بعد مرور أسبوع. حبيبة مقيمة بغرفتها لا تغادرها، ممتنعة عن الحديث وعن الطعام أيضًا. جالسة على سريرها، تضم قدميها لصدرها، مستندة بذقنها على ركبتيها، دموعها تسيل على وجنتيها بلا توقف. أغمضت عينيها بعنف لتنهمر دموعها بغزارة أكثر حين تذكرت أنها كانت على وشك تحقيق حلمها والزواج بعشق قلبها. ولكن والدتها دمرت هذا الحلم. فلاش باك أيوب بطوله الفاره يقف أمام حبيبة، ينظر داخل عينيها لأول مرة بعمق وتمعن شديد.
حبس أنفاسه وحاول السيطرة على نبضات قلبه المتسارعة بسبب نظرتها العاشقة له التي تعصف بكيانه. وبجدية تحدث: أيوب: حبيبة. بعشق وشغف وشوق تأملت هي ملامحه، وبابتسامة أكثر من رائعة همست: حبيبة: نعم يا أيوب. نطقها لاسمه بابتسامتها الرائعة أذابت قلبه. دار بعينيه بأنحاء الغرفة كمحاولة منه للهروب من عيونها التي تأسره بجمالها وبرائتها. تنهد بصوت مسموع وبفخر تحدث:
أيوب: أنا أيوب زيدان، عندي 30 سنة، ما كملتش تعليمي علشان أشتغل وأصرف على أمي وأخواتي بعد موت أبويا. والحمد لله ربنا قدرني وعلمتهم أحسن تعليم. ابتسم بألم: بس هما لما وقفوا على رجليهم واتعينوا في مناصب كويسة، الحياة شغلتهم عني أنا وأمهم شوية. ودلوقتي أنا وأمي عايشين في أوضة وصالة فوق السطوح، وأنا شغال أرزاقي على باب الله، بكسب قوتي بدراعي وبعرق جبيني بحلال ربنا.
نظر لوالدته بابتسامة: وكل قرش بشتغل بيه بشيله لعملية أمي اللي بأمر الله هتعملها قريب وهتخف وتبقى أحسن من الأول. نظر لحبيبة: وكنت ناوي ما أعملش أي حاجة لنفسي لحد ما أطمن عليها. بس هي مصرة تجوزني ومصممة عليكي انتي بالذات يا حبيبة، ولخاطرها أنا جيت معاها انهارده نطلب إيدك. عبست حبيبة بملامحها ونظرت له بعتاب تخبره بعيونها أيعقل أنك أتيت إلى اليوم لخاطر والدتك فقط. تفهم هو نظرتها جيدًا فابتسم لها ابتسامته
المهلكة وبتمني أكمل: ولأني بصراحة أتمنى إنك تكوني مراتي. تنهد بصوت مسموع وأغمض عينيه بعنف وأكمل بابتسامة راضية: أنا جيلك انهارده يا حبيبة وكنت ناوي أكرهك فيا علشان ترفضيني. حرك رأسه بالنفي: بس ما قدرتش، لأني مش عايزك تضيعي مني. بدموع فرحة عارمة ابتسمت له حبيبة وبرجاء همست: حبيبة: كمل يا أيوب، أنا سمعاك. أخذ نفسًا عميقًا واقترب منها خطوة واحدة وبهمس أكمل: أيوب: بتنهيدة، توافقي تتجوزيني بعد كل اللي قلتهولك ده؟!
همت حبيبة بالرد، أشار هو لها بصمت وبتأكيد تحدث: أيوب: قبل ما تردي لازم تعرفي إني مش هسيب أمي. هنعيش معاها. نظرت له حبيبة بابتسامة خجولة، ووجهت نظرها لوالدها بعيون تلمع بالدموع وباستحياء همست: حبيبة: اللي بابا يقول عليه. محمد بتعقل: إن كان عليا أنا موافق طبعًا. نظر لأيوب: أنا مش هلاقي راجل أحسن منك يا أيوب يكون جوز بنتي. نظر لحبيبة: وانتي ليكي مطلق الحرية في رأيك يا بنتي.
خفضت حبيبة رأسها بخجل والتزمت الصمت قليلًا وأخذت نفسًا عميقًا ورفعت رأسها نظرت لعيون أيوب بعشق شديد ظاهر بعيونها، وهمت بالحديث لتقاطعها والدتها سريعًا ونظرت لوالدته أيوب وتحدثت بصرامة: نجوى: إيه يا أم أيوب هو سلق بيض ولا إيه؟ نظرت لأيوب: أنت عايزها تقولك موافقة ولا لأ دلوقتي؟ سيبها براحتها يا أيوب. نظرت لابنتها بشرر: خليها تفكر كويس وتدورها في دماغها يومين تلاتة كده وبعدين هنرد عليك.
