عنه شعور الندم بعد قراره المتهور.
كان يأكل الطعام بتلذذ، لا ينكر أنها طاهية ماهرة لها لمسة إبداع في كل ما تصنعه، حدس تلك اللقمة في فمه يمضغها قبل أن ينظر لها مبتسمًا يخبرها مادحًا ما صنعته:
تسلم إيدك يا «رحمة» المكرونة تحفة.
لاحت على وجهها شبح ابتماس بالكاد فرج معها شفتاها، ليحاول جرها للحديث معه:
_بس أنا حسيت دي أحلى من بتاعة الوايت
صوص، والبشاميل أحلى منهم هما الاتنين.
لتجيبه باقتضاب دون النظر إليه:
-عشان أنت بتحب الطماطم في الأكل.
اتسعت ابتسامته يحدق بها بدهشة، لقد عرفت ما يحب من أسبوعين فقط، ليسألها بدهشة:
-وعرفتي إزاي إني بحب الطماطم؟
لتلتقط بعض الحبات بشوكتها وتتناولها تجيبه بلا مبالاة متجاهلة تحديقه بها:
-عادي، لما الأكل بيكون فيه طماطم بتاكل كمية أكبر.
انفجر ضاحكًا لتتفاجأ وتلتفت نحوه تنظر له باستغراب، واغتاظت وهي تجده يستمر بالضحك ويخبرها من بين ضحكاته:
-أنت باصالي في اللقمة بقى!
أشاحت وجهها عنه بضيق وعادت تتناول طعامها غير مكترثة بما قاله، ليكمل هو مشاكستها:
-مكنتش عارف إنك مركزة كدة معايا.
حولت نظرها نحوه تخبره باستهزاء:
-مش مركزة، بس مفيش غيرنا، باقي الأكل هو اللي بيعرفني.
ختمت حديثها ونهضت تحمل طبقها الفارغ نحو الحوض، ليشعر أن طريقته فشلت في جعلها تندمج معه ليتحمحم قائلاً:
-احم... أنت هترجعي الشغل امتى؟
لتجيبه ببرود:
-بكرة.
شعر بضيق من تجاهلها له لهذا الحد ليقول بحنق:
-وما قولتيليش ليه إنك راجعة بكرة؟
استمرت إجاباتها الباردة لتقول له:
—محصلش مناسبة.
أثار برودها غضبه لينهض ويهتف بانفعال:
-«رحمة» أنا جوزك يعني من حقي أعرف، يا ريت تحترمي دا وإحنا عايشين هنا سوا، أنا مش غريب عشان أكون آخر من يعلم!
ثم تركها مغادرًا، لتلتفت تنظر لأثره وتتنهد بضيق، كانت ستخبره قبل أن تنام بعودتها إلى العمل لكنه سبقها بالسؤال.
دخل إلى غرفة النوم يزفر أنفاسه بانزعاج، جلس على السرير ويلتقط هاتفه عله يفرغ انفعاله بانشغاله بتصفحه، فتحه ليجد مكالمة فائتة من «حسين» ليتأفف بانفعال ويتمتم سرًا:
_كل ما أحاول أنسى ترجع تفكرني.
مسح على وجهه بضيق قبل أن يحرك يده بين خصلات شعره يجذبها، توقف للحظات وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يخرجه دفعة واحدة ويتصل به، ليجيبه بصوت متعب:
_ألو.
لملم مشاعره التي بعثرها سماع صوته وتلك النغزات التي باتت تعصف بقلبه كلما تذكرهم معًا، يدعي المفاجأة:
_«حسين» حبيبي إزيك؟ وحشتني.
ورغم تعبه الظاهر على صوته لكنه أجابه مبتهجًا:
_أهلاً يا عريس، إزيك أنت كمان؟ وحشني يا صاحبي.
واستطرد بفكاهة يمازحه:
_اتصلت بيك من شوية أكيد مش فاضي لي طبعًا، عريس وبتعيش أيام العسل، آسفين يا سيدي كنت بس عاوز أطمن عليك.
اعتصره قلبه ولاحت ابتسامة ساخرة على ثغره، وبصوت زيف فيه سعادته:
_حبيبي أنا آسف مسمعتش التليفون، عريس زي ما بتقول، أنت أخبارك إيه؟ صوتك باين عليه تعبان.
_آه والله يا «زياد» ادعي لي، الفترة اللي جاية محتاجة جهد مضاعف.
_ربنا يقويك يا صاحبي أنت قدها.
ليمازحه «حسين» قائلاً:
_وإيه أخبار الجواز؟ حلو؟
وقبل أن يجيب «زياد» عليه وجدها تدخل إلى الغرفة بوجه متجهم وتتجه نحو دولاب ملابسها متجاهلة وجوده، ليتعمد رفع صوته:
_الجواز حلو أوي يا «حسين» دا زي العسل، راحة ودلع ومكرونة.
قال كلماته الأخيرة بلهجة استهزاء صدقها
«حسين» وفهمتها هي، لانت ملامحها لتبتسم خلسة وتدعي انشغالها في التقاط ملابسها.
تنهد «حسين» بأمل وقال متمنيًا:
_عقبالي يا رب.
لتزول ابتسامته وتحتل ملامحه الحسرة تخنقه وهو يدعو له بتلعثم:
_آمين إن شاء الله.
أغلق الهاتف ونظر إلى شاشته يسأل نفسه كيف سيتحمل هو ذلك اليوم؟ أغمض عينيه بقهر وفتحها عندما سمع صوت الحمام يفتح وتخرج منه، لينظر إليها ويقول بحزم:
_هأخدك معايا بكرة قبل ما أروح العيادة عشان تروحي شغلك.
لوح لها بسبابتها متوعدًا:
_ومش عاوز اعتراض.
ابتسمت على عرضه الذي بمثابة طوق نجاة لها، فهي لم تعتد بعد على الطريق من هنا حتى الملجأ.
*********************"*"
كان يشعر بالأسى وهو يراها تبكي بانهيار بين أحضان والدتها التي تشاركها البكاء بحرقة، تستمع لحديث «فارس» الذي يخبرها أنه استطاع التوصل لاتفاق مع «حسام» ليصبح الطلاق رسميًا ويدفع لها مستحقاتها.
نظر إلى والدته الجالسة بجانب «فرحة» تواسيها بعين باكية هي الأخرى، لكن انفطر قلبه عندما حادت عينه نحو الجهة الأخرى ليجد «جابر» يطأطئ رأسه بحزن، أكتافه متهدلة كأن جبالاً من الهم ألقيت عليه، شعور العجز كان يتملكه وعيناه لا تستطيع مواجهة عيونهم حرجًا مما حدث.
لا زال شعور الذنب يسيطر عليه يزداد مع بحة صوتها الذي أنهكته كثرة البكاء، لتضربه سهام من القهر عندما رفعت «فرحة» عينها تطالعه بنظرات حملت العتاب والخذلان معًا وهي تسأله بألم:
_مش أنت يا ابني جلت إنه كويس؟
شل لسانه ولم تستطع الكلمات إسعافه، كيف يبرر لها أنه قد غشه كما غشهم ولم يكن يتوقع أنه بتلك الخسة والنذالة؟
لكن «جابر» قاطعها وقال يلومها بعد أن أحس بتوتره وارتباكه:
_هو كان هيعرف منين إنه ندل كدة يا «فرحة»؟
قالها لسان «جابر» لكن عينيه كانت تعاتبه ذات العتاب، تجرع مرارة نظراتهم التي حملت خيبة الأمل وقال ولملم شتاته يجيبهم بكلمات مبعثرة:
_والله يا خالة في الكلية كان إنسان كويس، أنا اتصدمت بيه زيكم.
نظر «فارس» و«شمس» لولدهما بإشفاق، فتأثره بما حدث كان واضحًا، وما زاد حمله هو علاقته القوية بـ «جابر» و«فرحة».
-----------------------------
وبعد أيام معدودة
جلس منكس الرأس يسند رأسه على راحتي يده، يشعر أن يداه ارتختا لم تعد تستطيع مجاراة مشاعر الوهن التي أصابته، حتى تلك الطرقات على الباب لم تستطع إخراجه من تلك الدوامة التي سجن داخلها، اكتفى بإعطاء الإذن للطارق فقط:
-ادخل.
دخل الطارق بخطوات مترددة حتى وقف أمامه:
-خالتي «فرحة» سافرت خلاص.
رفع رأسه ببطء يطالع «أصيل» الواقف أمامه يومئ له ويجيبه بصوت حملت نبرته إنهاك صاحبها:
-إيوه خلصوا كل حاجة وسافروا الصبح.
جلس «أصيل» بثقل وقال بأسف:
-ربنا يعينهم على ما بلاهم، البت مبجالهاش سنة متجوزة مش هيخلصوا من كلام الناس.
دعك جبهته بقوة يحاول إزالة ذلك الألم الذي عصف برأسه يطحن أفكاره ما بين سندان شعوره بالعجز ومطرقة الندم:
-والله يا «أصيل» ما كانش كدة أيام الكلية، كان أه شاب زي أي شاب عنده علاقات زمالة بس مش علاقات بالحقارة دي.
-يا «سيف» مجتمع الكلية شيء والحياة العادية حاجة تانية.
طالعه يزفر أنفاسه بحرقة:
-هي ممكن الناس تلبس قناع وتوهمك للدرجة دي؟ أنا مش مصدق فيه ناس عندها القدرة دي!
أشفق عليه «أصيل» ليواسيه قائلاً:
-يا «سيف» متحملش نفسك أكتر من طاقتها خلاص اللي حصل حصل، واللي عملته كان بحسن نية مكنتش تعرف.
نكس رأسه يعتلي صدره تأنيب الضمير:
-إزاي يا «أصيل» والبنت اتدمرت بسببي؟ عمي «جابر» أكيد مكانش هيوافق على حد غريب لولا إني شكرت فيه.
تنهد «أصيل» باستياء واستطرد بما ضاعف جرحه:
-المشكلة نظرة أهل البلد ليها وهي لسه صغيره يعني فرصتها في الجواز بعد كدة، أكيد هتكون يا راجل متجوز يا أرمل يا زوجة تانية.
لحظات صمت جمعت نظراتهم ما بين الحيرة والألم.
-----------------------------
شهر مر عليه وهو هنا وسط أقلام التحبير وأوراق الرسم، أقلام الرصاص التي أصبحت رفيقته ترسم له حلمًا يدفعه للصمود، حرك القلم يرسم ذلك الخط المستقيم حتى وصل إلى النهاية، ليرفع رأسه بتعب ويزفر أنفاسه المرهقة، يحرك رأسه يمينًا ويسارًا عله يخفف من تشنج رقبته، أربع ساعات متواصلة يعمل على ذلك النموذج حتى أعياه التعب، دلك رقبته ليتثاءب معلنًا استسلامه، نهض من على الكرسي عندما ارتفع صوت هاتفه ليتجه نحو سريره ويجلس يمدد جسده ويلتقط الهاتف يجيب عليه:
-أهلاً «سالي».
-أهلاً يا بطل، عامل إيه طمني؟
-أديني مستمر وبحاول، المنافسة شديدة لكن إن شاء الله خير.
-أنت قدها وقدود يا كبير... بكرة النموذج الابتدائي صح؟
-إيوه يا «سالي»، لو عديت المرحلة دي أبقى عديت أول سلمة.
-ربنا معاك أنا واثقة فيك إن شاء الله خير.
-أخبار المكتب إيه؟ عملتي إيه احكي لي؟
بدأت «سالي» تسرد له كل ما حدث في المكتب وطريقة سير العمل حتى تطلعه على آخر تطوراته.
أغلق الهاتف ليغمض عينيه يدعك ما بينهما ويسترخي على وسادته، ليتذكر أنه لم يرسل لها رسالة اليوم، فتح الهاتف وتمنى أن تكون قد أرسلت هي شيء أو حتى تذكرته، كان يقلب شاشة هاتفه بأمل ذهب سدى عندما لم يجد شيئًا، لم يتحدث معها منذ البارحة ولم تكلف نفسها حتى بالاطمئنان عليه.
تسلل الخوف إلى قلبه المتيم بها وخشي أن يكون قد أصابها مكروه، لينهض معتدلاً يسند ظهره على ظهر السرير ويده تبحث بلهفة على زر الاتصال.
كانت تطالع أحد الأفلام عندما رن الهاتف بجانبها لتتذمر بانزعاج وتمسك جهاز التحكم توقف الفيلم بشكل مؤقت، كادت أن تصل يدها إلى الهاتف قبل انقطاع رنينه لكنه توقف، التقطته لتجد إشعارًا بمكالمة فائتة منه، تنهدت بضيق ولا تدري ماذا تقول له، لحظات وتعالى رنين الهاتف من جديد لتجلس تنحنح حنجرتها وتضغط زر الإجابة تمثل النعاس في صوتها:
-ألو.
جاءها صوته بشوق يسألها بشغف:
-ألو إيوه يا حبيبتي، إزيك؟
كلمة حبيبتي التي أصبحت تجري على لسانه كلما حادثها أصبحت تنطقها تطبق على أنفاسها وتشعرها بفداحة فعلتها:
-الحمد لله، إزيك يا «حسين»؟
زاد قلقه عليها ليسألها بريبة:
-مال صوتك يا «قمر»؟ أنت تعبانة؟
تثاءبت بتصنع وقالت بصوت ناعس:
-لا بس كنت نايمة.
شعر بالأسف ليخبرها معتذرًا:
-حبيبتي أنا أسف صحيتك من النوم.
لا عادي.
إجابتها ببرود ضايقته ليبرر لها بأسف:
-أنا كنت عاوز بس أطمن عليك، أصلي ما كلمتكيش من امبارح وأنت مسألتيش، قلت أحسن تكوني تعبانة ولا حاجة.
ارتبكت بعد أن أدركت خطأها وحاولت أن تخرج من ذلك المأزق بادعائها المرض لتقول بتوتر:
-معلش أصل كان عندي صداع.
انتفض بفزع يسألها بصوت قلق وأسئلة متلاحقة بخوف:
-صداع؟ وما أخدتيش دواء؟ وإزيك دلوقت أحسن؟ تحبي أخلي بابا يبعت لك دواء؟ طب جائز منمتيش كويس أو بداية برد؟
أسئلته المتلهفة آلمتها وطعنت جمودها وجفاءها، تهدم حصون مكابرتها، تقتحم قلاع عنادها بجملة «ورد» التي دائمًا ترددها عليها: «حسين ميستاهلش الي بيحصله»، نظرت إلى علبة المشروب الغازي وكيس المقرمشات والتسالي الموضوعة بجانبها تستشعر مدى دنائتها معه، هو متلهف للاطمئنان عليها وهي تقضي حياتها دون الاكتراث له بل وتكذب عليه، نداؤه المتكرر أعادها من شرودها:
-«قمر»... «قمر»... حبيبتي روحتي فين؟
أجابته بصوت متحشرج خرج من خضم ذلك الصراع الناشب داخلها:
-معاك يا «حسين».
-حبيبتي هو الصداع لسه مخفش ولا إيه؟
-لا أحسن الحمد لله، خدت بندول وبقيت أحسن.
ليكرر كلماتها يحاول التأكد منها:
-أكيد يا حبيبتي ولا أنت بتطمنيني وخلاص؟
تنهدت بأسى وكلماته تشعل نيران الندم داخلها، تحرق غرورها بلهيب اهتمامه، اختنق صوتها تجيبه:
-صدقني يا «حسين» أنا كويسة.
لكنه ظن أنها تداري عنه مرضها ولا تريد إخافته:
-طب افتحي كاميرا وخليني أشوفك عشان أطمن.
طلبه فاجأها لتتوتر وتقول بارتباك:
-إيه؟ أفتح كاميرا ليه؟
عشان أطمن قلبي يا «قمر» كدة مش هقدر أنام.
وضعت يدها على صدرها تشعر أنها تختنق والهواء ينفد من حولها، كلماته تخنقها تطبق على صدرها شعور بالذنب تمنت أن يتوقف، تمنت أن تخبره الحقيقة كي تسكت صراخ ضميرها الذي أتعبها لكنها جبانة، هكذا نعتت نفسها تجلدها، زفرت أنفاسها بقوة وقالت تحاول ردعه عن طلبه:
-أنا كويسة يا «حسين» صدقني.
لكنه أصر بعناد وقال يأمرها:
-افتحي كاميرا يا «قمر» عاوز أشوفك وحشتيني.
خر قلبها صريع ذلك الوجع الذي يتفاقم كلما نطق باشتياقه وأحاطها باهتمامه لتقول بحرج بعد أن شعرت بإصراره:
-طب ثواني ألبس حجاب بس..
لبست إسدال الصلاة وأزاحت تلك التسالي عن سريرها قبل أن تمسك الهاتف بيد مرتعشة تفتح الكاميرا الأمامية، ليطل عليها بوجهه المبتسم يخبرها بشوق جارف:
-إزيك يا «قمر» وحشتيني.
توترت وعينها لا تقوى على مواجهة عينيه وقالت بحرج:
-الحمد لله.
طب بصي لي أنت مكسوفة كدة ليه؟
أجبرت عينيها على النظر باتجاهه ليصدمها شحوب وجهه وذبول عينيه، لتشعر بالخجل عندما سمعته يقول:
-وحشوني عيونك الحلوين.
بلعت ريقها بتوتر وقالت باستحياء تنظره:
-«حسين» أرجوك إحنا......
ضحك بشدة حتى عاد رأسه إلى الوراء لتتعجب من ضحكته التي أثارت حنقها لتسأله بضيق:
-أنت بتضحك ليه هو أنا قلت نكتة؟
مسح دموعه التي سالت من شدة الضحك وسعل عدة مرات يضع يده على صدره قبل أن يجيبها:
-أصل حفظت الجملة «حسين أرجوك إحنا مخطوبين»، بس يا ستي قولي أنا بتكسف وخلاص.
ثم صمت هنيهة يراقب امتعاض وجهها وسألها برجاء:
-«قمر» بكرة مرحلة مهمة في المسابقة ادعي لي ربنا يكرمني..
لا زال يدهشها باهتمامه وكيف يشاركها حلمه الذي لم يخطر على بالها أصلاً السؤال عنه متغافلة عن سبب سفره، عينيه كانت تحدق بها كأنه ينتظر منها أن تبادله الاهتمام، تشاركه أحلامه أو حتى تشعره أنه جزء من حياته المستقبلية، شعرت هي بنظراته المتوسلة لتخبره:
-ربنا يوفقك وتحقق أحلامك.
لتتسع عينيها بذهول وهو يخبرها بصدق وصوت عاشق متيم:
-أنت أكبر أحلامي يا «قمر»... الباقي أحلام بحققها عشان ولادنا، عشان أكون أب يفتخروا بيا وعشان أنت تفتخري بجوزك..
ثم صمت ينظر بعينين تنبض بالحب، ثم رفع
يده التي تحمل خاتمها ويقبله يخبرها بسعادة:
-أحلامي تحققت من ساعة ما بقيتي من نصيبي.
كفى... كفى... أصمت لا أريد سماع المزيد، هكذا كانت تتمنى أن تصرخ تسأله أن يرحمها فلم تعد تقوى على الصمود أمام هذا الحب الذي يؤلمني أكثر مما يفرحني، شعرت أن جسدها يشتعل من فرط ذلك الصراع المحتدم داخلها، فأحست بجبهتها تتصبب عرقًا حتى تحول وجهها إلى اللون الأحمر ليظن هو أن ذلك من شدة خجلها ليحاول التخفيف عنها:
-طيب يا «قمر» أسيبك عشان تنامي، خلي بالك من نفسك.
أومأت له برأسها فلسانها عقد ولم تسعفها الكلمات التي تبخرت من ذهنها، انتظر قليلاً يمني نفسه أن تمنحه قليلاً من الاهتمام وتسأله أن يهتم بنفسه، لكنها صمتت، صمتت فقط ليشعر بالاستياء ويقول منهيًا هذا الاتصال:
-مع السلامة.
انطفأت الشاشة لتحرر أنفاسها المكتومة وتفلت الهاتف، تسمح لتلك الدموع التي كانت تأسرها بحضرته أن تنفلت لتنكمش على حالها وتنهار باكية يسيطر عليها شعور العجز ويخنقها عتاب ضميرها، استلقت متخذة وضع الجنين تحيط جسدها بذراعيها وتنتحب مرددة:
-أنا تعبت... سامحني يا «حسين».
أما هو فاستلقى من جديد على وسادته ينظر إلى شاشة هاتفه التي أظلمت، يعاتبها على صمتها الدائم وقلبه يضع لها الحجج ويبرر لها، ربما كانت خجلة، ربما أنها لم تعتد عليه بعد، ربما لا تزال مريضة وتوهمه بتحسنها كي لا يقلق، ليمسك الهاتف يضيء شاشته من جديد يرسل رسالة لوالده يطلب منه إرسال الدواء لها.
----------------------------
كانوا يجلسون حول المائدة بجو يملؤه الألفة والمحبة، دارت عينها تلتقط أبسط التفاصيل التي حرمت هي منها، الحب الذي يكنه «طارق» لـ «ورد» وطريقة تعامله معها، ومزاح «أحلام» الذي يبهج الأجواء، ودلال «ندى» لـ «زياد» الذي نهل من هذا الدلال ويطالبها بالمزيد وأكثر، ما كان يشد انتباهها هو ذلك الحب المعتق الذي يجمع «ندى» و«طارق» فعيونهم تظهر صدقه حتى وإن لم يلفظ «طارق» أي كلمة غزل، لكن عينيه التي كانت تشكلها بحب، طريقة تعامله معها، اهتمامها هي به وبأدق تفاصيله، كل شيء بينهم كان يؤكد لها ذلك، فحبهم كان كعطر فرنسي تشم رائحته قبل أن ترى صاحبه، حب هادئ يشبه أصحابه.
تنهدت بحسرة تتذكر حياتها التي خلت من هذه الأجواء على الرغم من أن والدتها كانت تحاول بشتى الطرق أن تعوضها، لكن رغماً عنها كانت تشعر بالنقص، اختطفت نظرة نحو «زياد» الجالس بجانبها يتناول طعامه بنهم وتحسده، لقد تذوق نعمة العائلة وتلذذ بوجود والديه معًا.
صوت «ندى» التي بدأت تضع أصناف الطعام أمامها أعادها إلى الواقع لتندهش من كمية الطعام الموجودة أمامها فتقول رافضة المزيد:
كفاية كدة يا ماما دا كتير أوي.
لكن «ندى» التي وضعت المزيد من الطعام لها استهجنت حديثها وقالت بحنان:
-كلي يا بنتي متتكسفيش، دوقي طبخ حماتك دا أنا طابخة أصناف جديدة عن المرة اللي فاتت مخصوص عشانك عشان تجربيهم.
ثم ختمت حديثها تنظر بضيق نحو «زياد» وتؤنبه بلطف:
-ما تخلي بالك من مراتك يا «زياد»، شوف يا ابني لحسن محتاجة حاجة ومكسوفة مني.
لتسرع «رحمة» تجيبها باستنكار:
-والله مش مكسوفة وهاكل أهو.
لتمسك الملعقة وتشرع في تناول طعامها بخجل زاد عندما وجدته يميل عليها ويهمس لها مشاكساً:
-إيوه يا عم واخدة الدلع أنت النهاردة من أم «زياد».
همس وصل لـ «ندى» التي عاتبته بغضب مصطنع:
-وأنت غيران ليه يا سي «زياد»؟ «رحمة» بنتي تدلع زي ما هي عاوزه.
لتضحك «أحلام» وتلتفت نحو «ورد» تشير لها نحو «زياد» قائلة:
-«زياد» غيران بقى عنده منافس في قلب ماما.
لتؤكد «ورد» كلامها تشاركه الضحك وتنظران نحوه تحاولان إغاظته:
-ومش أي منافس دي «رحمة» يعني السكر بتاع العيلة.
استطاعتا إغاظته لينظر نحوهم يخبرهم بحنق مزيف يغمز لـ «رحمة» التي تكتم ضحكاتها:
محدش يقدر ينافسني في قلب ماما إلا شخص واحد.
فطن «طارق» لمقصده ليحدجه بنظرة جانبية ويقول موبخًا إياه بانزعاج:
-ولد أنت تقصدني؟
ثم أشار نحوه بسبابته مستهزئاً:
-أنا أنافسك أنت؟
بابا محدش ينافس بابا، صاحب القلب ومالك مفتاحه.
قالتها «ندى» بغزل معلن تضع يدها على يده الموضوعة على المائدة، لتتسع ابتسامته بانتشاء ويحيطها بنظرات محب وبامتنان قال:
تسلمي يا حبيبتي.
-لا دا ظلم وأنا!
هتف بها «زياد» بحنق مفتعل ليلتفت نحو «طارق» بسرعة:
-اخرس عندك مراتك سيب مراتي ليا.
تبدلت ملامحه باضطراب وأطرق رأسه بحرج نحو طبقه يهرب من نظراتها التي تخترقه ويدعي اندماجه بالأكل وعقله يلومه، اختلس النظر نحوها ليجدها تقلب الطعام بعقل ضائع، فقرر أن يجد طريقة يخفف عنها، لينظر نحو طبق المعكرونة الموجود على الطاولة فرفع رأسه نحو والدته وأخذ لقمة من الطبق يخبرها بصوت مسموع:
-عارفة يا ماما «رحمة» بتعمل مكرونة تحفة، أصلاً هي كل أكلها بيرفكت.
التفتت نحوه عندما سمعت مدحه لكنها حولت نظرها بسرعة نحو «ندى» تخشى أن يضايقها حديثه، لكنها وجدتها تبتسم وتقول مشجعة لها:
-«رحمة» طول عمرها شاطرة ربنا يحفظها.
شكرتها بحرج على إطرائها:
-متشكرة يا ماما.
-خلاص كدة العزومة الجاية هتكون من إيديها، عاوز أنا كمان أذوق طبخ بنتي حبيبتي وأنبهر مش بس «زياد» الغلس ينبهر.
هتف بها «طارق» لتبتسم على حديثه كما ابتسم «زياد» الذي وصل لمبتغاه وجعلها تبتسم:
-أنت تأمر يا بابا من عنيا الاتنين.
-تسلم عيونك يا حبيبة بابا.
يا إلهي كم هي سعيدة بتلك المشاعر التي تجربها معهم، وكم راق لها مديحهم ووجودها بينهم!
------------------------------
كانت تجلس في حديقة منزلهم تطالع شاشة اللاب توب وتتأفف بتذمر بعد أن رفضت شركة التصميم التي تقدمت للعمل فيها قبولها، قلبت شفتها بضجر وأغلقت الجهاز بحنق تتمتم ساخطة:
-وبعدين؟ دي تالت شركة أبعت لها السي في ومفيش فايدة.
تنهدت باستياء تفكر هل تطلب من والدها مساعدتها أم تنتظر إجابة باقي الشركات التي تواصلت معهم؟ طرقت بسبابتها على سطح جهازها المغلق تفكر في حيرة عما عليها فعله، حتى سمعت صوتًا تحفظه يناديها:
-«قمر»... كويس إني لقيتك هنا.
ضربت عاصفة من التوتر والارتباك ثباتها وهي تستدير تتأكد من حدسها لتجده يقف أمامها بوقاره المعتاد لتقول مندهشة:
-«حسن»!
-إزيك يا «قمر» عاملة إيه؟ وإزاي خالتو؟
عينها المصوبة نحوه بإعجاب بعثرت الكلمات على لسانها لتكتفي بإيماءة بسيطة تبعتها بكلمة بسيطة:
-الحمد لله.
لتزيد دهشتها وهي تجده يمد لها يده بكيس صغير يخبرها:
-دا الدواء بابا بعته ليك عشان الصداع، «حسين» اتصل وطلب منه الدواء عشانك.
ذكره لاسم شقيقه كانت بمثابة صفعة أفاقتها، تذكرها بالحقيقة، لترمش عينيها باضطراب وتمد يدها المرتعشة تلتقط منه الدواء وتشكره وتهرب بعينيها بعيدًا عنه، ليشير لها نحو الدواء قائلاً:
-أه بابا كتب لك الجرعة والوقت، ولو احتاجتي حاجة اتصلي بـ «حسين»، بابا فهمه على الجرعة والأوقات.
اكتفت بإيماءة بسيطة تخفي خلف ستار جمودها توترها أمامه واضطراب مشاعرها في وجوده:
-طب عن إذنك أنا اتأخرت... مع السلامة.
قالها مغادرًا بخطوات سريعة، لتظل تنظر لأثره حتى تحرك يدها بعفوية مصدرة صوتًا جعلها تنتبه إلى وجوده بين يديها، لتجلس بوهن تطالعه وصورة ذلك الغائب تعاتبها، هي تخونه نعم تخونه، رنت تلك الكلمة في عقلها وكأنها تستشعرها توًا.
فتحت الدواء وجدت التعليمات عليه ليصرخ ضميرها من جديد، يا إلهي لم ينساها! كذبة ألقتها دون اهتمام أظهرت لها جل اهتمامه بها، انسابت دمعة حارقة لسعت وجنتها تحمل ندم صاحبتها، التقطت الهاتف ترسل له رسالة شكر، وإن كان قلبها أصم ولم يسمع نداء حبه لها بل وأوصد أبوابه أمامه، لكنه الآن يستحق الشكر رغماً عن قلبها المتجبر:
-متشكرة أوي يا «حسين» على اهتمامك، أونكل «علي» بعت الدواء.
وضعت الهاتف جانبًا وجففت دمعتها لتأخذ شهيقًا طويلاً تعبئ رئتها بنسمات الهواء البارد قبل أن تزفره بقوة علها تخرج معه ذلك الوجع الجاثم على صدرها، ربما يهدأ ضجيج تلك المشاعر المتضاربة.
وصلت رسالتها إليه في وسط مشاعر زهو كان يعيشها بعد أن فاز في المرحلة الأولى من المسابقة، كان يسمع ثناء القائمين على المسابقة يمتدحون تصميمه المبتكر ويشيدون بدقته وعفويته عندما ارتجف هاتفه معلنًا وصول رسالة.
لم يستطع التحقق منها إلا بعد مرور ساعة من الوقت عندما انتهى الحدث وقيمت الأعمال، ليخرج بعد ذلك تملؤه السعادة يشحذ همته للمواصلة، أخرج الهاتف من جيب سترته لتتضاعف فرحته وهو يقرأ الرسالة ليرتجف قلبه العاشق، فربما كانت رسالتها أسعدته أكثر من النتيجة.
----------------------------
جافاه النوم رغم أنه لم ينم منذ البارحة، أطبق أجفانه عل النعاس يتسلل إليه لكن دون جدوى، تنهد بسأم يتمتم بضجر:
-وبعدين في النوم اللي مش راضي يصالحني؟
عاود الكرة مرة أخرى يغلق عينيه يجبرها على الاسترخاء، لكن وفي خضم انتظاره لغفوة تريح جسده، فاجأه عقله بمشهد من الماضي ليعود إلى ذاكرته رغم مضي ثلاث سنوات، عندما كان يجلس بين نبات الريحان والنعناع ليستلقي يعقد يديه تحت رأسه يتأمل النجوم في تلك السماء الصافية ينتظر عودة «محمد» الذي أخبره أنه سيذهب ويعود بعد قليل، أغلق عينيه يستمتع بهذا الهواء المنعش ورائحة النعناع تملأ المكان، لكنه سمع صوتًا لينهض معتدلاً وأثناء نهوضه ضرب يده شيء، التفت يبحث عن ذلك الشيء ليجده دفتر ملاحظات أنيق، فتحه وبدأ يقرأ محتواه فيبتسم كلما تنقل بين صفحاته حتى انتبه لحمحمة ناعمة:
-أبيه الكراسة دي ليا.
رفع نظره عنها ليجدها تقف على استحياء تفرك يديها ببعضهما بتوتر، ليرتسم لها ابتسامة مطمئنة يسألها بفضول:
-يعني الأحلام اللي مكتوبة بتاعتك؟
هزت رأسها باضطراب لتجد ابتسامته تتسع وصوتها يخرج بنبرة امتزج فيها الفخر والتشجيع:
-برافو يا «نور» أنت عاوزه تكوني مدرسة؟
وكطفلة صغيرة باحت له بكل أحلامها دون عناء منه:
-إيوه يا أبيه عاوزه أكون مدرسة وأدرّس في المدرسة الجريبه مننا والتلاميذ يجولولي يا أبلة.
-ونفسك تكوني مدرسة إيه؟
لغة عربية، أصلي بحب الأدب العربي جوي.
مد يده لها بدفتر الملاحظات يحثها على تحقيق أحلامها:
_برافو يا «نور» خليك شاطرة وحققي حلمك.
عاد من ذكرياته يتنهد بضيق ويضغط على أسنانه بغضب، يخرج كلماته من بينها بانفعال:
-الحيوان حتى الحلم حرمها منه!
لكن فجأة قفزت لذهنه فكرة ليزيح الغطاء وينهض مسرعًا نحو غرفة والدته، طرق الباب ليسمع صوتها تأذن له بالدخول:
-ادخل.
ليدخل فتستقبله بابتسامتها المعهودة:
-مساء الخير يا ماما.
-مساء الخير يا حبيبي.
صمت لحظات أثار ريبتها قبل أن تسمعه يقول:
فيه موضوع عاوز أكلم حضرتك فيه.
لتشير له نحو الأريكة:
-اتفضل يا حبيبي.
وما إن جلس وجدها تتأمله بترقب، ليمسح
على وجهه بتوتر ويقول بارتباك:
«نور»
الفصل 14
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
قطبت حاجبيها تحدق به متعجبة، وظنت أنه جاء ليخبرها شيئًا عن زوجها لتسأله:
_مالها «نور» يا «سيف»؟
لم يعرف كيف يرتب حديثه أو يمهد لها فكرته ويقنعها بها:
_أصل «نور» كانت طول عمرها تتمنى تبقى مدرسة، هي مرة حكت لي الحكاية دي، فأنا كنت بفكر...
صمت قليلاً، وملامح وجهها التي تطلعه بريبة تزيد من توتره، عاد يمسح على جبهته يكمل حديثه بارتباك لم يخفَ عليها:
_كنت بفكر نساعدها يا ماما.
_نساعدها إزاي؟
سؤال طرحته بسرعة، وباستفهام طغت عليه الحدة، شتت ثباته أمامها لتتردد الكلمات على لسانه قبل أن يعقد عزمه إنهاء ما جاء إليه:
_تقنعي حضرتك خالتي «فرحة» وعمي «جابر» تيجي القاهرة هنا وتدرس مع «مليكة»، أو ممكن أي جامعة قريبة.
احتدت ملامحها تسمع لحديثه بضيق لتهتف بانفعال:
_أنت اتجننت يا «سيف»؟! عاوزني أكلمهم في حاجة زي دي؟ دول ناس صعايدة يا ابني عندهم عاداتهم وتقاليدهم!
ثم صمتت تلقط أنفاسها وتطالع ملامحه المتجهمة بعدم اقتناع لتكمل تفسيرها له:
_وحتى لو مكنوش صعايدة، إزاي هيوافقوا بنتهم تعيش في بيت فيه اتنين شباب؟!
_طب تقدم في أي كلية قريبة وأنا مستعد أتكفل بمصاريفها.
قالها برجاء علها توافق، لكنها ازدادت حنقًا وأردفت:
_يا حبيبي افهم، «نور» دلوقتي وضعها اختلف، هي بقت ست مطلقة، حتى لو كانت صغيرة هي مطلقة، يعني الناس هتركز في تصرفاتها أكتر، وبعدين لو هما كانوا عاوزينها تدخل الجامعة كانوا سابوها تدخل الجامعة ومجوزوهاش.
كانت ترى الحزن يكسو ملامحه، ولم يصعب عليها فهم شعوره بالذنب من أجلها، لتحاول التخفيف من حدة لهجتها:
_«سيف» حبيبي، أنا عارفة إنك حاسس بالذنب ناحيتها، بس دا نصيبها، أنت كمان كنت فاكره إنسان كويس.
تعلقت عيناه بها برجاء ليسألها مجددًا علها تمنحه بصيص أمل:
_يعني مفيش حل؟
تنهدت بألم واتجهت نحوه تجلس بجانبه، تضع يدها على كتفه علها تواسيه:
_حبيبي، شيل الفكرة اللي في دماغك دي عشان تنفيذها صعب، ومين عارف؟ جايز ربنا يرزقها بابن حلال يعوضها ويخليها تحقق أحلامها كمان.
صمته جعلها تظن أن كلامها قد أقنعه، أو توهمت هي ذلك.
************************
عاد من عيادته اليوم باكرًا، فقد وعد والديه أن يتواجد معهم على العشاء ولكن في منزله كما طلب «طارق» منهم، ليسمع صوت ضحكات تتعالى قادمة من المطبخ، ابتسم بعفوية واقترب بخطوات بطيئة يحاول أن يعرف ما يجري هناك قبل أن يشعروا بوجوده، ليجد الثلاثة «رحمة» وشقيقتيه مندمجات في صنع الطعام وصوت ثرثرتهم يملأ المكان، تأملها بشعرها المعقود إلى الأعلى تهرب منه بعض الخصلات التي تداعب وجنتها برقة.
حبات العرق تلمع على جبهتها تشي له بإجهادها رغم ابتسامتها العريضة وحماسها الظاهر.
تحمحم ليشعرن بوجوده، فيتوقفن عن الكلام ويلتفتن بتلقائية نحو الباب.
_مساء الخير.
_أهلاً يا «زياد».
هتفت بها شقيقتاه، ليقترب منهم بابتسامة يسألهم وعيناه مسلطة عليها:
_أخبار الأكل إيه؟
لتنطلق «أحلام» تعدد له الأصناف التي أعدتها «رحمة»، لتشاركها «ورد» تصف له إبداعها ومذاق الأكل اللذيذ.
كان ينتظر منها أن تتكلم، لكنها ظلت صامتة تقطع صينية الحلوى ببراعة وتضيف عليها القطر، وكأن هذا المدح لا يخصها.
_يا بختك يا خويا، بصراحة «رحمة» طباخة بريفكت.
قالتها «ورد» بصدق، فاتبعتها «أحلام» مؤكدة بمزاح:
_آه والله يا بختك، ما تتبنوني يا «زيزو»؟
عقد حاجبيه وصفعها بخفة على رأسها مؤنبًا:
_نتبناكي دا إيه يا لمضة؟ لا يا ستي خليكي جنب أبوكي.
اقترب من الموقد يفتح أغطية القدور الواحد تلو الآخر ويستنشق رائحتهم باستمتاع ليقول بتلذذ:
_فعلاً الأكل ريحته حلوة بشكل، أكيد الطعم كمان يجنن.
_آه دي عمايل «رحمة»، إحنا يادوب عملنا السلطات.
قالتها «ورد» مشيرة نحو «رحمة» التي كانت تكتفي بابتسامة كرد فعل على مدحهم.
ليستدير نحوها واقترب منها ليصبح خلفها تمامًا حتى شعرت بأنفاسه الدافئة تلفح رقبتها، ارتجف جسدها بارتباك من قربه وخفق قلبها بجنون وهي تسمع كلماته:
_تسلم إيدك يا «رحمة»، فعلاً يا بختي بيكي.
اضطربت وتلجلجت الكلمات على لسانها لتجيب بكلمات بسيطة:
_الله يسلمك.
زاد ارتعاش جسدها عندما وجدته يحيط جسدها بيد واحدة وينحني نحو الأمام يهتف بسعادة:
_الله! بسبوسة بالقشطة!
وكاد أن يحمل الملعقة ويتذوقها، لكن يد «ورد» سبقتها لتضرب يده بخفة وتقول موبخة بلطف:
_إيدك يا «زياد»، بلاش تبوظها.
تصنع العبوس وقال برجاء وهو يلعق شفتيه بلسانه:
_أدوقها بس، شكلها مغري.
_استنى لسه ناقصها شوية فستقة.
قالتها «رحمة» تؤيد «ورد»، لكنه ضحك على تعبيرها واعتدل يعيد حديثها ساخرًا منها:
_ناقصها فستقة!
خجلت وهي تجد وجهه أمام وجهها مباشرة يبتسم ويناديها بحزن مزيف:
_طيب يا فستقة، هصبر نفسي، حكم القوي.
حبست أنفاسها ويده تمسك بذراعها كأنه يحاصرها، لتطلقها بارتياح بعد أن أفلتها وغادر المطبخ نحو غرفتهم.
دخل إلى الغرفة ليلتقط أنفاسه ويجلس على السرير بجسد منهك، يزفر أنفاسه بحرقة
ويتذكر كيف احترق قلبه اليوم وهو يسمع غزل «حسين» بـ«قمر» يصف لها كيف يشتاق لها ولم يعد يطيق بعدها، حتى إنه يفكر بأخذ إجازة زمنية فقط ليراها.
مسح على وجهه بضيق ولطم قلبه يوبخه:
_لحد إمتى؟ كفاية انسى وعيش!
لتلوح صورة «رحمة» أمامه وبراءتها، كيف تتعب لترضي أهله وكم هي سعيدة بوجودها معهم، ليتنهد بألم يعاتب نفسه:
_ذنبها إيه المسكينة دي تدفع ضريبة نسيانك؟
ليزوغ بصره لحظات قبل أن ينهار يخبر نفسه بحقيقة ما يحاول إيهامها به:
_لحد إمتى هتفضل تمثل دور الزوج الطيب؟
لحد إمتى توهم نفسك إنك نسيت وأنت مش بتنسى؟
أخفى وجهه بكفي يده يحاول تمالك أعصابه والسيطرة على مشاعره، مر وقت قليل قبل أن يتماسك ويعيد ذلك الدرس على قلبه عله يحفظه فيقتنع:
_استغفر الله.. خلاص يا «زياد» هي بقت مرات صاحبك، انسى كفاية، أنت بقى عندك عيلة وزوجة، افهم وبلاش تهور.
نهض يذهب نحو الحمام، علّ الماء يستطيع أن يزيل تلك الأفكار ويطفئ نار الصراع الملتهبة في صدره.
وبعد قليل خرج من الحمام ينشف شعره بالمنشفة ويشرع في ارتداء ملابسه، وقبل أن ينهي ما كان يفعل تفاجأ بشهقة، رفع رأسه ليجدها تغطي عينيها وتقول بخجل:
_آسفة مكنتش أعرف...
ليقاطعها ضاحكًا ويشير لها بالدخول:
_تعالي يا «رحمة» أنا خلصت أهو.
والتقط قميص بيجامته يرتديه، لتدخل على استحياء تفسر له سبب وجودها:
_أصل كنت عاوزة آخد شاور وأغير هدومي قبل ما ماما «ندى» وبابا يوصلوا.
هز رأسه مبتسمًا بتفهم واقترب منها لتزداد توترًا، وقف أمامها ليمسك خصلة متمردة يضعها خلف أذنها بلطف وسط ارتباكها الذي تفاقم حتى تمنت أن تهرب من أمامه، لتخفض عينيها بخجل فتسمعه يقول:
_متشكر يا «رحمة» على تعبك النهاردة، ومتشكر إنك بتعاملي أهلي كأنهم أهلك.
لترفع عينيها تخبره بصدق:
_هما أهلي فعلاً وأنا بحبهم أوي.
_صدقيني وهما كمان بيحبوكي.
ثم استرسل مازحًا:
_دا أنا هبتدي أغير منك وأنا شايفهم بيحبوكي أكتر مني!
بادلته الابتسامة دون أن تعقب لتتفاجأ به ينحني مقبلاً يدها قبل أن يقول:
_تسلم إيدك مقدمًا على الأكل، مكنتش هعرف أعملها قدامهم.
سحبت يدها بسرعة ليبتعد هو أيضًا نحو المرآة ينثر عطره ويمشط شعره قبل أن يغادر الغرفة، تاركًا «رحمة» تنظر لأثره وتتلمس أثر قبلته وشيء داخلها صار يكبر يومًا بعد آخر، تخشى أن يصل إلى ما يصعب إنكاره.
أما هو فبعد أن أغلق الباب سند ظهره عليه ليتنهد في حيرة من نفسه، هل هو يخدعها أم هو شعور بالذنب اتجاهها؟ أم هدوؤها وقلبها الطيب جعله يرتاح لوجودها وربما بدأ يميل لها؟ هز رأسه بعنف ربما يستكين ذلك القلب الذي لا يعرف ما يريد.
*************************
ذلك العشاء الذي حمل أجواء عائلية كان كجرعة حب تسقي صحراء الفقد عندها، منحها ضحكات صادقة خرجت بسعادة لم تشعر بها منذ سنين، سيل من المديح بمختلف ألوانه وثناء اختلفت لهجاته، كانت تتلفت تشكر هذا وذاك وقلبها يرقص بفخر، عيناها تلمع بحب نسيت كيف يكون مذاقه لتجده كنف عائلة منحتها إياه بسخاء.
كان يراقب سعادتها برضى، فها هي عائلته تصلح ولو جزءًا بسيطًا مما حطمه هو في روحها فيلوم نفسه، والسؤال يتكرر بندم: ما ذنبها؟ هي تستحق حياة سعيدة، إذا كانت بضعة كلمات أبهجتها ماذا لو منحت حبًا حقيقيًا؟ ظلت أسئلته حبيسة صدره تأكل روحه بقهر.
انتهى العشاء وعم الهدوء من جديد مع فنجان قهوة أُعِدَّ من يدها، كان «طارق» يرتشف القهوة بتلذذ ويطالعها تحتضن باقة الورد التي أحضرتها «ندى» فرحة بها كطفلة تفرح بقطعة حلوى.
التقت عينا «طارق» بعيني «ندى» بابتهاج لتومئ له مشيرة نحو «رحمة»، وضع فنجانه جانبًا ونادى عليها مشيرًا إلى المكان الفارغ بجانبه:
-تعالي يا «رحمة» تعالي يا بنتي.
أدهشها نداؤه وتلفتت لتجد الجميع يطالعها بابتسامة كأن عيونهم تحثها على النهوض، وضعت باقة الزهور جانبًا وجلست بجانبه بخجل ليحيط كتفها يخبرها بحب أبوي:
-أولاً يا بنتي تسلم إيدك على الأكل، تحفة.
-متشكرة يا بابا.
ليتأوه «طارق» يشاكسها:
—آه يا سلام على كلمة بابا اللي زي السكر!.
زاد توترها لتمسك كلتا يديها على حجرها تضغط عليهم بارتباك لاحظه هو، ليبتعد عنها قليلاً يمد يده بجيب سترته ويخرج علبة مخملية يشير لها نحوها:
شوفي يا «رحمة»، بما إن دي أول عزومة ليا هنا في بيت ابني ومش قادر أقولك أنا فرحان بيها إزاي ولا قادر أوصفلك مشاعري وأنا شايف استقبالك لينا، أنا يا بنتي حاسس إني فعلاً في بيت ابني وبنتي، ويشهد ربي إنك عندي زي «ورد» و«أحلام»، عشان كده زي أنتِ ما اديتيني الإحساس الجميل دا أنا عاوز أديكي هدية.
لتتسع عيناها بسرور وتنير وجهها ابتسامة عريضة وهي تجده يخرج سلسلة ذهبية تحمل في نهايتها تاج جميل جدا مزين ببعض الأحجار الكريمة، أشهرها أمامها يسألها:
_ها عجبتك؟ اخترته تاج عشان أنتِ بقيتي أميرة عيلتنا.
لتخبره بسعادة:
_حلوة أوي يا بابا.
أشار «طارق» لـ«ندى» كي تساعدها في ارتدائها، «ندى» التي جاءت بخطواتها مسرعة نحوها تلبي طلبه بحبور، تبصر سعادة تلك الفتاة وتشعر بسرور لأجلها، رغم أن فكرة الهدية كانت فكرتها لكن أن يمنحها «طارق» لها أعطاها طعمًا آخر.