زينب بعتاب: هو احنا أغراب ولسه هتسألوا علينا يا أم هبة علشان تقولي سيبونا يومين تلاتة؟ حبيبة دي أنا بعتبرها بنتي اللي ما خلفتهاش. نظرت لها بتمعن: ولا تكوني مش موافقة على أيوب يا نجوى؟! نجوى باندفاع: الصراحة من غير زعل يا زينب أيوه أنا مش موافقة. ما تزعليش مني يا أختي كل أم عايزة الراحة والهنا لولادها. زينب بتنهيدة: ومين قالك إن أيوب مش هيهني حبيبة ويريحها؟ نجوى بلوية فم: منين يا زينب؟ هيهنيها منين يا حبيبتي؟
ما أنا عارفة البير وغطاه. زينب: وهي الراحة والهنا عندك في الفلوس يا نجوى؟! حركت رأسها بالنفي: الفلوس دي آخر حاجة تفكري فيها لو فعلًا يهمك راحة بنتك. نجوى بغضب: أنا بنتي الكبيرة متجوزة جوازة أبهة، وأختها لازم تبقى زيها ما ينفعش تبقى أقل منها. نظرت لأيوب: وحبيبة لو اتجوزت أيوب مش هتبقى أقل من أختها بس. حركت رأسها بالنفي: دي هتبقى أقل من الناس كلها. همت زينب بالرد عليها لكن صوت أيوب الصارم قطعهم:
أيوب بتعقل: كفاية يا أمه. نظر لنجوى: عندك حق يا خالة وكلامك أحترمه طبعًا. نظر لمحمد: بس أنا طلبت إيد حبيبة من والدها، راجل البيت. أمسك يد والدته وسار بها للخارج وبابتسامة نظر لمحمد الواقف بإحراج: أيوب: هستنى ردك يا عم محمد. نظر لوالدته نظرة حانية: يله يا أمه. نظر لحبيبة الملتزمة الصمت لينصدم من وجهها الذي شحب للغاية، وعيونها التي امتلأت بالدموع.
تنظر هي له باستغاثة كمن أوشكت أنفاسها على الانقطاع، تترجاه بعيونها ألا يستسلم، ألا يتركها. وبصعوبة حركت شفتاها دون إصدار صوت بكلمة واحدة فقط: حبيبة: أيوب. أكملت بسرها: أنا موافقة أتجوزك. بقلبه استمع لهمسها، فحرك رأسه لها بالإيجاب وابتسم ابتسامة مطمئنة يخبرها بعينيه: أيوب: اصمدي حبيبتي لن تكوني لغيري. نهاية الفلاش باك. صوت والدها الحنون انتشلها من شرودها. محمد بقلق: إيه يا حبيبة؟
نظرت له بعتاب، أغمض عينه هو بعنف وجلس بجوارها وربت على ظهرها بحنان وبتعقل تحدث: محمد: يا بنتي ليه بس كل زعلك ده؟ أنا قولتلك إني موافق على أيوب. بس خلصي السنة اللي فضلالك في الجامعة وهو يكون ربنا رزقه وعمل العملية لوالدته، وبعد كده اللي يريده ربك هيكون. أمسك وجهها بين يديه وأكمل بتساؤل: أنتي مش واثقة في كلامي ولا إيه؟! حبيبة ببكاء: طبعًا واثقة في كلامك يا بابا.
بكت بنحيب: بس ما كنتش متخيلة إن جوازي من أيوب هيعمل مشكلة كبيرة كده بيني وبين ماما. ازدادت حدة شهقاتها: دي قالتلي مش هتدخلي بيت ولا هتكلميني لو اتجوزت أيوب يا بابا. محمد: يا بنتي قالتلك كده وقت غضب. وانتي عارفة أمك بتطلع تطلع وتنزل على ما فيش. يله قومي اغسلي وشك وتعالي معايا نطمن على أختك اللي بقالها أسبوع تقول كل يوم جاية وما بتجيش. تنهد بضيق: ربنا يستر وما تكنش متخانقة مع جوزها.
حبيبة بأسف: وهي حتى لو متخانقة معاه هتقولنا؟ ما أنت عارف بنتك يا بابا ما بتطلعش أسرار بيتها لأي حد. محمد: طيب يله قومي البسي خلينا نروح لها. حبيبة: مش قادرة يا بابا، هبقى أروح لها أنا يوم تاني. محمد بخبث: طيب يا حبيبة أبوكي هيروح لها أنا وبالمرة هفوت على أيوب علشان سمعت إن والدته تعبت و؟! قطع حديثه حين قفزت حبيبة سريعًا واحتضنته بحب شديد وصرخت بفرحة عارمة: حبيبة: ثواني وأكون جاهزة يا أحلى أب في الدنيا.