ساعدتها «ندى» في ارتدائها لترفع يدها تتلمسها فتنهمر دموعها بلا توقف، ترمي نفسها بين أحضان «طارق» الذي ضمها يسمع كلمات شكرها بتأثر:
ظمتشكرة يا بابا متشكرة أوي.
هذا المشهد لم يؤثر بـ«طارق» فقط، بل بـ«ندى» التي بدأت تمسح على ظهرها بحنان، وكذلك «ورد» و«أحلام» اللتان وقفتا تطالعان المشهد بعين دامعة.
أما ذلك الذي جلس بلا حراك يتأمل المشهد بقلب ممزق، وهو يرى مدى حزنها وحاجتها للحنان.
***************************"
كانت «نور» جالسة على سريرها تمسح تلك الدمعة التي صارت رفيقتها في هذه الأيام التي أصبحت سوداء، تتجرع مرارتها حتى تشعر أن روحها تكاد تزهق مع شهقاتها المستمرة، قلبها لم يعد يتحمل ذلك الألم.
وكل ما تتذكره هو، وكيف التقت به في ذات يوم عندما أصابتها وعكة صحية وأخذها شقيقها إلى الوحدة الصحية.
تتذكر كيف كان يعاملها كأميرة في أيام زواجهم الأولى حتى ظنت أنها امتلكت سعادة الدنيا بأكملها، قلبها الذي أحبه بات رمادًا حرقته نار جبروته وقسوته، صوته العالي، شتائمه وكلماته الجارحة لا تفارق مسامعها حتى أثقلتها تلك الكوابيس المخيفة.
نهضت تحاول أن تخرج من ظلمة قدرها، علها بخروجها والحديث مع والدتها تنسى قليلاً من مأساتها، لكنها عندما فتحت الباب تسلل إلى مسامعها صوت جارتهم تجالس والدتها، عادت خطوة إلى الوراء وتركت الباب مواربًا تسترق السمع لحديثهم بفضول، حتى جثم الحزن على أنفاسها وهي تسمع جارتهم تدس السم بالعسل، تخبر والدتها عن إشفاقها عليها، كيف لفتاة صغيرة بعمر الزهور تنفصل عن زوجها؟ كيف ستكمل حياتها؟ ثم واصلت حقدها المبطن وهي ترسل لها برسائل أنها سوف تحاول إيجاد عريس يتقبلها بوضعها.
أغلقت الباب وعادت إلى سريرها تحمل خيبات أكبر، نظرة الناس لفتاة مطلقة ليحكموا عليها حتى قبل أن يعرفوا الأسباب.
أشفقت على والدتها التي كان صوتها مثقلاً بالألم، حاولت أن تستلقي علها تهنأ بنوم من هذا الحزن، وضعت رأسها على وسادتها وتقلبت يمينًا وشمالاً لتلمح تلك الكراسة، نهضت ومدت يدها تلتقطها من على أحد الرفوف القديمة، فتحت الدفتر لتتذكر أحلامها الضائعة فتعاود دموعها السقوط على كلماتها لتختلط دموعها مع حبر كلماتها، لتغلقه وتحتضنه وهي تعود للاستلقاء مجددًا علها ترى أحلامها في المنام.
***********************
لم يصدق أنهم منحوه تلك الإجازة وهو يقف الآن أمام باب منزلهم، بل وسيراها بعد قليل، نظر نظرة أخيرة نحو باقة الزهور القابعة بين يديه وتنهد يطرق باب المنزل، لتفتح له «شمس» التي استقبلته بدهشة وحفاوة:
-«حسين» حبيبي! رجعت إمتى؟ الحمد لله على السلامة.
بادلها الأحضان بشوق أيضًا يجيب على سؤالها:
من ساعتين كده، بس هما تلات أيام بس.
أشارت له للدخول ليدخل وعيناه تبحث عنها بشوق، وما هي إلا خطوات نحو الداخل حتى وجد «فارس» يظهر أمامه مرحبًا هو الآخر:
-أهلاً يا بطل، الحمد لله على السلامة.
-أهلاً يا عمي، واحشني والله.
ليضرب «فارس» كتفه ويغمز له مازحًا:
-أنا برضو اللي وحشتك؟
ليضحك «حسين» ويجلس معه، اندمج «فارس» في سؤاله عن عمله بينما توجهت «شمس» نحو غرفة ابنتها تخبرها بقدومه.
وصلت إلى غرفتها لتفتح الباب مندفعة نحو الداخل، فتجدها تضع ماسك للعناية بالبشرة وتستلقي على السرير باسترخاء مغمضة العينين، لكنها كانت تتحدث مع شخص ما عبر سماعة الأذن:
-يا بنتي المدة عشر دقايق، أنا حطيت منبه ما أعتقدش فات عشر دقايق.
اقتربت «شمس» من السرير بانزعاج لتنادي عليها:
-«قمر»... «قمر» أنتِ يا بنتي!
لكنها لم تجبها، لتعاود «شمس» الكرة، لكنها هذه المرة مدت يدها لتهزها فانتفضت بفزع حتى سقط قناعها في حجرها لتسألها بقلق:
-مالك يا ماما فزعتيني؟
لترمقها بضيق وتقول:
-خطيبك تحت بقاله ليلة، فزي قومي عشان تقابليه.
لتعقد حاجبها بجهل وتسألها:
-خطيبي مين؟
فهتفت بغضب تجذب ذراعها تحثها على النهوض:
-«حسين»، هو فيه غيره؟!
لتقول بتعجب:
-«حسين»؟ وإيه اللي جابه؟!
لتكرر حديثها توبخها باندهاش:
-إيه اللي جابه دا؟! بدل ما تقومي تلبسي حاجة عدلة بدل البيجامة دي!
نظرت إلى بيجامتها ثم انتبهت للماسك الساقط لتتذكر «ورد» التي تركتها على الخط، حملت الماسك بعبوس تنظر له بقلة حيلة وتنهض تحت نظرات «شمس» الساخطة لتلوي شفتها وتقول:
-لما أنتِ عاوزة عناية كنتِ قلتي لي وأنا أعملك كورس.
لم تمهلها الإجابة لتستدير وتهتف قبل أن تغادر:
-استعجلي الولد بيستنى بقاله فترة.
ثم تركتها مغادرة وعين «قمر» تتبعها بحنق.
كان مندمجًا بالحديث مع «فارس» لكن عينيه كانت تختطف النظرات بشوق لرؤيتها، مر وقت ليس بالقليل حتى شعرت «شمس» بالحرج لتلتقي عيناها بـ«فارس» الذي فهم مشاعرها، ليحاول التخفيف من حرجها من تصرف ابنتها وتأخرها، ليوجه حديثه لـ«حسين» وهو يربت على فخذه:
_أنا عازمك أنت و«قمر» على مطعم حلو أوي فاتح جديد.
تفاجأ «حسين» من عرضه ليقول بامتنان:
_متشكر يا عمي بس...
ليقاطعه «فارس» بإصرار:
_من غير بس...
ثم وجه نظره نحو «شمس»:
_يلا يا حبيبتي غيري هدومك.
ابتسمت «شمس» له بحب فقد بات يعرفها من نظرة عينيها لتنصرف مباشرة نحو غرفتها.
وما هي حتى دقائق قليلة وجد ابنته تقف أمامه بتوتر توزع نظرها بينه وبين «حسين» الذي ما إن رآها حتى وقف مرحبًا بها:
_أهلاً يا «حسين».
ليجيبها بلهفة يقدم لها باقة الورد التي أحضرها:
_أهلاً يا «قمر»، اتفضلي.
التقطت منه باقة الورد لتجد «فارس» ينهض يخلي لها مكانه لتجلس بالقرب من خطيبها قبل أن يغادر هو الآخر نحو غرفته، جلست تاركة مسافة ليست بالقليلة بينهم تحتضن الزهور، أمسك طرف حجابها المتدلي بعفوية وسألته بارتباك وهي تنظر لأثر والدها:
_هو بابا راح فين؟
ابتسم على ارتباكها ليخبرها:
_أبو الفوارس عازمنا على العشا أنا وأنتِ وخالتو.
التفتت نحوه متعجبة تردد حديثه بدهشة:
ظعزمنا على العشا؟!
_أي والله وما سابليش مجال للاعتراض.
ثم شملها بنظرة عاشقة يخبرها بوله:
_أنا والله كنت جاي أشوفك وأمشي على طول، أنا واصل من ساعتين بس.
ثم انحنى نحوها حتى انكمشت على حالها بتوتر ليخبرها بهمس:
_أنتِ وحشتيني أوي، مقدرتش أستنى لحد بكره عشان أشوفك.
ابتعد لتحاول تجاهل ما قاله بحرج فلم تعقب، وأخفضت عينيها نحو باقة الزهور تهرب من نظراته المحدقة بها.
تفهم كعادته خجلها ليسألها محاولاً جرها للحديث معه:
_عجبك الورد؟
_حلو أوي متشكره.
رغم أنها لم ترفع رأسها لكن كلماتها جعلت قلبه يرقص طربًا لإجابتها.
بعد قليل وصل الأربعة إلى ذلك المطعم لتدور عينا «شمس» المتأبطة ذراع «فارس» في المكان باستحسان:
_حلو أوي يا حبيبي.
بادلها «فارس» الابتسامة يجذب يدها نحو إحدى الطاولات الثنائية يسحب لها أحد الكراسي ويشير لها بالجلوس:
_اتفضلي يا روحي.
ثم التفت نحو «حسين» يشير له نحو طاولة قريبة منهم:
_أنا حجزت لكم الطاولة دي.
ما فعله أثار تعجب الاثنين لكنه أسعد «حسين» الذي اتجه نحو الطاولة وأشار لها أن تتقدمه، تقدمته على استحياء وجلست بارتباك ليجلس أمامها محافظًا على تلك الابتسامة التي لم تغادر وجهه.
أشار له «فارس» أن يطلبوا ما يشاءون ليبتسم له شاكرًا يخبرها بإعجابه بوالدها:
_عمي «فارس» راجل جنتل بجد، هو أنا بحبه من شوية؟
اتبع مدحه بضحكة بسيطة قابلتها هي بابتسامة باهتة، ليسود الصمت من جديد حتى قطعه هو يخبرها عن إنجازاته وعن تلك المسابقة التي بدأ يلمس نجاحه فيها يومًا بعد اليوم.
أخذت عيناها تتأمل حماسه وتخطيطه لمستقبله وكيف جعلها حجر الأساس فيه بل ومحورها الذي تدور حوله، ارتعشت يدها تحت الطاولة بعد أن طالت قلبها نغزات الندم من جديد، لتمسك إحداهما بالأخرى تشد عليها علها تمنحها الثبات، عيناها كانت تراقب عينيه اللامعتين بشغفه، وأذنها التقطت صوته العاشق تبصر حركة شفتيه المتتالية كأنه يلملم كلماته أمامها ويخشى أن تفلت إحداهن منها.
لكن فجأة!
شيء ما داخلها استفاق كأنه زلزال ضرب تعقلها وأنهى صلاحية صبرها، وجالت في خاطرها فكرة تريح ضميرها المتعب، ربما كان هذا هو الوقت المناسب لتقول له الحقيقة، ستنهي تلك المسرحية وتسدل الستار على فصولها فلم تعد تقوى التحمل، وهو لا يستحق أن يعيش في هذا الوهم، شعرت بتعرق يدها وتلك الحرارة التي اشتعلت في جسدها لتحاول التماسك ولملمة شتاتها، ستبوح له بذلك السر الجاثم على صدرها، رفعت يدها تمسح على جبهتها بتوتر قبل أن تبتلع ريقها وتصوب عينيها على خاصته وتقاطعه بارتباك:
_«حسين» أنا عاوزة أقولك حاجة.
كان مندمجًا في الكلام لكنه توقف يطالعها بدهشة، عينها سبقت لسانها وكأنها تخبره بوجود خطب ما، لتتلاشى ابتسامته المفعمة وتحل محلها ابتسامة متوترة:
_أيوة يا حبيبتي قولي أنا سامعك.
عينها هربت من مواجهته وشعرت بدمائها تغلي بخوف، تعلم أنها ستحطم بقرارها تماسك هذه العائلة المثالي، وستدق مسمارًا في نعش وحدتهم وتآلفهم، لكنها عزمت أمرها ولا تراجع كما كان يتردد داخلها، لتأخذ نفسًا طويلاً قبل أن تقول:
_«حسين» أنا...
بترت جملتها فجأة عندما التقت عيناها بعين "فارس" الذي غمز لها يشاكسها مبتسمًا
بسعادة، وكأن ابتسامته كانت معولاً ضرب في أرض قرارها ليحطمه وهي تتخيل تبعاته، حتمًا ستزول ابتسامة والدها وستذبل عين أمها، فبقرارها ستضرم النيران في أوتاد هذه
العائلة، عُقِد لسانها وهربت الكلمات من عقلها الذي صرخ يؤنبها: (تحملي نتيجة خطأك وحدك لا تشتري راحة ثمنها تعاسة الآخرين).
-«قمر» حبيبتي، أنتِ إيه؟ روحتي فين؟
صوته انتشلها من بين براثن تلك الحرب الضروس، لترمش عينيها وتنظر نحوه بضياع:
-هاااا؟
-هاااا إيه يا «قمر»؟ كنتِ عاوزة تقولي حاجة.
لم تعلم ماذا تجيبه لتهز رأسها نافية قبل أن تبتلع ريقها تخبره بتلعثم:
-لا أبدًا، بس كنت عاوزة أقولك حلو إنك تكون إنسان طموح، ومادام أنت مجتهد أكيد ربنا هيوفقك.
كلماتها عزفت لحن عشق بنغم جديد على أوتار قلبه المتيم:
-متشكر يا «قمر» على وجودك في حياتي، متعرفيش دا فارق معايا قد إيه، وطول ما إحنا مع بعض هنسند بعض أكيد.
أومأت له بذهن تائه كطفلة أضاعت طريق عودتها.
*******************''
وبعد مرور أسبوعين، دخل مسكنه يحمل كيسًا مليئًا بالمقرمشات والشيبس وألواح الشوكولاتة ليهتف مناديًا عليها:'
-«رحمة» أنتِ فين يا أميرة؟'
وكان هذا اسم الدلع الذي ألصقه بها منذ أن أخبرها والده أنها أميرة العائلة، ليأتيه صوتها من المطبخ:
-أنا هنا يا «زياد».
اتجه نحو المطبخ ليبتسم وهو يجدها تسدل شعرها على كتفها مكتفية برفع خصلة صغيرة بمشبك جانبي، اقترب منها ليجدها تخلط بعض أنواع الصوص وتضيف تتبيلة لها لينتابه الفضول:
_بتعملي إيه يا رحمه؟
رفعت رأسها عن الطبق وأخبرته مبتسمة:
_الحمد لله على السلامة الأول.. وياسيدي بعمل سلطة سيزر.
لتضيق عينيها وتهز رأسها باستهزاء:
_شكلك نسيت التحدي يا دكتور!
لتنفلت ضحكاته عندما أدرك مقصدها:
_بجد أنتِ عملتيها؟
وضعت يدها على خصرها تشير نحو نفسها بفخر:
_عيب عليك دا أنا «رحمة».
اقترب بحماس والتقط شوكة يمدها نحو الطبق ليرفع ويدسها في فمه متذوقًا إياها بتوجس، كانت عيناها تراقبه بتوتر حتى وجدته يفتح عينيه بانبهار ويقول مادحًا وهو يصفق ويمضغ لقمته بتلذذ:
_برافو عليكي! ولا أجدع مطعم يا شيف «رحمة».
هزت كتفها بدلال قبل أن ترفع ياقتي بيجامتها بفخر مضاعف، لكن جسدها تجمد عندما وجدته يقترب منها يقبل وجنتها قبلة سريعة قبل أن يتركها ويغادر المطبخ قائلاً:
_تسلم إيدك يا جميلة.
لتنظر إلى أثره وترفع يدها تتلمس مكان قبلتها بسعادة وقلبها يعترف بحبه ولو أنكر لسانها ذلك.
وبعد أن انتهى عشاؤهم جلس الاثنان أمام التلفاز ليفتح «زياد» الكيس الذي أحضره ويضعه أمامها، لتبدأ بتقسيم الأشياء بينهم كما اعتادوا منذ أسبوعين، وضعت أكياس الشيبس وألواح الشوكولاتة خاصته أمامها ووضعت أمامها حصتها، اندمج الاثنان في الحديث والنقاش عن أحد الأطفال في الملجأ اسمه «هيثم» والذي دخل الملجأ اليوم وكيف استطاعت هي استمالته ودمجه مع الآخرين:
_والله برافو عليكي إنك قدرتي تقنعيه.
تنهدت بحزن وهي تصف له الحالة:
_مش بالساهل يا «زياد»، الحكاية محتاجة مراحل، كان لازم يتقبلني وبعدين يأمن لي ويتكلم معايا عشان أقدر أسحبه إنه يندمج مع الولاد، بس هو محتاج وقت عشان يتعود.
ليشاكسها مبتسمًا:
_طلعتي شاطرة بحاجات كتير مش بس الطبخ يا أميرة.
بادلته الابتسامة لتتشابك عيونهم لحظات غابوا فيها عن المكان، أحدهم يغرق في عين الآخر حتى انتبه هو لنفسه ليلتفت نحو التلفاز ويمسك جهاز التحكم ويقول وهو يتنقل بين قنواته:
_خلينا نشوف فيلم أو مسلسل.
رفعت يدها تضع إحدى خصلات شعرها خلف أذنها وتهز رأسها بارتباك، اختار أحد الأفلام الذي كان يحكي قصة حقيقية امتزجت بين الدراما والرومانسية، بدأوا يشاهدون الفيلم ويتناولون المقرمشات حتى انتبهت أنه أخذ أحد أنواع الشيبس التي تحبها لتقول بضيق:
_«زياد» الشيبس دا بتاعي، دا سويت آند سور، أنت بتحب الجبنة.
ادعى جهله لينظر إليها ببلاهة مزيفة ويقول وهو يمضغ إحدى حباته:
_ياا مكنتش أعرف بس طعمه حلو خلاص حلال عليا.
لتمد يدها نحوه تحاول خطفه من بين يديه بانزعاج مزيف:
_هاته يا «زياد» أنا بحب النوع دا.
لكنه أبعد يده يمنعها من الوصول إليه، لتبدأ بينهم معركة مزيفة يتخللها الضحك والمزاح، ومابين حركة نحو اليمين وأخرى نحو اليسار وجدت نفسها تستلقي على الأريكة وهو فوقها يحاول انتشال الكيس الذي خطفته منه، والاثنين داخل هستيريا من الضحك التي هدأت شيئًا فشيئًا، ليتوقف يلتقط أنفاسه لكنه فجأة وعى على وضعهم ليحدق بها، اقترب أكثر وأزاح خصلات شعرها التي تناثرت على وجهها لتظهر عيناها أمامه فتجتاحه ثورة من المشاعر التي لم يستطع إيقافها، فانساق معها وسحبها هي أيضًا معه فتبعته كالمغيبة بلا وعي
وفي صباح اليوم التالي تململت في رقودها بعد أن دعبت أعينها أشعة الشمس لتدعك عينيها بتذمر قبل أن تفتحها ببطء، حتى استطاعت فتحها أخيرًا، شعرت أنه صباح مختلف، التفتت نحو ذلك الراقد بجانبها تطالعه باستحياء تتذكر تلك اللحظات التي جمعتهم معًا وكيف وهبت له نفسها برضى بعد عاصفة المشاعر التي اقتادتهم لنهاية الطريق لتصبح هي اليوم زوجته قولاً وفعلاً.
عيناها كانت تتحرك على قسمات وجهه بروية تسأل نفسها: هل تسرعت في الانجراف مع مشاعرها؟ أم معاملته معها منحتها الأمان كي تنساق خلفه دون وعي؟ نغزات ضربت قلبها باضطراب لتلوم نفسها: لماذا لم تنتظر حتى تتأكد من نسيانه الماضي قبل أن تدخل حياته بهذا الشكل؟ ثم زادت في عتاب نفسها:
كنتِ على بر الأمان، إيه اللي خلاكي تركبي معاه في مركب وسط بحر هايج ويا عالم هتكون إيه النهاية؟
نفضت من رأسها تلك الأفكار وقلبها يرتجف يعترف لها بحبه، فحنان وطيبته جعلتها تتعلق به رغمًا عنها، اقتربت منه حتى أصبح وجهها أمام وجهه مباشرة، تختلط أنفاسه المنتظمة بأنفاسها لتتحرك يدها بتردد نحو خصلات شعره المبعثرة تعيد ترتيبها بلطف، لتبتسم تتغزل به هامسة بحب:
ظأنت حلو أوي يا «زياد»، كل حاجة فيك حلوة، شعرك وعيونك حلوين.
حتى شهقت فزعة وهي تجده يفتح عينيه ويمسك يدها:
_مسكتك بتت*حرشي بيا وأنا نايم!
لتتوتر وتتلجلج الكلمات على لسانها بخجل تخبره بتلعثم:
-أنا؟ إمتى؟ دا أنت بتتخيل بس.
ليغمز لها ويعض على شفته بوقاحة وهو يقلد صوتها مازحًا:
-أمال مين اللي قال: "أنت حلو أوي يا «زياد» شعرك حلو وعيونك حلوين"؟
كست حمرة الخجل وجهها وأسبلت عينيها عنه بحرج، ليقهقه ضاحكًا على خجلها ليداعب أنفها مشاكساً:
_هااا اعترفي يا أميرة.
ظلت صامتة ولم تقو على رفع رأسها، ليمسح على وجنتها برقة وينادي عليها:
_«رحمة».
رفع عينيها بحرج لتلتقي بعينيه فتتسع ابتسامته:
_مبروك.
ابتلعت ريقها الذي جف من شدة الحرج تجيبه بحياء:
_الله يبارك فيك.
رفع يده يعيد ترتيب خصلات شعرها بهدوء وانخفضت تمسح على وجنتها، لكن يده تجمدت عندما سمع سؤالها:
ظ«زياد» إحنا اتسرعنا؟ كان لازم تتأكد إنك...
فهم ما تقصده ليسرع بوضع أصابعه على شفتيها يمنعها من إكمال حديثها:
_اششش.... بلاش الكلام دا يا "رحمه"، خلينا فرحانين ببداية حياتنا سوا، بلاش نفكر في الماضي ونعتبر إننا اتجوزنا النهاردة.
ثم صمت هنيهة يراقب عينيها ليسألها بريبة:
-أنتِ ندمانة يا «رحمة»؟
حركت رأسها نافية لكنه رأى في عينيها شيئًا آخر، شيئًا جعله يحرك يده على وجنتها من جديد كأنه يحثها على أن تبوح بما سكن تلك العيون، لينطق لسانها بمخاوفها:
-أنا مش ندمانة بس خايفة.
ليتحشرج صوتها كأنه اختفى في ظلمات مخاوفها لتجاهد لإخراجه:
-أنا خايفة....
بتر جملتها وهو يجذبها نحو أحضانه يحتضنها بقوة كأنه يحاول وأد مخاوفها:
-متخافيش.
ورغم أنه حاول منحها الأمان لكن هو يعلم في قرارة نفسه أنه خائف مثلها.
*********************، *******
بعد مرور أربعة أشهر، كانت «قمر» تجلس على سريرها تقبض بيديها على دعوة زفافها وعيناها زائغتان نحو المجهول الذي تخطو نحوه، فلم يتبق سوى عشرة أيام وينتهي كل شيء، قبضت على تلك البطاقة التي خُطَّ اسمه بجانب اسمها بقوة حتى تجعدت وكأنها لا زالت ترفض تلك الحقيقة، لمعت عيناها بالدموع وخفق قلبها بقهر لتتعالى وتيرة أنفاسها وهي تتذكر أن غدًا سيعقد «حسين» قرانه على «سندس»، إذًا الحكاية قد كُتِبت نهايتها وعليها أن تتقبل الأمر الواقع.
تنهدت بيأس وفتحت تلك البطاقة التي تجعدت بين يديها لتنظر إلى اسمه وتتذكر ما حدث قبل شهرين عندما اتصلت بها «مليكة» تخبرها أنهم سيقيمون له حفلة احتفالاً بفوزه في المسابقة، التي ورغم أنه اتصل بها يبشرها بفوزه وأنه حقق ذلك الحلم لكنها قابلته بكلمات باردة، شعرت هي بصدمته من برودها لكنها أجبرت نفسها على مجاملته، لكن يبدو أنه شعر بذلك البرود لتجده يبتعد عنها بجفاء وكأنه قابل برودها بجفائه حتى أصبح لا يتواصل معها لعدة أيام، وهي بدورها لم تكلف نفسها التواصل معه أو حتى الاطمئنان عليه رغم معرفتها بعودته.
ليأتي اتصال «مليكة» التي كانت تخطط لمفاجأته بهذا الاحتفال وتسألها عن الأفكار التي تقترحها لترتبك لا تعلم بماذا تجيبها حتى طرحت عليها عدة خيارات لتختار هي أحدهم، و«مليكة» بتفكيرها الجنوني أخبرتها أنها تختار من هو أكثر حماسًا، ستخبره أن جدته أصيبت بوعكة صحية حتى يفاجئونه، لتجد نفسها بلا وعي تسألها:
-«لوكا» هو «حسين» بيحب إيه؟ أصل عاوزة أجيب له هدية ومحتارة.
لتجيبها «مليكة» بحماس:
-أبيه «حسين» بيحب الساعات أوي، عنده مجموعة كبيرة.
*************************"" "
ذهبت الى محل ساعات واختارت له واحدة من الفضة نقشت عليها اسمه، وذهبت في الموعد المحدد إلى بيت خالتها برفقة والديها ليرحب بها الجميع بحفاوة كبيرة، وأجلستها «صفاء» بجانبها وظلت تتأملها بحب، لكنها جلست بتوتر تراقب من حولها بذهن شارد فجل ما تفكر فيه كيف ستقابله؟ وماذا ستكون ردة فعله على رؤيتها؟ هل سيتجاهلها كما تفعل هي معه؟ تنهدت بضيق وهي تشعر أنها لا زالت كدمية خيط معلقة بأحد الرفوف المهملة تحركها رياح القدر كيف تشاء.
دقات قلبها التي امتزجت بين الخوف والحزن وهي تشاهد حماسهم لمفاجأته، حتى والدها ووالدتها كانوا يشاركون في ترتيب طريقة مفاجأته ووقفوا يرددون لـ«مليكة» ما ستقوله وهم يحيطون بها، لتضغط على زر الاتصال وتمثل الانهيار تصرخ متصنعة الخوف:
-«حسين» الحقني تيته أغمي عليها!
الفصل 15
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
ضحكات «مليكة» التي صدحت عقب أن أغلقت الهاتف قابلتها نظرات لوم من «صفاء» وصفعة خفيفة على رأسها من «هدى» التي عاتبتها بضيق:
_ فيه واحدة تعمل في أخوها كده؟!
ليعبس وجهها وتضع يدها على خصرها تسألها بحنق:
_ أمال عاوزاني أخليه ييجي على طول إزاي يا ست ماما؟
_ تقومي تخضيه بالشكل ده؟! إحنا اتفقنا على كده برضه؟ افرضي عمل حادثة أعمل فيكِ إيه أنا؟
قالتها «هدى» بانفعال لتنهرها «صفاء» بسرعة:
_ بعد الشر ما تقوليش كده يا بنتي.
_ «هدى» اهدي يا حبيبتي ما تكبريش
الموضوع، إن شاء الله هيكون بخير، بطلي داء الوسواس اللي عندك ده، دول بقوا رجالة هتفضلي خايفة عليهم كده؟
هكذا طمأنها «علي» الذي جلس بجانبها يخفف من خوفها الزائد الذي لطالما حذرها منه.
لتتحاول «شمس» تخفيف تلك الأجواء التي شُحنت فجأة فتشاكسها قائلة:
_ دي لو ما خافتش ما تبقاش «هدى»، أهو ده غلطك يا بن عمي حبيتها على طول، مش كنت سألتني الأول؟ كنت اديتك لستة المحاسن والعيوب اللي أولها قلبها الرهيف.
_ «شمس»!
قالتها «هدى» وهي تحدجها بضيق، ليضحك «علي» على ضيقها ويرفع يده يحيط كتفها ويضمها إليه يتغزل بها مبتسمًا:
_ دي حبيبتي أحلى حاجة فيها قلبها الرهيف.
بادلته الابتسامة بامتنان قبل أن تسمع «فارس» وهو يتحالف مع زوجته وكأنهما يتفقان عليهما، فيمازحهما وهو يخبر «شمس»:
_ يسألك ده إيه؟ ده الواد كان واقع لشوشته يا بنتي!
لتلقترب منه «شمس» وتومئ برأسها تؤيد كلامه وهي تقف بجانبه وتتأبط ذراعه:
_ أيوه فكرها بالفترة دي، فترة «روميو» و«جوليت».
ليحاول «فارس» الاسترسال وهو يخبر «شمس» بحماس:
_ أمال لو أحكيلك خلف الكواليس اللي كانت تحصل في المكتب عندي...
_ «فارس»!
هتف بها «علي» وهو يمنحه نظرة محذرة بعد أن شعر بالحرج حينما أبصر ترقب أولادهم لسماع المزيد:
_ سيب الكواليس يا فنان، كفاية لحد كده.
ليغمز له مازحًا:
_ ماشي يا «علي» أنت تؤمر.
رحمهم من هذا النقاش وصول «ندى» و«طارق» وابنتهما «ورد» و«أحلام»، وانشغال الجميع بالترحيب بهم.
أما «قمر» فلم تكن تشعر بما يحيطها من أصوات، عينها كانت تترقب الباب وعقلها يسألها: ترى ماذا سيفعل عندما يراها؟ هل سيستقبلها أم أنه سيظهر نفوره منها أمام الجميع؟
_ شكلك مش طبيعي اهدي، رغم إني شمتانة فيكِ بعد اللي هببتيه معاه بس برضه بحبك ومش هاينة عليَّ أشوفك كده.
هكذا همست «ورد» في أذنها بعد أن جلست بجانبها، التفتت نحوها وعادت تنظر لهديتها القابعة في حجرها لتسألها بقلق:
_ تفتكري هو ممكن ما يتكلمش ولا يتقبل الهدية ويخلي منظري وحش قدام العيلة؟
حدجتها بنظرة لائمة وقالت تستنكر تفكيرها:
_ هو ده كل اللي هامك؟ منظرك قدام العيلة؟ ما همكيش هيسامحكِ وإلا لأ؟ ما فكرتيش بمشاعره؟ عمومًا اطمني «حسين» طيب ومش هيعملها.
التقت عيناها بعيني «ورد» لحظات ما بين عتاب وحيرة امتزجت بخوف استشعرته «ورد» لأول مرة في نظرة عينيها.
قطع ذلك التواصل البصري وصوله وهو يفتح الباب بسرعة يلهث أنفاسه ويهتف:
_ تيته!
لكنه تسمر فجأة وهو يجد الجميع يقف يصفق له ويهتف:
_ مفاجأة.. ألف مبروك!
ليشرق وجهه بابتسامة مندهشة ويسأل بقلق:
_ يعني تيته بخير؟(رشا عبد العزيز
_ أيوه يا روح تيته.
هكذا هتفت «صفاء» تفتح ذراعيها له ليركض نحوها بلهفة يحتضنها بقوة:
_ حبيبتي أنتِ كويسة؟
_ كويسة يا روحي ما تخافش، ده كان مقلب من البت «لوكا» عشان كانت عاوزة تعملك مفاجأة.
خرج من أحضانها يتلمس وجهها كأنه يطمئن عليها قبل أن يقبل يدها ووجنتيها:
_ ربنا يرضى عنك يا حبيبي.
عينيه التقطت تلك التي تجلس بجانبها وتنظر إليه، لكنه أجبر قلبه الذي يصرخ شوقًا لها أن يتجاهلها، ليتجه نحو جده القريب من جدته يلقي عليه التحية فتتوالى عليه التبريكات من كل أفراد العائلة الواحد تلو الآخر.
كانت تراقب تجاهله لها وتجهل ما عليها فعله، كبرياؤها أمرها بالبقاء مكانها ونظرات باقي العائلة المحدقة بها تجبرها على المبادرة.
وكزتها «ورد» وهمست بحنق:
_ ما تتلحلحي مستنية إيه؟ مش شايفه بيبصولك إزاي؟
تنهدت بثقل واستجمعت قوتها تنظر نحوه بتردد، لكن ضغط تلك النظرات المنتظرة لقاءهم بشغف دفعتها للنهوض والتوجه نحوه بخطوات متوترة حتى أصبحت خلفه لتنادي عليه:
_ «حسين».
خفق قلبه لمجرد سماع صوتها، التفت نحوها ببطء لتواجه عينيه عينيها بعتاب فهمته هي، لتمد له يدها بالهدية:
_ ألف مبروك نجاحك في المسابقة.
التقط منها العلبة وقال بعتاب مبطن:
_ متشكر يا «قمر»، ما كانش فيه داعي للهدية، كلمة منكِ عندي بألف هدية.
عينيها تحركت يمينًا ويسارًا كأنها تخشى أن يكون قد سمعه أحد، فشكرت الله وهي تجدهم انشغلوا عنهم بين بعضهم البعض وكأنهم يحاولون تخفيف الحرج عنهم ويمنحونهم بعض الخصوصية.
عادت عينيها تلتقي بعينيه التي حملت برودًا تراه للمرة الأولى لتغمغم:
_ آسفة.
بالكاد التقطت أذنه الكلمة ليرتجف قلبه، أسعدته لكنه سألها ليتأكد:
_ قلتي إيه؟
بلعت ريقها بتوتر وقالت تشير نحو العلبة:
_ افتحها عشان أشوف رأيك.
تعجب طلبها لكنه أزال الغلاف البسيط وفتحها لتتسع ابتسامته يسألها بتعجب:
_ عرفتي إزاي إني بحب الساعات؟
_ حد فتن لي.
_ تبقى «لوكا» ما فيش غيرها.
أخرج الساعة ونظر لها بإعجاب لتتسع عينيه وهو يجد اسمه يزينها لينظر لها مبتسمًا:
_ دي عليها اسمي!
_ عجبتك؟ (رشا عبد العزيز
_ تحفة تجنن، تسلم إيدك يا «قمر».
وضع العلبة على الطاولة بجانبه ثم خلع ساعته وأعطاها لها:
_ امسكي يا حبيبتي.
أخذت منه الساعة لتنظر لها باستحسان، يبدو أنه من هواة الكلاسيكيات فساعته كانت تحمل طابعًا كلاسيكيًا رغم أنها من ماركة معروفة.
أحاطت ساعتها معصمه وكأنها ربطت على ذلك القلب الذي كان يؤلمه بعدها وبرودها، حرك يده يمينًا ويسارًا يطالعها من جميع الجهات قبل أن يصوب نظره نحو اسمه الذي كُتب بالخط الجميل كأنه خُط على قلبه ليمنحها الغفران. ابتسمت وهي تراقبه وتراقب حركاته، فمن كان يقف أمامها بجمود قبل قليل ليس من يقف أمامها الآن بابتسامته وحركاته الفكاهية سعيدًا بهديتها.
_ متشكر يا «قمر».
قالها لسانه بامتنان وتمنى قلبه أن يأخذها بين أحضانه يروي شوقه لها.
_ العفو.
_ «حسين» ألف مبروك يا بشمهندس.
تبخرت ابتسامتها وهي تسمع صوت «حسن» الذي حضر توًا يقترب من شقيقه ويحتضنه ليبادله «حسين» العناق بود:
_ الله يبارك فيك يا أخويا، تسلم يا أبو «علي».
كلمة أخويا التي نطقها «حسين» وذلك اللقاء الحميمي الذي اتبعه مزاحهم معًا، انتبهت إلى علاقتهم الجميلة لتسكن غصة مرة في قلبها تسأل نفسها بخوف: هل سيأتي يوم لتكون هي السكين الذي يمزق وحدتهم؟
حتى «مليكة» التي اندمجت مع أخويها تتلقى عتاب «حسين» بمزاح ومحاولة «حسن» التخفيف على شقيقته.
تنهدت بحسرة خنقتها وهي تشاهد سعادتهم التي لم تكن هي جزءًا منها.
عادت من ذكرياتها تطالع البطاقة من جديد وتتذكر كيف اعتذرت عن حضور كتب كتاب «حسن» وتعللت بإصابتها بوعكة صحية، ورغم أنه أخبرها أنه كان يتمنى أن تكون معه لكنه تقبل اعتذارها.
وفي المساء في منزل «شمس» كانت تجلس في الصالة بجانب «فارس» يتبادلون بعض الأحاديث يخططون لرحلتهم نحو قنا، ليجدوا «سيف» يقترب منهم بخطوات مترددة يلقي عليهم التحية:
_ مساء الخير.
ليرحبوا به كلٌ على طريقته:
_ أهلاً يا حبيبي مساء النور.
_ مساء النور يا دكتور اتفضل.
_ متشكر يا بابا.
قالها يجلس بالقرب منهم، كان توتره ظاهرًا لهم حتى ابتسامته المزيفة لم تخفَ عليهم، لينظر أحدهم للآخر بقلق، فرك كفيه المفتوحتين أحدهما بالأخرى يحاول جمع شتاته واستعادة قوته التي سلبتها نظراتهم المحدقة به.
تحمحم بصوت منخفض يعلم أن الهدوء الذي يعم المكان هو هدوء سيسبق عاصفة قراره، لكنه لن يتراجع، فأربعة أشهر من التفكير كانت كافية ليحسم أمره ليلقي عليهم ذلك الخبر دفعة واحدة كأنه يمنع نفسه من التراجع:
_ أنا عاوز أتجوز «نور».
شحب وجه «شمس» وبهتت ملامحها لتسأله علها أخطأت فيما سمعت:
_ بتقول إيه؟
ابتلع ريقه وأكد لها حديثه:
_ عاوز أتقدم لـ«نور» بكره مادام إحنا رايحين قنا.
وما إن أنهى حديثه حتى وجدها تنتفض وتصرخ في وجهه معلنة رفضها:
_ أنت اتجننت؟! عاوز تتجوز «نور»؟!
لينظر لها بضيق يستنكر حديثها:
_ ليه يا ماما؟ عشان مطلقة يعني؟
تسارعت وتيرة أنفاسها واحتدت عينها وهي تهتف بما تفهمه ويحاول هو الالتفات عليه وكأنه يزيف حقيقة قراره:
_ لأ مش عشان مطلقة يادكتور، أنت عاوز تتجوزها عشان حاسس بالذنب، مش كده؟ ما تتكلم!
ظل صامتًا يحدق بها فقط، لكن صمته أزعجها لتصرخ بصوت أعلى:
_ تقدر تنكر إن دي هي الحقيقة؟
_ لأ.
قالها ببرود ضاعف من غضبها لتنشب النيران في جسدها تحرق صبرها، فصرخت به من جديد في محاولة لردعه عن قراره:
_ بس أنت كده بتظلمها تاني يا دكتور يا محترم، إحساس الذنب هو اللي بيحركك، أنت مش عايز «نور» لشخصها، أنت عاوز «نور» تصلح غلطتك في جوازتها الأولانية زي ما أنت فاكر، تقدر تقولي فرقت إيه عن «حسام» اللي اتجوزها رغبة بس خطتلها كام يوم؟ وأنت كمان هـتريح ضميرك وخلاص، ما فكرتش فيها؟ في مشاعرها؟
_ يااا ماما أنا...
_ اخرس بلا ماما بلا زفت!
هكذا هدرت به لتحول نظرها نحو «فارس» الذي استفزها سكوته وجلوسه هادئًا يطالعهم فقط، لتوجّه له الحديث بانزعاج:
_ ما تقول حاجة أنت ساكت ليه؟ أنت موافق على قرار ابنك؟
لتندهش وهي تسمعه يقول بهدوء:
_ أيوه. (رشا عبد العزيز
لتصرخ بانفعال:
_ لأ ده اسمه جنان يا «فارس»!
_ «شمس»!
صاح بها ينهرها وعينيه تتسع بغضب لم تعهده منه، لتتسمر تراقب غضبه بتوجس ليكمل بحدة:
_ حاسبي على كلامك وشوفي أنتِ بتقولي إيه، وأه أنا موافق وهقف معاه حتى لو كان ده ضد رغبتك.
صمت ثقيل أطبق على المكان بعد أن أنهى جملته، وعينيه تحدق بها بضيق قابلته نظرات عتاب من عينيها التي لا تصدق ردة فعله حتى قلبها الذي يرتجف في ثنايا صدرها لم يعد يستوعب أن حبيبها من يقف أمامها يرمقها بهذه النظرات التي تشبه رؤوس السهام الجارحة.
التقطت أنفاسها المتسارعة تحاول أن تستجمع قوتها بعد أن مزقتها ثورته، لتوزع نظراتها بينهما حتى استقرت عليه تخبره بعناد:
_ حيث كده أنا ماليش دخل في الحكاية دي وما تتوقعوش مني حاجة.
ثم صمتت تلتقط أنفاسها وأشارت نحو «سيف» بسبابتها تخبره بصوت بُح من شدة صراخها:
_ وأنت هتتحمل نتيجة قرارك، وأي ظلم هيحصل للبنت هتتحمله أنت وأبوك، وأنا اللي هقف ضدك يا ابن «فارس».
أنهت حديثها لتغادر، صوت صراخها وصل إلى مسامع «قمر» و«شريف الدين» هرولوا نحوها لتتقابل مع «قمر» التي وقفت أمامها تسألها بقلق:
_ مالك يا ماما بتصرخي ليه؟
لتدفعها بغضب تعجبته «قمر» وهي تقول:
_ اسألي أبوكِ.
ورحلت بخطوات مسرعة نحو الطابق العلوي و«قمر» تراقبها، ثم اتجهت نحو والدها ها «شريف» يستفسرون من والدهم و«سيف» عما يحدث، وقفوا أمامهم لتسأل «قمر» والدها بخوف:
_ فيه إيه يا بابا؟
مسح «فارس» على وجهه بضيق قبل أن يزفر أنفاسه حانقًا ويتركهم مغادرًا دون إجابة لتزداد دهشتهم.
توجه «شريف» بأنظاره نحو «سيف» الذي كسا وجهه الحزن وسأله:
_ فيه إيه يا «سيف» ما تفهمونا؟
_ عاوز أتقدم لـ«نور» وماما رفضت.
هكذا أجابه «سيف» بصوت غزاه الألم وملأته الحيرة، لينزل ذلك الخبر كالصاعقة على «قمر» التي كانت تفكر في «ورد» وما سيحدث لو علمت بذلك الخبر، شعرت بالحزن لأجلها فهي أكثر من ستفهم مشاعرها فقد ذاقت مر هذا الشعور من قبل، لتسمع «شريف» يسأله:
_ ماما رفضت عشان هي مطلقة؟
_ لأ.
فهم «شريف» ما يحدث ليسأله من جديد ليحاول التأكد من حدسه:
_ أنت عاوز تتجوزها عشان حاسس بالذنب؟
نظر له «سيف» دون أن ينطق بأي كلمة لكن نظراته أجابت على تساؤله، ليتركهم «سيف» هو الآخر.
ليقول «شريف» وهو ينظر لأثره:
_ ماما عندها حق ترفض، أخوكِ عاوز يجوزها عشان حاسس بالذنب.
التفت نحو «قمر» ينتظر تعقيبها لكنها كانت في عالم آخر، كانت تعيش مأساتها من جديد لكن هذه المرة بروح صديقتها المقربة.
*******************************
دخلت الغرفة تصفع الباب خلفها بقوة، تجلس على سريرها وجسدها يرتعش من شدة انفعالها، سندت بكفيها على حافة السرير وبدأت تزفر أنفاسها بقوة علها تخرج تلك النيران الناشبة في صدرها، اهتز جسدها وصوت صراخه يخترق أذنها من جديد لتغطي وجهها بيديها وتنهار بالبكاء بحرقة، فما عادت تتحمل كتمان دموعها أكثر من ذلك، لا تعلم أتبكي من أجل تلك الفتاة التي تخشى عليها مستقبلاً مظلمًا تراه نصب عينيها، أم تبكي لأنها وللمرة الأولى منذ سنين عديدة تجده يصرخ في وجهها وأمام ابنها؟ هل أخطأت؟ هل تبالغ في ردة فعلها؟ لا تعلم، كل ما تعلمه أن قلبها يتمزق حزنًا.
أما هو فلم يستطع الابتعاد عنها أكثر رغم مكوثه في حديقة المنزل لساعتين، لكن قلبه يصرخ قلقًا عليها ليقرر الذهاب والاطمئنان عليها، دخل غرفتهما ليجدها نائمة أو ربما تدعي ذلك فأنفاسها غير منتظمة، يسمع صوت شهقات متفرقة ليعتصره قلبه لكن كبرياءه منعه من الاقتراب منها.
أخذ حمامًا دافئًا وصلى علّ صلاته تمنحه الراحة والهدوء ليقرر النوم، تمدد بجانبها يصنع مسافة بينهما، ولأول مرة منذ أن أصبح زواجهم حقيقيًا ينام وهو يوليها ظهره بعد أن كانت تنام في أحضانه، هي أيضًا كانت توليه ظهرها بعناد.
جافاه النوم فيبدو أنه قد أدمن أحضانها، تقلب يمينًا ويسارًا عله يستطيع النوم لكن دون جدوى.
كان يعلم أنها دواؤه لكن كبرياءه حال بينه وبين الالتفات إليها رغم أنه يشتهي رؤية عينيها ويتوق لاحتضانها.
شعرت هي بتقلبه وعنادها هي الأخرى منعها من الالتفات، فاتخذت من اللامبالاة درعًا لتصمد أمام صراخ قلبها العاشق.
يئس من كل شيء وبدأ الصداع يضرب رأسه، دعك جبهته عدة مرات لكن دون فائدة، شعر أن صداع رأسه بدأ يضرب حتى عينيه، التقط هاتفه يتصل بولده وتعمد رفع صوته كي يصل إليها:
_ أيوه يا «سيف» عندك مسكن؟ الصداع هيفرتك دماغي، الظاهر الضغط علي، طب تعالى وقيس لي الضغط كده أنا حاسس عنيا هتخرج من مكانها.
أما «سيف» الذي كان جهاز الضغط بالقرب منه أنكر وجوده وأخبر والده أن جهاز الضغط خاصته قد نسيه في المستشفى وأن والدته تملك واحدًا في محاولة منه لكسر الحاجز الذي أحس أنه صنعه بينهما، فلولا أن هناك خصومة بينهما لما اتصل به:
_ كلم ماما يا بابا هي عندها واحد في الأوضة.
لكن «فارس» استمر في محاولاته جذب انتباهها ليقول:
_ طب يا حبيبي أنا هدور عليه ولو لقيته هتصل بيك تيجي تقيس لي الضغط.
فكذب عليه «سيف» وهو يخبره أنه غادر المنزل نحو المستشفى:
_ أنا في المستشفى يا بابا.
و«فارس» بدوره كرر كلام ولده ليثير استعطافها:
_ أنت في المستشفى؟ ماشي يا حبيبي خلاص هدور على أي مسكن يخفف عني الوجع.
ثار قلبها عليها وأعلن تمرده فلم تقاوم ما سمعته وشعورها بحاجته إليها، لتنهض دون أن تتكلم تبحث عن جهاز الضغط.
أخفى ابتسامته وهو يجدها تجلس أمامه تجذب يده ببعض العنف تضع عليها الجهاز، اعتدل في رقوده لتبدأ بقياس الضغط وسط نظراتها التي تشملها بحب ورضا.
أنهت مهمتها ونهضت تعيد الجهاز مكانه وتفتح أحد الأدراج تخرج شريط مسكن وتحضر كوب ماء، كان يراقبها بصمت، ناولته الدواء دون أن تنظر إليه، التقط منها الشريط وأخرج حبة يدسها في فمه لتمد يدها له بالماء، ارتشف الماء وقلبه يعتصره من صمتها، هل تمارس معه الصمت العقابي؟ لكن مهلاً هنالك دموع تسيل على وجنتها، نعم لقد لمح لمعتها قبل أن ترفع يدها المرتعشة تزيلها بتوتر.
وضع قدح الماء الذي كانت تقف تنتظر أن يناولها إياه وجذب يدها يجبرها على الجلوس أمامه، كان جسدها منهكًا فاستجابت لحركته بهدوء، جلست تخفض رأسها هروبًا من نظراته المتفحصة لتجده ينحني نحو الأمام ويمد يده يمسح دموعها، كانت أنامله تتحرك فوق وجنتيها وأجفانها برقة يسألها بحنان:
_ بتعيطي ليه؟
لم تجبه بل انهمرت دموعها أكثر ليعاتبها برفق:
_ طب هو مين فينا اللي مفروض يزعل؟ اللي اتقال له إن تفكيره مجنون وترفع صوت مراته عليه ولا...
لتقاطعه بصوت مهزوز:
_ أنت كمان زعقت لي وعليت صوتك عليا.
ثم اختنق صوتها وهي تخبره بحرقة:
_ ودي أول مرة ترفع صوتك عليا قدام ابني.
أنهت حديثها تنتحب بصورة أوجعته، ليزيح جسده وسحبها ليجعلها تصبح ممددة بجانبه، يستند ظهرها على ظهر سريرها قبل أن يحيط جسدها ويضمها إليه بقوة:
_ اشش بس كفاية دموع.
ثم قبل رأسها ومد يده يمسح دموعها يحاول أن يهدئها:
_ «شمس» أنتِ عارفة إنك أغلى حاجة عندي ويمكن أغلى من روحي.
لم تعقب ليسألها:
_ عارفة إنك النفس اللي عايش فيه ومتأكدة من حبي ليكِ مش كده؟
حركت رأسها داخل أحضانه تؤكد كلامه دون أن تتكلم.
_ لكن يا «شمس» ده ما يدكيش الحق إنك تعندي وتصرخي وتقولي إني رأيي مجنون.
انتفضت تخرج من أحضانه بسرعة وتقول بضيق:
_ يعني هو اللي قاله ابنك صح عشان تأيده وتقف معاه؟
أحاط وجهها بيديه وقال كأنه يحاول إقناعها:
_ «شمس» يا روحي يا نور عيني يا قلب «فارس»، أنتِ خايفة من إيه؟ سيبيه هو مش عاوز يكفر عن ذنبه زي ما بيقول؟ خلاص سيبيه يتحمل نتيجة قراره.
لتهتف رافضة حديثه:
_ يا «فارس» حرام ذنبها إيه البنت؟ افرض اتجوزها وبعدين ما تقبلهاش يطلقها ولا إيه؟ هو لو كان عاوزها عشان «نور» نفسها ما كنتش اعترضت، لكن ابنك عاوز يرضي ضميره، البنت شافت كتير حرام تتقهر تاني.
تنهد بثقل واستمر يحاول إقناعها بهدوء، أمسك كتفيها بكلتا يديه:
_ أولاً ابني مش ندل يا «شمس» عشان يكون بالتفاهة دي، ثانيًا مش يمكن يحبها؟
ظلت تحدق به بعدم اقتناع وباحت بمخاوفها التي تهاجم تفكيرها:
_ طب افرض بعد مدة حب واحدة تانية واتجوز عليها، وقال لك دي تخليص ذنب ودي حبي واختياري... يا «فارس» أنا مش مستعدة أضحي بعلاقتي أنا و«فرحة» عشان نزوة ابنك، ولا مستعدة أتحمل ذنب البنت الغلبانة.
تنهد بيأس لكنه كرر محاولاته:
_ «مشمش» ليه نفترض الأسوأ؟ ابنك خد الخطوة دي خلاص هو مقتنع والبنت طيبة، جايز تكسب قلبه مين عارف؟
نظرت إليه بخيبة أمل، يبدو أنها لم تنجح في جعله يعزف عن قراره أو حتى استطاعت استمالته ليقف بجانبها ليقنعوا «سيف» بالعدول عن قراره:
_ خلاص يا «فارس» بس خليك فاكر إني حذرتكم وإني ماليش دعوة.
ليلومها بسرعة:
_ مالكيش دعوة إزاي؟ هي «فرحة» هتوافق لو لقتكِ مش معانا؟ وبعدين أنتِ كده بتجرحيهم وبتقللي من البنت الغلبانة.
حدقت به لحظات تحاول استيعاب كلامه لتومئ له بقلة حيلة بعد أن استشعرت صدق حديثه:
_ عندك حق.
جذبها نحو أحضانه من جديد يضمها بقوة وهو يبتسم:
_ حبيبي العاقل اللي بموت فيه.
ثم تنهد بهيام وهو يتمدد ويجذبها لتتمدد بجانبه يحتضنها بقوة:
_ آه.. أهو كده الواحد ينام مرتاح.
لتخبره بتذمر مصطنع:
_ بس أنا لسه ما اتصالحـتش.
قهقه ضاحكًا ويقبل رأسها عدة قبل ويقول معتذرًا:
_ آسف.. يا بنت «ورد» يا مجنناني.
وقبل أن تهتف بأي كلمة اعتراض ابتسمت برضا وهي تسمعه يقول:
_ بحبك يا قلب «فارس».. بحبك يا روح الروح.
*************************
صباحًا في منزل «راجح» دخلت «زهرة» عليه لتجده يتحدث في الهاتف مبتسمًا ليردد قبل أن ينهي الاتصال:
_ خلي بالك من نفسك يا بنتي، سلمي على جوزك ولو احتجتي أي حاجة عمك موجود يا غالية.
جلست بالقرب منه تسمع كلامه وتبتسم هي الأخرى، فقد علمت هوية المتصل، أغلق الهاتف لتسأله:
_ كنت بتكلم «تمارة»؟ أزيها عاملة إيه؟ إن شاء الله تكون بخير.
_ الحمد لله بتقول زينة ومرتاحة
ربتت «زهرة» على فخذه تدعو له بامتنان:
_ ربنا يحفظك ليها ويجزيك خير أنت ما قصرتش معاها أبدًا.
بادلها الابتسامة وقال شاكرًا هو الآخر:
_ ولا أنتِ قصرتِ معاها يا «زهرة» عمري، ما هنساش ربيتي بنت أخويا إزاي وراعيتيها كأنها بنتكِ حتى بعد أم الحاجة ما ماتت فضلتي شايلاها فوق رأسك ووقفتِ معاها في جوازها زي ما تكوني أمها بالضبط، وهي من ساعة ما سافرت الخليج هي وجوزها وأنتِ بتتواصلي وتسألي عليها أكتر مني.
_ يا «راجح» ده واجبي ووصية أمي الحاجة وبنت أخو حبيبي الغالي.
ضحك على كلمات غزلهاوطالعها برضا ليقول بصوت منخفض يمازحها:
_ أهو الكلام الحلو اللي طالع من خشمك ده بكنوز الدنيا كلها يا «زهرة»، ربنا يحفظكِ لينا يا حبيبتي.
خلع عنه عباءة الزوج المحب ليعود لشموخه يسألها:
_ عملتِ إيه عشان كتب الكتاب؟
بدأت تسرد له كل تحضيراتها بأدق التفاصيل لا يفلت منها شيء وهو يصغي باهتمام حتى انتهت، ليقول لها آمرًا:
_ «زهرة» مش عاوز حاجة تنقص، عاوز حاجة تليق ببنت «راجح الهواري».
تنهدت بحزن وشردت عينيها لحظات أصابته بريبة ليسألها بقلق:
_ مالك يا «زهرة» روحتِ فين؟
نظرت إليه تلقي له بمخاوفها:
_ زعلانة قوي على فراقها يا «راجح»، إني مش عارفة هستحمل بعدها إزاي، «سندس» زي النسمة خايف بعدنا عنها يأذيها، خايف طبعنا يختلف عنهم والبت تتعب.
كانت تتكلم بحرقة وكأنها كانت غافلة عن كل هذا ودنو وقت فراقها قد أيقظها وزرع تلك الهواجس داخلها.
حدجها بنظرة حادة قبل أن ينهرها بحزم:
_ الكلام اللي بتقوليه فات أوانه خلاص، البنت كتب كتابها النهارده، الخوف دلوقت ما عادش منه فايدة، وبعدين بتخافي ليه؟ «سندس» عاقلة و«حسن» واد متربي، شيلي من دماغك الحديث الماسخ ده وتوكلي على ربنا وادعي لها براحة البال.
تجمعت الدموع في عينيها رغم كلامه الذي طمأنها لكنها تختنق وهي تتذكر قرب فراقها لتخونها دموعها أمامه، ليلومها بسرعة:
_ واه يا «زهرة» أنتِ بتبكي؟! ما تفاوليش على البنت.
ثم مد يده يمسح دموعها بحنان يحاول مواساتها:
_ بس يا «زهرة» بكفاياكِ عاد قطعتِ قلبي يا حبيبتي.
ثم شاكسها يحاول التخفيف عنها:
_ خلاص يا أم العروسة عنيكِ الحلوة هيدبلوا.
وحاول إقناعها بروية:
_ بلاش يا «زهرة»، «سندس» كده هتحس بزعلك وأنتِ عارفاها بنتكِ طيبة وتزعل بسرعة، بلاش تزرعي الخوف في قلبها.
دنا منها يقبل رأسها ويحيط وجهها يمسح آثار دموعها بإبهامه ويبتسم مازحًا:
_ مش متعود على «زهرة» ساكتة، معلش أنا عاوز مراتي اللي لسانها عامل زي الجطر.
فتحت عينها على وسعها تنظر له بعبوس وتقول بضيق:
_ بجى كده يا «راجح»؟ أنا لساني زي الجطر؟ ماشي قايمة وفايتاهالك..
وكادت أن تنهض لكنه جذبها نحوه يضمها ويضحك على ضيقها ليحاول إرضاءها قائلاً:
_ يا بنت أنا بهزر معاكِ، ده أنتِ حبة الجلب.
****************************
أما في وقت لاحق في منزل «جابر»:
نظر «جابر» بصدمة نحو «فرحة» التي كانت لا تستوعب ما يقوله «فارس» و«سيف»، هل يعقل أنه حضر مع والديه لخطبة ابنتها؟ هل سيبتسم لها الحظ من جديد؟
_ هااا قلت إيه يا أبو «محمد»؟
سأله «فارس» الذي كان يوزع نظره بين «جابر» و«فرحة» بترقب ويختطف النظرات نحو تلك التي التزمت الصمت منذ أن حضروا هم.
ليجيبه «جابر» بسعادة غامرة ملأتها الدهشة:
_ والله يا «فارس» بيه أنت فاجئتني... بس هو مين يرفض الدكتور «سيف»؟ هو أنا هلاجي أحسن منه لبنتي؟
ثم نظر نحو «فرحة» التي أكملت بغبطة ظاهرة:
_ ده «سيف» حبيب جلبي، ده يوم المنى إن بنتي تكون من نصيبه.
لكن عادة بسمة «جابر» تختفي ويحل محلها ابتسامة مضطربة يسأله بتوجس:
_ بس بنتي مطلقة و«سيف» يعني ده أول بخته...
بتر «سيف» جملته بسرعة قائلاً بثقة:
_ أنا عارف يا عم «جابر» وموافق وصدقني هعوضها عن اللي حصلها.
_ صادج يا حبيبي وأنا موافج.
لكن ما قالته «شمس» قطع أجواء البهجة التي عمت المكان:
_ بس إحنا لازم ناخد موافقة البنت كمان ده حقها.
_ وهي هترفض ليه؟ هتلاجي زي «سيف» فين؟
هكذا هتفت «فرحة» تجيبها بسرعة ثم لوت شفتها بسخط عندما سمعت «شمس» تكرر طلبها بإصرار:
_ معلش يا «فرحة» خلينا نسمع رأيها.
ليحاول «سيف» إعفاء والدته من نظرات الاستنكار التي تحدجها بها «فرحة»:
_ ماما عندها حق، «نور» من حقها توافق أو ترفض.
وقبل أي كلمة اعتراض تصدر من فم «فرحة» أو «جابر»، تفاجأ الجميع بـ«نور» تقف أمامهم وتقول بصوت حازم:
_ أنا مش موافقة.
قالت كلماتها وغادرت بسرعة، ووسط نظرات الدهشة من الجميع وهتافات الحنق والاعتراض من والديها.
_ البت دي اتجننت!
قالها «جابر» ممتعضًا، لتحاول «فرحة» النهوض واتباعها كي تقنعها:
_ لأ هي أكيد مش جصدها أنا هروح أشوفها.
لتمسك «شمس» يدها تمنعها وتقول بهدوء:
_ سيبيها براحتها.
_ لأ إزاي؟ هي اتخبلت عشان ترفض «سيف»؟ دي عيلة ومش عارفة مصلحتها.
لكن «شمس» نظرت لـ«فارس» الذي أومأ لها يؤيدها، ثم حولت نظرها نحو «سيف» الذي أخفض عينه عندما التقت بعينها فخرجت كلماتها بتعقل:
_ لأ هي من حقها ترفض أو توافق، الحكاية مش جبر يا «فرحة».
كان كلامها موجهًا لـ«فرحة» لكن رسالتها وصلت لـ«سيف» الذي فهم ما تقصده وأنها تعنيه هو بكلامها.
أما «نور» فما إن دخلت غرفتها حتى أغلقت الباب بقوة كأنها تضع النهاية لهذا العرض، استندت على الباب قبل أن تنهار بالبكاء وتصم أذنيها توقف صراخ «حسام» الذي يتردد في أذنها يذكرها بأبشع ما عاشته، وجسدها يرتجف تتذكر تعنيفه وقسوته حتى شعرت بآلام تلك الصفعات والركلات تعود إليها لتصرخ بهستيريا:
_ مش عاوزة أتجوز!
***********************
وقفت أمام المرآة يدها تتحرك على قماش فستانها الجميل بسرور:
_ هااا إيه رأيك يا آنسة «سندس» حلو؟
قالتها خبيرة التجميل تسألها عن رأيها، اقتربت من المرآة أكثر تحرك وجهها يمينًا ويسارًا وتقول باستحسان:
_ حلو جوي تسلم إيدك.
ثم التفتت تبتسم لـ«زهرة» التي دخلت تطلق الزغاريد وتنظر لها بانبهار تردد المعوذات وأذكار التحصين:
_ بسم الله ما شاء الله حلو جوي يا حبيبتي، ربنا يحرسكِ من كل عين يارب، ألف مبروك يا نور عيني.
ثم دنت منها تقبلها بحذر كي لا تفسد مكياجها، لسعت الدموع عيني «سندس» رغماً عنها وكادت أن تتساقط لكن نهرتها شقيقتها الواقفة بجانبها:
_ اوعي تعيطي هتلخبطي مكياجكِ.
ثم أتبعت كلماتها نظرات عتاب نحو والدتها التي اغرورقت عيناها بالدموع:
_ يا ما بكفاياكِ دموع خلونا نفرح.
مسحت دموعها بسرعة وشقت ثغرها ضحكة عريضة تؤيد حديثها:
_ عندكِ حج يا بنتي.
خرجت خبيرة التجميل وتبعتها «زهرة» لتبتسم «سندس» بتذمر وهي تطالع شقيقتها التي بدأت تنثر عليها العطر بسخاء:
_ كفاية يا «بسملة» هتخنقيني.
_ واه.. أنتِ عروسة.. عاوزة العريس يقول عروستي مش متعطرة؟
وضعت زجاجة العطر على الطاولة وهرولت مسرعة نحو الخارج تخبرها:
_ الحق أظبط نفسي أنا كمان.
أغلقت الباب لتقترب «سندس» نحو المرآة من جديد تطالع هيئتها مرة أخرى وطيف ذلك الذي سكن قلبها يلوح أمامها لتسأل نفسها:
_ يا ترى هعجب «حسن» وهيجول حلوة كيف ما أمي جالت؟
وعلى ذكر والدتها نغزها قلبها وهي تتذكر دموعها، لم يعد هناك سوى أيام قليلة وتفترق عنهم، لتنهال على رأسها تساؤلات كثيرة: كيف ستكون حياتها هناك؟ هل ستتقبل شكل حياتهم؟ هل ستعيش سعيدة؟ وأكثر أسئلتها إلحاحًا: هل سيكون «حسن» زوجًا صالحًا؟
****************************
يدها لم تفارق يده منذ أن وصلوا قنا، تلك المرة الأولى التي تزور فيها تلك المحافظة، كانت تتشبث به كما تتشبث الطفلة بوالدها، لقد تعلقت به بشدة منذ أن أصبح زواجهم حقيقيًا وأصبح هو كل شيء بالنسبة لها، ربما حنانه وطيبته منحتها الأمان لتتمسك به أكثر.
_ ما تبعدش عني أنا بتكسف يا حبيبي.
هكذا همست له برجاء بعد أن أخبرها أنه سيغادر نحو مكان تواجد الرجال وهي يجب أن تذهب مع شقيقاته ووالدته حيث يتواجد النساء، ليبتسم على تعابير وجهها العابسة يبادلها الهمس مازحًا:
_ «رحومة» هتفضحينا إحنا في الصعيد يا حبيبتي ما يصحش كده.
احمرت خجلاً وأصابها الحرج عندما وجدت.
«ندى» تنادي عليها وهي ملتصقة به كالعلقة:.
_ يلا يا «رحمة».
أفلتت يده بتردد دون أن تبتعد، فانحنى مرة أخرى نحوها وعاد يهمس لها لكن هذه المرة بنوع من اللطف وكأنه يقنعها:
_ ما تتكسفيش ماما هتكون معاكِ.
أومأت له موافقة لكن عينيها كانت تحمل له شوقًا قبل أن يفارقها، قرص وجنتها يداعبها مبتسمًا:
_ هتوحشيني من دلوقت.
بادلته الابتسامة وأسبلت عينيها بخجل قائلة:
_ وأنت كمان هتوحشني أوي.
ربت على ذراعها لتبتعد متجهة نحو «ندى» التي وقفت تطالع المشهد بسعاده حتى وصلت إليها ودخلت معها المكان، ظل ينظر إلى أثرها وتنهد بتعب، لازال يحاول وبشتى الطرق أن يكون ذلك الزوج الصالح ويمنحها الحنان والأمان رغم أنه لازال يتألم في محاولاته ليتعافى من لعنة ذلك الحب، لكن هي لا ذنب لها.
**********************
انتهى المأذون من عقد القران وأصبحت زوجته الآن، وقف يتلقى التبريكات والتهاني ثم توجه نحو مكان تجمع النساء ليأذنو له بالدخول
وقف أمامها والابتسامة تملأ وجهه وباغتها عندما جذبها يقبل جبهتها، ارتعش جسدها لتصل تلك الرعشة إلى جسده تنعش قلبه وترضي عقله فيئد مخاوفه وتزيد من ثقته في اختياره.
أغمضت عينيها تحاول أن تسيطر على جسدها الذي أربكه قربه وشتت ثباته، ابتعد عنها لكنه لا يزال يأسرها ويديه تمسك بعضديها بتملك:
_ مبروك يا «سندس».
بالكاد استطاعت أن تخرج الكلمات من بين شفتيها فقد أذابت حروفها حرارة جسدها الذي يشتعل خجلاً وحياءً:
_ الله يبارك فيك.
_ أنا بحلم باللحظة دي من زمان من ساعة ما شفتكِ.
أخفضت عينيها بارتباك فلن تعرف مجاراته ولا بماذا تعقب على حديثه، فاكتفت بذلك الصمت الخجول.
رحمتها نداءات والدته لهم بالجلوس، لتجلس بجانبه، استغل ذلك ومحا المسافة بينهم يقبض على كفها بيده وانحنى يهمس لها بما ضاعف خجلها وجعل قلبها ينبض بجنون حتى شعرت أنه سيخرج من بين أضلعها:
_ أنتِ حلوة أوي.
رافقت كلماته ضغطة على يدها، ضمت أصابعها تشد هي الأخرى على يده وتقول بتلعثم:
_ متشكره.
_ على فكرة أنا مش بجاملكِ، أنا النهارده وأنتِ حلالي شايفكِ أحلى بنت شافتها عنيا.
يا إلهي هل هذا هو الحب؟ هكذا رددت في سرها، فحلاوة كلماته تذيقها مشاعر لم تجربها فتروي بستان قلبها ليزهر عشقًا له.
كانت «ورد» تجلس بجانب «رحمة» مندمجة بالتصفيق ومراقبة الفتيات يغنين ويرقصن بعد أن خرج «حسن»، فانتبهت لخالاتها يقفن مع والدتها ولمحت تجهم وجه «شمس» فأثار ذلك فضولها، لكنها حاولت تجاهله والعودة للتصفيق والمشاهدة، لتشعر بشقيقتها تجلس بجانبها وتخبرهم بحماس:
_ عرفتوا آخر الأخبار؟ «سيف» خطب «نور»!
الفصل 16
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
شحب وجهها وتجمد جسدها، توقفت يدها عن التصفيق تطالع شقيقتها بصدمة وهي تكمل لهم ما سمعته:
_ «نور» بنت الست «فرحة» صاحبة خالتو «شمس».
تحجرت الدموع في عينيها وشعرت بقلبها يهوي متحطمًا، يتناثر فتاتًا تطايرت مع أحلامها، لقد اختار غيرها!
ملأت جوفها مرارة الحسرة، الآن تشعر بما شعرت به «قمر»، ألا تشرب من ذات الكأس؟
والأصعب أن روحها تحترق ولا تستطيع الصراخ، شل الألم جسدها فخشيت أن تفضحها دموعها، يا إلهي ماذا تفعل؟ قبضت على يديها تعتصرها بقوة تحاول السيطرة على حزنها، تكتم دموعها جبرًا.
******************************
وقف يصفق مع نغمات الطبل والمزمار، مستمتعًا بتلك الموسيقى الشعبية وسط هتافات أبناء خالاته فرحًا بشقيقه.
شارك هو معهم تلك الأهازيج سعيدًا لسعادة شقيقه، شاركه «زياد» الرقص، وانضم إليهم «شريف» الذي كان الأكثر حماسًا بينهم ليمازحه "حسين" ":.
_ والله وطلعت حريف رقص يا «شريف».
ليهز يده وكتفه ببراعة يجيبه وهو يمسح حبات العرق التي تكونت على جبينه من فرط الحركة:
_ يا بني أنا مستني فرح «حسن» من زمان عشان أرقص.
ليعقب" زياد "مازحاً
_ ارقص يا ابني ملكش دعوة بـ«حسين» دا، شوية وهتلاقيه بيرقص أحسن منك.
واندمج الثلاثة بعد أن سحبوا «حسن» معهم، لكنهم توقفوا وهم يشاهدون الرقص بالخيول بانبهار، وتلك الخيول تتمايل بتناغم مع الموسيقى في طقس فلكلوري جميل.
استمر الاحتفال فترة طويلة حتى انتهى في
منتصف الليل، ليأخذ كل واحد منهم ركنًا انزوى به؛ منهم من خلد إلى النوم، ومنهم من أضناه الشوق يتمنى لو كانت ترافقه.
أخرج علبة سجائر من جيبه والتقط إحداها يدسها في فمه، يأخذ نفسًا عميقًا وينفخه ليتطاير دخانه يشق نقاء هواء المكان فيعكره، كما عكر فرحته غيابها.
نظر إلى هاتفه يطالع صورتها التي احتلت خلفيته ليبتسم بوله، وتتحرك أصابعه بتلقائية تبحث عن رقمها ويضغط زر الاتصال رغم علمه بتأخر الوقت، لكنه لم يستطع كبح جموح ذلك القلب العاشق.
اتسعت ابتسامته وهو يسمع صوتها تجيب عليه:
_ ألو.
_ حبيبي، آسف صحيتك.
_ لا، أنا صاحية.
ليسألها بقلق:
_ لسه تعبانة يا روحي؟
أغمضت عينيها بألم، واهتمامه سكين ندم تمزق قلبها العنيد:
_ الحمد لله، أحسن.
تنهد بشوق وأخبرها بلهفة:
_ كان نفسي تكوني معانا.
_ معلش، الظروف حكمت، أهم حاجة إنكم اتبسطتوا.
ليخبرها مبتهجًا، يسرد عليها أحداث عقد القران:
_ أيوه اتبسطنا أوي، عادات الأفراح حلوة أوي، الرقص بالحصان كان تحفة، والطبل والزمر كل حاجة حلوة أوي، و«حسن» كان فرحان أوي وهو وسطهم.
اعتصرها قلبها وهو يؤكد عليها سعادة شقيقه لكنها لم تعقب، ليستطرد بتمنٍ:
_ «قمر».
_ نعم.
_ أنا بعد الأيام والساعات ليوم فرحنا، نفسي أغمض وأفتح وألاقيكي جنبي بفستانك الأبيض.
_ «حسين»، معلش أنا محتاجة أنام، الصداع تاعبني.
بهتت ابتسامته، يعلم أنها تهرب من كلامه، ليتنهد بيأس:
_ خلي بالك من نفسك.
_ مع السلامة.
تنهد بضيق ينفض رماد سيجارته ليتطاير مع الهواء، خياله يأخذه إلى ذلك اليوم الذي طال انتظاره.
كان يقف خلفه، يخفق قلبه بحسرة وتحرقه الغيرة وهو يسمع حواره معها، يفكر في ذلك اليوم، هز رأسه يستنكر هذه الأفكار ويلوم قلبه الذي كان سعيدًا منذ قليل وهو يتحدث مع زوجته التي يعلم جيدًا أنها تعشقه، إذًا لماذا لا يزال يرتجف كلما جاء اسمها؟
حركته المضطربة أحدثت صوتًا جعلت «حسين» يلتفت ليردد اسمه بدهشة:
_ «زياد»!
التفاتة «حسين» أربكته، ليحاول الثبات ويقول ببسمة مصطنعة:
_ كنت عارف هلا قيك هنا بتشرب سجائر، أنت مش هتبطل الداء دا؟
عاد إلى سيجارته يمتصها قبل أن يلقيها ويسحقها تحت حذائه ليجيبه وهو ينفث دخانها:
_ ياريت!
اقترب «زياد» منه يجلس بجانبه على تلك المصطبة الخشبية:
_ طب ما تبطل، حد حايشك؟
ابتسامة بسيطة سبقت إجابته المتهكمة:
_ أنا مدمن، يعني الحكاية مش بالساهل.
_ الحكاية إرادة بس، أنت معندكش إرادة ومش عاوز تبطل.
التفت إليه يحدق به لحظات ليمط شفتيه قبل أن يرفع حاجبيه بعدم معرفة:
_ جايز كلامك صحيح.
ثم استطرد قائلاً بتعجب:
_ إيه اللي مصحيك لحد دلوقتي؟ أنت مش رحت تشوف مراتك؟
تذكيره بها جعله ينظر إلى الفراغ والظلام الذي احتل المكان بهدوء شابه هدوءها وسكينتها، ابتسامتها الجميلة التي لا تفارقها بوجوده،
نظرات الشوق التي أحاطته بها ولهفة صوتها العاشق، كل ذلك يجذبه إليها، لكن ذلك النابض بين أضلعه يأبى تملكها، تبًّا له ولسلطته
المقيتة! تنهد بيأس:
_ أيوه لسه جاي من عندها، أصلها يا سيدي مابتعرفش تنام إلا لما نقول لبعض تصبح على خير، تعودنا على كده.
اتسعت ابتسامة «حسين» شوقًا لتلك اللحظات التي ستجمعه بها، يغمض عينيه على وجهها وابتسامتها، وآخر ما يسمعه صوتها:
_ شكلها بتحبك أوي.
أومأ له «زياد» مؤكدًا:
_ «رحمة» طيبة وبنت حلال وبتحبني أوي.
_ وأنت بتحبها؟
سؤال طرحه عليه «حسين» كان كزلزال بعثر ثباته المزعوم، لا يعلم كيف يجيبه، ليبتلع غصة مرة ويكتفي بهز رأسه كإجابة لسؤاله، ليربت «حسين» على فخذه ويدعو له بصدق:
_ ربنا يسعدك يا صاحبي.
هربت عيناه بعيدًا، ودعاؤه كان كصوت يجلده، هو يدعو له بصدق وهو يخونه بتفكيره بزوجته، وإن كانت مجرد فكرة لكنه يخون رفيقه!*
***************************
وفي مكان ليس ببعيد، كان يجلس على العشب البارد ساندًا ظهره على جذع الشجرة، ينظر بوجوم وعقله لا يستوعب رفضها، نظر إلى السماء يطالع النجوم المتلألئة في صفائها، يتمنى لو تضيء فكرة ما في عقله يستطيع من خلالها إجبارها على الموافقة، أخذ نفسًا عميقًا يحاول أن يخرج ثقل ذلك الحزن الذي يثقل صدره ليزفر أنفاسه ببطء وكأنه يحاول أن يجمع أفكاره، شعر بكف يوضع على كتفه ليجفل ملتفتًا نحو الواقف بجانبه:
_ لسه بتفكر؟
تنهد بضيق وعينه تتبع جلوس الآخر أمامه:
_ أيوه، بس مش عارف أوصل لحل.
_ خلاص يا «سيف»، أنت عملت اللي عليك.
مسح على وجهه بضيق قبل أن يرمش بعينيه:
_ مش قادر يا «اصيل»، شعور بالذنب بيخنقني، خمس شهور من ساعة اللي حصل وصورتها وهي متبهدلة ومنهارة مش راضية تفارقني، بقيت بشوفها في كوابيسي كمان وهي بتصرخ:
- ليه عملت فيا كده؟
ليقاطعه «اصيل» بسرعة ويلومه قائلاً:
_ يا «سيف»، مش ذنبك، بلاش تقسى على نفسك.
غطى وجهه بكفي يده يخبره بندم:
_ مش قادر يا «اصيل»، تعبت، عمري ما هنسى نظرات العتاب من خالتي «فرحة» وعمي «جابر» وهم أمنوني على بنتهم وحياتها.
رفع يده عن وجهه يخبره بقهر:
_ دا أنا مكلفتش نفسي أسأل عنه، وقلت رأي كأني متأكد منه!
دعك جبهته بيده وسط نظرات الإشفاق من «اصيل» الذي حاول مواساته:
_ خلاص يا «سيف»، أديك خطبتها ورفضت، أنت عملت اللي عليك.
حرك رأسه نافيًا وقال بجدية:
_ لسه فاضل محاولة، لو فشلت خلاص هنسى الموضوع.
قطب «اصيل» حاجبيه يسأله بحيرة رافقها القلق:
_ محاولة إيه؟ بلاش تهور يا «سيف».
التقت عينه بعين «سيف» الذي رسم الإصرار على وجهه، وبحزم أخبره:
_ معنديش غير الحل دا.
اتبع جملته نهوضه بسرعة كأنه يحسم قراره، ثم نظر لـ«اصيل»:
_ أنا لازم أنهي المسألة دي النهاردة.
لم يمنح «اصيل» فرصة للفهم وغادر بخطوات متعجلة متجاهلاً هتاف «اصيل»:
_ «سيف» استنى هنا، رايح فين؟ ما تتهورش!
لكنه أصم أذنيه عن أي نداء واتجه إلى هدفه دون توانٍ.
وصل إلى بيت «فرحة» ليقف أمام الباب ويطرقه كطرقات متتالية أفزعتهم، فتح «جابر» الباب بسرعة، وقف ينظر إليه بتعجب ويسأله بقلق:
_ «سيف»! خير يا بني، حصل حاجة؟ والدك ووالدتك بخير؟
أدرك خطأه ونتيجة تهوره لينظر له بحرج ويقول معتذرًا:
_ آسف يا عم «جابر» إني خضتك، ما تخافش كلنا بخير، أنا بس كنت عاوز أستأذنك أكلم «نور».
تجهم وجه «جابر» وقال بحنق مستهجنًا طلبه:
_ تكلم «نور» إزاي يا بني؟
ازداد توتره وهو يبصر غضبه المكتوم، لكن لا مجال للتراجع ما دام وصل إلى هذه النقطة، ليتحمحم ويحاول إخراج كلماته بتعقل:
_ أنا يا عم «جابر» صادق في طلبي ومش متقبل رفضها، عاوز أكلمها يمكن أقدر أقنعها، هما عشر دقائق أرجوك.
نبرة صوته المتوسلة قللت من حدة «جابر» وجعلته يفسح له الطريق للدخول:
_ اتفضل.
دخل «جابر» بتردد ليواجه «فرحة» التي كانت تطالعه بريبة، ليهرب من نظراتها بصعوبة ويتجه نحو غرفة الضيوف خلف «جابر» الذي أشار له بالجلوس وأنه سيستدعيها له، رغم أنه رأى الرفض بعينيه لكنه يبدو أنه يتصرف مرغمًا لمكانته عندهم.
انتظرها مدة من الزمن حتى يئس من حضورها، وكاد أن ينهض مغادرًا لكنه وجدها تدخل باستحياء وعيناها تترجى والدها أن لا يتركها، جلست في المقعد المقابل وألقت التحية بخجل:
_ مساء الخير.
نهض هو لاستقبالها باضطراب، ثم نظر نحو «جابر» الذي يرمقه بنظرات حادة وقال متوجسًا:
_ هما عشر دقائق يا عم «جابر» أتكلم معها على انفراد، ما تخافش مش هطول.
أجبر «جابر» قدميه على المغادرة قسرًا، اتجه نحو المقعد القريب منها وجلس، لتنكمش على حالها بخوف وخجل:
_ «نور»، ما تخافيش أنا مش جاي أعمل حاجة تضايقك، أنا جاي بس عشان أقنعك توافقي على جوازك مني.
اتسعت عيناها بغضب من جرأته التي اعتبرتها وقاحة لتجد نفسها تهتف بسخط:
_ أوافق غصبًا عني يعني؟
ليقول بسرعة وبنبرة حافظ على الهدوء فيها حتى يستطيع الوصول لهدفها:
_ لا يا «نور»، اسمعيني بس واديني فرصة أفهمك.
صمت يلقط أنفاسه وينظر إليها وهي تخطف النظرات نحوه بترقبه، يرى ارتجاف كفيها واهتزاز قدميها باضطراب، ليكمل ينتقي كلماته بحذر:
_ «نور»، أنا عاوز أساعدك صدقيني، أنت مش نفسك تكملي تعليمك؟
لتجيبه بامتعاض:
_ أيوه.
_ أنا هساعدك تكملي تعليمك، وهدخلك الكلية اللي أنت بتحبيها، وهتكفل بكل مصاريفك، بس أنا مش هقدر أعمل كل دا إلا وأنت في عصمتي.
بدأ اهتزاز قدميها يتوقف تدريجيًا، حتى يديها التي رفعتها تمسح وجهها كأنها بدأت تستوعب ما يقوله، ليكمل هو:
_ عشان أقدر أخدك القاهرة لازم تكوني مراتي عشان أهلك يوافقوا.
عينها التي كانت تهرب منه بدأت تحدق به بترقب كأنها تنتظر أن يكمل حديثه، ليقرر أن يمنحها الأمان:
_ جوازنا هيكون على ورق يا «نور» ما تخافيش، ولما تتخرجي وتبقي مدرسة زي ما حلمتِ، احنا ممكن ننفصل لو حبيتِ، وتقدري بعد كده تعيشي حياتك زي ما أنتِ عايزة.
ثم استرسل يغريها:
_ هتكون عندك شهادتك ومرتبك، مش هتحتاجي لحد، هتكوني ست حرة ومستقلة.
انتظر قليلاً من الوقت كي يعطيها فرصة لتفكر فسألها:
_ هااا يا «نور»، قلتِ إيه؟
عقلها كان كبحر هائج تتلاطم أمواجه في صراع ما بين عقل يدفعها لتوافق وقلب خائف من تلك التجربة، لكن حلمها سيتحقق، لن تحتاج بعد ذلك لأحد، ستكون حرة.
بدأ عقلها يردد كلامه عن ما ستحصل عليه إذا وافقت على طلبه، ليكرر هو سؤالها محاولاً الضغط عليها:
_ هااا يا «نور»، موافقة؟
تحركت عيناها يمينًا ويسارًا بتفكير حتى استقرت تنظر إليه لتومئ له بالموافقة التي جعلته يبتسم بسعادة، فقد ظفر بموافقتها.
*****************************
وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها ودموعها تنهمر بغزارة وهي تدفن نفسها تحت الغطاء خشية أن يسمعها أحد، جسدها الذي انتفض كسعفة نخل وسط عاصفة عاتية كاد أن يفضحها، و«رحمة» التي كانت تنام قريبة منها تسألها بقلق:
_ «ورد»، أنتِ بردانة بتترعشي كده ليه؟
عضت على شفتيها بقوة تخرس صراخ قلبها المحترق، خوفها من أن يفضحها صوتها المبحوح من شدة البكاء جعلها تصمت وتتجنب الإجابة، لتنهض «رحمة» تحاول الاقتراب منها والاطمئنان عليها، مدت يدها تحاول أن ترفع الغطاء عنها لكن يدها توقفت بتردد قبل أن تصل إلى حافة الغطاء وشعرت بالحرج من تصرفها، فآثرت الابتعاد وجلب غطاء إضافي تضعه فوقها وتعود نحو سريرها.
شعرت «ورد» بثقل الغطاء فوقها ففهمت ما صنعته «رحمة» لتعود للبكاء علّ دموعها تريح قلبها الملتاع، فتسأل طيفه معاتبة:
_ ليه يا «سيف» ما حستش بحبي ليك؟ ليه ما شفتش عيوني اللي كانت بتقولك بحبك؟ ليه؟
ضغطت على عينيها بقوة تمسح تلك الدموع المتجمعة بين جفنيها المتورمين وتدعو الله بحرقة:
_ يارب ساعدني، حاسة إني هموت من القهر، حاسة قلبي بيتحرق، يارب خرجه من قلبي، يارب امسح على قلبي يارب وريحني.
*'' ***************************
وفي اليوم التالي كانت تقف تستشيط غضبًا بعد أن أخبرتها «فرحة» بقدومه إليهم البارحة وجلوسه مع «نور» وإقناعها وأنهم يوافقون على الخطبة، فركت يديها وهي تنتظر قدومه بتوتر، وما إن وجدته يقترب حتى جذبت يده عنوة كطفل مذنب سيأخذ عقابه، ليسألها بدهشة:
_ ماما، فيه إيه؟ واخداني على فين؟
لكنها لم تجب حتى وصلت إحدى الغرف، دخلت فتبعها تجره خلفها جرًّا، ليدخل ويتفاجأ بوالده يجلس على أحد الأسرة كأنه كان ينتظره هو الآخر، أغلقت الباب واقتربت منه تمسك عضده بقوة وتضغط على أسنانها بغضب تخرج كلماتها الحانقة من بينها:
_ قلت إيه لـ«نور» وخليتها توافق؟
تفاجأ من سؤالها ليبتلع ريقه ويجيبها باضطراب:
_ ما قلتش حاجة.
هزت ذراعه بعنف تعيد عليه سؤالها:
_ قلت إيه؟ اتكلم يا «سيف».
لكنه أصر على إجابته ذاتها:
_ ما قلتش حاجة يا ماما.
كان «فارس» يراقب تحقيقها صامتًا، ينتظر هو الآخر أن يعلم ما جعل الفتاة توافق.
أفلتت يده لتربع يديها على صدرها وتنظر له بتحدٍ:
_ مش عاوز تقول؟ أقولك أنا قلت إيه، أنت أقنعتها إنك هتخليها تدخل الكلية وتدرس، صح؟
التزم الصمت ولم يجبها، لتهتف بصوت منخفض:
_ ما تتكلم يا دكتور، صح؟
أومأ لها برأسه لتبتسم بتهكم وتقول باستهزاء:
_ وأكيد جواز على ورق، مش كده؟
بهتت ملامحه واتسعت عيناه بذهول وهي تخبره بما قال كأنها كانت معهم، واسترسلت تدهشه:
_ وأكيد جواز مؤقت لحد ما تتخرج، مش كده؟
صمته أشعلها غضبًا لتجذب مقدمة ملابسه وكأنها نسيت أنه أصبح رجلاً، كل ما تراه أمامها ابنها المخطئ، جزت على أسنانها بانفعال وقالت حانقة:
_ اتكلم يا «سيف»، كلامي صح مش كده؟ اتكلم وفرح أبوك.
قالتها ساخرة وهي تشير نحو «فارس» الذي لم يكن بأقل دهشة من «سيف»، لتعاود جذب ملابسه بغضب:
_ اتكلم يا باشا.
_ أيوه صح، كل كلامك صح، زواج على ورق ومؤقت، ارتحتِ يا ماما؟
قالها «سيف» منفعلاً هو الآخر وسط صدمة «فارس» من اعترافه المخزي، أفلتت ملابسه ليترنح قليلاً ويبرر بأسف:
_ ما كانش قدامي غير الحل دا.
ليصدح صوت «فارس» بانفعال:
_ لا، أنت كده اتجننت فعلاً!
وثب واقفًا مقتربًا منه بخطوات ثقيلة حتى أصبح أمامه، ليكسو وجه «سيف» الحرج فهو كان داعمًا له لكنه خذله بتصرفه، لم يقو على رفع عينيه لتواجه عين والده، لكن صوته الذي غلفه الندم خرج بنبرة قهر يعاتبه:
_ يا خسارة وقفتي معاك، كنت فاكرك راجل، طلعت طايش ومابتعرفش تتصرف، أنت فاكر إنك كده بتساعدها يا غبي؟ أنت كده هتهدمها أكتر من جوزها، يعني لو كان ليها فرصة تانية أنت حرمتها منها.
رفع عينيه ينظر له بذهول كأنه أزال ذلك الغشاء الذي كان يحجب تفكيره في لحظة تهور أراد بها إرضاء ضميره، ليردف متهكمًا:
_ إيه؟ ما حسبتهاش دي؟ فكرت إنها تاخد الشهادة وبس، طب وكسرتها وهي راجعة مطلقة تاني لأهلها؟ طب ما فكرتش في أهلها؟ الناس اللي استأمنوك على بنتها وحضرتك حاطط سقف زمني للجوازة؟ طب افرض البنت اتحركت مشاعرها ناحيتك وتعلقت بيك وهي وأنت متفق معها على الطلاق، دي ما حسبتهاش يا دكتور يا عاقل؟
لم يجرؤ على الإجابة ولم يعلم بماذا يجيب وهم يعرّونه أمام قراره الخاطئ وأفكاره المتهورة، ليخفض رأسه بخزي، فيكمل «فارس» بنبرة أكثر هدوءًا وحزمًا:
_ مفيش مجال للتراجع دلوقتي مع الأسف، أنت اتحركت من غير مشورتنا والناس فرحانين وموافقين، مش هنقدر نكسرهم ولا نكسر البنت المسكينة.
صمت والتقت عيناه بعين «شمس» التي لا زالت تلهث أنفاسها الغاضبة بجسد مرتجف، ولم تكن تملك حلولاً للموقف الذي وضعهم ابنها فيه، ليسترسل «فارس» بالحل الممكن الآن:
_ خلاص، جوازك منها بقى أمر واقع، تتحمل نتيجة قرارك مهما كانت العواقب.
اكتفى بإيماءة مؤيدة وخطى نحو الباب يهرب من هذا الموقف، لكن قبل أن يفتح الباب وصل إليه صوت «فارس»:
_ البنت بقت أمانة في رقبتنا وهتبقى مراتك بغض النظر عن الاتفاق اللي بينكم، لكن ليها حق تتعامل إنها مرات «سيف الجوهري» بكامل حقوقها، وأي ظلم ليها يا «سيف» أنا اللي هقفلك المرة دي، دي بنت ناس مش لعبة في إيد حضرتك.
خرج بخطوات واهنة وأغلق الباب خلفه، لينظر «فارس» لـ«شمس» التي تحدجه بنظرات لائمة جعلته يهرب من عينيها لتتحرك نحو السرير تجلس رامية بجسدها المثقل عليه، قبل أن تزفر أنفاسها وتنفخها بقوة تحاول السيطرة على مخاوفها وغضبها، أحنت رأسها تسنده على كفيها لتشعر به يجلس بجانبها ويسألها دون أن يلتفت إليها:
_ عرفتِ إزاي حكاية إنه عاوز يساعدها؟
لتجيبه بهدوء رغم النيران التي تأكلها وهي تفكر في مستقبل تلك الفتاة، فبعد معرفتها الحقيقة أصبحت مشتركة مع ابنها في لعبته:
_ هو اللي طلب مني نساعدها ولو ممكن تيجي القاهرة تكمل تعليمها، لكن أنا قلتله إن الحكاية صعبة وعوايدهم مش هتسمح بكده.
ليسألها بفضول:
_ وإزاي عرفتِ إنه الجواز هيكون على ورق ومدة محددة؟
رفعت رأسها ببطء والتفتت نحوه تنظر له بحزن وتخبره بثقة:
_ بعد اللي حصلها من جوزها أكيد كرهت الرجالة وقربهم، وأنا كنت متوقعة إنها ترفض، وهو عشان يقنعها توافق أكيد هيوعدها من غير ما يقربلها، وما دام الجواز على ورق أكيد هتكون له مدة محددة.
ساد الصمت لحظات ليقطعه هو بتمنٍ:
_ محدش ضامن بكرة هيحصل إيه، دا مجرد كلام واتفاقات لكن محدش عارف هتتنفذ ولا لأ.
لتخرج كلماتها بخوف واضطراب تسأله:
_ وإذا تنفذت؟
ضمها إليه وقال يحاول تهدئتها:
_ هوني على نفسك يا «شمس»، هو هيتحمل نتيجة قراره، أنتِ عملتِ اللي عليكِ.
****************************
وفي طريق العودة إلى القاهرة، جلست شاردة الذهن تسند رأسها على زجاج السيارة، تدعي النظر إلى الطريق لكنها كانت تعيش أسود لحظات حياتها بعد أن تطايرت أحلامها أدراج الرياح، ووالدتها تخبرهم عن موعد عقد قرانه الذي سيكون بعد فترة قليلة، ووالدها يحكي لهم عن جلسة الخطبة وقراءة الفاتحة التي تمت بسرعة والجميع متعجب من قرار «سيف» المفاجئ.
كان «طارق» مندمجًا بالحديث مع «ندى» عندما لمح عبر المرآة شحوب وجهها وعينيها الحمراوين ليتوقف عن الكلام ويسألها بقلق:
_ «ورد»، مالك يا روحي؟ عينيكِ حمرة ليه؟ أنتِ كنتِ بتعيطي؟
سؤال والدها أخرجها من شرودها لترتبك وتقول بتلعثم:
_ لا يا حبيبي، بس شكلي عيني تحسست من الجو ومقدرتش أنام، ما أنت عارف يا حبيبي ما بقدرش أنام إلا في سريري وعلى مخدتي.
_ ما أنا قولتلك نجيب مخدتك معانا أنتِ اللي رفضتِ.
هكذا لامتها «ندى» التي انتبهت لاحمرار عينها قبل «طارق»، وأجابت عليها نفس الإجابة، لتقول «ورد» باستهجان:
_ هجيب مخدتي معايا يا ماما خلاص، أهو يومين وعدوا وأديني هرجع لها وهعوض نومي.
ليبتسم لها «طارق» ويقول مغازلاً يشاكسها:
_ نامي يا روحي كويس عشان عيونك الحلوة ترجع تنور تاني.
ثم استطرد يكمل مشاكستها، يلتفت نحو «ندى» ويخبرها:
_ تعرفي يا «ندى» أنا «ورد» مش هجوزها.