نهت جملتها وأسرعت بإحضار ثيابها وركضت نحو المرحاض. محمد: هههههههه، قال مش قادرة قال. بشقة سيف وهبة. بدموع منهمرة تقف هبة أمام إحدى الغرف مستندة على الحائط تستمع لحديث زوجها بهاتفه. سيف: وانتي كمان واحشتيني. الفتاة بميوعة: وأنت قوي يا بيبي، هشوفك إمتى بقى؟ سيف: أول ما أخرج هكلمك ونتقابل. الفتاة: أنت بقالك أسبوع في البيت مع النكدية بتاعتك، مستحمل نكدها إزاي بس يا سيفو؟
سيف: لا ما أنا واكلها علقة ورجليها الاتنين متعورين، ولازم أعالجها دي مرات سيف النوري برضه. الفتاة: عندك حق، لازم تعالجها علشان تستحمل العلقة الجاية ههههههه. سيف: إيه يا روح أمك أنتي هتنسي نفسك أنتي كمان ولا إيه؟ الفتاة: ما أقدرش أنسى يا سيفو، أنت عارف أنا بموت في ضربك. ضحكت بميوعة: ضرب الحبيب زي أكل الزبيب. سيف: طيب يله اقفلي واستعدي كويس لمقابلتنا، هتتقطعي. الفتاة بوقاحة: بموت في تقطيعك.
سيف: أمممم، طيب اعملي حسابك هتجيلي الشقة انهارده. الفتاة: أجي لك إزاي ومراتك موجودة؟! سيف: لا ما هي خفت شوية وأنا هوديها عند أهلها انهارده تكمل علاجها عندهم. الفتاة: طيب وأهلها لما يعرفوا إنك السبب في اللي حصلها ممكن يطبوا علينا في الشقة. سيف بثقة: مراتي ما بتنطقش بحرف من اللي بيحصل بينا لمخلوق. ويله اقفلي على ما أنا أوديها لأهلها وأكلمك. بخطوات متعبة أسرعت هبة بالسير نحو غرفتها بقلب ينزف ألمًا.
اقتربت من دولابها وجلبت بعض الثياب لها واتجهت نحو الحمام، غالقة الباب خلفها، مستندة عليه بظهرها تبكي بصوت مكتوم واضعة يدها على فمها تكتم شهقاتها بصعوبة. خطا سيف داخل الغرفة يبحث عنها بجوار صغيره النائم لم يجدها. اقترب من الحمام وخبط عليه وتحدث بتساؤل: سيف: هبة أنتي جوه؟ أخذت نفسًا عميقًا وتنحنحت كمحاولة منها لإخراج صوتها طبيعيًا. هبة: أيوه، ثواني وخارجة.
سيف: طيب بسرعة علشان والدتك وأختك كلموني من شوية وقالوا جايين في الطريق. سارت هبة نحو حوض الاستحمام ونزعت ثيابها وفتحت المياه ووقفت أسفلها لتنهمر المياه عليها اختلطت بدموعها المنهمرة بغزارة على وجنتيها. دقائق مرت عليها وهي تبكي وتبكي حتى هدأت واستقرت على قرار وحسمت أمرها أن لا رجعة بقرارها هذا. أغلقت المياه وسحبت منشفة كبيرة لفتها حول جسدها واتجهت للخارج.
لتنصدم بسيف الواقف أمام الحمام وبلحظة كان مال عليها حملها بين يديه وسار بها نحو أقرب مقعد جلس وجذبها على قدمه وبعتاب تحدث: سيف: لما عايزة تاخدي شاور ما قولتيليش ليه وأنا أساعدك؟ تنظر له بعيون شديدة الاحمرار، ويظهر عليها أثر البكاء بوضوح، وبابتسامة حزينة وهدوء على غير عادتها همست: هبة: ما حبتش أتعبك، أنا بقيت كويسة. لفت يدها حول رقبته والتصقت به أكثر وبعبث أكملت: تحب أثبتلك إني بقيت كويسة؟ ينظر لها بتفاجئ، وضمها لحضنه
أكثر وبأنفاس لاهثة همس: سيف: أثبتي. احتضنته بكل قوتها وقبلت عنقه قبلات صغيرة متفرقة أطاحت بعقله وبصوت مبحوح همست بين كل قبلة وأخرى: هبة: واحشتني قوي يا سيف. رفعت وجهها ونظرت لعينيه بعمق وأكملت: يا جوزي وأبو ابني. ضيق سيف عينيه ونظر لها بشك قليلًا، وبأمر تحدث: سيف: وحبيبك. أمسك وجنتيها بين أصابعه: حبيبك وجوزك وأبو ابنك يا هبة. نهى جملته وهجم على شفتاها بقبلة لهفة جائعة يخبرها بها أنها ملكه وحده وستظل للأبد.