لتلوي شفتها ساخطة وتقول مستنكرة:
_ ليه يا خويا إن شاء الله؟
ليهتف وهو يرفع سبابته:
_ عشان لسه ماتولدش اللي يستحق بنتي، أنا اللي يخطب «ورد» دا أمه داعية عليه، يهوب ناحية بنتي بس وهطلع فيه القطط الفاطسة وأقوله امشي يالا معنديش بنات للجواز.
ثم أكمل متذمرًا:
_ أنا أجوزها وأعيش من غيرها إزاي؟
تساقطت الدموع من عين «ورد» التي كانت كلمات والدها كبلسم يمسح على جرح قلبها، لتندفع تجذب يده نحوها وتقبلها عدة قبلات تخبره بحب:
_ وأنا كمان مش عاوزة أتجوز وأبعد عنك يا حبيبي.
هذا المشهد واجهه سيل من الاعتراض والاستهجان من «أحلام» و«ندى» اللتين اتهمتا «طارق» بالتفرقة والانحياز، ليقهقه ضاحكًا من تلك المظاهرة التي حدثت داخل سيارته، ليحاول إغاظتهم وهو يشير لها أن تقترب نحوه فيقبل وجنتها ويقول بفخر:
_ دي بنتي حبيبتي وروح أبوها.
_ وأنا يا سي بابا مش بنتك؟
قالتها «أحلام» مستنكرة بانفعال، ليحاول مهادنتها فيقول:
_ وأنتِ كمان بنتي وحبيبتي اللي بموت فيها، لكن «ورد» أول فرحتي وبنت قلبي.
زمت «أحلام» شفتيها بعبوس وأشاحت وجهها بانزعاج:
_ كده يا سي بابا؟ ماشي مخصماك، خلي «ورد» تنفعك.
_ ما تزعليش يا بنت، أنتِ حبيبة أمك ولا يهمك.
ليبتهج وجه «أحلام» وتلتفت نحو «ورد» تخرج لها لسانها لتحاول إغاظتها وهي تقترب من «ندى» وتقبل وجنتها قائلة:
_ حبيبتي يا ماما، ربنا يخليكِ ليا.
هزت «ورد» رأسها بقلة حيلة، فالتقت عينها بعين والدها الذي غمز لها لتبتسم بسعادة، فوجوده في حياتها خفف عنها الكثير وحبه يمنحها الأمان دائمًا
**************************
في إحدى المختبرات التابعه للمستشفى وقف ينظر لها بقلق وهي تمد يدها لتغرس المحللة الإبرة في وريدها تسحب كمية الدم المطلوبة، أغمضت عينها بألم ليتأثر هو وكأن ألمها أصابه هو، أخرجت المحللة الإبرة لتضع مكانها قطعة من القطن الطبي ولاصقًا طبيًا، ثم تنظر لها مبتسمة قبل أن تنظر نحو «سيف» الواقف بجانبه وتقول بعملية:
_ إن شاء الله الاختبار مش هياخد وقت يا دكتور، تقدروا تستنوا، ولو تحب أنا ممكن أوصلهولك لحد غرفة الدكاترة.
أومأ لها «سيف» وقال بامتنان:
_ متشكر، بس ياريت لو يوصل غرفة الدكاترة.
_ إن شاء الله يا دكتور، ألف مبروك.
_ الله يبارك فيكِ، متشكر.
اقترب منها يسألها بلهفة:
_ اتوجعتِ؟
كاد أن يمد يده يمسح على مرفقها لكنه توقف وهو يجد نظرات «سيف» المسلطة عليه، لتجيبه هي تطمئنه:
_ لا، الحمد لله.
حملت حقيبتها ونهضت ليسير بجانبها، يسبقهم «سيف» بخطوات بسيطة، كانت تتحاشى النظر نحوه حتى وصلوا إلى أحد الممرات ليشير لهم «سيف» نحو غرفته:
_ استنوني هنا شوية وراجع لكم.
دخلت إلى الغرفة وتبعها هو لتجلس على أحد المقاعد بتوتر، جلس بجانبها فازداد توترها، ساد الصمت بينهم حتى قطعه هو يخبرها بتردد:
_ هو أنتِ تعرفي فصيلة دمك؟ أنا O+ عارفها من زمان.
لتجيبه وهي تنظر نحو يديها المتشابكتين:
_ مش عارفة.
_ ما تخافيش، أكيد هيكون فيه توافق.
هزت رأسها باضطراب دون أن تتكلم، وعاد الصمت يحتل المكان من جديد، لا يعلم لماذا في هذه اللحظة شعر أن المسافة بينهم بعيدة رغم أنه يجلس بجانبها، تنهد في حيرة لا يعلم كيف يجبرها على الحديث معه:
_ «قمر»، بابا حجز لنا أنا و«حسن» في الساحل، هو عنده صحاب هناك وهيستقبلونا، هما حابين نكون سوا ديمًا.
ثم أردف مازحًا:
_ حتى الفرح سوا، «حسن» لاصق فيا من يوم ما اتولدت.
ابتلعت غصة مرة وهي تتخيل أنها ستراه أمامها في كل مكان، ستحضر زواجه مجبرة، سترافقه وزوجته في شهر عسلهم مجبرة، ماذا ستفعل؟ كيف ستتحمل؟ في لحظات فكرت أن ترفض أو تعترض لكنها تراجعت، هل ستسبب المشاكل؟ الآن هي رضخت لكل شيء، إذًا فلتـبقَ صامتة إلى الأبد.
تعجب من صمتها ليسألها بريبة:
_ مالك يا «قمر» ساكتة ليه؟ أنتِ عندك اعتراض؟
هزت رأسها نافية ورسمت ابتسامة زائفة قبل أن تنظر له:
_ لا أبدًا، معنديش اعتراض، ربنا يخليكم لبعض.
بادلها الابتسامة ينظر لها بعين تتوقد عشقًا ويدعو لها بحب:
_ ويخليكِ ليا يا حبيبتي.
ظلت صامتة ونكست رأسها تخفي توترها، تمسك بحقيبتها بقوة، تصارع شعور الذنب الذي كان يؤلمها كلما رأت نظراته التي تصرخ بحبها وتسمع صوته الذي تظهر نبرته الحب الصادق الذي يكنه لها.
*******************************
وبعد عده ايام هاهو اليوم الموعود
اليوم ليس كباقي الأيام، اليوم هو يوم مختلف انتظرته طول تلك السنين، فاليوم يوم الحصاد، لا تصدق أن اليوم هو يوم زفاف أولادها كما كانت تحلم أن يتزوج الاثنان في يوم واحد.
كانت تمسك صورتهم تحدق بها وشريط السنين الماضية يمر عليها، تتذكر كيف وهبها الله أطفالها بعد دعاء وصبر طويل، كيف سعدت بوجودهم وتغيرت حياتها بوجودهم.
مسحت على صورتهم ودعت الله بقلب أم أن يمنحهم السعادة وراحة البال.
_ «دودو» خلصتِ؟ يلا اتأخرنا...
كان هذا صوت «علي» الذي اقتحم عليها الغرفة ليبتر جملته ويقف مندهشًا وهو يجدها بكامل زينتها تجلس ممسكة إحدى الصور بين يديها، اقترب منها بوجل حتى جلس بجانبها يطالع تلك الصورة ليجذبها منها ويسألها بتعجب:
_ مالك يا «هدى» قاعدة كده ليه؟ وإيه حكاية الصورة؟
لمعت الدموع في عينيها وقالت بصوت مشحون بالمشاعر:
_ السنين عدت يا «علي» بسرعة والأولاد كبروا، أنا مش مصدقة إن حلمي بيتحقق.
ثم اختنق صوتها وهي تقاوم دموعها:
_ فاكر يا «علي» لما شلتهم أول مرة بين إيديا قولتلك إيه؟
ابتسم «علي» بحب وقال:
_ أيوه فاكر يا حبيبتي، قلتِ لما يكبروا هجوزهم في نفس اليوم.
ثم ضحك ساخرًا وهو يتذكر:
_ وقتها أنا لمتك قلتلك الولاد هيتحسدوا يا «هدى».
ضحكت تؤيده وتقول بانتصار:
_ وأهم اتجوزوا في نفس اليوم يا «علي».
_ الحمد لله، ربنا يحفظهم ويبارك لهم وتتم الليلة إن شاء الله على خير.
تفاجأ بها تسند رأسها على كتفه قبل أن تمسك يده وتشد عليها:
_ في يوم كنت واقفة في محل الورد وكنت بعمل بوكيه لحفلة خطوبة، لقيت شاب دخل عليا وطلب مني وردتين يكون لونهم أحمر، من اليوم دا بقى بيجي كل يوم ويطلب نفس الوردتين لحد ما تعلقت فيه من غير ما أعرف إنه ابن عمي.
ضحك يربت على يدها التي يمسك بها ويداعبها بسخرية:
_ وابن عمك بعدها طب ومحدش سمى عليه، ووقعتِ بحبك يا بنت «ورد»، والوردتين بقوا أحلى عيلة يا قلب «علي».
رفعت رأسها والتفتت تنظر إليه تكمل القصة مبتسمة:
_ وهنجوز ولادنا النهاردة.
_ بس فيه مشكلة.
قالها بانزعاج أقلقها لتقول بخوف:
_ إيه هي يا «علي»؟
ليشملها بنظرة انبهار وهو يحرك عينيه من رأسها حتى قدميها:
_ الناس هتتلخبط بينك وبين العرايس، إيه الجمال دا!
ضحكت «هدى» ليجذب رأسها يقبلها بحب قائلاً:
_ مبروك يا أم العريس.
*****************************
وفي مكان آخر كان يقف يغلق أزرار قميصه الأبيض وقلبه يرقص فرحًا، يعد الدقائق والثواني حتى يراها بثوبها الأبيض وتكتب على اسمه، اليوم ستكون زوجته وحلاله، نثر عطره والتقط سترته يرتديها ليجدها تقف خلفه تزين وجهها ابتسامة عريضة، ويدها التي حاك الزمن عليها آثارًا تتحرك بحنان فوق أكتافه.
التفت إليها وانحنى يقبل يدها لتمسح على شعره:
_ ألف مبروك يا «حسين»، ألف مبروك يا حبيبي.
رفع رأسه يقبل رأسها ويقول بامتنان:
_ الله يبارك فيكِ يا «صافي»
عبس وجهه عندما وجد الدموع تتجمع في عينيها ليعاتبها بلطف:
_ بتعيطي يوم فرحي يا تيتة؟ ليه كده يا أمي؟
رفعت يدها المرتعشة تمسح على وجهه بحنان:
_ دي دموع الفرح يا حبيبي، أنا فرحانة يا «حسين»، أنت مش بس حفيدي، أنت ابني اللي ربيته.
مسح دموعها التي انسابت بأنامله وتحدث يلومها:
_ حتى لو دموع الفرح مبحبش أشوفك
بتعيطي، دموعك غالية عليا أوي.
ثم أردف يخبرها بحماس:
_ أنا فرحان، فرحان أوي يا «صافي»، بلاش تزعليني.
_ حبيبي ربنا يهنيك ويسعدك.
لتشاكسه قائلة بمزاح:
_ بس اوعى يا ولد «قمر» تنسيك «صافي» حبيبتك.
عقد حاجبيه يتصنع الانزعاج وقال يطمئنها:
_ هو حد يقدر ينسى حبيبته الأولى؟
ضربته على صدره بخفة وغمزت له قائلة:
_ أنا برضو حبيبتك الأولى يا بكاش؟ يعني مش هي اللي من أيام ثانوي حاطط عينك عليها؟
حدق بها بدهشة وقال متعجبًا:
_ إيه دا؟ دا أنتِ قفشاني من زمان!
ضيقت عينيها ترمقه باستهجان لتقول بثقة:
_ من زمان أوي، دا أنا «صافي» يا ولد.
ليقهقه ضاحكًا ويرجوها بمزاح:
_ استري علينا يا أم «علي»، أنا برضو زي حفيدك.
شاركته الضحك وقالت تجاري مزاحه:
_ اطمن، سرك في بير.
************************"" ""
جلست في الغرفة المخصصة لها في ذلك الفندق وخبيرة التجميل تنهي لها اللمسات الأخيرة، عيناها كانتا تختلسان النظر نحو «ورد» التي لم تتركها في هذا اليوم، لكن قلبها يعتصرها وهي ترى الحزن يسكن عينيها الذابلتين رغم أن مساحيق التجميل تخفي شحوب وجهها، لكن هي تعلم ما يؤلمها. أنهت خبيرة التجميل عملها واستأذنت منها أن يصور النظرة الأولى (the first look) للزوج، لكن «قمر» طلبت منها تأجيل ذلك حتى تحضر والدتها وقريبتها التي كانت منشغلة مع خالاتها في قاعة الزفاف وقريباتها أيضًا، تفهمت السيدة وأخبرتها أن تخبرها عندما تكون جاهزة. خرجت السيدة تاركة «قمر» و«ورد» وحدهما في الغرفة، لتتنهد «قمر» بألم وتنادي عليها:
_ «ورد».. «ورد».
انتبهت لها لتقترب منها ترسم شبح ابتسامة على وجهها وتقول:
_ حلو أوي يا «قمر»، ألف مبروك يا حبيبتي.
أمسكت «قمر» يديها وضمتها بين كفيها، ثم تعلقت عينها بها تخبرها معتذرة:
_ أنا آسفة يا «ورد»، أنتِ زعلانة مني؟
_ كنت عارفة.
طأطأت «قمر» رأسها بحزن وقالت بخفوت كأنها تلميذ مذنب يبرر خطأه:
_ عرفت قبل سفرهم بس مقدرتش أقولك وأكسرك، أنا أكتر واحدة حاسة بمشاعرك دلوقتي.
هربت «ورد» من عينها وادعت اللامبالاة تخفي خلف قناع ابتسامتها المزيفة حزنها، تكتم عبراتها وتحاول السيطرة عليها:
_ ولا يهمك يا «قمر»، وبعدين دا كله نصيب وأنا مليش نصيب في أخوكِ وهو مش غلطان، من حقه يختار البنت اللي تشاركه حياته، هو لا عمره لمحلي ولا عمره بصلي بصة مختلفة، أنا اللي كنت عايشة وهم ومعشمة نفسي، وكنت مستنية منه يحس بمشاعري.
لتصمت وتكمل بسخرية حزينة:
_ بس هو لا حس ولا شافني أصلاً.
_ ربنا إن شاء الله هيعوضك بالأحسن منه.
لتمازحها محاولة التخفيف عنها:
_ وبعدين دا معقد وغتت، أنا عارفة كنتِ بتحبي فيه إيه؟
ابتسمت «ورد» ابتسامة مجروحة وقالت بتعقل ورضا:
_ قلبي معرفش غيره، أعمل إيه؟ يلا ربنا يسعده ويهنيه.
كانت «قمر» تستمع لها وتتمنى لو كانت تصرفت بتعقل مثلها، لو أنها فقط امتلكت إحساس الرضا مثلها، لتقول بصوت مهزوز:
_ «ورد»، أنا خايفة.
«ورد» التي كانت في موقف ضعف تبدلت ملامحها لتقول لها بحزم ضاغطة على يدها كأنها تحاول إفاقتها:
_ «قمر»، خلاص مفيش مجا للتراجع وقت التردد عدى، «حسين» هبقى جوزك خلاص،وهتتكبي على اسمه كمان شويه ارضي بالواقع اللي حطيتِ نفسك فيه، وبعدين «حسين» طيب ويستاهل، اديله أنتِ فرصة بس، صدقيني هتحبيه..
وفي ذات الوقت، كان هو يتحين الفرص للقائها، فلمح خبيرة التجميل تنزل من الأعلى.
هرول نحو الغرفة المخصصة لها، يسبقه قلبه المتلهف، غير مُصدقٍ أن حلمه أخيرًا يتحقق. وقبل أن يصل إلى الباب، توقف قليلاً يرتب سترته وربطة عنقه، ثم أخذ نفسًا عميقًا وزفره بسعادة، مرتديًا تلك الابتسامة الواسعة التي أبرزت صفوف أسنانه.
وضع يده على مقبض الباب، وفجأة.. تجمد جسده! تسلل صوتها الباكي إلى مسامعه وهي تقول:
"أنا تسرعت.. ما كانش لازم أوافق، كان رد فعل غبي هدفع تمنه عمري كله.. إزاي هعيش مع واحد ما بحبوش وقلبي مع حد تاني؟"
تراجع إلى الخلف بخطوة متوترة، عاجزًا عن استيعاب ما سمع. شعر بقلبه يتحطم، وتتناثر أجزاؤه مع أحلامه الضائعة. رفع يده يشد ربطة عنقه لعله يستطيع التنفس؛ فقد بدأ يشعر بالاختناق، والهواء ينحسر من حوله، تخنقه الخيبة ومرارة الخذلان.
الفصل 17
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
دارت الأرض من حوله، وتشوشت الرؤية حتى لم تعد قدماه تقوى على حمله، كأن صدمته قد شلت جسده حتى عجز عن الوقوف. سند يده على الجدار بجانبه، وأخذ يجر جسده جراً يبحث عن مكان يستطيع فيه أن يختلي بنفسه حتى وصل إلى دورة مياه في ذلك الطابق.
دخل إليها واتجه إلى الحوض ليسند يديه عليه ويبدأ بالانهيار، مد يده المرتعشة يفتح صنبور المياه لتتدفق، صوت المياه المنهمرة وأنفاسه المتسارعة قصع سكون المكان، بدأ جسده بالارتعاش، لا يصدق ما سمعه.
كم كان مغفلاً يعيش في خدعة كبيرة! ضم كفيه يحمل حفنة من الماء ويلقيها على وجهه عله يستيقظ من هذا الكابوس، تساقطت قطرات الماء من وجهه وفتح عينه من جديد ليوقن أنها الحقيقة مرة.
كور قبضته وبدأ يضرب الحوض بقوة يصرخ بقهر:
-_ ليه... ليه عملتي كدة؟ ليه خنتيني؟ ليه عيشتيني بوهم؟ ليه...
اختنق صوته حتى احمت عيناه غضباً يعاتبها بحرقة:
-_ دا أنا حبيتك أكتر من روحي!
آلمته يده من عنف تلك الضربات ليتوقف فجأة يطالع صورته في المرآة ويقول بانفعال:
-_ أنا لازم أنهي المهزلة دي، أنا هقولهم الفرح اتلغى خلاص وهفركش كل حاجة.
أسرع بخطواته نحو الباب عازماً على تنفيذ قراره حتى تباطأت فجأة، ليتوقف قبل أن يخرج وصوت 'فارس' يرن بأذنه وهو يربت على كتفه ويقول بفخر واعتزاز:
-_ النهاردة مش فرح بنتي بس، لا، النهاردة فرح ابني كمان.
ليحتضنه ويقبل رأسه شاكراً يقول بامتنان:
-_ متشكر أوي يا عمي.
لينحني نحوه ويهمس له بصدق:
-_ مدام النهاردة فرحكم عاوز أعترفلك بسر، أنا كنت بتمنى إن بنتي تكون من نصيبك عشان أنت ليك مكانة خاصة في قلبي.
اتسعت ابتسامته ولم يعلم ماذا يقول سوى أن يعده:
-_ وأنت كمان عارف غلاوتك عندي، واطمن 'قمر' هتكون في قلبي قبل عنيا.
ليهز 'فارس' رأسه مؤكداً حديثه بثقة:
-_ أنا متأكد يا حبيبي إنك هتصونها وتحافظ عليها.
ولم يكن تفكيره بـ 'فارس' فقط هو من أوقفه، لكن 'شمس' أيضاً كان لها دور في منع تهوره وهو يتذكرها.
كيف احتضنته بسعادة تمازح والدته قائلة:
-_ جوز بنتي حبيبي، ابني الجديد.
ثم التفتت نحوها تزيد من مشاكستها:
-_ خلاص يا 'هدى' انسيه، هو دلوقتي 'حسين' ابن 'شمس'.
خرج من أحضانها يضحك ويطالع والدته التي تنظر لها بغيظ مصطنع وتقول مدعية الانزعاج:
-_ ليه يا أختي إن شاء الله؟ لا يا حبيبتي، دا ابن 'هدى' وهيفضل ابن 'هدى'.
ثم ابتسمت قائلة:
-_ بس عادي، مستعدة أشاركه معاكي يا 'مشمش'.
لتمسح 'شمس' على ذراعه بحنان تدعو له:
-_ ربنا يحفظه ويبارك فيه، دا الغالي اللي في القلب.
عاد من تلك الذكريات ولا يزال حديثها الجارح يخنقه، مسح على رقبته يحاول أن يتنفس، لينفخ الهواء عدة مرات عله يخفف من الألم الذي يعصف بجسده.
سند بجسده على الجدار يحاول لملمة شتاته، وسؤال واحد يطرق رأسه ويحطم أفكاره، ماذا سيفعل؟ هل ينهي كل شيء ويحطم تلك
العائلة ويمزق ترابطها؟ هل يكسر قلب 'فارس' و'شمس' بفضيحة تركه لابنته ليلة زفافهم؟
وضع يده على فمه يكتم عبراته بعجز حتى انهار، وبدأ يصفع وجهه عدة مرات بكلتا يديه ويقول بهستيريا:
-_ أعمل إيه... أعمل إيه؟
ضغط على رأسه براحتي يديه كأنه يستجدي حلاً، يشعر كأنه سقط في بئر مظلمة لا سبيل للخلاص، وكل الخيارات فيها تقود إلى الهلاك.
دوامة من الأفكار المتناقضة عصفت به وأنهكت عقله وقلبه معاً.
ليلوح طيفها أمامه فضغط على أسنانه بغضب، وود لو يذهب إليها ويدك عنقها، ينتقم لقلبه المنكسر منها.
***********************
وفي غرفة أخرى من هذا الطابق كان الوضع مختلفاً، وقف خلف الباب متلهفاً لرؤيتها يحمل باقة زهور من الورد الأبيض وقلبه يدق أجراس الفرح، حتى فتح له الباب لتشرق ابتسامته وهو يخطو نحوها، عينه تتفرس ملامحها.
وتتنقل بشغف على محاسنها، جمالها الهادئ، خجلها الذي لون بشرتها الخمرية، توترها، حشمة ثوبها الذي نال رضاه، جعله يتنهد بارتياح، ويقف أمامها وصوت الزغاريد يصدح في المكان. قدم لها الباقة فالتقطتها منه باستحياء، وانحنى يقبل جبينها قبلة انتصار طال انتظارها هامساً بحب:
-_ ألف مبروك.
ابتسامة خجولة رافقت إجابتها تخرج كلماتها بتوتر:
-_ الله يبارك فيك.
-_ ما شاء الله تبارك الرحمن، زي القمر يا حبيبتي.
تضاعف خجلها وأربكتها كلماته التي لم تعلم كيف تجيب عليها واكتفت بكلمة:
-_ متشكرة.
-_ ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يسعدكم ويهنيكم.
قالتها 'هدى' بعين دامعة وهي تقترب منه وتحتضنه ليبادلها العناق يقبل رأسها:
-_ الله يبارك يا ست الكل، ربنا يحفظك لينا يا رب.
مسحت على صدره تذكر الله وتقرأ الآيات، تحصن صغيرها الذي أصبح اليوم عريساً، فكاد قلبها يطير فرحاً وهي تراه ببدلته جانب عروسه، عينها تشمله بنظرات ملؤها الحنان.
فانحنى 'حسن' يقبل يدها امتناناً لها.
فسمع صوت مبحوح ينادي عليه ليلتفت ويجد 'زهرة' الباكية وعينها المحمرة تترجاه وتتوسله بكلمات خرجت من قلب والدة أرعبها ألم الفراق:
-_ مش هوصيك على 'سندس' يا ولدي.
ابتسم 'حسن' يطمئنها ورفع سبابته يشير نحو عينيه قائلاً:
-_ متخافيش يا أمي، 'سندس' في عنيا الاتنين.
ثم اقترب منها يقبل رأسها احتراماً، تاركاً 'هدى' و'ندى' و'شمس' يلومونها ويطمئنونها بالوقت ذاته، فتقول 'هدى':
-_ 'سندس' بقت بنتنا ما تخافيش عليها يا أم 'اصيل'.
ثم أكملت 'شمس' التي ضمتها تعاتبها:
-_ وأنا رحت فين؟ أنا خالتها هنا، متخافيش وخلاص بطلي عياط خلي البنت تفرح.
التفتت نحو 'سندس' التي بدأت الدموع تتجمع في عينها، لكن 'حسن' اقترب منها يجذب ذراعها لتأبط ذراعه وانحنى نحوها يشاكسها كي يخفف عنها:
-_ بلاش تعيطي قدام والدتك وتخضيها، وكمان أنا مستحملش أشوف دموعك، عاوز تبوظي عنيكي الحلوة؟ أزعل منك، دول غاليين عليا أوي.
أتبع كلماته يغمز لها لتبتسم تكتم دموعها، كأن كلماته كانت أمراً وجب تنفيذه.
**************************
خرج من دورة المياه يسير بخطوات واهنة، لا يشعر بالعالم من حوله، ليسمع صوت 'حسن' الذي اقترب منه يسأله بقلق:
-_ 'حسين' كنت فين؟
رفع رأسه المنكس ينظر له بنظرات ضائعة زادت من قلقه، ليسأله بخوف وهو يبصر عينيه التي تغرق بياضها باللون الأحمر:
-_ 'حسين' مالك؟
مسح على عينيه ببطء وقال يطمئنه:
-_ مفيش حاجة بس فيه حاجة دخلت في عيني.
-_ طب يله عشان المصورة مستنياك في أوضة 'قمر' هي وماما والبنات، وكمان بابا اتصل عشان المأذون وصل.
أنا هسبقك على القاعة، متتأخرش.
تركه لينظر لأثره يود أن يخبره أنه لا يريد إكمال تلك المسرحية، لا يريد الذهاب والنظر لوجهها، تباً لخوفه على ترابط عائلته التي تقيده وتحبسه داخل سجن الأهل والأقارب والعائلة ولحمتها.
تحلى بأقصى درجات الصبر والتحمل، وحاول أن يسيطر على غضبه ورغبته في الذهاب إليها وسؤالها لماذا فعلت هذا به، لماذا غرست خنجر الخذلان في قلبه دون رحمة؟
فتح له الباب وانطلقت الزغاريد وأضواء فلاشات الكاميرات، ليجدها تقف أمامه، اليوم يراها على حقيقتها، وجهها شاحب يخلو من الابتسامة. صرخات الفتيات التي تشجعه على التقدم نحوها، لكن العالم صمت من حوله ولم يعد يسمع سوى صوت بكاء قلبه المكلوم. لا يعلم كيف أصبح أمامها، ينظر لها بجمود، أبى صوته الخروج، ولحظات صمته التي طالت جعلت الجميع يطالعه باستغراب، حتى هي تعجبت من نظراته التي كانت غريبة، وقد اختفى بريقها وأصبحت قاتمة بلا حياة، لتجبر لسانها على النطق أولاً بعد أن تعالت همسات الجميع لتقول بتوتر:
-_ مبروك.
أغمض عينيه وصوتها الذي كان يعشقه أصبح كسهام تغرس في قلبه فتمزقه، ليجيبها بذات الكلمة:
-_ مبروك.
'شمس' و'هدى' اللتان كانتا تتوقعان لقاءً مختلفاً، فالاثنتان يعلمان مدى حبه لها، لتقول 'هدى' في محاولة للاطمئنان عليه بطريقة غير مباشرة:
-_ مبروك يا حبيبي، ألف مبروك، ربنا يهنيكم ويسعدكم.
صوت والدته الدافئ أعاده للواقع، وتمنى لو يرتمي بين أحضانها باكياً يشكو لها جرح قلبه المتيم.
احتضنته كما فعلت مع شقيقه ليضمها بقوة زادت من خوفها عليه، لتبلع ريقها الذي جف من شدة الخوف وتسأله باضطراب:
-_ حبيبي أنت كويس؟
أدرك أن حزنه ظاهر وربما هو على وشك الانهيار ليتدارك الأمر ويخرج من أحضانها يمسح دموعه ويبتسم ابتسامة مصطنعة:
-_ أيوة يا ست الكل، ربنا يحفظك لينا.
-_ مبروك يا حبيبي، ربنا يسعدكم.
كان هذا صوت 'شمس' القادم من خلفه، لتتسارع أنفاسه فجأة وتمنى أن يصرخ يخبرها أن ابنتها قت*لته بدم بارد.
يود أن يخبرهم لولا خوفه عليها، لأنهى تلك المهزلة قبل أن تبدأ.
-_ الله يبارك فيكي.
كلمات مبعثرة خرجت من ثغره أتبعها بقبلة على رأسها.
**************************
جلس أمام 'فارس' الذي أمسك يده يشد عليها، وذلك المنديل الذي حمل اسمه واسمها موضوع فوقها، والمأذون يتلو عليه الكلام ليبدأ 'فارس' يردد الكلمات المطلوبة منه. كان يشعر بـ 'آلام' يطالعه ابتسامته العريضة، ليحاول اغتص*اب ابتسامة من رحم أوجاعه يرسمها على وجهه كستار يخفي خلفه حزنه العميق. كانت تجلس أمامه بجانب والدها.
ليسلط نظره عليها يرى اضطرابها وتوترها، ليبتسم بتهكم ويقول في نفسه:
-_ ياااا للدرجة دي مش طايقاني!
جاء دوره في الحديث ليوجه المأذون كلامه له، كان يردد ما يقال له بحرقة، كان الكلمات التي كان يحلم بترديدها دوماً كي تُكتب على اسمه وتكون زوجته وحلاله، تحولت اليوم إلى كابوس يخنقه.
انتهى عقد القران، وتسابق الجميع على تقديم التهاني والتبريكات، وهو يقف بوجه باهت، جسد بلا روح، فقد احترقت روحه وتبعثر رمادها بخيبة أمل.
وجد نفسه يقف أمامها، جذب يدها مرغماً لتتأبط يده، وسار نحو المكان المخصص لهم.
ليسمعوا منظمة الحفلة تدعوهم إلى رقصة "السلو" ليفتتحوا الحفل، وقفوا في المكان المخصص ليرتجف قلبه بغضب وهي تقترب منه، يدها اتي لمستها كانت كسياط من نار تحرق جسده، تجنب النظر لعينيها كما هربت هي من النظر إليه، وقربه يخنقها لكنها شعرت بتغيره اليوم، لكنها تجاهلت ذلك. يده التي كانت تحيط خصرها ارتعشت، يكتم رغبته في سحق عظامها، ليسخر من حاله وهو يتخيل لو لم يسمع كلامها لكانت هذه أجمل لحظات حياته.
وبالقرب منهم كان 'حسن' يراقص زوجته التي لم يرَ سواها اليوم، عيونها الخجلة، ويدها التي ارتعشت بين يده كما ارتعش جسدها بتوتر أسعده وهو يتأكد أنه أول من يلمسها أو يتعامل معها، كلماتها المبعثرة تسقي أفكاره وتريح باله، لينحني نحوها يقضي على المسافة بينهم ويهمس لها:
-_ بحبك.
كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تجعل جسدها يتخشب بين يديه، ليبتسم وهو يرى عينها التي اتسعت بدهشة ألجمت لسانها عن النطق، فلم يرحمها وانحنى يقبل وجنتها ويهمس لها:
-_ بحبك يا أحلى حاجة في حياتي.
كلماته أربكتها حتى كادت أن تتعثر لولا يده التي تمسكت بها، ليقهقه ضاحكاً من خجلها الذي زادها جمالاً.
أنتهت الرقصة لتدعو منظمة الحفل أصدقاءهم وأقاربهم للرقص معهم، ليزداد ارتباكها، وانكمشت تخبره بحرج:
-_ أنا مش برقص، مش عاوزة أرقص.
تمسك بها ينظر لها بسعادة ورضى وهي تحقق رغباته دون أن يطلبها، ثم قال بمكر:
-_ ولا أنا كمان، تعالي نرجع مكانا.
بادلتة الابتسامة وعادت معه.
أما 'قمر' فابتعدت عنه ووقفت كما وقف هو يراقبون الناس من حولهم تغمرهم السعادة، ولسخرية القدر هم تعساء.
***************************$
وعلى بعد خطوات كان 'زياد' يراقب المشهد من زاوية ثانية، وهو يشاهدها تقف بجانبه يبصر ابتسامتها البسيطة بقهر. لام قلبه الذي يخفق لرؤيتها، لقد ظن أنه قد نسيها وبدأ يعيش حياة سعيدة مع 'رحمة'، لا ينكر أنه بدأ يميل لها يرتاح لوجودها، ويشتاق للحديث معها، إذاً لماذا؟ صرخ بقلبه الذي انهارت مقاومته لمجرد رؤيتها، ليلعن ذلك الحب الذي أصبح كداء يتمنى أن يتخلص منه ومن هذا الصراع المقيت الذي بدأ يرهقه.
أغمض عينيه يدعك جبهته على ذلك الصداع الذي ضربه فجأة أن ينتهي، ليشعر بأناملها الرقيقة تحيط كفه وتسأله بنبرة قلقة:
-_ 'زياد' حبيبي مالك؟ أنت تعبان؟
أربكه سؤالها وزاد من توتره، ليلتفت نحوها ويجيبها بابتسامة مضطربة:
-_ لا يا حبيبتي متخافيش، بس الظاهر صداع من الإرهاق، ما أنتِ عارفة أنا تعبت مع 'حسين' النهاردة.
تشبثت تحيط ذراعه بخوف، عينها تطالعه بلهفة:
-_ حبيبي، طب تعال ارتاح، تحب نمشي وإلا نخرج بره؟
تعلقت عيناه بها يبصر لهفتها عليه وتعلقها به ليعتصره قلبه، فابتسم يربت على يدها التي كانت تمسكه، ثم رفعها يلمس وجنتها بحنان قائلاً يطمئنها:
-_ أنا بقيت أحسن لما شفتك.
بضع كلمات أبهجتها تجعلها تتعلق به أكثر وتسقط في عشقه مرغمة.
****************************
تجلس كجسد غادرته الحياة، جامدة بلا حراك، عينها لا تبصر أمامها رغم الضوضاء حولها، حتى لمحته يقف بعيداً.
فتعلقت عينيها به بألم، أغمضت عينيها تجبرها على النسيان.
رغم قلبها الذي يخفق مع ابتسامته لكن كرامتها صفعته تجبره على التخطي، كانت تصرخ به: أصمت، لم يعد ملك،لك لقد أصبح ملك لشخص آخر، ربما رؤيتها لانهيار 'قمر' اليوم منحتها شيئاً من القوة والإصرار على النسيان. لن تعيش على أنقاض قصة حب كانت من نسج خيالها فقط.
ستنهض من تحت ركام الوهم وتبحث عن طريق للعودة إلى الحياة، لن تسجن نفسها خلف أسوار الماضي وتكون ضحية لأحزانه، فتحت عينيها الدامعة تحاول أن تستجدي السعادة ولو كانت مزيفة، لتحفر بسمة شاحبة تستر احتراق روحها.
عين والدتها التي كانت تراقبها تحاول أن تفهم تقلباتها، فمنذ ان عادت معها لم تكن ابنتها التي ربتها، حاولت أن تلتقط أي شيء لتفهم ما يحدث بعد إصرارها على الإنكار كلما سألتها ما حل بها، لتدعي دوماً أنها بخير وهي تبالغ في القلق عليها.
لمحت إغلاقها لأجفانها بإرهاق، وتلك الدموع التي لمعت في مقلتيها، لتنظر إلى حيث تنظر هي، فتجد ابن شقيقتها.
بدأت تلملم الخيوط ببعضها لتجمعها فنسجت تلك الفكرة التي صدمتها، هل يعقل أن ابنتها كانت تحمل مشاعر له؟
لكن كيف؟ كان هناك دوماً حدود بينهم، وهي أكبر منه حقاً في بضعة شهور، لكن لم تتوقع أن تفكر به بطريقة أخرى.
تنهدت بأسى فقد فات الأوان، فمشاعرها وإن كانت بريئة محرمة، حتى وإن لم تبح بها
صغيرتها يجب أن تفيق.
يجب أن تتخطى، لكن كيف؟هذا ما كانت تفكر به، نادت عليها:
-_ 'ورد'... 'ورد'.
التفتت لها ببطء وقالت بصوت مرهق:
-_ نعم يا ماما.
-_ حبيبتي شكلك تعبانة.
أومأت برأسها تؤكد حديثها:
-_ أيوه، منمتش امبارح وتعبت مع 'قمر' النهاردة.
-_ طب يا حبيبتي قومي خلينا نقف جنب 'قمر'، دي مهما كان صاحبتك وشكلها بتدور عليكي، حرام يا بنتي دي معندهاش أخوات، وأنت طول عمرك كنتي ليها الأخت، بلاش التعب يخليكي تتخلي عنها النهاردة، يله وأنا معاكي.
لم تمنحها الإجابة، نهضت تجذب يدها وتسير بها نحو 'قمر' التي كانت تقف بجانب 'شمس' بوجه صامت، فشقت وجهها ابتسامة عريضة عندما رأتها تقترب منها، لتبادلها الابتسامة وتلوم نفسها، فيبدو أن والدتها كانت صادقة، 'قمر' تحتاجها بجانبها.
-_ كنت فين؟ متبعديش، خليكي جنبي.
هكذا عاتبتها 'قمر' وهي تتمسك بيدها وعينيها تترجاها ألا تتركها.
***************************
كانت 'أحلام' مندمجة بالتصفيق تراقب أحداث الحفل بحماس، لتجد من يقف بجانبها ويهمس لها:
-_ عقبالك.
التفتت لتجد 'شريف' يقف بابتسامة عريضة لتقول بانزعاج قبل أن تشيح بوجهها:
-_ متشكرة يا سيدي، عقبالك أنت كمان.
قطب حاجبيه مندهشاً من طريقة حديثها ليسألها بتعجب:
-_ أي مالك؟ لابسة وش خشب وبتجاوبيني كده ليه؟
لم تلتفت إليه وقالت بامتعاض وهي تربع يديها على صدرها بغيظ:
-_ أنت اللي عزمت 'لارا' على الفرح قاصد تغيظني مش كدة يا 'شريف'؟ عارف إني بكرهها ومش بحبها، بنت غتتة وتقيلة.
أشار نحو نفسه بتعجب وقال بانفعال:
-_ أنا قاصد أغيظك ليه يعني؟
تحرك خطوتين ليصبح أمامها يجبرها على النظر إليه ويقول بحنق:
-_ أولاً أنا ما عزمتهاش، هي جاية مع أخوها أنتِ عارفة إنه صاحب 'حسين'، وبعدين أنا عارف موقفك منها وعلاقتك الزفت بيها، هعزمها إزاي؟
كان جسدها ينتفض من شدة الانفعال وعينيها تواجه عينيه تخبره بغيرة مبطنة لم ينتبه لها هو:
-_ عشان كده كنت واقف معاها وعمال
تضحك من كل قلبك، شكل نكاتها البايخة بقت تعجبك.
حدق بها لحظات قبل أن ينفجر ضاحكاً ويرفع سبابته يضرب جانب رأسها ويقول مستهزئاً:
-_ هنا ما فيش مخ، هنا فيه زبالة.
لتضرب يده تبعدها عنها وتقول بغضب:
-_ أبعد إيدك ومتبقاش رخم واحترم نفسك يا 'شريف'، متخلينيش أتغابى عليك.
مط شفته بسخرية وقال لها بتحدٍ:
-_ أنتِ تتغابي عليا يا مفعوصة أنتِ؟
رمقته بنظرات غاضبة قبل أن تحاول المغادرة ليعترض طريقها بسرعة، وتتبلل حجة حديثه فيحاول تهدئتها والإيضاح لها:
-_ طب اهدي خليني أفهمك يا ستي، اسمعيني وبعدين امشي بزعابيبك.
وقفت مرغمة تحدق به بنظرات مستهجنة ليسترسل بلطف:
-_ يا ستي أنا ما كنتش بضحك على نكتتها الرخمة زي ما أنتِ فاهمة، إحنا كنا مجموعة واقفة وأخوها كان بيرخم على 'حسين'، عارفة هزار صحاب، وأنا ضحكت معاهم عادي، فهمتي يا أم دماغ زلط؟
لانت ملامحها قليلاً لكنها حافظت على جمودها وقالت باقتضاب:
-_ ماشي فهمت.
لينزعج ويقلد كلامها بفكاهة:
-_ "ماشي فهمت"، أي شويش واقف قدامي؟ ماتفكي يا بنتي، دي ليلة فرح متنكديش علينا.
صمتت ولم تعقب هي واكتفت بالتحديق به
بوجه عابس ليقول لها أمراً:
-_ اضحكي.
لكنها زمت شفتها بعناد ليقول بإصرار:
-_ اضحكي، مهو شوفي أنا مش ماشي من هنا إلا لما تضحكي.. اضحكي يا بومة عشان تطلع الصورة حلوة.
قالها يمد أصبعيه على شفتيه كأنه يعلمها الابتسامة، لم تستطع كتم ضحكتها لتضحك ويشاركها هو الضحك.
لمحت 'ندى' هذا المشهد من بعيد فتبدلت ملامحها وارتسم الحنق على محياها، لتلمحها 'شمس' وتفهم سبب غضبها.
لتتنهد بيأس وتقرر أن تخطو تلك الخطوة التي كانت تؤجلها وتضع حداً لتلك العلاقة.
******************************
وما بين ضحكات وحديث وبهجة، شارف هذا العرس على الانتهاء بقلوب حملت فرحة وقلوب حملت حسرة.
ورغم مقاومتها لدموعها طيلة الحفل لكن مدامعها ثارت عليها لتتساقط دموعها فتمسحها خلسة وهي تشاهد صغيرتها ستبدأ حياة جديدة وتبتعد عنها.
لتشعر بيد تحيط خصرها وتضمها، ابتسمت وهي تعلم هوية الشخص الذي سبقه عطره نحوها لينحني يقبل رأسها ويسألها بلهفة:
-_ ممكن أعرف إيه اللي مزعل حبيبتي؟
سندت رأسها على كتفه وتنهدت بحزن:
-_ هتوحشني يا 'فارس'... 'قمر' البنوتة الصغيرة كبرت وبقت عروسة.
مد يده يمسح دموعها برقة:
-_ دي سنة الحياة يا 'مشمش'..
ثم استرسل بهدوء يحاول طمأنتها:
-_ متخافيش، 'حسين' راجل يعتمد عليه وهيصونها.. إن شاء الله هتكون سعيدة ودا الأهم.
حركت رأسها تؤيد حديثه ليمازحها:
-_ما هو دلوقتي 'قمر' وبعدها 'سيف' إن شاء الله وبعدهم 'شريف'، خلينا نخلص منهم واحد ورا التاني عشان يخلي لنا الجو أنا وأنتِ يا غزال.
ثم قرص وجنتها يشاكسها:
-_ ونخلص من حكاية "فارس حاسب الولاد"، 'فارس' عيب، الولاد بيبصولنا، خليني أتمتع بخصوصيتي معاكي يا جميل.
هزت رأسها بقلة حيلة وضحكت ليغمز لها يخبرها بغزل:
-_ تعرفي أنتِ أحلى واحدة النهاردة.
ثم أكمل وهو ينظر لها بعبث:
-_ أحلى حتى من العرايس.
ابتسمت تعلم أنه يحاول التخفيف عنها لتقول بدلال:
-_ عينك الحلوين يا روحي أنتِ، ربنا ما يحرمني منك يا قلب 'شمس'.
****************************
انتهى ذلك الزفاف وذهب كل منهم إلى بيته، لكنه لم يستطع البقاء معها، كان يخشى أن يجرحها، دخلا معاً ليفتعل كذبة يستطيع معها مغادرة المكان، تبعها إلى غرفة النوم ليجدها تخلع ملابسها، اقترب وقف أمامها ثم حك رقبته بتوتر وقال متلعثماً:
-_ 'رحومة' أنا مضطر أخرج دلوقت، واحد صاحبي عامل حادثة ونقلوه المستشفى، لازم أروح أشوفه.
رفعت عينيها تنظر له بقلق قبل أن تنهض مقتربة منه تمسك ذراعه وتسأله بخوف:
-_ هو حالته خطرة؟
هرب من عينيها الخائفة التي تطالعه بلهفة، فتنغز قلبه بألم وإشفاق ليجيبها بتوتر:
-_ مش عارف يا 'رحمة'.
-_ هتتأخر؟
رفع كتفيه بعدم معرفة يجيبها بجهل ويده تتلمس خصلات شعرها المبعثر بعد أن خلعت حجابها يعيد ترتيبها برقة:
-_ إن شاء الله مش هتأخر، نامي أنتِ.
-_ هستناك.
ابتسم لها وقال رافضاً يقرص أنفها بمزاح:
-_ نامي يا أميرة ومتعنديش، احتمال أتأخر.
خرج وتركها قبل أن يتمادى في كذبته معها، كان يسير هائماً في الشوارع بلا هدف، وكل ما يراه أمامه صورة 'قمر' بثوب زفافها تجلس بجانب رفيق عمره، ثوبها الأبيض الذي طالما حلم أن يراها به، وكم تمنى أن يكون هو من يجلس بجانبها، تمادى قلبه يتخيل كيف أن 'حسين' الآن ينعم بقربها، كيف يسمعها كلمات غزله لتملأه الحسرة.
وتعصف به الغيرة من صاحبه، أخذ نفساً عميقاً يؤنب قلبه ويكمم صراخ توسله أن يتوقف، فقد تجاوز جميع الخطوط الحمراء.
**************************
سارت نحو الداخل بخطوات مرتعشة ليسير خلفها مبتسماً بحب حتى أصبح خلفها ليزداد جسدها ارتعاشاً.
مد يده يدير جسدها نحوه لتصبح أمامه، التقت عيناها بعينه لتسدل أهدابها بخجل.
انحنى يطبع قبلة على جبينها ويقول:
-_ ألف مبروك يا عروسة، نورتي بيتك.
ابتلعت ريقها بخجل وقالت بخفوت دون أن ترفع عينيها:
-_ الله يبارك فيك.
مد يده يرفع وجهها بأنامله لتواجه عينيه عينيها، لحظات كان يراقب فيها ارتعاش شفتيها، وذلك الخوف الذي سكن عينيها كأنها توشك على البكاء، ليقول بصوت دافئ يحاول تهدئتها:
-_ متخافيش يا حبيبتي، أنتِ بقيتي في بيتك جنب حبيبك اللي بيخاف عليكي أكتر من نفسه.
ابتعد عنها يشير لها نحو أحد الاتجاهات:
-_ روحي غيري هدومك وارتاحي ولو تحبي أنا ممكن أساعدك.
لتهز رأسها بعنف وتقول بسرعة ترفض عرضه:
-_ أنا هقدر أغير هدومي لوحدي.
ورغم ثقل فستانها أسرعت تدخل تلك الغرفة وتغلق بابها بسرعة، انفجر ضاحكاً على تصرفها وظل يحدق بذلك الباب المغلق بمكر يتمتم:
-_ فاكرة نفسك هتهربي والباب هيحميكي؟
تنهد بارتياح، فارتعاشها وخجلها وخوفها كل شيء فيها يجذبه ويؤكد له حسن اختياره.
*****************************
تملكها الخوف، لا تعلم ماذا سيحصل بعد قليل، اختفى منذ أن وصلوا وأغلق عليهم باب واحد، كانت تجلس بارتباك على سريرها تدع يديها ببعضهما من شدة توترها، قبل أن ترفعها تعض على أظافرها بقلق تخطف النظرات نحو باب الغرفة ولا تعلم ماذا تفعل، كيف تتصرف الآن؟ لحظات مرت كالسنين حتى وجدته يقف عند عتبة الباب لتزداد توتراً وهي تجد نظراته مسلطة عليها.
كان يطالع توترها بسخرية ليقول لها متهكماً:
-_ 'قمر'.
انتفضت عند سماع صوته وحاولت رفع رأسها المنكس تنظر إليه لكنها لم تجرؤ على فعل ذلك لتتفاجأ به يخبرها:
-_ أنا عارف إنك تعبانة ومتوترة، أنا هروح أنام في الأوضة التانية وأنتِ خدي راحتك.
تركها لترفع رأسها تنظر لأثره بتعجب، كانت تظن أنه سيتصرف بطريقة مختلفة فهي تعلم مدى شوقه لهذا اليوم.
تمددت دون أن تخلع ملابسها فقد تمكن منها الإرهاق، ليأخذها عقلها إلى 'حسن'، لقد أصبح اليوم ملكاً لغيرها.
تتذكر كم كان يبدو سعيداً بقربها ويبتسم بصدق عندما يسمع همسها.
تنهدت بحسرة لتنساب دموعها بقهر تفكر في حياتها القادمة.
***********************
دلف إلى الغرفة، فارتعد جسده فوراً. اجتاحه فيضٌ من الغضب كحمم بركانية ضربت أركان كيانه بلا رحمة، حتى شعر بدماء تغلي في عروقه. تسارعت أنفاسه لدرجة أنه تمنى لو يصرخ بكل ما أوتي من قوة، لكن صوته خانه. انتزع ربطة عنقه بعنف وألقاها أرضاً، ثم نزع ذلك الخاتم الذي لمع وسط الظلام وقذفه بعيداً؛ وكأنه يتخلص من قيدٍ يغل يده. ذلك الخاتم الذي أقسم يوماً ألا يغادر إصبعه حتى وفاته، بات الآن حبلاً يخنقه دون رحمة.
اتجه نحو النافذة وفتحها بقوة، مستنشقاً الهواء بعمق علّه يطفئ نيران قلبه. خرجت آهةٌ مكسورة من بين شفتيه:
-_ "آه... آه..."
شعر أن قلبه سيتوقف من فرط قهره، وتمنى لو يحدث ذلك فعلاً، لو تغادر روحه جسده الآن؛ فلم يعد يقوى على تحمل هذا الألم. لقد نحرته دون أن تسفك دمه، ودهست على كرامته بقسوة. تذكر كيف اعترف لها بحبه، بل وكيف أغدق عليها ذلك الحب بسخاء.
رفع يده وضرب جبهته بقوة عدة مرات وهو يشتم نفسه:
-_ "غبي... غبي! اعترفتلها بحبك وهي قلبها مع حد تاني؟"
هبطت يده لتلطم صدره هذه المرة، كأنه يلوم قلبه الذي عشقها:
-_ "كله منك! أنت السبب.. حبيتها بجنون!"
بدأت تتوالى في ذاكرته مشاهد جمعته بها، وكأنه يراها لأول مرة بوضوح، وكأن غمامة ضبابية انقشعت عن عينيه، فبصر بالحقيقة التي طالما حاول قلبه المتيم تجميلها. جلس على حافة السرير بجسد أثقله الوجع، يسأل نفسه بحرقة:
-_ "معقولة أنا ما كنتش شايف كل دا؟ معقولة هي كانت من البداية بتبعد وأنا المغفل كنت فاكرها بتخجل مني؟ معقولة كنت معمي كدة وحبها سحرني للدرجة دي؟"
لم يعد قادراً على كتمان قهره أكثر، فانهار باكياً بهستيريا، يجهش بالبكاء كطفلٍ صغير، يعاتب نفسه بين شهقاته، ويوبخ قلبه على ما أوصله إليه.
رفع رأسه يلهث أنفاسه الغاضبة يمسح عينيه بقوة ينظر إلى المجهول ويقول بحزم:
-_ المهزلة دي لازم تنتهي.
لينهض نحو الحمام يأخذ حماماً دافئاً سامحاً للمياه الباردة أن تلسع جسده علها تطفئ نيرانه، تساقطت المياه حوله وخالطت قطراتها حبات العرق التي غطت جسده من شدة انفعاله، سند بكفيه على الجدار أمامه يلقن قلبه الدرس ويخبره بحزم قراره الذي لا رجعة فيه.
******************'' '' '***' *********
ظل يسير في الشوارع حتى أنهك قدميه التعب ليقرر العودة إلى المنزل، دخل بخطوات حذرة خاشياً أن يحدث صوتاً فيوقظها، ليتسمر مكانه وهو يجدها ممددة على الأريكة، رأسها يستند على مقبضها وشعرها ينسدل حولها.
منظرها الطفولي جعل قلبه يخفق، يبدو أنها انتظرت عودته، اقترب منها وجثا أمامها يقترب منها أكثر ليزيح خصلات شعرها الطويل عن وجهها ويقبل وجنتها كأنه يعتذر منها.
يعترف لنفسه أنها تستحق شخصاً أفضل منه، هي تستحق السعادة الحقيقية، لا أن تعيش سعادة مزيفة يمثل هو فيها دور الزوج الحنون.
مد يديه يحملها نحو سريرهما لتستفيق تفتح عينيها بصعوبة إثر حركته وتلفظ اسمه بنعاس:
-_ 'زياد' أنت جيت؟
-_ أيوه يا حبيبتي، مش قلتلك متستنيش؟
عادت تغلق عينيها بأمان وتقول بتثاؤب:
-_ معرفتش أنام، قلت أستناك بره.
وضعها على السرير برفق ثم دثرها بالغطاء وانحنى يمسح على شعرها ويقبل جبينها يهمس لها:
-_ تصبحي على خير.
**************************
تململت لتفتح عينيها بثقل، دارت حدقتاها في المكان حتى استقرتا على ذلك الغافي بجانبها، لتبتسم بخجل وهي تتذكر لحظاتهم معاً، كانت سعيدة باهتمامه بها وكيف عاملها برقة وتفهم خوفها حتى استطاع كسر حواجز ذلك الخوف واقتحام أسوارها بحب.
ضمت جسدها بدلال تستشعر أنوثتها التي تغزل بها، وكيف جعلها تشعر أنها ملكة تستحق كل ما هو جميل.
عينها تأملته بحب وخفق قلبها الذي استطاع أن يملكه بفترة وجيزة، حاولت النهوض لتشعر بيده التي تكتفها، لتحاول إزاحتها بهدوء حتى لا توقظه، لكن ارتبكت بعد أن أفاقته حركتها، ضغط على عينيه قبل أن يفتح إحداهما ويبتسم قائلاً:
-_ صباح الخير.
توترت تخجل من جديد قبل أن تجيبه بتلعثم وعينيها تهرب منه:
-_ صباح النور.
ثم نهض يستند على كوعه يمسك بمعصمها يمنعها من مغادرة السرير بعد رؤيته لها تحاول أن تهرب من أمامه، ابتسم لها يشاكسها:
-_ عاوزة تهربي مني على فين؟
ثم غمز لها وضحك بعبث ساخراً من ملامحها التي اضطربت:
-_ ما أنا قلتلك امبارح مفيش هروب تاني يا روحي.
-_ عاوزة أعمل الفطار.
هكذا بررت له ووجها تكسوه حمرة الخجل:
-_ بس أنا مش عاوز أفطر.
لتعترض بتوتر يتملكها فيسعده في ذات الوقت:
-_ معلش أصل أنا..
أفلت معصمها لتعتدل وتنظر له بترقب خشية إغضابه، لكنه أومأ لها بتفهم:
-_ ماشي يا حبيبتي، اعملي الفطار زي ما تحبي.
ترددت وظلت تنظر له بحيرة لا تعلم هل تضايق منها أم هو يسمح لها بذلك، طالعها بدهشة وقال متعجباً:
-_ مالك يا حبيبتي بتبصيلي كدة ليه؟
لتسأله ببراءة فطرية تشير له نحو الباب:
-_ يعني عادي أمشي؟ مش هتزعل؟
قهقه ضاحكاً بسعادة فهي تمنحه من جديد الحرية في تشكيلها كقطعة صلصال، وتضيف إلى صفاته الطاعة العمياء وخشيتها من مضايقته. ابتهج وجهه واقترب منها يداعب وجنتها بحب قبل أن ينحني يقبل جبهتها لتغمض عينيها تستمع لكلماته بهيام:
-_ مش هزعل يا سكر، تسلم إيدك مقدماً يا قلبي.
أشرق وجهها بابتسامة عريضة تحدق به بحب قبل أن تبتعد متعثرة وتقف عند عتبة الباب، التفتت قبل أن تغادر تشير له بإصبعها متحمسة:
-_ تكّة كدة وهتلاقي أحلى فطار.
أرسل لها قبلة في الهواء لتفر من أمامه هاربة بخجل، ليرمي بجسده على السرير يسترخي بانتشاء.
**********'' '' ************
جافاه النوم حتى شوت عينيه تلك العروق الحمراء، انتظر حتى أطل الصباح وتجاوزت الساعة العاشرة لينهض متجهاً نحو غرفتها وطرق الباب عدة طرقات قبل أن ينادي عليها:
-_ 'قمر'... 'قمر'.
استيقظت على صوت طرقاته وندائه لها لتجد نفسها لا تزال ترتدي بدلة زفافها، نهضت تحمل ثوبها وتخطو مقتربة من الباب:
-_ نعم؟
-_ ممكن تخرجي؟ عاوز أتكلم معاكي.
خفق قلبها باضطراب وقالت بتوتر:
-_ ثواني أغير هدومي وأخرج.
جلس ينتظرها وقدمه تهتز بغضب، عينيه تطالع الساعة ثم تنتقل نحو الباب بترقب، مضى وقت ليس بقليل زاد من حنقه قبل أن تخرج وتقترب منه بتوتر، ليشير لها بالجلوس:
-_ اتفضلي.
جلست تطالع وجهه المتجهم بقلق، عينيه المظلمة بخوف لم تعتاده منه، ودون مقدمات أخفض رأسه ثم رفعها يحدق بها بـ ازدراء ويقول بهدوء:
-_ أنا سمعت كلامك مع 'ورد' امبارح.
شحب وجهها وارتعش قلبها بخوف، حاولت التظاهر بعدم الفهم وتقول بتلعثم:
-_ كلام إيه؟ مش فاهمة.
حدجها بنظرة حادة وقال بصوت غاضب تخلله القهر:
-_ إنك بتحبي حد تاني.
بهتت ملامحها برعب وازداد ارتعاش قلبها ليختض جسدها، تحرك رأسها تلوح بيديها أمامه وتصرخ رافضة:
-_ لا.. لا.. والله يا 'حسين' أنت فاهم غلط.. دا حب من طرف واحد، أنا مش وحشة زي ما أنت فاكر.
قتمت عينه فتضاعف خوفها وجثت على ركبتيها ترجوه:
-_ والله أنت فاهم غلط أنا... أنا...
لتختنق الكلمات في جوفها بخوف مع تسارع أنفاسها المذعورة وهي تجد نظراته يملؤها الاتهام، فتوسلت إليه:
-_ أقسم بالله... ما عملت حاجة ولا غلطت، دا حب من طرف واحد وحياة بابا وماما وغلاوة أخواتي، ما عملت حاجة غلط، دي أفكار وبس.
توقفت تلتقط أنفاسها وتلتفت يميناً ويساراً وأضافت:
-_ أنا مستعدة أحلفلك على المصحف إني مش زي ما أنت مفكر.
تلاشت الكلمات على لسانه وانهارت باكية تغرق الدموع وجهها، لكنه هذه المرة لم يتأثر بدموعها، فتابعت في محاولة لإقناعه:
-_ دا حتى اتجوز وبقى عنده عيلة.
ازداد وجهه غضباً يسألها بانفعال:
-_ عشان كدة وافقتي على الخطوبة؟
وضعت يدها على فمها تكتم عبراتها وتهز له رأسها بنعم، ليغمض عينيه يشعر بخنجر يغرس في قلبه، وافقت على الخطبة منه بعد زواج حبيبها! سألها دون أن ينظر إليها:
-_ أعرفه؟
اتسعت عيناها بذهول وتيبست الدماء في عروقها لتهتف بسرعة:
-_ لا.
ثم أكملت كاذبة:
-_ كان زميلي في الجامعة... ودي كانت مشاعر ناحيته، هو أصلاً ميعرفهاش.
-_ بس أنتِ لسه بتحبيه.
سؤال تمنى أن تكون إجابته مباشرة لكنها تلعثمت:
-_ أنا... أنا كنت...
لم يمهلها إكمال حديثها ليشير لها أن تنهض وتجلس أمامه لتطيع أمره بوجل، تنهد بحرقة وأخذ نفساً طويلاً وزفره ببطء، لينظر لها نظرة قاسية قبل أن يقول بصوت مزج بين الحدة والكسرة:
-_ شوفي يا 'قمر'، أنا مش هرضى على نفسي إني أعيش مع إنسانة مش متقبلاني وقلبها مع غيري، كرامتي فوق كل شيء، ولا أرضاها ليكي يا بنت خالتي تعيشي مع حد مش بتحبيه.
قاطعته برجاء:
-_ 'حسين' أنا مش..
رفع يده بوجهها يوقفها عن الكلام يطالعها بنظرة ساخطة ويسترسل:
-_ لكن أنا مش مستعد أكسر خالتي وعمي 'فارس'، هما مالهمش ذنب، عشان كده إحنا هنعيش سوا فترة ونقول إننا متفهمناش ونطلق.
أخفضت عينيها بخزي فقد أدركت أنه محق، فلم يعد هناك حل آخر.
عاد يلتقط أنفاسه المتسارعة يعاتبها بضيق:
-_ يا ريتك كنتِ اتكلمتِ من البداية، يا ريتك صارحتيني قبل ما نوصل للمرحلة دي.
قالت بندم:
-_ كنت خايفة.
ابتسم بحزن يردد حديثها متهكماً:
-_ "خايفة".. خوفك وصلنا لمرحلة صعبة، كنا ممكن نبعد قبل ما نتجوز، دلوقتي الوضع بقى أصعب بكتير.
هز رأسه بيأس وقال بقلة حيلة:
-_ ما عادش منه فايدة الكلام دلوقت.
نفخ أنفاسه المحترقة وقال بحزم:
-_ أنتِ هتعيشي هنا بنت خالتي وبس لحد ما ننفصل.
ثم تنهد بحرقة ينظر إلى إصبعه الذي خلا من خاتمها واختنق صوته يخبرها:
-_ ويشهد ربي إني كنت عاوز أعيش معاكي حياة جديدة نتشارك فيها كل حاجة وكنت صادق في مشاعري.
لينهض بسرعة يتركها تنظر لأثره بندم وخوف أن يخبر والدها أو أحد إخوتها، لتلطم خدها بصدمة قائلة بخوف:
-_ هو 'حسين' ممكن يبلغ بابا؟
الفصل 18
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
هزت رأسها تلوم نفسها، تعلم أنه لم يفعلها، هو أفضل منها ولا يستحق ما يحدث له، جملة لطالما كررتها عليها "ورد" لتبصر اليوم صدقها، رفعت أناملها تمسح دموعها التي أحرق وجنتها، واستندت على مقبض الأريكة لكي تستطيع الوقوف، فكل خلية في جسدها تأن من الحزن.
توسلت قدماها أن توصلها إلى تلك الغرفة، فقد خارت قواها بعد تلك المواجهة، وصلت إلى تلك الغرفة لتغلق الباب مستندة بظهرها عليه، قبل أن ينزلق جسدها وتهوي تفترش الأرض، يأكلها الندم لما أوصلت نفسها إليه، جذبت ساقيها وأحاطت جسدها بذراعها، تنهار بدموع الحسرة على حالها، غطت أذنيها بكفي يدها، وصدى جملته يرن في أذنها يجلدها بقسوة، وشعور "الذنب" يمزق قلبها.
_أنا كنت صادقاً في مشاعري... أنا كنت صادقاً في مشاعري.
صرخت بوجع:
_كفاية... كفاية... والله ما كان قصدي أجرحه، كنت خايفة.. خايفة.
لطمت وجنتيها تعاقب نفسها وتلومها:
_غبية.. غبية.
أنهكها البكاء، لتزحف حتى وصلت إلى السرير، لتتحامل على نفسها وتتمدد، تستجدي النوم عسى أن تهرب من تلك الأحزان إليه.
أما هو فما إن تركها حتى دخل تلك الغرفة ورمى بجسده على السرير، ومشهد انهيارها وتوسلها يتكرر أمام عينيه، لكنه اليوم ليس مثل البارحة؛ فقلبه قد تجلد، كل ما يريده هو الحفاظ على كرامته فقط، ولولا خشيته من الفضيحة لكانت النهاية أسهل بكثير.
*********************************
لم يهدأ بالها منذ البارحة، وقلبها يؤلمها على حال صغيرتها، ظلت تفكر في الحل المناسب كي تساعدها على تخطي تلك المشاعر التي تكتمها، لكنها فجأة ابتسمت بعد أن أمسكت طرف الخيط وهي تتذكر ذلك الإعلان الذي لمحته على "الفيس" ولم تعره أهمية.
عينيها الشاردة جذبت انتباه ذلك الذي كان يقف أمام مرآته يعدل ربطة عنقه قبل أن يحمل علاقة مفاتيحه وهاتفه، متجهًا إليها يسألها بقلق:
_مالك يا "ندوش"؟ إيه اللي شاغل بالك؟
كانت شاردة في عالم آخر ولم تسمع حتى نداءه، ليمد يده ويطرقع أصابعه أمام وجهها علها تنتبه:
_"ندوش"... أنتِ سامعاني؟
التفتت إليه بعد أن انتشلتها حركته من أفكارها:
_أيوه يا حبيبي، عاوز حاجة؟
قطب حاجبيه بدهشة يسألها بتعجب:
_مالك يا "ندى"؟ أول مرة متودعينيش ولا تستودعيني وتقرئي آيات التحصين، إيه اللي شاغل بالك؟
ثم لوح بيده أمام وجهها يشاكسها:
_إيه بطلتي تغيري وتخافي عليا؟ فكرك عشان عجزت راحت عليا ومحدش هيبص لي؟ لا يا حبيبتي، ده أنا لسه دكتور "طارق"، وبالعكس الشيب خلاني مرغوب أكتر، خافي عليا يا "ندوش" أنا بقولك أهو.
حدجته بنظرة جانبية مستنكرة قبل أن تقول بضيق:
_"طارق" بلاش تستفزني وبطل هزارك ده، عارف إني مش بستحمل.
ثم لوحت بيدها ساخرة وهي تخطف نظرة سريعة نحوه:
_بعدين يا راجل بطل، ده أنت قربت تبقى جد.
ضم حاجبيه مستهجناً حديثها وقال يتصنع الحنق:
_ويعني إيه هبقى جد؟ أنا لسه شباب والشباب شباب الروح يا أم "زياد".
أتبع حديثه بابتسامة قابلت امتعاضها، وقالت باقتضاب متهكمة:
_يا سيدي ربنا يسعدكم ويحفظك ويديك الصحة ويديم عليك الشباب.
هز رأسه بقلة حيلة وقال وهو يجلس أمامها تملأ وجهه ابتسامة الرضا:
_بتغلبيني دايما يا "ندى"، حتى وأنتِ مضايقة بتدعي لي ومن قلبك أنا متأكد، حتى لو باين غير كده.
تعلقت عيناها به بحب فلمعت بالدموع وهي تخبره صادقة:
_وأنا ليا مين غيرك يا "طارق"؟ أنت أبويا وأخويا وصاحبي وحبيبي وجوزي وأبو أولادي وسندي وأماني، وبعد كل ده تقولي من قلبك؟ ده أنا من غيرك أضيع.
كان قلبه يخفق مع كل كلمة تقولها وتتضاعف ضرباتها وهي تضيف له مكانته في قلبها، ليشملها بنظرة عاشقة زادت مع تلك السنين، وانحنى يقبل جبينها بامتنان:
_وأنتِ كمان كل دنيتي يا حبيبتي، ده أنا اللي من غيرك أضيع يا روحي.
بادلته الابتسامة ليستطرد قائلاً بجدية مفاجئة:
_بس الكلام الجميل مش هينسيني إن فيه حاجة شغلاكِ، إيه هي؟
تنهدت بحيرة فتعلقت عيناه بها بترقب، وأصابته الصدمة وهو يسمعها تقول:
_بفكر ندور لـ"ورد" على دار نشر كويسة تقدر تنشر فيها رواياتها، أنا سمعت إن معرض "القاهرة" قرب ودي فرصة حلوة عشان تشارك فيه.
ضيق عينيه يسألها باستغراب:
_من أنتِ لا أعرفك؟! أنتِ معقولة بتقولي الكلام ده؟
أضحكها حديثه وهزت رأسها مؤكدة له ما سمعه، ليسألها مستفسراً:
_وإيه اللي غير رأيك؟
تبددت ابتسامتها وهي تخفي عنه الحقيقة وتقول بتوتر:
_أصل شفت تعلقها في الكتابة ودي فرصة إنها تجرب.
لمس يدها يشد عليها ويقول داعماً لفكرتها:
_برافو عليكِ يا حبيبتي، فعلا فكرة جميلة وأنا هدور على دار نشر تساعدها.
_ياريت يا "طارق".
_أنتِ تؤمري يا قلب "طارق"..
رفع يده يداعب وجنتها وعاد يمازحها:
_إيه مش هتستودعيني؟ ده أنا لسه شباب!
أتبع حديثه يغمز لها، لتبتسم تمد يدها تمسح على وجنته ثم كتفيه وصدره مرددة:
_أستودع الله الذي لا تضيع ودائعه يا نور عيني.
**"
وصلوا إلى الساحل الشمالي حيث المكان الذي كان من المفترض أن يقضوا فيه شهر العسل، أوصلها إلى الشاليه المخصص لهم، كانت تسير خلفه بخطوات أثقلها الحزن، فتح الباب وأشار لها بالدخول، دخلت عينها تدور في المكان تستطلع جوانبه، لتسمع يقول بصوت غليظ:
-أنا عندي مشوار.
خرج صافقاً الباب خلفه دون حتى أن يسمع تعقيبها، أمسكت حقيبتها تجرها باحثة عن غرفة النوم كي تستريح من عناء السفر، وصلت إلى تلك الغرفة الوحيدة، كانت جميلة مخصصة لعروسين، وضعت الزهور وبعض بطاقات التهنئة كترحيب لهم، جرت الحقيبة حتى وصلت إلى السرير لتجلس بإجهاد، وعقلها يعيد عليها طريق السفر، تتذكر بكسرة نفوره منها وتجنبه الحديث معها مدعياً انشغاله بهاتفه.
ثم ملأتها الحسرة وهي تطالع "حسن" وزوجته، تبصر تلك السعادة التي يعيشانها معا، كانت تختطف النظرات وتشاهد اهتمامه بها وانسجامه معها.
رفعت يدها تمسح دموعها المنسابة توبخ نفسها، هي من اختارت هذه الحياة بملء إرادتها، تذكرت عتاب "حسين" لها: لماذا لم تتكلم؟ لماذا لم تنهِ كل شيء منذ البداية؟
أما هو فخرج يسير في تلك الشوارع الجميلة يبصر سحر المكان، وكل ما يفكر فيه ماذا لو لم يسمع ما قالته؟ ماذا لو كانت تبادله المشاعر؟ لكان اليوم أسعد إنسان في الدنيا، وصل إلى شاطئ وبحث عن مكان منعزل ليفعل ما كان يتمنى فعله منذ أن سمعها، وقف ينظر إلى ظلمة الليل ونسمات الهواء الباردة تضرب وجهه، ليصرخ بأعلى صوت يخرج "آه"... كتمها في صدره حتى كادت أن تخنقه، يحاول أن يخفف من ثقل أجهز عليه وسلب منه حياته، ليعيش كميت حي.
*******"" "
وصل إلى منزله متأخرا، ليصله صوت ضحكاتهم التي غزت المكان، لتتسع ابتسامته بسعادة ويقترب منهم هاتفاً بشوق:
_إيه ده؟ هي الأميرة منورانا النهاردة؟ وأنا بقول بيتنا منور ليه!
فتح ذراعيه يشير لها لتتجه نحوه بخطوات مسرعة ترتمي بين أحضانه مبتهجة:
_أهلاً يا بابا، واحشني.
-أنتِ كمان وحشتيني يا بنتي.
خرجت من أحضانه ليسألها مازحا:
_جايبالي إيه معاكِ النهاردة؟
لتجمع أناملها أمامه قبل أن تفتحها وتقول بفخر:
-كنافة هتاكل صوابعك وراها.
لعق شفته بتلذذ وقال شاكراً:
-تسلم إيدك يا أميرة، أكيد تحفة.
-هو جوز الأميرة شبح قدامك يا بابا؟
قالها "زياد" مشيراً نحو نفسه بتذمر ثم أكمل مستنكراً:
_يعني الترحيب كله لـ"رحمة"، مفيش "إزيك يا زياد"، "عامل إيه يا ابني"؟
حدجه "طارق" بنظرة مستهجنة وقال مستهزئا:
-ملكش دعوة يا ولد، خليني أرحب في بنتي وبعدين نبقى نشوف جوزها الرخم.
لكن "زياد" اقترب منه ضاحكا يحتضنه ويقول مازحا:
-واحشني يا دكتور، مشفتكش من امبارح.
بادله "طارق" العناق وقال مرحباً:
-أهلاً يا حبيبي وأنت كمان واحشني.
ثم ابتعد عنهم يقترب من "أحلام" ويقبل وجنتها يلقي عليها التحية:
-"أحلام" حبيبتي، إزيك يا جميلة؟
-أهلاً يا حبيبي.
عينه كانت تتحرك بلهفة يبحث عنها ليسأل عنها "أحلام"، فقد افتقد ركضها نحوه واستقبالها له بابتسامتها الجميلة:
-أمال "وردتي" فين؟
-في أوضتها يا بابا.
قالتها "أحلام" مشيرة نحو غرفة شقيقتها، ليتجه نحو الغرفة مباشرة.
قبل قليل في غرفة "ورد"، دخلت "ندى" لتجدها تجلس على سريرها شاردة الذهن، تمسك بين يديها إحدى الروايات الورقية، اقتربت منها وقالت مبتسمة:
-"ورد" حبيبتي، ممكن أتكلم معاكِ؟
خرجت "ورد" من شرودها وانتبهت لوجود والدتها لترسم ابتسامة شاحبة وتقول بود:
-أكيد يا ماما.
جلست "ندى" على السرير أمامها لتسألها:
-بتعملي إيه؟
رفعت "ورد" الرواية تخبرها:
-بقرأ رواية اشتريتها امبارح.
-شكلها حلوة، كنتِ مندمجة خالص معاها، ده أنتِ ما حستيش بيّ.
أومأت تؤكد حديثها لتربت "ندى" على فخذها بلطف:
-إيه رأيك يا "ورد" تشاركي في معرض "القاهرة"؟
اتسعت عيناها بذهول وظلت تطالعها بعدم استيعاب، كانت صدمتها ألجمت لسانها، لتبتلع ريقها وتسألها:
-أنتِ بتقولي إيه يا ماما؟
تأففت "ندى" بتذمر وقالت بضيق:
-متعمليش زي أبوكِ، أنتِ مش بتحبي الكتابة؟ خلينا نشوف دار نشر كويسة وتشاركي في المعرض.
وضعت الرواية جانبا واعتدلت مقتربة منها تمسك يدها وتنحني نحوها تسألها وعيناها تلمعان بسرور:
-ماما، أنتِ بتتكلمي بجد؟
-أيوه يا روح ماما، بتكلم بجد.
لتحتضنها "ورد" بعفوية وتقول مبتهجة:
_بحبك، بحبك أوي يا ماما.
أحاطتها "ندى" بذراعيها بمواساة خفية، فهي تعلم حاجتها لهذه السعادة، لتخرج من جحيم تلك المشاعر المؤلمة.
-خونة... خيانة... حبيبتي بتخوني وبتحضن أمها وكمان بتقولها بحبك!
صاح بها "طارق" الذي دخل إلى غرفتها تواً، لتبتعد "ورد" عن أحضان "ندى" تمسح دموعها تخبر والدها بحماس:
-بابا، تعالى اسمع فكرة ماما.
اقترب منهما "طارق" حتى أصبح أمامها ومد يده يمسح دموعها بنفسه يؤنبها:
-طب بتعيطي ليه؟ ماما حكت لي الفكرة وأنا معها فيها.
وزعت نظراتها بين والدها ووالدتها وقالت شاكرة:
-متشكرة، أنا فرحانة، حلمي هيتحقق.
التفت "طارق" نحو "ندى" قبل أن يعاود النظر إليها يشير نحو نفسه بفخر:
-طب استني واسمعي الخبر اللي بابا جايبهولك.
توقفت تنظر إلى والدتها ووالدها بترقب، لتتسع عيناها بدهشة ويشرق وجهها بابتسامة عريضة وهي تسمعه يقول:
-لقيت دار نشر وقابلت مدير الدار وطالب يشوفك بكرة.
لتقفز وتصفق كالأطفال بسعادة، ثم تعلقت برقبة "طارق" تحتضنه مرددة:
-بحبك أوي أوي يا أحلى بابا في الدنيا.
-وأنا بموت فيكِ يا روح بابا.
"طارق" الذي كان يحتضنها نظر نحو "ندى" بعين دامعة، لتبادله "ندى" النظرات تمسح دموعها التي انسابت بتلقائية، فرحة بسعادة صغيرتها.
***********************
-أيوه العب، أديلو!
هكذا تعالى هتافه وهو يمسك مقبض لعبة "بلي ستيشن" وعينيه تحدق بالشاشة بدقة، تتحرك مع حركة لاعبيها بتمعن.
يفرح لتحقيق هدف ويمتعض لخسارة فرصة، صرخ لتعلو يده قبل أن تهوى على ركبته بغيض وفرصة أخرى تضيع منه ليصرخ بغضب:
-لا ده أنت بتستعبط!
طرقات على الباب لم تقطع اندماجه بل استمر منهمكاً بما يفعل، حتى اضطر الطارق للدخول.
فتحت "شمس" الباب حانقة وهي ترى اندماجه مع لعبته وعدم اكتراثه لما يدور حوله، اقتربت منه وقالت حانقة:
-ممكن تطفي الزفت ده؟ عاوزة أتكلم معاك.
التفاتة سريعة سبقت إجابته قبل أن يعود نحو الشاشة ينظر لها بتركيز:
-ثواني يا ماما، خلاص "الجيم" قرب يخلص أهو.
استمرت أصابعه تتحرك على ذلك المقبض تتنقل بين أزراره بسلاسة وسط نظراتها الساخطة، لم تطل الانتظار لتربع يدها على صدرها، تحرك أصابعها على عضدها بتوتر قبل أن تصرخ:
-وبعدين؟ هفضل مستنية كتير؟ اطفي الزفت وكلمني يا ولد!
نفخ أنفاسه بضيق وأطفأ جهازه مرغماً، يضع ذلك المقبض جانباً ويلتفت نحوها يسألها بتذمر:
-نعم يا ماما؟
جلست على السرير لتشير له أن يجلس بجانبها:
-تعالى يا "شريف".
نبرة صوتها الجادة أقلقتة ليجلس بجانبها ينظر لها بريبة تفاقمت عندما سمعها تقول:
-"أحلام".
قطب حاجبيه مندهشاً وسألها مستفسراً:
مالها "أحلام"؟
-مش شايف إن علاقتك بـ"أحلام" متطورة زيادة عن اللزوم؟
سألها بجهل بعد أن ازدادت حيرته:
-يعني إزاي؟ مش فاهم.
صمتت وعيناها تراقبه بتمعن تتحرى الصدق في نظراته قبل أن تسأله:
-أنت عندك مشاعر ناحية "أحلام"؟
انفجر ضاحكاً وقال مستهزئاً:
-أنا عندي مشاعر ناحية "أحلام"؟ دي بنت خالتي وزي أختي!
-بس "مليكة" و"ورد" كمان ولاد خالتك بس أنت بتعامل "أحلام" بشكل مختلف.
رفع كتفيه بلامبالاة وقال بهدوء:
-طبيعي عشان أنا و"أحلام" أصحاب.
رمقته بنظرة مستنكرة وقالت بحدة:
-مفيش حاجة اسمها أصحاب بين ولد وبنت.
طالعها باستهجان وقال رافضا فكرها:
-ليه يا ماما؟ ما أنتِ أهو عندك زمايل دكاترة أكيد.
-أهو أنت قلتها: زمايل مش أصحاب، فيه فرق بين الاتنين.
استمر يرفض حديثها ليقول بضيق:
-بس أنا و"أحلام" أصحاب من زمان، أنتِ ناسيا إننا كنا سوى في كل المراحل الدراسية؟ يعني أكيد فيه بينا حاجات مشتركة وأصحاب مشتركين.
تنهدت بيأس وحاولت أن تغير لهجتها لتقنعه لتقول بهدوء:
-حبيبي، فاهمة كل ده، بس إنتوا خلاص اتخرجتوا، لازمتها إيه حكاية التواصل والكلام الكتير؟ خلِ الحكاية يكون لها حدود، ما دام أنت بتعتبرها بنت خالتك وبس، خلاص عاملها زي "لوكا" أو زي "ورد" أختها.
دارت حدقتيها بتفكير وعدم اقتناع، وقبل أن يصدر منه أي اعتراض سبقته هي تمسح على رأسه ووجنته تقول راجية:
-أرجوك يا بني، عشان خاطري، حاول تبعد وتخلي حدود للعلاقة دي، افتكر دايما مفيش حاجة اسمها أصحاب بين بنت وولد، "أحلام" بنت خالتك، خلاص عاملها على الأساس ده.
-بس يا ماما...
قاطعته عائدة لحدتها بعد أن نفذ صبرها في إقناعه باللين:
-"شريف"، حاول تحط حدود للعلاقة دي، ده آخر كلام.
نهضت بغضب تاركة المكان، نظر إلى أثرها حانقاً وقال بتعجب:
-هي مضايقة ليه من علاقتي بـ"أحلام"؟ هي فاكرة "أحلام" اي دي"جعفر" صاحبي؟
لكنه صمت فجأة في لحظة إدراك قبل أن ينفجر ضاحكاً يهز رأسه بستهزاء:
_أنا عندي مشاعر ناحية "أحلام"؟!
************************************
عاد إلى المنزل قرابة الفجر يحمل بعض الأكياس، دخل يضع ما أحضره في الثلاجة بعد أن أخرج منها علبة القهوة المثلجة ووضعها جانباً.
اتجه نحو الأريكة وجلس عليها بإرهاق يرتشف القهوة ويطالع هاتفه ليفتح تلك الرسالة وينظر لها بقهر.
عينه تتنقل بين كلماتها بحسرة.
فلم تكن تلك الرسالة سوى تأكيد من شركة سياحية التي طلب منها برنامجاً سياحياً، يطلبون منه أن يؤكد طلبه، لكنه عوضاً عن التأكيد ضغط على زر الإلغاء.
أغمض عينيه بأسى وهو يتذكر كيف اختار كل شيء تحبه، تعاظم ألمه وهو يتذكر كيف كان يراقب بدقة كل ما يعجبها، كل شيء وضعت له "لايك" في مواقع التواصل، كي يجعله ضمن قائمة ذلك البرنامج.
أغلق الهاتف وقذفه على الطاولة أمامه، يعيد رأسه إلى الوراء ويغمض عينيه.
أحست بحركته خارجاً، أغمقت عينيها المتعبتين، فلم تستطع النوم قبل عودته، كانت تخشى أن يصيبه مكروه بسببها.
**********"
وفي اليوم التالي فتح عينيه بثقل يشعر بالإجهاد، كان جسده يؤلمه من النوم على تلك الأريكة الضيقة، أغمض عينيه وعاد يفتحها من جديد يشعر بالدفء، ليجد جسده مغطى بغطاء، علم أنها هي من دثرته بهذا الغطاء، ليتنهد بألم، فقد أصبح كل ما يخصها يؤلمه، مد يده يسحب هاتفه الموضوع أسفل تلك الوسادة الصغيرة ليجد أن الوقت قد تأخر كثيراً وهم الآن في وقت الظهيرة. دعك عينيه وعاد يطالع هاتفه ليجد رسالة "حسن" وهو يعرض عليه تناول العشاء في أحد المطاعم، تردد في الموافقة لكنه في النهاية وافق على عرضه كي تبدو صورتهم طبيعية.
انتبه إلى وجود صوت في المطبخ أعقبه رائحة القهوة التي انتشرت في المكان، اعتدل في رقوده ثم نهض يحاول أخذ حمام دافئ كي يستعيد نشاطه، وما هي إلا بضعة خطوات حتى وجدها تظهر أمامه وتقترب منه، ترسم ابتسامة بسيطة على وجهها:
-صباح الخير.
لم يجبها، فقط حدق بها بنظرة باردة لتتوتر وتشعر بالحرج، لتقول بارتباك:
-تحب تفطر وإلا تشرب قهوة؟
تجاهلها وأكمل خطواته حتى تجاوزها لتسمعه يقول بأمر:
-جهزي نفسك، هنتعشى مع "حسن" ومراته.
تنهدت بتعب، يبدو أنه يستخدم معها الصمت العقابي، زفرت أنفاسها بثقل تتجه نحو الغرفة تستعد لذلك اللقاء الذي كان هماً آخر بالنسبة لها.
'*********************************
خرج من الحمام ليجدها تقف أمام المرآة تُكمل زينتها، فوقف يتأملها بهدوء.
كم هي جميلة ورقيقة! ولون فستانها المميز زادها فتنة وجاذبية. حدق بها للحظات وعقله يتخيل كيف لهذا الفستان أن يجذب الأنظار نحوها رغم حشمته؟ تلك الفكرة أشعلت فتيل غيرته، قبل أن تغشى عينيه ظلمة تلك الأفكار.
صورة جسدها التي انعكست أمامها في المرآة جعلتها تلتفت إليه بعفوية، وتسأله بدلال:
-"إيه رأيك؟".
كان صوتها الهادئ كمصباح نور يسحبه من ظلمته إلى الحاضر، لتلين قسمات وجهه الحادة. اقترب منها بخطوات بطيئة حتى أصبح خلفها، وأحاط جسدها بحب، ساندًا ذقنه على كتفها وهو يجيبها بهيام:
-قمر، وأحلى من القمر كمان!
أشرق وجهها بابتسامة عريضة، وكلماته تروي عطش قلبها النقي لتلك المشاعر الجميلة التي استطاع أن يزرعها فيه ببساطة. لكن تلك الابتسامة لم تدم طويلاً عندما سمعته يقول:
-بس ممكن تغيري الفستان ده؟
تعجبت من طلبه، لتزم شفتيها بعبوس وتسأله بدهشة:
-ليه يا حبيبي؟ مش لسه بتقول حلو؟!
أدار وجهه يقبل وجنتها، وانشغل أنفه يستنشق عبيرها بوله، يخرج كلماته المعسولة بحذر ليستطيع إقناعها؛ كصياد ماهر يقتنص فريسته دون جهد منه:
-ما هو عشان حلو عاوزك تغيريه.. أنا بعشقك وبغير عليكي.
ثم صمت يمزج حديثه بالفكاهة قائلاً:
_وبصراحة مش ضامن نفسي ممكن أعمل إيه في أي حد يبصلك أي بصة مش كويسة!
شدد من ضمته كعنكبوت يحيط خيوطه حول ضحيته ومضى يقول:
-أنا بحبك أوي أوي.. نفسي أخبيكي جوه قلبي وأبعدك عن عيون الناس كلها.
دفء أحضانه الذي ماثل دفء نظراته وكلماته الجميلة غيّب عقلها، وجعلتها تطيعه كمسحورة يسحبها نحو طريق يرسمه هو، ويتحكم وحده في اتجاهاته.
*************************
وصل الأربعة إلى ذلك المطعم الراقي، اختاروا إحدى الطاولات وجلسوا ثم اختاروا الطعام، وفي فترة انتظارهم للطعام كانت عيناها تراقب "حسن" و"سندس" بحسرة وهما يتهامسان بحب ويبتسمان. كان يختلس النظرات نحوها ويبصر مراقبتها لشقيقه وزوجته، يشعر بحزنها ليظن أنها تذكرت حبيبها، ليزداد حنقه منها، فيمسك هاتفه يحاول تصفحه كي يشغل نفسه عنها.
ظلت تطالعهم وتخطف نظراتها نحو ذلك الجالس بجانبها منشغلاً بهاتفه، وابتسمت متهكمة تفكر ماذا لو علم "حسين" هوية حبيبها؟ لكن فجأة هناك شيء استوقفها، فقد جذب انتباهها "حسن" الذي كانت عيناه تترصد النادل الذي بدأ يرص الأطباق أمامهم، يتتبع حركاته ويراقبه بدقة حتى انتهى مغادراً، تعجبت تلك النظرات التي تخللتها نظرات كان يحيط بها زوجته بخوف.
شرعوا يتناولون الطعام، لينفطر قلبها وهي تجده يضع الطعام باهتمام في صحن زوجته، يطعمها رغم خجله.
لتنشُب الغيرة في قلبها، ووجدت نفسها تسأل "سندس" كأنها تحاول قطع هذا التواصل:
ظ"سندس"، أنتِ مش مفكرة تشتغلي؟ الفرص في "القاهرة" أكيد هتكون أكبر.
تجمدت يده وارتعشت أصابعه غضباً عند سماع سؤالها الذي لمس وتراً حساساً، مهدداً بكسر إيقاع "السنفونية" التي يحاول تأليفها لحياته بنفسه. توقفت السكين التي كان يقطع بها قطعة اللحم أمامه، وألقاها جانباً بعنفٍ مكتوم. رفع رأسه ينظر إليها بغيظ، وقبل أن تنبس "سندس" ببنت شفة، سبقها هو قائلاً بنبرة حادة:
_"سندس" مش محتاجة تشتغل طول ما أنا موجود.
لكنها -في غفلة عن عاصفة الغضب التي تقدح في عينيه- استمرت في تناول طعامها وقالت بتلقائية:
_المسألة مش مسألة فلوس يا "حسن"، أحياناً الست بتحتاج تشتغل عشان نفسها؛ عشان تثبت وجودها وشخصيتها.
وقبل أن تسترسل في حديثها الذي خشي أن يغرس بذرة تمرد في ذهن زوجته التي كانت تراقبهما بترقب، قاطعها حاسماً. وضع يده على كتف "سندس" وضمها إليه، متحدثاً بغزل منمق ليحجب عنها تلك الأفكار التي تهدم ما يحاول بناءه:
_بس أنا مراتي مش محتاجة تثبت وجودها، هي موجودة جوا قلبي، وأنا عاوزها ملكة في بيتها، اللي تأمر بيه يوصلها بإشارة منها من غير ما تتعب.
رفعت "سندس" رأسها تطالعه بحب وامتنان، وقد روى حديثه ظمأ أنوثتها وأرضى روحها الهادئة. بادلها هو تلك النظرات، محاولاً إقناعها بصدق مشاعره، بينما كان في الحقيقة يبني سوراً منيعاً حولها لا يتخطاه سواه.
ثم التفت نحو "قمر" التي كانت تراقب المشهد بحيرة، وقال بحدة تقطع عليها أي فرصة للتمادي:
_وبعدين كل واحد حر في حياته، يعيشها زي ما هو شايفها صح.. كل واحد أدرى بمصلحته وراحته، ومحدش محتاج حد يعرفه الصح من الغلط.
بهتت ملامح "قمر" من طريقته الهجومية المبالغ فيها، وزاد من حرجها حين توجهت نظراته الآمرة نحو "حسين" قائلاً بشدة:
_"حسين" عارف إني مبحبش حد يدخل في حياتي.
أدرك "حسين" مقصده، وفهم رسالته الضمنية التي يطالبه فيها بإسكات زوجته، فقال بتوتر وهو يرمق "قمر" بنظرة عتاب:
_أيوه طبعاً، يا "حسن" أنا عارف كده كويس.. "قمر" ما تقصدش حاجة، هي بتتكلم بصورة عامة.
بلعت "قمر" ريقها الذي جف من شدة الحرج، وقالت بارتباك تحاول تبرير موقفها:
_فعلاً، أنا ما قصدتش، ده كان رأيي بشكل عام.
ثم اختلست نظرة نحو "حسين" الذي احمر وجهه بضيق، وأضافت معتذرة:
_آسفة لو كنت تعديت حدودي.
ليقول "حسن" باقتضاب يكتم ضيقه:
_محصلش حاجة.
لكن المفاجأة كانت عندما نهض "حسن" فجأة وجذب يد "سندس" ليحثها على الوقوف، فتراخت هي بتوتر وهي توزع نظراتها بينهما:
عن إذنكم، إحنا عندنا مشوار تاني.
_على فين يا "حسن"؟ إنتو لسه ما كملتوش أكلكم!
سأله "حسين" بحرج، مشيراً إلى أطباقهم التي لا تزال ممتلئة. لكن "حسن" كان مصراً على المغادرة، كأنه يقطع أي حبال قد توصل بين "سندس" و"قمر"، تلك التي يراها تهديداً لخططه بأفكارها المتحررة. نظر "حسن" إلى "سندس" وقال:
_لا، إحنا الحمد لله شبعنا.. مش كده يا روحي؟
أومأت له برأسها دون تعقيب، فأحاط جسدها بيده وسار بها مغادراً. بقي "حسين" في مكانه يتجهم وجهه، وعيناه تلاحقان شقيقه المغادر، ثم زفر بضيق ونهض هو الآخر، يرمق "قمر" بنظرات غاضبة.
_أنا هخرج أستناكِ برة، عاوز أدخن سيجارة على ما تخلصي.
تركها تكتم دموعها تشعر بالإهانة، هل تهورت مرة أخرى؟
هي لم تفعل شيئاً يستحق تلك الثورة.
**********************************
سارت بجانبه حتى وصلوا إلى شاطئ البحر لينظر لها مبتسماً:
-إيه رأيك؟ حلو المكان؟
لتخبره بسعادة غامرة وهي تتشبث بذراعه:
-حلو أوي يا "حسن".
أخذ نفساً عميقاً يشعر بالارتياح ونسمات الهواء الباردة تنعش صدره، لتسأله بتردد:
-"حسن"، هو ممكن "حسين" و"قمر" يزعلوا؟ أنت ليه كلمتهم كده؟
-اختطف نظرة نحوها وعاد ينظر أمامه يطالع المكان:
-ما بحبش حد يحشر نفسه في حياتي.... ما دام ماليش دخل في حياته.
ثم ربت على يدها وقال يطمئنها:
-و"حسين" طيب مش هيزعل.. متخافيش.
*************************
وصلا إلى الشاليه ليسبقها هو نحو الداخل، ترتسم على وجهه علامات الضيق، لتتبعه هي تحاول كسر ذلك الصمت الذي لازمهم منذ مغادرة "حسن" و"سندس":
-"حسين"، أنا فعلا ما كانش قصدي حاجة، "حسن" هو اللي...،،،،
استدار نحوها بسرعة يبتر حديثها ويقول بحدة:
-لو سمحتِ، ملكيش دعوة بـ"حسن" ومراته.. "حسن" عصبي ولما بيتعصب ما بيقدرش يمسك أعصابه.
صمت قليلاً يزفر أنفاسه حانقاً، يخبرها قبل أن يشيح بوجهه بعيداً عنها:
-أرجوكِ، مش عاوز مشاكل.... تصبحي على خير.
تسمرت تحدق به برهة من الزمن وعيناها تلمعان بدموع، قبل أن تتحرك بخطوات سريعة نحو الغرفة صافقة الباب خلفها بقوة.
لكنه تفاجأ بها تعود بعد مدة ليست بقليلة، تسير نحوه بخطى واهنة، تضع له الوسادة والغطاء على الأريكة دون أن تنظر إليه وتعود إلى غرفتها في صمت، نغزت قلبه عندما رأى أجفانها المتورمة من شدة البكاء، لكن استفاقة كرامته لتصفع قلبه العاشق، تفيقه من غفلته.