قبلة أتى بعدها الكثير والكثير جعلهم غير منتبهين لجرس الباب ولا لبكاء الصغير. سحبها هو لعالمه الخاص مستمتعًا باستسلامها له، غافلًا عن أنثى أصبحت نار أسفل رماد وانفجار ثورتها وغضبها سيعصف بالأخضر واليابس. أيوب. بصدمة يستمع للطبيب المعالج لحالة والدته. الطبيب: بعملية، والدتك حالتها خطيرة وقلبها مش هيستحمل أكتر من كده لازم تعمل العملية في أقرب وقت. ابتلع أيوب ريقه بصعوبة وبرجاء تحدث:
أيوب: طيب ممكن حضرتك تعملها العملية بالمبلغ اللي معايا وأوعدك هقسطلك الباقي على دفعات؟ الطبيب بأسف: مش هينفع يا أيوب، تكاليف العملية والمستشفى والعناية كبيرة ولازم تدفع كاملة قبل العملية. حرك أيوب رأسه بالإيجاب وحمل الأشعات والأوراق الخاصة بوالدته وبرضا وثقة بقضاء الله تحدث: أيوب: ربنا هيسهلها وهيفرجها من عنده بإذن الله. متشكر قوي يا دكتور.
ركض لخارج المشفى بقلب يبكي دمًا، ملامحه صارمة جامدة لا تبدي أي رد فعل، ولكن قلبه يبكي ويصرخ ألمًا وقهرًا. ظل يركض بلا هوادة، لا يعلم إلى أين يذهب، وماذا يفعل لينقذ والدته الحبيبة، حتى وجد نفسه يقف أمام الشركة الذي يعمل بها أشقاؤه. اشتعلت عيناه بغضب عارم، سيفعل أي شيء وكل شيء حتى ينقذ والدته. اقترب من الأمن الخاص بالشركة وبصرامة تحدث: أيوب: قول للمدير جوز الست صاحبة المخربة دي أخوك الكبير بره.
الأمن بأسف: الباشا قايلي لو لمحتك هنا أمشيك ولو حتى بالضرب وإلا هيقطع عيشي. أيوب بابتسامة مصطنعة: طيب جرب تمد إيدك عليا كده وشوف أنا هعمل فيك وفي اللي مشغلك إيه. نهى حديثه ودفعه بعنف وسار لداخل الشركة بخطوات شبه راكضة متجها نحو المكتب الخاص بالمدير وكلا من يقف بطريقه يلكمه بعنف. حتى وصل لمكتب شقيقه وبكل عنف خبط الباب فتحه ليهب أيمن واقفًا ويتحدث بغضب: أيمن: إيه اللي بيحصل ده؟
اتسعت عيناه بصدمة حين لمح شقيقه الأكبر يقف أمامه بوجه يشتعل بالغضب. ابتلع ريقه بصعوبة وبخوف همس: أيوب. اقترب منه أيوب حتى توقف أمامه وبعنف ألقى الأشعات والتحاليل الخاصة بوالدته بوجهه وبعلو صوته تحدث: أيوب: أمك اللي حايشني عنك أنت وأخوك بين الحيا والموت. قبض على رقبته بعنف: أمي لو جرى لها حاجة أقسم برب الكون لأهدكم زي ما بنيتكم. بمنزل أيوب. زينب برجاء وتعب شديد: نفسي أحضر كتب كتاب حبيبة وأيوب قبل ما أموت يا أبو هبة.
بكت: أنت موافق على أيوب وحبيبة كمان موافقة، وإن كان على نجوى لما تشوف اللي أيوب هيعمله لبنتها هتغير رأيها وهتوافق هي كمان. محمد: طيب كفاية كلام يا أم أيوب علشان ما تتعبيش زيادة. حبيبة بدموع: كفاية يا أمي كلام أرجوكي. أمسكت زينب يد حبيبة وبوهن أكملت: أوعي تبعدي عن أيوب يا حبيبة، والله يا بنتي أيوب ابني هيحطك جوه قلبه وعينه. حبيبة بثقة: عارفة يا أمي. نظرت زينب لوالدها: بأحلفك بالله تفرحني بيهم يا أبو هبة.
حبيبة ببكاء: بابا بعد إذنك أنا موافقة. محمد بتنهيدة: لما أيوب يجي بس. صمت لوهلة: يجيب المأذون ويبقى على بركة الله يا بنتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!