*****************************
جلس كأمير مدلل أمام تلك الطاولة العامرة بألذ المأكولات التي يحبها، لا يعلم بما يبدأ، ليجد "سماح" تحمل صحنه الفارغ تملؤه بكمية كبيرة وتضعها أمامه تخبره بود:
-كل يا حبيبي بالهنا والشفا.
أصابته الدهشة ليقول بامتنان:
-إيه كل ده يا "سموحة"؟ أنا مش هقدر أكل كل ده.
لتلوح له لائمة:
-يا بني كل، متتكسفش.
حرك سبابته أمامها نافياً:
-أنا مش بتكسف يا "سماحة"، خصوصا في الأكل.
-بألف هنا وشفا، ده بيتك يا حبيبي، هو أنا عندي أغلى منك يا بني؟
قالتها "سماح" بصدق جعل قلبه يعتصره بخوف، ونظرات المحبه التي ترمقه بها "سماح"
تخبره كم تتوسم هذه السيده فيه خيرا
_أيوه يا عم، شفت؟ مش أنا بس اللي بدلع، أنت واخد الدلع كله أهو، شوف أنت جوز بنتها وغرفتلك وبدلعك وأنا بنتها مشفتش حاجة من الدلع ده.
هتفت بها "رحمة" تمثل التذمر، ليبتسم ويفتح أصابعه الخمسة أمام وجهها قائلاً بمزاح:
_قل أعوذ برب الفلق! يا ساتر، أنتِ حاطة عينك على اللقمة؟ هاتي يا ستي أغرفلك بدل ما أتزور.
_ما تسيبي الراجل ياكل وتغرفي لنفسك يا بنت، خلِ الراجل يتهنى بلقمته.
التفت إليها يحرك لها حاجبيه ويخرج لسانه يحاول إغاضتها، لتبتسم تحمل طبقها بقلة حيلة تضع بعض الطعام فيه وبدأت تأكل.
لتتسع ابتسامتها بسعادة وهي تجده يضع الطعام في صحنها وينحني نحوها هامساً:
_كله إلا زعل أميرتي.
أسبلت عينيها بخجل وادعت انشغالها بالطعام تخفي حرجها من والدتها التي كانت تطالعهم مبتهجة، شفتيها تردد الحمد، فرحاً من أجل ابنتها.
************************
شعرت بالملل وتأففت بضجر، لم تغادر المكان منذ ثلاثة أيام، كل ما كانت تفعله هو الجلوس في الشرفة والمراقبة.
نهضت فجأة معلنة تمردها، أبدلت ملابسها وخرجت من الغرفة، دهشت من الجو الملوث بدخان السجائر الذي ملأ المكان كسحب كثيفة، لتجده يجلس أمام حاسوبه، عينيه تحدق بشاشته بتمعن، وبجانبه مطفأة مليئة بأعقاب السجائر، يبدو أنه كان شرهاً في التدخين اليوم.
سعلت عدة مرات عندما خنقها الدخان لينتبه لوجودها، واسترق النظر إليها ليجدها تلوح أمام وجهها باستياء بعد أن أزعجتها تلك الرائحة.
اقتربت منه وقالت وهي تتشبث بحقيبتها تنظر إلى الباب:
-ممكن أخرج أتمشى شوية؟
رفع نظره عن حاسوبه يحدجها بنظرة جانبية يسألها ببرود وهو يعاود للعمل على حاسوبه:
-وأنتِ تعرفي المكان؟ مش ممكن تتوهي؟
ربعت يديها وأخبرته بمكابرة رغم خشيتها من ضياع طريقها:
-مش هبعد.
ثم أضافت بثقة مزيفة:
-ولو تهت هستخدم GPS.
ودون أن ينطق بكلمة أشار لها نحو الباب ففهمت أنه يأذن لها، لتتجه نحو الباب، وقبل أن تفتحه أوقفها صوته:
-استنيني، أنا جاي معاكِ.
أخفت ابتسامتها خلف قناع اللامبالاة وانتظرته ينهض ويقترب منها، فتحت الباب وخرجت لها بعد أن أوصد الباب.
سار بجانبها بهدف مجهول، كانت عيناها تطالع الطريق بفضول، تلتفت يمينا ويساراً تتأمل جمال المكان بانبهار، وبعد مدة من السير ابتسمت برضى وهي تجده يسير بجانبها، لم يتقدمها ويتركها تسير خلفه كما يفعل بعض الأزواج. لمحت أحد المقاهي المعروفة لتكسر حاجز الصمت بينهم وتسأله باضطراب:
-ممكن نشرب قهوة؟
أومأ برأسه ليتجهوا نحو المكان، دخلوا ووقفوا عند الباب وعينيهم تبحث عن طاولة خالية، لكنه تفاجأ بشخص يلوح له، ابتسم وهو يقترب من الشخص الذي عرفه، ولم يكن سوى المهندس "آدم"، أحد المهندسين الذين كان مهمتهم الإشراف على المتدربين في المسابقة التي فاز بها، وبرفقته زوجته "لورا" مهندسة أيضاً تحمل الجنسية الألمانية. رحب "آدم" به بحفاوة وكذلك "لورا" التي كانت تعرفه جيداً:
-أهلاً.. أهلاً.. بالبطل، إزيك يا باشمهندس؟
-أهلاً يا فندم، صدفة حلوة إني أشوفكم النهاردة.
ليشاكسه "آدم" قائلاً:
-بتعمل إيه هنا؟ لا تكون داخل مسابقة تانية!
ضحك "حسين" وابتلع غصة مرة وهو يخبرهم بتلعثم:
-لا، أنا هنا بقضي شهر العسل.
لينتبه الاثنان إلى تلك التي تقف خلفه باستحياء، ليشيروا نحوها:
-عروستك؟
أومأ لهم مزيحاً جسده كي تظهر أمامهم يعرفهم بها:
-"قمر" مراتي.
سخر من نفسه سراً وهو يتذكر كيف كان يحلم أن تنال ذلك اللقب، ويتلذذ لسانه بنطقه. رحب "آدم" وزوجته بها وطلبوا منهم الجلوس معهم، نظر هو نحوها وأشار لها بالجلوس.
لاحظت اهتمامهم به وثنائهم عليه، وتعجبت من طريقته العملية في الحديث وإتقانه لغات أخرى كالإنجليزية والألمانية، وزادت دهشتها وهي تبصر أسلوبه الرزن في الكلام الذي جعل "آدم" وزوجته ينصتون له باحترام.
اندمج الثلاثة في الحديث عن العمل والهندسة، ويتذكرون بعض المواقف التي حدثت أثناء المسابقة، أحداث لم تفهمها لتشغل نفسها بمتابعة ديكور المكان الذي حمل لمسة كلاسيكية، ركزت عينيها تتابع أدق التفاصيل، تحاول الاستفادة منها واكتساب شيء جديد. لفتت حركات عينيها انتباه "لورا" التي لاحظت تمعنها بالتفاصيل لتسألها بفضول:
-ما هو اختصاصك حبيبتي؟
-أنا مهندسة ديكور.
نظرت لها "لورا" بإعجاب قبل أن تعقب وهي توزع نظراتها بينها وبين "حسين":
-يبدو أنكِ مهندسة متميزة مثل زوجك، راقبت اهتمامك في ملاحظة ديكورات المكان
.
أومأت لها شاكرة:
-شكراً لكِ على كلامك الجميل.
ثم ابتسمت ابتسامة ماكرة وقالت تمازحها مشيرة نحو "حسين":
-دعيني أخبركِ سراً عن زوجك.
نظر لها "حسين" بتوتر وقال يبادلها المزاح مشيراً نحو نفسه بتعجب:
-سراً عني أنا؟
هزت رأسها بالإيجاب وركزت نظرها نحو "قمر":
-تعلمين، طيلة مدة المسابقة وزوجك ليس له حديث سوى عنكِ وعن مدى شوقه إليكِ.
تلاشت ابتسامتها المجاملة وحل محلها ابتسامة باهتة، قبل أن تطأطئ رأسها بحرج وشعور الذنب والندم يستوطنان قلبها، ويمحوان أي مكان للسعادة فيه.
أما هو فخنقتة مرارة الخذلان، ليجاهد في رسم ابتسامة عريضة يخفي خلفها ألمه ويجامل أصدقاءه.
*****************************
دخلت"ورد" غرفتها تشعر أنها سعيدة كطائر يحلق في السماء، تعانق الغيوم العالية، تود لو تصرخ وتخبر الجميع كم هي مسرورة، دارت حول نفسها بفرح وقفزت تهتف:
_"يس".. "يس"....
ثم اتجهت نحو طاولتها الصغيرة تخرج أوراقها وقلمها وجهازها اللوحي تنظر لهم بفخر، لقد تحقق حلمها أخيراً ووقعت ذلك العقد الذي سيمنحها الفرصة في المشاركة في المعرض.
جلست على الكرسي تنظر بإصرار لقلمها وتهمس لنفسها بحزم:
-سوف أقتلع جذور الماضي وأخط بحبري حكاية حياتي، لن ألتفت إلى الخلف، سأرسم طريقي الجديد بيدي.
لكنها توقفت تفكر لحظة، هي الآن أمام تحدٍ يجب أن تنجح. وهل ستنجح
الفصل 19
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
هناك صمت يؤلمنا، وهناك صمت يتعبنا، وهناك صمت يقتلنا، وهناك صمت يمنح قلوبنا وعقولنا هدنة، ولنا أن نختار أي صمت سيشعرنا براحة كي نطرق بابه.
رفع فنجان قهوته الساخنة يرتشف منها القليل، وأبخرتها تضرب أنفه تمنحه شيئًا من السكون. أسبوعان مرا منذ أن عادا من رحلة شهر العسل المزيفة، تعمد خلالها تجنب اللقاء بها؛ كأنه يعود قلبه على بعدها، ورغم لقاءاتهم القليلة لكن كلمات معدودة تشاركاها. تنهد بتعب، فقد أصبح يطحن نفسه في العمل كي يشغل عقله عن التفكير بها.
يحاول أن يخرس قلبه الذي يشتاقها، أصبحت له كالحلوى المسمومة؛ يتحسر عند رؤيتها ويموت إن قبلها.
ينبض قلبهما تحت سقف واحد، تشاركه الهواء ذاته، لكنه حرم قربها على نفسه، لن يهين نفسه مرة أخرى.
لقد تعلم الدرس القاسي وحفظ سطوره بوجع.
طرقات على الباب أعقبه دخول "سالي" بوجهها المبتسم كالعادة تقول بحماس:
ـ عاوزه أوريك حاجة.
وضع فنجان قهوته جانبًا والتفت نحوها مضموم الحاجبين يسألها بفضول:
ـ توريني إيه؟
مدت له يدها بورقة وقالت مبتهجة:
ـ شركة "MSLS" بعتت فاكس ولنك بكود خاص، شوف كدة الكود، أكد وصل على الإيميل الخاص.
أدار شاشة حاسوبه نحوه وفتحه يبحث عن الإيميل، اقتربت منه وانحنت قليلًا تتابع الشاشة بترقب ليعتصرها قلبها وهي تجد صورته برفقة زوجته تحتل الخلفية، غصة قلبها بلوعة محبوسة وجمرة الفقد تكوي قلبها.
حاولت أن تسيطر على مشاعرها تجاهه، وحمدت الله عندما وجدته يفتح ذلك الرابط فتظهر أمامها صور لتصاميمه التي بدأ تنفيذها على أرض الواقع، لتهتف بفرحة تلقائية تستر خلفها ألم قلبها:
ـ الله حلو أوي يا "حسين"، البداية برافو عليك، أكيد هتبقى تحفة.
كان يتنقل بين الصور بسعادة كبيرة، يطالع ثمار جهده بانتصار ليؤكد حديثها بشغف:
ـ فعلًا هتبقى تحفة.
ـ أنت شاطر يا "حسين"، ما شاء الله عليك.
ـ متشكر يا "سالي".
استمر هو يمرر الصور بدقة متناهية وهي تتأمله بقلب محترق حتى التفت إليها فجأة لترتبك بحرج.
فطن له هو ليقول برسمية:
ـ أنا هبعتلهم شكر وأطلب أننا نفضل على تواصل... متشكر يا "سالي".
تحمحمت بتوتر قبل أن تستأذن تنوي الخروج لتتوقف فجأة وتستدير نحوه تسأله:
ـ "حسين"، هو أنت فيك حاجة؟ زعلان من حاجة؟ شكلك متضايق.
هز رأسه نافيًا وقال بجمود:
ـ لأ.
ثم أضاف بشيء من السخرية:
ـ بالعكس، دا أنا راجع من شهر العسل!
أتبع حديثه بابتسامة عريضة وختم حديثه كأنه يغلق عليها جميع الأبواب:
ـ وأنتِ عارفة الجوازة دي كانت حلم بالنسبة لي.
بادلته الابتسامة باضطراب وانسحبت مغادرة بعد أن دعت له:
ـ ربنا يسعدك.
ظل ينظر لأثرها بحزن ويتمتم بتمني:
ـ ياريت كان لينا سلطة على قلوبنا يا "سالي"، كنت اخترتك.
ثم ابتسم وقال بتهكم موجع:
ـ على الأقل أنتِ متأكدة من حبك ليا.
أغمض عينيه وأرجع رأسه إلى الوراء يتذكر كيف كانت معجبة به منذ أن كانوا زملاء في الجامعة، وكم توددت له وأظهرت له إعجابها، لكنه كان دومًا يصدها ويضع حدودًا لعلاقتهم، فقلبه كان ملكًا لغيرها.
****************************
عاد من عيادته يبحث عنها فنادى عليها:
ـ "رحمة".... "رحومة".... أين أنتِ؟
لكنها لم تجبه ليتسلل القلق إلى قلبه، وضع الأكياس التي كان يحملها جانبًا وأسرع يبحث عنها، لم يجدها في المطبخ فتجه إلى غرفة النوم ليسمع أنينًا أفزعه، اقترب منها بخوف ليجد جسدها يرتجف، وجهها تغطيه حبات العرق، تهمهم بكلمات غير مفهومة، مد يده يتلمس جبهتها لتلسعه حرارة جسدها.
خرج مهرولًا نحو الصيدلية الصغيرة التي في منزلهم، أخرج بعض العقاقير واتجه إلى المطبخ يحضر لها كأسًا من الماء.
اقترب منها وانحنى يرفع رأسها وينادي عليها وهو يدس حبة الدواء في فمها:
ـ "رحمة" اشربي الدواء.... "رحمة" يله أرجوكِ، حرارتك عالية.
فتحت عينها بوهن لكنها كانت كالمغيبة، دفع حبة الدواء داخل فمها بإصبعه وسقاها الماء ليريح رأسها على الوسادة من جديد بعد أن تأكد من بلعها للدواء.
ظل طوال الليل يضع لها الكمادات، يحاول خفض حرارتها حتى انخفضت ليتنهد بارتياح.
فتحت عينيها بتعب تشعر بألم في جميع أنحاء جسدها، كانت ملابسها شبه رطبة، حاولت النهوض مستندة على كف يدها ووقفت مترنحة، اتجهت نحو الخارج لتسمع حركة في المطبخ، اقتربت تقف عند أعتابه تسند جسدها على حافة الباب لتبتسم ابتسامة متعبة وقلبها يخفق بسعادة وهي تجد "زياد" يقف أمام الحوض يغسل الأطباق المتسخة، وهناك قدر يغلي على النار يصدر منه رائحة لذيذة، لتنادي عليه بصوت مبحوح من شدة المرض:
ـ "زياد".. حبيبي بتعمل إيه؟
استدار يطالعها بقلق واقترب منها بسرعة يتلمس جبهتها ليتنهد ويقول مبتسمًا:
ـ الحمد لله الحرارة مش عالية، أنتِ كويسة؟
أومأت له تجيبه بوهن:
ـ الحمد لله أحسن.
ليزفر أنفاسه يلومها:
ـ قمتِ ليه من السرير؟
لم يمهلها وقتًا لإجابة، أحاط جسدها يسندها حتى وصل بها إلى الغرفة ومددها على السرير لتقول معترضة:
ـ أنا بقيت أحسن يا حبيبي.
لينظر لها ويقول بحزم قبل أن يدثرها بالغطاء:
ـ لازم ترتاحي، أنا عملتلك شوربة هجيبلك تشربي شوية عشان تاخدي الدواء.
رحل وعاد بعد قليل يحمل حامل طعام يضع عليه كأسًا من العصير وصحنًا من الشوربة.
وضعها جانبًا واتجه إليها يساعدها على الجلوس ويعدل الوسادة خلفها، ثم جلس أمامها يطعمها وسط استمتاعها باهتمامه، تطالعه بحب وهو يغرف الطعام ويدسه في فمها برفق حتى انتهى ليقدم لها كأس العصير لتقول بانزعاج:
ـ مش هقدر أشربه.
لكنه أصر عليها وأمسك القدح يسقيها العصير بنفسه، ثم ناولها حبة الدواء لتقول له بامتنان:
ـ تعبتك معايا يا حبيبي.
ـ تعبك راحة يا "أميرة".
ليستطرد يمازحها:
ـ دا أنا ترعبت عليكِ امبارح، نسيت أصلًا إني دكتور، وقفت ساعة قدام درج الأدوية أحاول أفتكر اسم الدواء.
ليتفاجأ بها تسحب يده وتنحني تقبلها وتقول شاكرة:
ـ متشكرة أوي.
جذب يدها التي تمسك يده وانحنى يقبلها هو الآخر ويعاتبها بضيق:
ـ ما تقوليش كدة تاني، أنتِ تؤمري.
اغرورقت عينيها بالدموع وهي تقول بصدق:
ـ أنا بحبك أوي يا "زياد".
ابتسم لها واختنقت تلك الكلمة بين ثنايا صدره تأبى الخروج، ولم يستطع أن يبادلها اعترافها؛ يخشى أن يوهمها باعتراف مزيف وهو غير متأكد من مشاعره، لكن نظرة عينيها الراجية اضطرته أن يحاول تغيير مجرى الحديث للفكاهة ويقول ساخرًا:
ـ يله عشان تنامي وترتاحي، مش هترشيني بكلمة "بحبك" وتفضلي صاحية وأنتِ تعبانة!
رغم أنها حافظت على ابتسامتها لكن شيئًا ما نغز قلبها، كانت تتمنى أن يبادلها الاعتراف، رغم أن أفعاله تشعرها باهتمامه، لكنها كانت تتمنى أن تسمع، لتقول بتلعثم:
ـ كنت عاوزة آخد شاور.
شعر بالكسرة التي تخللت صوتها ولمعة الخيبة التي كست عينها ليشعر بذنب وقال بابتسامة عريضة:
ـ بس كدة؟ من عيوني.
ليباغتها بنهوضه وحملها بين ذراعيه لتشهق بفزع وتسأله مندهشة:
ـ بتعمل إيه يا "زياد"؟
مثل الانزعاج وهو يقطب حاجبيه:
ـ هوديكِ الحمام، مش قلتِ عاوزة آخد شاور؟ هتغيري رأيك ولا إيه؟
لتهتف باعتراض:
ـ أنا أقدر أمشي لحد الحمام.
ضمها بعناد وسار بخطوات بإصرار ينهرها:
ـ اششش.... مش عاوز أسمع اعتراض.
طالعته بعشق وقلبها يخفق بقوة بين يديه، وصل إلى الحمام وأنزلها بلطف يسألها بعبث:
ـ تحبي أساعدك؟
احمرت خجلًا قبل أن تدخل بسرعة تغلق الباب تجيبه من خلفه:
ـ لا شكرًا مش عاوزة مساعدة.
انفجر ضاحكًا وصاح متوعدًا:
ـ كدة يا "رحمة" بتغشي؟ ماشي!
اختفت ضحكته ينظر إلى الباب المغلق، يتنهد، ويضرب صدره بيأس ويلوم قلبه:
ـ وبعدين معاك؟ مش كفاية؟ انسى!
******************"**" ******
عاد حاملًا علبة وباقة زهور صغيرة، دخل شقته وأثلج قلبه صوت القرآن الذي يصدح في المكان يمنحه الطمأنينة.
رائحة البخور والعطور التي تعبئ المكان تكسبه نقاء وهدوءًا ليبتسم بارتياح، وتعمد أن لا يصدر صوتًا ويسير بخطوات متسللة نحو الداخل، استغل انشغالها في المطبخ ليفتح تلك العلبة يخرج منها قالب الحلوى ويضعه على الطاولة وبجانبه باقة الزهور.
ثم اتجه بخفة نحو المطبخ ليجدها تقف مندمجة تعد الطعام، لتشعر به يقبل وجنتها فتجفل ملتفتة بخوف تضع يدها على صدرها تلتقط أنفاسها برعب وتقول له لائمة:
ـ خضتني يا "حسن".
ضحك يضمها ويقول معتذرًا:
ـ آسف يا روحي مش قصدي.
ظلت تلتقط أنفاسها المتسارعة حتى وجدته يبتعد عنها يطالعها بقلق ويعاود اعتذاره:
ـ حقك عليا، والله مش قصدي أخضك.
أومأت له وابتسمت فرحة بقلقه:
ـ ولا يهمك يا حبيبي.
ـ عامل لك مفاجأة.
قالها فأدهشها حديثه وسألته بتعجب:
ـ مفاجأة إيه؟
أدارها ووضع كفيه على عينيها يغطيها ودفع جسدها يرغمها على السير أمامه مغمضة العينين لتسأله بريبة:
ـ "حسين"، واخدني على فين؟
ـ تعالي يا حبيبتي ما تخافيش.
أوقفها أمام المائدة وفتح عينيها ليهتف مرددًا بسعادة:
ـ كل سنة وأنتِ طيبة يا روحي.
تسمرت مكانها تطالع قالب الحلوى وعينيها تلمع بالدموع، غطت فمها بكف يدها بدهشة قبل أن توزع نظراتها بينه وبين قالب الحلوى بسرور، لقد تذكر يوم ميلادها وهي التي لم تحتفل به يومًا لعدم اهتمام عائلتها بهذه المناسبات.
خفق قلبها بحبه مبتهجًا وهو يسقي قلبها بمشاعر تتذوقها بعشق، التفتت نحوه وارتمت بين أحضانه تضم جسده بقوة وتقول شاكرة بصوت باكٍ تخلت فيه عن خجلها تعترف له بصدق:
ـ متشكرة أوي يا حبيبي، بحبك يا "حسن"، بحبك يا أغلى حاجة في حياتي.
بادلها العناق وكلماتها ترضي كبرياءه فيبادلها الاعتراف بسعادة يتأوه بهيام:
ـ ياااا يا "سندس"، أخيرًا اعترفتِ! وأنا كمان بموت فيكِ يا قلب حبيبك.
وكأن اعترافه كان مفتاح انهيارها لتستسلم لدموعها الحبيسة وتسمح لها بالانسياب قسرًا، فتعلو شهقاتها التي أقلقته ليخرجها من أحضانه يلومها وهو يمسح دموعها:
ـ طب بتعيطي ليه؟ دا أنا بقولك بحبك، المفروض تفرحي.
ـ دي دموع الفرح يا حبيبي.
هز رأسه رافضًا وقال يستنكر بكاءها:
ـ مش عاوز أشوف دموع حتى لو دموع فرح.
وكأن كلامه أمر بالنسبة لها، توقفت دموعها ومحى هو بأنامله أثرها وابتسم قائلًا:
ـ يله عشان نقطع التورتة.
لكن عوضًا عن ذهابها للمطبخ وجدها تسرع نحو هاتفها وتحضره تلتقط صورًا للكعكة وصورًا لهما، كأنها تريد تخليد تلك الذكرى، وقررت أن تمازحه، سحبت يده تضعها أمام الكعكة ووضعت يدها بجانبها وقالت ضاحكة:
ـ هخلي الصورة دي "ستوري".
لتشحب ملامحها برعب عندما تبدل حاله وتحولت ابتسامته إلى صرخات ينهرها بغضب:
ـ أنتِ اتجننتِ؟ "ستوري" إيه وجنان إيه؟
انكمشت على حالها برعب وامتلئت عينيها بالدموع، لكن هذه المرة لم تكن دموع فرح، كانت دموع حزن، أدرك هو معها غلطته وإخافته لها ليزفر أنفاسه بقوة ويطالع خوفها منه ليجذبها بسرعة يحتضنها بقوة بعد أن أفسد فرحتها ويقول بهدوء:
ـ آسف يا حبيبتي، عليت صوتي عليكِ، معلش يا قلبي سامحيني، بس أنا بكره حكاية الـ"ستوري" والحاجات دي، ما أحبش حد يطلع على خصوصياتنا ولا يشوف أحداث حياتنا، حياتنا ملكنا أنا وأنتِ وبس.
ثم أضاف يبرر بطريقة أخرى:
ـ سامحيني، بس أنا بتعصب بسرعة وما بعرفش بقول إيه لما أتعصب، بفقد أعصابي، اتحمليني أرجوكِ.
ثم طرق بابًا آخر علها ترضى وتتفهم:
ـ أنا بخاف نتحسد يا قلبي، أنتِ بخاف عليكِ.
أخرجها من أحضانه يقبل جبهتها باعتذار ويسألها بلهفة:
ـ سامحتِني يا روحي؟
ابتسمت بصعوبة تحاول أن تتفهم غضبه وتتخطى تحوله المفاجئ.
ليمسح على شعرها بحنان يحاول أن ينسيها فعلته:
ـ يله خلينا نقطع التورتة.
هرول نحو المطبخ كي يحضر سكينًا، وظلت هي تنظر لأثره متعجبة من تصرفه.
*****************'' '' ********'*' **
بين رائحة الريحان والزهور كان يرتشف الشاي ينظر إلى السماء الصافية باسترخاء ويتذكر ما حدث منذ شهرين أو ربما ثلاثة أشهر، لم يعد يتذكر ذلك التاريخ بدقة بقدر ما يتذكر ما حدث في ذلك اليوم عندما كان يسير متذمرًا تحت أشعة الشمس، يمسح حبات العرق عن جبهته بمنديله الورقي الذي اهترأ ليسقط ذلك الظرف فجأة منه، طالعه بمحتوياته التي تناثرت بسخط، ثم جلس القرفصاء يحاول لملمة محتوياته ويغمغم بضيق:
ـ يووه، هو أنا ناقص؟ مش كفاية البحث المتأخر!
لملم أغراضه ونفخ التراب من عليها قبل أن ينفضها ويعاود حملها، ليصل إلى مسامعه صوت شجار ناشب بالقرب منه، يبدو أنه بين فتاة وأحد الشباب يعاكسها.
كاد أن يتجاهل ما يحدث، لكن ساقه الفضول إلى الاقتراب بعد أن استفزه حديث الشاب الذي بدأ ينكر ويدعي أنها من كانت تنظر إليه.
اقترب من جمهرة الطلاب حولهم، وكلما اقتربت اتضحت صورة الفتاة ليسرع خطواته نحوها يبعد الشباب عن طريقه ليستطيع النفوذ من بينهم حتى وصل أمامها ينادي عليها:
ـ "مليكة".
توقفت عن الصراخ بوجه الشاب وتوبيخه والتفتت إلى ذلك الذي وقف ينظر بوجه متجهم:
ـ "دكتور أصيل"؟
اندفع نحو الشاب ووقف حائلًا بينه وبينها يصرخ غاضبًا:
ـ أنت إيه؟ معدوم الدم؟ واقف تبجح وتتخانق مع بنت بعد ما عاكستها؟
لتهتف من خلفه تحاول الدفاع عن نفسها:
ـ والله يا دكتور هو اللي وقف قدامي وبدأ يرمي كلام سافل.
رفع يده مشيرًا لها أن تصمت، ويقترب من الشاب الذي حافظ على ثباته المزعوم رغم توتره من نظرات "أصيل"، ليقول محاولًا تبرئة نفسه:
ـ دي كدابة، أنا ما عملتلهاش حاجة، هي بتبتلي عليّ!
لتصرخ مستنكرة:
ـ أنا بتبلى عليك؟ طب اسأل البنات، أهم كانوا شاهدين.
لتتعالى أصوات صديقاتها يؤيدون حديثها، لكنه التفت نحوهن نصف التفاتة وحدجهن بنظرة حانقة أخافتهن، كأنه يؤكد عليها أن تصمت قبل أن يقترب من الشاب الذي عاد بخطوة إلى الوراء عندما رأى اقتراب "أصيل" بنظراته الغاضبة المصوبة نحوه، ليجفل بخوف عندما أمسك ياقة قميصه وجذبه منها يهزه بعنف أرعبه:
ـ عيب لما راجل يكدب يله، دا أولًا، وثانيًا قبل ما تبص لبنت وتلسن عليها فكر في أختك وأمك عشان كما تدين تدان يا دكر، لو شفتك مرة ثانية قريب منها أو بتغلس عليها مش هرحمك!
ثم دفعه ليسقط على الأرض ويحدق به برهبة فهو يفوقه جسمانيًا، لينهض بسرعة وسط نظرات "أصيل" الحارقة ويبتعد بسرعة دون أن يلتفت.
أخذ يلتقط أنفاسه المتسارعة وعينيه تدور حول الشباب الذين تجمهروا يطالعون فقط ولم يتقدم أحدهم لمساعدتها.
وهز رأسه بأسف يحدث نفسه: هل انعدمت النخوة فينا؟ لينفض الجميع بسرعة بعد أن انتهى المشهد.
هبط يلملم أغراضه التي تناثرت على الأرض بعد أن سقطت منه عند اندلاع شجاره مع الشاب، لتحاول أن تساعده لكنه نظر إليها بحدة وقال بحزم ينهرها:
ـ ما توطيش.
نفض أغراضه من جديد ونهض، لتطالعه بامتنان وتقول شاكرة:
ـ متشكرة أوي يا دكتور.
علق نظارته الشمسية في فتحة قميصه الأبيض يجيبها بابتسامة هادئة:
ـ دا واجبي يا آنسة "مليكة".
ثم أضاف بشيء من اللوم:
ـ بس مرة تانية بلاش تحطي نفسك في موقف زي دا، حاولي تتجنبي الصدام مع النماذج دي لأنهم سفهاء.
وقبل أن تحاول الدفاع عن نفسها استرسل بلطف:
ـ عارف إنه عاكسك وأنتِ دافعتِ عن نفسك وأنا مش بلومك في الحتة دي، بس أديكي شفتِ هو بجح إزاي، المرة الجاية تجاوزي من غير ما تصدمي معاه، وإذا زودها كلمي أمن الجامعة هيتصرفوا معاه، فيه شباب بتحب تستفز البنات عشان يجروا كلام معاهم وبيستمتعوا بفرض الرجولة.
ثم ضغط على أسنانه بغيظ وقال:
ـ أشباه رجال مع الأسف.. لا عندهم غيرة ولا نخوة.
لاحظ حرجها من نصيحته ليحاول التخفيف عنها:
ـ بس أنتِ ما شاء الله عليكِ جدعة.
ثم أكمل يمازحها وهو يرى لمعة الدموع في عينيها ونظرتها الخجلة تخفض وتطأطأ رأسها بحرج، فخشي أن يكون قد قسى عليها بحديثه:
ـ أنتِ طالعة لخالتي "شمس"، أمي كانت دايمًا بتجول "شمس" جدعة.
كانت ردها ابتسامة خجلة لكنها باهتة، ربما مدحه لم يمحو تأثير حديثه ليقول بتلعثم مشيرًا إلى الطريق أمامه:
ـ ممكن أوصلك لغاية البوابة؟
احتضنت كتبها بقوة كأنها تحاول التماسك وهزت رأسها رافضة وهي تتجاوزه:
ـ متشكرة مفيش داعي.
شعر بذنب، ربما كان قاسيًا في نصحه، هي لم تخطئ، هي دافعت عن نفسها لكن ضد شخص مستهتر وفي زمان خاطئ.
لكنه لم يقصد، هو كان يخاف عليها أن تقع في مشكلة ذاتها مرة أخرى ولن تجد من يساعدها وربما يتفاقم الوضع، هي لا تزال صغيرة ومندفعة.
تبعها بإصرار حتى سار بجوارها وقال بحزم:
ـ اسمحي لي أكمل معاكِ، أنا خايف الولد يرجع تاني.
لتهتف بحنق متهكمة دون أن تلتفت إليه:
ـ هبقى أبلغ أمن الجامعة ويتصرفوا معاه.
ابتسم يتفاجئ من شراستها وهي ترد له نصيحته التي يبدو أنها أغاضتها، لكنه شاكسها:
ـ وأمن الجامعة ليه؟ أنا موجود.
لتقول باقتضاب:
ـ متشكرة.
خطواتها ازدادت سرعة كأنها تخرج غضبها بتلك الخطوات وتحاول الابتعاد عنه، ليقول متذمرًا يلهث أنفاسه:
ـ طب خفي شوية، مستعجلة ليه؟
ـ تقدر تمشي براحتك، أنت مش مجبر تمشي معايا.
تنهد بيأس لتخطر في باله فكرة يستطيع بها التخلص من سوء الفهم الذي حصل بينهم لينادي عليها بأنفاس متسارعة:
ـ طب استني بس، عاوز أطلب منك خدمة.
تباطأت خطواتها حتى توقفت، ليقف يلتقط أنفاسه أمامها وهي تشد من احتضان كتبها وتقول بضيق:
ـ اتفضل، أنا سامعاك.
ـ حضرتك مش بتدرسي في مجال ذكاء اصطناعي؟
ـ أيوه.
ـ طب أنا محتاج فيديوهات معموله ذكاء اصطناعي عشان أقدمها مع البحث بتاعي، ممكن؟
صمتت برهة كأنها تفكر وعيناها مصوبة نحو كتبها ليحاول حثها على الموافقة:
ـ أنا بصراحة كنت بدور على حد يساعدني، بس مادام أنتِ اختصاص يبقى ياريت تساعديني.
ظلت صامتة ليتوتر ويقول معتذرًا عندما استشعر رفضها:
ـ خلاص مادام ما تجدريش أشوف حد يساعدني.
تركها وسار خطوتين نحو الأمام، واتسعت ابتسامته عندما سمعها تقول:
ـ موافقة.
عاد من ذكرياته يأخذ نفسًا عميقًا امتزج هواؤه برائحة الزهور والريحان ثم زفره بقوة، يتذكر كيف ساعدته وصنعت له ما يحتاج بإتقان، وكانت فيديوهاتها رائعة تخطت فيها مستوى الاحتراف.
وكيف تكررت لقاءاتهم في داخل الحرم الجامعي ليخفق قلبه بقوة وهو يتذكر عينيها الجميلة، ابتسامتها التي بدأت تجذبه رغما عنه، واستمع لنبض قلبه الذي يخبره أنها بدأت تحتل مكانًا فيه ويعترف لنفسه أنه أصبح يميل لها ولا يستطيع إنكار مشاعره نحوها.
ارتشف مزيدًا من الشاي وهو يشعر أنه يتجاوز حدوده بتلك المشاعر، فـ"مليكة" لا تزال صغيرة، وهي شقيقة زوج أخته وابن خالته، صاحبه ليؤنب نفسه: يجب أن يحافظ على حدوده معها.
وفي تلك الأثناء أعلن هاتفه عن وصول رسالة، فتح الهاتف لتعلو وجهه ابتسامة عريضة عندما علم أن الرسالة منها:
ـ شوف كدة آخر فيديو واديني رأيك.
طالع الفيديو المرسل له ليبتهج وجهه، يعلم أنها قد اشتركت في دورة صيفية لتقوية مهاراتها وأصبحت تطلعه على تلك الفيديوهات التي تعتبر بمثابة اختبارات بالنسبة لها، كتب لها مادحًا:
ـ بررررافو يا "مليكة"، تحفة، تسلم إيدك.
ـ متشكرة يا دكتور، عارف بقيت مش بطمن إلا لما أبعتلك الفيديو وتديني رأيك.
ـ يعني أنا الحكم الأول..
ـ يعني أنا بتحسن؟ قول الحقيقة.
ـ أنا بقول الحقيقة مش بجامل يا "مليكة"، الفيديو فعلًا تحفة وأنتِ بتتحسني بشكل رهيب، برافو عليكِ.
ـ متشكرة أوي، تصبح على خير.
ـ تصبحين على خير.
أغلق الهاتف يشعر بقلبه الذي يخفق بين أضلعه ليعود وينهر نفسه: هي لا تزال صغيرة، لن يخون أصحابه ويتعدى حدوده.
************************
دخل شقته ليتفاجأ بتلك الجلبة التي ملأت المكان، كانت "أحلام" تقف أمام طاولة الطعام ترص بعض الأطباق، ثم تفاجأ بـ"ورد" تخرج من المطبخ تحمل أطباقًا أخرى، اقترب منهم بدهشة:
ـ مساء الخير.
التفتا إليه وأجابتاه:
ـ مساء النور.
اقترب من طاولة الطعام يطالع تلك الأصناف الموضوعة عليها ليقول متلذذ بعين متسعة:
ـ الله! إيه الجمال دا؟ إيه كل دا؟
نظر إليهم يحاول أن يسمع تبريرًا، لتخبره "ورد":
ـ لما عرفت ماما إن "رحمة" تعبانة قررت إننا نطلع نوضب الشقة ونشوف طلباتها ونعملكم أكل ونعزم نفسنا عليه معاكم.
قطب حاجبه يعيد حديثها وهو يلتقط قطعة خيار ويدسها في فمه:
ـ نعزم نفسنا عليه؟
ضحكت "أحلام" و"ورد" على مظهره وهو يلتقط الطعام من هنا وهناك يسألهم بفمه الممتلئ:
ـ أمال ماما فين؟
ـ في الأوضة مع "رحمة".
اتجه نحو غرفته وفتح الباب دون استئذان مندفعًا نحو الداخل يهتف مرحبًا:
ـ أم "زياد" عندنا؟ يا دي الهنا، يا دي النور!
لتجيبه "ندى" التي كانت تجلس بالقرب من "رحمة":
ـ أهلًا يا قلب أم "زياد" أنت.
اقترب يقبل رأسها وانحنى أكثر يقبل يدها بحب:
ـ إزيك يا ست الكل؟ وحشاني.
ـ حبيبي، أنت كمان واحشني.
اقترب "زياد" من "رحمة" ومد يده يتلمس جبهتها ليقول بارتياح:
ـ الحمد لله حرارتك طبيعية.
ثم تلمس وجنتها يسألها:
ـ إزيك دلوقت؟ أحسن؟
ـ الحمد لله يا حبيبي.
التفت نحو والدته يشكو لها:
ـ لو تعرفي خضتني إزاي.. لما لقيتها بتهلوس!
ربتت "ندى" على يدها تحمد الله:
ـ حبيبتي الحمد لله، ألف سلامة عليها.
لتقول "رحمة" بامتنان:
ـ تسلمي حبيبتي يا ماما.
ثم جلس بالقرب منها يوجه نظره نحو والدته ويقول مازحًا:
ـ تعرفي كانت بتهلوس بتقول إيه؟
لتضيق "ندى" عينيها قبل أن تضع يدها على وجهها متهكمة:
ـ بتقول إيه يا سيدي؟
ـ "زياد".... "زياد" حبيبي!
احمر وجهها بخجل لتتحرك "ندى" رأسها بقلة حيلة تضحك على الفكاهة، لتنهض لتقترب أكثر من "رحمة" وتضمها تدعو لهم بقلب صادق:
ـ ربنا يسعدكم يا ولاد ويرزقكم بالذرية الصالحة إن شاء الله.
لتقول "رحمة" بسرعة بتمني:
ـ آمين يا ماما....
ثم أضافت بشوق جارف للأمومة:
ـ ياريت يا ماما.. نفسي يكون عندي ابن وأبقى أم.
ـ إن شاء الله نفرح قريب، قلبي حاسس إن ربنا هيكرمكم قريب إن شاء الله.
كان يراقب المشهد ويشعر بالحزن وهو يرى شوقها لتصبح أم، بينما هو يتمنى أن لا يرزقان بطفل الآن حتى يتخلص من لعنة ذلك الحب الذي ينهش قلبه، ليهمس بسخرية:
ـ عيل إيه دلوقت؟ إحنا لسه صغيرين.. خلينا نستمتع بالحياة.
عبس وجهها وعاتبته "ندى" تنهر:
ـ ما تقولش كده يا حبيبي، الولاد رزق.
ابتعدت عن "رحمة" لتحيط وجهها بيديها وتخبرها بحب مبتسمة:
ـ دي "رحومة" هتكون أحلى أم في الدنيا.
بادلتها الابتسامة وقالت شاكرة:
ـ حبيبتي يا ماما.. وأنتِ هتكوني أحلى "تيتة".
مسحت على رأسها بحنان وقالت قبل أن تغادر:
ـ عن إذنكم يا ولاد، أروح أشوف البنات عملوا إيه قبل ما بابا يوصل.
غادرت "ندى" وعين "رحمة" تتبعها، فالتفتت نحو "زياد" تحدق به لحظات وتبتسم قائلة:
ـ عارف أحلى حاجة فيك إيه يا "زياد"؟ عيلتك، أنا محظوظة إن أهل جوزي بالجمال دا، ربنا يديم المحبة.
مثل الانزعاج يقترب منها أكثر حتى أصبح أمامها فانحنى يضرب جبهته بجبهتها، وابتعد يعاتبها:
ـ بقى كده يعني؟ "زياد" ما فيهوش حاجة حلوة؟
انفلتت ضحكتها على حنقه المزيف لتمد يدها تقرص وجنته:
ـ أنت دا.. أنت تجنن، كفاية عيونك الحلوين.
غمز لها بعبث وقال بنبرة ماكرة:
ـ دا أنتِ بتعاكسيني!
رفعت كتفها بلامبالاة وقالت بثقة:
ـ وماله؟ جوزي وأنا حرة أعاكسك براحتي.
ثم أضافت بتحدٍ تشاكسه:
ـ عندك اعتراض يا دكتور؟
ضحك يحدق بها وقال يخطف نظرًا نحو باب غرفته كأنه يشير إلى عائلته التي تقبع خلفه، وأخفض صوته يخبرها مازحًا:
ـ هو أنا أقدر أعترض؟ دول مناصرينك كلهم هنا!
رفعت سبابتها تهزها بتحذير تبادله مزاحه:
ـ شفت؟ خلي بالك يا "زيزو".
ليهز رأسه مستنكرًا ويضرب وجنتها بلطف يتوعدها:
ـ كدة يا "رحمة"؟ ماشي، يخلى لي الجو وأعرف إزاي أنتقم منك.
وقبل أن تجيبه سمعت صوت "طارق" في الخارج لتنتفض بفرح:
ـ بابا "طارق"!
ـ هي "أميرتي" فين؟.... يا "أميرة".. أين أنتِ؟ اظهر وبان عليكِ الأمان!
هكذا كان هتاف "طارق" الذي كان ينادي عليها.
لتغادر السرير بسرعة تلبي نداءه بسعادة، كان "زياد" يراقب خطواتها المسرعة نحو الباب ولهفتها للقاء والدها، يزفر أنفاسه بارتياح، ربما كانت صادقة فعائلته تعوضها عن ما كسر هو يومًا فيها، وبتلقائية مسح على قلبه يلومه:
متى أنت كمان تلين وتنسى وتحب بجد مش مجرد تمثيل؟
************************
عاد إلى المنزل ودخل في صمت كما اعتاد، اتجه نحو غرفته لكنه تفاجأ بها تجلس على الأريكة تمسك بطنها متألمة وتحني جسدها ساندة رأسها على مقبض الأريكة، حاول أن يتجاهلها وتجاوزها بضع خطوات لكن قلبه تمرد عليه وأجبره على العودة خوفًا عليها، اقترب منها ليخفق قلبه برعب، مسح على رأسها لتنتفض وترفع رأسها، سألها بقلق:
ـ مالك يا "قمر"؟ أنتِ تعبانة؟ أوديكِ المستشفى؟.
اعتدلت تهز رأسها برفض ويدها لا تزال تمسك أسفل بطنها:
ـ لأ ملوش داعي.
طالع وجهها الشاحب ليجدها تغمض عينيها بوجع وتعض على شفتيها تحاول مقاومة ألمها.
ليقول مستهجنًا حديثها:
ـ ملوش داعي إزاي؟ شكلك تعبانة!
أسبلت أهدابها بخجل وقالت بتلعثم تحاول أن توضح له طبيعة ما يحصل لها:
ـ أنا متعودة على الحكاية دي كل شهر.
قالتها ونهضت بوهن، وقبل أن تتجاوزه تمتمت شاكرة:
ـ ما تاخدش في بالك.... متشكرة.
التفت ينظر إلى باب الغرفة الذي أغلق خلفها ليفهم أنه زائرها الشهري.
تمددت على الفراش تمسك بطنها وتضغط عليها عل تلك التقلصات تهدأ، وبعد وقت قليل سمعت طرقات على الباب واستأذنها ليدخل، فأدهشها عندما رأته حاملًا كيس ماء دافئ (القربة) وكوبًا من مشروب القرفة، خطى نحوها وأشار بعينيه نحو الكوب قبل أن يناوله لها.
لتعتدل تنظر له باضطراب تلتقط منه الكوب بتوتر، فقال بحرج:
ـ سمعت إن المشروب دا كويس في الحالات دي.
ثم وضع كيس الماء الدافئ بجانبها وقال
وعينيه تهرب من عينيها المحدقة به:
ـ مش عارف بس يمكن المية الدافية تساعدك كمان.
عاد خطوتين إلى الوراء والتقت عيناه بعينيها ثواني، رأت فيها مدى قلقه عليها رغم ادعائه الجمود، لتقابله بنظرات شكر وامتنان، فلفظ لسانها بصدق:
ـ متشكرة.
أومأ لها بارتباك واستدار مغادرًا قبل أن يضعف، أحاطت الكوب بكفيها ترتشف منه القليل بصعوبة، واستمرت ترتشف منه رغم عدم تقبلها طعمه الحاد.
تنهدت بأسى تحاور نفسها، بل تعنفها، فيبدو أن "ورد" محقة، هو طيب القلب ليس كما كانت تظنه تافهًا، فرغم كل ما فعلت به لا زال يقلق عليها.
وضعت الكوب جانبًا قبل أن تسحب كيس الماء تضعه على موضع ألمها وتتمدد من جديد.
********************************
عقد قرانه عليها في أجواء بسيطة، حفل زفاف بسيط وسط أهلها وفي مدينتها فقط لكي يعلم أقاربها وجيرانها.
حضره بعض منهم، كما حضر أقاربه وأبناء خالاته الذين وقفوا معه في هذا اليوم.
عيناه كانت تتنقل بين شخصين فقط كأنه لا يوجد سواهما، تلك الصامتة التي تجلس بجانبه كجسد بلا روح، ووالدته التي كانت تحدجه بنظرات كالسهام تعلم طريقها، رسائلها واضحة، وعدم رضاها عن تلك المسرحية لم يخف عليه.
ما بين عتاب ولوم طوقته نظراتها التي وترته، وما بين هذه وهذه التقت عيناه بعين "أصيل" الذي نظر له بحيرة، لا يعلم هل ما يفعله صديقه صواب أم لا، ليتنهد بيأس، فهرب بعينيه منه يخفضها نحو يده المتشابكة يستعد لحياته القادمة.
لكن ربما ما هون عليه هو سعادة "فرحة" و"جابر" وهم يحتضنونه بسرور كأنه أنقذهم من هم كبير، وليس هذا فقط، ربما حبهم الصادق له ضاعف سعادتهم.
حتى عند لحظة الوداع كانوا يردفون صغيرتهم بكلمات الثقة والاطمئنان وأنها مع رجل يعتمد عليه، وكأنهم يضاعفون حمله وشعوره بالمسؤولية تجاهها.
عادت معه إلى القاهرة، لكنها عادت وهي زوجته، كان يبدو عليها الخوف فوجهها شاحب، نظراتها ضائعة، يدها ترتعش بقلق عميق وظاهر في الوقت نفسه.
خطت خطواتها الأولى داخل ذلك المنزل الكبير، وقبل أن تخرج من شفتيه أي كلمة وجد "شمس" تحيط كتفها وتبتسم لها تحاول طمأنتها:
ـ نورتِ بيتك يا "نور"، تعالي يا حبيبتي، أنتِ أكيد تعبانة، خلينا نروح للجناح بتاعك.
تبعت "شمس" بطاعة وسارت معها وسط نظرات "سيف" التي تتبعها بدهشة:
ـ إيه؟ مالك متسمر كدة ليه؟ أمك بتنفذ الاتفاق بس.
صوت "فارس" الذي أبصر تعجبه ليحاول غلق أبواب الدهشة عليه، التفت له بسرعة مقطب الحاجبين يسأله ببلاهة:
ـ يعني إيه؟ مش فاهم!
سار بخطوات بطيئة حتى تجاوزه بخطوتين يوصل له رسالة حازمة:
ـ أنت اخترت الجواز يكون على ورق خلاص، يبقى تسكن هي الجناح بتاعك وأنت ترجع أوضتك عشان يا دكتور "ما اجتمع اثنان إلا الشيطان ثالثهما"، خليك قد كلمتك!
ليهتف بضيق مستهجن حديثه:
ـ بس أنا ما كنتش هقربلها حتى لو عشت معها.
لوى شفته ساخرًا وابتسم يخبره بتهكم كأنه يحسم النقاش:
ـ كدة أضمن يا دكتور.
تركه وسط أفكاره المشتتة: هل يعاقبونه؟ أم هم ينفذون بنود الاتفاق؟ أم يضعوه أمام اختياراته؟ أم هذا هو الصواب؟
أما "شمس" التي أدخلتها الجناح وحاولت طمأنتها تأخذها في جولة فيه وتريها تفاصيله الجميلة التي أبهرتها، وأشعرتها براحة منحتها نوعًا من السكينة، ابتسمت "شمس" بهدوء وهي ترى ملامح "نور" المشدودة تسترخي شيئًا فشيئًا، وشفتها المرتعشة تزينها بابتسامة استحسان:
ـ ها يا "نور"؟ عجبك يا بنتي؟
لتهز رأسها برضى وتقول بلهفة:
ـ أوي أوي يا خالة.
ضمتها "شمس" تمسح على ظهرها بحنان وابتعدت تخبرها بأمر:
ـ لا، أنا من النهاردة ماما، وأي حاجة تحتاجيها أنا موجودة، وأي حاجة ناقصاكي اطلبيها ما تتكسفيش مني.
أومأت تخبرها بخجل:
ـ حاضر.
ربتت على كتفها برقة قبل أن تغادر مستأذنة:
ـ أسيبك ترتاحي يا حبيبتي.
غادرت "شمس" المكان لتدور عيناها في المكان بحماس وهي تتذكر وعده لها بإكمال دراستها الجامعية.
***************************
ألم أسنانها الذي تغاضت عنه تفاقم عليها ليضرب رأسها صداع قوي، تحاملت عليه وحاولت تجاهله، فهي لا تحب الذهاب إلى أطباء الأسنان وأجهزتهم التي تشكل الرعب بالنسبة لها.
حاولت وضع بعض القرنفل على موضع الألم عله يهدأ وتناولت قرص مسكن كي تخفف من صداعها، حتى سمعت طرقات على باب شقتها، اتجهت نحو الباب لتفتحه فتجد "هدى" تقف أمامها فرحبت بها بذهن مشوش:
ـ أهلًا يا خالتو.
تلاشت بسمة "هدى" التي كانت تزين وجهها وحل محلها علامات القلق بعد أن رأت شحوب وجهها لتسألها بخوف:
ـ مالك يا "قمر"؟ شكلك تعبانة!
لتشكو لها وهي تضع كفها على وجنتها:
ـ سناني وجعاني أوي.
لتمسح على عضدها تلومها بلطف:
ـ طب ليه ما رحتيش لدكتور يا بنتي؟
لتعقد حاجبها بتذمر وتخبرها بانزعاج:
ـ ما بحبش دكاترة السنان وبخاف منهم.
ابتسمت "هدى" ساخرة من امتعاضها وعاتبتها بححدة:
ـ وهو دا وقت تحبيهم وما تحبهمش؟ أنتِ هتناسبيهم يا "قمر"؟ يله غيري هدومك خلينا نروح لدكتور.
تبرمت بعبوس تتأفف كطفلة صغيرة:
ـ بخاف يا خالتي.
لتدفعها "هدى" نحو غرفتها بإصرار وقالت بحزم ضاغطة بخفة على ذراعها:
ـ يله بلاش دلع، مش أحسن ما تتحملي الوجع؟
ثم أضافت تحاول إقناعها:
ـ خلينا نروح لـ"زياد"، أهو ابن خالتك وهيراعيِكِ ويتحملك.
توقفت كأنها تذكرته لتلتفت نحو "هدى" وتهز رأسها موافقة، ثم تركتها تدخل لتغير ملابسها.
وعندما انتهت وهمت بالخروج تراجعت تنظر إلى الهاتف وتتذكر حقها عليه كزوج، حتى وإن كان زواجهم ليس حقيقياً.
بحثت عن اسمه وضغطت زر الاتصال، كان هو منهمكًا يعمل بدقة على أحد رسوماته وكاد أن يتجاهل الاتصال الذي استمر حتى انقطع لولا تكراره، لينهض يقطع اندماجه مع خطوطه واتجه نحو المكتب تفاجأ لرؤية اسمها والتقطه بسرعة يجيبه:
ـ ألو؟ أيوه يا "قمر".
ـ ألو "حسين"، أنا حاسة بوجع في سناني مش قادرة أستحمله......
وقبل أن يسمع باقي جملتها قاطعها بسرعة وبصوت مضطرب:
ـ تحبي آجي أوديكِ لدكتور؟
ـ لأ يا "حسين" ملوش داعي، خالتو اقترحت إنها تاخدني عند "زياد".
تبسم وقلبه يخفق بسعادة لأنه فهم أنها تستأذن للذهاب، ثم تنهد بارتياح واطمأن عند سماع اسم ابن خالته رغم استمرار قلقه عليها:
ـ فيه فلوس في درج السرير، خدي اللي تحتاجيه، ولو احتاجتِ حاجة كلميني.
ـ حاضر.
ـ مع السلامة.
اقتربت من السرير وفتحت ذلك الدرج، أخذت بعض النقود، وقبل أن تغلقه لمحت خاتم زفافه (الدبلة).
مدت يدها تلتقطه ورفعته تنظر إليه وطغى عليها شعور الذنب وهي تشعر بقلقه عليها واهتمامه بها رغم غضبه منها.
كما طغى بريق الفضة التي لمعت كما لمعت الدموع بعينيها مع تضاعف ذلك الشعور وهي ترى اسمها الذي حفر على ذلك الخاتم
الفصل 20
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
أصعب من الوهم هو التمسك به والتعايش معه كأنه حقيقة، نتحرك معه كأننا دمى تأسرنا خيوطه الوهمية، تأخذنا في دوامة الضياع إلى المجهول المظلم.
تسمر مكانه عندما وجدها تقف أمامه برفقة "خالته"، تخبره أنها بحاجة لمعالجة ألم أسنانها؛ عجزت قدماه عن التقدم.
بلع ريقه بتوتر، وأشار لها بحركة مضطربة أن تتمدد على الكرسي. جلس أمامها، فتسارعت دقات قلبه بجنون، واجتاحته مشاعرُ أربكت ثباته. حين انحنى ليطلب منها فتح فمها لمعاينة مصدر الألم، لامست أنامله شفتيها سهواً، فارتجف وتراجع داخلياً، صارخاً في قلبه أن يكف عن هذا الجنون، وأن يستعيد صوابه؛ فهي الآن ليست سوى مريضة أمنته على ألمها.
حاول لملمة شتات نفسه ليطمئنها بنبرة مصطنعة:
_ ما تخافيش، هو محتاج حشوة بس.
اقترب ليغرس إبرة البنج في لثتها، وتمنى لو غُرست في قلبه الملعون ليتوقف عن النبض، قبل أن يسقط في درك الخيانة. هز رأسه بعنف طالباً من تلك الأفكار أن تغادره، وتحلى بأعلى درجات التعقل لينهي عمله ويخلص نفسه من هذا الموقف المهلك.
وبعد دقائق قليلة شعرت هي فيها بتخدر المكان، أمسك بجهاز الحفر وبدأ العمل، محاولاً الانشغال به، لكن جسده انتفض كما انتفض الجهاز في يده، وتصبب عرقاً من نيران أشواقه التي تأججت وهو يراها تغمض عينيها بألم، مما أجهز على ما تبقى من مقاومته الواهية. وعندما توقف قليلاً، فتحت هي عينيها لتلتقي عيناها بعينيه، فاعترف لنفسه بالحقيقة المرة: هو لم ينسَها قط..
لقد كان مخادعاً؛ خدع نفسه وخدع تلك البريئة التي وثقت به، مدعياً دور الزوج المحب الذي طوى صفحة حبيبته السابقة. لكنه اليوم انهار تماماً وهي تجلس أمامه. ترقرقت الدموع في عينيه، واعتصره شعور غامض يمزج بين الخيبة والندم، بينما تكبلت روحه بسلاسل الذنب، فاستجمع بقايا شجاعته ليتمم مهمته.
صمته المريب وتحديقه بها أثارا ريبتها، فسألته بقلق:
_ هو فيه حاجة؟
صوتها القلق أعاده إلى الواقع، فأجاب بتوتر:
_ لا.. أنا قربت أخلص.
حاول جاهداً أن يتقن عمله حتى انتهى. ناولها المرآة، فالتقطتها تتفحص السن الذي أرقها طويلاً. ابتسم ابتسامة شاحبة، وخرجت كلماته متقطعة:
_ هو دلوقتي خلاص.. دي حشوة بلون السن، مش هيبان خالص إنه كان متضرر.
فتحت فمها، وقربت المرآة محركة رأسها بفضول، قبل أن تقول باستحسان:
_ فعلاً، حلو أوي ومش باين.. تسلم إيدك.
احترقت كلماته في جوفه، فلم يستطع الإجابة، واكتفى بإيماءة بسيطة. حاولت أن تعطيه أجر عمله، لكنه رفض بإصرار، مؤكداً لها أنهم أهل ولا يصح ذلك. غادرت برفقة "خالتها"، وما إن انغلق الباب خلفها، حتى خارت قواه، فسقط على الأرض غارقاً في بكائه.
نوبة بكائه التي استمرت برهة من الزمن دفعت مساعدته أن تطرق الباب تحاول الاستئذان منه للدخول، لكنها ابتعدت عن الباب بذعر عندما سمعته يصرخ بها:
_ الغي المواعيد الباقية وامشي يا "نجلاء".
لتنفذ طلبه بسرعة ومن دون تردد، وما إن سمع صوت إغلاقها لباب العيادة حتى سقط في نقطة الانهيار التي لا رجعة بعدها، بدأ يصرخ، يضرب الأرض بكلتا يديه، يكرر بهستيريا:
_ حيوان وخاين... حيوان وخاين... متستاهلش واحدة زيها، أنت زبالة وهي ملاك!
واهتاج يرفع يده يلطم موضع قلبه:
_ مانستهاش أنا، أنا كداب! أنا بكدب على نفسي وعليها، لسه عايشة جوايا ومعرفتش أخلص منها.
تعالت شهقاته بعد أن أحرق قلبه شعور الذنب، لتخرج آهاته بحرقة:
_ حبتك وأنت خنتها، أنت متستاهلهاش! هي تستاهل حد طيب زيها مش واحد أناني وخاين.
توقف يمسح دموعه بقوة كأنه أدرك شيئاً، ليعاود انهياره وهو يتذكر صديقه:
_ حتى هو كمان بتخونه..
زاغت عيناه في الفراغ لترتجف شفتاه ويقول بضياع:
_ تعبت... من التمثيل والظلم والخداع.
تنهد بقهر يكمل اعترافه بأخطائه:
_ حتى حتة العيل اللي نفسها فيه استكترته عليها...
ليعاود انهياره يشتم نفسه وينعتها باحتقار:
_ أنا... أناني... وظالم.
**********************
أخذ القلق منها مأخذه بعد أن تجاوزت الساعة منتصف الليل، لقد تأخر عن موعد عودته كثيراً. هاتفه المغلق زاد من قلقها، قضمت أظافرها في حيرة ورددت بخوف:
_ أعمل إيه؟ أتصل بـ "بابا طارق" وإلا أستنى شوية؟
اعتصرها قلبها وأفكار مرعبة تطرق بالها تزيد من فزعها، لترتجف يدها ولم تتوقف قدمها عن الاهتزاز من شدة القلق، تحاور طيفه بعتاب:
_ رحت فين يا "زياد"؟ قلقتني عليك.
أحاطت جسدها بيديها بعد أن زاد ارتجافها، تحاول أن تهدئ نفسها، وتوترها يزداد مع تلك الخيالات المرعبة والهواجس التي خيلت لها أسوأ التوقعات، لتهز رأسها ترفض الاستسلام لها وتوبخ حالها:
_ إيه الأفكار دي يا "رحمة"؟ لا إن شاء الله مفيش حاجة... إن شاء الله هو بخير.
ثم أضافت تلوم حالها أكثر:
_ يعني هو تأخيره لازم يكون حادثة أو خناقة؟ ما يمكن موبايل فصل شحن وجايز..،،
ثم صمتت تحاول إيقاف عقلها عن الاستمرار بتلك المخاوف، وهي تفرك يديها باضطراب وتنهض تجوب المكان يميناً ويساراً بخوف:
_ بس كفاية أفكار سودة، إن شاء الله خير.
انتفضت وهي تسمع صوت مفتاح في الباب، لتهرول نحوه بلهفة، فأصابها الفزع عندما دخل ورأت هيئته؛ بعينين حمراوين ووجه شاحب، أكتافه متهدلة كأنه يحمل جبالاً من الهموم. اقتربت منه تسأله بخوف، وهي تتلمس وجهه وذراعيه كأنها تتفقده:
_ حبيبي مالك؟ فيك إيه؟ حصل إيه؟ طمني، قلبي هيوقف.
أغمض عينيه بأسى، ولهفتها تزيد من احتقاره لنفسه، وكأن مخزون كتمانه نفذ، ولم يستطع كبح جماح تهوره وهو يقول بصوت مختنق:
_ مقدرتش أنسى، حاولت والله حاولت وكنت فاكر إني نسيت، طلعت مش ناسي وبكدب على نفسي وعليك.
اتسعت عيناها بذهول وصدرت منها شهقة قبل أن تبتعد عنه كالملسوع، فكلماته أحرقتها وحطمت بيت الحب الذي ظنت أنه مأمنها. نظراته الواهنة كانت كفأس هدم جدار الثقة بينهما، لترتعش شفتاها وتنساب دموعها بقهر تعاتبه بحرقة:
_ يعني كل حاجة كدب؟ كنت معيشني في وهم حبك ليا واهتمامك بيا؟ كان كله تمثيل؟ ليه؟
لتصرخ بكل قوتها تسأله:
_ ليه... ليه خلتني أحبك وأتعلق فيك؟ ...ليه عيشتني في حلم ودلوقت بتصحيني على كابوس؟
ارتعش جسدها بقهر وارتجفت شفتاها منهارة، تخرج كلماتها بهستيريا:
_ عملتلك إيه؟ كنت سبتني، تقبلت الحقيقة من البداية.. وافترقنا..،، ليه مطلقتنيش مادام مش قادر تنساها؟ ليه حرام عليك؟ كسرتني ليه؟
وضعت يديها على وجهها وانتحبت بقهر، فتمزق قلبه عليها، ليقترب منها بتوجس ويقول:
_ "رحمة"، أنا كنت صادق والله وعاوز أنسى وحاولت...
ثم مد يده يحاول الإمساك بها لكنها ابتعدت عنه تصرخ بوجهه بغضب وتحذره شاهرة سبابتها في وجهه:
_ إياك تقرب، إياك تلمسني.. أنت واحد أناني... وحقير.
هز رأسه يؤكد حديثها ودموعه تسبق كلامه:
_ عندك حق، أنا أناني وحقير وظلمتك معايا.
زاد حديثه من هياجها، لتأخذ نفساً عميقاً تستجمع فيه قواها قبل أن تتحرك نحو غرفتها تهتف بوجع:
_ أنت متستاهلش حتى وجودي معاك.
صعقته تلك الكلمة وهزت روحه رغم صدقها، شل جسده ولم تعد قدماه تستطيع حمله، عيناه كانتا تتحركان باضطراب وصراع ما بين فقدها وما بين حقها في حياة أفضل. كان يسمع لمتعتها لأغراضها وشهقاتها، ليتحامل على نفسه ويقترب منها يتوسلها:
_ ما تسيبنيش يا "رحمة"، أنتِ مش وعدتيني تساعديني؟ خليكِ معايا.
التفتت إليه تنظر إلى يده الممسكة بعضدها قبل أن ترفعها ببطء، تنظر له بنظرة خاوية، تهز رأسها بقلة يأس:
_ يااااه، للدرجة دي كنت مخدوعة فيك؟
نظرتها الخاوية تحولت لمشمئزة وهي تكمل:
_ للدرجة دي أنت أناني ومعندكش دم! جاي تقولي إنك منستش حبيبتك وعاوزني أساعدك بعد ما خليتني أحبك وكسرتني؟
أخفض عينيه بخزي فقد صدق حديثها، نفضت يده بقوة ليرفع نظره نحوها، تلتقي عيناهما في لحظة عتاب قبل أن يصدح صوتها بتحدٍ ونفور:
_ طلقني.
لم تكن مجرد كلمة، كانت صفعة أيقظته من سبات الوهم، ليرتد نحو الخلف يطالعها رافضاً:
_ لا يا "رحمة"، طلاق إيه؟
جملته استفزتها فازدادت تحدياً وكررت طلبها بإصرار:
_ طلقني يا "زياد".
نظرات رجاء رافقت كلماته المتوسلة:
_ أرجوكِ يا "رحمة"، اديني فرصة وساعديني.
ابتسمت بسخرية حزينة وقالت متهكمة وهي تمسح دموعها التي أبت التوقف تكرر حديثه:
_ فرصة تانية عشان تكسرني أكتر؟
اقتربت هذه المرة منه تضرب على موضع قلبه، كأنها تعاقب ذلك القلب الذي خذلها وتخبره بحرقة:
_ كسرتني في اليوم اللي كان المفروض يكون أحلى يوم في حياتي، وفكرت إنك ترضي ضميرك على حساب مشاعري.
طأطأ رأسه بندم لتزداد ضرباتها قوة تهز جسده وهو مستسلم لها، يعلم أنه يستحق ذلك، فأكملت بصوت مختنق:
_ طلبت مني فرصة وسامحتك، وأديتك فرصة، حبيتك وحبيت اهتمامك، وافتكرت إنك بتحبني زي ما بحبك.
لتغص بقهر وتتحشرج الكلمات في صدرها تخنقها بالدموع التي انهمرت، لكنها أكملت بصعوبة:
_ طلعت عايشة في وهم، وكل اللي بيحصل تمثيل عشان حضرتك ترضي ضميرك.
توقفت تلتقط أنفاسها وتمسح دموعها بعجز وتضيف:
_ لكن تعرف؟ المرة دي أنت حطمتني، وجعت قلبي اللي حبك.
هزت رأسها بوجع تردد بقهر:
_ مش هسامحك يا "زياد"، وهعلم قلبي يكرهك، ربنا ينتقم منك على كسرة قلبي.
استدارت تلملم باقي أغراضها، ليعاود التوسل بها معتذراً:.
_ "رحمة" أنا آسف، عارف إني وجعتك بس أرجوكِ ما تمشيش، عاقبيني، أنا أستحق العقاب بس ما تمشيش وتسيبيني.
_ اطلع بره.
قالتها بخفوت قبل أن تصرخ بها بغضب عندما رأت استمرار وقوفه أمامها:
_ اطلع بره! مش عاوزة أشوف وشك.
خرج يجر أقدامه بحزن وندم نحو الخارج، وقف بالقرب من الباب فلم يستطع الابتعاد حتى وجدها تخرج تجر حقيبتها خلفها ليركض خلفها يحاول التمسك بها لآخر مرة:
_ "رحمة" أرجوكِ ما تمشيش.
التفتت إليه وقالت بحزم وبنبرة صوت غاضبة:
_ طلقني يا "زياد"، لو ليا خاطر عندك طلقني.
ثم أكملت بسخرية متهكمة:
_ ده آخر كلام عندي لو عاوز ترضي ضميرك.
أفلت يدها مرتد نحو الخلف يطالعها بنظرة متألمة، يعلم أن جرحه منها هذه المرة كان نافذاً يصعب مداواته:
_ طب سيبيني أوصلك، الوقت متأخر.
دفعتُه بعيداً تزيح جسده بقرف:
_ مش عاوزة حاجة منك.
خرجت وأغلقت الباب خلفها بقوة، لينظر حوله بضياع وبدأ يستوعب أنه خسرها، لكن إدراكه جاء متأخراً بعد فوات الأوان.
*****************************
أنهت ذلك الفيديو لتتنهد بإرهاق، تدعك عينيها ثم تحرك رقبتها يميناً ويساراً عل ذلك التشنج يتبدد. أعادت مشاهدة ما صنعت مرة أخرى لتتأكد، لتتطلع إليه باستحسان وابتسامة رضى شقت ثغرها حتى انتهت مدة الفيديو.
زفرت أنفاسها بارتياح، وحركت أناملها على الشاشة لفعل ما اعتادت عمله، إرسال ذلك الفيديو لـ "أصيل" كي يعطيها رأيه، لكن أصابعها توقفت عند زر الإرسال، لتتوقف فجأة بعد سؤال داهمها:
_ لماذا ترسلين الفيديو لـ "أصيل"؟
لتجاوب ذاتها تبرر لنفسها:
_ عشان يديني رأيه قبل ما أبعته للجنة.
_ إذن لماذا "أصيل" بالذات؟ لماذا لم ترسله لأحد أخويها أو بنات خالاتها؟ لماذا هو؟
لتحاول إقناع نفسها من جديد:
_ لأن هو اللي دايما بيساعدني وبيديني رأيه.
ليعاود ذلك السؤال من جديد:
_ لماذا هو؟
شرد ذهنها تتذكره وتبتسم، ليخفق قلبها باضطراب، لا تنكر أنه وسيم ومميز بعقله الرزين وشخصيته التي تفرض وجودها في أي مكان.
توقفت تزجر حالها بحدة وتلومها على التفكير به بهذه الطريقة، هو ليس سوى شخص قدم لها مساعدة وردت له جميله.
لتخفق من جديد وتعاود الإصغاء لقلبها الذي يعترف أنه بدأ يميل له في لحظة غفلة من عقلها لتزجره وتؤنبه على ذلك، تصنع حدوداً لتلك المشاعر وتغلق على قلبها باب التفكير، لتقرر ألا ترسل له فيديو آخر بعد اليوم.
*******************************
جافاها النوم وشعرت بثقل على صدرها، لا تعلم سببه، لتستعيذ من الشيطان وتنهض تتوضأ وتصلي ركعتين علها ترتاح وتسكن روحها المضطربة. كان تقلب حبات المسبحة بأصابعها وتذكر الله عندما أجفلتها طرقات ثقيلة على الباب، التفتت تنظر نحوه وتقول مندهشة:
_ مين اللي هيجيلنا الساعة دي؟
لتنهض بسرعة تتجه نحو الباب بقلق، وقفت خلفه تسأل بخوف:
_ مين؟
لتشهق برعب عندما سمعت صوتها المبحوح تجيبها بوهن:
_ أنا يا ماما.
فتحت الباب بسرعة ليهوى قلبها بهلع تسألها بفزع:
_ "رحمة"، مالك يا بنتي؟
ارتمت بين أحضانها تنتحب بدموع منهمرة تردد:
_ طلع مش ناسي يا ماما، طلع بيكدب عليا.
سحبتها نحو الداخل بتعجب تسألها بانهيار:
_ اتكلمي مالك؟ سيبتي ركبي.
سقطت على الأريكة بجسدها المنهك، تعلو شهقاتها فتخرج كلماتها من بينها بحرقة:
_ أنا عاوزة أطلق يا ماما.
صعقتها الكلمات فتعثرت وكادت أن تسقط، لكنها تمالكت نفسها وجلست بجانبها بثقل، ترجوها بعين خائفة ولسان متوسل:
_ وحياتي يا بنتي تفهمني، قلبي هيوقف.
قصت عليها ما حدث منذ ليلة زفافها حتى هذه اللحظة، لتتحول نظراتها من الحزن للغضب وتملكتها الحسرة، لتصرخ عليها بانفعال تلومها
_ ورضيتي ترخصي نفسك ليه؟ وافقتي تفضلي معاه ليه؟
نظرت لها بقهر وغص صدرها بمرارة الخذلان، وبصوت مكسور أجابتها:
_ كنت فاكرة إنه هينسى.
حدجتها بنظرة حانقة أخافتها، تلومها متهكمة:
_ وأهو ما نسيش يا خايبة.
ثم بدأت تضرب أفخاذها تندب حظ ابنتها بحسرة ووجع:
_ يا ميلة بختك يا بنتي... حظك طلع زي حظ أمك.
احترق قلبها بقهر وكأن ما حدث فتح جرح الماضي، لكنه اليوم أقسى؛ فهي كانت تستطيع أن تتحمل وجعها، لكن وجع صغيرتها وجرحها الذي لا تستطيع تحمل دموعها جعلها تتمنى لو تستطيع حمل الوجع عنها.
ارتجف قلبها بخوف وهي تراها تنهض تتجه بخطى مثقلة تجر أقدامها جراً وتتجه نحو غرفتها، وتجلس على سريرها تنتحب بانهيار ترثي حباً ظنته حقيقة.
اقتربت منها "سماح" وجلست بجانبها، جذبتها نحو أحضانها لتبكي داخلها ترجوها:
_ خبيني بحضنك يا ماما، قلبي بيوجعني يا ماما، مش قادرة، حاسه إني هموت.
شاركتها "سماح" البكاء تضمها بقوة وتنهها بسرعة قائلة:.
_ بعد الشر عليكِ من الوجع يا روح أمك، متقوليش كده يا حبيبتي، محدش يستاهل يتبكي عليه، اللي باعك بيعيه بأرخص وما تندميش.
اختنق صوتها وبكلمات مهزوزة شكت لها:
_ يا ريتني ما حبيته يا ماما ولا اتعلقت بيه.
مسحت على ظهرها تواسيها وتهدئها:
_ بس يا بنتي محدش يستاهل حبك يا قلب أمك، اهدي يا نور عيني، ربنا ينتقم منه على كسرة قلبك.
ضمتها أكثر تضيف معتذرة:
_ سامحيني يا روح أمك، أنا السبب، كنت فكراه راجل، طلع حقير زي أبوكِ.
وها هو الماضي يعود بأبشع صورة يحيي جراحهم بلا شفقة...
****************************
أطل الصباح وكانوا يظنون أنه صباح عادي، ولم يعلموا ما يخبئه القدر، فمع ضحكاتهم التي ملأت المكان وهم يتناولون طعام الإفطار كما اعتادوا، هدوء قطعه طرقات على الباب، لتنهض "أحلام" تفتحه وتشهق بذعر تردد اسم شقيقها:
_ "زياد"!
هرول "ندى" و"طارق" نحوه ينظرون له بصدمة ويسألونه بخوف:
_ مالك يا "زياد"؟
رفع عينيه نحوهم ببطء وقال بصوت مضطرب:
_ أنا هطلق "رحمة".
ترنح جسد "ندى" وصعقها جوابه لتدعك جبهتها وتتمسك بذراع "طارق" تسأله بضياع:
_ هو بيقول إيه؟
ربت "طارق" على يدها بعد أن رأى شحوب وجهها:
_ اهدي يا "ندى"، خلينا نفهم.
لتضرب على وجهها بقوة تصرخ بهستيريا وسط ذهول أولادها:
_ أفهم إيه؟ ده بيقولك هيطلق الغلبانة!
صاح بها "طارق" يحاول إيقافها عن انهيارها لكنها استمرت كأن عقلها قد غاب:
_ بس يا "ندى" مش كده...
أمسك يدها يمنعها عن الهياج الذي أصابها، لتتوقف تنظر له وسقطت مغشياً عليها، ليهرع نحوها "طارق" بخوف يحمل رأسها ويضرب على خدها يحاول إفاقتها:
_ "ندى"... "ندى"... ردي عليا يا حبيبتي.
لكنها كانت كالجثة الهامدة، حملها نحو غرفتهم وتبعها أولادها، وضعها على السرير وهتف نحو "ورد":
_ هاتي برفان يا "ورد".
أحضرت له العطر وبدأ يرشه على يده ويقربه من أنفها ينادي عليها من جديد:
_ "ندى" حبيبتي، اصحي.
ضرب على وجنتيها من جديد:
_ "ندى".
تنفس الصعداء عندما وجدها تفتح عينيها بصعوبة ليسألها بلهفة:
_ حبيبتي، أنتِ كويسة؟
_ "طارق"...
لفظت اسمه وانهارت باكية ليضمها إليه:
_ بس يا حبيبتي اهدي.
لتلمح "زياد" أمامها فتهتف بضعف وتتمسك بأحضان "طارق":
_ خليه يطلع بره، مش عاوزة أشوف وشه.
ليلومها برفق:
_ مش كده يا "ندى"، اهدي.
أخفض عينيه بخزي وشعور الندم يتأكله ليتوسلها:
_ ماما أرجوكِ...
وقبل أن يكمل ترجت "طارق" بصوت مبحوح:
_ مش عاوزة أسمع صوته، خليه يطلع بره.
ضمها أكثر وربت على كتفها قبل أن ينظر لـ "زياد" ويقول بغضب:
_ اطلع بره.
مسح دموعه وتوسله:
_ بابا...
_ بره، اطلع بره، مش شايف وضع أمك؟
هكذا صرخ به "طارق" بانفعال، ليغادر بسرعة وسط نظرات الشفقة والحزن من شقيقته.
أما "ندى" فظلت تنتحب بين أحضانه، ولم يكن هو بأقل حزناً منها، لكن ليس عليها فقط بل على "رحمة" رغم أنهم لم يعلموا السبب، لكنه كان متأكداً أن فتاة بتلك الطيبة لن يصدر منها خطأ.
كان ينتظر أن يطمئن عليها كي ينفرد بولده كي يفهم فيستطيع أن يحكم.
********************************
ذهبت إلى بيت خالتها بعد ما اتصلت "مليكة" بها، وتفاجأت بتجمعهم في الصالة، حتى هو كان معهم. أصابه الحرج عندما دخلت وحيدة، والأكثر تجاهلها، وجلوسه معهم بدونها أصابها التوتر وهي تقترب تلقي السلام عليهم، لتلتقي عيناها بعينيه في نظرة عتاب، لكنه أشاح عينيه بعيداً بجفاء.
استقبلها الجميع بالترحيب فجلست على استحياء بعيداً عنه. بدأت "مليكة" تروي لها بحماس خطتهم ليصنعوا مفاجأة لجدها وجدتها بمناسبة عيد زواجهم، كانت "قمر" تستمع بذهن تائه، يسيطر عليها شعور بالغربة، كأنه ليس بيت خالتها أو أهل زوجها.
شعرت كأنها ضيف على هذا المكان، لتحاور نفسها بتهكم ساخرة من وضعها المؤقت، فهي حقاً ضيفة ستغادرهم بعد أشهر كما اتفق معها. ضمت كفي يدها ببعضهما تعصرهما كأنها تكتم ألم قلبها بهذه اللحظة التي شعرت بها بضيق. كانت تجامل "مليكة" بابتسامة هادئة تقاوم بها اختناقها، حتى خالتها التي كانت متشوقة لتشاهد فرحة عمها وزوجته كانت تستشيرها بحماس:
_ إيه رأيك يا "قمر"؟ عندك مقترح عن محل حلويات نقدر نجيب منه كل حاجة؟
لتجيبها بارتباك:
_ والله يا خالتو أنا مش عارفة أنتم إيه طلباتكم، بس ماما وبابا بيجيبوا من محل اسمه "رودي Sweet". هو محل فاتح من زمان ومعروف، هتلاقوا موقعه على "الفيس" و"الإنستجرام".
رفعت "هدى" حاجبها باقتناع وقالت بفكاهة تهز رأسها:
_ آه أكيد كويس، "شمس" أروية في الاختيارات.
ضحك الجميع لتلتفت "هدى" نحو "حسن":
_ طب ما تشوفوا يا "حسن" كده خلينا نختار.
التفات خالتها نحوه أجبرها على تحريك عينيها تجاهه، لينغزها قلبها بحسرة عندما وجدته يجلس بجانب "سندس" يهمس لها ثم يبتعد ليطالعها بنظرة تحب تخجلها لتسمع:
_ ولد يا "حسن"، مش بتكلم معاك؟
انتبه لنداء والدته ليجيبها باستغراب:
_ أيوه يا حبيبتي، آسف ما سمعتكيش، قلتي إيه؟
كررت حديثها بامتعاض قابله استهجان منه ليقول مستنكراً:
_ وأنا إيش عرفني أصلاً؟ تلفوني مش معايا.
_ طب شوفيه كده يا "سندس" لو نقدر نتواصل معاه ونحجز.
قالتها "مليكة" مشيرة لـ "سندس" نحو هاتفها القابع بين يديها، لتبتلع ريقها بتوتر تنظر نحو "حسن" الذي أزعجه حديث شقيقتها، كانت تخشى من ردة فعله بعد أن وجدت علامات الغضب تتسلل إلى وجهه.
"مليكة" التي ارتبكت بعد أن أدركت حساسية الأمر بالنسبة لـ "حسن"، حاولت فك جو التوتر لتحول حديثها إلى نبرة هزلية تحاول تبرير موقفها:
_ آسفة يا "أبو علي"، تلفوني بيتشحن، نسيت إنك ما بتحبش "الفيس" و"الإنستجرام" وفيه تار بايت بينكم.
ليكمل "حسين" مصطف بجانب شقيقته بذات الفكاهة ضاحكاً:
_ أيوه، ويتمنى أن يصبح "هكراً" حتى يتخلص منها.
لانت ملامحه وقال بجدية:
_ يا ريت أقدر أحذف كل البرامج دي اللي مش وراها غير المشاكل وبس. أنتم مش بتقروا الأخبار وتشوفوا الجرائم اللي بتحصل؟ مش شايفين كم البنات اللي بيقعوا بالغلط؟ والأولاد اللي بيخشوا علاقات غريبة ومحرمة؟ والازواج اللي بيطلقوا بسبب الخيانة؟ آه والله أنا الصراحة أتمنى نتخلص منها ونريح الناس من القرف اللي بقينا فيه، الواحد بقى مش مأمن على نفسه.
لوت "هدى" شفتها بعدم رضا قبل أن تهز رأسها بيأس وتقول:
_ يا بني دي حالات فردية، غلط إنك تحكم بيها على الأغلبية.
_ ماما عندها حق.
هكذا أيدت "مليكة" والدتها، لتحد ملامحه بعدم اقتناع.
احمر وجه "سندس" بخجل، فماذا يقصد بحديثه هذا؟ نبرة الشك التي اندست بين ثنايا كلماته...
أما "قمر" فظلت تطالعه بدهشة، فحديثه الغريب يثير تعجبها؛ أيعقل حقاً أنه يفكر بهذه الطريقة؟
تحولت أنظارها نحو "حسين" الذي كان ينظر إلى شقيقته مشيراً نحو "حسن" الممتعض، ثم خرجت كلماته مُشفرة لا يفهمها سواهم:
_ "لوكا" يا حبيبتي، "حسن" لو عليه، كان حب يعيش في عصر الفراعنة؛ عشان كده الحل الوحيد إننا نقطع التواصل.
أنهى حديثه يغمز لها، لتضحك "مليكة" وتهز رأسها مؤكدة حديثه قبل أن تقول مازحة:
_ بس كان فيه ورق بردي!.
وزع "حسن" نظره بين الاثنين حانقاً، وقال بانزعاج:
_ طب تصدقوا أنتم الاتنين تافهين!.
ثم أكمل بضيقٍ متضاعف يؤكد حديثهم بعناد:
_ ويا سيدي يا ريت فعلاً! أهو الواحد كان خلّص من دوشة الدماغ بتاعة الأيام دي، والمشاكل اللي بتحصل بسبب البرامج دي.
هتف "حسين" مستنكراً حديث شقيقه:
_ يا بني، وهي البرامج دي مش ليها منفعة زي ما ليها أضرار؟
ليهز الآخر رأسه متهكماً:
_ أهو مشاكلها غطت على منافعها.
ضحك "حسين" وهو ينظر له بقلة حيلة وقال ساخراً:
_ يا "حسن"، عيش في الصحراء يا بني وريحنا!.
بادله الضحكات وأشار له كأنه يؤيده:
_ بالضبط، أهو أنا محتاج كده.. أعيش معزول عن العالم.
كانت عيناها تتنقل بينهم بصدمة؛ فرغم أنه كان حديثاً فكاهياً، إلا أنه رفع الغطاء عن جانبٍ لم تكن تعلمه فيه، ودقَّ إسفيناً في ذلك التمثال المثالي الذي كانت تصنعه له في مخيلتها. رحلت عيناها بتلقائية نحو "سندس"، تلك التي كانت تحسدها منذ قليل وهي تراها تداري خلف ابتسامتها الباهتة لمحة حزن مكتوم؛ فمهما حاولت إظهار السعادة، كانت نظرة عينيها تروي شيئاً خفياً.
لتخرج هي هاتفها من جيب فستانها تقترح المساعدة:
_ خليني أنا أدور عليهم.
وجدت الموقع بعد بحث لتريه لخالتها و"مليكة" اللتين بدأتا تبحثان، لكن "هدى" قالت بريبة بعد عدم قدرتها على الاختيار:
_ "حسين"، ماتروح أنت العنوان وخد معاك "قمر"، هي عارفة المكان.
كانت تود لو ترفض بعد أن رأت توتره ونظراته الرافضة، لكن حرجها من خالتها أجبرها على النهوض لتضطره للنهوض هو أيضاً.
ركبت السيارة بجانبه وكان الصمت رفيقهم طيلة الطريق حتى وصلا إلى المحل، لتترجل من السيارة وتتبعه للداخل. اقتربوا من قوالب الحلوى لتقف عيناها تتطلع يميناً ويساراً تحاول اختيار ما يناسبهم.
وقف هو بجانبها وعيناه تبحث هو الآخر لتهمس له:
_ إيه الألوان اللي بيحبوها؟
_ "تيتا" بتحب الأبيض، و"جدو" مش عارف.
أشارت إلى أحد القوالب المزين بكريمة بيضاء وقلوب حمراء صغيره فأعجبه هو أيضاً، كما اختاروا معاً بعض الحلوى، ليتفاجأ بها تقرب من فمه أحد الأنواع:
_ ذوق دي يا "حسين".
مد يده يلتقطها من يدها ويدسه هو في فمه يجيبها ببرود أحرجها:
_ جميلة.
ابتلعت ريقها بخجل وابتعدت عنه، ليجذب انتباهها نوع من "تشيز كيك"، كان نوعها المفضل، وقفت تسأل عن سعره وتتبادل الحديث مع البائع الذي بدأ يطلعها على الأنواع. انشغل هو في دفع الحساب ثم انتبه لها، حتى قطع انتباهه العامل الذي غلف لهم ما طلبوا، حمل منه الأكياس واقترب منها:
_ عاوزة حاجة يا "قمر"؟
هزت رأسها كاذبة:
_ لا متشكرة.
رفع رأسه يشير نحو الخارج ويأمرها بعد أن مد لها يده بالمفتاح:
_ اخرجي استنيني بره، هحاسب وراجعلك.
امتثلت لحديثه وخرجت إلى السيارة لتجلس شاردة الذهن، وحديث "حسن" يتكرر على مسامعها بتعجب تحاور نفسها باستغراب:
_ هو فيه حد بيفكر كده لغاية دلوقتي؟ معقولة يا "حسن" يكون تفكيرك كده؟
أخرجها من شرودها عودته يضع الأغراض في السيارة قبل أن يتجه إلى كرسي السائق، جلس يحمل علبة صغيرة أعطاها لها وقال لها قبل أن يشغل السيارة وينطلق:
_ دي عشانك.
أشارت نحو نفسها بتعجب:
_ عشاني؟
التقطت منه العلبة تنظر لها بدهشة، وانتابها الفضول لتفتح الغطاء بحذر وتجده قطعاً من "التشيز كيك" الذي كانت تسأل عنه بجميع أنواعه.
ارتجف قلبها واهتمامه يجلدها ويشعرها بالذنب تجاهه، لكنها كانت سعيدة في ذات الوقت بهذا الاهتمام، ابتسمت تنظر له بامتنان وتقول شاكرة:
_ متشكرة.
لم يجبها وظل يحدق بالطريق، ثم أخرج سيجارة يدسها في فمه ويبدأ بشربها، وما إن انتشر دخانها في السيارة حتى بدأت تسعل، التفت نحوها وأشفق عليها عندما رأى اختناقها ليفتح نوافذ السيارة وينقل سيجارته نحو يده اليسار ويخرجها عبر النافذة.
التفتت نحو النافذة تحاول استنشاق هواء نقي وامتعض وجهها تسأله بتذمر:
_ "حسين"، أنت بتدخن من إمتى؟
أجابها ولا يزال يقبض على سيجارته يمتصها وينفث دخانها عبر النافذة:
_ من زمان.
لتقول بدهشة:
_ غريبة، بس أنا عمري ما شفتكش بتدخن.
التفت نحوها ينظر لها بكسرة وقال بقهر:
_ أنتِ عمرك ما شفتيني أصلاً.
غصة مرة خنقتها وعيناه تحدق بها بعتاب، لتطأطأ رأسها بندم قبل أن ترفعه، تشيح بوجهها إلى النافذة بجانبها تشغل نفسها بمطالعة الطريق.
**************************
طرق باب شقة والده وحاول أن يتحلى بأعلى درجات التعقل حتى يستطيع أن يفهم ما يحدث، فتح "زياد" الباب ليجد والده أمامه، علم سبب حضوره ليستدير نحو الداخل بخطى مثقلة دون أن ينطق كلمة، تبعه "طارق" وأغلق الباب.
سار "زياد" حتى وصل إلى الصالة ليرمي بجسده على الأريكة يخفي وجهه بين كفيه، جلس "طارق" وسأله بهدوء:
_ احكي وأنا هسمع.
كان "زياد" يحتاج لمن يحكي له ليبدأ بسرد ما حدث منذ البداية وما صنعه في ليلة زواجه وسط علامات الصدمة والحزن على وجه "طارق".
لم يترك أي تفصيلة سوى هوية حبيبته الحقيقية؛ فلا داعي للمزيد من التهور الذي لن يعود عليه فقط بالتحقير والانتقاص.
صمت ورفع رأسه بتوجس ينظر لوالده بعين دامعة:
_ هو ده كل اللي حصل.
حدقه "طارق" بغيظ وقال بأسف:
_ يااااااه، يعني كل الأذى ده استحملته المسكينة وساكتة؟
هز رأسه بخزي قبل أن يقول بانهيار:
_ بس والله العظيم كنت صادق وعاوز أنسى يا بابا، بس مقدرتش.
حدجه بنظرة متهكمة وقال باستهزاء حزين:
_ تقوم تعترف لمراتك إنك منستش حبيبتك يا غبي؟ مش كده؟
لم يستطع التعقيب، فقط نظر له بجرح، ليضيف "طارق" بانفعال:
_ وعاوز منها تتقبل وتسكت وتقلك: خلاص يا حبيبي تعالى أديك فرصة تانية وأنسيك حبيبتك اللي مقدرتش تنساها؟ إيه الأنانية اللي أنت بتتكلم بيها؟
مسح على وجهه بندم وقال بتلعثم:
_ ما كنتش أقصد، كنت زعلان من نفسي وحاسس بالذنب، مقدرتش أكدب عليها تاني.
ليصرخ "طارق" بغضب:
_ يا سلام! ودلوقت لما جرحتها وكسرتها ضميرك استريح؟
سالت دموعه يتذكر انهيارها ليمسحها بأكمامه بسرعة، منظره جعل "طارق" يشفق عليه ليزفر أنفاسه باستياء ويحاول أن يتمالك أعصابه يتمتم:
_ استغفر الله.
صمت يلتقط أنفاسه المتسارعة وقال بنبرة هادئة:
_ طب سيبك من حبيبتك لأن هي ماضي خلاص، وكمان يا بني حرام شرعاً تبصلها أو تفكر فيها عشان هي حلال غيرك.
ثم أضاف يسأله بتعقل:
_ "رحمة"، إيه بالنسبة لك؟ يعني مشاعرك إيه ناحيتها؟
شرد يتذكر لحظاتهم سوية ويعدد لوالده محاسنها:
_ "رحمة" طيبة وبنت حلال ورقيقة ومطيعة وملتزمة وكانت بتحبني أوي.
ليختنق صوته فجأة ويقول بحسرة:
_ بس تستاهل حد أحسن مني، حد يحبها بجد.
_ يعني هطلقها؟
سؤال طرحه "طارق" بترقب:
_ لو هي أصرت، مش عاوز أظلمها أكتر من كده.
ليعاود "طارق" سؤاله بمكر يحاول أن يتأكد من شيء ما:
_ يعني أنت عاوز تطلقها عشان تلاقي حد أحسن منك وتتجوزه؟
تعلقت عيناه بعيني والده، وشيء ما اشتعل داخل قلبه كأن كلمات "طارق" وطئت منطقة محظورة في قلبه، عقد لسانه عن الإجابة، لكن وجهه الذي احمرّ بغيرة مكتومة وعينيه التي جحظت بلحظة إدراك جعلت "طارق" يتأكد من أفكاره:
_ شوف يا "زياد"، أهو ده الفرق ما بينا وما بينكم؛ إحنا كان آخر خياراتنا الطلاق، وأنتو أول خياراتكم الطلاق. يعني أنا ووالدتك مرينا بمواقف وظروف ياما وهي استحملت وأنا استحملت وحاربنا عشان نوصل لبر الأمان. والطلاق كان آخر حاجة ممكن نفكر فيها، لكن شوف أنت استسلمت من أول مواجهة.
ظل يحدق به في ضياع وتشتت ليحاول "طارق" لملمة تشتته:
_ شوف يا بني، أنا هقولك حاجة وفكر فيها، أنا عمري ضعف عمرك وشايف كتير والدنيا علمتني أكتر من اللي اتعلمته في الطب... أنت يا "زياد" بتحب "رحمة".
اعتدل ينظر له بصدمة ليومئ له "طارق" مؤكداً:
_ أيوه ما تبصلّيش كده، أنت بتحبها، لكن وهم حبيبتك القديم هو اللي بيخليك تحس إن حبك لـ "رحمة" خيانة ليها. حبيبتك الحلم اللي ما حققتوش زي الحاجة اللي اتمنعت منها، كل ما تبعد عنك تتعلق فيها، الممنوع مرغوب يا بني. حاجة عزتها وما نلتهاش، لكن جايز لو نلتها تكتشف إنك ضيعت غالي برخيص، ممكن تكون مش زي ما أنت متخيل، زي القمر، النجمة في السما بنشوفها بتلمع ونتمنى نلمسها، لكن لو قربنا منها هنلاقي إنها نار بتلسعنا.
أخذت عيناه تتحرك يميناً ويساراً كأنه يقلب حديث والده في دماغه ليردف "طارق" لمحاولة إقناعه:
_ طب أنا هثبتلك إنك بتحب "رحمة"، جرب تعيش أسبوع واحد من غيرها وشوف هتقدر تستحمل البعد ده؟
نهض "طارق" وجلس بجانبه يربت على كتفه:
_ "رحمة" يا بني بعد اللي حكيته ليا أحسن من أي ست في دماغك، عملة نادرة يا "زياد"، اللي تسمع اللي سمعته وتحب وتعشق وتتحمل دي أصيلة وطيبة، مش دايماً هنقدر نلاقي قلب طيب يحبنا.
عاد يربت على كتفه مبتسماً:
_ ما تخسرش "رحمة" يا "زياد" وحارب عشانها، لأنها تستاهل يا بني، خليك أنت الإنسان الأحسن اللي تستاهلها
الفصل 21
رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
"الثقة" ربما تكون عامود العلاقات مهما اختلفت مسمياتها، وعندما تنكسر تفقد تلك العلاقة مكانتها، بل ربما نخسر نحن شيئاً بداخلنا لا يعوض، ولو مضت حياتنا سنعيش ونحن نتلفت، نخاف أن نمد يدنا لشخص آخر فيخذلنا.
نعيش على ماضٍ يذكرنا دوماً بمن كسر ثقتنا.
رصت تلك الأطباق على المائدة بتنسيق جميل وابتعدت تطالعها من زاوية أبعد، فابتسمت برضا على صنيعها.
تنهدت تتذكر تلك السنين التي تعاقبت بحلوها ومرها، تتذكر بداية دخولها لهذه العائلة وكيف عانت ما عانته.
لكنها اليوم تقف تحتفل بوجودها معهم تحمد الله، ربما كانت هي الأوفر حظاً بين شقيقاتها؛ فقد عاشت في كنف أم وأب بعد أن حرمها الموت منهم. فـ "صفاء" التي تغيرت معاملتها معها منذ ولادة توأمها ومنذ أن أوكلت لها مهمة تربية "حسين" الذي منح "صفاء" حياة جديدة وأعاد لها مشاعر الأمومة بطعم آخر، ولا تنكر حسن تربيتها له.
ثم لمعت الدموع بعينيها لترفع يدها تزيح تلك الدمعة الهاربة، تتذكر عمها ومواقفه معها وكيف أنه كان عوضاً رائعاً عن غياب والدها، تتذكر بامتنان كلمته التي يكررها على مسامعها دائماً:
_ أنا مكان والدك.
هي اليوم لم تقف مع أولادها للاحتفال، ربما اليوم هي تقف للعرفان، ترد ولو جزءاً قليلاً من دفء تلك العائلة التي أحاطتها بحب ومنحتها الشعور بالأمان.
_ "هدى" ... "هدى" ... سرحانة فين؟
مناداة "علي" قطعت حبل ذكرياتها لتمسح آثار تلك الدموع وتلتف إليه باسمةً:
_ أيوه يا حبيبي.
أشهر أمامها باقة الزهور البيضاء التي رافقتها بعض زهور حمراء:
_ الورد للورد يا "هد هد".
التقطتها منه تستنشق عبيرها وتزفره باسترخاء:
_ تسلم إيدك يا حبيبي.
أشار لها نحو الباقة ثم نحو الزهور المنفردة يسألها بدهشة:
_ أنا عاوز أفهم، طب الباقة البيضا وفهمنا عشان ماما، بس الورد الأحمر لازمته إيه؟
ضحكت على ملامحه المتذمرة وقالت وهي تتحرك بضع خطوات نحو منتصف الطاولة تسحب تلك المزهرية، تضعها بصورة منسقة وتجيب سؤاله:
_ الورد الأحمر عشان أحطه في الفازة يا "أبو حسن".
مط شفتيه بتهكم واقترب منها يراقب اندماجها في تنسيق تلك الزهور ليبتسم عندما أصبح خلفها وانحنى نحو الأمام يهمس لها:
_ لسه شكلك يجنن وأنتِ بتنظمي الورد،
تصدقي محدش بيعملهم زيك ولا بحلاوتك.
احمرت خجلاً تبادلها ابتسامة، تلتفت نحوه تطالعه بحب لم ينضب:
_ لسه فاكر يا "علي"؟
غمز لها يشاكسها:
_ وهو أنا أقدر أنسى يا قلب "علي"؟
رمشت بعينيها كأنها عادت للماضي وتنهدت باشتياق:
_ يااا، كانت أيام حلوة.
لكن عينيها اتسعتا بذهول وهي تسمع امتعاضه يقول باستنكار:
_ حلوة إيه؟ دا أنا طلعت عيني عشان تحسي بيا، عملت محل الورد مشوار رايح جاي عشان تشوفيني بس.
ضحكت على حركاته وحنقه لتمازحه قائلة:
_ مش بتقل عليك يا حبيبي.
ضيق عينيه يحدجها بنظرة مستهجنة:
_ تتقلي عليا! دا أنا اتبهدلت.
ثم اتسعت عيناه كأنه تذكر شيئاً ليخبرها بضيق مصطنع:
_ وإلا "شمس" واللي عملته بيا.
ليذكر حديثها ويقلدها بطريقة مضحكة مستهزئاً:
_ "علي" أنت عاوز إيه من أختي؟
ثم تحول حديثه لانفعال مصطنع وهو يجيب ذكرياته بصوت منخفض:
_ هكون عاوز إيه؟ بحبها وبموت فيها يا ستي.
كانت تضع يدها على فمها تكتم ضحكاتها حتى نظر إليها يمثل الانزعاج يرفع أحد حاجبيه بسخط:
_ بتضحكي.. اضحكي يا حبيبتي اضحكي...
ثم حرك يده بصورة هزلية قائلاً بتهكم:
_ عجبتك الذكريات يا "هدى"؟
_ أوي أوي يا روحي.
لتقترب منه تمسك ياقة سترته وتقول بدلال:
_ ذكريات زي السكر ما تتنكرش يا "علي".
نظر لها وتنهد بهيام:
_ أحلى حاجة فيها أنتِ يا أطيب قلب.
كاد أن يقترب منها أكثر يكمل غزله بها ليقطع وصلة غرامه صوت "مليكة":
_ ماما، تيتا وجدو وصلوا.
ليقطب حاجبيه بتذمر ويعض على أسنانه بغيظ يخرج كلماتها من بينها:
_ شايفة ولادك، هادمين اللذات.
ضحكت تدير جسده باتجاه الباب وتدفعه نحوه معترضة:
_ يله يا حبيبي مش وقت تذمر، لازم نحضر وقت المفاجأة.
دخل "الجد حسن" يستند بإحدى يديه على عكازه و"صفاء" تحيط يده الثانية، ليتفاجأ بأحفاده يقفون ويصفقون له، "حسين" بدأ بتصفير و"مليكة" تهتف بصوت عالٍ حتى "حسن" شاركها الهتاف بسرور، و"علي" وزوجته يقفون ويصفقون تعلو وجوههم ابتسامة عريضة، دارت عيناهما تتنقل بين الجميع بسرور.
حتى اقترب "علي" و"هدى" منهم لينحني يقبل يده ثم رأسه، وكذلك فعل مع "صفاء"، واقتربت "هدى" تحتضنهم بحب وهما يرددان:
_ كل سنة وأنتم طيبين.
ليتهافت عليهم أحفادهم يتسابقون على تهنئتهم، حتى "سندس" و"قمر" كانتا معهم يلقون عليهم التهنئة بخجل.
ضم "الجد حسن" أحفاده بامتنان وشكرتهم "صفاء" على تلك السعادة الغامرة بمفاجئتهم:
_ متشكرين يا ولاد، ربنا يرضى عنكم.
أمسك "حسين" ذراعها يجذبها نحو الطاولة:
_ تعالي شوفي باقي المفاجأة.
جذبت هي يد "الجد حسن" ليسير معها وكان "حسن" بجانبه حتى وصلوا إلى الطاولة ليدهشهم قالب الحلوى والترتيبات.
أشعلت "مليكة" الشموع وبدأت هي وإخوتها يغنون لهم حتى انتهوا، فطالبوهم بإطفاء الشموع، أطفأ الاثنان الشموع ليتعالى التصفيق من جديد.
لكن الجد فاجأهم وأشار لهم أن يصمتوا، والتفت إلى "صفاء" التي كانت تناظره بحب امتزج مع الخجل من عيون أحفادها التي تراقبهم، ليمسك يدها وتتشابك عيونهم في لحظة توثيق لحب عبر محطات وعاش سنين حتى شاخ أصحابه لكنه كان متوقداً بمشاعرهم المتجددة:
_ كل سنة وأنتِ رفيقة درب وحب عمر وسند سنيني يا أحلى "صافي" في الدنيا.
انتقلت عيون الأحفاد المتسعة بانتباه من الجد إلى الجدة ينتظرون إجابتها بشغف:
_ كل سنة وأنت حبيبي وأبويا وصاحبي وكل دنيتي، ربنا يحفظك ليا يا "أبو علي".
ليميل "حسن" ببطء يقبل وجنتها فيعود أحفاده للهتاف:
_ أيووو يا جدو يا جامد!
قالها "حسن" ليكمل "حسين":
_ سيدي يا سيدي على الحب!
_ عيني على الرومانسية يا تيته.
هتفت بها "مليكة" لينظر الاثنان نحوهم بخجل، حتى وبخهم "علي" وهو يقترب من والديه:
_ بس يا ولد أنت وهو وهي.
حملت "هدى" باقة الزهور وتبعت زوجها ليقدماها معاً لهما، أعطت "هدى" الزهور لـ "صفاء" التي فرحت بها وقالت وهي توزع نظراتها بين الاثنين:
_ متشكرة إنكم كنتم أعظم أم وأب في الدنيا.
احتضنها الاثنان وقال "حسن" لها:
_ أنتِ كمان كنتِ أحلى بنت ليا يا بنتي.
_ إحنا اللي بنشكرك وأنت مليت علينا دنيتنا بأحلى أحفاد في الدنيا.
هكذا علقت "صفاء" وهي تمسح دموع الفرح التي ترقرقت في مقلتيها.
ليحتضنها "علي" و"حسين" أيضاً يقبل وجنتها بحب.
كانت "قمر" تراقب هذه اللحظات بحسرة، تتمنى لو كانت استطاعت أن تعيش حباً كهذا، نظرت نحو "حسن" الذي يضم "سندس" ويشاركها الحديث بحب ظاهر، ونظرت حولها لتجد نفسها تقف وحيدة، تلك هي الصورة التي يجب أن تفهمها، "حسن" أصبح له حياة سعيد بها، وربما ما سمعته منه اليوم جعلها تعيد ترتيب أفكارها، فيبدو أنه يخفي الكثير خلف شخصيته الرزينة.
ذهبت عيناها نحو "حسين" الذي وقف بجانب "صفاء" ووالديه يحتضنها بحنان، تبصر مدى حبها له وتعلقها به، حتى أنها تتقبل منه مزاحه ومشاكسته لها، حتى "الجدحسن" ينظر له كأنه ابنه، شيء ما داخلها شعر براحة وهي تراه يبتسم ويضحك من صميم قلبه، ضحكته التي غادرت وجهه منذ زواجهم لتشعر دوماً بالأسى لأجله.
تعلم يقيناً أنه يحبها وهي كسرته حتى وإن كانت هي قد كسرت معه، لكن هو لا ذنب له بذلك.
_ يله أوقفوا جنب بعض، كل واحد جنب مراته لو سمحتوا وأنا "السنجل" البائس سوف ألتقط لكم صورة.
هكذا أشارت لهم "مليكة" ليتجمعوا كي يلتقطوا صورة تذكارية، لتنظر نحو "حسين" الذي تسمر مكانه:
_ يله يا "حسين".
لحظة وخزت قلبه بألم، وعن أي زوجة تتحدث شقيقته؟ كاد أن يعتذر لكنه تردد في ذلك وهو يجدها تنادي على "قمر":
_ يله يا "قمر" ما تيجي جنب جوزك يله يا بنتي.
ارتبكت تنظر له بتوتر لكنها اقتربت تقف في الطرف بالقرب منهم، رفعت "مليكة" هاتفها تحاول أن تضبط أبعادها:
_ "قمر" مش باينة في الصورة، "حسين" ضم "قمرة" كدة ناحيتك عشان تبان.
قبض على يده وفتحها بتوتر متجاهل حديثها، لكن شقيقته التي سلطت عينيها عليه بإصرار جعلته يمتثل لطلبها، مد يده يحيط ذراعها ويضمها إليه ليخفق قلبه بشدة من قربها، أغمض عينيه ورائحتها التي تخللت أنفاسه تغزو صدره فتضرب قلبه الملتاع بسهام عشقها يخبره أنه لا يزال أسيرها.
أما هي فلمسة يده على ذراعها وقربها منه أربكها، وضربت رعشة بسيطة جسدها تدغدغ قلبها بمشاعر ترجمتها أنها خجلاً منه.
*****************************
دخل شقته ليجد "ورد" تخرج من غرفته بوجه حزين تحمل كوب عصير، اقترب منها يسألها بقلق:
_ ماما إزايها دلوقت؟
تضاعف حزنها وهي تخبره بصوت متألم:
_ صحيت من مدة بس رافضة تاكل أي حاجة، اتحايلت عليها تشرب العصير مرضيتش.
أومأ لها برأسه وأخذ منها قدح العصير:
_ هاتي هحاول أنا معاها.
دخل الغرفة ليجدها تجلس على سريرها شاردة في عالم آخر، تمسح دموعها بأناملها فتسيل أخرى عوضاً عنها، كأن دموعها تأبى التوقف، بكاؤها الصامت آلمه، ليقترب يضع العصير بجانب السرير وينادي عليها:
_ "ندى" ... "ندى".
التفتت نحوه تناديه بلهفة:
_ "طارق"، عملت إيه؟ كلمته؟
جلس أمامها يربت على يدها بهدوء:
_ اهدي يا "ندى"، هحكيلك كل حاجة. أمسك يدها يضمها بين كفي يده يحاول أن يمنحها القوة، يحرك يدها يمنحها دفئاً قليلاً ويروي لها ما أخبره به ولده حتى انتهى ليجد دموعها تتساقط بقهر:
_ يا حبيبتي يا بنتي، متحملة كل دا وساكتة؟ كنت متأكدة إن هو السبب، يا خسارة تربيتي فيه.
أحاط وجهها بكلتا يديه يمسح دموعها بإبهامه ويلومها بشدة:
_ إحنا اتفقنا إنك تهدي، مش كدة خلينا نعرف نتصرف.
تعالت شهقاتها وقد ظنت أنه يعاتبها حتى وإن لم يفصح بذلك، لكن نظراته تكلمت لتقول مبررة:
_ والله يا "طارق" ما غصبتو، هو اللي قال موافق، وحياتك عندي ما أجبرتوش ولا ضغطت عليه حتى تقدر تسأله.
عاد يمسح دموعها المنهمرة وتنهد بحزن يهز رأسه يؤيد حديثها:
_ عارف يا "ندى"، كلنا غلطنا، إحنا غلطنا لما اخترنا، وهو غلط لما ما اتكلمش ووافق على جواز من غير فترة خطوبة، يمكن دا اللي بلوم نفسي عليه، لو كنا أديناهم فترة يتعرفوا على بعض ما كانش حصل اللي حصل.
_ وإحنا كنا هنعرف منين يا "طارق"؟ دا وافق من غير تردد.
انحدرت يده نحو كتفيها ثم عضديها يحدق بها ويقول بتفاؤل:
_ بس لسه فيه أمل يا "ندى".
_ إزاي؟ مش فاهمة فهمني.
_ "زياد" بيحبها أنا متأكد، وتأكدت النهاردة أكتر.
لوت شفتها بسخط وقالت متهكمة:
_ وإيه الفائدة يا "طارق"؟ أهو ضيعها من إيده.
أمسك يدها كأنه يحاول إقناعها:
_ بس مطلقهاش، يعني يقدر يرجعها.
هزت رأسها بقلة حيلة وقالت بصوت مختنق:
_ وفكرك هي هتوافق ترجعله بسهولة كدة؟ وإلا "سماح" هترضى بنتها ترجع؟ ما أنت عارفها دماغها ناشفة، و"زياد" باللي عمله رجع الماضي وفكرها باللي عمله جوزها فيها.
لوح بيده بعدم اكتراث وقال بضيق:
_ "سماح" مش مهمة، الأهم "رحمة" تقتنع.
_ "رحمة" بتحب أمها أوي، يعني "سماح" ليها تأثير عليها منقدرش ننكر دا.
حدق بها بامتعاض وقال يلومها:
_ "ندى" بلاش تقفلي علينا الأبواب كلها، ابنك عنده فرصة أدام هي بتحبه بس ادعي ربنا إنه يفهم إنه بيحب مراته، كدة هو اللي هيحارب عشان يرجعها.
تنهدت بيأس تدعو له بصدق:
_ ربنا يهديه ويصلح حاله، قلبي مجروح منه أوي، متخيلتش "زياد" الطيب يعمل كدة، دول كانوا سمن على عسل، طلع كل دا بيمثل.
مسح على ذراعها بعد أن عادت الدموع تتجمع في عينها:
_ خلاص يا "ندى"، اللي حصل حصل، وصدقيني هو بيحبها بس محتاج يقعد مع نفسه عشان يفهم.
هزت رأسها بتمني ليمد يده يمسح دموعها قبل أن يلتقط كأس العصير ويقربه منها لتشيح وجهها برفض:
_ مش قادرة أشرب حاجة.
مسح على وجنتها بحنان وقال يشاكسها مازحاً:
_ عشان خاطري... يله يا حبيبتي أنتِ ما أكلتيش حاجة من الصبح وعندك أدوية، يعني "زياد" باشا يعمل المشاكل وأنا حبيبتي تتعب وقلبي يتوجع عليها؟
ابتسمت تطالعه بعين دامعة ليتوسلها:
_ يله يا روحي اشربي.
قرب من فمها الكأس وسقاها العصير لترتشف منه وحاولت أن تبتعد لكنه أجبرها على شربها كاملة ليضع الكأس جانباً، فتنظر له بامتنان:
_ ربنا يحفظك ليا ولا يحرمنيش من حنيتك عليا.
مسح على وجنتها برقة وقال بحب:
_ وهو أنا عندي كم "ندى" في الدنيا؟ دي هي واحدة حبيبتي ونور عيني.
*******************************
كانت عيناه تراقب فرحتها ونظرات الانبهار التي تطالع أركان الجامعة بشغف فطرتها البريئة التي جعلتها تجهل الكثير من الأمور وإن كانت بسيطة. كان يقرأ بعض الأوراق في ملفها باندماج يطالع ما ينقصها عندما سبقها عن غير قصد، كانت تتلفت يميناً ويساراً تجذبها بعض الأمور وانشغلت في قراءة أسماء الكليات لتعود تنظر إلى الطريق أمامها فلم تجده، لتحتلها مشاعر من الخوف والرهبة وتجمع الدموع في عينها فزعة من فكرة ضياعها في هذا المكان، لتسرع خطاها تتعثر تارة وتعتدل أخرى، وعينها تتنقل بهلع بين الوجوه التي تسير أمامها.
أما هو فكان يخفض رأسه مندمجاً في قراءة تلك الأوراق حتى توقف والتفت إلى الخلف ليسألها عن شيء ليتفاجئ بعدم وجودها ليهرول راكضاً يبحث عنها بخوف ويقول بقلق:
_ رحتِ فين يا "نور"؟ هو دا وقته تضيعيني في المكان دا؟
ازدحام المكان بالطلبة زاد من توتره، عينه بدأت تمسح المكان برعب من فقدانها حتى توقف ليزفر أنفاسه بارتياح عندما وجدها تقف محتضنة حقيبتها وجسدها يرتعش مستندة إلى أحد الأعمدة العملاقة، اقترب منها حتى وصل إليها وقف أمامها يلهث أنفاسه، وبمجرد أن رأته حتى شهقت بلهفة وتشبثت به بخوف تخبره بعين باكية وصوت يهتز بفزع:
_ كنت فين؟ خفت أحسن أكون تهت.
نظر إليها بإشفاق يشعر بيدها المرتجفة تمسك بعضده بقوة، رفع يده يمسح دموعها بحنان ويقول بلطف يحاول تهدئتها:
_ اهدي يا "نور"، أنا لقيتك أهو متخافيش.
مسحت دموعها بيديها وحاولت أن تكتم شهقاتها وتسيطر على خوفها لتجده يمد لها كف يده ويقول مبتسماً:
_ امسكي إيدي كدة أطمن إنك ما تتوهيش تاني.
نظرت إلى يده الممدودة نحوها بتوتر ورفعت رأسها نحوه ببطء، ترددت بخجل لكنه تجاوز ترددها عندما أمسك يدها يجذبها خلفه يطالع الطريق أمامه كي يعفيها من الحرج، كانت تسير خلفه على استحياء، تركت له يدها مجبرة.
حتى وصلوا إلى صرح كبير، رفعت رأسها ليخفق قلبها بسرور عندما قرأت اللافتة المكتوبة ولمعت عيناها بالدموع وهي تجد نفسها تقف أمام حلمها:
"كلية التربية"، التفت لها بابتسامة عريضة:
_ يله عشان تحققي حلمك.
أومأت له وسارت خلفه تطيعه كطفلة تطيع والدها، حتى انتهى من تسجيلها ليجد الفرحة تغمرها لأنها تأكدت أنه وفى بوعده ووضعها على أعتاب حلم ظنته مستحيلاً، وصلا إلى السيارة جلست بجانبه وقبل أن يدير مفتاحه للمغادرة التفتت نحوه تخبره بامتنان:
_ متشكرة أوي.
أسعدته سعادتها وابتسم لها يشاكسها:
_ لا أنا مش عاوز شكراً كدة، أنا عاوزك تتفوقي وتكوني مجتهدة، ويا ريت لو تطلعي من أوائل دفعتك.
لتخبره بحماس امتزج بثقة وأمل:
_ إن شاء الله، هذاكر وأنجح وأكون من الأوائل كمان وأجيب تقديرات كويسة.
ضحك وقال مستنكراً:
_ يعني انسحبتِ بسرعة من الأوائل؟ يا ستي خلاص تقديرات تشرف ماشي، أنا موافق.
_ إن شاء الله.
تنهد وقال قبل أن ينطلق بسيارته:
_ خلينا نتغدى الأول وبعدين أروحك البيت وأنا أروح المستشفى.
اختفت ابتسامتها تدريجياً وقالت بتوتر:
_ نتغدى فين؟
قطب حاجبيه يوزع نظره بينها وبين الطريق بحذر:
_ نتغدى في مطعم، أنا عازمك يا ستي.
ارتبكت تطالع الطريق أمامها، تدلل يديها المتشابكتين بحرج وتقول بقلق:
_ أصل ما بلغتِش خالتي "شمس".
ليقول بضيق دون أن يلتفت إليها:
_ ملكيش دعوة بـ "خالتك شمس"، أنا هبلغها.
وصلا إلى ذلك المطعم الفخم ودخلت تسير جواره بتوتر تتلفت يميناً ويساراً تطالع ذلك العالم الغريب الذي دخلته، فحتى "حسام" عندما كان يأخذها إلى مطاعم لم تكن بهذا الرقي، انتبه لارتباكها ليهمس لها:
_ مالك يا "نور"؟
لتخبره بعفوية تهمس وعيناها تدور في المكان بانبهار:
_ شكل المطعم غالي.
ابتسم يشير لها نحو إحدى الطاولات:
_ ولا يهمك دي هدية قبولك في الكلية.
جلست على استحياء عيناها تراقب زبائن المطعم الذين يرتدون ملابس راقية لتتحرك يدها بتلقائية على ملابسها البسيطة، فتشعر بالحرج وأنه أدنى من أن تجلس في مكان كهذا لتخبره بحسرة وبنبرة بريئة:
_ مش كنا روحنا مطعم تاني أرخص من دا؟ شكل زباينهم عليوي وأنا خلجاتي يعني.
حدجها بنظرة مستهجنة أربكتها وجعلتها تخفض عينها نحو يدها المتشابكة بخوف لتسمع يأمرها بحدة:
_ ارفعي رأسك يا "نور"، مش عاوزك توطي رأسك أبداً، الناس هنا مش أحسن منك، أنتِ هتأكلي بفلوسك.
لتخبره ببراءة:
_ أنا معيش فلوس كتير.
ضحك ملء قلبه حتى أدمعت عيناه وسط دهشتها، ليتوقف يمسح دموعه ويقول لها يمازحها:
_ أنا معايا فلوس متخافيش، مش هنغسل الأطباق.
انفرج ثغرها بابتسامة حرجة وتقول بتلعثم وبلهجتها العفوية:
_ كتر خيرك، ما كانش له لزوم تكلف نفسك.
حدق بها لحظات أصابتها بتوتر وازداد توترها حتى احمرت وجنتاها بخجل وهو ينحني نحوها يهمس لها:
_ أنتِ مراتي وأنا عازم مراتي، وما فيش تكلفة بين الراجل ومراته.
ابتلعت ريقها بحرج وصمتت بعد كلمته التي بعثرت حالها، لتلملم شتاتها وتبني سوراً منيعاً حول قلبها من أن ينجرف خلف حديثه، فلم يكن سوى حديثاً هزلياً وهو ليس سوى شخص يساعدها.
****************************
حملت طبق "التشيز كيك" وكوب العصير واتجهت نحو تلك الغرفة المغلقة التي لم تدخلها منذ زواجهم، فهو يغلقها بالمفتاح عندما يخرج منها، ساقها الفضول إلى هناك واتخذت من طلب "سيف" منها مرافقة "نور" لشراء ملابس خاصة لكليتها سبباً لدخولها، طرقت الباب باضطراب عدة مرات حتى فتحه ووقف أمامها بجمود، لتقول بارتباك وهي ترفع ما تحمله:
_ جبتلك "تشيز كيك" عشان تجربه.
نظر لما تحمل ثم نقل نظره لها وقال ببرود قبل أن يستدير متجهاً نحو الداخل:
_ ما بحبش الحاجات دي.
_ طب جرب دا طعمه حلو أوي.
قالتها برجاء ليتراجع عن غلق الباب خلفه، لتتبعه عيناها تدور في المكان تمسح تفاصيله وتتفاجأ بتلك المجسمات المنتشرة، مكتب صغير خلفه مكتبة صغيرة ومنظمة خاصة بالرسم لتسأله بتعجب:
_ أنت بتعمل مجسمات؟
_ أيوه.
وضعت ما تحمل على المكتب واتجهت بلهفة نحو تلك المجسمات تتلمسها وتراقب تفاصيلها بدقة، لقد حملت لمسة احترافية جعلتها تهتف بلا وعي:
_ وااااو تحفة، برافوووو عليك!
أخفى ابتسامته ورسم البرود من جديد:
_ دي هواية وعادة في نفس الوقت، أنا بشتغل المجسم بنفسي مع إني بعمل نفس المجسم رقمي على "اللاب توب"، بس مش عارف بستمتع بالحكاية دي.
كانت عيناها لا زالتا متسعتين بانبهار تتنقل بين مجسم وآخر حتى استوقفتها عاصٍ حاملة لكاميرا رقمية، لتلتفت نحوه تسأله مستفسرة:
_ أنت بتصور المجسم وإلا طريقة صنعه؟ أنت بتعمل إيه بالكاميرا؟
_ أنا بصور مراحل صنع المجسم وكمان بصور فيديوهات تعليمية وساعات دعاية للمكتب عشان القناة.
كررت كلمته الأخيرة بدهشة:
_ القناة؟
هز رأسه مؤكداً:
_ أيوه أنا عندي قناة على "يوتيوب" و"إنستجرام" و"بيج" تسويقي على "الفيس بوك".
رفعت حاجبها بتعجب وهي تقترب منه:
_ أنت بتتكلم بجد؟ أنت عندك قناة؟
أومأ لها وأضاف:
_ وكمان عندي عدد "فلورز" مش بطال.
ثم أشار لها بسبابته واتجه نحو مكتبه:
_ استني.
فتح جهاز "اللاب توب" خاصته وبدأ يبحث عن قناته أدارة يريها عدد المشتركين واسم القناة وبعض الفيديوهات.
انحنت نحو الأمام تشاهد ما يريها لتتجمد فجأة، تحرك رأسها بلا استيعاب، فعقلها قد تشتت عندما وجدت صورتهما معاً لا تزال خلفية لجهازه، اعتصرها قلبها بألم لتجلد نفسها من جديد وهي تسأل نفسها عن مدى حبه لها، فعلى الرغم ما فعلته به لا يزال محتفظ بتلك الصورة، لكن وماذا ينفعها وهي تجد نفوره منها؟ حتى كلماته المقتضبة تشعرها بضيق من نفسها على ما فعلته به.
استمر يتنقل بين المواقع يوضح لها لتقول بتلعثم:
_ هبقى أنضم إن شاء الله.
حاولت الهروب بعد أن شعرت بالاختناق وهي تقارن خذلانها له بحبه الكبير لها:
_ عن إذنك، أسيبك تشوف شغلك.
قالتها قبل أن تنسحب حتى وصلت إلى الباب لتتذكر سبب وجودها هنا:
_ أه.. "سيف" كان عاوزني آخد "نور" تعمل "شوبينج" قبل الكلية ما تبدأ، ممكن؟
هز لها رأسه بالموافقة قبل أن يوقفها:
_ استني ثواني.
ثم فتح أحد الأدراج وأخرج بطاقة بنكية مد يده لها بالبطاقة:
_ اتفضلي.
اقتربت تلتقطها منه وتسأله:
_ إيه دي؟
_ دي "فيزا كارد" عشانك، أنا فتحتلك رصيد باسمك في البنك وهيتحولك رصيد كل شهر.
لتقول باعتراض:
_ بس أنا عندي "الفيزا" بتاعتي ومش محتاجة فلوس.
حدجها بنظرات حادة تنهي اعتراضها وقال بحسم:
_ طول الفترة اللي هنقضيها مع بعض أنتِ مسؤولة مني.
ها هو يجلدها من جديد وسخاؤه يجعلها تشعر بضآلتها أمامه لتومئ له وتنصرف من أمامه وقلبها ينبض بقهر كلما قارنت ما صنعته به بما يصنعه لها، وما إن أغلقت الباب حتى تنهد بحسرة يطالع ما جلبته له، انحنى يلتقط كوب العصير ويرتشف منه وأخذ قطعة صغيرة من "التشيز كيك" يدسها بفمه يمضغها بتوجس ويتمتم باستحسان:
_ والله مش بطال.
************************
جلست تمسح دموعها التي تحبسها أمام صغيرتها، شعرت بنيران القهر تنهش قلبها بلا رحمة، تعض على أصبعها بندم، فهي من سعت في إقناعها ظناً منها أنه عريس لا يُرفض.
وها هي تحصد نتاج تسرعها لتعود وتواسي حالها، وما كان ينقص "زياد" لترفضه؟ وهل كانت لتعلم الغيب وأنه كان يحب غيرها ولم يكن زواجه منها سوى ضماد لجرحه؟ تنهدت بحرقة تمسح دموعها المتساقطة بحسرة وتهون على نفسها:
_ هو أنتِ كنتِ هتشمي على ظهر إيدك يعني يا "سماح"؟
وأضافت تحدث نفسها بحيرة تحاول استيعاب ما حدث:
_ مهو كان بيعاملها كويس وشايلها من الأرض شيل، دا أنا قولت إنه بيعشقها مش بس بيحبها.
ثم ندبت حظ ابنتها بوجع:
_ عين وصابتك يا بنتي، عيني عليكِ يا ضنايا.
هزت رأسها بيأس تتذكر الماضي بأسى:
_ ويعني هو "محمد" مش كان بيحبك يا "سماح"؟ مش كان بيتغزل فيكِ وفرشلك الأرض رملة، "وهنبني بيتنا سوا ونملأه عيال، أنا عاوز ولاد كتير منك يا سماح".
عادت تمسح دموعها المنهمرة بحزن وتردد بكسرة:
_ وأهو حب غيرك ومسح حتى وجودك من حياته وطلع كل كلامه كذب في كذب، باين الرجالة كلها كدة.
طرقات على الباب جعلتها تنتفض بتذمر زاده إصرار الطارق، لتمسح دموعها بأكمام ثوبها وتنهض بامتعاض نحوه.
فتحت الباب لتستشيط غضباً وهي تجدها تقف أمامها لتربع يدها وتقول بانفعال:
_ خير؟ عاوزة إيه يا أختي؟ يا بجاحتك! وليكِ عين تيجي بعد اللي عمله المحروس ابنك؟
ابتلعت "ندى" كلماتها بتفهم فهي لا تلومها وطأطأت رأسها بخزي قبل أن ترفعه تطالعها بحرج:
_ عندك حق في كل كلمة قولتيها، مش هلومك يا "سماح" مهما قولتي، وأنا مش جاية أدافع عن ابني، ابني غلطان.
لوت شفتها بسخط وقالت مستهزئة:
_ طب كويس إنك تعرفي إنه غلطان، خليه يطلقها ومش عاوزين نشوف وشه، وحسبنا الله ونعمة الوكيل في اللي عمله في بنتي.
دعت بصدق وترفع يدها نحو السماء، لتشهق "ندى" بحزن وتقول برجاء:
_ طلاق إيه؟ لا سمح الله ما تقوليش كدة، ربنا يهدي سرهم ويصلح الحال.
لتصرخ بها بانفعال:
_ حال إيه يا أم الدكتور؟ بعد اللي قاله ليها وكسره للبنت؟ عاوزة البنت ترجع بعد اللي حصل؟
ثم صدرت منها ضحكة بقهر تسخر منها:
_ ليكون أنتِ جاية تقنعيها ترجع؟ "عال" والله، يعني مستكثرة حتى يجي ويعتذر؟
لتصيح بانفعال تتوعده بالألم:
_ طب دا أنا هخليه يحلم يشوفها.
رفعت "ندى" يدها تجمع أصابعها تحاول أن تشرح لها بعد أن رأت نوبة الغضب التي اجتاحتها:
_ اهدي يا "سماح"، أنتِ فاهمة غلط، أنا جاية أشوف "رحمة" ومش عاوزة حاجة أكتر.
_ بنتي نايمة.
لتشير نحو الخارج:
_ يله برة من غير مطرود.
جذب "ورد" التي استفزها حديث "سماح" وثورتها يد أمها تسحبها نحو الخارج رغم رفضها:
_ يله يا ماما خلينا نمشي.
هزت رأسها رافضة تقاوم يد "ورد" التي تجذبها وتقول بعين باكية تنظر لـ "سماح" التي أشاحت بصرها عنها بتحدٍ:
_ مش ماشية إلا أما أشوف "رحمة".
كانت "رحمة" غافية ليفزعها صوت الصياح المتعالي في الخارج، نهضت بثقل تتجه للخارج، فتحت الباب تسمع لطرد والدتها لـ "ندى"، لتركض نحوها بخطى جاهدت أن تكون سريعة فلم يسعفها وهن جسدها من الحركة السريعة، لتهتف:
_ ماما "ندى".
التفتت "ندى" وجدتها تقترب منها لتهرول نحوها "ندى" تحتضنها، وتدخل الاثنتان في نوبة بكاء شاركتهم فيها "ورد"، أخرجتها "ندى" من أحضانها تمسح دموعها وتخبرها بشوق:
_ وحشتيني أوي أوي يا بنتي.
نظرت لها وعيناها تشكو لها جرحها، ولسان حالها يقول: "أرأيتِ ما حل بي؟"، لكنها قالت بصوت مختنق:
_ أنتِ كمان وحشتيني يا ماما.
احتضنتها "ورد" بمحبة تعاتبها بلطف:
_ وأنا يا "رحومة" ما وحشتكيش؟
_ وأنتِ كمان يا "ورد" وحشتيني.
عادت "ندى" تضمها إليها وتهمس لها:
_ ممكن أتكلم معاكِ على انفراد؟
احتقن وجه "سماح" بعد أن استفزها طلب "ندى" وقالت بانفعال:
_ قصدك إيه على انفراد؟ عاوزة تستفردي بالبنت؟
وقبل أن تهم "ندى" بالإجابة محاولة التبرير، سبقتها "رحمة" وهي تجذب يد "ندى" غير عابئة بصراخ والدتها، لكنها اكتفت بأن تخبرها قبل أن تدخل:
_ ماما... ماما "ندى" مالهاش دخل.
دخلت "ندى" و"ورد" خلفهم "رحمة" التي أغلقت الباب خلفها، تاركة "سماح" تجلس في الصالة تستشيط غضباً من فعلتها:
_ اتفضلوا.
سحبت "ندى" يدها وأجلستها بجانبها:
_ تعالي يا حبيبتي.
تنهدت تستجمع كلماتها وترتبها بدقة محاولة تهدئتها، لتمنح ولدها وقتاً كي يتدارك نفسه كما أخبرها "طارق"، وربما يستفيق ويصلح ما أفسده.
خيم الصمت لحظات كسرته "ندى" عندما قالت ويدها على ذراع "رحمة":
_ أنا مش جاية أدافع عن ابني يا "رحمة"، ابني غلط وحقك تاخدي موقف منه، بالعكس أنا معاكِ في كل اللي أنتِ عاوزاه.
انسابت دموعها تحرق قلبها قبل وجنتها وقالت بصوت مبحوح:
_ يطلقني.
بهتت ملامح "ندى" وكاد قلبها أن يتوقف من شدة الصدمة، كانت تظن أن الطلاق رأي "سماح" فقط، لكن يبدو أنه رأيها أيضاً لتلومها:
_ ليه يا بنتي تخربي بيتك عشان ماضي؟ خلاص البنت اتجوزت وأنتِ تقدري تخليه يحبك.
تحولت ملامحها من الحزن إلى التحدي وقالت بثقة كأنها حسمت قرارها:
_ آسفة يا ماما، أنا مش مستعدة أحارب تاني، ابنك كسرني مرتين، والبنت اللي حضرتك بتتكلمي عليها مالهاش وجود، طلع كله وهم وتمثيل.
ابتلعت "ندى" ريقها بتوتر لكنها استمرت تحاول إقناعها:
_ ليه يا حبيبتي بتقولي كدة؟ "زياد" بيحبك بس هو لسه موهوم بالماضي.
ابتسمت بانكسار ساخرة من حديثها:
_ "زياد" يحبني؟ أنتِ بتضحكي عليا وإلا على نفسك يا ماما؟ "زياد" عمره ما حبني ولا حاول يحبني، "زياد" قافل قلبه على حبه القديم، كل اللي كان بيعمله كان بيرضي ضميره بأنه يمثل إنه بيحبني.
_ يا بنتي أرجوكِ، اديله فرصة، أنتِ محتاجة وقت ترتاحي فيه، خدي وقتك وفكري، بلاش تستعجلي يا "رحمة"، أرجوكِ.
اهتز جسدها بانفعال بعد أن طلبت منها إعطاءه فرصة، لتقرر إنهاء هذا اللقاء فهي قد حسمت أمرها وقرارها نهائي لا يحتمل النقاش، نهضت تقول بحدة:
_ آسفة يا ماما، أنا مش مستعدة أديله فرصة، لا دلوقت ولا بعدين، أنا اديته فرصة وهو خذلني، كل اللي أقدر أعمله عشان خاطرك أنتِ و"بابا طارق" إني مش هطلب خلع، وهستنى يطلقني من نفسه احتراماً ليكم أنتِ وبس.
نظرت لها "ندى" بقلة حيلة لا تستطيع أن تلومها، لتنهض وتقول بيأس وربما يكفيها أنها وعدتها أن تكون خطوة الانفصال الأولى منه لا منها:
_ كتر خيرك يا بنتي.
نظرت لـ "ورد" التي كانت تنصت لحديثهم بحزن وإشفاق، أومأت لها "ورد" نهضت خلفها، لتربت "ندى" على كتفها بحنان وتبتسم ابتسامة باهتة:
_ خلي بالك من نفسك.
تركتها وغادرت، لتندفع بعدهم "سماح" توبخها وتسألها عن ما أرادوه منها، لم تكن تسمع صراخ والدتها، كان تسمع صراخ قلبها المحطم وكرامتها التي تخبرها أنها فعلت الصواب.
****************************
دخل إلى شقته التي تسبح بالظلام، خمسة عشر يوماً مروا منذ أن رحلت وبلغ الشوق لها منه مبلغه، يتذكر كيف كانت تستقبله بابتسامتها الصافية وقبلتها الرقيقة على وجنته، رائحة الطعام الزكية تملأ المكان.
تلتقط منه كيس المقرمشات التي تعشقها وتخبره بنوع الحلويات التي أعدته له، ملابسه التي يجدها معدة، كلماتها الجميلة التي تنسيه تعبه، تلك التفاصيل التي كان يعتبرها عادية اليوم يدرك أنها كانت سر سعادته، خفق قلبه يلومه بلوعة، لقد أضاع قلباً عشقه.
خطى نحو الداخل وجلس على الأريكة بإرهاق، كل ركن في منزله يذكره بها، يبدو أن والده كان محقاً، لقد أحبها دون أن يعلم، مسح دمعة هاربة من عينيه يسقي نفسه تلك الحقيقة المرة، لقد أضاع محبوبته للمرة الثانية، لكن هذه المرة أضاعها بيده وغبائه، لكن حزنه عليها كان مضاعفاً، يبدو أنه أحبها بصدق، أصبحت أيامه بلا طعم بدونها، كأنها سلبته ألوان الحياة برحيلها حتى أصبح يعيش حياة رمادية قاسية.
طرقات الباب شقت سكون المكان لينهض متجهاً نحوه، فتح الباب ليجد "ورد" تحمل له طعاماً:
_ "زياد" حبيبي وحشتني، كنت فين كدة يا "زياد" تقلقنا عليك؟ لولا الممرضة بلغت "بابا" إنك بتبات في العيادة.
كنا اتجننا، ليه كده يا حبيبي؟ دانا ما صدقت لما العاملة" قالت إنها شافتك طالع السلم، جبتلك أكل وجيت، عامل إيه يا حبيبي؟
هز رأسه يخبرها بضعف:
_ الحمد لله.
دخل فدخلت خلفه تضع الطعام على الطاولة الوسطية أمامه وتقربها منه ليقول بوهن:
_ مليش نفس يا "ورد".
ربتت "ورد" على كتفه تحايله:
_ عشان خاطري يا "زيزو"، كل دا أكل "ورد" حبيبتك.
تعلقت عيناها بعينيه ليسألها بألم:
_ ماما عاملة إيه؟
جلست "ورد" بتوتر تخبره بحزن:
_ بقت أحسن النهاردة، أصلها كانت تعبانة من كم يوم من ساعة ما زرنا "رحـ..."
ابتلعت باقي كلماتها بعد أن أدركت تسرعها ليسألها بلهفة:
_ أنتم زرتوا "رحمة"؟ إزايها؟ عاملة إيه؟ وقالت إيه؟
تنهدت بأسى وأخبرته بصدق كل ما حدث حتى انتهت تبرر لها:
_ بصراحة هي عندها حق في كل اللي قالته يا "زياد"، أنا مش بلوم عليها.
ثم أضافت تعاتبه:
_ عملت كدة ليه؟ حرام! أنتم كنتم زي السمن على العسل، ليه هدمت كل دا؟
_ عشان غبي.
قالها يجهش بالبكاء لتنظر له "ورد" بإشفاق وهو ينهار أمامها:
_ ضيعتها مني يا "ورد"، ضيعت الإنسانة اللي كانت بتحبني، وعشان إيه؟ عشان إنسانة عمرها ما بصت ليا.
لتسأله بتوجس بما استنتجه عقلها وهي تربط الخيوط معاً:
_ "زياد"، هي البنت اللي أنت بتحبها "قمر" بنت خالتو "شمس"؟ أصلها قالت إنها زارتك في نفس اليوم اللي اتخانقت فيه أنت و"رحمة".
ظل صامتاً ولم يجبها لكن عينيه باحت لها بما يؤكد صدق ظنونها، لتخبره بما زاد ألمه وحسرته:
_ "قمر" عمرها ما كانت هتبصلك عشان هي أصلاً بتحب حد تاني.
_ "حسين"، مش كدة؟
ابتلعت ريقها بتوتر وكذبت تجاري كلامه:
_ أيوه، "قمر" بتحب "حسين" من زمان.
انهمرت دموعه بندم تضربه قلبه بقسوة وتؤنبه على ضياعها، نظرت له شقيقته بإشفاق:
_ حاول تصلح غلطتك يا "زياد"، أنت عندك فرصة، ما تستناش "رحمة" تديلك فرصة، اخلق أنت الفرصة لنفسك، بلاش تضيع "رحمة" من إيدك دي بتحبك أوي.
لينطق اعترافه أمام شقيقته التي ابتسمت بارتياح لأجله:
_ وأنا كمان اكتشفت إني بحبها.
لم يستطع النوم ومع نسمات الصباح الأولى وجد قدمه تسوقه نحو منزلها، انتظر حتى مضى بعض الوقت ليجد نفسه امام الباب طرقه
فتحت الباب، فاحترق قلبه وهو يرى وجهها الشاحب، وتلك الهالات السوداء التي ارتسمت حول عينيها، ويدها التي غُرِزت فيها "كانولا"؛ يبدو أنها لا تزال مريضة كما أخبرته شقيقته.
أما هي، فقد تسمرت مكانها لحظاتٍ عند رؤيته، لكن سرعان ما تذكرت ذلك الألم، لتسارع إلى إغلاق الباب قبل أن تنطق بكلمة. إلا أن يده سبقتها تمنعها من إغلاقه، وعيناه تتوسلان إليها وهو يقول برجاء:
_ "رحمة"، أرجوكِ اسمعيني، أنا آسف، وعارف إن كلمة آسف قليلة، بس سيبيني أفهمك.
كانت تنظر إليه بجمود، ولم تُحرك كلماته حتى ملامح وجهها، وكأنها لم تسمع شيئاً. عاودت دفع الباب ضاغطة على يده، فعاود هو مقاومتها هاتفاً برجاء:
_ أرجوكِ يا "رحمة" اسمعيني، هما كلمتين وهمشي، صدقيني.
تراخت قوة دفعها سامحةً لجزء من جسدها بالظهور، ما منحه شيئاً من الأمل، فابتسم محيطاً إياها بنظرة شاملة وقال:
_ وحشتيني.
رمقته بنظرة ازدراء، وربعت يديها بعدم اهتمام. ابتلع ريقه باضطراب؛ فهو يعلم أن طريقه لنيل رضاها طويل، لكنه عزم على المضي قدماً لإقناعها:
_ "رحمة"، أنا غبي، عارف إنك مش هتصدقيني، بس وحياتك عندي الفترة اللي بعدتِ فيها عني خلتني أعرف مكانتك عندي، خلتني أحس قد إيه أنا بحبك.
ارتجف قلبها رغم تصلب ملامحها، لكن هذه الكلمة التي تمنت أن تسمعها يوماً، أصبح مذاقها اليوم كالعلقم؛ طعنت قلبها بجرح جديد زاده قهراً. صمتُها جعله يدرك أنها تشك في حديثه، نكس رأسه بخزي قبل أن يرفع عينيه ويثبتهما عليها، قائلاً بتوتر:
_ عارف إنك مش هتصدقيني، بس والله هي دي الحقيقة، أنا بحبك يا "رحمة". كنت عايش في وهم حب تاني، ودافن حباً تحت ذكريات الماضي، لكن دلوقت أنا متأكد إني بحبك ومحبتش غيرك، أرجوكِ اديني فرصة.
طالعته بنظرة ساخرة؛ هل يظن أن بضع كلمات سترمم قلبها المحطم بعد أن سحقه دون رحمة، وألقى بظلال الماضي على روحها لتخنقها وترديها صريعة الخذلان؟ هي ليست "رحمة" التي كانت تغفر بطيبة قلب؛ هي اليوم تقف بقلب مهشم، نفضت طيبتها ونسيت كيف يكون الغفران.
تلاشت ابتسامته، وانطفأ الأمل في عينيه المحدقتين بها، عندما سمعتها تقول بصوت حازم
_كلمة واحدة عاوزه اسمعها منك...طلقني